فمصر والشام كلّ الخير عمّهما ... وكلّ قطر علت فيه التباشير
فالكون مبتهج والوقت (٢) ... مبتسم
والخير متّصل والدين مجبور
وليس فى الناس إلاّ باسم جذل ... وكلّهم بحمد الله مسرور (٣)
وكيف لا وعدوّ الله (٤) ... منكسر
بالله والملك المنصور منصور
[والشرك] (٥) ... قدمات رعبا حيث صاح به ال
توحيد هذا حسام الدين مشهور
ذكر [حوادث] سنة ثمان وتسعين وستمايه
النيل المبارك فى هده السنه: الما القديم.
ما لخص من الحوادث
الخليفه الامام الحاكم بامر الله ابى (٩) العباس امير المومنين. والسلطان الملك المنصور لاجين ملك الاسلام الى حين قتل فى هده السنه، حسبما ياتى من دكر دلك. وملك التتار محمود غازان بن ارغون المقدم دكره. وباقى الملوك بحالهم. والنايب بمصر منكوتمر، وبالشام قبجق الى حين دخوله التتار بالسبب الآتى دكره انشاء الله تعالى.
وفيها افرج عن الامير شمس الدين سنقر الاعسر، واعيد الى الوزاره على عادته ومستقر قاعدته [بعد قتلة لاجين] (١٥).
стр. 3887
(٣٢٦) دكر سبب تقفيز الامراء الى غازان
ودلك لما كان يوم السبت خامس ربيع الاخر من هده السنه ورد مرسوم السلطان لاجين على الامير سيف الدين بكتمر السلحدار، وهو مجرد على حلب، بان يسيّر طلبه الى طرابلس، ويتوجه بنفسه على البريد المنصور الى عند السلطان ليوصيه بما يعتمده فى امر طرابلس ويكون نايبا بها. وقرى المرسوم بسوق الخيل بحلب المحروسه، وفرح بذلك. وكان قد ورد مرسوم فى الباطن الى الطباخى نايب حلب وللامير سيف الدين كجكن يتضمن مسك بكتمر السلحدار والفارس ألبكى. فلما كان الليل ركب كجكن والطباخى وايدغدى شقير مملوك لاجين السلطان، ومعهم جماعه من الامراء، وسيروا خلف بكتمر السلحدار والبكى يقولوا لهم (٩): «قد وقعت بطاقه من البيره يخبروا (١٠) فيها ان التتار قد غارت عليهم، فتحضروا للمشوره». وكان الامر قد سبق اليهم (١١) بما يراد منهم، فقالوا للرسول: «ارجع، فنحن واصلين خلفك».
وركبوا من ساعتهم (١٢) وساير من يلود بهم، وتوجهوا نحو حمص. وكان الامير سيف الدين قفجق على حمص بعسكر دمشق، فراسلوه وحلفوه انه لا يوديهم (١٣). فحلف لهم على دلك، وركب والتقاهم وانزلهم، ثم انه استحلف جميع الناس للسلطان ومن بعده له، وانهم سامعين مطيعين (١٥). ثم انه سير الامير سيف الدين بلغاق الى السلطان، فعبر دمشق فى طريقه وخبر الامير سيف الدين جاغان-وكان نايب قلعه دمشق- وقال له ان الجيش كله مختلف، على حمص. ثم توجه الى الديار المصريه.
стр. 3888
وفى يوم الاثنين سابع ربيع الاخر قدم علا الدين الجاكى (١) الى دمشق من عند قبجق الى جاغان يطلب منه ان يسيّر اليه خلع ومال (٢) لاجل العسكر. فلم يجبه الى دلك وسير يقول له: «كيف تجير (٣٢٧) اعداء السلطان، وانت قادر على مسكهم».
وكدلك بعث اليه كجكن [والطباخى] (٤) وايدغدى شقير يقولوا: «متى لم تمسكهم حضرنا اليك ومسكناك معهم». فعند دلك علم انه تشوش بسببهم، وانه قد حلف لهم، ومتى لم يمسكهم مسكوه معهم. وعاد عسكر دمشق يتسحّبوا (٦) اولا فاولا، ويدخلوا (٧) دمشق، فيشكرهم جاغان على دلك. وعاد قبجق يسيّر الى جاغان يقول له:
«لم يبق عندى عسكر. فترسم عليهم وتنفد بهم اليّه (٨)، وتسيّر نفقه بسببهم».
وجاغان يتغلظ به (٩)، ويسوّف بالجواب.
فلما راى قبجق هده الاحوال الناقصه، وبلغه ان عسكر حلب طالبينه (١٠) ليمسكوه، وابطا عليه جواب السلطان، ركب يوم الثلثا ثامن شهر ربيع الاخر، وصحبته الامرا المدكورون، وهم: بكتمر السلحدار، وبزلار، والالبكى، وبنغار (١٢)، وهم فى عده خمس مايه فارس تقدمهم الامير سيف الدين قبجق. وطلبوا طريق سلميّة نحو الفراه (١٤). فتبعه عز الدين بن صبره والملك الاوحد مع جماعه مشايخ من الامراء ومقدمين، على انهم يسترضونه، فلم يقبل منهم بل ركب هواه لامر اراده الله .
ولما وصل الخبر الى جاغان مع جمال الدين المطروحى امر لابن النشّابى-متولى دمشق يوميد-بالحوطه على دار قبجق من غير قبض لكن احترازا على اهله وولده واتباعه.
стр. 3889
واما قبجق فانه سار لا يلوى على شئ الى ان وصل الفراه (١). وكان كجكن وايدغدى شقير قد توجهوا (٢) من حلب ليدركوهم، فوجدوهم قد قطعوا الفراه. ولحقوا بعض اثقالهم، فاخدوه (٣). وفى دلك الوقت وصل الخبر بقتلة السلطان لاجين ﵀، (٣٢٨) فعند دلك انحلت عزايمهم عن اللحوق بهم.
ولما وصل قبجق الى راس العين وبلغ شحانى التتار بوصوله، وكان المقدمين عليهم يوميد بولاى وجنكلى ابن (٦) البابا فى الف من المغل، فخافوهم. ثم تحققوا امرهم، فالتقوهم واحسنوا نزلهم. وكدلك صاحب ماردين، فانه التقاهم ملتقا (٧) حسنا، وقدم لهم اشياء كثيره خوفا منهم لا ينهون (٨) عليه انه يكاتب صاحب مصر فصانعهم. ثم ان بولاى اراد ان يسيّرهم على خيل البريد الى غازان، فلم يوافقوه على دلك وقالوا:
«ما نسير الا على خيلنا مطلّبين على ما نحن عليه». فتنافسوا فى الكلام، وخشى بولاى ان يعمل معهم فتنه بغير مرسوم من غازان، فاحتاج يوافقهم، وساروا مطلّبين. وعبروا على الموصل والتقاهم اهلها. ثم دخلوا ايضا بغداد كدلك، فالتقتهم عساكر المغل وخواتينهم.
ثم توجهوا الى غازان، وهو مقيم يوميد بالاردوا (١٤) بارض سيب من اعمال واسط.
فتلقاهم ملتقا (١٥) حسنا واكرمهم، ووعدهم الاحسان ومنّاهم، وانعم على كل امير منهم بعشره الاف دينار، وصرف كل دينار اثنا عشر درهم (١٦) قازانيه. وانعم على مماليكهم كل نفر الفومايتى (١٧) درهم، وللصغار مع الغلمان ستمايه درهم. واقطع لقبجق همدان، فلم يقبل وقال: «ليس لى قصد سوى خدمة القان، والنظر الى وجهه
стр. 3890
فى كل وقت». فاعجب غازان دلك منه، واجيب اليه. ودكر ان قبجق وجد ابوه (١) وجدّه واخوته يعيشون، وهم سلاح داريه قازان. ثم استمر بهم الحال عند قازان مكرمين الى حين عودهم الى الشام-حسبما ياتى دلك ودكره فى تاريخه انشا الله تعالى.
(٣٢٩) ذكر قتلة السلطان لاجين ﵀ والسبب فى دلك
كان السلطان لاجين ﵀ لما تولى الملك عاد متدينا، كثير الخير، مواضب (٦) الصوم، زايد التقشّف، وآلا (٧) على نفسه انه لا يوذى لاحد الا ببينة واضحه.
وكان قد استناب الامير سيف الدين منكوتمر، وفوّض اليه الامور كلها.
وكان منكوتمر صبى العقل، عظيم الكبر، طامع النفس فى الملك، لا يرى احدا من الامرا عنده بشئ متسلطا على الاذى والوساطه الرديه (١٠) عند السلطان؛ فمقتته الانفس من الامرا وغيرهم، وكرهوا ايام استاده بسببه لا غير. وجرى من منكوتمر اشياء فضيعه (١٢) فى حقوق الامراء واعيان الناس، أضربت عنها طلبا للاختصار.
فلما زاد البلاء على الناس من جهه منكوتمر اجتمع راى جماعه من الامراء على قتل السلطان لاجين، لا لدنب (١٤) سبق منه لاحد الا لاجل نايبه منكوتمر فقط.
واطّلع منكوتمر على دلك، فاطلع السلطان عليه، فربما نهره السلطان وقال له:
«كل هدا من نحس تدبيرك، وقله احسانك الى الناس، وقصدك انى اهلك الناس على السماع دون الحقيقه». فعاد منكوتمر يعبر الى الخدمه ووجهه عبوس مقطب ويخرج كدلك. وعاد السلطان لاجين بين مكدب ومصدق لاجله المحتوم، وعاد قليل الركوب محترزا على نفسه يفكر فيما يفعله، وهو يطاول الامر لفروغ الاجل.
стр. 3891
حدثنى الامير بهاء الدين ارسلان الدوادار-﵀-وكان بينى وبينه اخوه من حال الصغر، قال: لما كان يوم الاربعا تاسع ربيع الاخر من هده السنه انقطع منكوتمر دلك اليوم عن الخدمه وادعى انه متوجع. (٣٣٠) وركب السلطان يوم الخميس، ولم يركب منكوتمر. واطّلع السلطان على ان ما به وجع (٤) الاّ تغير خاطر وتشويش باطن. فلما طلع السلطان الى القلعه بعد الركوب، طلب سيف الدين سلار-وكان يوميد امير مجلس وكان يعرف بالحاج سلار-فقال له: «يا حاج اشتهى تروح الى هدا الصبى العقل منكوتمر، وتقول له ما سبب انقطاعك وتعبيسك ودخولك معبس (٨) وخروجك كدلك؟ قد فوضت اليك ساير الامور، وانا معك شبيه الماسك البقره وانت تحلبها، فايش هده الفعايل وهدا الخلق الردى (١٠)». قال [الأمير بهاء الدين]: فتوجه اليه سلار وبلغه الرساله. فقال له منكوتمر: «يا حاج، كيف لا اعبس وروحى وروحه رايحه، والله قد اتفقوا على قتله وقتلى بعده». فقال سلار: «يا خوند، فان سالنى السلطان من هم، من ادكر؟» وكان هدا من سلار مكر (١٣) بمنكوتمر، فانه كان يعلم منه الصبى وقله العقل.
فقال له منكوتمر: «وما تتعرفهم، يا حاج، هم فلان وفلان وفلان»، وعدّد جماعه، ثم قال: «وانت والله، يا حاج، معهم ومطلع على جميع امورهم». فقال سلار:
«لا حول ولا قوة الاّ بالله العلى العظيم، ادا كان الامير يتهمنى انا ايضا، فكيف العمل». وخرج من عنده، واعاد الرساله على السلطان، وقال عن نفسه ايضا. فقال السلطان: «وهم من صبيته ايضا اتهامك انت، يا حاج، فما علمتك الا شفوق ناصح (١٨)».
قال: فقبل الارض وخرج اجتمع بالامرا وقال لهم: «تعشوا به قبل ان يتغدى بكم، والسلام». يقول بهاء الدين ارسلان صاحب هدا النقل، وكان يوميد بشمق دار (٢٠) عند الامير سيف طقجى ومطلع (٢١) على (٣٣١) جميع الاحوال.
стр. 3892
فلما كان عشيه تلك الليله-وهى ليله يسفر صباحها عن يوم الجمعه حادى عشر شهر ربيع الآخر من هده السنه-بعد صلاه عشا الاخره، كان السلطان لاجين صايما دلك اليوم. دخل عليه كرجى مقدم المماليك البرجيه، وعند السلطان قاضى القضاه حسام الدين الحنفى وابن العسّال المقرى، والسلطان لاجين يلاعب ابن العسال بالشطرنج. وكان كرجى قد اتقن الامر مع البرجيه ومع جماعه من الخاصكيه وسلاح دار النوبه، واوقف اكثر البرجيه فى الدهليز. فلما وقف بين يدى السلطان، ساله عما صنع، فقال: «بيّتت (٧) المماليك البرجيه وغلقت عليهم». فشكره السلطان واثنى عليه وكدلك الحاضرين. ثم انه تقدم ليصلح الشمعه، وكان السلطان قد قام لصلاه عشاء الاخره. فتناول كرجى النمشاه، وضرب السلطان لاجين وهو مولى عنه، فقطع كتفه حتى حله. فبادر السلطان من حلاوة الروح يطلب النمشاه، فلم يجدها، فقبض على كرجى وعاركه، وقيل انه رماه تحته، فضربه السلحدار قطع رجله، فانقلب يخور فى دمه. ثم ان كرجى ثنى عليه فقتله. فقال القاضى: «هدا ما يحلّ»، فارادوا قتله، ثم عفوا عنه. وقيل ان الضرب الدى كان فى السلطان الشهيد الملك الاشرف-﵀-وجدوه فى السلطان لاجين لا يختل ضربه واحده. فلما فرط الامر اغلقوا عليه الباب وتركوه ومضوا الى برا باب القله.
نكته: كان السلطان لاجين متزوجا بنت السلطان الملك الظاهر، وكانت من الديانات الخيرات. فحدثنى من اثق به انها فى تلك الليله-وهى ليله الخميس التى صبيحتها قتل السلطان-فى عشيته رأت فى (٣٣٢) منامها كأن السلطان جالس فى المكان الدى قتل فيه، وكأن عده غربان سود على اعلا (١٩) المكان. وقد نزل منهم غراب فضرب عمامة السلطان رماها عن راسه، وهو يقول: «كرّج كرّج (٢٠)».
стр. 3893
فلما اصبحت، واراد السلطان يخرج تلك الليله من عندها، وكان صايما حسبما دكرنا، فقالت: «يا خوند، اشتهى الليله تفطر عندنا ولا تخرج مكان (٢)». فقال:
«يا خوند، ايش السبب؟ فما عندى غير القاضى حسام الدين وابن العسّال المقرى».
فقالت: «رايت منام (٤)، وانا وجله منه»، وقصّته عليه. فقال: «ما يكون الاّ ما يريد». هدا حديث القاضى مجد الدين حرمى (٥) وكيل بيت المال المعمور ووصى بيت الملك الظاهر، ينقل دلك عن بنت الملك الظاهر صاحبه المنام. ثم انها لم تعش بعده-السلطان-الا يسيرا وتوفت (٧) الى رحمة الله تعالى.
ولما خرجوا من بعد قتلة السلطان-﵀-كان سيف الدين طغجى قد جلس مع البرجيه فى الدركاه ينظر ما يفعلوه (٩). فلما حضروا قال لهم: «قضيتم الشغل؟» قالوا: «نعم». ثم توجهوا باجمعهم الى دار النيابه التى كان بها منكوتمر، فطرقوا عليه الباب، وقالوا له: «اجب السلطان الساعه»، فانكر حالهم وتحقق انهم فعلوها كما كان مقرر (١٢) عنده. فقال لهم: «بالله عليكم، قتلتوا السلطان؟» فقال له كرجى: «نعم، يا مأبون، قتلناه وقد جينا اليك نلحقك به» فقال: «ما اسلّم نفسى حتى يجيرنى الامير سيف الدين طغجى»، فاجاره وحلف له انه لا ياديه (١٥) ولا يمكن من اديته.
وكان عند منكوتمر فى دلك الوقت نيف واربع مايه ضارب سيف، كلهم معتدين (١٧)، لكن خدله الله تعالى، فنعود بالله من الخدلان. ثم فتح الباب وخرج بسلام، فاخدوه ومضوا به الى الجبّ، فانزلوه عند الامرا (٣٣٣) المحبوسين.
стр. 3894
فيقال ان الاعسر قام اليه وتلقاه، وان عز الدين الحموى قام اليه وشتمه واراد قتله، فمنعه الاعسر، فان منكوتمر كان سبب مسك الامرا. واستقر منكوتمر فى الجب ساعه رمليه. وراح طغجى الى داره يتوضى (٣)، فاغتنم كرجى غيبته فتوجه، وصحبته جماعه من البرجيه، الى باب الجب. واحتال على منكوتمر وقال لشخص معه «قول (٤) له:
اطلع اجب الامير سيف الدين طغجى حتى ياخدك الى بيته لا يقتلوك (٥) هاهنا بغير امره، واسرع قبل ان يعلم بك كرجى». فطلع فى اسرع من لمحه، فدبحه كرجى بيده على باب الجب، ثم نهبوا داره وامواله.
ورجع [كرجى] فعتبه طغجى، فقال: «نحن ما قتلنا السلطان الا لاجل هذا المابون فندعه، والا ايش فعل معنا السلطان من الردى (٩)». ثم اجالوا الحديث بينهم فيمن يكون ملكا، فاتفق رايهم ان يكون الملك لمولانا السلطان الاعظم الملك الناصر عز نصره، وينفدوا يحضروا (١١) ركابه الشريف من الكرك المحروس، ويكون طغجى نايبا له. وحلفوا على دلك تلك الليله واصبحوا يوم الجمعه يحلّفوا (١٢) الناس على دلك.
وركب طغجى يوم السبت فى دست النيابه والتفّت عليه العساكر، ثم طلع الى القلعه وجلس فى دار النيابه، ومد الاخوان (١٤) على جارى العاده ثم ان كرجى نقض دلك وقال: «انا قتلت السلطان ونايبه وخاطرت بنفسى، فاذا كان طغجى نايبا والملك الناصر سلطانا، فايش يكون وضعى انا؟» فاختلفوا، ثم وقع الاتفاق ان يكون طغجى سلطانا مستقلا وكرجى نايبا له.
ولما بلغ الامرا الكبار دلك، عظم عليهم، ووقع التشويش. وبعد خمسه ايام حضر الامرا المجردين (١٩) تقدمهم الامير بدر الدين بكتاش الفخرى امير سلاح مع عده
стр. 3895
من الامرا المصريين والشاميين. وذلك (٣٣٤) ان السلطان لاجين-﵀ كان سير فى حياته يحث على حضور امير سلاح. فانه كان خصيص (٢) به، وقصد يستشيره فيما كان يريد يفعله فى امر الامرا الدين كان بلغه عنهم ما بلغه. وكان يتطاول المده الى حين حضوره، فعاجله الاجل قبل وصول امير سلاح.
فلمّا كان عشيه نهار الاحد ثالث عشره وصل امير سلاح بالعساكر الى مدينه بلبيس على ان يدخل يوم الاثنين، فوصل اليه جماعه من الامرا المصريين وخبروه بما جرى من قتل السلطان، وان هذا الامر لم يكن برضاهم ولا عن ادنهم (٧).
واتفقوا معه على قتل طغجى وكرجى. ثم خرج الامرا الكبار من المصريين لملتقى امير سلاح، وهم: الحسام استادار، وبكتمر امير جاندار، وبيبرس الجاشنكير، والجالق، وسلار، واقوش، والافرم، وايبك الخزندار، وقتال السبع، وابن برواناه، وسنقر العلايى كشكار، مع جماعه من البرجيه. ولم يزالوا يحسنوا (١١) لطغجى خروجه لملتقى امير سلاح حتى وافقهم بعد الامتناع. واما كرجى فوقف بباب القلعه تحت الطبلخاناه ومعه جمع كبير من البرجيه وغيرهم.
واجتمع الامراء جميعهم القادمين والمقيمين (١٤) عند قبة النصر. فقال امير سلاح لطغجى: «كان لنا عاده ان السلطان ادا قدمنا من السفر يخرج يلقانا (١٥)، وما اعلم دنبى النوبه (١٦) ما هو حتى انه لم يخرج الينا». فقال له طغجى: «وما علمت ايش جرى، قد قتل السلطان». قال: «من قتله؟» قال: «قتله المفسدين المخامرين (١٧)».
قال: فتقدم كرت الحاجب وقال لطغجى: «انت الدى قتلت السلطان، وانت سبب جميع الفتنه». فقال امير سلاح: «ايش هده الفعايل القبيحه، تريدوا (١٩)
стр. 3896
(٣٣٥) لكم كل يوم سلطان جديد (١). ابعد عنى، لا صح الله لكم بدن، لا تلتزق بى اصلا». وخرج عنه امير سلاح، فعلم طغجى انه مقتول. فاراد ان يخرج من الحلقه، فضربه قراقوش الظاهرى رماه، وقتل مكانه. وشالوه من هناك بعد دلك فى مزبلة حمار.
وتموا (٥) الامرا على حميّه الى تحت القلعه، فوجدوا كرجى راكبا والبرجيه حوله، وقد لبسوا السلاح، لما بلغهم قتلة طغجى ساعة وعادت جموعه تنفل اولا فاولا، وعادوا ياتون الى نحو امير سلاح. فلما بقى فى نفر يسير ولى هاربا الى نحو القرافه، فلحقوه فقتلوه اخر القرافه الكبيره. وقيل ان الدى قتله شهاب الدين بن سنقر الاشقر.
وقتل معه انغاى (٩) الكرمونى السلحدار الذى كان وافق على قتلة السلطان لاجين.
ثم اتفق الحال على ان يحضر الركاب الشريف الناصرى-عز نصره-من الكرك المحروس. واستقرت الكتب والمراسيم تخرج بعلايم ثمان (١١) امرا، وهم: الامير سيف الدين سلار، وركن الدين بيبرس الجاشنكير، وعز الدين ايبك الخزندار، وعبد الله السلحدار، وبكتمر امير جاندار، واقوش الافرم، والحسام استادار، وكرت الحاجب، الى حين حلول الركاب الشريف من الكرك المحروس حسبما ياتى ذكر ذلك فى الجزء الثامن المختص بسيرته المباركه.
واما ما كان بدمشق المحروسه، فان بلغاق كان لما حضر الى الديار المصريه برساله قبجق-حسبما سقناه من قبل-فوصل الى القاهره يوم السبت [ثانى عشر ربيع الآخر] (١٧)، وطغجى راكب فى موكب النيابه بعد قتلة السلطان لاجين، فعرّفه صوره الحال فقال: «اقم حتى نكتب معك كتبا بتطييب قلوب الامرا، وعرّفهم ان الدى كانوا
стр. 3897
يخشونه قد قتل». (٣٣٦) فلما كان يوم الاثنين، وجرا (١) ما قد دكرناه من قتل طغجى وكرجى، كتبوا (٢) الامرا المقدم دكرهم على يده كتاب الى الامير سيف الدين قبجق والى ساير الامرا-كل امير بمفرده كتاب (٣) -بتطييب خواطرهم، وعلى كل كتاب ثمان (٤) علايم حسبما دكرنا. ووصل [بلغاق] الى دمشق واخبر بقتل السلطان لاجين، ونايبه منكوتمر، وطغجى وكرجى، واتفاق الكلمه على مولانا السلطان الاعظم الملك الناصر عز نصره. وكان المثحدث (٦) يوميد بدمشق الامير سيف الدين جاغان.
فقام الامير بهاء الدين قرا ارسلان واظهر الفرح، وثحدث (٧) فى الدوله، ورسم على نواب طغجى وعلى والى البر حسام الدين لاجين، واحضر العسكر الشامى وحلّف لمولانا السلطان الملك الناصر عز نصره.
فلما كان يوم الثلثا ثانى عشرين ربيع الاخر مسك قرا ارسلان للامير (١٠) سيف الدين جاغان واحضره هو ولاجين والى البر الى القلعه، وسلمهما للامير علم الدين ارجواش فاعتقلهما. ولم تزل دمشق بغير نايب ولا مشد ولا من يحكم بها غير قرا ارسلان الى مستهل جمادى الاولى ثار عليه قولنج، وكان من قبل قد سقى وخلص، فنقض عليه، فتوفى يوم الاثنين ثانى الشهر. واستقرت دمشق بغير حاكم يحكم بها، والناس محفوظين (١٥) بعناية من الله تعالى الى حين حضور الامير جمال الدين اقوش الافرم، حسبما ياتى من دكره انشا الله تعالى.
وكان مده مملكه السلطان لاجين-﵀-سنتان ونصف وشهران واثنين وعشرين يوم (١٨). ودلك انه جلس فى الثامن والعشرين من المحرم سنه ست وتسعين وستمايه، وقتل فى العشر الاول من ربيع الآخر.
стр. 3898
والى هاهنا انتهى بنا الكلام، لما لم يسع هدا الجزء بقيه مناقب (٣٣٧) سيد ملوك الاسلام، سيدنا ومولانا السلطان الأعظم الملك الناصر، المثنى بهز كفه الرماح السمر، أمدّه الله بطول البقاء الى اقصى نهايه العمر. والان فقد خرجنا عن شرط عدة الأجزاء السبع الى الثمان (٤)، لما اتسع بنا القول فى سيره اشرف ملوك الزمان، فديّلنا على هدا الجزء السابع بجزء ثامن. فمن تعلق به كان من حدوث زمانه امن (٥)، فان السعد لعمرى يسرى ادا تعلق به اللسان، ونطق بدكر بعض ما يصل اليه الفهم من محاسن مولانا السلطان، فليس عندى شك ان السعاده تشمله فى عصره، ادام الله ايامه واعلا (٨) فى درجات الجنان محله وقصره.
ذكر الساده الاجلاء الايمه الفضلاء الدين ادركهم العبد بالمولد
قلت: هولاء الموالى المدكورون فى اول الاسماء، ايمة فضلاء علماء، يجلوا (١٠) ان يطلق عليهم اسم الشعراء، لكون محلهم يعلو على الشعراء. وقد ادركهم العبد وفاز بمشاهدتهم، وجنا (١٢) هده الثمار الجنيه من فكاهتهم. فخصصت هدا الجزء المبارك بدكرهم، ورصعته بما التقطته من فرايد نظمهم ونثرهم. والوصف فى صفاتهم الجميله، فقد ضاق حتى عاد الى الحصر، ومن دا يطيق ان يصل فى مدحه الى بعض محاسن علماء العصر.
стр. 3899
الشيخ صدر الدين المعروف بابن المرحّل ﵀
قرّة العيون، وسلوة المحزون، وجامع الفنون، الدره اليتيمه، وجامع اخبار الامم الحديثه الى الامم القديمه. (٣٣٨) فمن قوله يتشوق للامير جمال الدين الافرم <من السريع>:
قد زادنى العذل عليكم جنون (٥) ... وصبوة تعجّب منها العاذلون
ماذا يريد العذل من مغرم ... متيّم حلف الأسا (٦) والشجون
سكّان أهل السفح أجريتم ... لمّا نأيتم من عيونى عيون
هوّنتم الهجر وحاشا بأن ... أصعب ما يروى عليكم يهون
غبتم فلا والله ما غبتم ... بقدر ما تطرف منّى الجفون
وظلت فى (١٠) ... الأطلال من بعدكم
أعلّل القلب بما لا يكون
لا تحسبوا أنّى سلوت الهوى ... لا عاش من يسلوا (١١) ولا من يخون
ومن قوله فى الغزل-عفا الله عنه- <من الطويل>:
سقا (١٣) ... الله ذاك الشعب من أرض حاجرى
من المزن منهلّ السحايب هامرى
وحيّا ربا (١٤) ... نجد فلى بربوعه
لويلات وصل والحبيب مسامرى
ولى بالحمى من آل خاقان أهيف ... له مقلة تغنيه عن حمل باترى
стр. 3900
نبىّ جمال والملاح صحابة ... وصاحب برهان وناه وآمرى
مشرّع شرع الحبّ والقول قوله ... فما ضرّه لو كان يوما مناظرى
إذا كان خصمى حاكمى كيف حيلتى ... وإن رام خذلانى فمن لى ناصرى
ومن قوله ايضا فى الغزل <من الكامل>:
وافا (٥) ... يصول بصارم الأجفان
ويتيه من هيف على القضبانى
صاح يميل بعطفه سكر الصبا ... أسمعتم بالصاحى السكران
قاس على العشّاق يثنى قدّه ... لين الصبا أحوى لطيف معانى
أو ما رأيت قوامه لمّا انثنى ... من لينه خجلت غصون البان
ولقد وقفت لكى أشاهد نظرة ... فضممت أحشايى من الخفقانى
(٣٣٩) فرأيت بدرا (١٠) ... لاح تحت دجنّة
يمشى به غصنا من الأغصان
لله ورد فوق وجنته التى ... شقّت قلوب شقايق النعمان
إذ لم أسحّ عليه فيض مدامعى ... من سحب أجفانى فما أجفانى
ومن قوله ايضا فى الغزل <من البسيط>:
يا ليلة السفح ألاّ عدت ثانية ... سقا (١٤) زمانك هطّال من الديمى
ماض من العيش لو يفدا (١٥) ... بذلت له
كرايم المال من حلّ ومن نعمى
ردّوا علينا ليالينا التى سلفت ... لم أنسهنّ وما فى العهد من قدمى
بتنا ضجيعين فى يومى هوى وتقا (١٧) ... يضمّنا الشوق من فرق إلى قدم
стр. 3901
وبات بارق ذاك الثغر يوضح لى ... مراشف اللّثم فى داج من الظلم
وبتّ ألثم (٢) ... خدا ليس يعرفه
غير العفاف وغير الجود والكرم
ومن قوله ايضا فى الغزل <من الكامل>:
إن كان دينك فى الصبابة دينى ... أرح المطىّ بزملتى تبرينى
والثم ترا (٥) ... لو عاينته مقلتى
يوم الفراق لثمته بجفونى
إن كان قد ضاعت عهودى عندكم ... فأنا الذى استودعت غير أمينى
أو رحت مغبونا فما أنا فى الهوى ... منكم بأوّل عاشق مغبونى
ونشيدتى بين الخيام وإنما ... عرّضت عنها بالضبا (٨) العينى
ومن قوله ايضا فى الغزل <من الطويل>:
سرا (١٠) ... وستور الهمّ بالكأس تهتك
وساكن قلبى بالغنى يتحرّك
وأقسم لولا نار قلبى ترفّعت ... له فى الدياجى ما اهتدى كيف يسلك
وعاطيته خمرا فحيّا بمثله ... ومازج ذاك الخمر ريقا ممسك
ودارت علينا الراح حتّى تملّكت ... عقول رجال مثلها ليس تملك
(٣٤٠) ولما رأيت القوم بالكأس صرعا (١٤) ... وأنّ ابنة المطران بالقوم تفتك
أرقت دما الراووق حلاّ لأنّنى ... رأيت صليبا فوقه فهو مشرك
وسالت دموع العين منه فكلّما ... جرى بالدما ممّا جرى منه أضحك
فيا لك من لذّات دهر قطعتها ... على مثلها يفنى التقا (١٧) والتنسّك
стр. 3902
قلت: وهدا الشعر جميعه مما يكون فى طبقه المقبول ولعل فيه ابيات (١) تحتمل ان تكون فى طبقه المطرب، وليس فيه شئ يصل الى طبقه المرقص. ومما يجوز ان يكون فى طبقه المطرب ايضا قوله عفا الله عنه <من الكامل>:
قبّلته ولججت فى تقبيله ... حتى استحالت صبغة الرحمن
يا خدّه عذرا إليك فإنّنى ... أذبلت فيك شقايق النعمان
وقوله <من الوافر>:
أراق دمى بسيف اللّحظ عمدا ... وها أثر الدماء بوجنتيه
فلمّا خاف من طلبى لثأرى ... أقام عذاره زردا عليه
ومن مستطرفاته، وقد امطرت دمشق حتى كادت تغرق، فقال <من الرمل>:
إن يدم ذا الغيث شهرا واحدا ... جاء بالطّوفان والبحر المحيط
ما هم من قوم نوح يا سما ... أقلعى عنهم فهم من قوم لوط
وله فى من عدر (١٢) وكان عن الوصل استعدر <من المتقارب>:
أتاك العذار على بغتة ... فإن كنت فى غفلة فانتبه
وقد كنت تأبا (١٤) ... زكاة الجمال
فهذا شجاع طوقت به
وقوله <من البسيط>:
لإن (١٦) ... غاب عنى شخصك يأسولى فمسكنه
على الدوام بقلب الواله العانى
هو المقدّس لمّا أن حللت به ... لكنّه ليس فيه عين سلوان
نجز ما اختير من شعره-عفا الله عنه.
стр. 3903
(٣٤١) الشيخ شمس الدين بن تازمرت المغربى
علامة العصر، الدى تشرفت باقدامه مصر، نسيج وحده، فاق من قبله واربا (٢) على من بعده، بقية السلف، وخير الخلف.
الشيخ اثير الدين ابو حيان المغربى
شيخ العربيه، وجامع العلوم الدينيه الى العلوم الادبيه، سيبويه الزمان، الفايق نحوه الأخفشان (٦).
(٣٤٢) القاضى ناصر الدين شافع بن عبد الظاهر-﵀
اعجوبة الزمان، وبديع الأوان، الفاضل الفاصل، العامل الكامل، عبد حميد البلاغه، وابن عميد الصياغه.
(٣٤٣) القاضى شهاب الدين محمود كاتب الانشا-﵀
فاضل الزمان، المفترد بعلم البديع والبيان، الدى تشرفت بأنامله اليراعه، وجمع بين محاسن التجنيس الى تخلص البراعه.
(٣٤٤) القاضى فتح الدين بن سيّد الناس-﵀
دو الحظ الأسنى، فى حسن صياغة اللفظ الى ابتكار المعنى، ألطف خلق الله خلقا وخلقا، وأرقّهم شعرا غربا وشرقا.
стр. 3904
فمن قوله (٣٤٥) فى الغزل مما انشد منه ﵀ <من البسيط>:
ما زال يشرب من شمس الطلا قمرى ... حتّى حكت وجنتاه حمرة الشفق
وقام يرقص والأرداف تقعده ... سكرا وحاول أن يسعى فلم يطق
شمايل فعلت صرف الشمول بها ... فعل الشمال بغصن البانة الورق
وقال لى فى فتور من لواحظه ... إنّ العناق لإثم قلت فى عنق
وقوله <من الطويل>:
أتى بشفيع ليس يمكن ردّه ... دراهم بيض للجروح مراهم
تصيّر صعب الأمر أسهل ما يرى ... تقضّى لبانات الفتى وهو نايم
وقوله <من الكامل>:
إنّ الدراهم والنساء كلاهما ... لا تأمننّ عليهما إنسانا
ينزعن ذا الدين المتين (١١) ... عن التقى
فيرى إساءة فعله إحسانا
ونظير الاول فى رقة الغزل لغيره <من الكامل>:
ومورّد الخدّين فى وجناته ... ورد يحاكى الورد فى شجراته
كتب الربيع بخطّ [. . .] عذاره ... يا ربّ نجّ الناس من لأماته (١٤)
البدر يشبهه لبهجة وجهه ... والغصن يحسده على حركاته
قالوا تسلاّ (١٦) ... عن هواه بغيره
واعشق سواه فقلت لا وحياته
стр. 3905
(٣٤٦) الحكيم شمس الدين بن دانيال ﵀
اللطيف المثال، صاحب كتاب «طيف الخيال»، من ظنّ انه يدانيه فى خلاعته ولطف معانيه، فقد كذبته امانيه، وطمعته نفسه بالمحال، وتعلق من الشمس بالحبال. فما انشدنيه لنفسه-﵀-فى الخاتم قوله <من الخفيف>:
بالتزامى لصاحبى طول دهرى ... وبلثمى أنامل الأكياس
صرت من صولة الملوك أمانا ... وأمينا لهم على الأكياس
ومما انشدنى لنفسه-عفا الله عنه-يخاطب بعض اصحابه ويداعبه <من الكامل>:
خبّرت أنّك قد صحبت خليلة ... أنستك لذّة صحبة المردان
لا غرو إن أمسيت فى أشراكها ... إنّ النساء حبايل الشيطان
(٣٤٧) الحكيم شهاب الدين الصفدى
العالى الهمّة الجامع نور الأدب إلى نور الحكمة.
القاضى شهاب الدين بن النويرى ﵀
الدى فاق بفصاحته العرب فى تاريخه المسمّى «نهاية الأرب فى فنّ (١٤) الأدب».
стр. 3906
(٣٤٨) شرف الدين بن أسد
صاحب المعانى المبتكره والالفاظ المسكره، السكر الحلال وبغية الآمال، الدى تثوق (٣) الأنفس الى خلاعته، ويجل عن المقت، ابن حجاج الوقت.
فمن قوله فى الغزل الخالى من المجون <من السريع>:
أزرى بغصن البان لمّا انثنا (٥) ... وأخجل الغزلان لمّا رنا
وسلّ من أجفانه صارما ... إن قلت يوما قد دنا قد [د] نا
وقال بدر التمّ لمّا رأى ... جبينه الوضّاح هذا أنا
[لكنّ ذا فى جفنه يرهف ... وفى القوام اللّدن سمر القنا] (٨)
وفى لمى فيه مدام وفى ... وجناته ورد حوى سوسنا
وعقرب الصدغ به حارس ... قد جعل الضرب له ديدنا
وأسهم الأجفان قد وكّلت ... بالقتل والفتك بمن قد جنا (١١)
فسهم ذاك اللحظ لا يتّقى ... وورد ذاك الخدّ لا يجتنا (١٢)
وقوله <من البسيط>:
لولا تعرّضت للأعطاف والمقل ... ما متّ صبّا قتيل البيض والأسل
ما كنت أعلم أنّ الغيد قاتله ... حتى أصبت بسهم الأعين النجل
ما زلت فى البعد من قرب على حذر ... وفى التقرّب من بعد على وجل
تحكّم الحبّ فى روحى وفى جسدى ... يا ليته لو قضى يوما علىّ ولى
стр. 3907
وقوله على روية، ووزنه ناقص عنه <من البسيط>:
مهفهف القدّ ساحر المقل ... حكاه غصن الأراك بالميل
ناديته والفؤاد فى يده ... رفقا بقلبى فقال لا وعلى
تريد وصلى فمت فقلت له ... ها مهجتى قد دنت من الأجل
فقال إن صحّ ما تقول فقد ... سلكت فى الحبّ أرشد السبل
كم من محبّ قتلته عبثا ... واحييته بالعناق والقبل
(٣٤٩) رميت سهما من العيون فلم ... أترك قلبا من الغرام خلى
وله زجل فيه من اسماء الخدام خمسه واربعين اسم (٨) وهو:
يا مالك الحسن أرفق بالمستهام العليل ... حياته قربك ولكن ما يلتقى له سبيل
خدّام حسنك كثير هم سبحن من صوّرك ... وصفك جميل ووجهك صبيح ما أزهرك
ياقوت وجوهر بثغر، ريحان عذارك شرك ... كافور خدّك وعنبر خالك أهاجوا الغليل
بمهجتى يا معيشق وصيّرونى ذليل
سعيد مسرور مرشّد رشيد من قد رآك ... مقبل عليه بعد هجرك محسن إليه بلقاك
مختصّ بالوصل منك فايز بمفتاح رضاك ... يا نصر قلب المعنّى مغيث كربى قليل
مالى شفيع عند حسنك غير البكا (١٧) والعويل
سرور قلبى إذا ما أتى بشير الرضا ... وألقاك فى إقبال يا فاتن وأترك جميع ما مضى
وأركب المسرّة وأسلك وسيع الفضا
стр. 3908
وأصبح بقربك مفلح، وبافتخارى أميل ... نجاح أمرى فى شربة من ريقك السلسبيل
صواب رأى فى عشقك يا أحسن العالمين ... دينار منقوش، حسنك ظهير، عزيز عن يقين
مثقال من بعض عشقى يرجح على العاشقين ... فاخر بحسنك يا محفوظ، أى ما مليح لك مثيل
فرقك منير، وشعرك سنبل وخدّك أسيل ... قدّك رشيق، وحبّك مختار دون الأنام
(٣٥٠) نشرك عبير وصندل، والوجه بدر التمام ... بلال أذّن بخدّك: استيقضوا (٩)
يا نيّام
فالراح فى الكأس تجلاّ (١٠) ... مع ظبى أغيد كحيل
واستغنموا لذّة العيش فالعمر ما هو طويل
ومما اختير من قوله فى المجون <من الخفيف>:
رصدت غفلة الأعداء ... وأتت فى حنادس الظلماء (١٣)
توسع المشى فى الخطا ... خوف واش وحذار من الأعداء (١٤)
قلت: أهلا ومرحبا (١٥) ... بحياتى
ومرادى ومنيتى ومنائى
وأماطت لثامها عن محيّا ... فأرتنى الصباح وقت المساء
وتثنّت بقامة ذات عجب ... كقضيب أو صعدة سمراء
فاستطار الفؤاد منّى سرورا ... وارتياحا وفرحة باللقاء
стр. 3909
واعتنقنا فأسبلت راحتيها ... وبدت بالشهيق قبل البكاء
كشفت عن حر شذاه كمسك ... ناعم اللمس وافر الأرجاء
ثمّ قالت عجّل علىّ ودعنى ... أختفى فى الظلام قبل الضياء
فاعترانى من فرحتى بالتلاقى ... هيضة أوجبت حضور خرائى
فتزحزحت عن (٥) ... ذراها قليلا
ثم سارعت نحو بيت الخلاء
واستهلّت مدامع السرم تجرى ... بسلاح ينهلّ كالأنواء
وأطلت الجلوس فاستبطأتنى ... واسترابت بحالتى الغبراء
ورأت صبحها وقد حان منها ... وتبدّى فى حلّة بيضاء
طلبت حيّها حذار الأعادى ... وأرادت مسيرها فى الخفاء
ودّعتنى وأعلنت بوداعى ... من بعيد وأوسعت فى الخطاء
وهى تومى إلىّ بالصّفع منها ... أىّ صفع باللفظ والإيماء
[ثم قالت: لا أوحش الله عينى ... من سنا وجه عاشق الحرّاء] (١٢)(٣٥١) ومن دلك قوله ايضا <من مخلّع البسيط>:
شبّت من النوم فى سحير ... رأتنى فى فرحة بأيرى
وكان بالبول قد تمطّى ... واشتدّ أو صار كالوتير
قالت: حبيبى ونور عينى ... أراك مستبشرا بخير
قلت: الذى مات قد تحايا ... وفرّ من ضيقة القبير
قالت: أتاه المسيح عيسى ... قلت: كلاّ ولست غيرى
(١٨)
стр. 3910
قومى انظريه وصافحيه ... بكفّك الناعم الحريرى
لمّا رأته نادته (٢) ...: أهلا
ومرحبا طلعة القمير
قامت لبيت الخلا (٣) ... وعادت
فى ساعة الوقت للسرير
هذا وقد كدت فى فراشى ... أبول أو ينقطع ظهيرى
فقمت بدّدت حشو أيرى ... وجيت فرشى وفى ضميرى
أنّى أجيها أنال منها ... ما نلت فى أوّل العمير
فقابلتنى بفقحتيها ... وشفر كالشهد والخمير
مصلّع الرأس ذو نساف ... محلّق الذقن بالفقيرى
مددت إيدى إلى قضيبى ... وجدته انشال فى صديرى
ألقيت ذقنى بفقحتيها ... وجلت أنفى على السفير
وصرت مستنشقا فساها ... ونكهة البول كالعبير
أشيل بوزى أحطّ ذقنى ... إلتذّ بالشمّ كالحمير
أصيح: أيرى فلم يجبنى ... إلاّ بنبرات كالأمير
لمّا رأت حالى تناهى ... وصرت فى أقبح الأمور
قالت: وأين الذى تحايا ... يا بارد الذقن يا صميرى
(٣٥٢) وأمسكت طرغمان ذقنى ... كمسكة الجاهل الضرير
واستحضرت خفّها وجاءت ... تزبدّ بالغيظ كالبعير
طرطب طرطب أىّ صفع ... ما الحال فى العين كالخبير
فاسودّ ما ابيضّ من قذالى ... وابيضّ ما أسودّ من بصير
стр. 3911
قلت: وهذا القدر من هذا الباب كاف، إذ له من هذا النوع كثير جدا.
وله القصيده المعرّبه بالبيان عن احوال الانسان، وهى هده <من الكامل>:
أصبحت بين شوامت وحواسد ... ومحاور ومخادع ومعاند
ومحارب ومسالم ومقاصص ... ومسامح ومخاذل (٤) ومساعد
ما بين أعداء علىّ كثيرة ... والجمع يقهر للضعيف الواحد
دنيا ونفس تستشبّ مع الهوى ... وتحيّل من كلّ باغ مارد
ما بين يوم يستجدّ وليلة ... تمضى ومولود يشيب ووالد
قد مزّقته يد البلا وتقسّمت ... أجزاه بين سحايب وجلامد
وإذا قصدت من الزمان قضيّة ... أرضى بها جاءت بغير مقاصدى
وإذا انفردت بخلوة فى منزلى ... لى فيه أعداء يرمن مناكدى
بقّ وبرغوث وناموس له ... ضرب كضربات أتت من فاصد
وخنافس سود وحمر معهما ... نمل يدبّ على سبيل واحد
والوزغ والثعبان أشنع ما يرى ... والعقرب المسموم ثمّ مراصدى
والعرس والسنّور والفيران فى ال ... أوطان بين تحارب وتطارد
والعنكبوت مع الرثيلة والذى ... يسمى أبا صوفان ليس براشد
والعثّ والزنبور بينهما أرى ... سوسا يطير مع الذباب الفاسد
والدود والقردان والكلب الذى ... يعوى علىّ ولا يزال معاود
(٣٥٣) والقمل والصرصار والسحلى وما ... لم يسم عندى فى الديار مناكدى
كلّ يكدّر صفو وقت تلذّذى ... ويشوب بعض مصالحى بمفاسدى
هذا وكم علل تفرّق نوعها ... فى الجسم بين تناقص وتزايد
стр. 3912
وعوارض مورودة (١) ... من خارج
يرد اللبيب بها أشرّ موارد
فمنعّم يردى بثوب نعيمه ... فتراه يصبح كالحزين الفاقد
ومنغّص ولّى زمان شبابه ... ودنى إليه الحين بعد تباعد
هيهات ما وصل الأحبّة نافع ... بعد المشيب ولا الشباب بعايد
ألم البداية والولادة حسبنا ... من ضيق أحشاء وعسر توالد
وتحكّم الآباء فى تأديبنا ... إمّا بضرب أو بوجه تحارد
وتتّبع الأسباب أىّ معيشة ... حمدت تذمّ على لسان الحامد
ما بعد نيل الملك فى الدنيا غنى ... إلاّ القناعة من فقير زاهد
وإذا احتوى الإنسان ملكا فى الورى ... وأتت له الدنيا بكلّ مقاصد
خاف انتزاع الملك فالتزم العنا ... وأتى مقام الخوف حلف تواجد
كالملك والأمراء وابناء الورى ... كلّ تكلّف حفظ شئ شارد
يا خيبة المسعى ويا تعب الذى ... يغترّ بالجسم الضعيف الفاسد
والمرء فى الدنيا على أحواله ... ما بين كتّاب عليه وشاهد
فإذا انقضت أيّام حال حياته ... ورقى وجاوز رتبة المتصاعد
وقفت هنالك نفسه مسئولة ... فى حيرة ومواعد وتواعد
إمّا إلى جنّات عدن أو إلى ... نار الجحيم بخزية وتباعد
ومن قوله فى المفردات <من البسيط>:
بقيّة العمر تقضى بأىّ حال يكون ... إمّا تصعّب أمر أو صعب أمر يهون (١٨)
стр. 3913
(٣٥٤) وقوله <من البسيط>:
يا من يروم الغنى والمال يجمعه ... إقنع وقد صرت أغنى الناس كلّهم
وقوله <من البسيط>:
يا من ولى الأمر من بعد الذى ظلما ... أعدل فقد أبصرت عيناك عقباه
وقوله <من البسيط>:
ما حاصل المرء غير عمر ... مصروفة الليل والنهار
ينفق منه وليس يدرى ... فإنّ ساعاته قصار
وقوله <من الطويل>:
فرغت عن الدنيا لفرغتها عنّى ... وأحسنت فى الأخرى بمالكها ظنّى
فلو جاءت الدنيا إلىّ بأسرها ... ولم أك مكتوبا سعيدا فما تغنى
نجز الجزء الثامن ولله الحمد والمنة بخط يد واضعه ومصنفه وجامعه ومولفه اضعف عباد الله وافقرهم الى الله ابو (١٣) بكر بن عبد الله ابن ايبك صاحب صرخد كان، تغمدهم الله برحمته، واسكنهم جنته بمنه وكرمه ورحمته
стр. 3914
يتلوه فى الجزء التاسع منه آخر اجزا هدا التاريخ، ما مثاله بعد الخطبه: ذكر حلول ركاب مولانا السلطان الاعظم الملك الناصر-عز نصره-من الكرك المحروس، المملكه الثانيه. ادام الله أيام مولانا مالكها، وادام اقتداره.
ووافق الفراغ منه العشرين من شهر دى القعده سنه اربع وثلثين وسبعمايه.
احسن الله عاقبتها بخير وحسبنا الله وكفى. والحمد لله وحده وصلواته على سيّدنا محمد وآله وصحبه وسلّم (٦).
стр. 3915
الجزء التاسع
تصدير
فى الفترة التى أعقبت افتتاح المعهد الألمانى للآثار بالقاهرة انجز وعد قطع منذ نحو ثلاثين سنة، فكان أن أنشئ فى هذا المعهد قسم للدراسات الإسلامية فى أواخر سنة ١٩٥٦، ومن ذلك الحين تكونت مكتبة خاصة بتلك الدراسات وصحّ العزم على القيام بنشر الأسفار العلمية الدائرة فى فلك هذا القسم المنشأ، وفى العام الذى سلف بدئ فى نشر سلسلة من الرسالات العلمية الإسلامية باللغة الألمانية، ثم رؤى الاهتمام بإخراج سلسلة أخرى خاصة بنصوص عربية، فكان استهلالها هذا الكتاب الذى نصدر له
وإنها لمناسبة طيبة نزجى فيها آيات المحبة والثناء والشكر إلى أصدقائنا العلماء العرب، فللدكتور حسين الهمدانى والأستاذ رشاد عبد المطلب والأستاذ فؤاد سيد على ما أسدوا من نصح وما قدموا من عون بروح عالية وقلب شفوق، وللأستاذ محمد أبى الفضل إبراهيم لقراءته معنا البروفة الأخيرة للكتاب، وللأستاذ محمود محمد الطناحى لما بذله من جهد طيب مشكور فى قراءة الأصل وفى ملازمته لنا عند مراجعة البروفات كلها، وللدكتور صلاح الدين المنجد مدير معهد المخطوطات بجامعة الدول العربية- بصفة خاصة-لتوجيهه نظرنا إلى تأريخ ابن الدوادارى وتقديمه لنا نسخة مصورة عن مخطوطة الكتاب الموجودة فى استانبول والمأخوذ على فيلم محفوظ بالمعهد المذكور. وإلى جانب ذلك نسدى عميق الشكر إلى زملائنا العلماء الألمان، فللدكتور ألبرت ديتريش والدكتورة سوزانه ديوالد لقيامهما -مشكورين-بالبحث لنا عما نريد فى مكتبات استانبول، وللدكتور
стр. 3916
هانس إيرنست لمساعدته فى إعداد الفهارس، وخاصة للمدير الأول للمعهد الألمانى للآثار بالقاهرة الدكتور هانس شتوك لتهيئته لنا الجو الذى يسر لنا العمل فى القاهرة وساعد بالتالى على إخراج الكتاب، ثم لجمعية المستشرقين الألمانية ووكيلها العام الدكتور هانس قير اللذين أتاحا لنا الفرصة منذ سنة لاستمرار العمل فى القاهرة بالاشتراك مع إدارة الثقافة بوزارة الداخلية الاتحادية وجمعية البحوث الألمانية وهيأ لنا من الإمكانيات والمساعدات ما ساعد على ظهور هذا الكتاب.
القاهرة فى أول يناير سنة ١٩٦٠
هانس روبرت روبمر
стр. 3917
المحتويات
تصدير هـ
مقدمة المؤلف ٢
ذكر حلول ركاب مولانا السلطان الأعظم الملك الناصر عز نصره من الكرك وهى المملكة الثانية ٦
ذكر الوقعة التى كانت بين التتار ودخول سلامش الديار المصرية ٩
ذكر سنة تسع وتسعين وست ماية ١٣
ذكر وقعة نوبة غازان بوادى الخزندار ١٥
ذكر ما جرى لدمشق من الأحوال الناكدة ١٨
ذكر رجوع غازان إلى الشرق ٣١
ذكر عودة جيوش الإسلام بالنصر إلى بلاد الشام ٣٧
ذكر سنة سبع ماية هجرية ٤١
ذكر عودة غازان خايب الآمال ٤٥
ذكر لباس النصارى واليهود الأزرق والأصفر ٤٧
ذكر ما جرى فى هذه السنة بين ملوك الهند ٥٧
ذكر سنة إحدى وسبع ماية ٦٤
ذكر ما جرى للمجيرى عند حضوره بين يدى غازان ٧١
ذكر خلافة الإمام المستكفى بالله أبى الربيع سليمان بعد وفاة أبيه ﵀ ٧٩
ذكر سنة اثنتين وسبع ماية ٨٠
ذكر نصرة الإسلام على التتار الليام ٨٢
ذكر حدوث الزلزلة فى هذه السنة ١٠٠
стр. 3918
ذكر ما جاء من القول فى حدوث الزلزلة ١٠٤
ومن كتاب عجايب المخلوقات وبدايع الموجودات ١٠٧
ذكر سنة ثلاث وسبع ماية ١٠٩
ذكر دخول العساكر الإسلامية سيس ١١٠
ذكر وفاة غازان وتملك خدابنداه ١١٢
ذكر سنة أربع وسبع ماية ١١٨
ذكر سنة خمس وسبع ماية ١٣٠
ذكر ما كان بين عسكر حلب وأهل سيس ١٣١
ذكر واقعة الشيخ تقى الدين بن التيمية ﵀ ١٣٣
ذكر ما جرى للشيخ تقى الدين بمصر المحروسة ١٣٧
ذكر السبب الموجب لهذه الفتن المذكورة ١٤٣
ذكر سنة ست وسبع ماية ١٤٦
ذكر سنة سبع وسبع ماية ١٤٧
ذكر ما كان بين التتار وبين أهل كيلان ١٤٩
ذكر سنة ثمان وسبع مايه ١٥٥
ذكر تغلب بيبرس الجاشنكير على الممالك حتى عاد بسوء تدبيره هالك ١٥٦
ذكر سنة تسع وسبع ماية ١٦١
أشاير البشاير ١٦١
ذكر عودة الركاب الشريف السلطانى المالكى الناصرى إلى محل ملكه بالديار المصرية وهى المملكة الثالثة ١٦٧
ذكر دخول مولانا السلطان عز نصره دمشق المحروسة ١٧٢
ذكر توجه الركاب الشريف إلى الديار المصرية ١٧٦
стр. 3919
ذكر سبب توجه القاضى علاء الدين بن الأثير فى ركاب مولانا السلطان إلى الكرك ١٨٥
ذكر نزول بيبرس عن الملك وهروبه ١٨٧
ذكر ما اتصل بنا من مدايح التهانى البديعات الألفاظ والمعانى ١٩٠
ذكر القبض على بيبرس من الطريق وعودته إلى الأبواب العالية ١٩٧
ذكر سنة عشر وسبع ماية ٢٠٦
ذكر سنة إحدى عشرة وسبع ماية ٢١٠
ذكر سبب مسك بكتمر الجوكندار وكراى وبقية النواب ٢١٢
ذكر سبب تقفيز قراسنقر وآقوش الأفرم ومن معهما ووصولهم إلى التتار ٢١٨
ذكر تعدية قراسنقر إلى التتار ٢٢٥
ذكر سنة اثنتى عشرة وسبع ماية ٢٤٢
ذكر توجه الركاب الشريف عز نصره إلى الشام المحروس بنية الغزاة ٢٤٥
ذكر سبب مأتى التتار إلى الرحبة والسبب فى عودتهم خايبين ٢٥١
ذكر سنة ثلاث عشرة وسبع ماية ٢٦٤
ذكر ما كان من أمر قراسنقر بالبلاد والواقعة بين خدابنداه وطقطاى فى هذه السنة ٢٦٧
ذكر الوقعة التى كانت بين الملكين خدابنداه وطقطاى ٢٧٢
ذكر ما جرى لعسكر طقطاى لما عادوا هاربين ٢٧٩
ذكر سنة أربع عشرة وسبع ماية ٢٨٢
ذكر أخذ ملطية وصفتها ٢٨٤
стр. 3920
ذكر الروك المبارك الناصرى ٢٨٦
ذكر سنة خمس عشرة وسبع ماية ٢٨٧
ذكر سنة ست عشرة وسبع ماية ٢٨٨
ذكر تملك أبى سعيد الملك وجلوسه على التخت بملك التتار ٢٨٩
ذكر سنة سبع عشرة وسبع ماية ٢٩٠
ذكر سنة ثمان عشرة وسبع ماية ٢٩٣
ذكر سنة تسع عشرة وسبع ماية ٢٩٤
ذكر سنة عشرين وسبع ماية ٢٦٩
ذكر تملك الملك عماد الدين حماة وركوبه ٢٩٧
ذكر سنة إحدى وعشرين وسبع ماية ٣٠٥
ذكر سنة اثنتين وعشرين وسبع ماية ٣٠٧
ذكر سنة ثلاث وعشرين وسبع ماية ٣٠٩
ذكر سنة أربع وعشرين وسبع ماية ٣١٤
ذكر سنة خمس وعشرين وسبع ماية ٣١٧
ذكر سنة سبع وعشرين وسبع ماية ٣٢١
ذكر سبب دخول المأمون على بوران ٣٢٣
ذكر سنة ثمان وعشرين وسبع ماية ٣٤٤
ذكر سنة تسع وعشرين وسبع ماية ٣٤٩
ذكر سنة ثلاثين وسبع ماية ٣٥٢
ذكر سنة إحدى وثلاثين وسبع ماية ٣٥٦
стр. 3921
ذكر سنة اثنتين وثلاثين وسبع ماية ٣٥٩
ذكر سنة ثلاث وثلاثين وسبع ماية ٣٧١
ذكر سنة أربع وثلاثين وسبع ماية ٣٧٣
ذكر سنة خمس وثلاثين وسبع ماية ٣٧٩
ذكر ما تجدد فى هذه السنة المباركة ٣٨٢
ذكر عدة ما استجد من الجوامع المعمورة بذكر الله تعالى فى أيام مولانا السلطان ٣٨٤
ذكر الجوامع المباركة التى أنشئت فى دولة مولانا السلطان عز نصره ٣٨٨
ذكر المستجد أيضا من الجوامع المباركة بالممالك الشامية ٣٩٠
ذكر تتمة الحوادث ٣٩٢
ذكر سبب دخول سيس ٣٩٨
ذكر عمارة قلعة جعبر فى هذا الوقت ٤٠٠
الفهارس
٤٠٣
فهرس الأعلام والأمم والطوائف ٤٠٤
فهرس الأماكن ٤٤٦
فهرس الاصطلاحات والكلمات ٤٦٥
فهرس الشعراء والمؤلفين والكتب ٥٠٣
استدراك ٥٠٦
стр. 3922
بسم الله الرحمن الرحيم ربّ اختم بخير الحمد لله الملك الناصر لمولانا السلطان الملك الناصر
مستحقّ فرايض الفرض بتقبيل مرابض الأرض مالك الأرض وأقطارها حيث صبّت أنهارها وقطّرت أمطارها وأنورت أزهارها
بما حوت من الأشقصات العناصر لمولانا السلطان الملك الناصر
مالك نواصى ملوكها وغنيّها وصعلوكها
بمشارقها ومغاربها ومسالمها ومحاربها
مسلمها وكافرها وباديها وحاضرها
ولا مدرك ولا حاصر لملك مولانا السلطان الملك الناصر
الذى ملأت هيبته الأوهام وحيّرت صفاته الأفهام
وتشرّفت بأيّامه الأيّام والجمع والشهور والأعوام وعلت همّته على الأفلاك وخضعت له ملوك الأملاك
стр. 3923
من الأكاسرة والقياصر بجلال مولانا السلطان الملك الناصر
المؤيّد بالملايكة والقرآن الذى ليس فى طالع سعده قران فلو كان لبشر فى الفلك مكان لكان ظهر جواده السما كان والمجرّة له ميدان وكيوان له إيوان
وكلّ ذلك والله قاصر فى حقّ مولانا السلطان الملك الناصر
سيّد ملوك الإسلام وسمىّ النبىّ ﵇ مروّع الكفرة فى الأحلام من عبدة الصلبان والأصنام حتى عادوا لملكه خدّام وافدين على الرءوس لا على الأقدام
كلّ عن رأسه حاسر طاعة لمولانا السلطان الملك الناصر
ناظم أشتات العلا فالعادى من الأرض خلا والموالى بها ملا واسمه الشريف على ساير منابرها علا فإن رمت خلوّا فلا
حتى نطق البادى والحاضر بملك مولانا السلطان الملك الناصر
لا زالت الأرض التى تملكها عزايمه المنيفة منقلة والأرض التى بين يدى مواقفه الشريفة مقبلة
والأرض التى تلقى فيها أعدايه المكسورة مقتلة والأرض التى يجرّ عليها عساكره المنصورة مثقلة حتى تعود الشمس مكحولة الطّرف بإثمد غبار الطّرف
стр. 3924
تحت كلّ أسد كاسر من أرقّاء مولانا السلطان الملك الناصر
وزاد دولته الشريفة فى علاء السعد شبابا ونموا كما زاده فى شرف الملك بقاء وارتقاء وعلوّا حتى تكون السعادات عادات وفد أبوابه المنيفة وساير البشاير قرى مسامعه الشريفة
ومن جميع ذلك يكون وافر حظّ مولانا السلطان الملك الناصر
ويتراءى أمامه الإقبال والسعود بنيل الأمانى والمقصود إلى حيث لا يدركه أمل ولا يقطعه أجل ليعمّ بجوده الوجود وقد عمّ ويتمّ له الإقبال غاية الآمال وما تمّ
إنّه ولىّ ذلك وعليه قادر لدوام أيّام مولانا السلطان الملك الناصر آمين يا ربّ العالمين وصلى الله على محمّد وآله
стр. 3925
وبعد: فإنّ الألفاظ مخلوقة، والمعانى مسبوق إليها ومسروقة، والإنسان، فقصير اللسان، عن بديع البيان، والاعتراف بالعجز إنصاف، ويقوم مقام الإدراك بلا خلاف. فالواجب على الأديب الحرّ أن يقبل العذر، ويسامح بالسقطات، ولا يؤاخذ بالغلطات. فالعاقل من عدّت زلاتّه، والفاضل من أحصيت هفواته. وليعلم أنّ الإنسان-وإن كان بفصاحة قسّ وسحبان، وبلاغة قدامة بن حطّان، أو بديع الزمان-فلا بدّ أن ينظر فى أحواله، ويؤخذ عليه فى أقواله. وهذه حالة لم ينج منها من فتح عليه باب، وعرض نفسه لتأليف كتاب. وقد قيل: من صنّف، فقد استهدف. والعبد، فقد استعذر إلى الله وإلى كلّ واقف عليه. وتشفّعت بفضله إليه أن يسامحنى بما اجترحت، ولا يؤاخذنى بما شرحت، ويسبل ذيل الفتوّة فى الإغضاء، على ما يقع عليه من أخطاء، أقال (١) الله عثرته، بمحمد وآله وعترته! وقد أجمع الناس أنّه ليس ببيت واحد سالم من الطعن فيه فى الإسلام، إلا بيت واحد والسلام. وهو قول بعضهم <من الطويل>:
وما حملت من ناقة فوق رحلها ... أبرّ وأوفى ذمّة من محمّد
ﷺ !
ثمّ إنّ هذا هو الجزء الأكيس، من قسمة للفلك الأطلس، وهو الجزء التاسع التابع الثامن، القادح من زند القريحة ما كان كامن، المسمّى ب «الدرّ الفاخر، فى سيرة الملك الناصر» التالى لبشاير النصر، لسيّد ملوك العصر، وذلك لمّا