← История

История · id 18147

كنز الدرر وجامع الغرر

ابن الدواداري

Полный текст (4 323 стр.). Показаны 3956–3995 · переход к 3961.

стр. 3956

وفى يوم الخميس توجّه الشيخ تقىّ الدين بن التيميّة إلى مخيّم بولاى مقدّم التتار يسأل فى المأسورين، وكانوا خلقا (٢) كثيرا. وتحدّث بولاى فى أمر يزيد بن معاوية مع الشيخ، وسأله: هل يجوز لعنته أم لا؟ -ففهم الشيخ أنّ فيه موالاة، فكلّمه بما لاق بخاطره بغير شى يكره. فقال: هؤلاء أهل دمشق هم قتلة الحسين بن علىّ صلوات الله عليه. فقال له الشيخ: إنّه لم يكن من أهل دمشق من حضر قتلة الحسين ﵇ (٦)، وقتل ﵇ بأرض كربلا من العراق. فقال: صحيح. وكانوا بنو أميّة خلفا الدنيا، وكانوا يحبّون سكنى الشأم. فقال الشيخ: وماذا يلزم من ذلك فى قتلة الحسين، وهذه الشأم ما برحت أرضا (٩) مباركة ومحلّ الأوليا والصلحا بعد الأنبيا صلوات الله عليهم. -ولم يزل به حتى سكن غضبه على أهل الشأم. ثمّ ذكر للشيخ أنّ أصله مسلم من أهل خراسان. وجرى بينه وبين الشيخ كلام كثير وفى عشيّة السبت رابع الشهر صحّ أنّه لم يبق بالطرقات ولا فى ضواحى دمشق أحد من التتار. ونودى بذلك، فاستبشر الناس بذلك. فسافرت الناس يوم الخميس إلى تاسع الشهر حصل تشويش بسبب رجوع طايفة من التتار. وكان الناس قد خرجوا إلى غياض السفرجل، فرجعوا مسرعين فزعين. ونهب بعضهم ورمى بعضهم نفسه فى النهر وحصل للناس تشويش أيضا يوم الأربعا خامس عشر الشهر، وخرج الأمير سيف الدين قبجق وطلب الأبواب الشريفة السلطانيّة والناصريّة أعلاها الله تعالى، وصحبته الأمير سيف الدين بكتمر السلحدار وبقيّة الأمرا. وعادت دمشق خالية بغير من يحكم فيها. فنودى فى البلد من جهة أرجواش:

стр. 3957

احفظوا البلد والزموا الأسوار! -وعادت الناس فى وجل كثير، إلى يوم الجمعة أعيدت الخطبة باسم مولانا السلطان الأعظم الملك الناصر عزّ نصره، وأدامها باسمه آخر الدهور، وإلى يوم البعث والنشور. وكان قد خطب باسم غازان بدمشق ماية يوم إلى ذلك اليوم المبارك. فحصل للناس من السرور ما لا يمكن شرحه، فلله الحمد والشكر والثنا الحسن الجميل ذكر عودة جيوش الإسلام بالنصر إلى بلاد الشام وأمّا ما كان من عودة ركاب مولانا السلطان إلى الديار المصريّة فإنّه عند عوده من حمص حسبما ذكرنا، وطلع إلى القلعة المحروسة يوم الأربعا ثانى عشر ربيع الآخر، وتبعه الجيوش متفرّقة، وأحوالهم ممزّقة، ضعاف عراة مشاة إلاّ القليل منهم. ففتح الخزاين المعمورة، ونفق فى الجيوش المنصورة لا المكسورة. وسخا بالأموال. واستخدم الرجال، واستكثر من العدّ والعديد. والحدّ والحديد. ومنّ الله تعالى فى ذلك الوقت بوجود العدد والخيول، حتى عادوا كالسيول، لكن تحسّنت العدد تحسينا عظيما (١٥) بغير قياس، حتى بلغ الجوشن الذى كانت قيمته فى غير ذلك الوقت عشرة دراهم نقرة فبلغ مايتى درهم وأكثر، وجميع العدد على هذه النسبة، وبلغ صرف الدينار ثمانى عشرة درهم نقره. ولقد سمعت من إنسان جندىّ كان اسمه سنقر شاه الحسامىّ من مماليك الأمير حسام الدين طرنطاى ﵀ يحكى للأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير. وهو يومئذ نازل بالعبّاسة

стр. 3958

يرمى بندقا (١) فى سنة أربع وسبع ماية فى الليل، وأنا أسمع، قال عن نفسه: أنا كسبت فى فرد صنف واحد سبع ماية ألف درهم نوبة غازان. اشتريت الذهب سعر ثمانية عشر درهم الدينار، وأبعته بعد ذلك بخمسة وعشرين الدينار، فشريت ماية ألف دينار، كسبت فيها سبع ماية ألف درهم. -وهذا سنقر شاه المذكور الذى كان سبب سعادة الأمير سيف الدين بكتمر الحاجب، فإنّه كان مدّعى أنّه أخوه. فلمّا مات سنقر شاه أوصى (٧) بجميع ماله للأمير سيف الدين بكتمر الحاجب. وكان سنقر شاه المذكور يتّجر فى كلّ صنف ولنعود إلى سياقة الكلام! واستعدّت الناس وخرجوا فى ركاب مولانا السلطان عزّ نصره، وقد أباعوا أنفسهم لله تعالى بالجنّة وهى دار الأبد، وخرجوا وقد خرجوا عن المال والولد. فعرف الله صدق نيّاتهم، فمحا عنهم سيّئاتهم، وكشف عنهم تلك النوازل والكرب، وأرمى فى قلوب أعدايهم الرعب والرهب، حتى لم ينجيهم غير الهرب! وذلك لمّا سمعوا بعود العساكر المنصورة، فى أحسن زىّ وأليق صورة، تعجّبوا لذلك كلّ العجب، وتهيّوا للهرب، لينجوا من العطب. فإنّ عادة التتار إذا كسروا لم ينجبروا إلاّ بعد مدّة كبيرة، وأخذتهم لذلك الحيرة، وأرمى الله تعالى فى قلوبهم الرعب. فولّوا الأدبار، وتركوا لأهلها الديار، ورجعوا إلى بلادهم قاصدين، وعلى أرضهم واردين. وضرب بهزيمتهم عند ذلك المثال ﴿وَكَفَى اللهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ﴾ (١٩) وتوجّهوا الأمرا الذين كانوا مقفرين، إلى خدمة ركاب مولانا السلطان طايعين، وفى إحسانه طامعين، وبجوده إليه متشفّعين. فأحسن إليهم وأقبل

стр. 3959

عليهم وجمع شمل الإسلام، ببركات نبيّه ﵇. وكان اجتماعهم بالركاب الشريف السلطانىّ عزّ نصره بمنزلة الصالحيّة، وأشاروا بالعود إلى الديار المصريّة. فعاد ركابه الشريف إلى قلعة الجبل المحروسة فى يوم السبت خامس شهر شعبان المكرّم. ثمّ توجّه بقيّة الجيش المنصور مع من يذكر من الأمرا إلى دمشق المحروسة لتطمئنّ (٥) بقدومهم النفوس، وتزول تلك النحوس والعكوس. فأوّل من دخل دمشق الأمير جمال الدين آقوش الأفرم فى جيوش الشأم. وخرج الناس ليروهم، وشكروا الله وهو المستحقّ لذلك. ثمّ وصل يوم الأحد الأمير شمس الدين قراسنقر المنصورىّ فى جيوش حلب. ثمّ الأمير سيف الدين أسندمر فى عسكر طرابلس. ودخل يوم الاثنين ميسرة الجيوش المصريّة يقدمهم الأمير بدر الدين بكتاش الفخرىّ أمير سلاح. ودخل يوم الثلثا ثالث عشره ميمنة الجيوش المصريّة يقدمهم الأمير حسام الدين الحسام أستادار. ودخل يوم الأربعا القلب المصرىّ، وفيه الأمير سيف الدين سلاّر، والأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير، وزين الدين كتبغا، وسيف الدين الطبّاخىّ. ونزلت الجيوش المنصورة بالمرج بظاهر دمشق المحروسة. ونزل الأمير سيف الدين سلاّر بالميدان بالقصر الأبلق. وجلس يوم السبت وأخلع على عزّ الدين ابن القلانسىّ قريب والده شاهد الخزانة المعمورة. وكان الإقامة بدمشق ثمانية أيّام. وتفرّقت الجيوش إلى بلادها، مع أمرايها ونوّابها. وعادت الجيوش المصريّة فى خدمة نايب السلطنة المعظّمة الأمير سيف الدين سلاّر ﵀ إلى الديار المصريّة. وكان دخولهم يوم الثلثا ثالث شهر شوّال

стр. 3960

وأمّا الأمير جمال الدين نايب الشأم فإنّه توجّه يوم الجمعة العشرين من شوّال بالعسكر الشأمىّ وصحبته من الرجّالة والفلاّحين جمع كثير، وقصد جبل الكسروان والدرزيّة، فقتلهم قتلا ذريعا بسبب ما كانوا اعتمدوه فى حقّ الجيوش الإسلاميّة حسبما تقدّم من فعلهم الذميم، وكسرهم كسرة شنيعة، وذلك فى ثانى شهر ذى القعدة. ودخلوا تحت الطاعة قسرا وقرّر عليهم مال كثير، والتزموا بذلك وبجميع ما أخذوه من العساكر، وأقطعت أراضيهم وبلادهم. ثمّ عاد الأمير جمال الدين بالعساكر ودخل دمشق يوم الأحد ثالث عشر ذى القعدة. وخرج أهل دمشق والتقوه وأمّا الذى احترق بدمشق فى أيّام التتار مع ضواحيها: فمن البيمارستان النورىّ إلى الناصريّة، ومسجد صابون، ودار الحديث الأشرفيّة، وتربة الصاحب نور الدين، ومسجد الأسديّة. وسلّم الله تعالى الجامع. وأمّا جبل الصالحيّة، فلم يبق به شى على حاله، مع شى كثير فى جميع ضواحى دمشق، والله أعلم. وهذا آخر ما وصلت إليه القدرة فى ذكر أخبار التتار وفى هذه السنة توفى الأمير علم الدين الدوادارىّ ﵀ بحصن الأكراد، وصلّوا عليه بدمشق يوم الجمعة رابع وعشرين شهر رجب، وكان ﵀ من الأمرا الكبار الأعيان الفضلاء الحافظين الدايبين الورعين وقيل فى هذه السنة كان وفاة الملك المظفّر صاحب حماة المقدّم ذكره والله أعلم (١٨)

стр. 3961

ذكر [حوادث] سنة سبع ماية هجريّة النيل المبارك فى هذه السنة: الماء القديم الخليفة: الإمام الحاكم بأمر الله أبو (٣) العبّاس أمير المؤمنين، ومولانا السلطان: الملك الناصر، عزّ نصره، سلطان الإسلام من حدود بلاد دنقلة إلى شاطى الفراة، أدام الله أيّامه والنوّاب: الأمير سيف الدين سلاّر نايب السلطنة المعظّمة بالأبواب الشريفة، والأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير أستادار ومشارك (٧) فى الأمور، والوزير الأمير شمس الدين سنقر الأعسر (٨)، والأمير سيف الدين بكتمر أمير جاندار (٩)، والأمير شمس الدين سنقر الكمالىّ حاجب، والأمير علاء الدين طيبرس الخزندارىّ أمير نقبا الجيوش المنصورة بالأبواب العالية، وقاضى القضاة بالديار المصريّة الشيخ تقىّ الدين بن دقيق العيد ﵀، وناظر الجيوش المنصورة القاضى بهاء الدين بن الحلّىّ، وصاحب الديوان وكتابة المماليك السلطانيّة كرّمها (١٣) الله تعالى القاضى فخر الدين، وصاحب ديوان الإنشا الشريف القاضى شرف الدين بن فضل الله والنوّاب بالممالك الإسلاميّة: الأمير جمال الدين أقوش الأفرم ملك الأمرا بدمشق المحروسة، والأمير شمس الدين قراسنقر المنصورىّ نايب حلب، والأمير زين الدين كتبغا نايب حماة. والأمير سيف الدين قطلوبك نايب طرابلس، والأمير جمال الدين آقوش الأشرفىّ نايب الكرك المحروس، والأمير سيف الدين بلبان طرنا نايب صفد، والأمير سيف الدين قبجق

стр. 3962

نايب الشوبك، وبدر الدين الزردكاش نايب باهسنا. وسيف الدين طوغان نايب البيرة، وفخر الدين أياز نايب قلعة المسلمين، والغتمىّ نايب الرحبة، وأمير العربان الأمير حسام الدين مهنّا بن عيسى بن مهنّا وملوك الأقطار، بالأقاليم والأمصار: صاحب مكّة شرّفها الله تعالى أبو نمىّ محمد بن إدريس بن قتادة بن حسن الحسنىّ. صاحب المدينة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام (٦): جمّاز بن شيحة الحسينىّ، صاحب اليمن: الملك المؤيّد هزبر الدين داود بن الملك المظفّر المقدّم ذكره. صاحب دلى بالهند: الملك المسعود محمود بن سنجر عتيق إيتامش مملوك الغورىّ، صاحب الصين بتخت مملكة التتار: قآن (٩) واسمه قلاصاق شرمون بن منغلاى ابن قبليه بن طلوا (١٠) بن جكز خان تمرجى صاحب أصل عظم التتار المقدّم ذكره، صاحب ما ورا النهر من ملوك التتار: جبارا بن قيدوا بن قنجى ابن طلوا بن جكز خان تمرجى المقدّم ذكره وكرسىّ مملكته بأرض صراى، صاحب البلاد الشماليّة من ملوك التتار أيضا: طقطاى بن (١٣) منكوتمر بن طغان ابن باتوا، تملّك بعد أنغاى المقدّم ذكره وكرسىّ مملكته سوداق وباتوا ابن جكز خان، وهم بيت باتوا الذين كان لهم الخمس من الفتوحات، وصاحب البلاد الشرقيّة من ملوك التتار أيضا: منغطاى بن قنجى (١٦) بن أردوا بن دوشى خان بن جكز خان تمرجى، وهؤلاء كلّهم من عظمه. وقد كانت هذه الممالك جميعها مملكة واحدة فى حياته. وكان آباء هؤلاء كالنوّاب له فى هذه النواحى. فلمّا هلك تغلّب كلّ واحد وبنيه على ناحية وتملّك بها، وعادت الحروب والوقايع بينهم لطفا (٢٠) من الله ، وإلاّ

стр. 3963

والعياذ بالله! لو كانت كلمتهم مجتمعة كأوّل حال، لكان الحال بخلاف هذا الحال، وصاحب العراقين وخراسان: غازان بن أرغون بن أبغا بن هلاوون، وهذا البيت عندهم لا يعتدّون به من عظم جكز خان، وإنّما هؤلاء من التتار المغربة الذين كان وجّههم جكز خان فى طلب السلطان علاء الدين خوارزم شاه حسبما تقدّم من القول فى ذلك، فتغلّبوا على الملك، وصاحب ماردين: الملك المنصور إيلغاى بن الملك المظفّر قرا أرسلان بن الملك السعيد ملوك المغرب: صاحب مرّاكش: أبو الربيع سليمان بن عبد الله بن يوسف بن يعقوب من ولد عبد المؤمن المقدّم ذكره فى تأريخه وأصله وسبب ملكه، صاحب المغرب الأقصى: أبو البقا خالد بن يحيى بن أبى زكريا حفص عمر. صاحب تونس وإفريقيّة: أبو الجيوش نصر بن محمّد ابن الأحمر المتغلّب على الملك وليس من بيت ملك، وهو يومئذ محاصر مدينة سجلماسة، صاحب جزيرة الأندلس: موسى بن عثمان بن ربّان المتغلّب أيضا. وكان جدّ أبيه (١٤) من نوّاب بنى أميّة ملاّك الأندلس، وهو يومئذ كرسىّ مملكته غرناطة قلت: إنّما ذكر العبد فى هذه السنة جملة من أسماء هؤلاء الملوك الذين اتّصل به أسماهم على هذا المثال فى الأسما والممالك، كون أنّ هذه السنة آخر قرن، فأحببت أن يفهم من فيها من الملوك المتّصلة أخبارهم بنا والواردة رسلهم إلى أبواب سلطاننا وما عدا ذلك، فإنّ علمهم عند الله ، فإن أرض الله تعالى لا يدرك لها غاية، ولا يحصر لها نهاية، وكذلك ملوكها لا يحصيهم إلاّ الذى ملّكهم، بيده الملك وإليه المصير ﴿وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (٢١)

стр. 3964

ولنذكر الآن ما يخصّ حوادث الزمان: فيها كان الاستخراج بدمشق من أرباب الأملاك أربعة أشهر أجرة وكذلك من القرى والضياع والأملاك (٣). والسنة التى وقع الاتّفاق على استخراج ثلث مغلّها، هى سنة تسع وتسعين وستّ ماية، وكان المغلّ فى تلك السنة مغلاّ خسيسا (٥) لأجل ما كان من التتار وكونهم كانوا فى البلاد. ولم يحصّل لأحد إلاّ ما فضل عنهم. فحصل على الناس من ذلك شدّة كبيرة وتسحّب (٦) أكثر أرباب الأملاك واستحفّوا، والذى وقع بأيديهم ألزموه حتى قطع الأشجار بثمرها وأباعها حطبا، بحيث بلغ الحطب كلّ قنطار الدمشقىّ بثلاثة دراهم (٩) نقرة، ولا وجدوا من يشتريه. وكان ذلك على أهل دمشق أشدّ من كلّ شى مرّ بهم من أوّل حال وإلى ذلك التأريخ. ثمّ استخدم بما جمع من ذلك المال جماعة من الأكاريد والأجناد البطّالة ونفقوا فيهم كلّ واحد ستّ ماية درهم ولم يقيموا لهم ضمانا لما كانوا فيه، لمّا وردت الأخبار أنّ غازان قد طمّعته نفسه الكاذبة وآماله الخايبة بدخوله الشأم، وأنّ الشأم قد عاد فى قبضته. ثم إنّ أكثر أوليك المستخدمين تسحّبوا (١٤) وأخذوا ما نفق عليهم، ولم يقم منهم إلاّ القليل النادر. ولم يصل من ذلك المال شئ إلى بيت المال، وأكثره سرقوه الكتّاب السمرة قلت: هذا جميعه نقل الشيخ صدر الدين ابن وكيل بيت المال المعروف بابن المرحّل رحمه الله تعالى، حكاه للمملوك بالديار المصريّة لمّا كان قد حضر إليها صحبة الركاب الشريف لمّا عاد من الكرك المحروس

стр. 3965

ذكر عودة غازان خايب الآمال وذلك لمّا كان ثالث عشر شهر الله المحرّم من هذه السنة المذكورة. وردت الأخبار بقصد التتار إلى الشأم المحروس، ووقع الجفل فى البلاد. وكثرت الأراجيف بجميع تلك الديار. ووصلت القصّاد إلى الأبواب وأخبروا أنّ غازان حشد حشودا (٥) كثيرة، ونادى الغزاة إلى الديار المصريّة. وعند ذلك وقع الجفل العظيم فى ساير الممالك الشأميّة. وتوجهوا إلى الديار المصرية. وكان ذلك من أوّل شهر صفر، واستمرّ كذلك إلى سلخ جمادى الأولى من الفراة إلى غزّة. فمنهم من قصد الحصون. مثل الصبيبة وعجلون وصرخد وغيرهم. ومنهم من طلب الديار المصريّة وهم الأكثر من الناس. وعادت الأخبار تزيد وتنقص: هذا <ما> جرى بالشأم وأمّا ما كان بالديار المصرية: فلمّا بلغ ذلك المسامع الشريفة السلطانيّة الناصرية لازالت موفورة ببشاير النصر، فى كل حين ووقت وعصر، برزت المراسم الشريفة بخروج العساكر المنصورة، وبرز الدهليز المنصور وخيّم بمسجد التبن. وخرجت العساكر كالجراد المنتشر، وخيّموا حول الدهليز المنصور. كأنّهم القشاعم والنسور. وكان توجّه الركاب الشريف طالبا للغزاة المبرورة ورحيله من مسجد التبن طالبا للغزاة بنيّة صادقة، وقلوب من جيوشه على ذلك موافقة، يوم السبت ثالث عشر صفر، فوصل إلى منزلة بدعرش، وخيّم بها الدهليز المنصور. فأقام بهذه المنزلة إلى سلخ شهر ربيع الآخر فحصل للناس فى هذه السنة مشقّة عظيمة من البرد العظيم الزايد عن حدّ القياس، حتى أقامت تمطر على الناس، أربعين يوما ليلا ونهارا (٢١)،

стр. 3966

لا ينظرون الشمس. وانقطع الجالب للأوحال العظيمة بالطرقات. ووقع الغلاء الزايد حتى بلغ الحمل التبن الذى أكثره تراب لا ينتفع به أربعين درهما، وخمسين درهما، ولا كان يحصّل إلاّ بالدبابيس وأىّ من قوى أخذه. ولم يقدروا على الوصول إلى دمشق البتّة هذا ما جرى للجيوش الإسلاميّة. وأمّا التتار، فإنّ غازان لم يزل على طغيانه وسيره حتى نزل على مصطبة السلطان بحلب. ووصل يزكيّته إلى قرون حماة وإلى بلاد سرمين والمعرّة. ونفذ أكثر الجيوش إلى بلاد أنطاكيّة وجبال السماق، فنهبوا من تلك النواحى شيئا عظيما (٨) من الأغنام والأبقار، وسبوا عالما عظيما (٩) من النسا والأطفال. وذلك أنّه فى سنة تسع وتسعين كان قد التجأ (١٠) إلى هذا الجبل عالم كثير واختلفوا فيه ولم يشعروا بهم التتار ولا قصدهم منهم أحد. فلمّا كان هذه السنة طلع إلى هذا الجبل أكثر من تلك العالم بأضعاف، طمعا فى السلامة بالنسبة إلى تلك السنة. فلمّا أقام غازان ببلاد حلب سيّر أكثر الجيوش، ففعلوا ما ذكرناه بحيث أباعوا الأسير بعشرة دراهم (١٤). واشترى صاحب سيس منهم خلقا كثيرا. وأوسقوا مراكب، وسيّروهم إلى بلاد الفرنج بالجزاير. ثمّ أرسل الله تعالى على التتار من الأمطار والثلوج بحيث أقامت عليهم أحدا وأربعين يوما ليلا ونهارا. وذكر أن وقع عليهم ثلج أحمر لم يعهدوا بمثله. وتلف من جيوش التتار خلق عظيم، ولحق الدوابّ الذين لهم طابق كثير. ورجعوا إلى بلادهم أنحس

стр. 3967

من مكسورين، لطفا من الله وتدبيرا (١) من الحكمة حتى عجّزهم الله عمّا كانوا عليه عازمين ﴿وَرَدَّ اللهُ <الَّذِينَ> كَفَرُوا <بِغَيْظِهِمْ> لَمْ يَنالُوا خَيْراً وَكَفَى اللهُ <الْمُؤْمِنِينَ> الْقِتالَ﴾ (٣) ووصل أخبار رجوعهم فى شهر جمادى الأولى (٤). وكان قد أخليت دمشق بأسرها مع جميع بلاد الشأم من سكّانه وأهله وقطّانه إلاّ من عجز عن الحركة ضعفا. وكان قبل رحيل الركاب الشريف وعوده إلى الديار المصريّة قد جرّد الأمير سيف الدين بكتمر السلحدار والأمير بهاء الدين يعقوبا بألفى فارس إلى دمشق. فكان دخولهم إليها سابع شهر جمادى الأولى. ثمّ حضرت القصّاد وأخبروا برحيل غازان وعوده إلى بلاده، وقطع الفراة حادى عشر جمادى الأوّل، وصحّت الأخبار بذلك، والله أعلم ذكر لباس النصارى واليهود الأزرق والأصفر السبب فى ذلك وصول وزير صاحب الغرب يريد الحجّ (١٢) إلى بيت الله الحرام، فوجد النصارى واليهود بالشاشات البيض السلعانيّة واللبس الحرير والبقايير، ولا يفرّق بينهم وبين المسلمين إلاّ الزنّار، واليهودى (١٤) العلامة الصفرا فى عمامته وقيل: كانت هذه الواقعة أنّه كان رأى الصاحب أمين الدين أمين الملك ابن العنّام (١٧)، وهو يوم ذاك نصرانىّ وعليه بقيار ولبس حرير. وكان يخدم

стр. 3968

يومئذ مستوفى الصحبة الشريفة. ونظر الأمراء والناس من الكبار يبجّلونه ويقفون له قياما. فسأل عنه <فقيل:> إنّه نصرانى. فصعب عليه ولحقته الغيرة الإسلاميّة فتحدّث مع الأمير سيف الدين سلاّر والأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير. وأحضر بين يدى المواقف الشريفة السلطانيّة أعزّ الله أنصارها. واستحضر أحاديث صحيحة مرويّة عن النبىّ ﷺ من «كتاب الوظايف» وعن أمير المؤمنين عمر بن الخطّاب رضى الله عنه، أنّ عهد ذمّتهم قد انقضت من سنة ستّ ماية هجريّة. فكان ممّا أورد قال: إنّ أوّل من وضع الديوان فى الإسلام الإمام عمر بن الخطاب رضى الله عنه حين أحضر له أبو هريرة رضى الله عنه مالا كثيرا من عمل البحرين. فقام إليه رجل من الأنصار وقال: رأيت الأعاجم تدوّن ديوانا فدوّن أنت أيضا ديوانا! -وقال خالد بن الوليد رضى الله عنه: قد كنت بالشأم ورأيت ملوكها دوّنوا ديوانا. فدوّن أنت ديوانا! -وإنّما سمّى الكتبة ديوانا لأنّ كسرى نوشروان رآهم يحسبون مع أنفسهم. فقال: هؤلاء ديوانه. والديوان باللغة الفارسيّة هى أمّ الشياطين. فسمّى الكتّاب بذلك لحذقهم ووقوفهم على الجلىّ والخفىّ. ثمّ سمّى مكانهم باسمهم. فقيل ديوان. ومن شرط من ينصّب فى الديوان ان يكون مسلما أمينا ضابطا سؤسا شفوقا على الإسلام. قال الله تعالى ﴿لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١٩) وقال تعالى ﴿لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ (٢٠) وقال ﷺ : لا تؤمّنوهم وقد خوّفهم الله ولا تقرّبوهم وقد أبعدهم الله

стр. 3969

وروى أنّ المتوكّل على الله أقصى اليهود والنصارى ولم يستعملهم وأذلّهم وخالف بين زيّهم وزىّ المسلمين، وجعل على أبوابهم علامات بالدهان مثل الشياطين ولمّا استقدم عمر بن الخطّاب رضى الله عنه أبا موسى الأشعرىّ من البصرة-وكان عاملا عليها للحساب-دخل على عمر رضى الله عنه وهو فى المسجد. فاستأذن عليه لكاتبه وهو نصرانىّ. فقال له عمر رضى الله عنه: قاتلك الله! وضرب بيده على فخذه، ولّيت ذمّيّا على المسلمين. أما سمعت قول الله تعالى: (٨) ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ (وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ) (٩)﴾ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ (١٠) ألاّ اتّخذت حنيفا. فقال: يا امير المؤمنين، لى كفايته وله دينه. فلا أكبرهم إذ أهانهم الله، ولا أعزّهم إذ أذلّهم الله، ولا أدنيهم إذ أقصاهم الله! وقال عمران بن أسد: أتانا كتاب عمر بن عبد العزيز إلى محمد ابن المبشّر، وهو يقول فيه: أمّا بعد، فإنّه بلغنى أنّ فى عملك رجلا يقال له حسّان يروى على غير دين الإسلام، والله تعالى يقول (١٦) ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اِتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفّارَ أَوْلِياءَ وَاِتَّقُوا اللهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (١٩) فإذا أتاك كتابى هذا فادع حسّان إلى الإسلام! فإن أسلم فهو منّا ونحن منه، وإن أبى فلا تستعن

стр. 3970

به، ولا تأخذ من غير أهل الإسلام على شئ من عمل المسلمين. فقرأ الكتاب على حسّان فأسلم وعلّمه الطهارة والصلاة ولمّا خرج النبىّ ﷺ إلى غزاة بدر تبعه رجل من المشركين، فلحقه عند الحرّة، فقال: إنّى أريد أن أتبعك وأصيب معك-. قال: تؤمن بالله ورسوله؟ -قال: لا. -قال: ارجع! فلن أستعين (٥) بمشرك. -ثمّ لحقه عند الشجرة، ففرح به أصحاب النبىّ ﷺ ، وكانت له قوّة وجلد، فقال: جيت لأتبعك وأصيب معك. - قال: تؤمن بالله ورسوله؟ -قال: لا. -قال: ارجع! فلن أستعين (٨) بمشرك. - قال: ثمّ لحقه على ظهر البيدا فقال له مثل ذلك. فقال تؤمن بالله ورسوله؟ -قال: نعم، -فخرج به. وهذا دليل عظيم فى أنّ الاستعان <بمشرك> لا يكون البتّة. هذا وقد خرج معه ﷺ ، يقاتل ويراق دمه. فكيف استعماله على رقاب المسلمين؟ وحكى عن علىّ بن حمزة الكسائىّ أنّه كان يقرئ بعض الخلفاء من وراء حجاب، فوصل إلى قوله تعالى ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ﴾ (١٥) الآية، فدقّ الكسائىّ بيده على الأرض، وكانت عادته ألاّ يدقّ بيده إلاّ إذا غلط الخليفة. فأعاد الخليفة الآية صحيحة، فأعاد الكسائىّ الدقّ، كذلك ثلاث مرار، ففهم الخليفة. وكان عنده ذمّىّ قد ولاّه أمور الرعيّة. فقام الخليفة لوقته وأحضر رأس الذمّىّ وأخرجها للكسائىّ من تحت الستارة، وقرأ فلم يعاود الدقّ

стр. 3971

وشرح وزير المغرب من هذا التأكيد لعدم الاستعانة بالذمّة فى أمور المسلمين شيئا (٢) كثيرا جدا بروايات صحيحة من عدّة وجوه فأثّر ذلك عند مولانا السلطان عزّ نصره وعند الأمرا، فأمر أن يلبسوهم الأزرق والأصفر والأحمر للسمرة من اليهود. وأسلم منهم فى تلك النوبة جماعة، منهم أمين الدين أمين الملك بن العنام. وكان لبسهم ذلك يوم الخميس العشرين من شهر رجب من هذه السنة وفيها فى تاسع ذى القعدة وصل من الشأم المحروس أمير (٧) يسمّى أنص، يخبر بحركة غازان وأنّه قد أرسل قدّامه رسولا (٨)، وكان هذه عادتهم من قبل هذا الوقت الذى وضعت فيه هذا التأريخ: إذا أرسلوا رسولا يكونون خلفه. وإنّما فى هذا الوقت المبارك لما حصل من الصلح معهم لما دخل فى قلوبهم من الهيبة السلطانيّة الناصريّة عادت لا تكاد رسلهم (تنقطع، بل (١٢)) واصلين إلى الأبواب الشريفة بالتحف والهدايا الحسنة كما يأتى ذكر ذلك فى تأريخ سنيه إنشاء الله تعالى ولقد أذكر فى وقت. وكان قد وصلت رسل التتار، وكان الوالد سقى الله عهده فى ذلك التأريخ مهمندارا بدمشق المحروسة، وذلك فى سنة عشر وسبع ماية. وكان النايب بدمشق يومئذ الأمير سيف الدين كراى المنصورىّ ﵀. فحصل من الوالد فى حقّهم خدمة جيّدة فى وقت ورودهم وعند مصدرهم وعودهم من الأبواب الشريفة. وكان قد أعجبهم الوالد ﵀ واستحسنوا شكله وفعله، فأوعدوه الإحسان عن عودتهم من الأبواب العالية. فعرّف الوالد للأمير سيف الدين كراى ملك الأمرا ذلك، حتى عاد فى كلّ

стр. 3972

وقت يمازح الوالد ويقول له: يا جمال الدين، لا تأكل الهديّة وحدك وأشركنا فيما أوعدوك به. فلمّا عادوا وتلقّاهم الوالد من الكسوة وخدمهم أتمّ خدمة، وهم كثيرين الإعجاب به والثناء عليه، ولم يزل معهم إلى القابون يشيّعهم. فضربوا بينهم مشورا زمانا طويلا. ثمّ أخرجوا للوالد ثلاثة طوامير عظم وحلقتين طسما (٥) وقالوا له: اشكر إحسان القآن إليك. -فلمّا عاد إلى ملك الأمرا أحضر إليه ذلك الإنعام العظيم. فضحك كراى وقال: يا جمال الدين، والله لولا أنت عندهم تشبه تومان ما أعطوك هذا. -فقال: يا خوند، الهديّة لمن حضر. -فأخذهم منه وأخلع عليه خلعة كاملة مصمت (٩). وإنّما ذكرت هذه الواقعة لما كانوا عليه التتار من كبر الأنفس فى ذلك الوقت ولما تهذّبوا فى أيّام مولانا السلطان وعادوا يحضرون بالأموال الجليلة، والجوارى الحسان الجميلة، حسبما نذكر من ذلك إنشاء الله تعالى ثمّ وصل بعد أيّام البريد المنصور وأخبر أنّ رسول التتار دخل دمشق ليلة الثلثا الثالث والعشرين من ذى القعدة، وأنزلوهم بالقلعة وأنّهم فى دون العشرين نفر. فأقاموا بدمشق أيّاما وتركوا أثقالهم وغلمانهم بدمشق. وأحضروا على البريد المنصور، وصحبتهم المعتمد وكانوا ثلاثة نفر وهم القاضى ضيا الدين بن بهاء الدين بن يونس الشافعىّ، خطيب الموصل. وقاضيها، وصحبته آخر من المغل. ومعهما غلام لهم. فوصلوا القلعة المحروسة ليلة الاثنين خامس عشر ذى الحجّة (١٩)، فأقبل عليهم مولانا السلطان غاية الإقبال وأحسن نزلهم وأوفر (٢٠) رواتبهم. فلمّا كان عصر

стр. 3973

يوم الثلثا لبسوا الأمراء والمقدّمين وأكابر الحلقة ومماليك مولانا السلطان أفخر الملابس، وأوقدت الشموع واستحضروا بعد عشا الآخرة. وحضر القاضى ضيا الدين وعلى رأسه طرحة. وقام وخطب خطبة بليغة، وذكر فى أثنايها آيات كثيرة من القرآن العظيم تتضمّن معانى الصلح واتّفاق الكلمة، وأردف ذلك بأحاديث صحيحة. ثمّ إنّه بسط يديه ودعا لمولانا السلطان الملك الناصر عزّ نصره، ثمّ لغازان من بعده، ثمّ للأمرا، ثمّ لكافّة المسلمين. ثمّ أدّى الرسالة، ومضمونها أنّ ما قصدهم إلاّ الصلح. ثمّ دفع من يده كتابا مختوما (٨) بخطّ مغلىّ بغير عنوان، قطع نصف البغدادىّ، فأخذ منه، ولم يقرأ فى تلك الليلة. وعاد الرسول إلى مكانه المهمانخاناه (١٠). فلمّا كان ليلة الخميس أحضر مولانا السلطان الموالى الأمرا من أرباب المشور، وقرئ الكتاب، فكان ما هذا نسخته: بقوّة الله تعالى وإهداء السلام إليكم! إنّ الله تعالى جعلنا وإيّاكم من أهل ملّة واحدة، وشرّفنا بالإسلام وأيّدنا بنصره لإقامة مناره وتكبير شعاره وما كان بيننا وبينكم إلاّ بقضاء الله وقدره، وما ذاك إلاّ بما كسبت أيديكم ﴿وَما رَبُّكَ بِظَلاّمٍ لِلْعَبِيدِ﴾ (١٦) وسبب ذلك أنّ عساكركم غاروا على ماردين وبلادها فى شهر رمضان المعظّم الذى يعظّمه الأمم فى ساير الأقطار، ويغلّل فيه الشيطان وتغلّق فيه أبواب النار. فطرقوا البلاد ﴿عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها﴾ (١٩) وهتكوا محارم الله سرعة بغير مهلة، وأكلوا الحرام، وركبوا الآثام، وفعلوا ما لا تفعله عبّاد الأصنام، فأتونا أهل

стр. 3974

ماردين، وبلادها مستصرخين، مسارعين ملهوفين، بالأطفال والحريم. وقد استولى عليهم الشقا بعد النعيم، فوقفوا بأبوابنا، ولاذوا بجنابنا فهزّتنا نخوة الكرام، وحرّكتنا حميّة الإسلام، فركبنا على الفور بمن كان معنا، ولم يسعنا أن نجمع بقية جيوشنا، وقدّمنا قدّامنا النيّة، وعاهدنا الله على ما يرضيه عند بلوغ الأمنيّة، وعلمنا أنّ الله لا يرضى لعباده أن يسعوا فى الأرض بالفساد. وأنّه ليغضب لهتك الحريم والأولاد، فما كان إلاّ أن لقيناكم بنيّة صادقة، وقلوب على حميّة الدين موافقة ﴿وَمَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ (٨) والذى ساقنا إليكم، هو الذى نصرنا عليكم، فما مثلكم إلاّ كمثل ﴿قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً﴾ (٩) فولّيتم الأدبار، وركنتم إلى الفرار، واعتصمتم من سيوفنا بالفرار، فعفونا عنكم بعد الاقتدار، ورفعنا عنكم السيف البتّار، وتقدّمنا إلى جيوشنا أن لا يسعوا فى الأرض كما سعيتم، وأن ينشروا من العدل ما طويتم، ولو قدرتم ما عفيتم ولا عفّيتم، ولا نقلّدكم بذلك منّة، بل حكم الإسلام فى البغاة كذلك. وكان جميع ما جرى فى سابق القدم. ومن قبل كونه جرى به القلم ثمّ لمّا أن رأينا (١٥) أنّ الرعيّة قد تضوّروا بمقامنا فى الشام. لكثرة جيوشنا لمشاركتهم فى الشراب والطعام. ولما حصل فى قلوب الرعيّة من الرعب، عند معاينة جيوشنا التى هى كطبقات السحب. فأردنا (١٧) أن نسكّن روعهم برحيلنا من أرضهم بالنصر والتأييد، والعلوّ والمزيد. وتركنا عندهم من جيشنا من يتونّس بهم، ويعود فى أمرها إليهم، ويحرسهم من التعدّى بعضهم على بعض، بحيث إنّكم ﴿ضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ﴾ (٢٠)

стр. 3975

إلى أن يستقرّ جأشكم، وتبصروا أرشادكم، وتسيروا إلى الشأم تحفظونه من أعدايكم المتقدّمين، وأكرادكم المتمرّدين، فقدّمنا أمرنا إلى مقدّمى تومانين من جيوشنا، أنّهم متى سمعوا بقدوم أحد منكم أن يعودوا إلينا بسلام، ويلحقوا ركابنا بدار السلام، فعادوا إلينا بالنصر المبين، والحمد لله ربّ العالمين والآن فإنّا وإيّاكم على كلمة الإسلام مجتمعين. وما كان بيننا ما يفرّق كلمتنا إلاّ من فعلكم فى ماردين. وقد أخذنا منكم بالقصاص، وهذا جزا كلّ عاص. فلنرجع الآن إلى إصلاح الرعايا، ونجتهد نحن وأنتم فى العدل فى ساير القضايا! فقه انضرّت بيننا وبينكم حال البلاد وسكّانها، ومنع الرعيّة الخوف القرار فى أوطانها، وتعذّر سفر التجّار، وتوقّف حال المعاش لانقطاع البضايع والأسفار، ونحن نعلم أنّا نسأل عن ذلك ونحاسب عليه، وأنّ الله لا يخفى شى فى الأرض ولا فى السماء عليه (١٢)، وأنّ كلّ ما كان وما يكون فى كتاب مبين ﴿لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاّ أَحْصاها﴾ (١٤) وأنت تعلم أيّها الملك الجليل، أنّنى أنا وأنت مسئولون عن الكثير والقليل، وكذلك فإنّا مسئولون ومطالبون عمّا جناه، أقلّ من ولّيناه. وإنّ مصيرنا إلى الله، فإنّا معتقدون الإسلام سرّا وعلانية، عاملون بفروضه فى كلّ وصيّة وقد حمّلنا قاضى القضاة حّجة الإسلام بقيّة السلف ضيا الدين أبا (١٩) عبد الله محمدا أعزّه الله تعالى شفاهة يعيدها على سمع الملك، والعمدة

стр. 3976

عليها. فإذا عاد من الملك الجواب، فليسيّر إلينا هدية الديار المصرّية كهدايا الأحباب، لنعلم أنّ بإرسال الهدّية، قد حصل منكم فى إجابتنا إلى للصلح نيّة، ونهدى من بلادنا ما يليق أن يهدى إليكم، والسلام الطيّب منّا عليكم إنشا الله تعالى! ولمّا حصل الوقوف على هذا الكتاب استشار الموالى الأمرا فى الجواب. فطلبوا قاضى القضاة ضيا الدين الرسول المذكور وقالوا له: أنت من كبار الأيمّة والعلماء ومن خيار المسلمين، وتعلم ما يجب عليك وعلى كلّ مسلم من النصح للإسلام ولهذا الدين، وتعلم أنّ نحن ما نتعاهد الحرب والقتال إلاّ لقيام دين الإسلام، فإنّ هذا الأمر قد فعلوه حيلة ودهاء. فنحن نحلف لك بالله، الذى ﴿لا إِلهَ إِلاّ هُوَ﴾ (١٠) ما يطّلع أحد من خلق الله تعالى على نصحك للإسلام. ورغّبوه فيما فيه الرغبة. فحلف أيمانا مؤكّدة (١٢) أنّه ما يعلم من غازان وخواصّه غير الصلح وحقن الدماء ورواح التجّار ومجيهم وصلاح الرعيّة. ثمّ قال لهم فى أثناء كلامه: ومن المصلحة أنّكم تتقوّوا وتبقوا على ما أنتم عليه من الاحتراز والاهتمام لعدوّكم، وأنتم فلكم عادة فى كلّ سنة تخرجون الجيوش لحفظ أطراف بلادكم تجاريدا، فتكونون على عادتكم فى ذلك. فإن كان هذا الأمر صحيحا (١٦) أو خديعة ظهر لكم بعد ذلك. فلمّا سمعوا منه هذا الكلام تحقّقوا أنّه كلام ليس فيه غشّ ولا مكر منه. ثمّ شرعوا فى تجهيز رسول، وجواب غازان على يده، كما يأتى ذكر ذلك فى سنة إحدى وسبع ماية إنشا الله تعالى.

стр. 3977

ذكر ما جرى فى هذه السنة بين ملوك الهند وذلك أنّه لمّا كان فى أواخر شهر ذى القعدة من هذه السنة قدم التجّار الكارم من اليمن إلى الديار المصريّة، فأخبر العدل بهاء الدين محمد بن العدل تاج الدين المعروف بأبى سعد البغدادىّ، وهو ابن أخى (٤) العدل شهاب الدين أحمد بن الكوّيك الكارمىّ التكريتىّ ممّا أخبرنا به نور الدين ابن أخيه أنّ صاحب إقليم دلّى-وهو يومئذ الملك المسعود ناصر الدين محمد بن علم الدين سنجر عتيق شمس الدين إيتامش وشمس الدين إيتامش عتيق السلطان شهاب الدين وأخوه السلطان غياث الدين الغورى المقدّم ذكرهما فى هذا التأريخ-كان قد سيّر جيوشه فى سنة تسع وتسعين وستّ ماية إلى نواحى إقليم كنبايت (١٠). فلمّا بلغ التتار الذين بجواره-وهم طايفة يقال لهم المنكدمريّة عرفوا باسم ملكهم منكوتمر-أنّه ليس ببلاد دلّى عساكر طمعوا فى أخذها، فجمعوا وحشدوا وتوجّهوا نحو مدينة دلّى وأغاروا على أطراف بلادها وأعمالها، فنهبوا وسبوا وأسروا وملكوا منها تقدير نصف أعمالها. ثمّ إنّهم قصدوا المدينة نفسها التى هى كرسىّ المملكة. ولم يكن عند الملك المسعود المذكور يومئذ سوى ثلاثين ألف فارس والتتار فى جمع كثير. فاستشار وزراه فى ما يفعل وكذلك كبار دولته. فاتّفق رأيهم أن يأخذوا الأفيلة التى عندهم جميعها، وتركب عليها المقاتلة، ويركب الجيش من ورا الأفيلة. فإن ظهرت التتار على الأفيلة فسوف يشتغلون بها ويهرّب الملك المسعود وخاصّته إلى مكان عيّنوه بينهم بحيث أنّهم لا يحصرون فى قلعة ولا مدينة فيؤخذون. وكانت الأفيلة ثلاث ماية

стр. 3978

فيل. وركب الملك مع خواصّه فى جيوشه ورا الأفيلة. فعند ما نظرت خيول التتار إلى الفيلة ولّت هاربة على أدبارها لا يلوون على شئ. فركب جيوش الملك المسعود أقفيتهم قتلا وأسرا، وقتلوهم قتلا ذريعا، ونصرهم الله عليهم، ولم ينجوا منهم إلاّ كلّ طويل العمر. واتّبعوهم مسافة خمسة عشر يوما حتى أخرجوهم من ديارهم أنحس خروج وأمّا ما كان من الجيش الذى سيّره الملك المسعود إلى إقليم كنبايت (٦) فإنّهم ساروا والتقوا ملك ذلك الإقليم وكسروه كسرة صعبة شنيعة وأسروه. فلمّا أحضر بين يدى مقدّم جيوش الملك المسعود أحضر له قيدا حديدا (٩) وأراد تصفيده بذلك القيد الحديد. فلمّا رآه ذلك الملك قال له: لمثلى تقيّد بقيد حديد، فأنا كنت صنعت لك لو ظفرت بك قيد ذهب. فأمر بإحضاره، فإذا قيد ذهب مرصّع بالجواهر. فقال له القايد: فأنا أقيّدك به، وأحمد الله تعالى الذى عافانى منه وابتلاك به. فقيّده به. ثمّ طلب منه الأموال، فدلّ بهم على طميرة فيها ذهب كثير، فأخذوها. ثم طلب منه أيضا المال فقال: أو ما كفاك الذى أخذت؟ -قال: لا. -فقال: وحقّ معبودى. لا أظهركم بعدها إلاّ على طميرة أخرى لا غيرها ولو متّ. -ثمّ دلّ بهم على طميرة أخرى، فأخذوا ما كان فيها بعد ما عاهده ألاّ يعود يطلب منه شيئا (١٧) آخر. فأقاموا ينقلون منها ثمانية عشر يوما، كلّ يوم خمسة عشر حملا. فلمّا فرغوا من ذلك السرب طلبه أيضا بالمال وقال: افدى نفسك وإلاّ قتلتك، وأخافه. فقال له: وأنا ممّن أخاف القتل؟ وحقّ ما أعبده، لا عدت أظهرتك على

стр. 3979

شئ آخر وافعل ما شيت أن تفعل. -فسيّر ذلك القايد يعرّف الملك المسعود بصورة الحال ومن عجيب الاتّفاق أنّه كان قد حضر للسلطان علم الدين سنجر أبى (٤) الملك المسعود سبى من هذه البلاد، فاتّخذ لنفسه من ذلك السبى جارية حسنا هنديّة فتسرّى بها، فحملت منه بهذا الملك المسعود. فلمّا وصل الخبر من قايد الجيش بما كان من أمر الملك المستأسر ويستأذنه فيما يفعل فى أمره، فاستشار والدته فيما يفعله فى أمر الملك. فبكت وقالت: يا ولدى، أو ما تعرف من هو هذا الملك؟ -فقال: لا والله. -فقالت: هو والله خالك وأنا أخته. -فلمّا ثبت ذلك عنده أمر أن يكتب إلى مقدّم عساكره أن يطلق الملك ويحسن إليه. وبعث إليه بخلع كثيرة، وكتب إليه بردّ بلاده عليه، وأن يكون نايبا له بها. فلمّا وصل إلى الملك ذلك علم الأمر الخفىّ فى ذلك، واطّلع على جليّة الخبر، وعلم أن الملك المسعود ابن أخته. ففرح فرحا شديدا. ثمّ إنّه توجّه إلى بعض بلاده وأظهر من مواضع خفيّة عدّة مطامير بها أموال عظيمة مكتنزة من عهد آبايه وجدوده. وأضاف إلى ذلك هدايا جليلة لا يعلم لها قيمة، وبعث بجميع ذلك للملك المسعود، وبعث يقول له: إنّ لك عندى عدّة مطامير من عهد آبايى وأجدادى ومهما اعتزت من الأموال والجواهر، أنا أمدّك به، فاستخدم الرجال وانتصر بهم على جميع أعداك وأنا خالك ونايبك ومملوكك. وعندى أربعين سربا أقلّها مثل الذى أخذه مقدّم جيشك والسلام

стр. 3980

وذكر أيضا نور الدين المذكور بحضور الصدر جمال الدين بن سعادة الكارمىّ، وكان قدومه من اليمن وصدّقه على جميع ذلك، وقال: إنّ فى سنة ثمان وتسعين وستّ ماية قام شخص يقال له الشيخ محمد ويكنى أبا عبد الله بأرض الحبشة، واجتمعوا إليه عالم عظيم. وقال لهم: إنّ الملايكة تكلّمه وأنّهم قد أمروه بفتح بلاد الحبشة. -فاجتمع عليه مايتى ألف رجل. فعند ذلك جمع الأمحرا ملك الحبشة جميع جيوشه، فكانوا نحو من أربع ماية ألف فارس وراجل. وخرج لملتقى الشيخ محمد المذكور. وشرع ملك الحبشة فى الباطن يراسل أصحاب الشيخ محمد ويفسدهم بالمال، فجاءوا إليه كبار جموعه وقالوا له: نريد منك برهانا (٩) عمّا تدّعيه من كراماتك حتى تطيب قلوبنا ونقاتل معك وبين يديك بقلوب طيّبة، فقال لهم: أنا أدع الملايكة تكلّمكم من البير الفلانىّ. فلمّا انفضّوا من عنده على ذلك أمر بعض الخصيصين به أن يصنع له فى تلك البير مكانا فى جانبها ويختفى فيه، ويجاوب الشيخ بما أوصاه به. فلمّا تهيّأ أمره نفذ الشيخ إلى أعيان القوم المطالبين له بالبرهان فى جمع كثير من جماعته. فلمّا وصلوا إلى تلك البير تقدّم الشيخ إلى عندها وقال: يا ملايكة ربّى، أو قال: يا جبريل، ما أنا على الحقّ؟ -فجاوبه ذلك الرجل الذى رتّبه فى أسفل البير: نعم، أنت على الحقّ المبين، والويل كلّ الويل لمن خالفك أو ناوأك. -ثمّ أمره ونهاه بما قررّ معه من الكلام ساعة زمانيّة والناس يسمعون. فلّما علم أنّهم طابت نفوسهم وصفت قلوبهم له قال لهم: ما تقولون؟ -قالوا: يا سيّدنا، ظهر لنا صدقك، ونحن نستغفر الله من تعرّضنا عليك بما طلبناه منك. -فقال:

стр. 3981

أتعلموا ما أقول لكم وآمركم به؟ -قالوا: نعم. -قال: تعلنوا أصواتكم بالتكبير، وتردموا هذه البير، فى هذه الساعة! -وكان قصده بإعلانهم بالتكبير حتى لا يسمع لذلك الرجل الذى فى البير عياط (٣) ولا يجيبوا له تداء إذا رأى ما حلّ به. فلم يكن بأسرع أن طمّوا تلك البير على ذلك الرجل، وتساوت مع الأرض. وكان لذلك الرجل الذى هلك فى البير وطمّ عليه أخ، فطال عليه غيبته، فأتى إلى الشيخ وسأله عنه، فنكر علمه به. وكان قد سأل قبل ذلك من جماعة من خواصّ الشيخ قبل اجتماعه به. فقالوا له: قد سيّره الشيخ فى مهمّ له. فلمّا سأل الشيخ ونكره استراب الرجل، ولم يزل يبحث عن أمره حتى استصحّ الخبر. فتوجّه مع جماعة كبيرة إلى البير ونبشوها وأخرجوا ذلك الرجل ميّتا. فعند ذلك توقّفوا عن متابعة الشيخ وتفرّقوا عنه بعد أن كاد يظهر على الأمحرا ملك الحبشة. وكان له مصافّ (١١) لملك الحبشة على شاطى النيل ستّة أشهر. فلمّا رأى أمره انحلّ وبرمه انتقض، راسل لملك الحبشة وطلب الصلح. وأعطاه الأمحرا أرضا تزرع له ولخاصّته المرتبطين عليه، وأقطعها لهم إقطاعا وألاّ يكلّفوا شيئا. وأن يعطيهم ملك الحبشة فى كلّ سنة مالا غير تلك الأرض، ويكونون تحت طاعته واتّفق أمرهم على ذلك والله أعلم وذكر أيضا أنّ الملك المؤيد هزبر الدين داود صاحب اليمن وقع الخلف فى سنة تسع وتسعين وستّ ماية بينه وبين الزيديّة، وأنّهم تحوّلوا عن طاعته وقالوا: هذا الذى تعطينا ولنا مقرّر (١٩) لا يكفينا. -وكان لهم فى كلّ سنة مقرّر عشرين ألف دينار عين مصريّة. على أنّهم يحموا الطرقات

стр. 3982

ويخفروا المسافرين من التجّار وغيرهم، وألاّ يؤذوا أحدا وأن يكونون تحت الطاعة له، متى طلبوا لحرب حضروا. فلمّا كان فى سنة تسع وتسعين وستّ ماية سيّروا يقولون له: لا عدنا نوافقك حتى تقرّر لنا ماية ألف دينار فى كلّ عام. فإنّ نحن عمارة البلاد، وبنا الصلاح والفساد. -ثمّ اجتمعوا فى عدد كثير وعزموا على قتاله، وجمع هو أيضا عساكره وقصدهم. ولم يبق غير الملتقى، فعند ذلك دخلوا مشايخ بلاد اليمن والمتطوّعة والفقها والعلماء وأصلحوا بينهم، وانفصلوا على غير قتال كان بينهم وحكى الشيخ الصالح سيف الدين أبو الحسن علىّ الآملى، قال: كنت مع الملك المؤيّد صاحب اليمن لمّا أراد الزيديّة، فكنت فيمن مشى بينهم فى الصلح. وزادهم الملك المؤيّد عشرة آلاف دينار فى كلّ سنة على معلومهم، ووقع الصلح بينهم، وانعقدت الأيمان على ذلك. ثمّ توجّهت إلى الحجاز بعد ذلك. وقال أيضا: إنّ جملة الأمر أن كان فى سنة سبع وتسعين وستّه ماية الخلف واقعا (١٤) بين ساير ملوك الدنيا شرقا وغربا وكذلك ذكر الحاجّ إبراهيم بن محمد المسعودىّ التاجر السفّار والحاجّ معتوق الماردانىّ والشمس محمد السنجارىّ، أجمعوا جميعهم وذكروا بالقاهرة فى سنة سبع ماية أنّ الملك أنغاى وهو ابن أخى بركة المقدّم ذكر فعله فى سوداق اتّفق (١٨) مع الملك بختاى وكان بينهما وقعة عظيمة. وأنّ أنغاى انتصر على بختاى واستولى على مملكته ببلاد القفجاق. وهذا بختاى لم يبلغ فى ذلك الوقت من العمر ثلاثين سنة، وكان قد صالح

стр. 3983

غازان وهو مجاور (١) لبلاده. والمتّفق عليه أنّ ساير الملوك الذين اتّصل بنا أخبارهم الواردة رسلهم وتجّارهم إلى الديار المصريّة، كانوا فى ذلك التأريخ جميعهم شبابا (٣) لم يلحقوا فى السنّ ثلاثين سنة، والله أعلم وفيها توفّى عزّ الدين ملك الأمرا الذى كان نايبا بدمشق فى الأيّام الظاهريّة. وكذلك الأمير سيف الدين بلبان الطبّاخىّ، وجمال الدين آقوش الشريفىّ، والأمير سيف الدين كرجىّ رحمهم الله تعالى وساير أموات المسلمين وفيها توجّه الأمير سيف الدين سلاّر نايب السلطنة المعظّمة بجماعة كبيرة من الأمرا والمقدّمين ورءوس المدارج من الحلقة المنصورة، وطلع أرض الصعيد بالديار المصريّة بسبب العربان ونفاقهم. وكان قد تسلّطوا تسلّطا عظيما حتى منعوا الجند والأمرا إقطاعاتهم وخراجاتهم بجميع الصعيد. فطلع إليهم الأمير سيف الدين سلاّر بهذه العدّة، فنهبوا وسبوا وقتلوا وقطعوا عالما كثيرا (١٣) حتى كان إذا أمسك منهم جماعة استنطقهم، فمن عقد فى كلامه القاف أتلفه ومن قالها مستقيما أطلقه. والذى أحضر إلى الأبواب الشريفة من المواشى والنّعم، خارجا عمّا ذبح ونهبوه الجيش وذبحوه فى مدّة إقامتهم بالصعيد. ما جملة عدّته ماية ألف رأس وسبعة وعشرين ألف رأس ومايتى رأس، تفصيله: المحضر إلى الإصطبلات المعمورة: خيول أربعة آلاف فرس، والمحضر إلى المناخات المعمورة: جمال اثنا عشر ألف وستّ ماية جمل، والمحضر إلى المطابخ المعمورة: أغنام ماية ألف وعشرة ألف ومايتى رأس. وقطع أيدى وأرجل

стр. 3984

خلق لا تحصى، وكذلك وسّط وشنق عالم كثير ومهّد الصعيد إلى حين تسطير هذا التأريخ لم يسمع فيه ما كان يعهد من النفاق ومنع الحقوق للمقطعين، وتوطّد الصعيد بكماله، ولله الحمد ذكر [حوادث] سنة إحدى وسبع ماية النيل المبارك فى هذه السنة: الماء القديم ما يخصّ من الحوادث الخليفة: الإمام الحاكم بأمر الله أبو (٧) العبّاس أحمد إلى حين وفاته فى هذه السنة حسبما يأتى من ذكر وفاته فى تأريخ ذلك إنشا الله تعالى، ومولانا السلطان الأعظم: الملك الناصر سلطان الإسلام أدام الله أيّامه إلى آخر الأبد وكفاه ﴿شَرِّ حاسِدٍ إِذا حَسَدَ﴾ (١٠) بمحمد وآل محمد، وكذلك النوّاب والملوك حسبما تقدّم من ذكرهم فى السنة التى قبلها فيها وزر الأمير عزّ الدين أيبك البغدادىّ الديار المصريّة عوضا عن الأمير شمس الدين سنقر الأعسر، وذلك فى يوم الجمعة عاشر المحرّم من هذه السنة. وهو الرابع من الوزرا المكلوتين بالديار المصريّة من أوّل زمان وإلى ذلك التأريخ. ولم يكن ذلك يعرف بالديار المصريّة من قبل. وإنّما أوّل من استنّ ذلك مولانا السلطان الشهيد الملك المنصور نوّر الله ضريحه، فوزر الأمير علم الدين الشجاعىّ وهو أوّل المكلوتين. ثمّ كان بعده الأمير بدر الدين بيدرا، ثمّ الأمير شمس الدين الأعسر، ثمّ فى هذه السنة الأمير عزّ الدين البغدادىّ. هؤلاء المكلوتين، خارجا

стр. 3985

عمّا كان بينهم من الوزرا المتعمّمين. وهذه كان عادة وزرا العراق إن يكونوا أمرا وتضرب على أبوابهم الطبلخاناه، وكذلك كان فى أيّام الخلفاء، وكان الشجاعىّ قد وزر بعد الصاحب برهان الدين السنجارىّ وعزل بنجم الدين بن الأصفونىّ. ثمّ عاد تولّى بعده، ولمّا غضب عليه مولانا السلطان الشهيد الملك المنصور وقبض عليه وعصره حسبما سقناه فى تأريخه المتقدّم جلس فى دست الوزارة بيدرا. ثمّ انتقل بيدرا إلى النيابة فى الدولة الأشرفيّة ورجع الشجاعىّ، فأقام أيّاما (٧) قلايل حتى وصل الصاحب شمس الدين بن السلعوس من الحجاز الشريف، فاستوزره مولانا الشهيد الملك الأشرف برّد الله ضريحه، فاستمرّ وزيرا حتى استشهد السلطان الأشرف. فوزر الصاحب فخر الدين بن الخليلىّ الدارىّ. فلمّا تملّك لاجين وزر الأعسر عوضا عن ابن الخليلىّ. ثمّ قبض عليه وعاد ابن الخليلىّ. ثمّ عاد الأعسر حتى وزر البغدادىّ وفى يوم الأحد تاسع عشر المحرّم من هذه السنة رسم لساير الأمرا والمقدّمين والأعيان من الحلقة أن يتوجّهوا إلى الصيد بجهة ناحية العبّاسة من الأعمال الشرقيّة بالديار المصريّة، وأن يأخذون معهم عليق عشرة أيّام. ثمّ خرج الركاب الشريف السلطانىّ من قلعة الجبل المحروسة يوم الاثنين العشرين منه مبرّزا إلى بركة الحجّاج، وطلب الأربعة قضاة الأيمّة إلى البركة واجتمعوا بمولانا السلطان. وضرب مشور فيمن يسيّر رسولا إلى غازان صحبة رسله، فوقع الاختيار من الأمرا على الأمير حسام الدين أزدمر المجيرىّ ومن القضاة القاضى عماد الدين بن السكّرىّ.

стр. 3986

ثمّ انتقل الدهليز المنصور إلى منزلة الصالحيّة. ودخل مولانا السلطان عزّ نصره والأمرا فى ركابه إلى البرّيّة بسبب الصيد. فلمّا كان يوم الاثنين ثامن عشرين المحرّم عاد مولانا السلطان إلى الدهليز المنصور بالصالحيّة. وأخلع على ساير الأمرا بحضرة الرسل، فذهلوا لما عاينوا من ترتيب السلطنة المعظّمة وحسن هيئة الجيوش الإسلاميّة ما لا نظروا إلى (٦) شى أحسن منه. ثمّ إنّ مولانا السلطان أخلع على الرسل وأنعم عليهم كلّ منهم (٧) بعشرة آلاف درهم وتعابى قماش وغير ذلك. وسفروا صحبة الأمير حسام الدين أزدمر المجيرىّ والقاضى عماد الدين بن السكّرىّ، وعلى يدهم كتاب ما هذا نسخته: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ بقوّة الله وإقبال دولة السلطان الملك الناصر قد علمنا ما أشار به الملك الجليل وندب إليه، وما عوّل فى قوله وفعله عليه. فأمّا قول الملك: قد جمعنا وإيّاكم كلمة الإسلام، وملّة النبىّ عليه أفضل الصلاة والسلام، وإنّه لم يطرق ولا قصد إلاّ لما سبق به القضاء المحتوم، فهذا أمر غير مجهول، بل هو عندنا معلوم وإنّ (١٦) السبب فى ذلك إغارة جيوشنا على ماردين، وأنّهم سبوا وفسقوا وهتكوا الحريم، وفعلوا فعل من لا له دين، فالملك يعلم أنّ ما برحت غاراتنا فى بلادكم، من عهد آبايكم وأجدادكم، وأنّ الذى فعل ما فعل من الفسّاد، لم يكن برأينا ولا من أمرانا والأجناد، بل هو من الأطراف الطمّاعة ممّن لا يؤبه إليه، ولا يعوّل فى قول ولا عمل

стр. 3987

عليه، وأنّ معظم جيوشنا كان فى تلك الغارة التى فى تلك الأيّام، فى الليل قيام، وفى النهار صيام، طاوين لمّا لم يجدون ما يشترونه من القوت، فصاموا وطووا (٣) ليلا يأكلوا ما فيه شبهة وحرام ولا يجب على الملك ابن الملك الذى أصله من عظم القآن جكز خان، أن يقول قولا ويقع عليه الردّ فيه قريب، ولا يظن أنّه ساعة واحدة عن أعيننا يغيب، وليعلم أنّه لو تقلّب فى مضجعه من جانب إلى جانب، أو خرج من منزله راجلا كان أو راكب، لكان عندنا علم ذلك على البريد، ونطّلع من جميع أخباره على ما نحبّ ونريد، ممّن هو إليه (٨) (أقرب من حبل الوريد (٩))، فإنّ أقرب بطانته إليه، هو العين لنا عليه، وإن كبر ذلك لديه، وقد تحقّقنا أنّ الملك أقام عامين يجمع الجموع، ويستنصر بالبيعة والطموع، حتى جمع وحشد، من كلّ أرض وبلد، واعتضد بالنصارى والكرج والأرمن، واستنجد بكلّ من ركب فرسا من فصيح وألكن (١٣)، وطلب من الموشمات خيولا وركاب، وكثّر سوادا وعدّد أطلاب ثمّ إنّه لمّا علم أنّه ليس له بجيوشنا قبل فى معركة ولا نزال، عاد إلى التلفيق بقول الزور والمحال، والخديعة والاحتيال، وأبطن خلاف ذلك، حتى ظنّ معظم جيوشنا أنّ الأمر كذلك. فلمّا التقينا كان أكثر جيوشنا يمتنع من قتاله، ويفنّد عن نزاله، ويقولوا لا يحلّ قتال المسلمين. ولا يجوز قتل من تظاهر بهذا الدين. فلهذا كان منهم ذلك الفشل، وتأخّروا عن قتالك حتى حصل ما حصل. وأنت تعلم أنّ الدايرة كانت عليك، وليس من أصحابك إلاّ من شكا

стр. 3988

إليك، والحرب سجال: فيوم لك ويوم عليك، وليس هذا ممّا تعاب به الجيوش، ولا أشدّ الوحوش، فإنّ لمن قهر لابدّ أن يقهر، وهذا كان بالقضاء والقدر وأمّا قول الملك: إنّه لمّا التقينا معه مزّق جيوشنا كلّ ممزّق، فهذا مثل بكم كان أليق. وإن كان الملك كان غايب الجأش لعظم هيئة جيوشنا وصولته، فليسأل من أصحابه وكبار دولته، كيف لم يحضرهم من جيوشنا إلاّ (٧) البعض، وكيف طرحوا معظم مغلكم على الأرض، وليس ينكر هذا لوقايع جيوشنا ومواقع سيوفنا من رقاب آبايه وأجداده، وما من حوى بيتكم إلاّ من هو إلى الآن لابس حداده، وسيوفنا فإلى الآن تقطر من دمايهم، وخيولنا فإلى الآن حفاة من دوس جماجمهم (١٠)، وإن كان جيشك قد داس أرضنا مرة، ودخل بلادنا كرّة، فبلادك لغاراتنا مقام، ولسيوفنا ذمام، فلا تغترّ بالزمان، فكما تدين تدان وأمّا قول الملك إنّه ومن معه يعتقدون قولا (١٣) سرّا وعلانية، فإنّ الذى جرى بدمشق فى جبل الصالحيّة. فليس يخفى على الملك إن كان مثل هذا يكون من فعل المسلمين بالمسلمين، أو عمل من هو متمسّك بهذا الدين، فأين وكيف وما الحجّة؟ وحرم بيت الرحمن الهناء يشرب فيه الخمور، وتهتك فيه الستور، وتطمث فيه البكور، وتقتل فيه المجاورون، وتؤسر (١٨) الخطبا والمؤذّنون، ثمّ على رأس خليل الرحمن، تعلّق الصلبان، وتهتك النسوان، ويدخل الكافر نجسا (١٩) سكران. فإن كان ذلك عن علمك

стр. 3989

ورضاك، فيا خيبة مسعاك، فى دنياك وأخراك، ويا ويلك فى معادك، وعن قريب يخرّب عمرانك (٢) وبلادك، وتقتل أمرايك وأجنادك. وإن كان عن غير رضاك، ولم يبلغ أذناك، فقد أعلمناك، أن ليس مطلوب به سواك، فإن كنت فى قولك صحيح الكلام، وفى عقدك وفىّ النظام، فاقتل التوامين الذين فعلوا هذا الفعال، وأوقع بهم غاية النكال، لنعلم أنّك أوضحت الحجّة، وأنت على طريق المحجّة وليعلم الملك أنّ عساكرنا لمّا وصلوا إلى الديار المصريّة وقد تحقّقوا ما تظاهرت به وما أضمرت من النيّة، وبدّلكم الميل عن الإيمان، وانتصرتم على قتالهم بعبدة الصلبان، اجتمعوا وتأهّبوا وخرجوا بعزمات محمديّة، وهمّات بدريّة، ونخوات إسلاميّة، وقلوب من الشرك بريّة، وهمم عند الله تعالى عالية مرضيّة، ووجوه بين يديه إنشاء الله بيض ضوئية، ونادوا بلسان الاستغفار، يا أمّة محمد، البدار البدار، اطلبوا من الكفّار بالثار، الحقوا أعدايكم ما داموا فى البلاد، لتشفوا منهم غلل الصدور والأكباد. فما وسع جيشكم إلاّ الفرار، وما كان لهم على الملتقى صبر ولا اقتدار. فاندفعت عساكرنا، وهى كالموج الزخّار، يجدّون فى السير الليل والنهار، إلى أن وصلوا إلى بلاد الشام، ثمّ قصدوا أن يقصدوكم فى بلادكم ليظّفروا بنيل المرام، فخشينا على رعيّتكم أن تهلك، ولا تجدون إلى النجاة مسلك. فأمرناهم بالمقام. ولزوم الاهتمام، حتى ﴿لِيَقْضِيَ اللهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولاً﴾ (١٩)

стр. 3990

<وأمّا> ما تحمّله قاضى القضاة من المشافهة فسمعناه، وجميع ما ذكره فهمناه، وأقمنا مقامه من يكون نسبته بعد ما عذرناه. وهو المشهور بدينه وعلمه، وسكينته وحلمه، لكنّه غريب منكم، بعيد (٣) عنكم، لم يطّلع على بواطنكم، ولا ما انعقدت عليه ضمايركم. وإن كنتم تريدون الصلح والإصلاح، وبواطنكم كظواهركم متتابعة الصلاح، فأنت الطالب لذلك على التحقيق، ما لم يكن فى قولك تشويه ولا تمليق، فنحن نقلّدك البغى الذى من سلّه به قتل. وبهذا سار المثل، وبه أيضا شهد القرآن العظيم بمثله ﴿وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاّ بِأَهْلِهِ﴾ (٨) فترسل إلينا شخصا من كبار دولتك وحكّام عشيرتك، ليكون إذا قطع أمرا أو فصل حكما، عوّلتم عليه، وأنهيتم إليه، ويكون له فى دولتكم تمكين، وهو فيما يفعله ويفصله ثقة أمين، لنتكلّم معه بما فيه صلاح ذات البين، وإن لم يكن كذلك رددناه (١٢) بخفّى حنين وأمّا طلب الملك الهديّة، من الديار المصريّة، فليس نبخل عليه وقدره عندنا أجلّ مقدار. وجميع ما يهدى إليه دون قدره. وإن تغالينا فى الإكثار. وإنّما الواجب أن يهدى إلينا من العراق بأصنافها، لنقابل هديّته إنشاء الله بأضعافها. ونتحقّق صدق نيّته، وما انعقدت عليه طويّته، لنفعل بعد ذلك ما يرضى الله وإن كنّا فاعلين. ويكون محلّه عندنا أشرف محلّ ﴿وَالْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ (١٨)

стр. 3991

ذكر ما جرى للمجيرى عند حضوره بين يدى غازان كان الأمير حسام الدين أزدمر المجيرىّ بينه وبين الوالد سقى الله عهدهما صحبة أكيدة وخشداشيّة من قديم الزمان. فلمّا عاد بعد طول مدّة إقامته عند التتار، حتى هلك غازان، وتملّك خدابنداه حسبما يأتى ذكر ذلك فى تأريخه إنشا الله تعالى، فحضر عنده فى داره الوالد ﵀ وأنا معه أسمع قال: لمّا حضرت بين يدى محمود غازان أوقفنى بعيدا منه وكلّمنى من أربعة حجّاب. فكان أوّل كلامه لى: ما اسمك؟ -قلت: أزدمر. - قال: وما لقبك وأيش تعرف؟ -قلت: لقبى حسام الدين، وأعرف بالمجيرىّ. -فقال: أنتم لكم ثلاثة أسماء لكلّ واحد حتى تكثروا فى العدّة. -قال المجيرىّ: فقبّلت الأرض وقلت: يحفظ الله القآن، نحن يشترونا التجّار من البلاد صغارا (١٣). ويجلبونا إلى الديار المصريّة، فيكون لنا اسم واحد. ثمّ ننتسب لاسم التاجر الذى يجلبنا (١٤)، فإذا كبرنا عاد لنا لقب. فالمملوك اسمه أزدمر، وكان اسم تاجرى مجير الدين، فعرف المملوك بالمجيرىّ. فلمّا كبرت وصرت من الناس معروفا لقّبت حسام الدين. -قال المجيرىّ، فأسمعه يقول: صدق. ثمّ قلت: وإنّما ننسب للتاجر لكثرة تشابه أسماينا بعضنا ببعض، فما يفرّق بيننا إلا (١٨) النسبة

стр. 3992

لتجّارنا الذين جلبونا. -فقال: أيش جنسك؟ -قلت: قفجق. - قال: صدق ثمّ أمر بتقريبى إليه وكلّمنى من حاجب واحد، وذلك بعد مسايل كثيرة سألنى وأنا أصدقه وأخرج له عن أجوبتها بمعونة الله تعالى. فمن جملة ذلك قال لى: ما محلّك عند ملك مصر؟ -قلت: جندىّ. -قال: جندىّ؟ -قلت: نعم. -قال: فنظر إلى الحاجب مغضبا وقال: قل له: ملك مصر يسيّر إلى مثلى جنديّا؟ (٧) ما أنت أمير عنده؟ -قلت: نعم. -قال: على بابك طبلخاناه؟ -قلت: نعم. -قال: فكيف تقول جندىّ؟ -قال: قبّلت الأرض وقلت: يحفظ الله القآن! والأمير جندىّ السلطان، والجندىّ جندىّ السلطان، ونحن عندنا كلمة تكون جندىّ، ما هو أمير، ونحن نفتخر باسم الجنديّة، وكلّنا جند الله . قال: فأعجبه وعند ذلك الوقت قرّبنى. ثمّ قال: أنت مملوك هذا السلطان شراء ماله؟ -قلت: أنا مملوكه ومملوك أبوه وأخوه، وهو الذى عمل معى خيرا (١٤)، وجعل على بابى طبلخاناه. وإنّما أنا مملوك الملك الظاهر بيبرس البندقدارىّ ﵀ ثمّ قال لى فى جملة كلام: كم رأيت مصافّا؟ -فقلت فى نفسى: ما لسكوتى محلّ، وأنا فقد بايعت الله تعالى، قال: فقبّلت الأرض وقلت: يحفظ الله القآن! أنت تصبى عمّا أقوله-. وإنّما (١٨) الذى قال للقآن: دعه يكلّمنى حتى أجيبه فأنا كنت مع جدّك نوبة تمر قابوا. -

стр. 3993

قال المجيرىّ: فأطرق إلى الأرض وتكلّم مع شيخ من المغل كان قريبا منه ثمّ قال: كيف هربتم منّا؟ -قال: فقبّلت الأرض وقلت: يحفظ الله القآن! عسكر التتار لهم ستّين سنة يهربون منّا ونحن هربنا مرة واحدة، قال. ثمّ استثبتّ فى كلامى وقلت: بمرسوم القآن أتكلّم. - قال: قول! -قلت: يحفظ الله القآن! ما هربنا منكم خوفا (٦) من كثرتكم ولا من عظم حزبكم، ولكن استهونّا بكم. -قال: كيف؟ - قلت: نحن كسرناكم مرّات عديدة مدّة ستّين سنة من أيّام جدّك هلاوون وأبغا ومنكوتمر وأرغون وإلى ذلك التأريخ، فبقى ملتقاكم علينا سهلا (١٠) من أهون ما يكون. وإنّ عساكر مولانا السلطان عساكر كثيرة وخلق عظيمة لا يعلم عدّتهم، وأعداه كثيرة من أربع جهات. فإقليم قوص مجاور (١٢) لبلاد السودان، تركنا فيه عسكرا. ثمّ إقليم آخر يسمّى ثغر الإسكندريّة مجاور (١٣) لبلاد المغاربة والإفرنج، تركنا فيه عسكرا كبيرا. وإقليم آخر (١٤) يسمّى ثغر دمياط مجاور للإفرنج أيضا، تركنا فيه عسكرا. ولم نخرج إليكم فى ربع جيوشنا لقلّة اكتراثنا بكم. وكان سعادة القآن كبيرة، فإنّك نلت ما لا ناله أحد (١٦) من جدودك و ﴿كانَ ذلِكَ فِي الْكِتابِ مَسْطُوراً﴾ (١٧) قال المجيرىّ: كلّ هذا أقوله وهو يسمع، ولم يكن بينى وبينه غير حاجب واحد، وهو يسمع كلامى وأعجبه قولى «ونلت ما لا نالته

стр. 3994

جدودك» ولم يحصل له منّى حرج إلاّ فى كلام واحد، وذلك أنّه قال لى: كيف يتركون أمرايكم الرجال <النساء> ويستخدمون الشباب؟ -يعنى بذلك: المردان. قال: فعلمت أنّه يريد قتلى وأذيّتى، إذ لابدّ لى عن الجواب، قال: فقلت فى نفسى: ما من الله إلاّ وإليه، فقلت: يحفظ الله القآن! إنّ أمرانا ما كانوا يعرفون شيئا (٥) من هذا، وإنّما هذا استجدّ فى بلادنا لمّا جاء إلينا طرغاى من عندكم، فإنّه ورد إلينا بشباب من أولاد التتار فاشتغل الناس بهم عن النساء. قال: فلمّا سمع هذا الجواب عظم عليه وأسخطه، والتفت إلى أعيان المغل الذين من حوله وتحدّث معهم بالمغلىّ. وأنا قد علمت أنّى مقتول، لا محالة، وأنا واقف بين يديه ثمّ قال للحاجب: قل لرفيقه: يا قاضى، تشهد على صاحبك بما قال فى مجلس القآن؟ -فأعاد الحاجب على عماد الدين بن السكّرىّ، فقال: نعم، سمعته يقول. -قال المجيرىّ: والله لم يتكلّم غازان منذ حضرنا بين يديه مع عماد الدين السكّرىّ غير هذه الكلمة ثمّ قال غازان للحاجب: قل له: ما تقول فى نساينا ونساكم؟ - قال: فعلمت أنّه يريد التأكيد فى قتلى. فتشاهدت فى نفسى وأخلصت النيّة فى لقاء الله وقلت: يحفظ الله القآن! أنت ملك الشرق، ويقبح أن تذكر النسا فى هذا المجلس! إنّ نساءنا يستحين (١٧) من الله تعالى ومن الناس، ويسترن وجوههنّ (١٨)، ونساكم، أنتم أخبر بهنّ وبحالهنّ، - قال: فأطرق غازان إلى الأرض ساعة ورفع رأسه وقال للحاجب: أخرجهم! أرميهم فى المنجنيق!

стр. 3995

قال المجيرىّ: فسحبونا من بين يديه سحبا عنيفا، وخرجنا. وقالوا لنا: أوصوا بما تختاروه لأهلكم! -قال المجيرىّ: فقمت أتوضّأ للموت، وقام القاضى عماد الدين أيضا. فسمعت حسّ طقطقة أسنانه وهو يرعد كالقصبة فى الريح البارد، قال: فتبسّمت. -فقال لى: يا حسام الدين، هذا وقت الضحك؟ -فقلت: يا قاضى ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنا إِلاّ ما كَتَبَ اللهُ لَنا﴾ (٦) قال المجيرىّ: وكان من سؤال غازان لنا قبل ذلك: كم يكون فى عسكر مصر مثلك تركىّ؟ -قلت: نيّف وعشرة آلاف. -قال: فالتفت غازان إلى أمير علىّ بن كرابك (٩) بن بركة خان وكان بعيدا منه، فطلبه وقال: تسمع ما يقول، صحيح قوله؟ -وكان قد سمع قولى، فقال: وحقّ رأس القآن! ما قال صحيح، ما فى عسكر مصر مثله خمسة نفر. -فقال لى: اسمع قوله! -قلت: ومن هو ذا؟ فإنّى لا أعرفه. -فقال: هذا أمير علىّ ابن بركة خان الذى كان عندكم. -فقبّلت الأرض وقلت: يحفظ الله القآن! الذى قال هو غير الصحيح. وهو من جملة الذين ما رضى مولانا السلطان يستخدمه فى عسكر مصر. وأعطاه أربعة آلاف درهم فى حلب. ثمّ تشفّع بالأمرا حتى أنعم عليه بعشرة فى حلب. ولو وجد أربعة آلاف درهم فى مصر ما هرب إليكم. -قال: فالتفت إليه وقال له: يا علىّ، أنت من عسكر مصر أو من عسكر الشأم؟ -قال، فسكت. فقال غازان: ما قال لنا إنّه إلاّ من عسكر مصر. -فقال المجيرىّ: وحقّ رأس القآن، هو أقلّ من فى عسكر الشأم بحلب، لا بدمشق، وإن كان من مصر يخرج
следующие страницы →