Полный текст (4 323 стр.). Показаны 3431–3470 · переход к 3436.
стр. 3431
السلطان غياث الدين كيخسرو المذكور، وتولى العقد القاضى كمال الدين بن العديم، على مذهب أبى حنيفة-رضى الله عنه-وذلك لصغر سنّ الزوجة. ووقع العقد على صداق مبلغه مائة ألف درهم، ونثروا الذّهب والفضة، واللؤلؤ. وفى تلك الساعة وصلت البطاقة أن عسكر حلب أخذوا المعرات، فضربت البشائر بحلب. ثم سير الملك الناصر القاضى كمال الدين بن العديم رسولا إلى غياث الدين صاحب الروم، وكتب على يده توقيعا أنه قد أوهبه الرّها وأعمالها، وسروج وأعمالها، وملكها له تمليكا صحيحا شرعيا، وأشهد عليه فيه بذلك. وهذان البلدان لم يكونا تحت أمره ولا فى سلطانه، وإنما كانا فى مملكة الملك الصالح. فلما بلغ الملك الصالح ذلك صعب عليه، وحصل التنافس فى ذلك.
وفيها نزل الملك الرحيم بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل على سنجار، وفيها الملك الصّالح، وحاصره، ولم يظفر بطائل. وسيّر الملك الصالح القاضى بدر الدين يوسف ابن الحسن إلى الخوارزمية، يستدعيهم إليه ويسترضيهم، وضمن لهم القاضى عن الملك الصالح كل ما يريدون منه، وأقطعهم البلاد، من جملتها حرّان والرّها وسروج، فعادت الخوارزمية إلى خدمته. فلما بلغ بدر الدين لؤلؤ ذلك من رجوع الخوارزمية إلى خدمة الملك الصّالح، هرب إلى الموصل، فتبعوه وكسروه كسرة شنيعة. ثم جهز لهم صاحب الروم جيشا كثيفا، فالتقوا معه أيضا، وكسروه، واستقام ملك الملك الصّالح بهم، وعظم شأنه، وخشيته الملوك.
وفيها خطب للسّلطان غياث الدين صاحب الروم بحلب، مع الناصر، وضرب اسمه على الدرهم والدينار مع اسم الملك الناصر.
وفيها حصل الاتفاق بين الملك الجواد صاحب دمشق والملك الصالح صاحب الشرق، بالمقايضة: دمشق بسنجار وعانة. وسبب ذلك أن الملك الجواد ضاق ذرعه وعجز عن القيام بمملكة الشام.
стр. 3432
قال أبو المظفر: قال الجواد: «أنا إيش أعمل بالملك؟ باز وكلب عندى خير من ملك الأرض». وكان أسد الدين قد جاء إلى دمشق، وأقام بها، وقتل عماد الدين ابن الشيخ بقلعة دمشق. وانحصر منه الجواد انحصارا عظيما. وكان الجواد يظهر أنه نائب العادل صاحب مصر. فلما قتل ابن الشيخ-فى حديث طويل السّبب- اختشى الجواد على نفسه من أسد الدين الملك المجاهد صاحب حمص، فخرج الجواد من دمشق بحجة الصيد، وضرب فى البرية، وسيّر كاتب الملك الصّالح نجم الدين أيوب، وسأله على المقايضة. وعلم صاحب حمص بذلك، فرحل من دمشق، ودخل حمص. وكان فى قلب الملك الصّالح منه قلوب وحقائد دفينة، لما جرى منه فى حق أبيه الكامل.
ودخل الملك الصالح نجم الدين أيوب إلى دمشق فى العشر الأول من شهر جمادى الآخرة، والملك الجواد حامل الغاشية بين يديه. ثم حملها الملك المظفر تقى الدين محمود صاحب حماة. واتفق أن سنجق الملك الصّالح انكسر عند باب القلعة، فتطيّرت الناس من ذلك. وكان فألا لما ناله الملك الصّالح بعد ذلك من تغلب إسماعيل الملك الصالح على دمشق، واعتقال الملك الصالح بالكرك، حتى فرّج الله عنه، وملك الأرض، حسبما يأتى من ذكر ذلك فى تاريخه إن شاء الله تعالى.
قال أبو المظفر-﵀: ونزل الملك الصالح بالقلعة، ونزل الملك الجواد دار فرخشاه. ثم إن الجواد ندم على ذلك، فاستدعى المقدمين والجند، واستحلفهم.
وجمع الملك الصّالح أصحابه عنده بالقلعة، وأراد أن يحرق دار فرخشاه، فدخل جمال الدين [على بن] جرير فى الصلح بينهما، وخرج الجواد إلى النّيرب.
واجتمع الخلق على باب النصر يدعون على الجواد ويسبونه، ويشتمونه فى وجهه.
стр. 3433
وسبب ذلك أنه كان سلّط عليهم خادما يقال له الناصح، فأخذ أموال الناس باليد، وصادرهم، وضربهم بالسياط، وعلّقهم بأرجلهم، واستخرج منهم ستمائة ألف درهم.
فلمّا خرج الجواد من دمشق وقف الناس للملك الصّالح، فسيّر إليه يقول له:
«ردّ على الناس أموالهم»، فلم يلتفت لذلك. ومات والأموال فى ذمته.
وكان قبل ذلك-وقبل المقايضة-قد قبض الجواد على صفى الدين بن مرزوق وأخذ منه أربع مائة ألف دينار، واعتقله فى قلعة دمشق، فأقام ثلاث سنين.
حكى الشيخ إبراهيم المرزوقى قال: لما توفى السلطان الملك الكامل، وتولى الملك الجواد، وعاد لا يفعل شيئا إلا برأى الملك المجاهد صاحب حمص، استشعر صفى الدين بن مرزوق من الملك المجاهد أنه قاتله، لما كان بينهما من العداوة لما استوزره الأشرف، فصنع صفى الدين تابوت خشب، وترك فيه جواهر عظيمة، ولؤلؤا وفصوصا وياقوتا، لهم صورة كبيرة، وأظهر أن إحدى سراريه قد ماتت، وهى عزيزة عنده، وأنه يريد دفنها فى داره التى داخل مدرسة نور الدين الشهيد، بالقرب من الخواصين، التى تعرف اليوم بالنجيبة الشافعية. وفيها قبة، ولها شباك إلى الطريق.
ثم أطلع التابوت على رقاب غلمانه إلى الجامع، وحضرت كبار دمشق، وصلوا على الميتة التى زعم أنها فى ذلك التابوت، وعمل العزاء والمآتم. وانفصل الحال، وعاد المقرئ يتردد للقراءة على ذلك القبر الذى فيه التابوت. وسلم الصفى مفتاح القبة للشيخ إبراهيم المرزوقى-ناقل هذا الحديث-ثم مسك الصفى بعد ذلك بأشهر يسيرة، وأخذوا منه ما ذكرناه، واحتمل أمورا كثيرة، ولم يعترف بذلك التابوت، واعتقل بقلعة دمشق. فلما مضى على ذلك قليل، اختصم خادم كبير للصفى مع خادم صغير،
стр. 3434
فضرب الكبير الصغير، فتوجه لما حمله حنقه إلى القلعة، وقال: «معى نصيحة».
فدخلوا به إلى الجواد وأسد الدين الملك المجاهد، وأخبرهما بخبر التابوت. فبعثوا القاضى، والشهود، وأمير جاندار، وأستادار، وأخرجوا التابوت، وأحضروه بين أيديهم بختمه، ففتحوه، فطلع منه شئ يبهر العقول، من جواهره ولآليه وفصوصه، فأحضروا الجوهريين فقوموه بمائتى ألف دينار وستين ألف دينار. وكان قد أحضروا الصفى قبل ذلك، وحلف برأسيهما أنه لم يكن بقى له موجود. فلما طلع هذا التابوت، سلمه الجواد للملك المجاهد أسد الدين، وحكّمه فى دمه، فنفذه إلى حمص.
وفيها انقطعت الخطبة باسم الملك العادل صاحب مصر من دمشق، واستقرت باسم الملك الصالح نجم الدين أيوب. ثم وقع الصلح بين الملك الصالح وبين أسد الدين الملك المجاهد صاحب حمص، وحضر إلى خدمته بدمشق، وحضر الملك المظفر أيضا صاحب حماة.
وفيها توجه الملك الناصر صاحب الكرك إلى مصر، واتفق مع الملك العادل على الملك الصالح. ثم خرجت السنة.
стр. 3435
ذكر سنة سبع وثلاثين وستمائة
النيل المبارك فى هذه السنة
الماء القديم خمسة أذرع وثمانية أصابع. مبلغ الزيادة سبع عشر ذراعا، وخمسة عشر أصبعا.
ما لخص من الحوادث
الخليفة الإمام المستنصر بالله أمير المؤمنين. والوزير بحاله. والسلطان بالديار المصرية الملك العادل سيف الدين أبو بكر بن الملك الكامل.
وصاحب الشام الملك الصّالح نجم الدين أيوب بن السلطان الملك الكامل.
وصاحب الكرك الملك الناصر داود بن الملك المعظم شرف الدين عيسى.
وصاحب حماه الملك المظفر تقى الدين محمود بن الملك المنصور، المقدم ذكره.
وصاحب حمص الملك المجاهد أسد الدين شير كوه، المقدم ذكره أيضا.
وصاحب بعلبك الملك الصّالح إسماعيل المعروف بأبى الخيش، المقدم ذكره.
وصاحب حلب الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن العزيز بن الظاهر.
وصاحب سنجار الملك الجواد نجم الدين أيوب بن السلطان صلاح الدين.
وصاحب ماردين الملك المظفر قرا أرسلان، المقدم ذكره أيضا.
وصاحب الموصل الملك الرحيم بدر الدين لؤلؤ النورى، المقدم ذكره.
وصاحب الجزيرة العمرية الملك المنصور محمد بن سنجر شاه، المقدم ذكره.
وصاحب الروم غياث الدين غازى كيخسرو بن علاء الدين كيقباذ.
والتتار جائلون فى أقطار الأرض، حيث سقطوا لقطوا، وإن حلوا.
وفيها هجم الملك الصالح إسماعيل دمشق وملكها. وسبب ذلك أن الملك الصالح نجم الدين أيوب كان قد توجه إلى نابلس، فاتفق الصالح إسماعيل، والملك المجاهد صاحب حمص، والأمير عز الدين أيبك صاحب صرخد، فإنه كان منحرفا عن
стр. 3436
الصالح أيوب، ولم يأته ولا دخل فى طاعته. وكان متفقا مع الصالح إسماعيل. وكان الصالح أيوب قد نفّذ الحليم سعد الدين من نابلس، ومعه طيور البطائق، يعرفه أحوال الصّالح إسماعيل، وقتا بوقت. فكان سعد الدين يكتب البطائق بما يراه من تغير الأحوال، ويربطها على أجنحة الحمام، ويعطيهم للبراج، فيمضى بهم إلى السامرى الذى عاد وزير الصالح إسماعيل، وكان له بدمشق عينا، فيأخذ السامرى تلك البطائق ويكتب للملك الصالح أيوب بالعكس مما كتبه سعد الدين، فيطيب خاطره بذلك.
وكان الملك الصّالح أيوب-﵀-سليم الباطن، عديم المكر. هذا والصالح إسماعيل يبعث الأموال إلى المقدمين وكبار الناس من الجيوش، ويفسد الحال على الملك الصّالح فى الباطن. فلما أتقن أمره خرج من بعلبك بالفارس والراجل، على أنه طالب نابلس إلى خدمة الملك الصالح أيوب، على طريق بانياس. فبات بالمجدل، وكتب بطاقة إلى الصالح أيوب أنه واصل إليه، فتهيأ لملتقاه، وركب وقت السحر، وقصد دمشق. ووصل إلى عقبة دمر ووقف حتى لحقه صاحب حمص، ثم هجما دمشق، ودخلا من باب الفراديس فى ساعة واحدة، من غير مانع ولا مدافع.
ونزل الصالح إسماعيل داره بدرب الشعّارين، ونزل صاحب حمص داره.
وأصبحوا يوم الأربعاء ثامن وعشرين صفر على القلعة، ونقبوها من ناحية باب الفرج.
وكان فيها الملك المغيث فتح الدين عمر بن الملك الصالح أيوب، فاعتقله الصّالح إسماعيل بالبرج، واستولى على القلعة. ولم يكن بها ذخائر ولا نجدة. وكان الصالح أيوب قد ركن إلى أيمان الصالح إسماعيل وعهوده ومواثيقه. ولم يعلم أن الملك عقيم عقوق.
وبلغ الصالح أيوب ما جرى، وقيل له لم تؤخذ القلعة، فخلع على خمسة نفر ممن ذكر
стр. 3437
ذلك له. ثم ساق طالبا دمشق. فلما وصل القصير، بلغه أخذ القلعة. ثم مال الناس عنه بأسرهم، وخافوا على أهاليهم، وكان أكثرهم قد لعب الفساد بعقولهم، فرحل الناس طالبين دمشق. وعاد الملك الصّالح فى مماليكه وغلمانه، فرحل من القصير يريد نابلس على طريق جينين، فطمع فيه أهل الغور والعشير، وكان مقدمهم رجلا جاهلا يقال له تبل من أهل بيسان، مفسدا سفاكا للدماء، فتبع الملك الصالح فى جمع من أصحابه، وعاد يحمل عليهم بمماليكه قلبة بقلبة، وأخذوا بعض ثقله.
وكان الوزيرى قد عاد إلى نابلس، فأرسل إليه يقول: «قد مضى ما مضى وما زالت الملوك كذا، وقد جئت الآن مستجيرا بابن عمى». ونزل فى الدار بنابلس. واتفق عود الملك الناصر داود من مصر على غير رضى من العادل، فوصل إلى الكرك، وكتب الوزيرى إلى الناصر يعرفه ذلك، فبعث الناصر الأمير عماد الدين بن موسك، والظهير بن سنقر الحلبى، فى ثلثمائة فارس إلى نابلس. فركب الملك الصالح، والتقاهم فخدموه، وقالوا له: «طيب قلبك فقد بلغ ابن عمك قولك أنا مستجير به، وقد أجارك، ونحن قد سيرنا إلى خدمتك خوف عليك من يد الغير». فشكر لهم ذلك، ونزل داره، ونزلوا. فلما كان بعد ذلك بأيام قلائل ضرب النفير، وقالوا: «قد جاءت الفرنج إلى الظهر». فركب الناس ومماليك الملك الصالح، ووصلوا إلى سبسطية، فاغتنم عماد الدين الفرصة ودخل على الصالح، وكذلك الظهير، وقبضوا عليه، وأخذوا سيفه، وقالوا: «أجب ابن عمك الملك الناصر». قال أبو المظفر-﵀:
وبلغنى أن جاريته كانت حاملا، فطرحت فى تلك الساعة. وأخذوه وتوجهوا به إلى الكرك. قال أبو المظفر: لما اجتمعت بعد ذلك بالملك الصالح فى سنة تسع وثلاثين،
стр. 3438
وهو يومئذ سلطان الإسلام، حكى لى صورة الحال، قال: ركبونى بغلة بغير مهاميز ولا مقرعة ولا دبوس، وساروا بى إلى البرية فى ثلاثة أيام، فو الله ما كلمتهم كلمة واحدة، ولا أكلت لهم زادا، حتى حضر خطيب الموتة ومعه دجاجة فأكلتها، وأقاموا بى فى البرية يومين، ولا أعلم مقصودهم ما هو. وكان قصدهم أن يطلعونى الكرك فى طالع نحس، يقتضى ألا أخرج من الكرك. ثم أدخلونى الكرك ليلا، على الطالع الذى اختاروه لنحسى، فاختاره الله لسعادتى ونحسهم. ووكّل بى مملوك فظ غليظ يقال له زريق. وكان علىّ أضر من كل شئ أنا فيه، فأقمت عندهم إلى شهر رمضان، سبعة أشهر. ولقد كان عندى خادم صغير، فأكل كثيرا فتخم، وبال على البساط، فأخذت البساط بيدى وخرجت إلى الدهليز، وقلت:
«يا مقدمين هذا الخادم قد أتلف هذا البساط، لعل تأخذوه وتغسلوه فى النهر بالوادى». قال: فنفر فىّ زريق، وقال: «إيش خروجك إلى هاهنا؟» وصاحوا علىّ. وكان قد وكل بى ثمانين رجلا، فعدت إلى موضعى وبكيت، وتوسلت إلى الله . ثم إن الوزيرى طلع بخزائنى وخيولى وحريمى إلى قلعة الصلت، وأقام مماليكى بنابلس. وحضر ابن النابلسى من مصر من عند العادل، يطلبنى من الناصر، وأبدل له فىّ مائة ألف دينار، فما أجاب لذلك. وكذلك كاتبه الصالح إسماعيل وأسد الدين صاحب حمص، وأبذلوا له أموالا عظيمة، فلم يجبهما إلى ذلك.
فلما طال مقامى عنده، استشار عماد الدين بن موسك، وابن قليج والظهير، وسخره الله لما كان لى كامن فى الغيب من السعادة، فاتفقوا على إخراجى، فأخرجنى
стр. 3439
فى آخر شهر رمضان، وحلفنى على أشياء ما تقدر عليها ملوك الأرض، وهو أن آخذ له دمشق وحمص وحماة وحلب والجزيرة والموصل وديار بكر، ويكون له نصف ديار مصر، ونصف ما فى هذه الخزائن التى لملوك هذه الأقاليم. قال: فحلفت له من تحت القهر والسيف، والله مطلع على ضميرى. ولما بلغ العادل من مصر والصالح من دمشق مع بقية الملوك أنه أخرجنى، رماه الجميع عن قوس واحدة، وعزموا على قصده، فكان أول من برز إليه العادل من مصر إلى بلبيس جريدة بالعساكر المقوية، فاختلفوا عليه، وقبضوه يوم الجمعة ثامن ذى القعدة، وأرسلوا إلى الصالح يعرفونه.
وكانت مدة ملك العادل الديار المصرية سنتين وشهورا.
ذكر سلطنة السلطان الملك الصالح نجم الدين أيوب
وذلك لما وصل إليه رسول الأمراء المصريين يستحثونه فى سرعة القدوم عليهم، ظن أن ذلك خديعة من العادل، فسأل الناصر أن يتوجه معه، فأنعم، وسارا جميعا طالبين مصر، مع عسكر الكرك، وجماعة من الأمراء. وكان وصول الملك السلطان الصالح أيوب إلى بلبيس يوم الأحد رابع عشرين ذى القعدة، فنزل فى خيمة العادل، والعادل معتقل فى خركاة.
قال أبو المظفر: قال لى الملك الصّالح أيوب: «ما قصدت مجئ الناصر صاحب الكرك معى إلا خشية أن تكون معمولة علىّ من جهة العادل. ثم إن الناصر
стр. 3440
تغيّر علىّ، وطمعت نفسه بالملك، وطمعته حاشيته بذلك، فأراد قتلى، فسلم الله منه». ثم إن الناصر شرب تلك الليلة وطاب ونحن على بلبيس، فشطح إلى عند العادل، فخرج إليه العادل وقبل له الأرض. فقال له: «كيف رأيت ما أشرت به عليك؟» فقال: «يا خوند العفو والتوبة على يديك. وأنا فى جيرتك». فقال:
«طيب قلبك. الساعة أخلصك». ثم جاء إلى عندى، فدخل الخيمة، ووقف.
فقلت: «بسم الله اجلس». فقال: «ما أجلس حتى تطلق العادل الساعة». فمازلت ألاطفه حتى نام. فما صدقت بنومه [وقمت فى باقى الليل]. ولو أطلقت العادل تلك الساعة ضربت رقبتى ورقبته جميعا. ثم قمت فى باقى الليل، فأخذت العادل فى محفة ودخلت القاهرة أذان الصبح. وبعثت إلى الناصر بعشرين ألف دينار، ورجع من بلبليس إلى الكرك.
وفيها سلم الناصر داود صاحب الكرك القدس الشريف للفرنج، فلم يزل فى أيديهم إلى أن فتحها الله على يد الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن العزيز بن الظاهر ابن السلطان صلاح الدين، فى تاريخ ما يأتى ذكره. فلما عادت دار إسلام كما كانت عليه، فقال فيه بعضهم:
المسجد الأقصى له عادة ... صارت وسارت مثل سائر
إذا غدا بالكفر مستوطنا ... أن يبعث الله له ناصر
فناصر ظهره أولا ... وناصر ظهره آخر
стр. 3441
ذكر سنة ثمان وثلاثين وستمائة
النيل المبارك فى هذه السنة
الماء القديم خمسة أذرع وعشرون أصبعا. مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعا وعشرون أصبعا.
ما لخص من الحوادث
الخليفة الإمام المستنصر بالله أمير المؤمنين. والوزير بحاله. والملوك كذلك، خلا صاحب حمص، فإنه توفى إلى رحمة الله تعالى. وقام بمملكة حمص الملك المنصور ولده إبراهيم بن أسد الدين شير كوه، وباقى نسبه قد تقدم.
وفيها كانت الوقعة بين الحلبيين والخوارزمية. وكان الجواد مع الخوارزمية، وكذلك صاحب حمص. ونزلوا على باب بزاعة فى خمسة آلاف فارس، فخرج إليهم عسكر حلب فى ألف وخمسمائة فارس، فكسروهم كسرة عظيمة، وأسروا أمراءهم، ونهبوا أثقالهم، وساقوا إلى جيلان، وقطعوا المياه عن حلب، ثم رجعوا إلى منبج، فنهبوا وقتلوا، ثم إلى حرّان. ثم إن الحلبيين استدعوا صاحب حمص إليهم، فمال معهم، ونزل بعسكره على حلب. والسبب فى مجئ الخوارزمية أن الملك الحافظ صاحب قلعة جعبر لحقه مرض الفالج، فخاف من الخوارزمية لينزعوا منه قلعة جعبر، فسيّر إلى الصاحبة أم الملك العزيز صاحب حلب يسألها أن تتسلم منه القلعة، وتعوضه بنظيرها من أعمال حلب. فلما تم ذلك، حمل الخوارزمية الغيظ، حتى قصدوا حلب، وفعلوا ما فعلوا. وهذا تلخيص الكلام.
стр. 3442
وفيها وصل رسول التتار إلى ميّافارقين، إلى عند المظفر غازى، وقال الرسول له:
«قد جعلك القان سلحداره، وأمرك أن تخرب أسوار بلادك جميعها». وعلى يد الرسول كتاب من جكزخان عنوانه يقول: «من نائب رب السماء، ماسح وجه الأرض، ملك الشرق والغرب، طولا وعرض، قاقان». فقال المظفر غازى:
«أنا من جملة الملوك، وبلادى حقيرة بالنسبة إلى الروم والشام ومصر، فتوجه إليهم، ومهما فعلوه أنا موافق». وكان هذا الرسول شيخا لطيفا من أهل أصبهان.
ذكر عجائب مما ذكر رسول التتار
منها أنه قال أن بالقرب من بلاد القان يأجوج ومأجوج، وهم صور مختلفة، ربما رأوا منهم جماعة على أعلى السد مرارا. وقد تقدم ذكرهم فى هذا التاريخ فى عدة أماكن منه، مما يغنى عن تكرار القول فيهم ها هنا.
ومنها أن بجوارهم على البحر المحيط أقوام ليس لهم رءوس، وأعينهم وأفمامهم فى مناكبهم. وإذا رأوا الناس هربوا منهم، وعيشهم أكل السمك. وقد ذكرنا ذلك أيضا فى هذا التاريخ عند ما ذكرنا ملوك السامانية فى الجزء الرابع منه، وأصل هؤلاء القوم، واسمهم الذى يعرفون به، من أبيهم الأول، مما يغنى إعادته ها هنا.
ومنها أن فى تلك النواحى أناس يزرعون فى الأرض بزرا فيتولد منه الغنم، كما يتولد دود الحرير، وأن الخروف لا يعيش غير شهرين، مثل إقامة سائر النباتات فى الأرض، وأنها لا تتناسل.
ومنها أن بماء زيدان عين ماء، وهى بركة واسعة، تطلع فى كل ستة وثلاثين سنة، صفة خشبة غليظة، شبه المنارة العالية، فتقيم طول ذلك النهار إلى أن تغرب الشمس، فتغوص فى الماء، فلا تعود تظهر إلى مثل ذلك الحين [إلا] بعد ستة وثلاثين سنة.
стр. 3443
وأن بعض ملوك العجم حضر سنة فى ذلك الوقت الذى فيه ظهورها وطلوعها، فربطها بسلاسل من حديد فى غاية القوة، وأوثقها وثقا جيدا فى أساطين من حديد قد ضربت فى الأرض من أربع جوانبها، واستوثق منها بأشد ما يكون. فلما كان وقت غوصها، قطعت تلك السلاسل، وغاصت على عادتها. قال: وهى إلى الآن إذا طلعت رأى الناس السلاسل فيها مشدودة فى وسطها.
وفيها اختلف عسكر مصر على السلطان الملك الصالح أيوب، فمسك كثيرا منهم. فمن الأمراء الذين قبض عليهم الملك الصالح الأمير عز الدين أيبك الأسمر الأشرفى، مع سائر الأشرفية. ومن الخدام الكبار الذين كانوا حكام الدولة العادلية؛ جوهر النوبى، وشمس [الدين] الخواص. وانتظم الملك له بعد ذلك. واستوزر معين الدين بن شيخ الشيوخ، ومكنه، وفوض إليه تدبير المملكة، وشرع فى شراء المماليك الترك.
وفها تسلم عسكر الروم آمد بعد حصار شديد. وكان بآمد يومئذ الملك المعظم غياث الدين توران شاه بن السلطان الملك الصالح نجم الدين أيوب، فتوجه منها إلى حصن كيفا، واستمر به إلى قدومه إلى الديار المصرية، بعد وفاة أبيه، حسبما يذكر من بعد. واستقر بحصن كيفا ولده الملك الموحّد عبد الله، فاستمر الملك الموحد بحصن كيفا تحت حكم التتار. وله بحصن كيفا عدة أولاد. وكان لما توجه والده الملك المعظم إلى الديار المصرية عمره عشر سنين.
стр. 3444
وفيها [كانت] كسرة الحلبيين للخوارزمية، وقتلوا منهم خلقا كثيرا، وهرب مقدمهم بركة خان إلى الخابور. وأخذ المنصور إبراهيم صاحب حمص حران، وعصت عليه القلعة.
وفيها-خامس شعبان-حفر أساس قلعة الجزيرة بمصر.
وفى عاشر ذى القعدة هدمت الدّور التى بالجزيرة، وتحول سكانها عنها.
ولما كمل بناء القلعة، قال فيها على بن سعيد الأندلسى:
تأمل لحسن الصالحية إذ بدت ... وأبراجها مثل النجوم تلالا
ووافى إليها النيل من بعد غاية ... كما زاد مشغوفا يروم وصالا
وعانقها من فرط وجد لحسنها ... فمدّ يمينا نحوها وشمالا
وفى رابع المحرم شرع فى بناء القنطرة التى على الخليج، وهى التى تعرف بقنطرة السد.
وفيها-خامس شهر رمضان المعظم-قبض السلطان الملك الصالح على الأمراء الأشرفية الذين كانوا بالديار المصرية، لما بلغه عنهم ما عزموا عليه من فساد الدولة.
ونودى فى مصر والقاهرة من اختفى عنده أحد من الأشرفية شنق، وغلقت أبواب القاهرة مدة أيام، خلا باب زويلة، وذلك حرصا على مسكهم، ثم قيدوا واعتقلوا.
وفى سابع عشرين ربيع الأول تولى بدر الدين بن باخل ثغر الاسكندرية.
وكان قبل ذلك متولى مصر.
وفى ربيع الآخر وردت الأخبار أن الملك الناصر صاحب الكرك والملك الصالح إسماعيل صاحب دمشق يومئذ اصطلحا وتحالفا، واتفقا مع الفرنج، وسلموا لهم القدس
стр. 3445
الشريف وصيدا وبيروت. ولم تزل فى أيديهم إلى أن فتحها الله على يد الملك الناصر صلاح الدين يوسف صاحب حلب فى سنة إحدى وخمسين وستمائة. ثم إنه صالح الفرنج أن يكون القدس بينهم مناصفة. ولم تزل كذلك إلى أن خرجت البلاد عنه، واستقر للفرنج صفد وطبرية وهونين.
قال ابن واصل: وفيها قدم القاضى بدر الدين يوسف بن الحسن الزرزارى، المعروف بقاضى سنجار، على السلطان الملك الصالح نجم الدين أيوب، بالديار المصرية، من بلاد حماة، فالتقاه أحسن ملتقى. وكان له عنده يد متقدمة، لما أنجده بسنجار وهو محصور وقدم عليه بالخوارزمية بعد خروجهم عنه عند وفاة الملك الكامل، فخلصوه من حبائل الأسر الذى كان قد تعاين له من بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل، فأحسن مكافأته، وولاه القضاء بالديار المصرية بمصر والوجه القبلى، بكماله. وكان القضاء بكماله للقاضى شرف الدين المعروف بابن عين الدولة الإسكندرى، فأبقى بيده قضاء القاهرة مع الوجه البحرى. وكان شرف الدين قد طالت مدة ولايته من أيام الكامل، وإلى هذا التاريخ.
وكان القاضى شرف الدين بن عين الدولة-مع حرمته ورياسته وسكونه-كثير المزايد، مليح الأجوبة، حسن المحاضرة، يقول الشعر الجيد، فى شعره يقول:
وليت القضاء وليت القضاء ... لم يكن شيئا توليته
فأوقعنى القضاء فى القضاء ... وما كنت قدما تمنيته
ومن زواده أن حضرت بين يديه امرأة المحاكمة فقال لها: «ما اسمك؟». قالت:
«ست من يراها!»، فوضع كمه على عينيه. وقال بعض العدول يوما بين يديه: «إن هذا المكان قليل الهواء، كثير الناموس». فقال القاضى: «هكذا ينبغى تكون مجالس الحكام».
وفيها توفى مجد الدين بن اللمطى بمنية بنى خصيب. وهو أبو الطاهر إسماعيل
стр. 3446
ابن أبى الفوارس أحمد بن الحسن المنعوت بالمكرم. وكان قد ولى عدة ولايات بالديار المصرية. ومولده سنة خمس وأربعين وخمسمائة.
وفيها ملك الناصر صاحب حلب قلعة جعبر، بتدبير الزين الحافظى على الملك الحافظ صاحبها. وهو نور الدين أرسلان شاه، وأخرجوه منها، ودخل حماه.
وفيها كانت عدة حروب بين ملوك الإسلام. وكل ذلك لما أراده الله من تملك التتار وتحكمهم فى البلاد.
وفيها استولت الخوارزمية على بلاد كثيرة، وفعلوا أقبح ممّا فعلوه التتار. هذا قبل كسرتهم من الحلبيين.
стр. 3447
ذكر سنة تسع وثلاثين وستمائة
النيل المبارك فى هذه السنة
الماء القديم أربعة أذرع وعشرون أصبعا. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا، وسبعة عشر أصبعا.
ما لخص من الحوادث
الخليفة الإمام المستنصر بالله أمير المؤمنين. والوزير بحاله. والسلطان الملك الصّالح نجم الدين أيوب سلطان الإسلام بالديار المصريّة. والصالح إسماعيل بدمشق.
والناصر داود بالكرك. والمنصور إبراهيم بحمص. والمظفر محمود بحماه. والناصر يوسف بحلب. وباقى الملوك حسبما ذكرناه من قبل.
وفيها شرع السلطان الملك الصّالح فى عمارة المدارس بالقاهرة.
وفيها كان دخول الشيخ عز الدين بن عبد السلام إلى الديار المصرية، وولاه الملك الصّالح نجم الدين القضاء والخطابة معا بمصر مع الوجه القبلى. ثم إنه عزل نفسه وانقطع، رضى الله عنه.
قلت: هذا ما ذكره أبو المظفر من تولية القاضى عز الدين بن عبد السلام.
وفيها توفى الملك الحافظ أرسلان شاه صاحب قلعة جعبر، بمرض الفالج.
وفيها كان توجه كمال الدين بن شيخ الشيوخ بعسكر المصريين. وكانت الوقعة بينه وبين صاحب الكرك. وانكسر ابن الشيخ وأسره الملك الناصر صاحب الكرك. ثم منّ عليهم الملك الناصر وأطلقهم من الأسر.
وفيها تسلم الفرنج صفد والشقيف، وهما من جملة الفتوح الصّلاحى. وسبب ذلك الخلف بين الملكين صاحب مصر وصاحب الشام. وذلك أن الملك الصالح إسماعيل لما خاف من الملك الصالح أيوب قصد معاضدة الفرنج، فلم يجيبوه حتى سلم لهم هذين الحصنين.
وفيها كان مرض الملك المظفر صاحب حماه بالفالج، وبطل شقه، وعجزت الأطباء عن مداواته، وهو لا يورى الأعداء إلاّ تجلدا.
стр. 3448
ذكر سنة أربعين وستمائة
النيل المبارك فى هذه السنة
الماء القديم أربعة أذرع وأربعة عشر أصبعا. مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعا وثمانية أصابع.
ما لخص من الحوادث
الخليفة الإمام المستنصر بالله أمير المؤمنين إلى حين وفاته فى هذه السنة، بكرة يوم الجمعة عاشر جمادى الآخرة، وله أحد وخمسون سنة وأربعة أشهر وسبعة أيام.
وكتم موته، ولم يشعر بوفاته، ودعاء الخطباء فى ذلك اليوم له. ثم خرج شرف الدين إقبال الشرابى ومعه جماعة من الخدام إلى التاج الشريف، وحضروا بين يدى ولده.
ذكر خلافة الإمام المستعصم بالله وأخباره وما لخص من سيرته
هو أبو أحمد عبد الله المستعصم بالله بن المستنصر بالله بن الظاهر بأمر الله ابن الناصر لدين الله. وباقى نسبه قد علم. أمه أم ولد، يقال إنها روميّة، تعرف بقوت القلوب. بويع يوم وفاة أبيه. ودخل عليه شرف الدين إقبال الشرابى وبقية الخدام، وسلموا عليه بأمير المؤمنين. ثم عرّف الوزير وأستادار. وحضر القضاة وبدر الدين بن القمى وبايعوه، وعزوه بأبيه. وكذلك باقى أولاد الخلفاء، ثم سائر الأمراء والأعيان. ثم أعرضت عليه ألقاب الخلفاء، فاختار المستعصم بالله.
وفى صبيحة ذلك اليوم رأى الناس أبواب الخلافة مغلقة. وجلس عبد اللطيف ابن عبد الوهاب الواعظ، ثم أخبرت الناس بوفاة الإمام المستنصر، وبيعة الإمام المستعصم. فكان من جملة ما قاله الواعظ من الكلام: «أيها الناس إن إمامكم المستنصر بالله قد درج إلى رحمة الله ورضوانه. وقد بويع ولده الإمام المستعصم بالله
стр. 3449
أبو أحمد عبد الله أمير المؤمنين». ثم استدعى إلى دار الخلافة الولاة والزعماء والمدرسون، ومشايخ الرباطات، والأعيان. وفتح باب العامة، فدخل المذكورون وعليهم ثياب العزاء. وانتهى بهم المشى إلى بستان التاج الشريف. وقد نصب بين يدى شباك المبايعة كرسى بدرج، والوزير جالس على أعلى درجة، ومن دونه الأستادار يأخذ البيعة على الناس. ونصها: «بايع سيدنا ومولانا أمير المؤمنين على كتاب الله وسنة نبيه واجتهاد رأيه الشريف، وأن لا خليفة للمسلمين سواه». فبايع الناس أولا فأولا على قدر درجاتهم. ثم أسبلت الستارة، واحتجب بها. ولم تزل المبايعة إلى يوم الاثنين ثالث عشره.
ثم تقدم من حضر من الناس، وأمر بالحضور بين يديه إلى دار النوبة. ووصلت محفة الوزير إلى باب الرّواق. وجلست الصدور حوله على قدر مراتبهم، وقرئ القرآن العظيم، وختمت الختمة الشريفة. وتكلم الإمام جمال الدين بن الجوزى، وهو أبو الفرج عبد الرحمن بن محيى الدين يوسف. وانقضى المجلس.
واستقر خليفة إلى حين أخذ التتار بغداد، فى سنة ست وخمسين وستمائة، فى شهر المحرم، فكانت خلافته خمس عشرة سنة، وثمانية أشهر. وأخرج من خلافته ومحلّ سلطانه [فى] السابع والعشرين من الشهر المذكور، حسبما يأتى من ذكر ذلك فى تاريخه.
وكان لهما أخ يعرف بالخفاجى، كان يزيد على المستنصر بالله فى الشهامة. وكان يقول: «إن ملّكنى الله أمر الأمة لأستنقذن من التتار جميع ما ملكوه من بلاد المسلمين». فأضرب عنه أرباب الدولة لشهامته، ومالوا للمستعصم، للينه، ليكونوا الحكام عليه. وكان ذلك لأمر قد قدر.
وكان فيه هوج، وطيش، وظلم، مع بله، وضعف، وانقياد إلى أصحاب السخف. يلعب بطيور الحمام، ويركب الحمير المصرية الفره، غير ناظر إلى أمر مصالح
стр. 3450
المسلمين، ولا مفكر فى عواقب الزمان. وهو آخر خلفاء بنى العباس ببغداد.
وعدتهم من السفاح إليه أربعة وثلاثون خليفة، بعد ما أسقطنا من جملتهم إبراهيم ابن المهدى، وعبد الله بن المعتز، فإن حسبا فى الجملة كانوا ستة وثلاثين خليفة، مدة ملكهم إلى حين انتقاض أمرهم على يد التتار من العراق-بحكم التقريب لا بالتحرير-يكون خمس مائة سنة، تزيد قليلا أو تنقص قليلا، فإن العبد جمل عدة سنين تملكهم-من السفاح إلى المستعصم هذا على رأى الجماعة أصحاب التواريخ- فكانت خمس مائة سنة وتسع سنين. وأضفت ذلك إلى أيام ملك بنى أمية، وأيام الخلفاء الراشدين، وأيام الهجرة. وأضفت إلى تلك السنين إلى سنة ثلاث وثلاثين وسبعمائة، فنقصت عن الجملة، تقدير عشر سنين. ولعلها متداخلة فيما بين المدد، واختلالها من جهة الأشهر والأيام التى لم تحصر، والله أعلم.
وفى هذه السنة توفى سيدى الشيخ أبى السعادات بن أبى العشائر الواسطى، قدس الله روحه، ونوّر ضريحه، شيخى وقدوتى، والوسيلة بسيدنا رسول الله ﷺ إلى الله ، أن يحشرنى على ملته، ويمتنى على محبته، بمنه وكرمه ورحمته. ودفن سيدى الشيخ المشار إليه بالقرافة، بسفح المقطم، نفع الله ببركته.
قال ابن واصل: وفى هذه السنة كانت الوقعة بين الملك المنصور إبراهيم صاحب حمص وبين الملك المظفر شهاب الدين غازى صاحب ميافارقين. وكان مع الملك المنصور التركمان، ومقدمهم يسمى ابن دودا. وكان مع المظفر غازى الخوارزمية، فكانت الكسرة على المظفر والخوارزمية، ونهب أموالهم ونساءهم، وذلك يوم الخميس لثلاث بقين من صفر. ورجع المنصور إبراهيم إلى حلب منتصرا، وهو يومئذ منتظم فى سلك الصاحبة [ضيفة خاتون] أم الملك العزيز صاحب حلب.
стр. 3451
وفيها توفت الصاحبة [ضيفة خاتون] المذكورة، واستبد بالأمر الملك الناصر صلاح الدين، وله يومئذ من العمر ثلاث عشر سنة، مراهقا للبلوغ، والرأى راجع إلى الأمير جمال الدولة إقبال الخاتونى، والوزير القاضى الأكرم جمال الدين بن القفطى.
وفيها-أعنى سنة أربعين وستمائة-كانت عدة وقعات بين عسكر حلب وبين الخوارزمية، ومعهم شهاب الدين غازى، وكذلك صاحب ماردين الملك السعيد إيلغارى. وآخر الأمر أن صاحب الروم أصلح بينهم، وقعد كل منهم ببلاد ونواحى.
وسير صاحب الروم يستخدم الرجال لأجل التتار وما فعلوه، وبطلت النجدة عليهم.
стр. 3452
ذكر سنة إحدى وأربعين وستمائة
النيل المبارك فى هذه السنة
الماء القديم خال، لم يكن به ماء يذكر. مبلغ الزيادة ثمانية عشر ذراعا وثمانية أصابع.
ما لخص من الحوادث
الخليفة الإمام المستعصم بالله أمير المؤمنين. والوزير بحاله. والسلطان الملك الصالح نجم الدين أيوب سلطان الديار المصرية وما معها.
وفيها كان ابتداء الصلح بين الملك الصالح أيوب والملك الصالح إسماعيل. وكان السفير بينهما فى ذلك من قبل الخلافة الأصيل الخطيب. وأطلق الصالح إسماعيل المغيث عمر بن الملك الصّالح. ثم إن السّامرى وزير الصالح إسماعيل أعكس الرأى، وقال لإسماعيل: «هذا خاتم سليمان فى يدك لا تنزعه». فتوقف الأمر ولم يتم الصلح بينهما. ومنع المغيث من الركوب، وجلس فى برج بقلعة دمشق. وكتب الملك الصالح أيوب إلى الخوارزمية، فعبروا الفرات، وانقسموا قسمين: قسمة أتوا على بقاع بعلبك وقسمة على غوطة دمشق، ينهبوا ويسبوا ويقتلوا، وسد الصالح إسماعيل أبواب دمشق، ونزلوا غزة.
وفيها صالح صاحب الروم التتار، على أن يدفع لهم فى كل يوم ألف دينار، وفرسا ومملوكا وجارية وكلب صيد. وكان عقله ناقصا يلعب بالكلاب والسباع، ويسلطها على الناس، فعضه أسد، فمات منه. واستولى التتار على مملكة الروم.
وأكسروا عساكرها. وكان قبل ذلك قد اصطلح صاحب الروم مع الخوارزمية، واتفقوا مع صاحب ميافارقين وصاحب حلب وصاحب ماردين. واجتمعوا جميعهم
стр. 3453
وضربوا مع التتار مصافا. وكان التتار فى جمع عظيم، فكانت الكسرة فى الأول على التتار. ثم ردوا ردة على المسلمين، فانكسروا كسرة عظيمة، وقتل منهم خلق كثير، وهرب كل ملك إلى جهة. واستولى التتار على البلاد. ورجع عسكر حلب فى أنحس حال. واستولى على الممالك التتار.
واستقر بملك الرّوم بعد وفاة صاحبه عز الدين كيكاوس، وأخوه ركن الدين قليج أرسلان. ثم هرب كيكاوس إلى قسطنطينية، واستقل قليج أرسلان بملك الرّوم. هذا والخوارزمية بغزة، تحت أوامر الملك الصّالح نجم الدين أيوب صاحب مصر، ومقدموهم يومئذ أربع خانات وهم: حسام الدين بركة خان، وزين الدين خان بردى، وعز الدين صاروخان، وبهاء الدين كشلوخان. وكانوا فى عشرة آلاف فارس. وأفسدوا فى طريقهم-حتى أتوا إلى غزة-ما وصلت إليه قدرتهم من كل فعل قبيح. وكان عسكر دمشق مجرّدا على غزة، فلما بلغهم مجئ الخوارزمية، هربوا إلى دمشق. وهرب الملك الناصر داود إلى الكرك. وهربت الفرنج الذين كانوا ببيت المقدس إلى عكا. ونهبت الخوارزميّة القدس، وقتلوا كل من وجدوه فى طريقهم من النصارى، ودخلوا كنيسة قمامة، وأخربوا القبور التى فيها، وأحرقوا عظام الموتى. ثم نزلوا غزة بعد فساد كثير. ثم سيروا رسلهم إلى الملك الصّالح أيوب بمصر، يستأذنونه فى محاصرة دمشق، ومحاربة الصالح إسماعيل عمه.
فأخلع على رسلهم وأعطاهم الأموال، وسير الخلع والأموال الجزيلة إلى مقدمى الخوارزمية. وجهز من عنده عسكرا من المصريين، نجدة للخوارزمية، مع أمراء كبار من الأكراد، وكانوا أيضا أتوا من الشرق نجدة للملك الصّالح أيوب.
وتوجهوا إلى نحو دمشق.
стр. 3454
وأما الصالح إسماعيل فإنه سيّر إلى الفرنج يطلب منهم النجدة. واتفق الحال بينه وبين الفرنج أن تكون مصر والشام بينهم بالمساواة. ثم خرجت عساكر الشام، ومعهم فرسان الفرنج، والتقوا مع عساكر مصر ومعهم الخوارزمية. وكانت وقعة عظيمة، قتل من الفريقين خلق كثير. ثم انتصر المصريون والخوارزمية على الشاميين والفرنج. ثم إن الفرنج ركبوا أقفية أصحابهم الشاميين المنهزمين، قتلا وأسرا.
ووصل الخبر إلى الديار المصرية بكسرة الفرنج ومن معهم من عسكر الشام، فضربت البشائر بذلك. وجمع الملك الصالح أيوب الأمراء عنده بقلعة المقياس، وفرّق الأموال والخلع، وكان نهارا مشهودا. ثم بعد أيام قلائل دخل الأمير حسام الدين بن أبى على بالأسرى من الفرنج على الجمال، وشقوا بهم القاهرة. ثم سير السلطان الملك الصّالح أيوب مملوكه الأمير ركن الدين بيبرس البندقدارى، فى عسكر كثيف من المصريين والتركمان، ثم أمره أن ينزل على غزة.
وفى هذه السنة انتظمت مملكة السلطان الملك الصالح أيوب، ووصل إليه جميع عساكر السّواحل، وعسكر القدس، والخليل، وبيت جبريل، والأغوار، وغيرهم.
وفيها رسم السلطان لوزيره معين الدين بن شيخ الشيوخ أن يكون نائبه بدمشق، وحكمه فيها، وأقامه مقام نفسه. ووصل إلى الخوارزمية وصار مقدما عليهم.
واشتد الحصار بدمشق، فسيّر الصالح إسماعيل إلى ابن الشيخ سجادة وعكاز وإبريق.
стр. 3455
وذلك يوم الاثنين ثامن المحرم سنة ثلاث وأربعين وستمائة، وقال له: «اشتغالك بهذا أولى من اشتغالك بحرب الملوك وأبناء الملوك». فنفذ إليه ابن الشيخ جنك وزمر وغلالة حرير أحمر وأصفر وقال له: «السّجادة وما معها تصلح لى، وأنت أولى بهذا من الملك». وأصبح فقوّى الحصار، حسبما يأتى من تتمة الكلام فى تاريخه.
стр. 3456
ذكر سنتى اثنتى وثلاث وأربعين وستمائة
النيل المبارك فى هاتين السنتين
الماء القديم لسنة اثنتين أربعة أذرع. مبلغ الزيادة خمسة عشر ذراعا واثنى عشر أصبعا.
الماء القديم لسنة ثلاث أربعة أذرع وعشرين أصبعا. مبلغ الزيادة ثمانية عشرة ذراعا وأربعة أصابع.
الحوادث
الخليفة فيهما الإمام المستعصم بالله. والوزير مؤيد الدين بن العلقمى بحاله.
والسلطان الملك الصّالح نجم الدين أيوب بالديار المصرية. والحصار مستمر على دمشق. وملكها الصّالح إسماعيل أبو الخيش. وابن الشيخ مقدم العساكر المصرية وقد شدد الحصار وأحرق قصر حجاج. ولم يزل مشددا فى ذلك حتى فتحها فى أول شهر جمادى الأولى. وهرب الصالح إسماعيل، والأمير عز الدين أيبك صاحب صرخد. واستقر الصاحب صفى الدين نائبا بها من قبل السلطان الملك الصّالح نجم الدين أيوب.
وفيها بعث الإمام المستعصم بالله أمير المؤمنين خلع السلطنة والتقليد بمصر والشام وما معهما للملك الصّالح نجم الدين أيوب؛ واستقام سلطانه.
قال ابن واصل: وفى سنة اثنتى وأربعين توفى الملك المظفر تقى الدين محمود صاحب حماه إلى رحمة الله تعالى. وذلك يوم السبت لثمان بقين من جمادى الأولى، وكانت مدة ملكه خمسة عشر سنة وسبعة أشهر وعشرة أيام. أقام مريضا بالفالج سنتين وتسعة أشهر. وكان عمره نحو ثلاثة وأربعين سنة، لأن مولده سنة تسع وتسعين وخمسمائة.
ولم يخلف من الذكور غير الملك المنصور ناصر الدين محمد وأخيه الأفضل نور الدين على أبى الملك المؤيد عماد الدين إسماعيل الآتى ذكره فى الجزء المختص بسيرة مولانا
стр. 3457
السلطان الأعظم الملك الناصر عز نصره. وكان الملك المظفر المذكور، ﵀، ملكا شجاعا، ذا قوة وافرة، ذكيّا، فطنا، لوذعيا. وقام بأمر الملك ولده السلطان الملك المنصور ناصر الدين محمد، وعمره يومئذ عشر سنين وشهرا واحدا وثلاثة عشر يوما.
وقام بتدبير ملكه الأمير سيف الدين طغريل أستاذ دار والده، والمشير إليه فى الدولة شرف الدين عبد العزيز بن محمد بن عبد المحسن الأنصارى، والطواشى شجاع الدين مرشد المنصورى، والوزير بهاء الدين بن تاج الدين. والجميع يرجعون إلى ما تأمر به الصاحبة غازية خاتون بنت السلطان الملك الكامل، ﵀.
وفيها أيضا توفى الملك المظفر شهاب الدين غازى بن الملك العادل. وملك بعد المظفر غازى ميافارقين وأعمالها ولده الملك الكامل ناصر الدين محمد، ولم يزل مالكها إلى أن تملكها التتار.
[وتوفى] الملك المغيث بن السلطان الملك الصّالح نجم الدين أيوب. وكانت وفاة الملك المغيث وهو معتقل عند الصالح إسماعيل بدمشق. واتهم أنه قتله، فتغير لذلك الملك الصالح أيوب على الصالح إسماعيل.
(٢٤ - ٧)
стр. 3458
ذكر سنة أربع وأربعين وستمائة
النيل المبارك فى هذه السنة
الماء القديم ستة أذرع. مبلغ الزيادة سبعة عشرة ذراعا وسبع أصابع.
ما لخص من الحوادث
الخليفة الإمام المستعصم بالله أمير المؤمنين. والوزير بحاله. والسلطان الملك الصّالح نجم الدين أيوب سلطان الديار المصرية والبلاد الشامية. وابن الشيخ النائب بدمشق.
وفيها استمال الخوارزمية الصالح إسماعيل، وانحرفوا عن ابن الشيخ، وعن خدمة الملك الصّالح نجم الدين. وسببه أنه لما كثر فسادهم بأعمال دمشق، كاتب فيهم ابن الشيخ للملك الصّالح، فكتب إليه بردعهم، فتنمروا عليه، ومالوا إلى الصالح إسماعيل بمكاتبته لهم، وترغيبهم فيما أحبوا. واستمال الملك الصّالح نجم الدين أيوب الملك المنصور إبراهيم صاحب حمص، واقتطعه عن الصالح إسماعيل.
وفيها كانت الوقعة بين الملك المنصور صاحب حمص-وكان معه الحلبيون - وبين الخوارزمية، والصالح إسماعيل والناصر داود، وعز الدين أيبك، على بحيرة حمص، يوم الجمعة تاسع المحرم. وانكسرت الخوارزمية كسرة شنيعة، ما كسروا مثلها قط. وقتل مقدمهم بركة خان. وهرب الصالح إسماعيل، والأمير عز الدين أيبك، عرايا جياعا، على فرس، فرس، ونهبت أموالهم. ووصلوا إلى حوران. وساق صاحب حمص إلى بعلبك، وأخذ الربض وسلمه للأمير ناصر الدين القيمرى والأمير جمال الدين هارون، وودّع الحلبيين وعاد إلى حمص.
وفيها حضر السلطان الملك الصالح أيوب إلى دمشق، وأتى إلى خدمته صاحب
стр. 3459
حمص، ونزل بستان شامة، ونزلت طائفة من الخوارزمية بأرض البلقاء. ونزل إليهم الملك الناصر داود صاحب الكرك وصاهرهم واستخدمهم وأنزل غائلتهم الصلت.
وفيها مرض المنصور صاحب حمص بدمشق، وتوفى بها، وحمل إلى حمص، ودفن بها. وقام بمملكة حمص ولده الملك الأشرف موسى بن المنصور إبراهيم.
وفيها كانت وقعة ابن الشيخ مع الخوارزمية، وكسرهم وبدد شملهم. وكان الناصر-فيهم-صاحب الكرك، وتبعه الخوارزمية، فلم يمكنهم من صعود القلعة بالكرك، ولا الربض. وأحرق ابن الشيخ الصلت، وساق إلى الكرك. وطلع الأمير عز الدين أيبك إلى قلعة صرخد، واعتصم بها. وكانت كسرة الخوارزمية من ابن الشيخ فى سابع عشر ربيع الآخر من هذه السنة.
ونزل ابن الشيخ على الكرك فى الوادى. وتسلم الأمير حسام الدين بن أبى على قلعة بعلبك، باتفاق واليها. وبعث عيال الصّالح إسماعيل إلى مصر، وفيهم الملك المنصور نور الدين محمود بن الملك الصالح عماد الدين إسماعيل، وأمين الدولة السامرى، وزين الملك الصالح إسماعيل، وأستاذ داره ناصر الدين بن يغمور، فاعتقلوا بالقلعة المحروسة.
وكان حسام الدين بن أبى على-لما اعتقله الصالح إسماعيل بقلعة بعلبك مع جماعة من أصحاب الملك الصالح أيوب-تمنى ذات يوم على الله تعالى أن يمكنه من أهل الملك الصالح إسماعيل، ويملكه بعلبك. ثم قال فى نفسه: «هذا أمل بعيد».
فلم تمض الأيام والليالى حتى بلّغه الله أمنيته.
وفى هذه السنة-أعنى سنة أربعة وأربعين وستمائة-[كان] الأمير حسام الدين بن أبى على، نائبا بدمشق للسلطان الملك الصالح نجم الدين أيوب.
стр. 3460
ثم إن الصالح إسماعيل وفد على حلب فى جماعة من الخوارزمية، منهم كشلوخان، هاربين من الملك الصّالح أيوب. ولم يبق لإسماعيل مكان بالشام يؤويه، فتلقاهم الملك الناصر يوسف صاحب حلب، ونزل الصالح إسماعيل فى دار جمال الدين الخادم.
ثم قبض على كشلوخان ومن معه من الخوارزمية، وملأ بهم الحبوس.
ثم إن السلطان الملك الصالح أيوب توجه إلى بعلبك ورتب أحوالها، ورجع إلى نحو صرخد. ومشى الأمير ناصر الدين القيمرى فى الصلح، وكذلك جمال الدين ابن مطروح، بين السلطان وبين الأمير عز الدين صاحب صرخد، بوساطة شمس الدين بن العميد أيضا. وخرج الأمير عز الدين عن صرخد، ونزل فى ميدانها، وتسلمها السلطان، ورجع عز الدين فى خدمته إلى دمشق. ونزل النيرب وكتب له منشورا بقرقيسيا والمجدل، وضياعها فى الخابور، فلم يحصل له منها شئ.
ثم إنه أحسن إلى أهل دمشق، وتصدق على فقرائها بجملة مال، وخلع على أعيان الدماشقة. ثم توجه السّلطان إلى ديار مصر، ودخل القدس الشريف، وتصدق على فقرائه وقوّامه، ومجاوريه، بألفى دينار. وأمر بعماره سوره، وقاسه، فكان ستة عشر ألف ذراع، فقال: «اصرفوا مغل القدس فى عمارته، وإن عازه شئ بعث من مصر». وأمنت البلاد واطمأنت أهلها، بعد قتله بركة خان مقدم الخوارزمية.
وحكى الشيخ تقى الدين أبو بكر بن الجوزى-﵀-قال: حكى لى بعض كتاب الخوارزمية بالقاهرة فى سنة خمس وستين وستمائة قال: كان لبركة خان منجّم نصرانى ينظر فى لوح كتف الغنم، فنظر له يوما فقال: «لا بد ما تطلع حلب، وتعلو قلعتها فى الشهر الفلانى». واطمأن بركة خان، وركن لقوله. ثم إنه حرّر عليه المسألة
стр. 3461
فى أى يوم يكون فى ذلك الشهر طلوعه إلى قلعة حلب، فنظر وحرّر، وقال له:
«فى اليوم الفلانى من الشهر الفلانى». فلما قتل بركة خان وأتى برأسه إلى شمس الدين لؤلؤ نائب الناصر بحلب، أمر بنصبها على قلعة حلب، فنصبت فى ذلك اليوم الذى قال له المنجم إنه يملك فيه حلب ويعلو القلعة، والله أعلم.
стр. 3462
ذكر سنة خمس وأربعين وستمائة
النيل المبارك فى هذه السنة
الماء القديم ستة أذرع. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وأربع أصابع.
ما لخص من الحوادث
الخليفة الإمام المستعصم بالله أمير المؤمنين. والوزير ابن العلقمى بحاله.
والسلطان الملك الصّالح نجم الدين أيوب سلطان الإسلام بمصر والشام وما معهما.
والكرك الناصر داود.
وحمص الأشرف موسى بحكم وفاة والده الملك المنصور إبراهيم فى هذه السنة بمرض السل. وكانت مدة مملكته حمص وأعمالها نحوا من سبع سنين. وكان قد رجع إلى مناصحة الملك الصالح نجم الدين أيوب، وقام فى خدمته أتم قيام. ولما قام بالملك بعده ولده مظفر الدين موسى، ولقب بالأشرف، كان صبيا، فقام بتدبير الأمور عنه ووزارته القاضى مخلص الدين إبراهيم بن إسماعيل بن قرماص، وهو من أكابر أهل حماه.
وحماه المنصور بن المظفر.
وحلب الناصر يوسف.
وباقى الملوك حسبما تقدم من ذكرهم.
والتتار قد أخربوا البلاد وأكثروا فيها الفساد. وغاراتهم واصلة إلى بغداد والأنبار، وإلى ديار بكر. والشرق جميعه منهم فى شغل شاغل.
وفيها توفى الشيخ على الحريرى-قدس الله روحه-وكان مقيما بقرية بشرى، وزاويته مجاورة لزرّع. وفى هذه القرية قبر اليشع ﵇.
стр. 3463
وفى سنة خمسة وأربعين توفى الملك العادل سيف الدين أبى بكر بن السلطان الملك الكامل وهو بالاعتقال. كانت مدة اعتقاله نحوا من ثمان سنين. وكان عمره نحو ثلاثين سنة. [وخلف ولدا صغيرا-وهو الملك المغيث فتح الدين عمر- فأنزل إلى القاهرة فكان عند عماته بنات الملك العادل المعروفات بالقطبيات].
وفيها توفى الأمير عز الدين أيبك-﵀-صاحب صرخد، مسقيّا، حسبما يأتى من ذكر ذلك فى شهر ذى الحجة.
وفيها توفى قاضى القضاة بالديار المصرية فى شهر رمضان.
وفيها احترقت مأذنة جامع دمشق.
وفيها أيضا توفى بقلعة الجبل بدر الدين سليمان بن داود بن العاضد، الذى كان آخر الخلفاء العبيدين بمصر، وهو أحد من كان يعتقدونه الشيعة بالإمامة.
стр. 3464
ذكر سنة ست وأربعين وستمائة
النيل المبارك فى هذه السنة
الماء القديم خمسة أذرع وأربعة عشر أصبعا. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وثلاثة وعشرون أصبعا.
ما لخص من الحوادث
الخليفة الإمام المستعصم بالله أمير المؤمنين. والوزير ابن العلقمى بحاله. والسلطان الملك الصّالح نجم الدين أيوب سلطان الإسلام بمصر والشام. وكذلك بقية الملوك بحالهم، حسبما تقدم من ذكرهم.
وفيها ولدت ببغداد امرأة فقيرة أربعة أولاد فى بطن واحدة، ذكرين وأنثيين، وأحضروا إلى الإمام المستعصم بالله أمير المؤمنين، فأنعم عليهم بإنعام مبلغه ألف دينار، وأوقف عليهم وقفا، والله أعلم.
стр. 3465
ذكر سنة سبع وأربعين وستمائة
النيل المبارك فى هذه السنة
الماء القديم خمسة أذرع وستة أصابع. مبلغ الزيادة تسعة عشرة ذراعا وثمانية أصابع.
ما لخص من الحوادث
الخليفة الإمام المستعصم بالله أمير المؤمنين. والوزير بحاله. والسلطان الملك الصّالح نجم الدين أيوب سلطان الإسلام بمصر والشام. وكذلك بقية الملوك كل منهم فى محل ملكه ومملكة سلطانه.
والنائب فى هذه السنة بالديار المصرية الأمير حسام الدين بن أبى على، وبدمشق الأمير جمال الدين بن يغمور، وكلاهما نواب السلطان الملك الصالح نجم الدين أيوب.
وفيها كان مرض السلطان الملك الصّالح بالسقية، التى يأتى ذكرها.
وفيها كان نزول الفرنسيس ملك الفرنج على ثغر دمياط المحروس بالديار المصرية. وخرج السلطان الملك الصالح ونزل بالعساكر على أشموم الرمان، وهو مريض لا يستطيع الركوب، وقد وقعت بعض محاشمه على ما ذكر. وكان الحرب بينهم، حسبما يأتى من ذكر ذلك.
ذكر سبب مجئ الفرنسيس وما تم فى هذه الوقعة
كان سبب ذلك أنه لما افترق ملك الفرنج الأنبرور من السلطان المرحوم الملك الكامل، وهما أصحاب، وعادت بينهما المراسلات والكتب والهدايا. واستمر ذلك فى سلطنة الملك الصالح أيضا. وهذا الفرنسيس أكبر ملوك الفرنج الداخلة، وأكثرهم قلاعا وجموعا، فحشد حشوده، وجمع جموعه، وقصد الديار المصرية،
стр. 3466
لما حدثته نفسه الخائنة، وأطماعه الكاذبة. ولم يكن له طريق إلا على بلاد الأنبرور. فلما حسّ به الأنبرور كتب كتابا إلى السلطان الملك الصالح يعرّفه بوصول الفرنسيس إليه، وهو طالب لثغر دمياط. وهذا الفرنسيس يسمى ريدافرنس. ثم قال الأنبرور فى كتابه للسلطان: «إنه قد وصل فى خلق كثير، وقد اجتهدت غاية الاجتهاد على رده عن مقصده وخوفته، فلم يرجع لقولى، فكن منه على حذر». فلما وصل كتاب الأنبرور إلى الملك الصالح احترز، وجهز الآلات برسم القتال وتحصين دمياط، وجعل الأمير حسام الدين بن أبى على مشدّا على عمارة الشوانى، ورسم لفخر الدين بن الشيخ أن ينزل على دمياط.
ولمّا كان يوم الجمعة لسبع بقين من صفر من هذه السّنة، وصل إلى دمياط مراكب سدت البحر كثرة، الفرنسيس وجموعه، لعنه الله. ولما وصل البر بالفم لم يعبره حتى نفّذ رسول، وعلى يده كتاب فيه ما هذا نسخته. يقول بعد كلمة كفرهم:
«بسم الإله النصيح، صاحب الدين الصحيح، عيسى بن مريم المسيح. أمّا بعد فإنه لم يخف عليك ولا على كل ذى عقل ثاقب، وذهن لازب، أنك أمين هذه الملّة الحنيفية، وأنا أمير هذه الملة النصرانية. وليس خفى عنك ما فتحنا من بلاد الأندلس والسبارا، وأخذنا النساء والعذارى، وفرقناهم على ملة النصارى، وجعلنا رجالهم أسارى، ونساءهم عليهم حيارى. وقد علمت ما نحن فيه من حق الرعيّة، لما فتحنا بلاد المهديّة، وعفونا على ثغر الإسكندرية، فلا تلجئ العالم إلى العسف،
стр. 3467
ولا تسيمهم بسيماء الخسف. نقتل العبّاد، وندوس البلاد، ونطهّر الأرض من الفسّاد، فإن قابلتنا بالقتال، فقد أوجبت على نفسك ورعيتك النكال، وأرميتهم فى أشرّ الوبال، يكثر فيهم العويل. ولا نرحم عزيز ولا ذليل، ولا تجد إلى نصرتهم من سبيل. ونحن نشرح لك ما فيه الكفاية، وأبذلنا لك غاية النصيحة والهداية، أن تنقل إلى عندنا ما عندك من الرهبان، وتحلف لنا بعظائم الأيمان، أن تكون لنا نائبا على ممرّ الأزمان، وتعجل لنا بما عندك من مراكب وطرائد وشوانى، ولا تكون فيك فترة ولا توانى، لتكون قلوبنا راضية عليك، ولا تسوق البلاء بيدك إليك، وتكون على نفسك وجيشك قد جنيت، وتعود تقل «ياليت». وتضع الحرب أوزارها، وتشعل نارها، ويتعالى شرارها، ويقتم فنارها، وتأخذ منكم بتارها، فسيوفنا حداد، ورماحنا مداد، وقلوبنا شداد، ويحكم بيننا بينكم رب العباد. فإن كانت لك فهدية ألقت بين يديك، وإن كانت لنا فيدنا العليا عليك، إذا استحق بالإضافة إمارة الملتين، وحكم الشريعتين، وبيد الله تعالى السعادة، وهو الموفق للإرادة». ثم كتب فى آخره يقول:
ستسلم إن سلمت غير محارب ... فإنك لترجو أمورا ترومها
أتيناك فى خلق كرام وعصبة ... مسيحية لم تخف عنك علومها
وها أنا قد أنشدت بيتا مهددا ... مخافة أن لا تلتقى النفس ضيمها
ستعلم ليلى أىّ دين تداينت ... وأىّ غريم للتقاضى غريمها
ولمّا وصلت هذه المكاتبة للسلطان الملك الصّالح كان فى أشدّ ما يكون من المرض، فكتب الجواب، ونفذه. وهو ما هذا نسخته:
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على القوم الظالمين، من عند الدارئ عن حرم المسلمين،
стр. 3468
والقارئ كتاب رب العالمين، المنزّل على خير المرسلين، محمد صلى الله عليه وعلى آله الطاهرين، وأصحابه الأنصار والمهاجرين، صلاة دائمة إلى يوم الدين. أمّا بعد فقد وصل كتابك، وفهمنا لفظك وخطابك، وها أنا قد أتيتك بالخيل والرجال، والخزائن والأموال، والعساكر والأثقال، والقيود والأغلال، فإن كانت لك فأنت السّاعى، وقد أمنت الناعى، وإن كانت عليك فأنت الباغى لحتفك، والجادع أنفك بظلفك. فإن رأيت أن لا تقيم بين الفئتين ضغنا، فلذلك منّ الله علينا وعليكم مننا، وإن غير ذلك فقد قال الله تعالى: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً»﴾. ولما وصل إلينا كتابك أعطيناك جوابك، ﴿مَنْ يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِداً﴾». وفى كتابك تهددنا بجيوشك وأبطالك، وخيلك ورجالك، أو ما تعلم أن نحن أرباب الحتوف، وفضلات السيوف، ما نزلنا على حصن إلا هدمناه، ولا عدم منا فارس إلاّ جددناه، ولا طغى علينا طاغ إلا دمرناه. فلو نظرت أيها المغرور جدّ قلوبنا وجدّ حروبنا، لرأيت فرسانا أسنّتهم لا تمل، وسيوفهم لا تكل، وقلوبهم لا تدل، ولعضيت على يدك بسن النّدم، ولأخرك تحريك قدم عن قدم، فلا تعجبك العساكر التى بين يديك، فهو يوم أوله لنا وآخره عليك. إذا أتاك كتابى هذا فلتكن منه بالمرصاد، على أول سورة النحل وآخر سورة ص، ﴿أَتى أَمْرُ اللهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ»﴾، ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ»﴾، هنالك تطاول نحوك الأعناق، وتشخص صوبك العيون، ويشوبك الويل، وتسوءك الظنون.
﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ»﴾ وفى آخره يقول:
стр. 3469
ألا يا مليك الرّوم هل أنت سامع ... وهل أنت عمّا فى ضميرك راجع
تروم بلاد القدس بالسيف عنوة ... ودون بلاد القدس دينك ضائع
لقد حفظ البيت المقدس عصبة ... كما حفظ الكف اليمين الأصابع
جمعت بنى الإفرنج شرقا ومغربا ... تشتت شملا كان قبلك جامع
فلا أنت ترجو بعض ما قصدته ... ولا من أتى مستنصرا لك راجع
أتطمع من ليلى بوصل وإنما ... تضرّب أعناق الرجال المطامع
فلما وصلت هذه المكاتبة إلى الفرنسيس أمر بنزول العساكر إلى البرّ، وضرب خيمة عظيمة حمراء. وفى ثانى يوم كان الملتقى بين الجيشين، وقتل بين الفريقين عالم لا يحصى، بعدد الرمل والحصى. ومن جملة من استشهد من المسلمين فى ذلك اليوم الأمير نجم الدين بن شيخ الإسلام، وأمير يعرف ببدر الدين بيليك الوزيرى.
وأمّا ما فعله فخر الدين بن الشيخ من سوء التدبير، فإنه لما أمسى الليل توجه إلى الجسر الذى فى ناحية الجرف فقطعه، ثم أخرج جميع من كان فى دمياط من النساء والرجال، ثم تركها تصفر. وكان رأيا ذميما، فلو أقاموا مع مشيئة الله فى دمياط، ما قدر عليها الفرنج، لما كان فيها من الرجال المقاتلة من الكنانية وشجاعتهم. ثم لو كانوا الكنانية الذين تبقوا فيها غلقوا بابها بعد رحيل ابن الشيخ عنها، لم تقدر الفرنج على أخذها فى تلك السرعة. لكنهم لما رأوا خروج الناس منها، ضعفت نفوسهم، وظنوا أن مدة الحصار تطول عليهم، فلذلك سلموها. فلما كان صباح يوم الأحد لسبع بقين من صفر، جاءت الفرنج إلى دمياط، فوجدوها خالية، لم يكن بها مانع فملكوها. وكانت هذه من أعظم الحوادث. واستشعر الناس أن الفرنج تأخذ الديار المصرية، وخامر ذلك عقولهم. ولم يعلموا أن هذا الدين مؤيد بالله
стр. 3470
عز وجل، وهذه الديار محروسة بالإيمان بالله وحده، فإن هذه النصرة التى جرت نوبة الفرنسيس، كانت من آيات الله العظيمة، وصدقاته الجسيمة، نصرة الإسلام على الكفرة اللئام، من غير ملك ولا جيوش، وقتل من الفرنج ما أشبع الطيور والوحوش.
فلما علم السلطان بأن الفرنج أخذوا دمياط-وكان سبب أخذها الكنانية- أمر بشنقهم، فشنقوا على النخل جميعهم. ثم كانت بين المسلمين والفرنج عدة وقعات.
ذكر وفاة السلطان الملك الصالح، رحمه الله تعالى
لما كان لأربع ليال خلت من شهر رمضان المعظم، توفى السلطان الملك الصّالح نجم الدين أيوب بن السلطان الملك الكامل ناصر الدين محمد بن السلطان الملك العادل سيف [الدين] أبو بكر بن أيوب، ﵏ أجمعين. وكان عمره يوم وفاته أربع وأربعون سنة وشهور وأيّام. وكان مولده فى سنة ثلاث وستمائة، ولم يتحرر عندى الشهر.
قال ابن واصل: إن وفاة السلطان الملك الصالح لأربع عشرة ليلة خلت من شعبان فى السنة المذكورة. وقال: وعمره يومئذ أربعين سنة. وقال: مولده سنة ثمان وستمائة والأول أصح.
وكان ملكا مهيبا، عزيز النفس، بعيد الغضب، عفيفا، طاهرا فى فرجه ولسانه، كثير الصمت، عديم السفّه. اشترى من المماليك الترك ما لم يشتر أحد من الملوك مثله من قبله، حتى عاد أكثر جيشه مماليكه، وذلك لكثرة ما جرّب من غدر الأكراد والخوارزمية وغيرهم من الجيوش. وكان إذا مات أحد من مماليكه،
следующие страницы →