ذكر سنة اثنتين وثلاثين وسبع ماية ٣٥٩
ذكر سنة ثلاث وثلاثين وسبع ماية ٣٧١
ذكر سنة أربع وثلاثين وسبع ماية ٣٧٣
ذكر سنة خمس وثلاثين وسبع ماية ٣٧٩
ذكر ما تجدد فى هذه السنة المباركة ٣٨٢
ذكر عدة ما استجد من الجوامع المعمورة بذكر الله تعالى فى أيام مولانا السلطان ٣٨٤
ذكر الجوامع المباركة التى أنشئت فى دولة مولانا السلطان عز نصره ٣٨٨
ذكر المستجد أيضا من الجوامع المباركة بالممالك الشامية ٣٩٠
ذكر تتمة الحوادث ٣٩٢
ذكر سبب دخول سيس ٣٩٨
ذكر عمارة قلعة جعبر فى هذا الوقت ٤٠٠
الفهارس
٤٠٣
فهرس الأعلام والأمم والطوائف ٤٠٤
فهرس الأماكن ٤٤٦
فهرس الاصطلاحات والكلمات ٤٦٥
فهرس الشعراء والمؤلفين والكتب ٥٠٣
استدراك ٥٠٦
стр. 3922
بسم الله الرحمن الرحيم ربّ اختم بخير الحمد لله الملك الناصر لمولانا السلطان الملك الناصر
مستحقّ فرايض الفرض بتقبيل مرابض الأرض مالك الأرض وأقطارها حيث صبّت أنهارها وقطّرت أمطارها وأنورت أزهارها
بما حوت من الأشقصات العناصر لمولانا السلطان الملك الناصر
مالك نواصى ملوكها وغنيّها وصعلوكها
بمشارقها ومغاربها ومسالمها ومحاربها
مسلمها وكافرها وباديها وحاضرها
ولا مدرك ولا حاصر لملك مولانا السلطان الملك الناصر
الذى ملأت هيبته الأوهام وحيّرت صفاته الأفهام
وتشرّفت بأيّامه الأيّام والجمع والشهور والأعوام وعلت همّته على الأفلاك وخضعت له ملوك الأملاك
стр. 3923
من الأكاسرة والقياصر بجلال مولانا السلطان الملك الناصر
المؤيّد بالملايكة والقرآن الذى ليس فى طالع سعده قران فلو كان لبشر فى الفلك مكان لكان ظهر جواده السما كان والمجرّة له ميدان وكيوان له إيوان
وكلّ ذلك والله قاصر فى حقّ مولانا السلطان الملك الناصر
سيّد ملوك الإسلام وسمىّ النبىّ ﵇ مروّع الكفرة فى الأحلام من عبدة الصلبان والأصنام حتى عادوا لملكه خدّام وافدين على الرءوس لا على الأقدام
كلّ عن رأسه حاسر طاعة لمولانا السلطان الملك الناصر
ناظم أشتات العلا فالعادى من الأرض خلا والموالى بها ملا واسمه الشريف على ساير منابرها علا فإن رمت خلوّا فلا
حتى نطق البادى والحاضر بملك مولانا السلطان الملك الناصر
لا زالت الأرض التى تملكها عزايمه المنيفة منقلة والأرض التى بين يدى مواقفه الشريفة مقبلة
والأرض التى تلقى فيها أعدايه المكسورة مقتلة والأرض التى يجرّ عليها عساكره المنصورة مثقلة حتى تعود الشمس مكحولة الطّرف بإثمد غبار الطّرف
стр. 3924
تحت كلّ أسد كاسر من أرقّاء مولانا السلطان الملك الناصر
وزاد دولته الشريفة فى علاء السعد شبابا ونموا كما زاده فى شرف الملك بقاء وارتقاء وعلوّا حتى تكون السعادات عادات وفد أبوابه المنيفة وساير البشاير قرى مسامعه الشريفة
ومن جميع ذلك يكون وافر حظّ مولانا السلطان الملك الناصر
ويتراءى أمامه الإقبال والسعود بنيل الأمانى والمقصود إلى حيث لا يدركه أمل ولا يقطعه أجل ليعمّ بجوده الوجود وقد عمّ ويتمّ له الإقبال غاية الآمال وما تمّ
إنّه ولىّ ذلك وعليه قادر لدوام أيّام مولانا السلطان الملك الناصر آمين يا ربّ العالمين وصلى الله على محمّد وآله
стр. 3925
وبعد: فإنّ الألفاظ مخلوقة، والمعانى مسبوق إليها ومسروقة، والإنسان، فقصير اللسان، عن بديع البيان، والاعتراف بالعجز إنصاف، ويقوم مقام الإدراك بلا خلاف. فالواجب على الأديب الحرّ أن يقبل العذر، ويسامح بالسقطات، ولا يؤاخذ بالغلطات. فالعاقل من عدّت زلاتّه، والفاضل من أحصيت هفواته. وليعلم أنّ الإنسان-وإن كان بفصاحة قسّ وسحبان، وبلاغة قدامة بن حطّان، أو بديع الزمان-فلا بدّ أن ينظر فى أحواله، ويؤخذ عليه فى أقواله. وهذه حالة لم ينج منها من فتح عليه باب، وعرض نفسه لتأليف كتاب. وقد قيل: من صنّف، فقد استهدف. والعبد، فقد استعذر إلى الله وإلى كلّ واقف عليه. وتشفّعت بفضله إليه أن يسامحنى بما اجترحت، ولا يؤاخذنى بما شرحت، ويسبل ذيل الفتوّة فى الإغضاء، على ما يقع عليه من أخطاء، أقال (١) الله عثرته، بمحمد وآله وعترته! وقد أجمع الناس أنّه ليس ببيت واحد سالم من الطعن فيه فى الإسلام، إلا بيت واحد والسلام. وهو قول بعضهم <من الطويل>:
وما حملت من ناقة فوق رحلها ... أبرّ وأوفى ذمّة من محمّد
ﷺ !
ثمّ إنّ هذا هو الجزء الأكيس، من قسمة للفلك الأطلس، وهو الجزء التاسع التابع الثامن، القادح من زند القريحة ما كان كامن، المسمّى ب «الدرّ الفاخر، فى سيرة الملك الناصر» التالى لبشاير النصر، لسيّد ملوك العصر، وذلك لمّا
стр. 3926
لم يسع الجزء الثامن الاشتراك، لذكر مناقب سيّد ملوك الأتراك، التى تضيق عن حصر جملتها الخواطر. فكيف تحصرها الأقلام والدفاتر؟ فاخترنا الله تعالى، وأنشأنا هذا الجزء اللطيف المعان، يشتمل على بقيّة ذكر بعض مناقبه الحسان، التى جملتها كعدد نجوم الآفاق، وكضياء الشمس بهجة وإشراق.
فكيف يسعها دفاتر وأوراق؟ وإنّما لمّا وفّقنا الله تعالى أن ننبّه على هذه المآثر، التى هى فرض واجب على كلّ أديب وفاضل وشاعر وناثر، لتقتدى بها الملوك الأكابر، ونستملى ذلك من ألسنة الأقلام وأفواه المحابر. وإن وفّقوا لتتبّع هذه الآثار، فكيف لهم بمساعدة الأقدار، وخدمة الفلك الدوّار؟ فهو كما قلت <من الكامل>:
حلف الزمان بأنّه فى طوعه ... لا شكّ فى ذاك اليمين ولا مرا
يا دهر، ما أهناك فى أيّامه ... يا عمر، طل فى عصره لن تقصرا
وهذان البيتان من جملة القصيدة التى تضمّنها أوّل الجزء السابع. وقد تقدّمت بكمالها وأشرقت أنوارها بذكر محاسن سلطانها. ففاق جمالها.
ونستفتح الآن بذكر ما كان فى بقيّة سنة ثمان وتسعين وستّ ماية
ذكر حلول ركاب مولانا السلطان الأعظم الملك الناصر
عزّ نصره من الكرك (١٦) وهى المملكة الثانية
كان يوم الأحد خامس جمادى الأولى سنة ثمان وتسعين وستّ ماية وتشرّفت الديار المصريّة والممالك الإسلامية بحلول ركاب ملك الأرض.
стр. 3927
فى طولها والعرض. ورجع الحقّ إلى نصابه، وعاد الأسد إلى غابه، واستقرّ المهنّد فى قرابه، واطمأنّت النفوس، واستقرّت الأرواح وزالت العكوس، واستمرت الأفراح. وجلس مولانا السلطان الأعظم الملك الناصر- ناصر الدنيا والدين محمد بن مولانا السلطان الشهيد الملك المنصور سيف الدنيا والدين قلاوون الألفى النجمىّ الصالحىّ-على تخت الملك بالديار المصريّة وما معها من الممالك الإسلاميّة، نشر الله أعلامها فى الآفاق، وأدام أيام سلطانها إلى يوم العرض والتلاق، يوم الاثنين سادس الشهر المذكور، وأخلع على الأمير سيف الدين سّلار خلعة النيابة بالديار المصريّة، والأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير أستادارا، والأمير حسام الدين أستادار أتابكا، والأمير بدر الدين أمير سلاح رأس مشور، والأمير شمس الدين سنقر الكمالىّ حاجبا، والأمير سيف الدين بكتمر أمير جاندارا، والأمير جمال الدين آقوش الأفرم نايبا بالشأم المحروس بدمشق المحروسة، والأمير سيف الدين بلبان الطبّاخىّ نايبا بحلب المحروسة، والأمير سيف الدين أسندمر نايبا بطرابلس المحروسة، والأمير شمس الدين سنقر شاه المنصورىّ بعد الآلدكزىّ (١٤) نايبا بصفد، والأمير آقجبا المنصورىّ نايبا بغزّة، ونقل الأمير زين الدين كتبغا من صرخد إلى نيابة حماة المحروسة بعد وفاة صاحبها الملك المظفّر بن الملك المنصور فى هذه السنة رحمه الله تعالى، وأخلع مولانا السلطان فى ذلك اليوم على جميع الأمراء من أرباب الوظايف (١٨) أو غيرهم. وفى ثامن عشر الشهر المذكور ركب نصره الله تعالى بأهبة الملك المبارك، وقبّل الجيش جميعه الأرض بين يديه الشريفتين
стр. 3928
ثمّ توجّه الأمير جمال الدين الأفرم إلى دمشق المحروسة، فكان دخوله إليها يوم الأربعا ثانى وعشرين جمادى الأولى، وأصبح يوم الخميس ركب فى دست النيابة، واستقرّ الحال على ذلك
فلمّا كان العشر الآخر من شهر رجب الفرد من هذه السنة المذكورة وصل الشيخ شهاب الدين أحمد القصّاص المعروف بابن العماد من البيرة.
وكان بها نايبا سيف الدين طوغان، وبقلعة الروم فخر الدين أياز، وبالرحبة الغتمى. وأخبر ابن العماد المذكور أنّ غازان بن أرغون بن أبغا بن هلاوون ملك التتار كان قد عزم على قصد الشأم فى تشارين فى سبعين ألفا من المغل. فسيّر سلامش بن باكبوا بن باجوا فى خمسة وعشرين ألف فارس إلى الروم، على أنّه يأخذ جيوش الروم ويتوجّه إلى الشأم من جهة بلاد سيس، ويكون مجى غازان فى بقيّة المغل من ناحية ديار بكر، وينزلوا الفراة، ويغاروا على البلاد، بنواحى البيرة وقلعة الروم والرحبة. ثمّ يكون اجتماعهم على حلب، فإن التقاهم أحد (١٣) التقوه، وإلاّ دخلوا البلاد الشأميّة. هذا ما كان استقرّ عليه عزمهم، وكان أمر الله تعالى غير ذلك
فاتّفق عند عبور سلامش إلى الروم أطمعته نفسه بالملك، فإنّه أقرب إلى عظم جكز خان من غازان. فتملّك الروم وأخلع على أمرايها، وخلع طاعة غازان واستخدم ونفق، وسيّر كتبا (١٧) إلى أولاد قرمان، وكانوا قد أطاعوه، ونزلوا فى خدمته فى عشرة آلاف فارس. ثمّ إنّه كاتب إلى مصر يطلب النجدة والمساعدة على غازان. فوصلوا رسله إلى دمشق فى العشر الأوسط من شهر رجب، فسيّروا إلى الديار المصريّة
стр. 3929
قلت: وهذا الخلف الذى كان وقع بين التتار فى ذلك الوقت ممّا يعتدّ به من جملة بركات تملّك مولانا السلطان الملك الناصر عزّ نصره، وبركة أوّل حلول ركابه الشريف. وإلاّ لو كان تهيّأ لهم ذلك العزم بغير خلف وقع بينهم، كان الأمر بخلاف ما اتّفق لما كانوا عليه من الكثرة والقوّة فى ذلك الوقت
ثمّ إنّ غازان وصل إلى بغداد. فذكروا له نوّاب بغداد أنّ أهل السيب بواسط قد نهبوا التجّار القادمين من البحر وقطعوا السابلة فى البحر، فتوجّه نحوهم بالعساكر وقتلهم قتلا ذريعا ونهبهم، وأقام بأرض دقوقا حتى ثبت عنده فعل سلامش
ذكر الوقعة التى كانت بين التتار
ودخول سلامش الديار المصريّة
فلمّا ثبت عند غازان خلع سلامش طاعته وطلب الأمر لنفسه، انثنى عزمه عن طلب الشأم، وشرع فى تجهيز العساكر إلى بلاد الروم لملتقى سلامش. فجهّز فى أوّل شهر جمادى الآخرة ثلاثة مقدّمين من المغل الكبار فى عدّة خمسة وثلاثين ألف فارس، وهم سوتاى وقيل اسمه سنتاى، مقدّم عشرة آلاف، وهندوغاق مقدّم عشرة آلاف، وخمسة عشر ألف مع بولاى، وهو المقدّم على الجميع. ثمّ أمرهم بالتوجّه إلى الروم وملتقى سلامش. ورحل غازان طالبا نحو توريز، وصحبته الأمرا الإسلاميّة قبجق ورفقته. وتوجّهوا العساكر المجرّدين طالبين الروم. فنزلوا سنجار مع رأس العين وماردين. فأنزل إليهم صاحب ماردين الإقامات والعلوفات
стр. 3930
بالهمل، وقدّم لهم تقادم عظيمة وجهّز عسكره معهم ولم ينزل إليهم خوفا منهم لا يكون (٢) نبّه عليه قبجق ورفقته أنّه مكاتب صاحب مصر. واعتذر أنّه ضعيف عاجز عن الحركة، فقبلوا عذره بسبب ما ملأ أعينهم به من التقادم والتحف. وكان ادّخر عنده قبل وصول العسكر إليه مؤونة سنتين بماردين لأجل الحصار. فسهّل الله تعالى أنّهم تعدّوه ولم يتعرضوا له بأذيّة. ونزلوا مستهلّ رجب على آمد، وهم متوجّهون إلى الروم.
فلمّا كان يوم السبت الخامس والعشرين منه التقى الجيشان، وكان سلامش قد عصوا عليه أهل سيواس، وهم محصورين معه. فلمّا وصل عسكر قد عصوا عليه أهل سيواس، وهم محصورين معه. فلمّا وصل عسكر بولاى ورفقته إلى قربه، كان عسكر سلامش ستّين ألف فارس، فخامروا عليه وقفزوا إلى جهة بولاى عند ما وقعت العين فى العين وتخلّوا عن سلامش. وأمّا التركمان فتعلّقوا بالجبال كعادتهم. ولم يبق مع سلامش إلاّ نفر يسير من خواصّه، تقدير خمس مائة فارس، فولّى هاربا، وطلب نحو بلاد سيس ووصل إلى باهسنا سلخ رجب
ومن كان قد ورد من مصر مرسوم شريف أن يجرّد من دمشق خمسة أمرا ومن جميع العساكر خمسة عشر ألف فارس ويسيّروهم نجدة لسلامش. فلمّا كان يوم الخميس خامس شعبان ورد الخبر إلى دمشق أنّ سلامش وصل إلى باهسنا مكسورا (١٧)، فتوقّف أمر التجريدة. فلمّا كان يوم الخميس دخل سلامش بن باجوا (١٨) بن هلاوون إلى دمشق المحروسة. وكان لدخوله همّة كبيرة، وتلقّوه الأمرا بالعساكر ووصل صحبته (١٩) نايب بهاسنا وهو بدر الدين
стр. 3931
الزردكاش. ودخل إلى دمشق فى موكب عظيم، ونزّلوه فى خانقاه النجيبىّ على الميدان ورتّبوا له راتبا كبيرا (٢). ولمّا كان ليلة النصف من شعبان أنزلوه جامع بنى أميّة. وكذلك صلّى به يوم الجمعة، ولمّا فرغ من الصلاة أخذه شمس الدين محمد المهمندار مع مشارف الجامع وصلّوا به فى جميع المزارات المباركة. وفى يوم الأحد توجّه إلى الديار المصريّة على البريد المنصور، واجتمع بمولانا السلطان عزّ نصره فى يوم الاثنين خامس عشر رمضان المعظّم. وأقام بالديار المصريّة ثمانية أيّام. ثمّ عاد إلى دمشق. فدخلها ثالث عشرين رمضان. وصحبته بدر الدين الزردكاش نايب باهسنا. وعلى يده مراسم أن يجرّد صحبته عسكرا يدخل معه إلى الروم ليحضر أهله. فوصل إلى حلب، وبها يومئذ الأمرا المصريّين المجرّدين يقدمهم الأمير سيف الدين بلبان الحبيشىّ. فاجتمع الأمرا فى دار السعادة بحلب، وقرئ ذلك المرسوم عليهم. فقال الأمير سيف الدين الطبّاخىّ للأمير سيف الدين الحبيشى: هذا مرسوم السلطان أن يجرّد مع سلامش جيش يحضر أهله فأيش تقول؟ -فقال الحبيشىّ: أنت نايب البلاد وخبير بطرقها وتأكل منافعها، فأحقّ ما توجّه معه عسكرك. -ونهض. خرج من عنده.
وركب من وقته وتوجّه إلى نحو عين تاب. فاحتاج الطبّاخىّ أن جرّد صحبته أميرين من أمرا حلب وهما ابن جاجا أمير ماية مقدّم ألف وبكتمر الجلمىّ. فلمّا دخلوا مع سلامش خرجت عليهم التتار. فقتل أحدهما وسلم الآخر وهو ابن جاجا (١٩). وذلك عند خروجهم برأس الدربند. وقتل أيضا سلامش وانقطع خبره
стр. 3932
وفيها أفرج الله تعالى عن الأمير شمس الدين سنقر الأعسر فى يوم الاثنين تاسع وعشرين شوّال، وولى الوزارة بالديار المصريّة وهى الوزارة الثانية
وفيها فى العشر الأوّل من شعبان وصل إلى بيروت مراكب كثيرة بطش تقدير ثلاثين بطشة فى كلّ بطشة سبع ماية نفر من الفرنج قاصدين السواحل وأن يغاروا على المسلمين. وقرب دخولهم إلى الساحل أرسل الله عليهم ريحا (٦) مختلفة، ففرّقت جموعهم وغرق بعضهم ورجعوا خائبين ﴿وَرَدَّ اللهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ (٧)﴾ لَمْ يَنالُوا خَيْراً وَكَفَى اللهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ (٨) وكان قد جرّدوا من دمشق عسكرا لأجلهم.
فورد الخبر بتفرّقهم، فاستقرّ الأمر على ذلك
وفيها فى شهر رمضان وصلوا تجّار من سوداق، وخبّروا أنّ الملك أنغاى الذى على تخت مملكة بركة فى هذه السنة، وصل فى شهر ربيع الأوّل إلى سوداق ومعه عسكر ثقيل، وأنّه أمر لأهل سوداق أنّ كلّ من كان من جهته فليطلع إلى ظاهرها بجميع أهله وولده وماله. فطلع جميع من كان متعلّقا (١٤) به وهم أكثر من الثلثى. ثمّ أمر العساكر أن يحتاطوا بها وعاد يطلب واحدا واحدا (١٥)، فيعاقبه ويأخذ جميع ماله. ثمّ يقتله إلى أن قتل جميع من كان تبقّى فى البلد، وبعد ذلك ألقى فيها النار حتى تركها دكّا كأن لم تكن شيئا. وسبب ذلك أنّ سوداق كان حقوقها يقسّم بين أربعة ملوك من التتار، أحدهم أنغاى هذا وهو بيت باتوا فى الأصل، فذكروا أن الملوك
стр. 3933
شركته تعدّوا على نوّابه فى الحقوق المختصّة به، فحمله الغيظ منهم على ما فعل
وفيها ترادفت الأخبار فى شهر ذى الحجّة بحركة التتار، وتوجّه غازان إلى نحو الشأم. ووصلت القصّاد وأخبروا بذلك وصحّ الأمر فجرّد مولانا السلطان عزّ نصره بعض الجيوش المصريّة رديفا للمجرّدين بالشأم وهما مقدّمان: الأمير سيف الدين قطلو بك الحاجب والأمير سيف الدين نوكاى فى ألفى فارس، وتقدّموا قبل حركة الركاب الشريف
وفيها توفّى الأمير عزّ الدين أيبك الموصلىّ نايب طرابلس، وتولّى أسندمر حسبما ذكرناه، وتوفّى الأمير بدر الدين بيسرىّ رحمهما الله تعالى
ذكر [حوادث] سنة تسع وتسعين وستّ ماية
النيل المبارك فى هذه السنة: الماء القديم
ما يخصّ من الحوادث
الحليفة: الإمام الحاكم بأمر الله أمير المؤمنين، ومولانا السلطان الأعظم: الملك الناصر سلطان الإسلام، وسمىّ النبىّ ﵇، أعزّ الله أنصاره، وضاعف اقتداره
والملوك فى هذه السنة والنوّاب حسبما نذكره: صاحب مكّة شرّفها الله تعالى: أبو نمىّ محمد بن إدريس (١٨) بن قتادة بن حسن المقدّم
стр. 3934
ذكره بحاله، صاحب المدينة، على ساكنها أفضل الصلاة والسلام: جمّاز بن شيحة (١) بحاله، صاحب اليمن: الملك المؤيّد هزبر الدين داود بعد وفاة أخيه الملك الأشرف ممهّد الدين عمر بن الملك المظفّر شمس الدين يوسف بن الملك المنصور نور الدين عمر بن علىّ بن رسول المقدّم ذكر جدّهم فى هذا التأريخ، صاحب الهند: إيتمش الملقّب بالغازى مملوك الغورىّ المقدّم ذكره، صاحب الصين: قآن (٦) الكبير من عظم جكز خان أصل التتار المقدّم ذكره، صاحب بلاد بركة: فى هذه السنة أنغاى المقدّم ذكر فعله فى سوداق، صاحب الشرق بكماله مع خراسان إلى بلاد تمرقابوا: غازان محمود، صاحب ماردين: يومئذ الملك المنصور شمس الدين داود بن الملك المظفّر المقدّم ذكره، صاحب الروم: السلطان غياث الدين كيكاوس بن فرامرز ابن كيقباد السلجوقىّ
وحماة: لم يكن بها فى هذه السنة أحد من ملوكها بحكم وفاة صاحبها الملك المظفّر ﵀ تقىّ الدين محمود بن الملك المنصور ناصر الدين محمد بن المظفّر محمود بن المنصور محمّد بن المظفّر تقىّ الدين عمر (١٤) بن شاهنشاه بن أيّوب. ولمّا توفّى الملك المظفّر آخرهم نفذ إليها الأمير سيف الدين بهادر آص.
فأقام بها أياما (١٦) حتى قدم عليه الأمير شمس الدين قراسنقر المنصورىّ نايبا.
فأقام بها إلى بعد الكسرة لا أعادها الله، فتوجّه إلى حلب. وانتقل الأمير زين الدين كتبغا من صرخد إلى حماة، فاستقرّ إلى أن توفّى إلى رحمة الله تعالى حسبما يأتى من تأريخ وفاته إنشا الله تعالى
стр. 3935
النوّاب فى هذه السنة حسبما سقناه من ذكرهم فى السنة الخالية بمصر والشأم إلى حين دخول التتار البلاد-لا أعادهم الله تعالى-حسبما يأتى من ذكرهم فى تأريخهم مفصلا إنشاء الله تعالى
ولمّا صحّت أخبار التتار وقصدهم الشأم المحروس توجّه الركاب الشريف السلطانىّ من الديار المصريّه بجميع الجيوش المنصورة إلى نحو الشأم، ونزل بمنزلة تلّ العجول. فاتّفقت الأوراتيّة، وهم طايفة من التتار الذين كانوا دخلوا الديار المصريّة فى أيّام كتبغا وقد تقدّم ذكرهم، على قتل الأمير سيف الدين سلاّر والأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير، فاطّلعوا على أمرهم، فمسكوهم وشنقوهم واعتقلوا بقيّتهم. (٩) (وقتل برنطاى لكندغدى النقيب ومسك برنطاى ووسّط فى فرقته) (١٠). ثم رحل الركاب الشريف من منزلة تلّ العجول ونزل عسقلان، وذلك فى شهر المحرّم إلى ثامن شهر ربيع الأوّل
فتواترت (١٢) الأخبار، بوصول التتار، فتوجّه الركاب الشريف إلى دمشق المحروسة، ونفق فى الجيوش المنصورة
ذكر وقعة نوبة غازان بوادى الخزندار
ولمّا وردت الأخبار، وصحّت أنّ التتار، عدّوا الفراة إلى ناحية الشأم خرج الركاب الشريف من دمشق المحروسة نهار الأحد سابع عشر شهر ربيع الأوّل. ولم يكن عند المسلمين فى تلك النوبة اكتراث (١٧) بالتتار، ولا كأنّهم عندهم عدوّ، بل مشمّرين الذيول، كانحدار السيول، لملتقى العدوّ
стр. 3936
المخذول ﴿وَكانَ أَمْرُ اللهِ قَدَراً مَقْدُوراً﴾ (١)، ولبس الجيش قبل الملتقى بثلاثة أيّام، ولم يزالوا على ظهور الخيل فى تلك المدّة ليلا ونهارا (٢)، وحصل التعب والملال، للخيل والرجال. ثمّ وردت الأخبار أنّ التتار ولّوا هاربين، وإلى وراهم راجعين، وبأنفسهم ناجعين، وذلك لما بلغهم من كثرة الجيوش الإسلاميّة، والعساكر المحمّديّة، وما هم عليه من العدّة والسلاح، وقوّة عزمهم على طلب الكفاح، وكان هذا كلّه مكرا منهم وخديعة للإسلام، وغشا (٧) لأمّة محمد ﵇. فظنّ المسلمون أنّ ذلك حقّا، وأنّ التتار قد عجزوا عن الملتقى
فلمّا كان نهار الأربعا تاسع وعشرين ربيع الأوّل التقى الجيشان، والتحم الضرب والطعان، وذلك أنّ المسلمين (١٠) ركبوا بعد صلاة الصبح من ذلك اليوم بالحدّ والحديد، والجدّ الأكيد، ركضا بالمقرعة والمهماز، وعاد الأمر حقيقة لا مجاز. وكان الطالع فى ذلك اليوم أنّ الطالب مغلوب، دون المطلوب، لكن عمّيت للأمر المقدّر القلوب، ليكون ما كان كامنا من المقدور فى الغيوب. ولم يزل (١٤) المسلمون على ذلك المشوار، إلى الخامسة من ذلك النهار. فأشرفوا على جموع التتار، وهم نزول على مواقد النار، مستريحون الخيول والأبدان. ولا يشكّ أنّ الراحة والتعب ضدّان، وبون بين المستريح والتعبان، وكلّ ذلك للأمور المقدّرة والأحكام المدبّرة. وحملت ميمنة المسلمين (١٨) على ميسرة التتار فأفنوهم
стр. 3937
بالصارم البتّار، وركنوا إلى الفرار، ولم يعدم من ميسرة (١) المسلمين إلاّ النادر القليل، وكذلك القلب من المسلمين، فإنّه فعل فعلا (٢) جميل. ثمّ حصل تخاذل من الله ، فهربت ميمنة (٣) المسلمين وتبعها من كان ورا السناجق السلطانيّة، فصاروا من المنهزمين، وانتصرت الطغاة الباغون ف ﴿إِنّا لِلّهِ وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ﴾ (٥) وذلك بعد العصر، وحصل للمسلمين حصر، وأيّما حصر! وساق مولانا السلطان فى طايفة يسيرة نحو بعلبكّ، والجيش بأمره قد اشتبك، وعادت الغنايم والأموال، والعدد والأثقال، ملقاة ملو الأرض، فى طولها والعرض، ورموا الجند ساير عددهم ليخفّوا عن خيولهم. وقد تحيّرت لتلك النازلة عقولهم، وتفرّقوا ثلاث فرق، وتمزّقوا كلّ ممزّق. فأمّا الفرقة التى سلكت البرّيّة هلكت بأسرها، وكذلك التى طلبت السواحل بالمالح لم ينجو منهم إلاّ من كان فى أجله تأخير، وذلك النادر. ونفذ فيهم مقدور القادر. ولم يسلم من هذه الطايفة التى سلكت الساحل إلاّ من رافق الأمير سيف الدين بلبان الطبّاخىّ. فإنّه جمع مماليكه وثقله وعبر فى تلك الطريق على حميّة فى فارس وسبع ماية، والتأم به خلق كثير من الجند، فسلم من شرور الجبليّة. وأمّا الفرقة التى سلكت الجادّة فإنّها سلمت، ولم يعدم منها إلاّ القليل. وكان الجبليّة والعربان على الناس أشدّ من التتار، حتى كأن كان لهم على الإسلام تار
ثم إنّ التتار ظنّوا أنّ تلك الهزيمة مكيدة من المسلمين، وكان ذلك لطفا من ربّ العالمين. فإنّهم لم يتبعوا تلك الليلة للإسلام، إلى أن انقضى
стр. 3938
حكم الظلام. هنالك تحقّقوا أنّ الهزيمة حقّا، فتبعوا هنالك المسلمين غربا وشرقا
وكان وصول الركاب الشريف السلطانىّ عزّ نصره وطلوعه إلى قلعة الجبل المحروسة ثالث عشر شهر ربيع الآخر كما يأتى ذكر أخباره السارّة بعد ذلك، إنشا الله تعالى (٥)
ذكر ما جرى لدمشق من الأحوال الناكدة
ولمّا تحقّق الأمر عند أهل دمشق اشتدّ خوفهم وكثرت الأراجيف واختلفت الأقوال. فمنهم من قال إنّ غازان مسلم، وإنّ غالب جيوشه كذلك، وإنّهم لم يتبعوا المسلمين من المنهزمين، وبعد انفصال الوقعة لم يقتلوا أحدا (١٠). وكثرت الأقاويل فى ذلك. فلمّا كان يوم السبت رابع اليوم من الوقعة وقعت صيحة عظيمة بالبلد، وخرجت النسا مهتّكات لمّا بلغهم أنّ التتار دخلوا البلد. ولم يكن لذلك ضجّة، وانفرجت فى ساعة، لكن بعد ما مات فى ذلك اليوم على أبواب دمشق جماعة نحو من عشرين نفر، منهم شخص يسمّى النجم المحدّث البغدادىّ. وذلك لعظم الازدحام بالأبواب. وكان ليلة السبت قد خرج من البلد جماعة من أعيان الناس وكبار البلد وهم قاضى القضاة إمام الدين، والقاضى جمال الدين المالكىّ، وتاج الدين بن الشيرازىّ، ووالى البلد ووالى البرّ والمحتسب مع جماعة كبيرة من بياض الناس، وتوجّهوا إلى الديار المصريّة. وفى ليلة الخميس، أحرقوا المحابيس، باب سجن باب الصغير، وخرجوا منه فى عدّة مايتى
стр. 3939
وخمسين نفر، وتوجّهوا إلى باب الجابية وكسروا الأقفال وفتحوا الباب وخرجوا. وأصبح الناس يوم الأحد لا يدرون ما هم فيه، ولا ماذا يفعلون
واجتمع الناس فى ذلك اليوم فى مشهد علىّ، وتشاوروا فى أمر الخروج إلى غازان. فكان ممّن اجتمع ذلك اليوم من يذكر وهم: القاضى بدر الدين ابن جماعة، والشيخ زين الدين الفارقىّ، والشيخ تقىّ الدين بن التيميّة، وقاضى القضاة نجم الدين بن صصرى، والصاحب فخر الدين بن الشيرجىّ، والقاضى عزّ الدين بن الزكىّ، والشيخ وجيه الدين بن منجى، والصدر عزّ الدين بن القلانسىّ، وأمين الدين بن شقير الحرّانىّ، والشريف زين الدين بن عدنان، والشيخ نجم الدين <بن> أبى الطيّب، وناصر الدين عبد السلام، والصاحب شهاب الدين بن الحنفىّ، والقاضى شمس الدين بن الحريرىّ، والشيخ الصالح شمس الدين قوام النابلسىّ، وجماعة كبيرة من القرّا والفقها والعدول، وأجمعوا رأيهم على الخروج إلى غازان. فلمّا كان نهار الاثنين صلّوا صلاة الظهر وتوجّهوا إلى الله وخرجوا ليتقنوا أمر صلاح البلد
وعقيب خروجهم من البلد نادى مناد بدمشق من قبل أرجواش نايب القلعة المحروسة: بأمره ألاّ يباع شئ من عدّة الجند، فسلطانكم صاحب مصر. وأبيعت الخيل بدمشق بخمسين وستّين درهم الفرس، وبلغ الجوشن الذى قيمته مايتى درهم عشرين درهم. ولم يبق للناس سوق معروف، بل ينادون حيث شاؤا، ولا عاد فى البلد حاكم يرجع إلى حكمه، وعاد الناس يأكلون بعضهم بعضا، ومن كان فى نفسه من أحد شئ وقوى عليه أتلفه. فلمّا كان يوم الجمعة لم يفتح للبلد باب، فعند وقت الصلاة كسرت أقفال باب توما، تولّى ذلك نوّاب الولاة. ثمّ أقيمت الصلاة ولم يعيّن فى الخطبة اسم سلطان
стр. 3940
وبعد صلاة الجمعة وصل إلى ظاهر دمشق جماعة من التتار، ويقدمهم منهم شخص يسمّى إسمعيل، وقيل إنّه قرابة غازان. ونزلوا بستان الظاهر من طريق القابون، وعلى يدهم فرمان غازان بالأمان، وسيّروه إلى المدرسة البادرائيّة (٤)، وحمل وطيف به على الأعيان، وهو فى كيس جلد. واجتمع الناس ليقرأ، فلم تهيّأ ذلك اليوم له قراية بالمدرسة المذكورة. ثمّ قيل للناس:
اجتمعوا بالجامع! -فاجتمع الناس حتى امتلأ الجامع. ثمّ خرجوا ولم يقرأ.
ثمّ وصلوا تلك الأعيان المذكورون الذين كانوا توجّهوا إلى غازان بعد غيبة أربعة أيّام. وذكروا أنّهم التقوا غازان فى الليل وهو ساير بجيوشه. فنزلوا بين يديه، وقبّل بعضهم الأرض، فوقف لهم وترجّل جماعة من المغل بين يديه ووقف الترجمان وتكلّم بينهم بما مضمونه: إنّ الذى طلبتوه من الأمان قد أرسلناه إليكم قبل حضوركم ومن قبل سؤالكم. -وكان المتكلّم من الجماعة الصاحب نجم الدين الشيرجىّ. ثمّ إنّ غازان نزل المرج. وذكروا أنّه لا يدخل البلد إلاّ يوم (١٣) الجمعة، ولا يفتح إلاّ باب واحد لأجل منع من يتعبّث من التتار. ثمّ لمّا كان يوم الجمعة لم يدخل غازان البلد. وحضر الأمير إسمعيل ورفيقه الأمير محمد، ومعهم جماعة من التتار، إلى مقصورة الخطابة وصلّوا الجمعة. واجتمع تلك الأعيان المذكورون، وأخرج الفرمان، وتولّى قرايته (١٧) رجل من الواصلين مع التتار، وكان يبلّغ عنه المجاهد المؤذّن وهذه نسخته:
بقوّة الله تعالى وإقبال دولة السلطان محمود غازان
ليعلم أمرا التوامين والآلاف (٢٠) والمئين مع عموم العساكر المنصورة من المغل
стр. 3941
والتتار والأرمن والكرج وغيرهم ممّن داخل تحت ربقة طاعتنا: أنّ الله لمّا نوّر قلوبنا بنور الإسلام، وهدانا إلى ملّة النبىّ ﵇ ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللهِ أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ (٤) ولمّا أن سمعنا أنّ حكّام مصر والشأم، خارجون عن طريق الدين، غير متمسّكين بأحكام الإسلام، ناقضون لعهودهم، حالفون بالأيمان الفاجرة، ليس لديهم وفا ولا ذمام، ولا لأمورهم التيام، ولا انتظام، وكأنّ أحدهم ﴿إِذا تَوَلّى سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ﴾ (٩) وشاع شعارهم بالحيف على الرعيّة، وأضاعوا الحقوق المرعيّة، ومدّوا أيديهم العادية إلى حريمهم وأموالهم وأولادهم وعيالهم. والتخطّى عن جادّة العدل والإنصاف، وارتكابهم الجور والإعساف، حملتنا الحميّة الدينيّة والحفيظة الإسلامية على أن توجّهنا إلى هذه البلاد، لإزالة هذا العدوان، وإماطة هذا العصيان. مستصحبين الجمّ الغفير من العساكر التى ضاق بهم الفضاء ونسلّطهم على العصاة لله من الله قضاء، ونذرنا على أنفسنا إن وفّقنا الله تعالى لفتح البلاد. أزلنا الفساد، عن العباد. ممتثلين (١٥_) للأمر الإلاهىّ ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ﴾ (١٦) فلله علينا بذلك الامتنان، وإجابة لما ندبه إليه الرسول ﷺ (إنّ المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين الذين يعدلون فى حكمهم) (١٨) وحيث كانت طويّتنا مشتملة على هذه المقاصد الحميدة والنذور الأكيدة، منّ الله علينا بتبلّج
стр. 3942
تباشير النصر المبين والفتح المستبين، وأتمّ علينا نعمته، وأنزل علينا سكينته، قهرنا العدوّ الطاغية والجيوش الباغية، وفرّقناهم أيدى سبا ﴿وَمَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ (٢) حتى ﴿جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً﴾ (٣) فازدادت صدورنا انشراحا للإسلام، وقويت نفوسنا بحقيقة الأحكام، منخرطين فى زمرة من حبّب إليهم الإيمان وزيّنه فى قلوبهم وكرّه إليهم الكفر والفسوق والعصيان أوليك هم الراشدون فضلا من الله ونعمة (٥)، فوجب علينا رعاية تلك العهود الموثّقة والنذور المؤكّدة (٧)
فصدرت مراسمنا العالية ألاّ يتعرّض أحد (٨) من العساكر المذكورة على اختلاف طبقاتها، وتباين أجناسها واختلاف لغاتها، لدمشق وأعمالها وساير البلاد الشأميّة الإسلاميّة، وأن يكفّوا أظفار المتعدّى عن أنفسهم وأموالهم وحريمهم، ولا يجولوا حول حماه بوجه من الوجوه، حتى يشتغلوا بصدور مشروحة، وآمال مفسوحة، لعمارة البلاد، وتطهير الفساد، وتطمين العباد، بما هو كلّ واحد بصدده من تجارة وزراعة وغير ذلك من كلّ صناعة. وكان هذا الهوج العظيم وكثرة هذه العساكر، وتزاحم هذه الدساكر، تعرّض بعض نفر يسير إلى نهب بعض الرعايا وأسرهم، فأمرنا بقتلهم كيف رموهم بشرّهم، ليعتبر الباقون ويقطعوا أطماعهم عن النهب والأسر وغير ذلك من جميع الفساد. وليعلموا أنّا لا نسامح بعد هذا الأمر البليغ البتّة فى أذيّة أحد من العباد، ولا يتعرّضوا لأحد من أهل الأديان على اختلاف أديانهم من اليهود والنصارى والصابئة (١٩)، فكلّ منهم قد عاد منّا
стр. 3943
فى أمان. فإنّهم إنّما يؤدّون (١) الجزية. ليكون لهم أمان فى أموالهم ودماهم، والسلاطين موصون على أهل الذمّة، كما هم موصون على المسلمين من أهل هذه الأمّة. فإنهم من جملة الرعايا، قال ﷺ (٣) (كلّكم راع وكلّ راع مسئول عن رعيّته) (٤)
فسبيل القضاة والخطباء والمشايخ والعلماء، والأكابر والشرفا والمشاهير (٥) وعامّة الرعايا، الاستبشار بهذا النصر الهنىّ، والفتح السنىّ، وأخذ الحظ الوافر من السرور. والنصيب الأكبر من البهجة والحبور، مقبلين على الدعاء لهذه الدولة القاهرة والمملكة الطاهرة، آناء الليل وأطراف النهار
وكتب خامس ربيع الأوّل سنة تسع وتسعين وستّ ماية
وكان قرايته (١٠) على السدّة بالجامع المعمور بذكر الله تعالى، المعروف بجامع بنى أميّة بدمشق المحروسة. فلمّا قرئ هذا الفرمان صاحت العوامّ ورعاع الناس ودعوا للملك، وأكثروا الضجيج كعادتهم فى ذلك. وحصل للناس بذلك سكون وطمأنينة (١٣). ثمّ استمرّ أوليك النفر من التتار بالمقصورة، إلى صلاة العصر فصلّوا. ثمّ توجّهوا إلى منازلهم. وفى يوم الأحد تاسعه أهانوا جماعة الدماشقة بمدرسة القيمريّة بسبب تحصيل الخيل
ولمّا كان يوم الاثنين عاشره تقرّبوا من البلد وأحدقوا بدمشق واحتاطوا بالغوطة من كلّ مكان. وكثر العبث والنهب والفساد. وأخذت ذخاير الناس، وقتلوا جماعة من أهل القرى والضياع، وعمّ الأذى. ولم يعود
стр. 3944
أحد (١) يطيق الخروج من البلد. وعاد الناس ينظرون من أسوار البلد (إلى ما حلّ بالحواضر) (٢) البرّانيّة مثل العقيبة والشاغور وقصر حجّاج وحكر السمّاق من النهب وكسر الأبواب. وفى هذا اليوم اشتهر أن كثيرا (٣) منهم يمرّون بظاهر البلد، ويتوجّهون إلى ناحية الكسوة، فظنّ الناس أنّهم مأمورون بالتوجّه إلى مصر
وفى آخر هذا اليوم المذكور وصل الأمير سيف الدين قبجق والأمير سيف الدين بكتمر السلحدار إلى البلد ونزلوا فى الميدان. وتكلّموا فى طريقهم مع الأمير علم الدين أرجواش نايب القلعة، وأشاروا عليه بتسليمها:
وإنّ دماء المسلمين فى عنقك. -فأجابهم: إنّ دماء المسلمين فى أعناقكم أنتم لأنّكم كنتم السبب فى مجى التتار. -ولم يجيبهم إلى التسليم. وجرى بينهم كلام كثير، هذا ملخّصه. وفى بكرة يوم الثلاثا خامس عشرة ورد مثال من إسمعيل النايب، مضمونه أنّ الجماعة الأعيان يجتمعون ويقفون لأرجواش ويحسّنون له تسليم القلعة، ففعلوا ذلك فلم يجيبهم إلى شئ. وجرى بينهم كلام كثير
ولمّا كان يوم الجمعة خطب الخطيب بما صورته حسبما رسم له به من الدعاء فى الخطبة للسلطان الأعظم سلطان الإسلام والمسلمين، مظفّر الدنيا والدين محمود غازان، وصلّى فى المقصورة جماعة من المغل. فلمّا كان عقيب الصلاة حضر المقصورة الأمير سيف الدين قبجق. ثمّ إنّه صعد وصحبته الأمير إسمعيل إلى السدّة. واجتمع جماعة كبيرة من العالم تحت قبّة
стр. 3945
النسر. وذكر عبد الغنىّ إنعام الملك غازان. ثمّ دعا له. ثم قرئ عليهم مكتوب (٢) بتولية قبجق نيابة الشأم، بكماله وما معه وما هو مضاف إليه، فكان ما هذا نسخته:
بقوّة الله تعالى وميثاق الملّة المحمّديّة فرمان السلطان محمود غازان
الحمد لله الذى أيّدنا بالنصر العزيز، والفتح المبين، ونصرنا بالملايكة المقرّبين، وجعلنا من جنده الغالبين، نحمده على الهداية إلى سبيل المهتدين والإرشاد إلى إحيا معالم رسوم الدين، حمدا يوجب المزيد من فضله كما وعد الحامدين، وأشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، شهادة بنصّها فى سلك المجاهدين. وأن محمدا عبده ورسوله، سيّد الأنبيا والمرسلين، صلّى الله عليه وعلى آله. صلاة تصله إلى يوم الدين
أمّا بعد: فإن الله تعالى لما ملّكنا البلاد، وفوّض إلينا بلطفه أمور العباد. وجب علينا أن ننظر فى مصالحهم. ونهتمّ بنصايحهم. وأن نقيم عليهم نايبا، يتخلّق بأخلاقنا فى كرم السجايا. ويبلّغنا الأعراض من مصالح الرعايا. فأعملنا الفكر فيمن نقلّده هذه الأمور. ويكون آمرا على جميع هذه الممالك الإسلاميّة لا مأمور، وأنعمنا النظر فيمن نفوّض إليه مصالح الجمهور. واخترنا لها من يحفظ نظامها (١٧) المستقيم. ويقيم ما هوى من قوامها (١٨) القويم. يقول فيسمع مقاله. ويفعل فتتّقى أفعاله، يكون أمره من أمرنا. وحكمه من حكمنا. وطاعته من طاعتنا. ومحبّته هى الغرض إلى محبّتنا. فرأينا أنّ الجناب العالى الأوحدى المؤيّدى العضدى
стр. 3946
النصيرىّ العالمىّ العادلىّ الذخرىّ الكفيلىّ الممهّدىّ المشيّدىّ المجاهدىّ المشيرىّ الأثيرىّ العمامىّ النظامىّ السيفىّ سيف الدين ملك الأمرا فى العالمين، ظهير الملوك والسلاطين قبجق، وهو المخصوص بهذه الأوصاف الجميلة، والمحتوى لهذه السمات الجليلة، فإنّه أذخرته المهاجرة إلى أبوابنا. ووصله القصد إلى ركابنا، فرعينا له هذه الحرمة، وقابلناه بهذه النعمة.
ورأينا أنّه لهذا المنصب حفيظ مكين، وخاطبنا لسان الاختيار أنّ نعم ﴿مَنِ اِسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ (٧) وعلمنا أنّه يبلغ الغرض من صون الرعايا، ويقوم مقامنا فى ساير القضايا. فلذلك رسمنا أن نفوّض إليه نيابة السلطنة الشريفة بالممالك (٩) الشأميّة والحلبيّة والحمويّة والحمصيّة. وشيزر وبغراس وأنطاكية، مع ساير الممالك الطرابلسيّة. وجميع الحصون والأعمال الفراتيّة، وقلعة الروم، والبيرة وباهسنا. وما أضيف إليها من الأعمال والثغور والقلاع والحصون، نيابة تامة عامة كاملة شاملة. يؤتمر فيها بأمره، ويطاع فيها نهيه. ولا يخرج أحد عن حكمه، له الأمر التامّ.
والحكم العامّ. وحسن التدبير. وجميل التأثير بالإحسان لأهل البلاد.
واستجلاب الولاء والوداد. ومؤمّن (١٦) مرتبطين الآمال ناظرا، إلى من دخل تحت الطاعة بالامتنان. مشفقا فى الاستخدام والتأمين، مع ملك الأمرا والوزرا ناصر الدين. فإنّ اجتماع الأمر بركة، والهمم تؤثّر إذا كانت مشتركة. فليبق كلّ من يؤمّناه بأمانهما. فإنّه أماننا أجريناه على قلبهما ولسانهما. وقد أنعمنا عليه بالسيف والسنجق الشريف والكوس والبايزة الذهب رأس السبع
стр. 3947
وسبيل الأمرا والمقدّمين وأمرا العربان والتركمان والأكراد والدواوين والصدور، بالأعمال والجمهور، أن يتحقّقوا أنّه نايبنا الذى فوّضنا إليه النيابة الشريفة والمنزلة المنيفة، أن يطيعونه سرا وجهرا، ولا يعصون له أمرا، وأنّ أمرهم إليه وقربهم لديه، ممّا يحصل لهم به رضاه عنهم وقربه منهم، وليلزموا عنده من الأدب والخدمة ما يجب. وليكونوا معه فى الطاعة والموافقة على المصالح كما يجب
وعلى ملك الأمرا سيف الدين، تقوى الله تعالى فى أحكامه، ونقضه وإبرامه، وتقوية يد قضاته للشرع وحكّامه، وتنفيذ قضيّة كلّ قاض على قول إمامه. وليتعاهد الجلوس للعدل فى ساير أيّامه، بطريقة العدل والإنصاف، وأخذ الحقّ للمشروف من الأشراف، وليقم الحدود والقصاص على كلّ من وجب عليه، وليكفف الكفّ العادية على كلّ من يرد إليه، والله تعالى يعجّل له إلى الخيرات سبيلا، ويوضّح له إلى مرضاة الله تعالى ومراضينا دليلا، إنشاء الله
وكتب فى عاشر جمادى الأولى سنة تسع وتسعين وستّ ماية
ولمّا فرغوا من قراية الفرمان نثروا عليه الذهب والفضّة، وفرح الناس بولاية قبجق عليهم ظنّا منهم أنّه يرفق بهم. وذكر القاضى جلال الدين أنّه اجتمع به، فشكا إليه ما هو فيه من التعب ومداراة التتار، وأنّه يريد لأجل هذا التقليد ألفى دينار معجّلة سرعة. فقال له القاضى جلال الدين:
عندى فرس وبغلة، أحملهما إليك تسعّر بهم. فقال: الخيل والبغال لهم، ليس لكم فيها مؤنة (١٩)، وإنما يطلبون الذهب الذهب
ثمّ نزل شيخ الشيوخ بالمدرسة العادليّة فى يوم الجمعة المذكور، وأحضر إليه ضيافة. فأظهر العتب على أهل البلد لكون أنّهم لم يتردّدوا إليه. وادّعى
стр. 3948
أنّه يصلح أمرهم، ويتّفق معهم على ما يعود نفعه عليهم فى أمر القلعة.
فقال بعض الجماعة: إنّ قبجق هو يخبر أمر القلعة. -فكان جوابه:
إنّ خمس ماية من قبجق ما يكونون فى فصّ خاتمى. -وظهر منه (تعظيم كبير) (٤) لنفسه
ثمّ إنّ التتار طلعوا إلى جبل الصالحيّة، وفعلوا فيه من الأفعال القبيحة ما يطول شرحه ممّا تقشعرّ لهول سماعه الأبدان. فخرج الشيخ تقىّ الدين بن التيميّة إلى عند شيخ الشيوخ وصحبته جماعة من أهل البلد، وشكوا إليه الحال.
فخرج إليهم فى يوم الثلثا وسط النهار. فلمّا بلغ التتار الذين كانوا بجبل الصالحيّة مجى شيخ الشيوخ هربوا بعد أن أخربوا جميع مساكنه ونهبوا ساير أمواله وسبوا حريم أهله وأولادهم وبناتهم، وجرت عليهم أمور عظام لا يطاق سماعها، أضربت عن ذكر جميع ذلك
ثمّ إنّهم أحرقوا فى دمشق نفسها عدّة أماكن التى بجوار القلعة بسبب الحصار. ونزلوا التتار بباب البريد والجامع الأموىّ، وشربوا فيه الخمور وفجروا بحريم المسلمين، وفعلوا كلّ فاحشة من العظايم، فلا حول ولا قوّة إلاّ بالله العلىّ العظيم
قلت: الناس يستعظموا ما جرى على دمشق وأهلها من فعل التتار الكفّار الذين ليس لهم دين ولا مذهب يرجعون إليه، فقد جرى على دمشق وأهلها من المغاربة، أصحاب المعزّ، أوّل الخلفا الفاطميّين، بزعمهم بمصر، ما إذا قابل به القارئ له فى الجزء السادس من هذا التأريخ، وهو الجزء المختصّ بذكر الخلفا العبيديّين من المصريّين، استقلّ عنده فعل التتار هذا واستصغره،
стр. 3949
هذا وهم مسلمون وخلفاهم يدّعون أنّهم علويّون وفاطميون، ف ﴿إِنّا لِلّهِ وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ﴾ (٢)
ثمّ إنّ التتار أخذوا من دمشق تقدير عشرة آلاف فرس. ثمّ قرّروا على أهلها الأموال، فكان المقرّر على أسواق دمشق ما يذكر: سوق الخوّاصين ماية ألف وثلاثين ألف درهم، وعلى الرمّاحين ماية ألف درهم، سوق علىّ ماية ألف درهم، سوق النحّاسين ستّين ألف درهم، قيساريّة الشرب ماية ألف درهم، حتى وصل التقرير على سوق الذهبيّين مع صغره وقلّة أهله وقرّر عليه ألف وخمس ماية (٨) درهم. ثمّ لم يقنعوا بذلك حتى قرّروا على جميع أسواق دمشق مع أعيان سعدايها وأكابرها، تتمّة ثلاث ماية ألف دينار، وجبيت على حساب أربع ماية ألف دينار. ورسم على أهل البلد طايفة من شرار المغل، وألزموهم بالمبيت فى المشهد الجديد بالجامع، وفيه كان الاستخلاص، ومنعوا من يدخل إليهم، وأمروا بعصر ابن شقير، ووعد بذلك ابن منجّى وابن القلانسىّ وغيرهم من كبار البلد، وعادوا يضربوهم على ظهورهم ويمسكون أكمامهم، وكذلك جرى على قاضى القضاة نجم الدين بن صصرى. هذا وقد كثر النهب فى البلد وزاد البلاء على الناس وعظم الأمر. وعادوا يتسوّرون على الناس من الأسطحة وكسروا الأبواب، وكان ذلك فى يوم الجمعة ثامن وعشرين الشهر، لا سيّما وقت الصلاة، وتهاربت الناس من سطح إلى سطح، ووقع من الناس جماعة، وكسرت أرجلهم وأضلاعهم. ثمّ جبى على الرءوس وكان المطلوب شيئا كثيرا (١٩) لا تحمّله البلد ولا تقاربه، فعسر الأمر على الناس.
وكان متولّى الطلب الصفىّ السنجارىّ وعلاء الدين أستادار قبجق وأبناء (٢٠) الشيخ
стр. 3950
الحريرىّ. وعملوا الشعراء فى هذه النازلة أشعارا (١) كثيرة، فمن ذلك للقاضى كمال الدين بن الزملكانىّ يقول <من البسيط>:
لهفى على جلّق يا سوء ما لقيت ... من كلّ علج له فى كفره فنّ
بالطمّ والرمّ جاءوا لا عديد لهم ... والجنّ بعضهم والحنّ والبنّ
غيره <من الطويل>:
دهتنا أمور لا يطاق احتمالها ... فسلّمنا منها الإله له المنّ
أتتنا تتار كالرمال تخالهم ... هم الجنّ حتى معهم الحنّ والبن
الكمال ماجد الشافعىّ <من الطويل>:
أقم عذر جيش طالما قتل العدا ... بدارهم قهرا وكم غارة شنّوا
إذا ولّوا الأدبار من كلّ كافر ... كريمه بغض قد (١٠) حكى وجهه سنّوا
أتى جيشهم بالمغل والكرج عصبة ... وأصحاب سيس فيه والحنّ والبنّ
ابن البيسانىّ <من الطويل>:
أتى الشام جيش كالرمال عرمرم ... فلم يبق أرض من نواحيه ما جنّا
ولازم قوما فى دمشق بسبيه ... ونهب وقتل ثمّ أموالنا جنّا
وقد رجعوا تلك الطموم وخلّفوا ... بقاياهم بولاى والحنّ والبنّا
عبد الغنىّ الحريرىّ <من الطويل>:
بلينا بقوم كالكلاب أخسة ... علينا بغارات المخاوف قد شنّوا
هم الجنّ حقّا ليس فى ذاك ريبة ... ومع ذا فقد والاهم الحنّ والبنّ
стр. 3951
ابن قاضى صرخد <من الطويل>:
رمتنا صروف الدهر منها بسبعة ... فما أحد منّا من السبع سالم
غلاء وغازان وغزو وغارة ... وغدر وإغبان وغمّ ملازم
ذكر رجوع غازان إلى الشرق
لمّا كان يوم الجمعة ثانى عشر جمادى الأوّل عزم غازان على الرجوع إلى بلاده، لا ردّه الله. وأنّه يترك نايبا وعسكرا من التتار بالشأم.
ثمّ رحل بطغاته وجيوشه وترك عدّة من التتار، واليزك لم يبرح حول القلعة، وكان الحصار ظاهر البلد حول القلعة وكذلك من داخل، ويرمون من القلعة بحجارة كبار، ويكثرون من رفع الأصوات، بذكر الله تعالى والصلاة على محمد ﷺ . ولمّا رحل غازان ترك بهاء الدين قطاو شاه نايبه مع جمع كثير
ورسم يوم السبت بإخلاء المدرسة العادليّة، ووقف التتار على بابها، فخرج أهلها وعاد كلّ من خرج فتّشوه ويأخذون ما يختارون أخذه.
وأحرقوا جامع العقيبة، وعادت التتار تعمل فيه أيّاما وسقطت منارته.
ولمّا كان يوم الأحد الحادى والعشرين منه أحرقوا المدرسة العادلية، واحترق بها كتب كثيرة. فلمّا رأوا (١٦) أهل المدرسة الظاهريّة ذلك انتقلوا منها، وعادوا يرمون قماشهم من سطح حمام أسد الدين وحمام العقيقىّ، ولا ينزلون من الباب خوفا من اليزكيّة. وأمّا باب البريد فما عاد
стр. 3952
يعرف ما حوله من الأماكن لحرابها. وأمّا دار السعادة فخربت جملة كافية. ولم يزل الحال مستمرّا إلى يوم الثلثا توجّه أيضا قطلو شاه، وخرج قبجق إلى وداعه. وفى أثناء هذا اليوم دقّت البشاير بالقلعة وهربت جماعة من التتار ليلة الأربعا، وأصبح يوم الأربعا قطعت أخشاب المنجنيق. واشتدّ الطلب على من كان يلوذ بالتتار، وحمل القمىّ وغيره إلى القلعة، وطلب أبناء الشيخ الحريرىّ فاختفيا. وفى ذلك اليوم نودى بالبلد: طيّبوا قلوبكم وافتحوا دكاكينكم وتهيّوا لملتقى سلطان الشأم سيف الدين قبجق، واخرجوا له بالشموع! وفى مناداة أيضا:
قد دفع الله عنكم العدوّ المخذول! -فتعجّب الناس من ذلك
وحكى الشيخ علم الدين البرزالىّ (١٠)، قال: اجتمعت يوم الخميس الخامس والعشرين من الشهر بالشيخ تقىّ الدين بن التيمية، فذكر أنّه اجتمع بهاء الدين قطلو شاه، وذكر له أنّه من عظم جكز خان، ولحية (١٢) قطلو شاه أجرود ولا شعرة بوجهه أصلا، وأنّه كان له فى ذلك العهد من العمر اثنتين وخمسين سنة، وأنّه ذكر له أنّ الله ختم الرسالة بمحمد ﷺ ، وأنّ جكز خان جدّه كان مسلما (١٥)، وكلّ من خرج من ذرّيّته مسلمين، ومن خرج من طاعته فهو خارجىّ، وذكر أيضا اجتماعه بالملك غازان، والوزير سعد الدين، ورشيد الدولة الوزير المتطبّب، وكذلك بالشريف قطب الدين ناظر الخزانة، والكاتب صدر الدين، والنجيب الكحّال اليهودىّ، وشيخ الشيوخ نظام الدين محمود، وأصيل الدين بن النصير الطوسىّ ناظر الأوقاف، وهؤلاء كانوا أعيان دولة الملك غازان، وذكر أيضا أنّه
стр. 3953
رأى عند قطلو شاه صاحب سيس الملعون. وهو أشقر أزرق كثّ اللحية ومعه طايفة من الأرمن عليهم الذلّة والمسكنة. وكان سفر قطلو شاه ظهر يوم الثلثا الثالث والعشرين من الشهر. وكان سبب اجتماع الشيخ تقىّ الدين بهؤلاء الأسرا، وقال إنّهم يكتبون فى جميع فرامينهم بقوّة الله وبميثاق الملّة المحمّدية! وذكر أنّه اجتمع بشخص منهم فيه دين وسكون وصلاة حسنة. فسأله: ما السبب فى خروجك وقتالك المسلمين وأنت كما أرى منك؟ - فقال: أفتانا شيخنا بتخريب الشأم وأخذ أموالهم. لأنّهم لا يصلّون إلاّ بالأجرة ولا يؤذّنون (١٣) إلاّ لذلك ولا يتفقّهون إلاّ بمثل ذلك
وذكر وجيه الدين بن منجىّ وابن القطنة (١٤) أنّه هلك لكلّ منهما ماية وخمسين ألف درهم. وذكر ابن منجّى أنّ الذى حمل إلى خزانة غازان من المال ثلاثة آلاف ألف وستّ ماية ألف درهم سوى ما لحق ذلك من التراسيم والبراطيل والاستخراج لغيره من الأمراء والوزراء وغير ذلك. وأنّ الصفىّ السنجارىّ الذى كان على مستخرج، جبى لنفسه ثمانى ماية ألف درهم وحصّل لشيخ الشيوخ ستّ ماية ألف درهم. وأصيل الدين مايتى ألف درهم والأمير إسمعيل مايتى ألف درهم والوزير نحو من أربع ماية ألف درهم خارجا عن جماعة أخرى وعن البراطيل والتراسيم
وفى يوم الخميس عاد الأمير سيف الدين قبجق من توديع قطلو شاه ودخل من باب شرقىّ وخرج من باب الجابية فتحوهما بسببه. ثمّ نزل القصر الأبلق. وفى يوم الجمعة نودى فى البلد اخرجوا إلى بلادكم وضياعكم! وكان قبل ذلك نودى لا يغرّر أحد بنفسه! -فتعّجب الناس
стр. 3954
من ذلك. وغلت الأسعار بدمشق ووصل القمح كلّ غرارة بثلاث ماية درهم وستّين درهما، والشعير إلى ماية وخمسين، والخبز رطل بدرهمين ونصف، وما أشبه ذلك من الأصناف المأكولة
وفى تاسع عشرين الشهر دخل قبجق والجماعة الذين معه إلى البلد ونزلوا تحت مأذنة فيروز بدار بهادر رأس نوبة ودار المطروحىّ وامتلأت تلك الناحية بهم، والأمير يحيى بدار طوغان داخل باب توما. ونودى فى آخر النهار: يا أهل القرى والضياع، اخرجوا إلى أماكنكم! رسم بذلك سلطان الشأم سيف الدين قبجق. -ثمّ استهلّ شهر جمادى الآخرة أوّله الثلثا، وهم ينادون كذلك. ثمّ إنّ قبجق أمّر من جهته أمرا، منهم علاء الدين أستاداره، وولاّه البرّ عوضا عن ابن الجاكىّ، وانضاف إليه جماعة كبيرة من الجند وكثر الناس على بابه. وفتحت أبواب البلد خلا الأبواب التى بجوار القلعة. وفى يوم الجمعة الرابع منه ضربت البشاير بقلعة دمشق وقيل: وضربت (١٣) على باب قبجق أيضا. -وصلّى فى ذلك اليوم الأمير يحيى بجامع دمشق وتصدّق بشى من المال على الفقرا. وكان قبجق يقوم بوظايف (١٤) السلطنة فى ساير أحواله، وركب بالعصايب والجاويشيّة، واجتمع عليه خلق كثير من أجناد دمشق وغيرها، وكتب التواقيع لأرباب الولايات، وعاد سلطانا مستقلاّ
وفى العشر الأوسط من هذا الشهر جرت عدّة أحوال. منها أنّه أمر ثلاثة نفر وركبوا بالشرابيش
ومنها أنّه نادى فى البلد بإدارة الخمر والفاحشة بدار ابن جرادة ظاهر باب توما، وضمن ذلك كلّ يوم بألف درهم نقرة
стр. 3955
ومنها أنّه نادى: من كان من غلمان مصر وعنده قماش لأستاذه فليحفظه
ومنها أنّ جماعة من القلعة ركبوا وساقوا إلى مسجد الذباب ظاهر باب الجابية، ورجعوا وبين أيديهم نفر من التتار. فظنّ العوامّ أنّ المصريّين قد وصلوا والتتار هاربين منهم، فقاموا على جماعة من التتار فقتلوهم، ولم يظهر لما ظنّوه خبر، فتشوّش البلد أيضا وغلّق باب الصغير وأرجف الناس بسبب الطلب بدم التتار المقتولين
ومنها أنّ الأمير سيف الدين قبجق جبى لنفسه أيضا مبلغا، ولم يعف منها أحد
ومنها أنّه اشتهر رجوع بولاى المقدّم من الأغوار بالعسكر الذين كانوا معه، وتخوّف الناس منهم
وفى العشر الأخير من الشهر المذكور نزل أيضا جماعة من القلعة وقتلوا جماعة من التتار وحصلت خبطة عظيمة. ومسك جماعة من الذين كانوا ينسبون إلى المشى مع التتار، وجبيت أيضا جباية أخرى (١٤) لبوليه مقدم التتار
ودخل الخطيب بدر الدين بن جماعة والشيخ ابن التيميّة إلى القلعة ومشوا فى الصلح بين أرجواش ونوّاب التتار. فلم يوافق أرجواش ﵀ على ذلك، ولم يزل الأمر كذلك إلى مستهلّ شهر رجب الفرد
وفى الثانى من الشهر طلب قبجق أعيان البلد وحلّفهم للدولة المحموديّة بالنصح (١٩) وعدم المداجاة
стр. 3956
وفى يوم الخميس توجّه الشيخ تقىّ الدين بن التيميّة إلى مخيّم بولاى مقدّم التتار يسأل فى المأسورين، وكانوا خلقا (٢) كثيرا. وتحدّث بولاى فى أمر يزيد بن معاوية مع الشيخ، وسأله: هل يجوز لعنته أم لا؟ -ففهم الشيخ أنّ فيه موالاة، فكلّمه بما لاق بخاطره بغير شى يكره. فقال: هؤلاء أهل دمشق هم قتلة الحسين بن علىّ صلوات الله عليه. فقال له الشيخ:
إنّه لم يكن من أهل دمشق من حضر قتلة الحسين ﵇ (٦)، وقتل ﵇ بأرض كربلا من العراق. فقال: صحيح. وكانوا بنو أميّة خلفا الدنيا، وكانوا يحبّون سكنى الشأم. فقال الشيخ: وماذا يلزم من ذلك فى قتلة الحسين، وهذه الشأم ما برحت أرضا (٩) مباركة ومحلّ الأوليا والصلحا بعد الأنبيا صلوات الله عليهم. -ولم يزل به حتى سكن غضبه على أهل الشأم. ثمّ ذكر للشيخ أنّ أصله مسلم من أهل خراسان. وجرى بينه وبين الشيخ كلام كثير
وفى عشيّة السبت رابع الشهر صحّ أنّه لم يبق بالطرقات ولا فى ضواحى دمشق أحد من التتار. ونودى بذلك، فاستبشر الناس بذلك. فسافرت الناس يوم الخميس إلى تاسع الشهر حصل تشويش بسبب رجوع طايفة من التتار.
وكان الناس قد خرجوا إلى غياض السفرجل، فرجعوا مسرعين فزعين.
ونهب بعضهم ورمى بعضهم نفسه فى النهر
وحصل للناس تشويش أيضا يوم الأربعا خامس عشر الشهر، وخرج الأمير سيف الدين قبجق وطلب الأبواب الشريفة السلطانيّة والناصريّة أعلاها الله تعالى، وصحبته الأمير سيف الدين بكتمر السلحدار وبقيّة الأمرا.
وعادت دمشق خالية بغير من يحكم فيها. فنودى فى البلد من جهة أرجواش:
стр. 3957
احفظوا البلد والزموا الأسوار! -وعادت الناس فى وجل كثير، إلى يوم الجمعة أعيدت الخطبة باسم مولانا السلطان الأعظم الملك الناصر عزّ نصره، وأدامها باسمه آخر الدهور، وإلى يوم البعث والنشور. وكان قد خطب باسم غازان بدمشق ماية يوم إلى ذلك اليوم المبارك. فحصل للناس من السرور ما لا يمكن شرحه، فلله الحمد والشكر والثنا الحسن الجميل
ذكر عودة جيوش الإسلام
بالنصر إلى بلاد الشام
وأمّا ما كان من عودة ركاب مولانا السلطان إلى الديار المصريّة فإنّه عند عوده من حمص حسبما ذكرنا، وطلع إلى القلعة المحروسة يوم الأربعا ثانى عشر ربيع الآخر، وتبعه الجيوش متفرّقة، وأحوالهم ممزّقة، ضعاف عراة مشاة إلاّ القليل منهم. ففتح الخزاين المعمورة، ونفق فى الجيوش المنصورة لا المكسورة. وسخا بالأموال. واستخدم الرجال، واستكثر من العدّ والعديد. والحدّ والحديد. ومنّ الله تعالى فى ذلك الوقت بوجود العدد والخيول، حتى عادوا كالسيول، لكن تحسّنت العدد تحسينا عظيما (١٥) بغير قياس، حتى بلغ الجوشن الذى كانت قيمته فى غير ذلك الوقت عشرة دراهم نقرة فبلغ مايتى درهم وأكثر، وجميع العدد على هذه النسبة، وبلغ صرف الدينار ثمانى عشرة درهم نقره. ولقد سمعت من إنسان جندىّ كان اسمه سنقر شاه الحسامىّ من مماليك الأمير حسام الدين طرنطاى ﵀ يحكى للأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير. وهو يومئذ نازل بالعبّاسة
стр. 3958
يرمى بندقا (١) فى سنة أربع وسبع ماية فى الليل، وأنا أسمع، قال عن نفسه:
أنا كسبت فى فرد صنف واحد سبع ماية ألف درهم نوبة غازان.
اشتريت الذهب سعر ثمانية عشر درهم الدينار، وأبعته بعد ذلك بخمسة وعشرين الدينار، فشريت ماية ألف دينار، كسبت فيها سبع ماية ألف درهم. -وهذا سنقر شاه المذكور الذى كان سبب سعادة الأمير سيف الدين بكتمر الحاجب، فإنّه كان مدّعى أنّه أخوه. فلمّا مات سنقر شاه أوصى (٧) بجميع ماله للأمير سيف الدين بكتمر الحاجب. وكان سنقر شاه المذكور يتّجر فى كلّ صنف
ولنعود إلى سياقة الكلام! واستعدّت الناس وخرجوا فى ركاب مولانا السلطان عزّ نصره، وقد أباعوا أنفسهم لله تعالى بالجنّة وهى دار الأبد، وخرجوا وقد خرجوا عن المال والولد. فعرف الله صدق نيّاتهم، فمحا عنهم سيّئاتهم، وكشف عنهم تلك النوازل والكرب، وأرمى فى قلوب أعدايهم الرعب والرهب، حتى لم ينجيهم غير الهرب!
وذلك لمّا سمعوا بعود العساكر المنصورة، فى أحسن زىّ وأليق صورة، تعجّبوا لذلك كلّ العجب، وتهيّوا للهرب، لينجوا من العطب. فإنّ عادة التتار إذا كسروا لم ينجبروا إلاّ بعد مدّة كبيرة، وأخذتهم لذلك الحيرة، وأرمى الله تعالى فى قلوبهم الرعب. فولّوا الأدبار، وتركوا لأهلها الديار، ورجعوا إلى بلادهم قاصدين، وعلى أرضهم واردين.
وضرب بهزيمتهم عند ذلك المثال ﴿وَكَفَى اللهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ﴾ (١٩) وتوجّهوا الأمرا الذين كانوا مقفرين، إلى خدمة ركاب مولانا السلطان طايعين، وفى إحسانه طامعين، وبجوده إليه متشفّعين. فأحسن إليهم وأقبل
стр. 3959
عليهم وجمع شمل الإسلام، ببركات نبيّه ﵇. وكان اجتماعهم بالركاب الشريف السلطانىّ عزّ نصره بمنزلة الصالحيّة، وأشاروا بالعود إلى الديار المصريّة. فعاد ركابه الشريف إلى قلعة الجبل المحروسة فى يوم السبت خامس شهر شعبان المكرّم. ثمّ توجّه بقيّة الجيش المنصور مع من يذكر من الأمرا إلى دمشق المحروسة لتطمئنّ (٥) بقدومهم النفوس، وتزول تلك النحوس والعكوس. فأوّل من دخل دمشق الأمير جمال الدين آقوش الأفرم فى جيوش الشأم. وخرج الناس ليروهم، وشكروا الله وهو المستحقّ لذلك. ثمّ وصل يوم الأحد الأمير شمس الدين قراسنقر المنصورىّ فى جيوش حلب. ثمّ الأمير سيف الدين أسندمر فى عسكر طرابلس. ودخل يوم الاثنين ميسرة الجيوش المصريّة يقدمهم الأمير بدر الدين بكتاش الفخرىّ أمير سلاح. ودخل يوم الثلثا ثالث عشره ميمنة الجيوش المصريّة يقدمهم الأمير حسام الدين الحسام أستادار. ودخل يوم الأربعا القلب المصرىّ، وفيه الأمير سيف الدين سلاّر، والأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير، وزين الدين كتبغا، وسيف الدين الطبّاخىّ. ونزلت الجيوش المنصورة بالمرج بظاهر دمشق المحروسة. ونزل الأمير سيف الدين سلاّر بالميدان بالقصر الأبلق. وجلس يوم السبت وأخلع على عزّ الدين ابن القلانسىّ قريب والده شاهد الخزانة المعمورة. وكان الإقامة بدمشق ثمانية أيّام. وتفرّقت الجيوش إلى بلادها، مع أمرايها ونوّابها. وعادت الجيوش المصريّة فى خدمة نايب السلطنة المعظّمة الأمير سيف الدين سلاّر ﵀ إلى الديار المصريّة. وكان دخولهم يوم الثلثا ثالث شهر شوّال
стр. 3960
وأمّا الأمير جمال الدين نايب الشأم فإنّه توجّه يوم الجمعة العشرين من شوّال بالعسكر الشأمىّ وصحبته من الرجّالة والفلاّحين جمع كثير، وقصد جبل الكسروان والدرزيّة، فقتلهم قتلا ذريعا بسبب ما كانوا اعتمدوه فى حقّ الجيوش الإسلاميّة حسبما تقدّم من فعلهم الذميم، وكسرهم كسرة شنيعة، وذلك فى ثانى شهر ذى القعدة. ودخلوا تحت الطاعة قسرا وقرّر عليهم مال كثير، والتزموا بذلك وبجميع ما أخذوه من العساكر، وأقطعت أراضيهم وبلادهم. ثمّ عاد الأمير جمال الدين بالعساكر ودخل دمشق يوم الأحد ثالث عشر ذى القعدة. وخرج أهل دمشق والتقوه
وأمّا الذى احترق بدمشق فى أيّام التتار مع ضواحيها: فمن البيمارستان النورىّ إلى الناصريّة، ومسجد صابون، ودار الحديث الأشرفيّة، وتربة الصاحب نور الدين، ومسجد الأسديّة. وسلّم الله تعالى الجامع. وأمّا جبل الصالحيّة، فلم يبق به شى على حاله، مع شى كثير فى جميع ضواحى دمشق، والله أعلم. وهذا آخر ما وصلت إليه القدرة فى ذكر أخبار التتار
وفى هذه السنة توفى الأمير علم الدين الدوادارىّ ﵀ بحصن الأكراد، وصلّوا عليه بدمشق يوم الجمعة رابع وعشرين شهر رجب، وكان ﵀ من الأمرا الكبار الأعيان الفضلاء الحافظين الدايبين الورعين وقيل فى هذه السنة كان وفاة الملك المظفّر صاحب حماة المقدّم ذكره والله أعلم (١٨)