← История

История · id 18147

كنز الدرر وجامع الغرر

ابن الدواداري

Полный текст (4 323 стр.). Показаны 3816–3855 · переход к 3821.

стр. 3816

من دى القعده توفى الى رحمة الله تعالى. وانتقل من دار الشقا الى دار البقا بجوار الرحمن مع الحور والولدان. وكيف لا يكون كدلك، وقد فعل من المعروف ما ينفق عليه فى كل يوم الاف الالوف: ودلك ما اسسه فى هدا البيمارستان، الدى لم يلحقه فى صنيعه ساير من تقدم من ملوك الازمان خلا نور الدين الشهيد، الدى عاد بما استسنه من الحسنه فى دار البقا سعيد (٥)، لكن بون بين المعروفين وفرق بعيد. وسياتى طرفا من دكر دلك فى موضعه انشا الله تعالى. (٢٦٧) ولما قضى السلطان الشهيد نحبه، والتحق بربه، كان مولانا السلطان الشهيد الملك الاشرف ولده حاضرا. ودخلت (٨) الامرا الكبار، فنظروا السلطان الملك المنصور مسجى (٩)، والانوار عليه لايحه، وروايح الجنان من روايحه فايحه. فلما نظره الملك الاشرف بكى ورمى شاشه. فنهظ (١٠) الامير شمس الدين سنقر الاشقر، واخد الشاش ولبسه وقال له فى السر عند ما لبسه شاشه: «اركب من ساعتك واملك القلعه، فهو مصلحه». فركب السلطان الملك الاشرف على الفور وطلع القلعه. ووقف الامير حسام الدين طرنطاى، ورفع الخزاين. وركب الجيش جميعه وطلع القلعه. وكان مده ملك السلطان الملك المنصور ﵀ احدى عشر سنه وثلثه اشهر ويومين. ذكر بعض شى من محاسنه ﵀ وصفته كان ملكا جليلا جميلا كبيرا اثيرا رحيما حليما رووفا شفوقا لا عسوفا، تام الخلق، حسن الخلق، وافر الكمال، بديع الجمال، حسن الهيبه فى الرجال، تام القامه، عظيم الهامه، مليح الوجه، ظاهر اللون، وافر الهيبه، عظيم الشان،

стр. 3817

كثير الاحسان. كان ادا ركب فرسه لا يشاكله غيره لحسن ركبته وتمام قعدته. وكان كثير الحلم، عظيم الوقار، دو (٢) سطوه وباس على مماليكه، لا يحسن لهم فعل قبيح (٣) قط. وكان قليل سفك الدماء، قليل الغضب، ضحوك السن، كثير الانعام على الامرا الكبار، وعلى المشايخ القدما من المقدمين واعيان الحلقه، يخلع عليهم من على كتفه البغالطيق الخارا بالفرو السرسيناه وغيره، وعلى المماليك كثير الانعام، شفوق (٦) على الرعيه. وكان ادا غضب على احد اعتقله ولا يرى قتله. جمع اولاد البحريه من ساير الاماكن، حتى من باب اللوق ومن حانوت (٢٦٨) الشرايجى ومن مستوقد الحمام، واطلعهم القلعه، وانعم عليهم بلبس القماش والحوايص والسيوف، واجرا (٩) لهم الجوامك، وانعم عليهم بالاخباز فى الحلقه المنصوره، واجلسهم على باب القلعه، وسماهم البحريه باسماء آباهم (١٠). وكان دلك كله بغير رضى الامير حسام الدين طرنطاى، فانه كان يكره اولاد الناس. ولو دكرت جمله محاسنه ﵀ لخرجت عن شرط الاختصار. ﵀ وبرّد ضريحه وجعل الجنه مأواه بمحمد وآله. ذكر سلطنة السلطان الملك الاشرف صلاح الدنيا والدين خليل لما كان الخامس عشر من دى القعده سنه تسع وثمانين وستمايه ركب السلطان الملك الاشرف صلاح الدنيا والدين خليل بن مولانا السلطان الشهيد سيف الدنيا والدين قلاوون الالفى الصالحى كعاده ركوب المملكه من قلعه الجبل المحروسه الى الميدان تحت القلعه، بعد ان اخلع على جميع الامرا والمقدمين والقضاه واعيان الناس من كل طبقه. وجددت الأيمان، وطلع وجلس فى الايوان على تخت الملك.

стр. 3818

(١) [نكته: لما ركب السلطان الملك الاشرف ونزل من القلعه لابس! (١_) الخلعه الخليفتيه السوداء ووقف تحت القلعه، وترجل الجيش بكماله، وقبلوا الارض جمله واحده، فكانت ساعه عظيمه مهوله. وكان شخص فقير يسمى الشيخ على ويعرف بالجمال، فلما عاين تلك العظمه صاح باعلا (٤) صوته «لله، لله، لله»، ووقع ميتا لوقته. فحمل وغسل ودفن، رحمة الله عليه] (٥). فلما كان سادس يوم مسك الامير حسام الدين طرنطاى والامير زين الدين كتبغا. وفى دلك النهار هرب امير على بن قرمان، ونزل بصاحب كان يعتقد عليه، من عرب العايد بالاعمال الشرقيه من عمل بلبيس يقال له غراره. فوثق [أمير على] به، فنهط (١٠) عليه، بعد ما غيب عنه خيله، وقتلوه. قتله شخص من العرب العايد يسمى عشيش بعد ما قتل امير على غراره مع عده من العرب بالنشاب. ثم حملت راسه الى السلطان الملك الاشرف. وامّا ما كان من الامير حسام الدين طرنطاى فانه قتل عاجلا، واوقع الحوطه على بيته وعلى جميع موجوده فى ساير البلاد. واقام ثمانيه ايام فى محبسه ميتا، ثم اخرج من القلعه (٢٦٩) ليله الجمعه سادس وعشرين دى القعده محمول (١٥) على جنويه الى زاويه (١٦) سيدى الشيخ ابى السعادات بن ابى العشاير، والشيخ بها يوميد على رفيق الشيخ عمر (١٧). فغسل، وكفّن، ودفن ظاهر الزاويه. فلما ملك الامير زين الدين كتبغا نقله الى مدرسته التى بجوار داره بخط المسطاح بالقاهره المحروسه.

стр. 3819

وحكى الامير نجم الدين ابو المعالى ان جمله ما اخد من دار الامير حسام الدين طرنطاى-عند ايقاع الحوطه عليه-وحمل الى القلعه ونفق فى الجيش من الدهب العين الدنانير المصريه ستمايه الف دينار، ومن الدراهم النقره مايه وسبعين قنطار مصرى (٣). واخد السلطان جماعه كبيره من مماليكه، وفرق البقيه على الامرا. واما الخيول والهجن والجمال، فما يقع عليه حصر، ومن النحاس الكفت والاوانى الفضه من صناعه الفرنج وغيره، فشئ كثير، وغلال وأبقار وحواصل، فاكثر من ان يدكر. واما الضياع الملك بالشأم، فعده كثيرة. اكثرها اخدها من املاك الامير المرحوم سيف الدين بلبان الدوادار الرومى مخدومنا؛ لما توفى وخلف ولده ناصر الدين محمد عمل عليه انسان (٩) من خشداشيتنا، يقال له قرطلمش، وبيعه اكثر املاكه للامير حسام الدين طرنطاى بطمع انه يخلص له امره. فاشتراهم (١٠) منه بدون الطفيف، ومات ناصر الدين ابن الامير الدوادار قبل مسك طرنطاى، ولم يحصل له شئ غير الجنديه. فسبحان الحاكم العدل بين عباده. ذكر [حوادث] سنة تسعين وستمايه النيل المبارك فى هده السنه: الما القديم اربعه ادرع وثلث (١٤) اصابع. مبلغ الزياده سبع عشره (١٥) دراعا فقط.

стр. 3820

ما لخص من الحوادث (٢٧٠) الخليفه الامام الحاكم بامر الله ابى (٢) العباس امير المومنين. والسلطان الملك الاشرف سلطان الاسلام من دنقله الى حدود الفراه (٣). وما ورا دلك فى مملكه التتار، والملك عليهم فى هده السنه ارغون بن ابغا بن هلاوون، وهو ملك الطايفه المجاوره للاسلام بحدود الفراه (٥). وصاحب مكه-شرفها الله تعالى-نجم الدين ابو نمى محمد بن ادريس بن قتاده الحسنى. وصاحب المدينه-على ساكنها الصلاه والسلام-عز الدين جماز بن شيحه الحسينى. وصاحب اليمن الملك المظفر شمس الدين يوسف بن الملك المنصور تقى الدين عمر [بن على بن رسول] (٨). وصاحب الروم السلطان غياث الدين كيخسروا ابن (٩) ركن الدين قليج ارسلان السلجوقى. وصاحب ماردين الملك المظفر قرا ارسلان بن الملك السعيد ايلغازى الارتقى. وصاحب حماه الملك المظفر تقى الدين محمود بن الملك المنصور ناصر الدين محمد. وصاحب المغرب بتونس ابى (١١) عبد الله محمد ابن يحيى بن محمد المقدم دكره. وصاحب الهند بدلى شمس الدين ايتامش المعروف بالغازى. وفيها يوم الثلثا العشرين من المحرم وصل الى الديار المصريه الصاحب شمس الدين ابن السلعوس من الحجاز الشريف على الهجن، واجتمع بمولانا السلطان الملك الاشرف. فلما كان اليوم الثالث من وصوله نزلت اليه الخلع بتقليد الوزاره بالممالك الاسلاميه، وجلس من يومه، وحكم ونفّد الاشغال. وكتب تقليده القاضى المرحوم محيى الدين بن عبد الظاهر بخطه. وركب فى دست وموكب عظيم، ما ركب مثله الى (١٨) الخلفا. وفى خدمته الامير بها الدين بغدى الدوادار الاشرفى، والطواشى شهاب الدين مرشد، وجميع اكابر الدوله واعيانها وقضاتها وحكامها.

стр. 3821

وفيها سابع (١) صفر قبض السلطان على الامير شمس الدين سنقر الاعسر والامير سيف الدين جرمك الناصرى. (٢٧١) وافرج (٢) عن الامير زين الدين كتبغا، ورد عليه ما كان له (٣) من الاقطاع. وفى سلخ شهر صفر وصل الامير عز الدين الافرم الى دمشق المحروسه لتجهيز المناجنيق والزردخاناه لاجل حصار عكا. ونودى فى جامع دمشق يوم الجمعه الغزاه الى عكا. وشرع الناس من العشر الاول من ربيع الاول فى خروج المناجنيق، وسافر اولها مع الامير علم الدين الدوادارى. وفى العشرين من الشهر خرج الامير حسام الدين لاجين ملك الامرا بالجيش الشامى، ووصل الملك المظفر صاحب حماه بزردخاناه ورجال كثيره. وفى يوم الاثنين رابع وعشرين الشهر وصل الامير سيف الدين الطباخى، وصحبته عسكر طرابلس مع حصن الاكراد. وترادفت (١٠) الناس والنواب يتلوا (١١) بعضها بعضا. واما مولانا السلطان فانه عمل ليله الجمعه الثامن والعشرين من صفر (١٢) ختمه عظيمه بالمدرسه (١٣) المنصوريه، ومهم عظيم (١٤) انفق فيه اموال جمه. ونزل السلطان بنفسه الكريمه لزياره ضريح والده السلطان الشهيد، وفرق فى الفقرا والقرّا، وعلى جميع اهل المدارس

стр. 3822

والزوايا والخوانق تقدير خمسه واربعين الفم (١) والف قميص. ثم توجه طالبا الغزاه ثالث ربيع الأول (٢)، ونزل عليها ووقع الحصار. ذكر فتح عكا وماجرا (٣) عليها من الحروب كان نزول السلطان عليها يوم الخميس ثالث شهر ربيع الاخر من هده السنه، الى ثامن جمادى الاولى حصل للعسكر تشويش عظيم، سببه هروب الامير حسام الدين لاجين وعلم الدين ابو (٦) خرص. وكان ابو خرص قد قال للامير حسام الدين: «احترز، فان السلطان يمسكك». فخاف القبض عليه، فركب وطلب (٢٧٢) ناحيه السواد، وكان نازلا بالقرب من الامير علم الدين الدوادارى. فلما احس بهروبه، ركب وساق خلفه الى قرب عجلون، فلحقه وقال له: «بالله عليك لا تكن سبب هلاك المسلمين. فان الفرنج ان علموا بالأمر خرجوا على المسلمين، وهم فى هدا التشويش من جهتك. فلن تكن (١١) لهم اقامه، وتكن انت السبب فى دلك». ولم يزل به حتى رجع به. فلما كان ثانى يوم احضره السلطان، واخلع عليه، وطيب قلبه يومين. ثم ان السلطان رسم فى اليوم الثالث ان يلبس الجيش جميعه لاجل الزحف على عكا. فركب الجيش بكماله، وحضروا الى باب الدهليز المنصور. وفى تلك الساعه مسك الامير حسام الدين لاجين، وقيده وسيره الى صفد صحبه الامير فارس الدين البكى.

стр. 3823

حكى لى مملوك فارس الدين البكى، كان جار (١) لنا ونحن بدمشق، يسمى طقطاى، كان متزوج (٢) بنت امين الدين العجمى الدى كان محتسب دمشق، قال: لما سلم السلطان الملك الاشرف-﵀-لاجين، وهو ممسوكا (٣)، لاستادى الفارس البكى، توجهت معه. فوقع علينا فى تلك الليله مطر عظيم، فلبسنا جميعنا البرانس الجوخ والطراطير البلغارى، ولاجين بقباء ابيض بغير برنس ولا طرطور. فقت لاستادى وكنت ادلّ عليه: «والله، متى صار من هدا شئ لا بد ان ينالك منه ما تكره». فقال لى استادى: «يا مجنون، تريدنى اشفق عليه والبسه، ومعنا من هو عين للسلطان علينا يحدثه بجميع ما نحن فيه. وانى اخشى ان يبلغ السلطان عنى ما افعله معه، فيمسكنى ايضا. وهدا ملك لا يلعب معه. فان صار من هدا شى كما تزعم، كان (١٠) الارض لنا واسعه». قال: فلما تسلطن لاجين هرب البكى مع المقفزين (١١) الى التتار-كما ياتى دكرهم انشا الله تعالى. وكان هدا اكبر ذنوبه (٢٧٣) وأؤكد اسباب هروبه. ولنعود (١٣) الى دكر حصار عكا لم يزل مستمرا عليها، والحرب قايمه على ساق وقدم. ولم يغلق لها باب الى سادس عشر جمادى الاولى عزم السلطان على الزحف، فرتب الكوسات على ثلثمايه جمل. ثم اصبح يوم الجمعه سابع عشره، فزحف عليها بالجيوش بكره النهار قبل طلوع الشمس. وضربت الكوسات مع طبلخانات الامرا مع الطنابك الجماليه مع صراخ الابطال وصهيل الخيل وقعقعه السلاح. فخيّل لاهل عكا ان القيامه قد قامت فى تلك الساعه. فلم تطلع الشمس من الابراج الا والسناجق السلطانيه الاسلاميه على البدن والابراج، والفرنج-خدلهم الله-قد ولوا الادبار، وركنوا الى الفرار، وركبوا المراكب طلبا للنجاة. وقد داركهم الموت فجاه،

стр. 3824

فقتل منهم عالم لا يحصى بعدد الرمل والحصى، وهلك فى المراكب خلق عظيم. وعادوا يقتلون بعضهم بعضا لازدحامهم، وقرب حمامهم. وهجموا (٢) المسلمون الديار، ووضعو السيف فيمن تبقى من الكفار. وسبوا النسا الاحرار، وهتكوا منهم (٣) الاستار. واسروا الاولاد الصغار، واعادوهم مماليكا (٤) وامهاتهم جوار. فسبحان من قضى وحكم، الجارى قضاه (٥) وحكمه على ساير الامم من العرب والعجم. والحمد لله الدى مكن ايدى المومنين من صياصى نواصى الكافرين وملكت عكا. والحمد لله رب العالمين. وشرع فى هدم اسوارها من اول يوم السبت صبحه الفتح المبارك، وابدل الله الكفر بالايمان، وضرب الناقوس بصوت الاذان (٩). وفى نهار الاحد تاسع عشره وردت البشاير بتسليم مدينه صور، وهروب الفرنج منها. وفى العشرين منه وردت البشاير بتسليم صيدا. (٢٧٤) وفى حادى عشرين منه جرد السلطان لشمس الدين نبا (١٢) ابن المحفدار، وهو يوميد امير جاندار، وامره بهدم صور ولا يدع بها سور (١٣). ذكر نبد من اخبار هده القلاع نقل عن الشيخ عماد الدين الاصفهانى-﵀-من تاريخه ان فى سنه ثمان عشر (١٦) وخمس مايه هبت ريح حملت رمل الرصافه الى قلعه جعبر. وفى تلك السنه

стр. 3825

فتحت الفرنج مدينه صور. وكان واليها يسمى عز الدين نبا (١)، من قبل الخلفا المصريين، فهرب الى دمشق. ثم كان هدمها على يد نبا، سمى دلك الوالى. واخدت من صاحب مصر، واستعادها صاحب مصر، فهدا من الاتفاق. ولما توجه السلطان الى دمشق زينت زينه عظيمه، ودخل فى دست سعيد ووقت مبارك، وصحبته الصاحب شمس الدين بن السلعوس. وكان مدة حصار عكا، حتى يسر الله، اربعه واربعين يوم (٦). واستشهد عليها من الامرا: الامير علا الدين كشتغدى الشمسى، وبدر الدين بيليك المسعودى، وجمال الدين أقوش الغتمى، وعز الدين ايبك العزى نقيب الجيوش المنصوره، واستقر عوضه الامير سيف الدين بلبان الفاخرى. وقتل ايضا شرف الدين قيران السكزى، ومن مقدمى الحلقه المنصوره اربع نفر (١٠)، وجماعه قليله من الجند بالحلقه المنصوره. وكان دخول السلطان دمشق المحروسه يوم الاثنين ثانى عشر جمادى الاخره. وتولى نيابه الشام الامير علم الدين الشجاعى عوضا عن الامير حسام الدين لاجين. وزاد اقطاع النيابه قريه حرستا (١٣)، وهى من خواص ضياع الشام، ولم تبرح فى خاص المملكه الى دلك الوقت. ورسم له ان يطلق من الخزانه بقلمه مهما اختار من غير اعتراض عليه.

стр. 3826

وفى يوم الاحد ثامن عشر جمادى الاخره تولى الامير شمس الدين سنقر (٢٧٥) الاعسر شاد الدواوين بالشام الولايه الثانيه على عادته. وسببه انه توصّل بالصاحب شمس الدين بن السلعوس وتزوج ابنته، فاعاده الى رتبته. وفى يوم الاربعا تاسع عشر رجب توجه السلطان من دمشق طالب (٤) الديار المصريه. وكان لما فتح عكا جعل على هدمها الامير علم الدين الشجاعى والامير سيف الدين طغريل الشبلى. ثم تجهز الشجاعى الى صيدا وبيروت وبقيه بلاد الساحل، ففتحها ونضف (٧) الساحل من الفرنج-حسبما دكرناه. وعده الحصون التى اخدت فى هده السفره المباركه سبع (٨)، وهم: صيدا، بيروت، عتليت، انطرطوس، جبيل، صور. وأما عكا فهم (٩) أم هده الحصون. وفى هده السنه لم يبق للفرنج بالساحل حصن ولا معقل. وملك الله الاسلام ممالك عبدة الصلبان والاصنام ببركة النبى ﵇. وكان دخول السلطان الى القاهره المحروسه، وقد زينت زينه عظيمه لم يعهد قبلها مثلها، يوم الاثنين تاسع شهر شعبان المكرم. وكان دخوله من باب النصر وخروجه من باب زويله، فى يوم مشهود لم يروا (١٣) الناس مثله. وفيها ثامن عشر شعبان افرج الله تعالى عن الامير بدر الدين بيسرى من الحبس، وكان له مدة تسع سنين معتقل (١٥). واعاد [السلطان] اليه اقطاعه وامرته التى كانت فى ايام السلطان الشهيد الملك المنصور. وفى رابع رمضان افرج الله عن جماعه من الامرا، وهم: الامير شمس الدين سنقر الاشقر، والامير حسام الدين لاجين، وركن الدين طقصوا (١٨)، وشمس الدين سنقر الطويل، وردّ عليهم اقطاعاتهم.

стр. 3827

وفيها قطع [السلطان] جماعه من الامرا عند عودته من عكا وهم: سيف الدين طغريل الشبلى، وفخر الدين اياز المقرى، وسيف الدين بكتمر الساقى العزيزى، وصاحب العباسه، وعز الدين الاطروش، (٢٧٦) وشرف الدين قيران الشهابى، وعلم الدين سنجر المسرورى المعروف بالخياط، وجمال الدين بن نهار، وجمال الدين الهمام الحاجب. ثم رتب لهم راتب (٥) جيد، كفايتهم من جميع ما يحتاجون اليه. وكدلك قطع الامير علم الدين سنجر الحلبى. ولنعود (٧) الى دكر نبد القلاع المدكوره: امّا عكا ففى سنه سبع وستين واربع مايه فتوحها كان على يد التركمان من الفرنج، ثم عادوا (٨) الفرنج غلبوا عليها فملكوها. فلما كان فى سنه اثنتين وثمانين واربع مايه، جهز بدر الجمالى-المقدم دكره فى دوله العبيديين المعروف بامير الجيوش نصير الدوله-فى جيوش كثيفه الى الساحل ففتح عكا وصور وصيدا وجبيل، ونزل على بعلبك. وفى تلك السنه فتح تاج الدوله تتش حمص بالامان من ابن ملاعب. واستمرت عكا فى ايدى المسلمين الى سنه ست وتسعين واربع مايه، نزل عليها الملك بغدوين، صاحب القدس يوم داك، فحاصرها وضايقها فملكها يوم الجمعه خامس عشر جمادى الاولى بالسيف عنوة. واستقرت فى ايدى الفرنج الى حين فتحها السلطان صلاح الدين-حسبما سقناه فى الجزء المختص بدكر ملوك بنى ايوب. ومن عجيب الاتفاق ان السلطان صلاح الدين ابن (١٦) ايوب فتحها من الفرنج يوم الجمعه فى شهر جمادى، والسلطان صلاح الدين الملك الاشرف هدا فتحها يوم الجمعه فى شهر جمادى، وكدلك اخدوها (١٨) الفرنج من المسلمين من قبل دلك فى يوم الجمعه فى شهر جمادى. فيكون ما بين تسليمها للفرنج واستقرارها بايديهم عند اخدهم لها

стр. 3828

فى يوم الجمعه سابع عشر جمادى الاخره سنه سبع وثمانين وخمس مايه، الى حين فتحها مولانا السلطان الشهيد الملك الاشرف من المده: مايه سنه وسنه واحده (٢٧٧) واحد عشر شهر (٣) ويوم واحد. وهده عكا يعظموها النصارا (٤) جميعهم من ساير طوايفهم فى المله النصرانيه لاجل الناصرة؛ وهى القريه التى خرج منها المسيح-﵇-وامه مريم-﵍. والناصره قريه بظاهر عكا، فلهدا السبب لا يزال الفرنج يقصدونها ويطلبوا (٦) اخدها من المسلمين وتعظمونها (٧) كتعظيمهم بيت المقدس. وبها ايضا عين ماء تسمى عين البقر تزورها (٨) المسلمون والنصارا واليهود، يقولون ان البقره التى ظهرت لآدم ﵇ فحرت (٩) عليها، انما خرجت له من هده العين. وفيها ايضا مشهد صالح النبى ﵇. وكان فتحها فتحا مبينا وامرا عظيما. وأما صور، فبقيت فى ايدى المسلمين الى سنه ثمان (١١) عشره وخمس مايه، فضعف امر المسلمين الدى (١٢) كانوا بها، وعلموا بدلك الفرنج-خدلهم الله-فتأهبوا لفتحها ونزلوا عليها وضايقوها حتى عدم القوت عند اهلها. وكان بها يوم داك ظهير الدين، فلما علم ان لا قدرة له بهم وتحقق عجزه عن حفظها، كاتب الفرنج وقرر امره معهم ان يسلمهم البلد بالامان؛ على ان من اراد الخروج منها لا يمنع ومن اراد الاقامه بها لا يكره. ثم فتح الباب ونادى فى الناس بدلك، فخرج اهلها وقد حمل كل منهم ما قدر على حمله وترك الباقى، ولم يبق بها الا ضعيف لا يطيق الحركه. وتسلمها الفرنج، فلم تزل فى ايديهم الى ان فتحها السلطان صلاح الدين بن ايوب-حسبما سقناه من دكر دلك. ودكرنا سبب عودها الى الفرنج بما يغنى اعادته هاهنا، والله اعلم.

стр. 3829

ومن ما ورد من المدايح الحسنه فى السلطان الملك الاشرف على ما يسره الله على يديه من فتح عكا، نظم محمد ابن الحسن بن سباع-﵀-قوله (٢) [من جمله قصيده طويله] (٣) <من الكامل>: (٢٧٨) يا أشرف الدنيا تهنّ فإنّه ... فتح سواك بمثله لم يحلم (٤) أشبهت معتصم الخلايف همّة ... بالروم فيك ديارها لم تعصم فأريت (٦) ... عكّا ما بعمّوريّة رأت الفوارس بالزمان الأقدم قابلت بلق جيوشه (٧) ... بسوابق غرّ عليها الرمح لم يتقدّم ولأنت من صبح دليل لم تزل ... تردى الكماة بأشهب وبأدهم (٨) كم رعتها بسواد ليل أليل ... فصدمتها ببياض يوم أيوم وأعدتها للمسلمين ولم يكن ... منهم يرى القطمير إلاّ بالدّم ولئن صلاح الدين بكرا نالها ... فالبكر فى التجريب دون الأيّم فالجمعة الغرّاء كان صباحها ... وجه الزمان بمثله لم يرقم لم تمل خندقها وقد داروا به ... طعنا بغير شظا (١٣) القنا المتحكّم فغدت ومن فيها بما أوليتها ... خبرا يقصّ لمنجد أو متهم ومن نظم المولى شهاب الدين محمود كاتب الانشا الشريف-﵀ <من البسيط>: الحمد لله زالت (١٧) ... دولة الصلبى وعزّ بالتّرك دين المصطفى العربى

стр. 3830

هذا الذى كانت الآمال لو طلبت ... رؤياه فى النوم لاستحيت من الطلبى ما بعد عكا وقد هدّت قواعدها ... فى البحر للشرك عند البرّ أربى عقيلة ذهبت أيدى الخطوب بها ... دهرا وشدّت عليها كفّ مغتصبى لم يبق من بعدها للكفر اذ خربت ... فى البرّ والبحر ما ينجى سوا (٤) الهرب كانت تخيّلنا آمالنا فترى ... أنّ التفكّر فيها (٥) أعجب العجب أمّ (٦) ... الحروب فكم قد أنشأت فتنا شاب الوليد بها هولا ولم تشب سوران برّ وبحر حول ساحتها ... دارا وأدناهما أنأى (٧) من القطبى خرقاء أمنع سوريها وأحصنه ... قلب (٨) الكماة وأقواه على النوبى (٢٧٩) مصفّح بصفاح حولها شرف ... من الرماح وأبراج من القضبى (٩) مثل الغمامة تهدى من صواعقها ... بالنبل أضعاف ما تهوى (١٠) من السحبى كأنّما كلّ برج حوله فلك ... من المجانيق ترمى الارض بالشهبى ففاجأتها (١٢) ... جنود الله يقدمها غضبان لله لا للملك والنشبى ليث أبا (١٣) ... أن يردّ الوجه عن أمم يدعون ربّ الورى سبحانه بأبى كم رامها ورماها قبله ملك ... جمّ الجيوش فلم يظفر ولم يصبى لم يلهه ملكه بل فى أوايله ... نال الذى لم تنله الناس فى الحقبى لم ترض همّته إلاّ التى قعدت ... للعجز عنها ملوك العجم والعربى

стр. 3831

فأصبحت وهى فى بحرين مايلة ... ما بين مضطرم نار (١) ومضطربى جيش من الترك ترك الحرب عندهم ... عار وراحتهم ضرب من الوصبى خاضوا إليها الرّدى والبحر (٣) ... فاشتبه ال أمران واختلفا فى الحال والسببى تسنّموها فلم يترك منايهم (٤) ... فى ذلك الأفق برجا غير منقلبى تسلّموها فلم تخل الرقاب بها ... من قتل (٥) منتقم أو كفّ منتهى أتوا حماها فلم تدفع وقد وثبوا ... عنها مجانيقهم شيّا (٦) ولم تثبى يا يوم عكّا لقد أنسيت ما سبقت ... به الفتوح وما قد خطّ فى الكتبى لم يبلغ النطق جهد (٨) ... الشكر فيك فما عسى يقوم به ذو الشعر والخطبى كانت تمنّا (٩) ... بك الأيام من أمم والحمد لله شاهدناك عن كثبى أغضبت عبّاد عيسى إذ أبدتهم ... لله أىّ رضا (١٠) فى ذلك الغضبى وأطلع الله جيش النصر فابتدرت ... طلايع الفجر (١١) بين السمر والقضبى وأشرف [المصطفى] (١٢) ... الهادى البشير على ما أسلف الأشرف السلطان من قربى فقرّ عينا بهذا الفتح وابتهجت ... ببشره الكعبة الغرّاء فى الحجبى (٢٨٠) وسار فى الأرض مسرى الريح سمعته ... فالبرّ فى طلب والبحر فى هرب (١٤) وخاضت البيض فى بحر الدماء فما ... أبدت من البيض إلاّ ساق مختضبى

стр. 3832

وغاض زرق القنا فى زرق أعينهم ... كأنّها شطن تهوى إلى قلبى توقّدت وهى تروى (٢) ... فى نحورهم فزادها الرىّ فى الإشراق واللهبى أجرت إلى البحر بحرا من دمايهم ... فراح كالراح إذ غرقاه كالحبى وذاب من حرّها عنهم حديدهم ... فعبّدتهم به دعوى (٤) يد الرهبى تحكّمت فسطت فيهم قواضبها ... قتلا وعفّت لحاويها عن السلبى كم أبرزت بطلا كالطود قد بطلت ... حواسّه فغدا كالمنزل الخربى كأنّه وسنان الرمح يطلبه ... برج هوى ووراه كوكب الذنبى بشراك يا ملك الدنيا لقد شرفت ... بك الممالك واستعلت على الرتبى ما بعد عكا وقد لانت عريكتها ... لديك شئ تلاقيه على تعبى فانهض إلى الأرض فالدنيا بأجمعها ... مدّت إليك نواصيها بلا نصبى (١٠) كم قد دعت وهى فى أسر العدى زمنا ... نحو (١١) الملوك فلم تسمع ولم تجبى لقيتها (١٢) ... يا صلاح الدين معتقدا بأنّ ظنّ صلاح الدين لم يخب أسلت فيها كما سالت دمايهم (١٣) ... من قبل إحرازها بحرا من الذهبى أدركت ثأر صلاح الدين إذ عصيت (١٤) ... لسرّ طواه الله فى اللقبى وجئتها بجيوش كالسيول على ... أمثالها بين آجام من القضبى

стр. 3833

وحطّها (١) ... بالمجانيق التى وقفت أمام أسوارها فى جحفل لجبى مرفوعة نصبوا معانها (٢) ... فبنت للجزم والكسر منها كلّ منتصبى ورضتها بنقوب ذلّلت سهما (٣) ... منها وأبدت محيّاها بلا نقبى وبعد صبحتها بالزحف فاضطربت ... رعبا وأهوت بخدّيها الى الترب (٢٨١) وغنّت البيض فى الأعناق فارتقصت ... [أجسادها] (٥) لعبا منها مع اللعب وخلّقت بالدم الأسوار فابتهجت ... طيبا ولولا دماء القوم لم تطب وأبرزت كلّ خود كاعب نثرت ... لها الرؤوس وقد زفّت بلا طرب بانت وقد جاورتنا ناشزا (٨) ... وغدت طوع الهوى فى يدى جيرانها الجنب ظنّوا بروج البيوت تعقلهم ... فاستعقلتهم ولم تطلق ولم تهب فأحرزتهم ولكن للسيوف لكى ... لا يلتجى أحد منهم إلى هرب (١٠) وجالت النار فى أركانها وغلت (١١) ... فأطفأت ما بصدر الدين من كربى أضحت أبا لهب تلك البروج وقد ... كانت بتعليقها ﴿حَمّالَةَ الْحَطَبِ﴾ (١٢) وأفلت البحر منهم من يخبّر من ... يلقاه من قومه بالويل والحربى وتمّت النعمة العظمى (١٤) ... وقد ملكت بفتح صور بلا حصر ولا نصبى

стр. 3834

أختان فى أنّ كلّ (١) ... منهما جمعت صليبة الكفر لا أختان فى النسبى لمّا رأت أختها بالأمس قد خربت ... كان الخراب لها أعدى من الجرب إن لم يكن ثمّ لون البحر منصبغا ... بها (٣) إليها وإلاّ ألسن اللهبى فالله اعطاك ملك البرّ (٤) ... وابتدأت لك السعادة ملك البحر فارتقبى من كان مبدأه عكا وصور معا ... فالصين أدنى إلى كفّيه من حلب علا بك الملك حتى إنّ قبّته ... على الثريّا غدت ممدودة الطنب فلا برحت عزيز النصر مبتهجا ... بكلّ فتح قريب المنح مرتقب ومن مكاتبه السلطان الملك الاشرف لصاحب سيس يعلمه بفتح عكا: «بسم الله الرحمن الرحيم. نعلم الملك أرجون سرمان وفّقه الله فى سرّه وجهره، وجعله ممّن يلتقى المصيبة فى أهل ملّته إذا عجز أن يلتقيها بصدره، أما بعد: فإنّا فتحنا عكا التى هى دين الصليب، (٢٨٢) فى هذا الأمد القريب. فلو رأيت خندقها العميق مردوما، وكلّ برج كان بها منيعا قد عاد مهدوما، وفرسانها فى خنادقها جاثيه، قد أصبحوا بسيوفنا ﴿صَرْعى كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ، فَهَلْ تَرى لَهُمْ مِنْ باقِيَةٍ﴾ (١٤). ولما احاط بها ركابنا المنصور، كما يحيط بها السور. أظهروا الجلادة فى القتال، ورموا بالمجانيق والنبال، وحسبوا أنّ بأسهم يصونهم، وأن مانعتهم حصونهم (١٦)، فما نفعهم الحديد، ولا كثرة العدد والعديد، لما قوّمنا لهم كل سنان،

стр. 3835

وجاهم (١) الموت من كل مكان. أشرفنا عليهم من الأسوار، وأحطنا بهم كما يحيط بالزند السوار، فولّوا [من] (٢) بين أيدينا منهزمين، وأصبحوا على ما فعلوا نادمين. فكل منهم يرى طريحا او أسيرا، لما دمّرناهم وديارهم تدميرا. وأما الديويد فما منعهم طارقة ولا جنويّة، وأما الاسبتار فأفناهم سيفنا البتّار، وأما الزنادقة البنادقة، ألقوا بأنفسهم فى البحر لمّا رأو (٥) حملاتنا الصادقة. وأنت، أيّها الملك، إذ لم تعتبر بعكا لأنكيناك على أقصى وجودك، وأعدمناك بعد وجودك، وتندم ندامة أهل عكا حيث لا نفعهم الندم، وتصبح بعد الوجود فى العدم. فتحمل القطيعتين الأولة (٨) والثانية، وتحضر بنفسك إلى أبوابنا العالية، وإن خالفت وأطعت إبليس لنطيلنّ حزنك على بلاد سيس، ويكون رأيك على نفسك وبيس (٩). فكل منكم يقل (١٠): لم يبق بعد عكا إلا أنا، فانجو بنفسك قبل ان تقع فى الويل والعناء، وافهم هذا الكلام والسلام». ومما وجد مكتوبا على ابواب كنايس عكا شعرا <من الكامل>: جمع (١٣) ... الكنايس إن [تكن] عبثت بكم أيدى الحوادث أو تغيّر حال (٢٨٣) فلطال ما سجدت على أبوابكم ... شمّ الأنوف جحاجح الأبطال (١٤) صبرا على هذا المصاب فإنّه ... يوم بيوم والحروب سجال وفيها توفى سلامش ابن (١٦) السلطان الشهيد الملك الظاهر بمدينه اصطنبول.

стр. 3836

وفيها هلك ارغون بن ابغا ملك التتار، يقال انه سقى. واتهموا به اليهود انهم سقوه، ونصوا دلك على سعد الدوله (٢) وزيره، وكان المستولى على ملكه والغالب على امره. فقيل ان بعض خواتين أرغون وقعت معه، فخشى لا يطلع ارغون على أمره فسقاه. فلما تحققوا (٤) المغل الامر قتلوا اليهود عن آخرهم، ونهبوا جميع اموالهم، وكانت اموال (٥) عظيمه لا يقع عليها الحصر. ثم اختلفت كلمه التتار على الملك، فمالت طايفه الى بيدوا (٦) ولم يوافقوا على كيختوا. ثم اجتمع الامر على كيختوا، ووصل الى الروم، وجلس على التخت ثلاثه ايام. وكان قد وصل الخبر الى السلطان الملك الاشرف بدلك، وهو على حصار عكا. وكان هدا ارغون قد عظم شانه عند المغل مد (٩) قتل عمه احمد اغا، وكان-كما تقدم من دكره-شجاعا بطلا مقداما، حسن الصوره، سفاكا للدماء، كافرا، شديد البطش، قوى النفس. فاراح الله من شرّه وكفره، فلله الحمد والمنه. ذكر [حوادث] سنة احدى وتسعين وستمايه النيل المبارك فى هده السنه: الما القديم سبعه ادرع وسته عشر اصبعا. مبلغ الزياده سبعه عشر دراعا واثنا عشر اصبعا. ما لخص من الحوادث الخليفه الامام الحاكم بامر الله ابى (١٦) العباس امير المومنين. والسلطان الملك الاشرف، سلطان الاسلام، والملوك حسبما تقدم من دكرهم.

стр. 3837

(٢٨٤) دكر فتح قلعه الروم لما كان حادى عشرين شهر ربيع الاول من هده السنه عمل بالمدرسه المنصوريه بالقاهره المحروسه مهما عظيما (٣)، وقريت الختمه الشريفه. ونزل السلطان الملك الاشرف صبحة تلك الليله، وزار ضريح والده السلطان الشهيد، وتصدق بمال جليل. فلما كان يوم السبت ثامن ربيع الآخر توجه الركاب الشريف السلطانى الى نحو الشأم بجميع العساكر، وصحبته الصاحب شمس الدين بن السلعوس، ودخل دمشق يوم السبت سادس شهر جمادى الاولى. وفى ثامن الشهر المدكور فتح الخزاين، ونفق فى الجيوش المنصوره المصريه والشاميه، ووصل صاحب حماه، ثم اعرض الجيوش، وسيرهم أمامه. وخرج السلطان من دمشق يوم الاثنين سادس عشر جمادى الاولى، ودخل حلب فى الثامن والعشرين منه، ثم توجه منها رابع شهر جمادى الاخره، ونزل على قلعه الروم يوم الثلثا ثامن الشهر المدكور، ووقع الحصار، وكان بها يوميد خليفه الارمن. فلم يزل الحصار والقتال الشديد الدى لا عليه مزيد الى يوم السبت حادى عشر شهر رجب، ففتحها الله تعالى على يديه بمنه وكرمه عليه. وكتبت البشاير الى ساير الممالك الاسلاميه. فمن دلك ما كتب به الى الامير شمس الدين سنقر الاعسر، وهو يوميد النايب بدمشق، (١٨) [وكتاب الى قاضى القضاه بدمشق، وهو يوميد القاضى شهاب الدين الخويّى،] (١٩) نسخته:

стр. 3838

«بسم الله الرحمن الرحيم. أخوه خليل بن قلاوون. هذه المكاتبة إلى المجلس السامى القاضى الأجلّ الكبير، الإمام العالم العامل، الفاضل الأثير، الأكمل الأوحد، الرئيس الزاهد العابد، شهاب الدين جمال الإسلام، فخر الأنام، شرف العلماء، جلال الرؤساء، عز الأكابر، شمس الشريعة، صفوة الملوك والسلاطين، خصه الله بأنواع التهانى، وأتحفه بالمسرّات التى تعود بالسبع (٢٨٥) المثانى، وأورد على سمعه بشاير نصرنا وظفرنا ما يستوعب فى وصفه الألفاظ والمعانى. نبشّره بما فتح الله به على الإسلام، ما سطّرته فى صدور الطروس الأقلام، مما لم تسطّر إلى الأقاليم بأعظم من بشايره، ولا سرت برد المسرّات بأحسن من إشاراته وأشايره، ولا تفوّهت ألسنة خطباء هذا العصر من النصر على المنابر بأفصح من معانيه فى سالف الدهر وغابره، وذلك البشرى بفتح قلعة الروم، والهناء لكلّ من رام للإسلام نصرا ببلوغ ما رام وما يروم. ومن أحسن قصص هذا الفتح المبين، والمنح الذى تباشر به ساير المؤمنين، وتساوى فى الإعلان والإعلام به كلّ من قرّ عينا من الأبعدين والأقربين، ويخصّ (١٤) فى ذلك بشرا تسرّ به الحكام، ثم تعمّ البشرا عامة الناس، ويفرض لكلّ ذى مرتبة عليّة منه نصيب يجمع من الابتهاج الأنواع والأجناس. وذلك أنّا ركبنا بنية غزوها من مصر لقصد عداها، وقد كان [من] (١٦) قبلنا من الملوك يستبعد مداها، ويناديها فلا يجيب إلاّ بالصدّ والإعراض صداها، ويسايل النسيم عن جبالها فيحيل (١٧)

стр. 3839

فى الجواب على النسور المحوّمة (١)، ويستشيروا أولى الرأى فى حصرها فلا يسمع إلاّ الأقوال المتلوّنة والآراء المتلوّمة. وما زلنا نصل السرى بالسير، ونرسل الأعنّة إلى نحوها فتمدّ (٣) الجياد أعناقها إليها مدا ينقطع بين قوّتها وقوّته السير، واستقبلنا من جبالها كلّ صعب المرتقى، وعز المتقى (٤)، شاهق لا يلقى به مسلك ولا يلتقى. فما زالت العزايم الشريفة تسهّل حزونه، والشكايم تفجر بوقع السنابك [من حجارته] (٦) عيونه، والجياد ترتقى مع امتطاء متونها بدروع الحديد شؤونه (٧). فلما أشرف عليها منّا أشرف سلطان جعل جبلها دكّا، وحاصرناهم حصار (٨) (٢٨٦) ألحقها بعكّا وأخواتها، وإن كانت أحصن من عكّا، ونصبنا عليها عدة مجانيق تنقضّ حجارتها انقضاض النسور، وتقتنص الأرواح من الأجسام، وإن ضرب بينها وبينهم بسور، ونفترس (١٠) أبراجها بصقور صخور، افتراس الأسد الهصور. هذا والنقوب تسرى فى بدناتها سريان الجبال (١٢) وإن كانت جفونها المسهّدة، وعمدها الممدّة (١٣)، وحفظتها المجنّدة، ورواسيها على جبل الفرات موطّدة. وقد خندقوا عليها خندقا جرت فيه الفرات من جانب، ونهر مرزبان من جانب، ووضعها واضعها

стр. 3840

على ذروة جبل تزاحم الجوزاء بالمناكب، وسفح صرحها الممرّد فكأنّه عرش لها على الماء، وإذا رمتها (٢) طرف رأيها اشتبهت عليه بأنجم السماء. وما زالت المضايقة تقصّ من جبلها أطرافه، وتستدرّ بحلبها أحلافه، وتقطع بمسايل جلاد مقاولها (٤) وجداله خلافه، ونورد عليها من سهامها كلّ إيراد لا يجاوب إلاّ بالتسليم، ونقضى عليها بكلّ حكم لا يقابل ثبوته إلاّ بالتحكيم. ولمّا أذن الله بالفتح الذى أغلق على الأرمن والتتار أبواب الصواب، والمنح الذى أضفا (٧) على أهل الإيمان من المجاهدين أثواب الثواب، فتحت هذه القلعه بقوّة الله ونصره فى يوم السبت حادى عشر رجب الفرد، فسبحان من سهّل صعبها، ويسّر كسبها، وأمكن منها ومن أهلها، وجمع شمل الممالك الإسلامية بشملها. فالمجلس السامى يأخذ حظّه من هذه البشرى التى بشّرت بها ملايكة السماء ملك البسيطة وسلطان الأرض، وثكاثر (١١) على شكرها كل من أرضى الله طاعته، وأغضب من لم يرض من ذوى الإلحاد، وممن حادّ الله حادّ، وممن ينتظر من هذا الإيعاد إنجاز الميعاد (١٣)، فلا ينجيه الأقصا (١٣_) هربا ولا الإبعاد. فإنّه بفتح هذه القلعة وتوقّلها، (٢٨٧) وحيازة نقرها (١٤) ومعقلها، تحقق من بسيحون وجيحون أنّهم-بعد فتح باب الفراه (١٥) بكسر أقفالها إقفال هذه القلعة-لا يرجون أنهم ينجون. وما يكون بعد

стр. 3841

هذا الفتح انشاء الله إلا فتح المشرق والروم والعراق، وملك البلاد من مغرب الشمس إلى مطلع الإشراق. والله تعالى يمدّنا من دعواته الصالحة بما يغدوا (٢) به عقود الأيمان (٣) حسنة الإنساق، إنشاء الله تعالى. كتب فى يوم الفتح المبارك، حسب المرسوم الشريف». وكدلك كتب الامير علم الدين الشجاعى الى القاضى المدكور كتاب (٥) نسخته: «بسم الله الرحمن الرحيم. ضاعف الله منار (٦) الجناب العالى المولوى القضايى الإمامى، العالمى العاملى، العادلى الزاهدى، العابدى الورعى، الشهابى ضياء الإسلام، شمس الشريعة، قاضى القضاة، مفتى الأمّة، حجّة الأيمّة، سيّد الحكّام، قدوة العلماء، ولىّ أمير المؤمنين. ولا زالت وفود البشاير إليه تترا، وعقود التهانى تفض لديه نظما ونثرا، وفواتح الفتح تتلى عليه بكلّ آية نصرا، يسجد لها القلم فى الطرس شكرا، وتشتمل على أسرار الظفر فتأتى الأسماع من غرابتها بما لم تحط به خبرا، وتتحفه بظهور أثر المساهمة بالهمّة فتهدى إليه سرورا وأجرا. المملوك يستفتح من حمد الله على ما منح من الايه، وفتح على أوليايه، ورهب أعدايه (١٤)، ويسرّ من الظفر الذى أيّد فيه بنصره وبملايكة سمايه، ما يستديم الإنجاد بحوله، ويستزيد به الإمداد من فضله وطوله، ويوالى من الصلاة على سيّدنا محمد ﷺ ما يستدّ (١٦) به أخلاف الفتوح، ويسترهب بيمنه الصوارم

стр. 3842

التى هى [على] (١) من كفر بالله ورسوله دعوة نوح، ويهدى من البشاير ما يتشرف به أعطاف المنابر سرورا، (٢٨٨) وينقطر (٢) بذكره أفواه المحابر حبورا، وترشف الأسماع موارد وارده فتستحيل فى قلوب الأعداء نارا، وفى قلوب (٣) الأولياء نورا، ويبادر مساهمة الحاضر فى استماعه كل ناد فينقلب إلى أهله مسرورا. وينهى أنّه أصدرها والنصر قد خفقت بنوده، وصدقت وعوده، وسار بمخلقات البشاير فى كلّ قطر بريده. والأعلام الشريفة السلطانية قد امتطت من قلعة الروم صهوة لم تذلّ لراكب، وحلّت من قبّتها وقلبها (٧) بين الذروة والغارب، وأراقت من أسنّتها (٨) من دماهم (٨_) ما ترك الفرات لا تحلّ لشارب. ومدّ الإيمان بها أطنابه، وأعجلت السيوف المنصورة للشرك أن يضمّ للرحلة ثيابه (٩). واستقرّت بها قدم الإسلام ثابتة [إلى] الأبد، بأرجايها بسيوف أهل الحمية (١٠)، حتّى رقّ أهل السبت لأهل الأحد، فأذهب الله عنها رسوم التثليث حتّى كاد حكم الثلاثة أن يسقط من العدد، وتبرّأ منهم من كان يمدّهم بإمداده حتّى الفراة (١٢) بمجاورتهم أودّت النقص خوفا أن يطلق على زيادتها اسم المدد. ونطق بها الأذان، فخرس الجرص (١٣)، وعلت بها كلمة الإيمان، فأصبحت لها بعد الابتدال آية الحرس، وأسمعت دعوة الحقّ ما حولها من الجبال فسمعت وهى صمّ، ولبّت الداعى بلسان الصدى الناطق عن شوامخها الشمّ.

стр. 3843

وكانت هذه القلعة المذكورة للثغور الإسلامية بمنزلة الشجا فى الحلق، والتشويه فى الخلق، والغلّة فى الصدر، والخسوف الطارئ على طلعة البدر، لا تخلوا (٢) من غلّ تضمره، فى لين تظهره، وغدر تستره، فى عذر تورده وتصدره، وقد سكن أهلها إلى مخادعة الجار، وموادعة التتار، وممالأتهم على الإسلام بالنفس والمال، ومساواتهم (٢٨٩) لهم حتى فى الزىّ والحال، يمدّونهم بالهدايا والألطاف، ويدلّونهم على عورات الأطراف. وهم يتقون (٦) بمسالمة الأيام، ويدّعون أنّ قلعتهم لم تزل من الحوادث فى ذمام، ويغترّون بها ولولا السطوات الشريفة لحق مثلها (٧) أن يغترّ، ويسكنون إلى حصانتها كلّما أومض فى ذلك (٨) السحب برق ثغرها المفترّ. وهو حصن صاعد متحدّر، بارز متستّر (٩)، لا يطأ إليه السالك إلاّ على المحاجر، ولا تنظره العيون حتى تبلغ القلوب الحناجر، كأنّه فى ضماير الحال حيث يقبل (١٠) وهو كامن، ويحرق (١١) وهو باطن، قد أرخت عليه الجبال الشواهق ذوايبها، ومدّت عليه الغمايم أطنابها ومضاربها، وقد تنافست فيه الرواسى الرواسخ، والشم الشوامخ (١٢)، وتقاسمته العناصر فهو فى الرفعة (١٣_) والثبات مجاوزا للفرات، (١٣) [مشترك بين النار والهواء والماء والأرض. وقد امتدّت الفرات] (١٤) من شرقها كالسيف فى كفّ طالب ثأر، واكتنفها

стр. 3844

من جهة الغرب نهرا (١) آخر مستدار نحوها كالستور، وانعطف معها كالسور. وفى قلّة قلّتها جبل يردّ الطرف وهو كليل، ويضلّ النظر فى تخيّل هضابه فلا يهتدى إلى تصوّرها بغير دليل، وكذلك من شرقها وغربها فلا تنظرها الشمس ولا القمر وقت الشروق، ولا يشاهدها وقت الأصيل، وحولها من الأودية خنادق لا يعرف فيها الهلال إلاّ بوصفه، ولا الشهر إلاّ بنصفه. وأمّا الطريق إليها فيزلّ الذرّ عن متنها ويكلّ طرف الطرف عن سلوك سهلها فضلا عن حزنها. وبها من الأرمن عصب جمعهم التكفور، من كلّ فاجر كفور، ومن التتار فوق (٨) زيادتهم قد بذلوا دونها النفوس، وتدرّعوا للذبّ عنها لبوس. وأقدموا على شرب كأس الحمام خوفا أن يكفرّهم التكفور أو يحرمهم (٢٩٠) خليفتهم الحاكم بها كيتاغيوس (١٠). وإذ زيّن لهم الشيطان أعمالهم، وفسّح فى ميدان الضلالة آمالهم، ﴿فَلَمّا تَراءَتِ الْفِئَتانِ نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ﴾ (١١)، وترك كلّ منهم يعضّ من الندم على يديه. وحين أمر السلطان-خلّد الله ملكه-الجيوش المنصورة بالنزول عليها، والهجوم من خلفها ومن بين يديها، ذللّت مواطئ جيادها صهوات تلك الجبال، وأحاطت بها

стр. 3845

من كلّ جانب إحاطة الهالة بالهلال، وسلكوا إليها تلك المحارم (١)، وقد تقدّمهم الرعب هاديا، وأقدموا على قطع تلك المسالك والمهالك (٢) بالأموال والأنفس ثقة منهم بأنهم ﴿لا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً وَلا يَقْطَعُونَ اادِياً﴾ (٣). فلم يكن بأسرع من أن طار إليهم الحمام فى أجنحة السهام، وخضبت الأحجار تلك الغادة (٤) العذراء بالدماء للضرورة وللضرورات أحكام. وأزالت النقّابة عنها نقاب احتشامها، ودبّت فى مفاصلها دبيب السقم فى عظامها، مع أنّها مستقرّة على الصخر الذى لا مجال فيه للحديد، ولكن أعزّ الله بالنصر سلطاننا فجاءت أسباب الفتح كما (٧) يريد. وأقيمت المجانيق المنصورة أمامها، فأيقنوا (٨) بالعذاب الأليم، وشاموا بروق الموت من عواصف أحجارها التى ما تذر من شئ أتت عليه إلاّ جعلته كالرميم، وساهموها صلاة الحرب فلسهامها الركوع، ولبروجها (١٠) السجود، وللقلعة التسليم. ولم نزل نشنّ عليهم غارة بعد غارة، ونسقهم (١١) على الضمار عيون أحجارها وإنّ من الحجارة، وهى مع ذلك تظهر الجلد والجدّ، وتغضب غضب الأسير على القدّ، وتخفى ما تكابد من الألم، وتشكوا (١٣) بلسان الحال شكوى الجريح إلى الغربان والرخم، إلى أن جاءت (١٤) من الإنجاز ما كانوا يأملون، وسطت مجانيقنا على (٢٩١) مجانيقهم

стр. 3846

﴿فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (١). وكلّما سقطت أسوارها، وتهتّكت بيد النقوب أستارها، وتوهّم الناظر أنها هانت، ورآها المباشر فى تلك الحالة أشدّ ممّا (٢) كانت، وثبتت على الرمى والارتماء، وعزّت على من اتّخذ نفقا فى الأرض أو سلّما (٣) فى السّماء، واستغنت عن مكان السور (٤)، وانقضّت أحجارها على أسود الحرب انقضاض النسور. وكان الفتح المبارك فى صباح يوم السبت حادى عشر رجب الفرد سنة إحدى وتسعين وستماية بالسيف عنوة. فشفت الصوارم من أرجاس الكفر الغلل بقمع العدى وكبتها، وسطا خميس الأمة يوم السبت على أهل الأحد، فبارك الله لخميس الأمّة فى سبتها. فليأخذ حظّه من هذه البشرا (٨) التى [أصبح] الدين بها عالى المنار، بادى الأنوار، ضاربا مضارب دعوته على الأقطار، ذاكرا بهذا (٩) الفتوح أيّام الصدر الأول من المهاجرين والأنصار، وليشعها على رؤس (١٠) الأشهاد، ويجعلها فى صحف الفتوح السالفة بمنزلة المعنّا (١١) فى القرينة والمثل فى الاستشهاد، ويملك الجيش بهمّته التى ترهف الهمم، وأدعيته التى تساعد المساعد، وتؤيّد السيد (١٢)، وتقدّم القدم، ويشارك بذلك فى الجهاد حتّى يكون فى نكاية الأعداء على البعد كسهم أصاب وراميه بذى سلم. ويستقبل البشاير بعدها ما تكون له هذه بمنزلة عنوان الكتاب (١٤)، والآحاد فى الحساب، وركعة النافلة بالنسبة إلى الخمس، والفجر الأوّل قبل طلوع الشمس. والله تعالى

стр. 3847

يجعل شهاب فضله لامعا، ونور علمه فى الآفاق ساطعا، ويتحفه من مفرّقات التهانى بكلّ ما يغدو والشمل (٢) بالمسرّات جامعا-انشاء الله تعالى». (٢٩٢) قال والدى-﵀ وسقى عهده (٣): كان مده الحصار والمقام على قلعه الروم ثلثه وثلثين يوم (٤). وعده ما نصب عليها من المناجنيق تسعه عشر، وهم افرنجيه خمس (٥)، قرابغا وشيطانيه اربعه عشر، خارجا عن منجنيق صاحب حماه نصبه على راس الجبل المطل على القلعه بعد مشقه كبيره حتى نصب هناك وعاد يرمى فى وصط (٦) القلعه. وكان من جهه الفراه (٧) -من بحرى-الامير عز الدين الافرم، ومن تلك الجهه منجنيقين (٨)؛ ومن جهه الشرق واحد افرنجى، وهى منزله السلطان؛ وعلى جانب الفراه الامير بدر الدين بيسرى بمنجنيق واحد افرنجى؛ ومن جهه الغرب خمسه قرابغا وشيطانيه؛ وفى الوادى البقيه تكمله العده المدكوره. واستشهد عليها الامير شرف الدين بن الخطير، وشهاب الدين احمد بن الركن امير جاندار، ومن البرد داريه (١٢) السلطانيه عز المصرى، وخليل بن شمعه، وراس نوبه- رحمهم الله تعالى-مع جماعه يسيره من اجناد الحلقه واجناد الامرا. ولما عاد السلطان الى دمشق المحروسه بسطوا (١٤) له الدماشقه [الشقق الحرير]، ولم يكن لهم عاده بدلك الا عند قدومه من مصر، وانما استسنها ابن السلعوس. وكان دخوله دمشق ثانى ساعه من يوم الثلثا العشرين من شعبان المكرم، وبين يديه الاسرا من الارمن، وخليفتهم كيتاغيوس (١٧) صاحب قلعه الروم، ونزل السلطان بالقلعه.

стр. 3848

فلما كان العشرين (١) من رمضان رسم للضعفا من العسكر المنصور بالتوجه الى الديار المصريه. وكان حصل للامير بدر الدين بيدرا ضعف، ثم عوفى، وعمل ختمه شريفه بالجامع الاموى، واوقد الجامع شبه ليله النصف من شعبان. ومن نظم المولى شهاب الدين محمود كاتب الانشا الشريف يمدح السلطان <من الطويل>: لك الراية الصفراء يقدمها النصر ... فمن كيقباذ إن رآها وكيخسروا (٦) (٢٩٣) إذا خفقت فى الأفق هدّت بنودها ... هوى الشرك واستعلى الهدى وانجلا (٧) الثغر وإن نشرت مثل الأصايل فى وغا (٨) ... جلا النقع من لألاء مطلعها البدر وإن يممّت زرق العدا (٩) ... سار نحوها كتايب خضر دوحها البيض والسمر كأنّ مثار النقع ليل وخفقها ... بروق وأنت البدر والفلك الجتر لها كلّ يوم أين ... سار لوايها (١١) هديّة تأييد يقدمها الدهر وفتح اتا (١٢) ... فى إثر فتح كأنّما سماء بدت تترى كواكبها الزهر فكم وطيت (١٣) ... طوعا وكرها معاقلا مدى الدهر عنها وهى عابسد بكر بذلت لها عزما ولولا مهابة ... كستها الحيا جاءتك تسعى ولا مهر فإن رمت حصنا سابقت [ك] (١٥) ... كتايب من الرعب أو جيشا يقدّمك النصر ففى كلّ قطر للعدى وحصونهم ... من الخوف أسياف تجرّد أو خضر (١٦)

стр. 3849

ولا حصن إلاّ وهو سجن لأهله ... ولا جسد إلاّ لأرواحهم قبر يظنّون أنّ الصبح فى طرّة الدجا (٢) ... عجاج تراات فيه أسيافك الحمر قصدت حما (٣) ... من قلعة الروم لم يبح لغيرك أو غرّتهم المغل فاغترّوا فوالوهم سرّا ليخفوا أذاهم ... وفى آخر الأمر استوى السرّ والجهر وما المغل أكفاء فكيف سواهم ... ولكنّه غزو وكلّهم كفر وأيضا لإرغام التتار الذى بهم ... تمسّكهم إذ قهرهم لهم قهر صرفت إليهم همّة لو صرفتها ... إلى البحر لاستولى على مدّه جزر (٧) ففرّوا ومن كان [وا] (٨) ... يرجّون نصرهم وآلو لقد عزوهم ولقد برّوا ومن كان يرجوا (٩) ... النصر من عند كافر لقد خاب ذلك الرجاء وما النصر وولّوا وقد ضاق الفضاء عليهم ... إلى أن غدا فى الضيق كالخاتم البرّ وما قلعة الروم التى حزت فتحها ... وإن عظمت إلاّ إلى غيرها جسر (٢٩٤) طليعة ما يأتى من الفتح بعدها ... كما لاح قبل الشمس فى الأفق الفجر (١٢) محجّبة بين الجبال كأنّها ... إذا ما تبدّت فى ضمايرها سرّ تفاوت مرقاها (١٤) ... فللحوت فيهما مجال وللنسر [ين] بينهما وكر فبعض رسا حتّى علا الماء فوقه ... وبعض سما حتّى هما دونه القطر يخطّ (١٦) ... بها نهران تبرز فيهما كما لاح يوما فى قلايده النحر

стр. 3850

ويعصمها العذب الفرات وإنّه ... لتحصينها كالبحر بل دونه البحر سريع يفوت الطرف جريا وحدّه ... كريح سليمان التى يومها شهر لها قلّة لم ترض سقيا فراتها ... وفى روضها ماء المجرّة ينجرّ تحاض بنون (٤) ... السحب فيها كأنّها إذا ما استدارت حول أبراجها نهر على هضب صمّ يكلّم صخرها ال ... حديد وفيها عن إجابته وقر لها طرق كالوهم أعيا سلوكها ... على الفكر حتّى ما يخيّلها الفكر إذا خطرت فيها الرياح تعثّرت ... أو الذرّ يوما زلّ عن مثلها (٧) الذرّ يظلّ (٨) ... القطا فيها ويخشى عقابها ال عقاب ويهفوا فى مراقبها النسر فصبّحتها بالجيش كالروض بهجة ... صوارمه أنهاره والقنا الزهر وأخطأت لا بل كالنهار فشمسه ... محيّاك والآصال راياتك الصفر ليوث من الأتراك آجامها القنا ... لها كلّ يوم فى ذرى ظفر ظفر فلا الريح تسرى بينهم لاشتباكها ... عليهم ولا ينهلّ من فوقهم قطر عيون إذا الحرب العوان تعرّضت ... لخطّابها بالنفس لم يغلها (١٣) مهر ترى الموت معقود (١٤) ... بهدب نبالهم إذا ما رماها القوس والنظر الشزر ففى كلّ سرج غصن بان مهفهف ... وفى كلّ قوس مدّه ساعد (١٥) بدر إذا ضربوا صمّ الجبال تزلزلت ... وأصبح سهلا تحت خيلهم الوعر (٢٩٥) ولو وردت ماء الفراة (١٧) ... خيولهم لقيل هنا [قد] كان فيما مضى نهر أداروا بها نهر (١٨) ... فأضحت كخنصر لدى خاتم أو تحت منطقة خصر

стр. 3851

وأرخوا (١) ... إليها من بحار أكفّهم سحاب ردى لم يخل من قطره قطر كأنّ المجانيق التى قمن حولها ... رواعد سخط وبلها (٢) النار والصخر أقامت صلاة الحرب ليلا صخورها ... فأكثرها شفع وأقتلها وتر لها أسهم مثل الأفاعى (٤) ... طوالها قواتل إلاّ أنّ أقتلها البتر سهام حكت سهم اللحاظ لقتلها ... وما فارقت جفنا وهذا هو السحر تزور كناسا عندهم أو كنيسة ... فلا دمية تبدى حذارا ولا حذر ودارت بها تلك النقوب فأشرفت ... وليس عليها فى الذى فعلت حجر فأضحت بها كالصبّ يخفى غرامه ... حذار أعاديه وفى قلبه جمر وتبّت لها (٩) ... النيران حتّى تمزّقت وباحت بما أخفته وانهتك الستر فلاذوا بذيل العفو منك ولم يخب ... رجاهم [و] (١٠) لو لم يستبن قصدهم مكر أمرت اقتدارا منك بالكفّ عنهم ... ليلاّ (١١) يرى فى غدرهم لهم عذر فراموا به أمرين: تستير ما هوى ... من الستر (١٢) أو عود التتار وقد فرّوا لهم ويلهم إنّ القتار الذى رجوا ... إعانتهم لم [يحو هاربهم] (١٣) قفر ألم يسمعوا إذ (١٤) ... لم يرو حال مغلهم بحمص وقد أفناهم القتل والأسر إذا اندملت تلك الجراح فإنّهم ... متى ذكروا [ما مرّ] (١٥) ينغصها الذكر (٢٢ - ٨)

стр. 3852

وما كره المغل اشتغالك عنهم ... بما عندنا فرّوا ولكنّهم سرّوا وأحرزتها بالسيف قسرا (٢) ... وهكذى فتوحك فيما قد مضى كلّه قسر غدت بشعار الأشرف الملك الذى ... له الأرض دار وهى من حسنها قصر وأضحت بحمد الله ثغرا ممنّعا ... تبيد الليالى والعدى وهو مفترّ (٢٩٦) وكانت قذا (٥) ... فى باطن الدين فانجلى وذخرا لأهل الشرك فانعكس الأمر فيا أشرف الأملاك بشراك غزوة ... تحصّل منها الفتح والذكر والأجر ليهنيك عند المصطفى أنّ دينه ... توالى به فى برّ دولتك النصر (٧) وبشراك أرضيت المسيح وأحمد (٨) ... وإن غضب التكفور فى ذاك والكفر فرحت بما تختار والأرض كلّها ... بحكمك والأمصار كلّ غدت (٩) مصر ودم وابق للدنيا ليحيى بك الهدى ... ويزهى على ماضى العصور بك العصر فلله فى تخليد ملكك نعمة ... علينا وآلاء تضيق بها الشكر وفيها فى شهر شعبان وصل الامير بدر الدين بيدرا نايب السلطنه المعظمه، وصحبته اكثر الجيوش المصريه؛ ومن الامرا الامير شمس الدين سنقر الاشقر وشمس الدين قرا سنقر المنصورى وبدر الدين بكتوت العلايى وبدر الدين بكتوت الاتابكى وغيرهم، وتوجهوا الى جبل الكسروان. وخرج اليهم من الامرا الشاميين سيف الدين طقصوا (١٦) وعز الدين ايبك الحموى وغيرهما، واجتمعوا على جبل الكسروان.

стр. 3853

وحصل من الامير بدر الدين بيدرا فتور عظيم فى امرهم، فنالوا من العسكر، وعادت كالكسره (٢). فحصل لاهل الجبل طمع عظيم؛ فانه بعد ذلك احضر جماعه من اعيانهم ومشايخهم وخلع عليهم، واجابهم الى جميع ما قصدوه، حتى فى محابيس لهم بسجن دمشق كانوا فى غايه الفساد. وكان اصل دلك كله طمع نفس بيدرا وميله الى الدنيا. ثم عاد بيدرا الى دمشق، وتلقاه السلطان الملك الاشرف. وعتب عليه فى دلك، فاحتج حجج (٦) بارده، فعنفه السلطان تعنيف كثير، فحمل على نفسه، وادعى انه متمرض، ثم عوفى. وفيها توفى الملك المظفر صاحب ماردين وجلس ولده. وفيها قبض السلطان على الامير شمس الدين سنقر الاشقر (٢٩٧) وعلى طقصوا (٩). وطلب الامير حسام الدين لاجين، فهرب. فامر السلطان بالمبادره اليه، وركب خلفه بنفسه مع جميع الخاسكيه، فلم يقعوا له على اثر، وعاد السلطان بعد صلاه العصر. ونفد سنقر الاشقر وطقصوا (١٢) مقيدين على البريد الى مصر، ودلك فى رابع شوال من هده السنه. واما لاجين، فان العرب مسكوه من ناحيه صرخد، واحضره الشريفى والى الولاه، وقيل مسكه بارض عجلون. فلما احضره قيّد وسير الى مصر، ودلك فى سادس شوال. وفيها تولى نيابه الشام الامير عز الدين الحموى عوضا عن الامير علم الدين الشجاعى. وخرج السلطان متوجها للديار المصريه من دمشق يوم الاثنين تاسع شوال، ودخل القاهره المحروسه يوم الاربعا ثانى شهر دى القعده. وشق القاهره، وهى مزينه احسن زينه.

стр. 3854

(١) [وفى شهر دى الحجه من هده السنه توفى الامير شمس الدين سنقر الاشقر، وطقصوا (٢)، وجرمك الناصرى، وابو خرص، والهارونى. وكانت وفاتهم بالسجن. وفيها افرج عن الامير حسام الدين لاجين] (٣). ذكر [حوادث] سنة اثنتين وتسعين وستمايه النيل المبارك فى هده السنه: الما القديم سته ادرع وعشره اصابع. مبلغ الزياده تسع (٦) عشر دراعا وثمانيه عشر اصبعا. ما لخص من الحوادث الخليفه الامام الحاكم بامر الله ابى (٨) العباس امير المومنين. والسلطان الشهيد الملك الاشرف، سلطان الاسلام بساير الممالك الاسلاميه. وبقيه الملوك على حالهم خلا صاحب ماردين؛ فانه توفى وولى ولده حسبما دكرناه. وفيها عاد السلطان الى دمشق المحروسه على الهجن، ودخل دمشق يوم الاحد تاسع جمادى الاخره. ثم امر بتجهيز العساكر الى سيس. وحضرت رسل سيس، ودخلوا فى مراحم السلطان بمهما رسم، وان صاحبهم طايع لجميع ما يرسم له. وشفّعوا الامرا فيه، واتفق الحال ان يسلموا (١٤) النواب (٢٩٨) مولانا السلطان ثلث قلاع من اجلّ حصون صاحب سيس، وهم (١٥) بهسنا، ومرعش، وتلّ حمدون. وهده بهسنا قلعه حصينه، ولها ضياع كثيره وهم (١٦) فم الدربند وباب حلب. وكانت فى زمان الملك الناصر صاحب الشام داخله فى ديوانه، فلما ملكوا (١٧) التتار حلب

стр. 3855

كان فى بهسنا نايبا (١) يقال له سيف [الدين] العقرب، فاباعها لصاحب سيس بمايه الف درهم، فاعطاه ستين الف (٢) وتسلم القلعه، ومنعه الباقى. واستمرت فى ايدى الارمن الى هدا التاريخ. وكان على المسلمين منها ضرر كبير. فلما كان فى السنه الخاليه وفتح السلطان قلعه الروم، واخد خليفه الارمن-حسبما دكرنا-حصل لصاحب سيس خوف كثير، واختشى على بلاده، فلم يمكنه الاّ المصانعه عن نفسه وبلاده. فان (٦) كان وقع فى انفس العالم من السلطان الملك الاشرف هيبه عظيمه، نسبه الملك الظاهر واعظم. ثم ان صاحب سيس ضاعف ايضا الجزيه والحمل، وكثّر فى الهدايا والتحف من كل شى. ثم ان السلطان سير صحبه رسل سيس سيف الدين طوغان والى برّ دمشق بسبب تسليم القلاع المدكوره. واقام السلطان فى دمشق الى مستهل شهر رجب، ثم توجه الى حمص باكابر الجيش، ثم الى سلميّه، مظهرا ان يقصد الصيد. ثم اضاف الامير حسام الدين مهنا بن عيسى، امير العربان ملك طىّ. وكان، لما اضافه، راى من احواله ما ينافر العقل من الخول والأنعام ما لا يقع عليه حصر، فاستعظم دلك وهاله. فلما انقضت الضيافه قال لمهنا والملوك من اقاربه: «انا قد اكلت ضيافتكم، ولا بد ان تاكلون (١٤) ضيافتى»، فامتثلوا دلك. فلما كان فى اثناء الطريق، قبض عليهم. فلما كان بكره يوم الاحد سابع شهر رجب وصل الامير حسام الدين لاجين الى دمشق، وصحبته (٢٩٩) الامير حسام الدين مهنا ابن (١٧) عيسى، وجماعه من اقاربه تحت الحوطه. وولى السلطان مكانه محمد بن ابى بكر [بن على] (١٨) بن حديثه. واعتقل مهنّا بقلعه دمشق.
следующие страницы →