وللشريف (من المتقارب): (١)
تأمّل سحابا غدا جمده ... يقبّل أرضا بدت كالعروس
ولم أرا (٣) ... من قبلة لاثما
بثغر يفارقه ادسوس
(٢٩٤) وقوله (من الطويل):
يحلّ لنا ترك الصلاة بأرضكم ... وشرب الحميّا وهو شئ محرّم
فإن كنت ربّى مدخلى فى جهنّم ... ففى مثل هذا اليوم طابت جهنّم
ومن هاهنا أخذ المجد المرياطى (من المحتثّ):
فى مثل هذا اليوم يا ... سيدى تطيب جهنّم
وفيه يا ألف مولا ... ى يستحلّ المحرّم
فجد بخمر وجمرا ... ولا بعشرين درهم
وإن توانيت عنّى ... فالروح منّى تعدم
فابعث براحك روحى ... فليس والله تندم
فإنّنى كلّما طب ... ت قلت درّا منظّم
ولست أمدح إلاّ ... من فى نداه الغمّ
ومن الملح ذكر النار والاصطلاء بها من قوّة البرد لابن المعتزّ (من المنسرح): (٢)
كأنّما النار فى تشظّيها ... والفحم من فوقها يغطّيها
زنجيّة شبّكت أناملها ... من فوق نارنجة لتخفيها
стр. 352
وقوله (من المنسرح):
اشرب على النار فى الكوانين ... قد انقضت دولة الرياحين
كأنّما النار والرماد به ... جمر عقيق فى أرض نسرين
ولابن وكيع (من الخفيف): (١)
فحم قدم الغلام فأدنى ... فى كوانينه حياة النفوس
كان كالابنوس غير محلاّ ... فغدا وهو مذهب الآبنوس
لقّى النار فى ثياب حداد ... فكسته مصبّغات عروس
ومن أحسن ما يحاضر به فى وصف السحاب والمطر والرعد والبرق لابن المعتزّ (من الرجز): (٢)(٢٩٥) باكية يضحك منها برقها ... كمثل طرف العين أو بوق يحب
جاءت بها ريح الصبا حتى بدا ... منها إلى العين كأمثال الشهب
تحسبه طورا إذا ما انصدعت ... أحشاؤها عنه شجاعا يضطرب
وتارة تحسبه كأنّه ... أبلق مال جلّه حين وثب
وقوله (من الطويل): (٣)
كأنّ (٤) ... السحاب لجون دون سمائه
خليع من الفتيان يسحب مئزرا
إذا لحقته خيفة (٥) ... من رعوده
تذكّر فاستلّ الحسام المذكّرا
стр. 353
وقوله (من الطويل): (١)
أرقت لبرق آخر الليل يلمع ... يهبّ به طورا وتعبا فيهجم
سرا كاقتداء الطير والليل نازع ... حشاشته والصبح قد كاد يطلع
وقول دعبل (من الطويل): (٢)
أرقت لبرق آخر الليل منصب ... خفى كبطن الحيّة المتقلّب
وقوله (من البسيط): (٣)
ما زلت أكلوّ برقا فى جوانبه ... كطرفة العين يخبو ثم يختطف
برق يجانس (٤) ... طبقا زار فى سحر
يقضى اللبانة من قلبى وينصرف
ومن محاسن هذا الباب قول أحمد الشيرازى (من المنسرح):
كأنّما كلّ قطرة وقعت ... منها لآل بدت من الصدف
لو أنّ ماذاب منه يجمد لم ... يصلح لغير العقود والسنف
فيها من الرعد كالذباذب والص ... نج إذا ما ضربن فى شرف
وأشعل البرق فى جوانبها ... مثل السيوف انتصبن من غلف
قد جمعت حالتين فى طلق ... صوت عدول ودمغ ذى شغف
стр. 354
ولأبى العبّاس (من الطويل): (١)
خليلىّ هل للمزن مقلة عاشق ... أم النار فى أحشائها وهى لا تدرى
أشارت إلى أرض العراق فأصبحت ... وكاللؤلؤ المنثور أدمعها تجرى
سحاب حكت ثكلى أصيبت بواحد ... فعاجت له نحو الرياض على قبر
(٢٩٦) تسربل وشيا من خزوز تطرزّت ... مطارفها طراز من البرق كالتبر
فوشى بلا رقم ونقش بلايد ... ودمع بلا عين وضحك بلا ثغر
ولابن الخيّاط (من الكامل): (٢)
راحت تذكّر بالنسيم الراحا ... وطفاء تكسر للجنوح جناحا
أخفى مسالكها الظلام فأرقدت ... من برقها كى تهتدى مصباحا
وكأنّ صوت الرعد خلف سحابه ... حاد اذا ونت الركاب (٣) صباحا
ولأبى جعفر (من الرمل):
عارض أقبل فى جنح الدجى ... يتهادى كتهادى ذى الوجا
بددت ريح الصبا لؤلؤه ... فانبرى يوقد عنه سرجا
стр. 355
ولكشاجم يصف الثلج (من الكامل): (١)
الثلج يسقط أم لجين يسبك ... أم ذا حصى كافور (٣) ظلّ يفرك
راحت له الأرض الفضاء كأنّها ... من كلّ ناحية بثغر تضحك
شابت (٤) ... مفارقها فأظهر شيبها
طربا وعهدى بالمشيب ينسّك
وقال يستدعى ويذكر الثلج (من الخفيف): (٢)
قد (٥) ... نظمنا السرور فى سمط أنس
وجعلنا الزمان للهو سلكا
ونزلنا (٦) ... الدنان فى يوم ثلج
عزل الغىّ (٧) فيه رشدا ونسكا
فكأنّ السماء (٨) ... تنخل كافو
را علينا ونحن نعبق مسكا
ولابن طباطبا (من الكامل):
لو كنت شاهدنا عشيّة أنسنا ... والمزن تبكينا بعينى مذنب
والشمس قد مدّت أديم شعاعها ... فى الأرض راحلة لذيل المغرب
خلت الرذاذ برادة من فضّة ... قد غربلت من فوق نطع مذهب
وللشريف (من المتقارب):
كأنّ السحاب أمام الدجى ... جمال غدت روعة تجفل
يصيح من الرعد حاديها ... وفى يده قبس يشعل
النظّام (من المتقارب):
كأنّ السحاب إذا أقبلت ... نعام مشرّدة أو نعم
تجود بما عندها كالكريم ... يبغّض لا وتوالى نعم
стр. 356
والسابق إلى تشبيهها بالنعام ربيعة بن مقروم الضبّى قوله (من المتقارب):
كأنّ السحاب دوين السماء ... نعام تعلّق بالأرجل
(١) ولابن المعتزّ (من الكامل): (٢)
لله طيب صباح يوم ... غيّبت عنه الشوامت
وتفاوحت أنفاسه ... من طيب أرواح المنابت
حثّ السقاة مدامه ... والزير يطرب كلّ صامت
يوم كأنّ سماءه ... حجبت بأجنحة الفواخت
وكأنّ قطر سحابه ... درّ على الأغصان نابت
وقوله (من السريع):
باكية فوق رصيع الثرا ... كأنّها أجفان مهجور
تحسبها حين استوت فوقه ... لا بسة دواح سمّور
جبابها منتظم حامل ... كأنّه أسحاف كافور
стр. 357
وللزاهى (من المتقارب): (١)
أعنّى (٤) ... على بارق ناصب
خفىّ كلمعك بالحاجب
كأنّ (٥) ... تقلّبه فى السماء
يدا حاسب أو يدا كاتب
وممّا يلتحق بهذا الباب من بدائع التشبيهات الملاح فى وصف الليل والصباح لابن المعتزّ (من الطويل):
ولاحت تباشير الصباح كأنّها ... تفاريق شيب فى عذار ومفرق
كأنّ بقايا الليل والصبح طالع ... بقيّة كحل بين أجفان أزرق
البحترى (من الكامل): (٢)
ولقد شربت (٦) ... مع الكواكب راكبا
أعجازها بعزيمة كالكوكب
حتى تجلاّ الصبح من جنباته ... كالماء يلمع من خلال (٧) الطحلب
والغيش (٨) ... ينصل من دجاه كما انجلا
صبغ المشيب (٩) عن القذال الأشيب
الأمير تميم (من الطويل): (٣)
ألا سقّنيها (١٠) ... قوّة ذهبيّة
فقد ألبس الآفاق جنح الدجى دعج
كأنّ الثريّا والظلام يحفّها (١١) ... فصوص لجين قد أحاط بها سبج
كأنّ (١٢) ... طلوع الصبح تحت ظلامه
وقد جن زنجىّ تبسّم عن فلج
стр. 358
ومن أحلى ما سمعته لشرف الدين الديباجى (من الوافر):
أتا بالكأس نحوى ذو دلال ... شغفت به من الحبش الملاح
فملت إليه فابتسم ابتساما ... فقلت الليل يبسم عن صباح
(٢٩٨) ولابن وزير الجزيرة (من الكامل):
اشرب وطب قد شقّ صدر الغيهب ... بأيدى الصباح بصارم متلهّب
واعجب لراكب أدهم قد راعه ... لمّا تبدّا راكب للأشهب
فكأنّه صبغ الشّباب وقد غدا ... يرتاع من صبغ العذار الأشيب
ومن المحفوظ (من الكامل):
ضحك المشيب بلمّتى ... مثل الصباح إذا سفر
فكتمته والضحك ليس ... يليق فى زمن الكبر
ومن محاسن ما يحاضر به فى ذهبيّة الشروق والمسكيّة والورديّة: قول الركن (من الوافر):
بدا قرن الغزالة والنواحى ... موردة مسكيّة الغوالى
فقلت دم البطاح مع الدياجى ... وذاك المسك بعض دم الغزال
قلت: وكنت فى سفر وقد أسفر علينا الصبح، وعطر نسيم السحر، فأهدا إلينا نشر العنبر، فقلت ونحن فى ذلك السرا، وفى الأجفان لذّة سنة الكرا (من البسيط):
وهبّ عند الصباح عرف ... أهدا سرورا لكلّ سارّ
ما طاب هذا النسيم إلاّ ... والجوّ من عنبر ونار
стр. 359
وما أحسن ما قال ابن المعتزّ (من البسيط): (١)
ساروا وقد خضعت شمس الأصيل لهم ... حتّى (٥) تعلّق <فى> ذيل الدّجى الشفق
يقول من قد رآه وهو ملتهب ... إن دام هذا فإنّ الجوّ يحترق
ومن محاسن تشبيهاته فيما يتعلّق بذكر الصباح والنجوم والليل (من الوافر): (٢)(٢٩٩) كأنّ سماءنا لمّا تجلّت ... خلال نجومها عند الصباح
رياض بنفسج خضل نداه ... تفتّح بينه نور الأقاح
(٦) وقول ابن الزقّاق الذى يهزّ الأعطاف الرقاق (من الوافر): (٣)
أديرها (٧) ... على الروض المندّا
وحكم الصبح فى الظلماء ماض
وكأس الراح ينظر من حباب ... ينوب لنا عن الحدق المراض
وما غربت نجوم الأفق لكن ... نقلن من السماء إلى الرّياض
وقوله (من المنسرح): (٤)
وأغيد طاف بالكؤوس ضحا ... وحثّها والصباح قد وضحا
والروض أهدى (٨) ... لنا شقائقه
وآسه العنبرىّ قد نفحا
قلنا فأين الأقاح قال لنا ... أودعته ثغر من سقا القدحا
فظلّ ساق (٩) ... المدام ينكر ما
قال فلمّا تبسّم افتضحا
стр. 360
قلت: هذا من علوّ الطبقة فوق أن ينبّه عليه، واتّفق أن حضر هذا ابن الزقّاق فى غزوة مع الأمير أبى زكريا يحيى بن عاينة فعمل الأمير بسيفه العجائب وعاد من المجال والدم يقطر من حافتى سيفه فارتجل ابن الزقّاق وقال:
والسيف دامى المضربين كجدول ... فى حفّتيه شقائق النعمان
قال: فطرب كلّ من حضر من أولى الفهم ورمى إليه الأمير بالسيف وقال:
لا تخرج هذا من يدك حتى تعرضه على من يعرف قيمته فإنّك ربّ قلم.
ومن محاسن هذا الشاعر قوله (من الكامل): (١)
وتنهدت (٤) ... وقد استحرّ تنهدى
فوشا بذاك الندّ هذا المجمر
ومن أحسن ما يحاضر به فى تزيّن السماء بالكواكب وانطباعها فى المياه قول ابن طباطبا (من الكامل): (٢)(٣٠٠) كم ليلة ساهرت أنجمها على ... عرصات أرض ماؤها كسمائها
قد سيّرت فيها النجوم كأنّما ... فلك السماء يدور فى أرجائها
أحسن بها لججا إذا جاء الدجى ... كانت نجوم الليل من حصبائها
تصفو وترسب فى اصطفاق مياهها ... لا مستغاث لها سوى إيمائها
والبدر يخفق وسطها فكأنّه ... قلب لها قد زيغ فى أحشائها
وللبحترى (من البسيط): (٣)
إذا النجوم تراءت فى جوانبها ... حسبت (٥) أنّ سماء ركّبت فيها
стр. 361
وهو القائل (من المنسرح): (١)
قم سقّنيها والظّلام منهزم ... والصبح باد كأنّه علم
والطير قد طربت فأفضحت ال ... ألحان وجدا لكنّها عجم
وميّلت رأسها الثريّا لإس ... رار إلى الغرب وهى تحتشم
فى الشرق كأس وفى مغاربها ... قرط وفى أوسط السماء قدم
وممّا يلتحق بهذا الباب من رقائق الأشعار فى ذكر الأنهار الكبار: للنيل، لسيدوك الواسطى (من البسيط): (٢)
قم فانتصف من صروف الدهر والنوب ... واجمع بكأسك شمل الأنس والطرب
أما ترى الليل قد ولّت عساكره ... مهزومة وجيوش الصبح فى الطّلب
والبدر فى الأفق الغربىّ تحسبه ... قد مدّ جسرا على الشطين من ذهب
ومن ملح الصقلّى فيه (من الوافر): (٣)
شربنا من غروب الشمس شمسا ... مشعشعة إلى وقت الطلوع
وضوء الشمع فوق النيل باد ... كأطراف الأسنّة فى الدروع
стр. 362
أبو الصلت (من المنسرح): (١)(٣٠١) كأنّما النيل والشموع به ... أفق سماء تألّقت شهبا
قد كان من فضّة فصيّره (٥) ... توقّد الماء فوقه ذهبا
ومن البديع لابن وكيع (من الكامل): (٢)
يوم لنا بالنيل مختصر ... ولكلّ يوم مسرّة قصر
والسفن تصعد كالخيول بنا ... فيه وجيش الماء منحدر
فكأنّما أمواجه عكر ... وكأنّما داراته صرر
(٦) ولغيره (من الكامل): (٣)
نهر إذا <ما> عب فيه ناهل ... فكأنّه من ريق حبّ ينهل
متسلسل فى لونه فكأنّه ... دمع بخدّى ثاكل يتسلسل
وإذا الرياح جربن فوق متونه ... فكأنّه درع جلاه صيقل
ولابن المعتزّ (من الوافر): (٤)
كأنّ النيل حين جرى بمصر (٧) ... وساح بها وكسّرت التراع
وفاض (٨) ... على الرّبا من كلّ فجّ
سمادات كواكبها ضياع
стр. 363
وللبحترى (من المتقارب): (١)
شربنا على النيل لمّا بدا ... بموج يزيد ولا ينقص
فشبّهت تكسير أمواجه ... بأرداف جارية ترقص
ولابن الرومى وأجاد (من السريع):
أما ترى الوقت والآفة ... والنيل فى غاية إسعافه
كأنّه الرقّ ونوتيّنا ... يكتب واوات بمجدافه
ولابن المعتزّ بيت فيه (من الرجز):
كأنّنا الفلك على الأمواج ... عقارب دبّت عن زجاج
الدجلة: للحاتمى (من الكامل): (٢)
لم أنس دجلة والصبا متصوّب ... والبدر فى أفق السماء معرّب
فكأنّه فى الأرض ثوب أزرق ... وكأنّه فيها طراز مذهّب
(٣٠٢) وأنشدنى بعضهم (من السريع):
أقول للدجلة لمّا طغت ... إذ زاد حسنا ماؤها الأزرق
أراك سلّمت الوزير الذى ... فى راحتيه الجود لا يعبق
قالت لقد بالغت فى حتفه ... وإنّما القرعة لا تغرق
стр. 364
ولابن نحرير البغدادى (من الطويل): (١)
خليلىّ ما أحلا صبوحى بدجلة ... وأطيب منها بالصراة غبوقى
على قمرى أفق وأرض تقابلا ... فمن شائق حلو الهوى ومشوق
شربت على الماءين من ماء وكرمة (٤) ... فكانا كدرّ ذائب وعقيق
فما زلت أسقيه وأشرب ريقه ... وما زال يسقينى ويشرب ريقى
فقلت لبدر التمّ تعرف ذا الفتى ... فقال نعم هذا أخى وشقيقى
وقال ظافر الحدّاد وقد ركب دجلة مع عين الدولة وقد جعد الهواء وجه الماء (من الكامل): (٢)
عشية أهدت لعينك منظرا ... نظم السرور به لقلبك وافدا
وضا كمخضرّ العذار وجدولا ... نقشت عليه يد الجنوب مباردا
النخل كالغيد إحسان تزيّنت ... ولبسن من أثمارهن قلائدا
وملح ظافر وعجائبه وفوائده لا تكاد تحصى ومصداق ذلك قوله (من البسيط): (٣)
كأنّما الليل يخشى الفجر يغرقه ... فكلّما همّ ان ينشقّ يشعبه
أو النجوم عطاش وهو موردهم ... فكلّما فاض نور منه يشربه
منها:
وما تغنّت حمامات العشاء لنا ... إلاّ وجاء بها فى الصبح مطربه
стр. 365
وله فى جزيرة مصر (من المتقارب):
كأنّ الجزيرة إذ أوقدت ... وطرفى لها باهت وشاخص (١)
سماء مع الماء مخلوطة ... كواكبها ذهب خالص
وللقاضى ابن قادوس فيها وأجاد (من الوافر):
ترى سرج الجزيرة حين تبدو ... كأحداق تغازل فى المغازل
كأنّ مجرّة الجوزاء حطّت ... فأثبتت المنازل فى المنازل
ومن أغرب ما سمعت له ﵀ بيتان فى ذمّ بادهنج قليل الهواء (من الكامل): (٢)
لك بادهنج كاللهيب له ... نفس يهيّج لوعة الحرق
مات الهوى به فاجتمعنا ... نبكى عليه بأدمع العرق
(٣٠٣) وأجاد ابن المعتزّ فى تشبيه غروب القمر على الماء (من الكامل): (٣)
عاد الزمان إلى السرور فمرحبا ... يا صاحباى فسقّيانى واشربا
من قهوة ما خامرت ذا لوعة ... إلاّ تعرّض للحتوب تطرّبا
قام الغلام يديرها فى كأسها ... فرأيت بدر التمّ يحل كوكبا
والبدر يجنح للغروب كأنّه ... قد سلّ فوق الماء سيفا مذهبا
وما أحسن ما قال الشريف (من البسيط):
لله ليلتنا والبدر يضحك فى ... وجه المدام كلا الغرين من حبب
والبدر ألقى عليه من أشعّته ... فصاغ منهنّ أوراقا من الذّهب
стр. 366
ولصاحب الأندلس (من الرمل):
طال عمر الليل عندى ... مذ تولّعت بصدّى
يا غزالا نقض العه ... د ولم يوف بوعدى
أنسيت العهد مذ بت ... نا على مفرش ورد
واعتنقنا كوشاح ... وانتظمنا نظم عقد
ونجوم الليل تحكى ... ذهبا فى لا زورد
ولأبى هلال العسكرى (من البسيط): (١)
قم سقّنيها ولا تنقص ولا تزد ... وعدّ عن ذكر أمس أو حديث غد
وانظر إلى البدر قد ألقى أشعّته ... كأنّه فضّة سالت على البلد
ومن هاهنا أخذ ابن سناء الملك قوله (من البسيط): (٢)
ليل الحمى بات بدرى فيك معتنقى ... وبات بدرك ملقيّا على الطرق
ومن أحسن ما سمعته فى الغيم على الشمس للمجد المرياطى (من السريع):
(٣٠٤) انظر إلى الشمس وقد حجبت ... فزاد عشقا فى سناها العيان
كأنّها مجمر نار وقد ... لاح عليها من غمام دخان
فاغد لما أبصرته حاكيا ... من سحب الندّ وشمس الدنان
وللجمال الدمشقى (من البسيط):
يوم لعمرك محوق من الطرب ... الريح تلعب فوق النهر بالحبب
والشمس تبدو كمرآة مذهبة ... ولا غلاف لها إلا من السحب
إن أدرجت فيه فالآفاق عابسة ... أو أخرجت لاح وجه الشمس من حجب
стр. 367
وكلّ ذلك مما يستخفّ بناؤه، والسابق إلى هذا الباب ابن المعتزّ بقوله (من الوافر): (١)
تظلّ الشمس ترمقنا بطرف ... خفىّ لحظه من خلف ستر
تحاول فتق غيم وهو بأبا ... كعنّين يحاول فتق بكر
عبد الله بن فتح (من الكامل):
غيم كثيف لا تشقّ جيوبه ... أحداقنا منها رمته بأسهم
متعرّض قدّام شمس نهاره ... كالماء تبصر فيه نقش الدرهم
وممّا أنشد لعلاء الدين بن دفتر خان فى الغمام على القمر ما لم أسمع مثله (من الكامل):
انظر إلى قمر عليه غمامة ... وتزحزحت عنه فلاح لمبصر
كنعامة باضت <يبدو> (٣) ... بيضة
وتكشّفت عنها بريح صرصر
ولابن المعتزّ يصف القمر فى صبيحة مع الشمس (من السريع): (٢)
قل لصريع الكأس قم نصطبح ... فالكأس تحيى كلّ مخمور
ما أنت فى نومك يا سيدى ... وقد أتى الصبح بمعذور
لا سيما والشمس قد قابلت ... بدر الدجى فى الأفق بالنور
كأنّما تلك وهذا معا ... جامان من تبر وبلّور
стр. 368
وقال (من لمتقارب): (١)(٣٠٥) وكأمر سبقت إلى شربها ... عذولى كذوب عقيق جرا
يشرّبها (٤) ... غصن ناعم
من البان مغرسه فى نقا
إذا شئت كلّمنى بالجفو ... ن من مقلة كحلت بالهوى
ومصباحنا قمر نيّر (٥) ... كترس لجين يشقّ السما
وقال والقمر فى نصفه وهو السابق لهذا المعنى (من السريع): (٢)
ماذقت طعم النوم لو تدرى ... كأنّ أعضائى (٦) على جمر
فى قمر مسترق نصفه ... كأنّه مجرفة العطر
ولابن الرومى فى معناه (من السريع):
عانقت من أهوى وقد طالما ... بتّ من الشوق على نار
وفوقنا البدر على نصفه ... كأنّه شقّة دينار
ولابن المعتزّ فى محاقه (من الكامل): (٣)
فى ليلة أكل المحاق هلالها ... حتى بدا (٧) مثل وقف العاج
والصبح يتلو المشترى فكأنّه ... عريان يمشى فى الدجى بسراج
стр. 369
وللقرطبى (من الكامل): (١)
والبدر فى أفق (٥) ... السماء قد انطوت (٦)
طرفاه حتّى عاد مثل الزورق
فتراه من تحت (٧) ... المحاق كأنّما
غرق الكثير وبعضه لم يغرق
ولابن دفتر خان (من الرجز):
وقمر يلوح رأس الشهر ... مثل قلامة بدر من ظفر
ثم يرى مجرفة للعطر ... وهو إذا تنعته بالبدر
مرآة هند ضبّبت بتبر
وأوّل من شبّهه بقلامة الظفر ابن المعتزّ (٢) فى قصيدة ديرية تأتى فى مكانها إن شاء الله تعالى وكذلك بمجرفة العطر وقد تقدّم ذكره، (٣٠٦) وجرت مذاكرة فأنشد بعض الحاضرين قول الأخطل (من الوافر):
وليل بتّ أكلوه كأنّى ... أقلّب فيه فوق شبا الإثافى (٣)
كأن هلاله مرآة تبر ... لها شطر يلوح من الغلاف
وهذا لا يخفى سبقه فى الحسن، فأنشدت لابن المعتزّ (من البسيط): (٤)
وليلنا (٨) ... طائر والأنس يعجله
حتى بدا الصبح مبيضّ القواديم (٩)
وقام ناعى الدجى فوق <الجدار> كما ... غنّا (١٠) على مرقب شاد بتنغيم (١١)
والبدر يأخذه غبم ويتركه ... كأنّه سافر عن خدّ ملطوم
стр. 370
وهذا فى نهاية من الحسن فتأمل إشارته للطم تشبّها بالمحو الذى فى القمر، وما أملح ما قالت الجارية التى أراد المتوكّل على الله شراءها فقال: كنّا نشتريها لولا خنس فيها وكلف فأنشدت تقول (من السريع): (١)
ما سلم الظبى على حسنه ... كلا ولا البدر الذى يوصف
الظبى فيه خنس ظاهر ... والبدر فيه كلف يعرف
فأمر بشرائها ولو بأغلا ثمن.
ومن أحسن ما سمعت فى قصر الليل وطوله:
فمن بديع النثر، ليلة فى لباس، بنى العبّاس، طرف يرعى النجوم مطروف، وفراش بشعار الهموم محفوف، النجوم شهود بسهاده، وتأمّله وعدم رقاده، هرم الليل وشمطت ذوائبه، وتقوس ظهره، وتصرم عمره، وأنشدوا (من البسيط): (٢)
عهدى بنا ورداء الوصل يجمعنا ... والليل أطوله كاللمح بالبصر
فاليوم ليلى قد غابوا فديتهم ... ليل الضرير فصبحى غير منتظر
وفى قصره (من المنسرح): (٣)(٣٠٧) يا ليلة كاد من تقاصرها ... يعثر فيها العشاء بالسحر
يسير (٤) ... فيها وصالها عجلا
فيلنقى هجرها على قدر
стр. 371
وفى طوله (من البسيط):
ما بال أنجم هذا الليل حائرة ... أضلّت القصد أم ليست على فلك
ظلّت رهائن جنّ لا حراك بها ... كأنّها جثث صرعى بمعترك
قم يا نديمى فهات الكأس مترعة ... وسقّنيها ولا تسأل عن الدرك
وما أحسن قول ذى الرمّة ها هنا (من الطويل): (١)
ألمّت بنا والليل داح كأنّه ... جناح حمام عنه قد نفض القطرا
فقلت لعطّار ثوبى فى رحالنا ... وما احتملت يوما سوى ريحها عطرا
ولنعود إلى ذكر الجوّ والنجوم: ابن المعتزّ (من الرجز):
قم سفنى صافية ... تطرد عن قلبى الفكر
أما ترى الصبح انجلى ... عن منظر الطرف الأغر
والجوّ صاح قد حكى ... بأنجم فيه غرر (٢)
جام زجاج أزرق ... قد نثرت فيه درر
وقوله (من الرجز): (٣)
قم سقّنى صافية ... تهتك ستر الغسق
أما ترى الصبح بدا ... فى ثوب ليل خلق
أما ترى جوزاءه ... كأنّها فى الأفق
منطقة من ذهب ... فوق قباء أزرق
стр. 372
وقوله فى غروب النجوم وأجاد (من الطويل): (١)
كأنّ نجوم الليل فى فجرها ... وقد جدّ منها للغروب عوازم
عيون حماها الشوق أن تطعم الكرى ... فأعينها مستضعفات نوائم
(٣٠٨) وقوله (من الرجز):
وليلة فى لونها ... مثل سواد مفرقى
كأنّما سوادها ... حشو العيون الرمق
كأنّما نجومها ... فى مغرب ومشرق
دراهم قد نثرت ... فوق بساط أزرق
وقوله فى الثريّا (من الطويل):
نجوم الثريا قد أسبلت مدامعى ... وهيّجت لى ذكر البدور الطوالع
كأنّ الثريا وهى فى الليل أعين ... تلاحظنا من تحت زرق البراقع
آخر (من الطويل): (٢)
وليل أقمنا فيه نعمل كأسنا ... إلى أن بدا للصبح فى الليل عسكر
ونجم الثريّا فى السماء كأنّه ... على حلّة زرقاء جيب مدنّر
ولابن المعتزّ (من الطويل):
وليل جئتنا فيه خيل كؤوسنا ... بميدان لهو والهموم تصرّع
ولاحت لعينىّ الثريّا كأنّها ... على هامة الظلماء تاج مرصّع
стр. 373
وله فى الثريّا والهلال (من البسيط):
قم سقّنى الراح يا نديمى ... فإنّها مطراد الهموم
فقد تبدّا هلال شهر ... قدومه أيمن القدوم
كأنّه فى السماء فخّ ... ينتظر الصيد للنجوم
وقوله (من الكامل): (١)
وبدا (٤) ... الهلال بأفقه فكأنّه
نون معرّقة على فيروزج
وكأنّ أنجمه بقايا (٥) ... نرجس
خضل تطلّع فى (٦) رياض بنفسج
السرىّ الموصلى وأجاد (من الوافر): (٢)
ألا عدلى بباطية وكاس ... وإبريق (٧) وجامات وطاس
وذاكرنى بشعر أبى فراس (٨) ... على خمر كشعر أبى نواس
ونهر (٩) ... مرهفات الغيم فيه
عوار والرياض به كواسى
ولاح لنا الهلال كشطر طوق ... على لبّات زرقاء اللباس
ومن البديع فى هذا المعنى (من المنسرح): (٣)
أهلا وسهلا بالنأى والعود ... وقدّ ساق كالغصن مقدود
قد انقضت دولة الصيام وقد ... بشّر سقم الهلال بالعيد
يتلو الثريّا كفاغر شره ... يفتح فاه لأكل عنقود
стр. 374
وللسرىّ أيضا فى هذا المعنى (من المنسرح): (١)
جاءك شهر السرور شوّال ... وغال شهر الصيام مغتال
سيرقب العيد والهلال معا ... قوم لهم إن راأوه إهلال
كأنّه قيد فضّة حرج (٢) ... فض عن (٣) الصائمين فاختالوا
وقالوا: بيد الكأس، تعرك أذن الوسواس، وأنشدوا (من الوافر):
إذا ما جاء شوّال عكفنا ... على كأس وساطيه ردوم
وإن هم أضاف بنا عركنا ... بأيدى الكاس آذان الهموم
وأنشدوا (من الهزج):
أشهر الصوم ما مثل ... ك عند الله من شهر
وإنّى والذى فضّ ... ل أوقاتك بالذكر
لمسرور بأن تفنى ... على أنّك من عمرى
وأحسن الذى قال فى مدحه (من الخفيف):
إنّ شهرا يكون آخره العي ... د ومنهاج والجيه السرور
لجدير بأن يظلّ على الأش ... هر طول الزمان وهو أمير
وأحسن من هنّأ به إذ يقول (من الخفيف):
(٣١٠) نلت فى الخير كلّ ما تشتهيه ... وكفاك الإلاه ما تتّقيه
أنت فى الناس مثل ذا الشهر فى الأش ... هر بل مثل ليلة القدر فيه
стр. 375
الصابئ يهنّئ بالعيد (من المنسرح):
يا عيد عد بالرجا على رجل ... لنا به عصمة ومنتفع
ويا صروف الردى ذريه لنا ... يبقى ففى الأغنياء متّسع
وقال يهنّئ بعيد الأضحى (من الهزج):
مهنّئك وصابيكا ... بذى الأضحى يهنّيكا
ويدعو لك الله ... مجيب ما دعا فيكا
أرانى الله أعداءك ... فى مثل أضاحيكا
رجع الكلام إلى التنّين المسمّى ظنين
فلمّا فهم ظنّين هذه المعانى، التى تعيد السليم عانى، ابتهج فرحا، وماس إعجابا ومرحا، وقال: إن كنت طردت من جنان الرحمن، فقد تعوّضت هذه الجنان، فى أمان من الزمان، وإن كنت أخرجت مع الطاووس وإبليس فقد عمّرت وملكت ما لا ملكته بلقيس، إذ الدرّ فى خزائنها مخزونا، والمرجان من غرّته يكلّل به أعالى التيجان، وها هو عندى حصباء هذه الأنهار، يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار، فليلى به نهار، وجميع أوقاتى بظلال هذه الأشجار أسحار! وشمخت نفسه الرديّة، ووسوست له بالأبديّة، فتمرّد وتنمّر، وتعاظم وتكبّر، ولم يزل فى طغيانه يعمّه، وكفر تلك النعمة، إلى أن قربت الغزالة أن تذهب، وألبست رؤوس الربا كلّ تاج (٣١١) وخلعت على تلك الغدران، غلائل زعفران، فعادت كأصباغ العروس، أو كذنب الطاووس فهى فى الإشارة كقول ابن سارة (من الخفيف):
انظر النهر فى رداء عروس ... صبغته فى زعفران العشئ
ثم لما جرى النسيم عنيه ... هزّ عطفيه فى دلاص الكمئ
стр. 376
ومن البديع لابن وكيع (من المتقارب): (١)
غدير تدرّج أمواجه ... هبوب النسيم ومرّ الصّبا
إذا الشمس من فوقه أغربت ... توهّمته جوشنا مذهبا
وقوله (من الطويل):
سقانىّ كأس الراح شاطئ جدول ... تداريجه يحكين بطنا معكّنا
إذا صافحته راحة الريح خلته ... بتكسيرها إيّاه ثوبا معيّنا
وأنشد صاحب القلائد (من الطويل):
ركبنا سماء النهر والجوّ مشرق ... وليس لنا إلاّ الحباب نجوم
وقد ألبسته الأيك برد ظلالها ... وللشمس فى تلك البرود رقوم
وقوله (من البسيط):
واها لها من بطاح روض ... وحسن نهر بها مطلّ
إذ لا ترى غير وجه شمس ... أطلّ فيه عذار طلّ
وقوله (من الكامل):
والريح تلطم فيه أرداف الربا ... عبثا وتقرص أوجه الغدران
وقوله (من الكامل):
والنهر لما راح وهو مسلسل ... لا يستطيع الرقص ظل يصفق
وفى البحر لابن وكيع أيضا (من البسيط):
أما ترى البحر ما أحلا شمائله ... يأتى إلى البرّ حينا ثمّ ينصرف
كأنّه ملك رافت عساكره ... تقبّل الكفّ منه ثم تنصرف
стр. 377
وطلب ابن عبّاد من إشبيليّة ابن رشيق الأديب فاعتذر بركوب البحر وقال (من البسيط): (١)(٣١٢) البحر مرّ المذاق صعب ... لا جعلت حاجتى إليه
أليس ماء ونحن طين ... فما عسى صبرنا عليه
وأنشدنى بعض الأصحاب وقد ركبنا البحر لنزهة (من الخفيف):
أى نهر رأيته مثل ميت ... بعث الله فيه بالرّوح روحا
قد ركبنا به من العود طرفا ... بجناح به يروم الجنوحا
فاض فيضا فقلنا طوفان نوح ... وحكينا بفوزنا منه نوحا
فأعجبنى واستعدته وسألته من أين أخذ معنى البيت الأوّل فقال: من قول ابن حبيب المصرى (من البسيط):
إذا النسيم جرى فى مياهها (٢) ... اضطربت
كأنّما ريحه فى جسمها روح
وممّا يلتحق بهذا الباب ذكر البرك والنواعير: ابن هانئ فى بركة (من الكامل):
ولقد طربت على محاسن بركة ... زرقاء تحسبها مذاب الجوهر
قد كلّلت حافاتها بربيعها ... فتقيد للأبصار بهجة منظر
فكأنّها المرآة فى تدويرها ... قد طوّقوها طوق شمع أخضر
وقوله فى الجداول (من الكامل):
أرأت عيونك مثله من منظر ... شمس وظلّ مثل خدّ مغدر
وجداول كأراقم حصباؤها ... كبطونها وحبابها كالأظهر
стр. 378
وقوله فى السمك الراى (من البسيط):
كأنّما الراى والصيّاد يخرجه ... بلطف حيلته من غامض اللجج
أسنّة صقلت ما مسّها جرب ... مخضّبات العوالى من دم المهج
وقوله فى الرشال (من الوافر):
(٣١٣) كأنّ الرشل إذ يبدو سريعا ... بأذناب كمحمرّ العقيق
بلسقنات بلّور لطاف ... أسافلها بقايا من رحيق
ومن أحسن ما سمعت فى النواعير: للسرى الموصلى (من السريع): (١)
كم (٢) ... نعرت بالماء ناعورة
<حنينها> كالبريط الناعر
تحسبها (٣) ... فى شدوها قينة
تردّد الصوت على زامر
كأنّما كيزانها أنجم ... دائرة فى الفلك الدائر
(٤) وأنشد الحاتمى (من الطويل):
وناعورة بين البساتين أصبحت ... قواديسها شبه الكواكب تزهر
كأرملة ضمّت إليها بناتها ... تنوح بشجو والمدامع تقطر
وما أملح ما قال أبو عبد الله (من البسيط):
وذى حنين تكاد شجوا ... يختلس الأنفس اختلاسا
إذا غدا للرياض راحا ... قال لها المحل لا مساسا
стр. 379
يبسّم الزهر حين يبكى ... بأدمع ما رأين ناسا
من كلّ جفن يسلّ سيفا ... صار له غمد رياسا
وأنشد صاحب روح الشعر (من الكامل): (١)
لله دولاب يفيض بسلسل ... فى روضة قد أينعت أفنانا
قد طارحته به الحمائم شجوها ... فتجيبها وترجّع الألحانا
فكأنّه دنف أطاف بمعبد ... يبكى ويسأل فيه عمّن بانا
ضاقت مجارى طرفه عن دمعه ... فتفتّقت أضلاعه أجفانا
وللشريف فى الطبقة العالية (من الهزج): (٢)
ودولاب إذا دار ... يزيد القلب أشجانا
سقى الغصن وغنّاه ... فما يبرح نشونا
(٣١٤) هنالك رجع ظنين طالبا وكره، طافحا فى نشأات سكره، ولم يعلم أنّه قد خاب فى حدسه، وغيّر به لما غيّر ما فى نفسه.
стр. 380
المحاضرة الثانية: الأوائلية
وما لخص منها فى هذا التأريخ
وكان ظنين، فى تلك السنين، لمّا تحاذره الآدميّين، قد جعله صيده وغداءه وحوش الفلاة، لا يخشى كبيرها، ولا يرثى لصغيرها، حتى صار كلّ وحش شارد، عن المراعى والموارد، فلمّا زاد بهم البلاء، وتحاذروا الكلاء، وعطشوا من الماء، وهلكوا من الظماء، اجتمعوا بباب الملك الهمام، الأسد الضرغام، ملك الوحوش وقائد الجيوش، ورفعوا إليه حالهم، وما من ذلك التنّين قد نالهم، فلمّا علم شكواهم، وفهم نجواهم، زمجر بصولته، وجمع كبار دولته، وقال:
اعلموا أنّ الملك أحقّ باصطفاء رجاله، منه باصطفاء ماله، لأنّه مع اتّساع الأمر وجلالة القدرة، لا يكتفى بالوحدة ولا يستغنى على الكثرة، ومثله فى ذلك مثل المسافر فى الطريق البعيدة الذى يجب عليه أن تكون عنايته بفرسه المجنوب، مثل عنايته بفرسه المركوب، ومشورة ذى التجارب، من بلغ المآرب.
واعلم <أنّ> الملوك تحتاج إلى وزير، وأشجع الناس يحتاج إلى سلاح، وأجود الخيل يحتاج إلى سوط، وأجود الشفار يحتاج إلى مسنّ، ومثل الملك الصالح مع الوزير الفاسد مثل الماء الصافى العذب النمير الذى فيه التماسيح فلا يستطيع الناس وروده (٣١٥) وإن كان سائحا، ومن كلام فيثاغورس: معاشر الناس لا تضمروا غش الأئمّة! فإنّه من أضمر ذلك أظهره الله على صفحات وجهه وفلتات لسانه وشجيّة أحواله، والإشفاق على حاشية الملك وخدمه، كالشفقة على ديناره ودرهمه، وإذا نصر الهوى بطل الرأى، وو الله ما عزّ ذو باطل ولو طلع من جبينه القمر، ولا ذلّ ذو حقّ ولو أصفق العالم عليه، وقد قال لقمان فى وصيّته:
стр. 381
يا بنىّ شاور من جرّب الأمور فإنّه يعطيك من رأيه ما قام عليه بالغلاء وأنت تأخذه بالمجون.
واعلموا أنّ لا صلاح للخاصّة مع فساد العامّة، وأنّ لا سلطان إلاّ برجال ولا رجال إلاّ بمال ولا مال إلاّ بعمارة ولا عمارة إلاّ بعدل وحسن سياسة، وقد قيل: كن ليّنا من غير ضعف وشديدا من غير عنف.
واعلموا أنّ الإرجاف مقدّمة الكون وبريد الفتنة، والعجم تقول: ينبغى أن يجتمع فى قائد الجيش وثبة الأسد، واستلاب الحدأة، وختل الذئب، وروغان الثعلب، وصبر الحمار، وحملة الخنزير، وحراسة الكركى، وبكور الغراب، ومع ذلك يحتاج إلى الوزراء ذو والرأى السديد فى الأمر الشديد
والآن فقد اتّصل بنا ما الرعايا فيه من البلاء، ونزوحهم عن الماء والكلأ لتعرّض هذا التنّين المسمّى ظنين، وإنّه قد أفنى الجيوش، ولمّا يأس من الآدميين سطا بشرّه على الوحوش، وهو كما علمتم أنّه مرّ المذاق، وعدوّ لا يطاق، فما عندكم من الرأى فى أمره، فى حيلة نصل بها إلى إنفاد عمرء، من غير عناء ولا تعب ولا همّ ولا نصب؟
(٣١٦) فنهظ (١) أكبر وزراء الحضرة، النمر ذو الرأى ولخبرة، وقال:
أيّها الملك العادل، والسلطان الفاضل، قد قيل لوزراء العجم: ينبغى للملك أن يبنى أمره مع عدوّه على أربعة أوجه: على البذل واللين، والكيد والمكاشفة، وذلك مثل الخراج فأولى علاجه التسكين، فإن لم ينفع فالإنضاح والتحليل فإن لم ينجع فالبط، فإن لم ينفع فالكىّ وهو آخر العلاج، وهذا العدوّ فليس ينفع فيه البذل ولا اللين، إذ البدل بالمال لا يرضيه، واللين له ممّا يزيده ويطغيه،
стр. 382
ولا بقى غير الكيد والمكاشفة، وتقديم الكيد أولى فإن نجح فأراح، وإلاّ فالمكاشفة والكفاح، وليس لهذا الأمر كالقاضى العدل، ذو العلم والفضل، الذى فاق بفضله المتقدّمين، أبو الحصين حاذق الأمين، فإنّه إن شاء الله تعالى يقوم بهذا الأمر، ويكون سببا لإخماد هذا الجمر.
وكان بصحراء السند وجبال الهند ثعلب يسمّى حاذق يلقّب بالأمين، قد أتت عليه عدّة من السنين، نشأ ببلاد الحجاز، وقطن مدّة بالعراقين والأهواز، واطّلع على أخبار المتقدّمين، وصحب جماعة من العلماء الإسلاميّين، وأدرك شعراء الجاهليّة والمخضرمين، ومن تلاهم من المولّدين، وبعدهم من المحدثين، وقرأ كتب الحكماء والفلاسفة والمتكلّمين، وكان مع ذلك حسن الاعتقاد، خالى من الانتقاد، جيّد اليقين، من خيار عباد الله المتّقين.
فلمّا سمع الملك قول الوزير ذو الرأى والتدبير، علم أنّه قد أصاب، ممّا أشار، فما خاب، من استشار، فقال: لقد نصحت أيّها الوزير الصالح، والصديق الناصح، ولقد دللت على الرأى الكبير ولا ينبئك (٣١٧) مثل خبير، وأمر فى وقته بإشخاص حاذق على البريد، ليكون أسرع لما يريد، وكان حاذق قد فوّض إليه تدبير الجيوش وقضاء والحكم بين الوحوش، ترجع إلى إشارته جميع الحكّام من أقصى الصين إلى خوارزم مع جبل القبخ وجبل اللكام، وقد استبارك بحسن سياسته الجماع، وصار عليه الورود وعنه الصدور والرجوع، حتى طارت بعلوّ طبقة بلاغته جنحة العقبان، وسارت بعذوبة منطقه وفصاحته عيس الركبان، ولم تكن إلاّ أيّام، وقدم حاذق فى غاية الإكرام، فسرّ الملك بقدومه ومأتاه، وأكرم نزله ومثواه، إلى أن زال عنه وعثاء السفر، وعناء السهر، ثم أحضره وبجّل مقامه، وزاد فى برّه وإكرامه، وسأله كيف كان طريقه، ولا طفه
стр. 383
حتى عاد كأخيه شقيقه، هذا وحاذق يقوم بأداء الفرض، من دعاية وتقبيل الأرض.
ثم إنّ الملك قال: أيّها القاضى الفاضل، والبارع الكامل، إنّ أنفسنا كانت إلى لقائك تتوق، وأنا إلى مشاهدتك مشوق! فقال حاذق: هذه عوائد أنفس الملوك الحكماء الكرماء، أن يتوق إلى مشاهدة العلماء الحكماء، فقال الملك: محلّك عندنا محلّ الولد الشفوق، والأخ الصدوق، فنهظ (١) حاذق وقبّل الأرض بين يديه، وأثنى بما يليق به عليه، فقال الملك: خفّف عليك أيّها القاضى الفاضل، والرئيس الكامل، والعالم العامل، فإنّ كلّ الناس أحقّاء بالسجود لله وأحقّهم بذلك من رفعه الله عن السجود لأحد من خلقه، وقد فهمت أنّ سجودك هذا إنّما هو لله شكرا لما أولاك من فضله، ومن عليك من طوله، فإنّنى جعلت مجلسى هذا للقبلة، ليكون السجود كلّه لله!
(٣١٨) فقال حاذق: لست ممن أشكّ فى فضل الملك ودينه، وحسن اعتقاده ويقينه، وأنت السلطان، العظيم الشان، الكثير العدل والإحسان، المتواضع عن رفعه، والعفو عن قدره، المستحقّ فى هذا الزمان قول معاوية بن أبى سفيان:
إنّى لآنف أن يكون فى الأرض جهل لم يسعه حلمى، وذنب لم يسعه عفوى، وحاجة لم يسعها جودى، ونحن الزمان من رفعناه ارتفع، ومن وضعناه اتّضع.
وكان يقال: أخلق بدم المستخفّ بالملوك أن يكون جبّارا، فإنّ الملك خليفة الله فى بلاده وفى عباده، ولن يستقيم أمر خلافته مع مخالفته، والسلطان ظلّ الله فى الأرض، يأوى إليه كلّ مظلوم، ويأمن به كلّ خائف، ومن عصى السلطان.
فقد أطاع الشيطان، وفساد الرعيّة بلا ملك كفساد الجسم بلا روح، وقد قيل:
إذا زادك السلطان تأنيسا فزده إجلالا وتعظيما.
стр. 384
فقال الملك: لست ممّن يشكّ فى عقلك وفضلك، وعلمك وحلمك، لكن ما السبب فى انقصاعك عن مقامنا، وأنت من أجلّ حكّامنا، ومنزلتك عندنا عليّة، ومحبّتنا فيك أزليّة، فلو كنت بأبوابنا لم يكن أحد أقرب منك إلينا، وكنت آخر خارج من عندنا، وأوّل داخل علينا!
فقال حاذق أيّها الملك الفاضل، والسلطان العادل، إنّ مثل أصحاب السلطان كقوم رقوا جبلا ثم سقطوا منه فكان أبعدهم فى المرقى أقربهم من التلف، ومثل السلطان كالجبل لصعب الذى فيه كلّ ثمرة طيّبة وكلّ أفعاء (١) قاتلة، فالارتقاء إليه شديد والمقام فيه شدّ، ومن تحسّى مرقة السلطان احترقت شفتاه ولو بعد حين، (٣١٩) وأشقى الناس بالسلطان صاحبه كما أنّ أقرب الأشياء إلى النار أسرعها احتراقا، ولا يدك الغنى بالسلطان إلاّ نفس حافية وجسم تعب ودين مثلم، وقد قيل: لا يلتبس بالسلطان فى وقت اضطراب الأمور عليه فإنّ البحر لا يكاد يسلم راكبه فى حال سكونه فكيف فى حال اضطراب أمواجه، وقد قيل: ليكن السلطان عندك لنار لا تدنو منها إلاّ عند الحاجة إليها، فإن اقتبست منها فعلى حذر، ولولا وثاقى بفضل الملك وعلمه، وجودة عفوه، وسعة حلمه، لما تجاسرت بموعظة، ولا تفوهت بكلمة مومضه.
فقال الملك ليس عليك أيّها القاضى الفاضل من بأس، وكلامك محمولا على الرأس، لتحقّقى مقلك ورشدك، ودينك وزهدك، وإنّى الآن مسائلك عن ما كان يختلج بباطنى ولم أجد له شارح، ولم أكن لأحد غيرك به بائح إذ أنت ربّ كلّ مسألة وكاشف كلّ معظلة. (٢)
فقال حاذق سل أيّها الملك تجاب، بمعونة من إذا دعى أجاب!
стр. 385
فقال الملك: ما السبب فى امتناع إبليس عن السجود لآدم دون سائر الملائكة؟
فقال: فى ذلك عدّة وجوه وأقربها الحسد الذى داخله منه، فإنّ الحسد أوّل ذنب عصى الله به فى السماء والأرض، أمّا فى السماء فما كان من حسد إبليس لآدم صلوات الله عليه حين ترفّع عن السجود له كما أخبر الله فى كتابه العزيز، وأمّا فى الأرض فما كان من حسد قابيل لأخيه هابيل على تقبّل القربان منه دونه حتى قتله فأصبح من النادمين.
فقال الملك: فأخبرنى أيّها القاضى العالم العامل (٣٢٠) الفاضل الكامل، عن أوّل كلّ شئ ومن استسنّه، حتّى عاد فى بنى آدم سنة بأوجز لفظ، ليكون أقرب للحفظ، فقال حاذق: حبّا وكرامة، ونسأل الله تعالى المعونة والسلامة، وأن يخصّنا فى دار الزلفى بالكرامة.
(١) أوّل من غرس النخلة واستخرج القطنة أنوش بن شيث بن آدم، ويروى أنّه أوّل من بوّب الكعبة ونطق بالحكمة.
أوّل من أظهر علم النجوم ودلّ على تركيب الأفلاك وقدّر مسير الكواكب وكشف عن وجوه تأثيرها ونبّه على عجائب الصنع فيها إدريس ﵇، وهو أوّل من خطّ الكتاب وخاط الثياب، وإنّما كان من قبله يلبسون الجلود، وهو أوّل من اتّخذ السلاح وجاهد بنى قابيل واسترقّ الرقيق.
أوّل من قصّ شاربه وفرق شعره وتمضمض واستاك وقلّم الأظفار واستنجى فصارت سنّة فى الإسلام إبراهيم الخليل-صلوات الله عليه، وهو أوّل من أختن (٢) لما نذكر من ذلك فى قصّته، وهو أوّل من أضاف الضيف لما نذكره، وهو أوّل من شاب لما نذكره أيضا
стр. 386
فقال الملك: أيّها القاضى الفاضل فهل تعلم أنّ أحدا امتدح الشيب؟ فقال:
نعم أيّها الملك الجليل، والسيد النبيل: منثورا ومنظوما، (٢) فأمّا المنثور الذى كالدرّ المنثور، فقد قيل:
الشيب حلّة (٧) العقل، وشيمة الوقار، الشيب زبدة مخضتها الأيّام، وفضّة (١) سبكتها التجارب، الشيب رداء العلم والأدب، يا عائب الشيب لا بلغته، سرى فى طريق الرشد بمصباح الشيب (٣٢١) عصى شياطين الشباب، وأطاع ملائكة الشيب، ما خير ليل ليس فيه نجوم، للشيخ الرأى وللشباب الكيس، الشيخ يقول عن عيان، والشباب يقول عن سماع، ومن كلام عبد الله بن المعتزّ فى ذلك، عظّم الكبير فإنّه عرف الله تعالى قبلك، وارحم الصغير فإنّه أغرّ بالدنيا منك، ومن شعره فيه (من الخفيف): (٣)
قد يشيب الفتى وليس عجيبا ... أن يرى النور فى القضيب الرطيب
ولدعبل الخزاعى فيه (من البسيط): (٤)
إنى أنا السيف لا ترضيك جدّته ... وليس يرضيك إلاّ بعد إخلاق
ولأبى تمّام فى المعنى (من البسيط): (٥)
ولا يروعك (٨) ... إيماض القمير به
فإنّ ذاك ابتسام الرّأى والأدب
وله (من الكامل): (٦)
يا شيبتى دومى ولا تترحّلى ... وتيقّنى أنّى بوصلك مولع
стр. 387
وللبستى فى المعنى (من الكامل): (١)
قد كنت أجزع من طلوعك (٥) ... مرة
فالآن من خوف ارتحالك أجزع
فقال الملك: إنّما هذا تعلّل بالمحال، وخوف من الارتحال، فما قيل فى ذمّه، لمن تجرّع سمّه؟ فقال حاذق: أمّا من ذمّه وهجاه ويحبّه مغرم ما قلاه، فكثير لا يحصى، وإنّما نذكر ما حضر لأنّ أمرك لا يعصى كما قال سلمة (٦) بن الوليد (من البسيط): (٢)
الشيب كره وكره أن يفارقنى ... فأعجب بشئ على البغضاء مودود
(من الطويل):
خليلىّ ما فى الشيب عار على الفتى ... لو انّ لأيّام الصبا من يعيدها (٣)
ونحن الموالى فى القبائل كلّها ... وفى حى ليلى نحن بعض. . .
قيس بن عاصم يقول: الشيب خطام المنيّة.
أكثم بن صيفىّ يقول: الشيب عنوان الموت.
الحجّاج بن يوسف يقول: الشيب بريد الآخرة.
مالك بن أنس يقول: الشيب تؤم (٧) الموت. (٤)
عبد الله بن المعتزّ يقول: الشيب أوّل مواعيد الفناء وناعى الشباب ورسول البلاء وعنوان الفساد، وقناع المقت، وسفينة تقرب من ساحل المنية.
(٣٢٢) العتبى: الشيب مجمع الأمراض.
стр. 388
محمود الورّاق يقول: الشيب إحدى المنيتين.
قلت: وهذا كلّه يجمعه كلمتين: الشيب وكلّ عيب، ونظر سليمان بن عبد الملك (٤) فرأى فى المرآة شيبا قد لاح فى لحيته ولمّته فقال: عيب لا عدمناه، ويمثّل بقول أبى تمام (من الطويل): (١)
هو الزّور يجفا والمعاشر يحتوى ... وذو الإلف يقلى والجديد مرقّع (٥)
له منظر فى العين أبيض ناصع ... ولكنّه فى القلب أسود أسفع
ولأبى تمّام فيه أيضا (من الرجز):
تضاحكت لما رأت ... شيبا تلالا غرره
قلت لها لا تعجبى ... انبيك عندى حبره
هذا غمام الردى ... ودمع عينى مطره
وقوله: (من البسيط):
لو كان عمر الفتى حسابا ... لكان فى شيبه فذلك
(٢) وللصابى (من الكامل):
والعمر مثل الكأس ير ... سب فى أواخره القذى
مسلمة (٦) بن الوليد (من البسيط):
والشيب أعظم جرما عند غانية ... من ابن ملجم عند الفاطميّين
(٣)
стр. 389
فقال الملك: (١) فما تقول فى الخضاب، الذى جعلوه حيلة لردّ الشباب؟ فقال حاذق: الخضاب أحد الشبابين، وهو تذكرة الشباب، والتسلّى عن وقوع الموت، والتعلّق بحبال الفتيان، ومن قول المتنبىّ فيه: (من الطويل):
وما خضب الناس البياض لأنّه ... قبيح ولكن أحسن الشّعر فاحمه
(٢) ولابن المعتزّ (من الكامل):
للضيف أن يقرى ويقضى حقه ... والشيب ضيفك فاقره بخضاب
(٣) وله (من المتقارب): (٤)
وقالوا للنصول شيب جديد ... فقلت الخضاب شباب جديد
إساءة هذا بإحسان ذا ... فإن عاد هذا فهذا يعود
(٣٢٣) ولعبدان الإصفهانى وهو من أحسن ما قيل فيه (من الخفيف):
فى مشيبى شماتة لعداتى ... وهو فاع مبغض لحياتى
ويعيب الخضاب قوم وفيه ... لى أنس إلى حضور وفاتى
لا ومن يعلم السرائر (٥) ... ما به رمت خلّة الغانيات
إنّما رمت أن يغيّب عنّى ... ما تزينه (٦) كلّ يوم مرآتى
وهو ناع إلىّ نفس ومن ذا ... سرّه أن يرى وجوه النعات
(٧)
стр. 390
ومن أحسن ما سمعت فى كره الشيب لبعضهم (من الكامل):
وسألتها ملء المحاجر نظرة ... منّى عساها أن ترقّ وترحما
قالت لو انّ الشيب من نور الهدى ... ما كنت أكحل منه عينى من عما
أنا ما رضيتك بالمشيب ملثّما ... أرضاك منه ملثّما ومعمما
فرجعت مكاوم الحشى لكلامها ... وجوانحى تبكى الدماء على الدما
وروى أيّها الملك أن لمت نفر من المسلمين وفدوا على ملك الروم أحدهم قد خضّب بالوشمة والآخر بالحناء، والآخر تركها بياضا، فأعطى الذى خضّب بالوشمة عشرة آلاف درهم ولأبيض اللحية خمسة آلاف درهم ولم يعط الخاضب بالحناء شيئا، فسأله فى ذلك فقال: أمّا صاحب الوشمة فإنّه لما بلى تحيّل وأحسن الحيلة فى ردّ لون شبابه، وأمّا الأبيض اللحية فإنّه لمّا بلى صبر ولم يغير وأمّا أنت فلا صبرت ولا أحسنت.
وروى أنّ الأوزاعى وهو أبو عمرو عبد الرحمن بن عمرو بن محمّد الأوزاعى ﵀ كان يخضّب بالحناء، ولمّا دخل على ملك كابل قال للترجمان: قل له:
ما هذا الذى أراه؟ فقال: هذه سنّة نحن (٣٢٤) نستسنّها عن آبائنا وجدودنا، فقال: قل له: ما أعرف ما السنّة إلاّ كان ينبغى لو خلقتم على هذه الصورة لغيّرتموها!
ومن أحسن ما سمعت فى الخضاب: لابن الحسين الحزارمورا (من الوافر):
وقالوا فى الخضاب عليك عار ... فقلت دخلتم بينى وبينى
أدبّر لحيتى مادمت حيّا ... وأعتقها ولكن بعد عينى
فقال الملك: فما قيل فى ذمّ الخضاب ليكون آخر هذا الباب؟