ذكر ما جرى للمجيرى عند حضوره
بين يدى غازان
كان الأمير حسام الدين أزدمر المجيرىّ بينه وبين الوالد سقى الله عهدهما صحبة أكيدة وخشداشيّة من قديم الزمان. فلمّا عاد بعد طول مدّة إقامته عند التتار، حتى هلك غازان، وتملّك خدابنداه حسبما يأتى ذكر ذلك فى تأريخه إنشا الله تعالى، فحضر عنده فى داره الوالد ﵀ وأنا معه أسمع
قال: لمّا حضرت بين يدى محمود غازان أوقفنى بعيدا منه وكلّمنى من أربعة حجّاب. فكان أوّل كلامه لى: ما اسمك؟ -قلت: أزدمر. - قال: وما لقبك وأيش تعرف؟ -قلت: لقبى حسام الدين، وأعرف بالمجيرىّ. -فقال: أنتم لكم ثلاثة أسماء لكلّ واحد حتى تكثروا فى العدّة. -قال المجيرىّ: فقبّلت الأرض وقلت: يحفظ الله القآن، نحن يشترونا التجّار من البلاد صغارا (١٣). ويجلبونا إلى الديار المصريّة، فيكون لنا اسم واحد. ثمّ ننتسب لاسم التاجر الذى يجلبنا (١٤)، فإذا كبرنا عاد لنا لقب. فالمملوك اسمه أزدمر، وكان اسم تاجرى مجير الدين، فعرف المملوك بالمجيرىّ. فلمّا كبرت وصرت من الناس معروفا لقّبت حسام الدين. -قال المجيرىّ، فأسمعه يقول: صدق. ثمّ قلت: وإنّما ننسب للتاجر لكثرة تشابه أسماينا بعضنا ببعض، فما يفرّق بيننا إلا (١٨) النسبة
стр. 3992
لتجّارنا الذين جلبونا. -فقال: أيش جنسك؟ -قلت: قفجق. - قال: صدق
ثمّ أمر بتقريبى إليه وكلّمنى من حاجب واحد، وذلك بعد مسايل كثيرة سألنى وأنا أصدقه وأخرج له عن أجوبتها بمعونة الله تعالى. فمن جملة ذلك قال لى: ما محلّك عند ملك مصر؟ -قلت: جندىّ. -قال:
جندىّ؟ -قلت: نعم. -قال: فنظر إلى الحاجب مغضبا وقال: قل له:
ملك مصر يسيّر إلى مثلى جنديّا؟ (٧) ما أنت أمير عنده؟ -قلت:
نعم. -قال: على بابك طبلخاناه؟ -قلت: نعم. -قال: فكيف تقول جندىّ؟ -قال: قبّلت الأرض وقلت: يحفظ الله القآن! والأمير جندىّ السلطان، والجندىّ جندىّ السلطان، ونحن عندنا كلمة تكون جندىّ، ما هو أمير، ونحن نفتخر باسم الجنديّة، وكلّنا جند الله . قال: فأعجبه وعند ذلك الوقت قرّبنى. ثمّ قال: أنت مملوك هذا السلطان شراء ماله؟ -قلت: أنا مملوكه ومملوك أبوه وأخوه، وهو الذى عمل معى خيرا (١٤)، وجعل على بابى طبلخاناه. وإنّما أنا مملوك الملك الظاهر بيبرس البندقدارىّ ﵀
ثمّ قال لى فى جملة كلام: كم رأيت مصافّا؟ -فقلت فى نفسى:
ما لسكوتى محلّ، وأنا فقد بايعت الله تعالى، قال: فقبّلت الأرض وقلت: يحفظ الله القآن! أنت تصبى عمّا أقوله-. وإنّما (١٨) الذى قال للقآن: دعه يكلّمنى حتى أجيبه فأنا كنت مع جدّك نوبة تمر قابوا. -
стр. 3993
قال المجيرىّ: فأطرق إلى الأرض وتكلّم مع شيخ من المغل كان قريبا منه
ثمّ قال: كيف هربتم منّا؟ -قال: فقبّلت الأرض وقلت: يحفظ الله القآن! عسكر التتار لهم ستّين سنة يهربون منّا ونحن هربنا مرة واحدة، قال. ثمّ استثبتّ فى كلامى وقلت: بمرسوم القآن أتكلّم. - قال: قول! -قلت: يحفظ الله القآن! ما هربنا منكم خوفا (٦) من كثرتكم ولا من عظم حزبكم، ولكن استهونّا بكم. -قال: كيف؟ - قلت: نحن كسرناكم مرّات عديدة مدّة ستّين سنة من أيّام جدّك هلاوون وأبغا ومنكوتمر وأرغون وإلى ذلك التأريخ، فبقى ملتقاكم علينا سهلا (١٠) من أهون ما يكون. وإنّ عساكر مولانا السلطان عساكر كثيرة وخلق عظيمة لا يعلم عدّتهم، وأعداه كثيرة من أربع جهات. فإقليم قوص مجاور (١٢) لبلاد السودان، تركنا فيه عسكرا. ثمّ إقليم آخر يسمّى ثغر الإسكندريّة مجاور (١٣) لبلاد المغاربة والإفرنج، تركنا فيه عسكرا كبيرا. وإقليم آخر (١٤) يسمّى ثغر دمياط مجاور للإفرنج أيضا، تركنا فيه عسكرا. ولم نخرج إليكم فى ربع جيوشنا لقلّة اكتراثنا بكم. وكان سعادة القآن كبيرة، فإنّك نلت ما لا ناله أحد (١٦) من جدودك و ﴿كانَ ذلِكَ فِي الْكِتابِ مَسْطُوراً﴾ (١٧)
قال المجيرىّ: كلّ هذا أقوله وهو يسمع، ولم يكن بينى وبينه غير حاجب واحد، وهو يسمع كلامى وأعجبه قولى «ونلت ما لا نالته
стр. 3994
جدودك» ولم يحصل له منّى حرج إلاّ فى كلام واحد، وذلك أنّه قال لى:
كيف يتركون أمرايكم الرجال <النساء> ويستخدمون الشباب؟ -يعنى بذلك:
المردان. قال: فعلمت أنّه يريد قتلى وأذيّتى، إذ لابدّ لى عن الجواب، قال: فقلت فى نفسى: ما من الله إلاّ وإليه، فقلت: يحفظ الله القآن! إنّ أمرانا ما كانوا يعرفون شيئا (٥) من هذا، وإنّما هذا استجدّ فى بلادنا لمّا جاء إلينا طرغاى من عندكم، فإنّه ورد إلينا بشباب من أولاد التتار فاشتغل الناس بهم عن النساء. قال: فلمّا سمع هذا الجواب عظم عليه وأسخطه، والتفت إلى أعيان المغل الذين من حوله وتحدّث معهم بالمغلىّ.
وأنا قد علمت أنّى مقتول، لا محالة، وأنا واقف بين يديه
ثمّ قال للحاجب: قل لرفيقه: يا قاضى، تشهد على صاحبك بما قال فى مجلس القآن؟ -فأعاد الحاجب على عماد الدين بن السكّرىّ، فقال:
نعم، سمعته يقول. -قال المجيرىّ: والله لم يتكلّم غازان منذ حضرنا بين يديه مع عماد الدين السكّرىّ غير هذه الكلمة
ثمّ قال غازان للحاجب: قل له: ما تقول فى نساينا ونساكم؟ - قال: فعلمت أنّه يريد التأكيد فى قتلى. فتشاهدت فى نفسى وأخلصت النيّة فى لقاء الله وقلت: يحفظ الله القآن! أنت ملك الشرق، ويقبح أن تذكر النسا فى هذا المجلس! إنّ نساءنا يستحين (١٧) من الله تعالى ومن الناس، ويسترن وجوههنّ (١٨)، ونساكم، أنتم أخبر بهنّ وبحالهنّ، - قال: فأطرق غازان إلى الأرض ساعة ورفع رأسه وقال للحاجب:
أخرجهم! أرميهم فى المنجنيق!
стр. 3995
قال المجيرىّ: فسحبونا من بين يديه سحبا عنيفا، وخرجنا. وقالوا لنا: أوصوا بما تختاروه لأهلكم! -قال المجيرىّ: فقمت أتوضّأ للموت، وقام القاضى عماد الدين أيضا. فسمعت حسّ طقطقة أسنانه وهو يرعد كالقصبة فى الريح البارد، قال: فتبسّمت. -فقال لى: يا حسام الدين، هذا وقت الضحك؟ -فقلت: يا قاضى ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنا إِلاّ ما كَتَبَ اللهُ لَنا﴾ (٦)
قال المجيرىّ: وكان من سؤال غازان لنا قبل ذلك: كم يكون فى عسكر مصر مثلك تركىّ؟ -قلت: نيّف وعشرة آلاف. -قال: فالتفت غازان إلى أمير علىّ بن كرابك (٩) بن بركة خان وكان بعيدا منه، فطلبه وقال:
تسمع ما يقول، صحيح قوله؟ -وكان قد سمع قولى، فقال: وحقّ رأس القآن! ما قال صحيح، ما فى عسكر مصر مثله خمسة نفر. -فقال لى:
اسمع قوله! -قلت: ومن هو ذا؟ فإنّى لا أعرفه. -فقال: هذا أمير علىّ ابن بركة خان الذى كان عندكم. -فقبّلت الأرض وقلت: يحفظ الله القآن! الذى قال هو غير الصحيح. وهو من جملة الذين ما رضى مولانا السلطان يستخدمه فى عسكر مصر. وأعطاه أربعة آلاف درهم فى حلب.
ثمّ تشفّع بالأمرا حتى أنعم عليه بعشرة فى حلب. ولو وجد أربعة آلاف درهم فى مصر ما هرب إليكم. -قال: فالتفت إليه وقال له: يا علىّ، أنت من عسكر مصر أو من عسكر الشأم؟ -قال، فسكت. فقال غازان: ما قال لنا إنّه إلاّ من عسكر مصر. -فقال المجيرىّ: وحقّ رأس القآن، هو أقلّ من فى عسكر الشأم بحلب، لا بدمشق، وإن كان من مصر يخرج
стр. 3996
منشوره بإمرته، بيان صدقه من كذبه، قال: فأمر الحاجب فأخرج أمير علىّ من قدّامه
قال المجيرىّ: ولمّا خرجنا على أنّهم يرمونا فى المنجنيق خرج مرسوم ثان بأن يحبسونا فى المدرسة، ولا يمكّنوا أحدا من العبور إلينا، ولا نخرج ولا نعبر. وضيّقوا علينا غاية الضيقة فى طول تلك المدّة، قال: فعلمنا أنّ نحن من المغضوب عليهم من جهة غازان
قلت: وتمام كلامه يأتى عن ذكر خلاصه ومجيه إلى الديار المصريّة إنشاء الله تعالى
وفيها كان فتنة فتح الدين بن البققىّ، وذلك أنّه كان رجلا متضرّعا (٩) بعلم جيّد. وكان فيه مقافزة وشمم وتطوّل على الناس بلسانه. وتسلّط على أعراض الكبار من القضاة وغيرهم. وكان كثيرا (١١) ما يلعب بلسانه فى حقّ الشرع المطهّر خلاء وملاء. فلمّا كان نهار الاثنين الرابع والعشرين أحضر المذكور من السجن، وهو فتح الدين أحمد بن البققىّ الحموىّ، إلى بين القصرين، وأوقف (١٤) قدّام شباك دار الحديث، وهى المدرسة الكامليّة، والموالى القضاة الأربعة جلوس داخل الشباك، وجماعة العدول والفقها والمشايخ، وهو يلفظ بالشهادتين. وكانت البيّنة قامت عليه من قبل ذلك بمدّة. وكان يستحرم لتعلّقه بخدمة الأمير شمس الدين سنقر الكمالىّ أمير حاجب. فإنّه كان يلاعبه بالنرد فحصل بينهما ذات يوم فى الملاعبة مخالفة، فشطح ابن البققىّ بكلامه. وكان ربّما أنّ الأمير شمس الدين عوتب فى الباطن بسببه وتقريبه، فجعل ذلك الكلام فى ذلك الوقت سببا
стр. 3997
لإبعاده. وربّما تحدّث مع القاضى زين الدين بن مخلوف المالكىّ بسببه، وقال: أنا ما أحمى رجلا كافرا (٢)، -فكان هذا سبب اعتقاله. فلمّا حضر ذلك (٣) اليوم من السجن قامت عليه البيّنة بين يدى الموالى القضاة ممّا يوجب إهراق دمه من تنقيصه للقرآن العظيم والوقوع فى حقّ سيّدنا رسول الله ﷺ والاستهانة بالعلماء وغير ذلك من تحليل المحرّمات.
وقد كان قبل ذلك أحضر محضرا فى سنة ستّ وثمانين وستّ ماية يتضمّن أشياء قباح لا يليق بنا ذكرها. ثمّ حضروا جماعة أخر، وشهد كلّ واحد عليه شهادة بقول قبيح من أنواع الزندقة، فنعوذ بالله من الخذلان. وكان الشهود فى ذلك الوقت أكثر من ثلاثين نفرا. فعند ذلك حكم القاضى زين الدين المالكىّ ﵀ بقتله، وإن أسلم لا يقبل منه، وعاد يصيح: يا مسلمين، أنا أشهد أن لا إله إلاّ الله وأشهد أنّ محمدا رسول الله، البعيد كافر وقد أسلم. -فلم يقبل القاضى توبته، وأمر بضرب عنقه فضربه شخص كان يسمّى علاء الدين آقبرس الموصلىّ. وحمل رأسه على قصبة، وسحب بدنه إلى ظاهر باب زويلة. فعلّق هناك. وكان قبل ذلك قد كتب فتوى وهو فى السجن، ونفّذها إلى قاضى القضاة الشيخ تقىّ الدين بن دقيق العيد ﵀ وساير علما المسلمين فكتب عليها، (١٦) (إن يتوبوا يغفر لهم ما قد سلف (١٧)). فقالوا المالكيّة: هذه الآية نزلت فى حقّ الكفّار إذا رجعوا، ثمّ أسلموا، ثمّ رجعوا، وقتل. ولم تفده الفتوى ولا الإسلام فى ذلك الوقت. وكان الأعزازىّ الشاعر قد عمل فيه يقول <من السريع>:
стр. 3998
قل للإمام المرتضى كاشف (١) ... ال
مشكل بين الناس والمبهم
لا تمهل الكافر واعمل بما ... قد جاء فى الكافر عن مسلم
وقم لذات الدين واغضب له ... واقض بما جئ (٣) به واحكم
واسفك دماء (٤) ... البققىّ الذى
يعرف بالزنديق والمجرم
فإنّه والله والصادق ال ... مبعوث فى الناس (٥) حلال الدم
وفيها وصلت القصّاد من الشرق فى شهر صفر وخبّروا أنّ غازان قد عزم على الركوب لقصد الشأم، وأنّ بولاى قد قارب الفراة. فبرز المرسوم بتجهيز العساكر المنصورة
ثمّ وصل الأمير علاء الدين الفخرىّ وأخبر عن (٩) الأمير زين الدين كتبغا النايب يوم ذاك بحماة المحروسة أنّ فى شهر المحرّم من هذه السنة وقع ما بين حماة وحمص برد (١١) وفيه شئ على صورة بنى آدم إناث وذكور وعلى صورة قرود مع صور مختلفة. ووردت مطالعته إلى الأبواب العالية بذلك
وفيها توفّى الإمام الحاكم بأمر الله أمير المؤمنين أحمد إلى رحمة الله تعالى، وبويع ولده أبو الربيع سليمان
стр. 3999
ذكر خلافة الإمام المستكفى بالله
أبى (٢) الربيع سليمان بعد وفاة أبيه ﵀
توفّى الإمام الحاكم بأمر الله أمير المؤمنين ليلة الجمعة ثامن عشر جمادى لأولى وقت السحر بالكبش المطلّ على بركة الفيل، وخطب باسمه فى ذلك اليوم صبيحة وفاته، ولم يعلم بموته، رضى الله عنه. ثمّ بعد ذلك سيّر الأمير سيف الدين سلاّر نايب السلطنة المعظّمة طلب المشايخ والصوفيّة أرباب الخوانق والزوايا بمصر والقاهرة. وتولّى غسله وتكفينه الشيخ كريم الدين شيخ الشيوخ بخانقاه سعيد السعداء، وحمل من الكبش إلى جامع ابن طولون، ونزل نايب السلطان وجميع الأمرا ومشوا فى الجنازة.
ثمّ حمل إلى تربته بجوار ضريح الستّ نفيسة رضوان الله عليها
وكان قد أوصى بولاية عهده لولده الإمام المستكفى بالله أبى (١١) الربيع سليمان، وكان له من العمر فى ذلك الوقت عشرين سنة. وكان يوم الأربعا سادس عشر الشهر المذكور قد أحضر الإمام الحاكم جماعة الأيمّة القضاة مع عدّة من العدول، وأشهدهم عليه بولاية العهد من بعده لولده المشار إليه، وأشهد عليه أنّه ولّى مولانا السلطان الأعظم الملك الناصر خلّد الله ملكه جميع ما كان أبوه قد ولاّه فى حياته وفوّض إليه جميع ما كان أبوه قد فوّضه إليه. ثمّ لبس خلعة الخلافة وأخلع على إخوته وأولاد أخيه، وكان ذلك بالقلعة المحروسة، ورتّب له ما كان لأبيه من جميع رواتبه والله أعلم
стр. 4000
وفيها توفّى السيّد الشريف أبو نمّى نجم الدين محمد بن إدريس ابن قتادة بن حسن الحسنىّ صاحب مكّة شرّفها الله تعالى، وخلّف من الأولاد الذكور أحدا وعشرين ولدا، ومن الإناث اثنتى عشرة بنتا. وتولّى مكانه ولداه حميضة ورميثة
وفيها توفّى الأمير علم الدين أرجواش نايب قلعة دمشق، رحمه الله تعالى
ذكر [حوادث] سنة اثنتين وسبع ماية
النيل المبارك فى هذه السنة: الماء القديم
ما يخصّ من الحوادث
الخليفة: الإمام المستكفى بالله أبو الربيع سليمان، ومولانا السلطان الأعظم: الملك الناصر أدام الله أيّامه. ونشر فى الخافقين أعلامه، سلطان الإسلام، والملوك حسبما تقدّم من ذكرهم، وكذلك النوّاب
وفيها فتح جزيرة أرواد (١٣) بالسيف عنوة على يد الأمير سيف الدين كهرداش والأمير سيف الدين أسندمر نايب طرابلس. وهذه الجزيرة بالقرب من أنطرطوس فتحت بتيسير (١٥) الله تعالى يوم الأربعا ثانى شهر صفر المبارك، ووصلت البشاير بذلك. وأسر منها ما يزيد عن ألفى نفر خارجا عن القتلى. وكان منها مضرّة كبيرة على المسلمين ببلاد الساحل.
وفيها ظهرت دابّة عجيبة من النيل بالديار المصريّة، يقال إنّها تعرف بفرس البحر، وكان ظهورها بالمنوفية يوم الخميس رابع جمادى الآخرة
стр. 4001
الآخرة بين ثلاث بلاد وهم: منية المسوّد واصطبارى والراهب. وصفتها:
لون الجاموس، جلدها بغير شعر، وآذان كآذان الجمل، وعيناها وفرجها مثل الناقة، ولها ذنب يغطّى فرجها طول شبر ونصف، طرفه شبه ذنب السمك، ورقبتها غلظ التلّيس المحشى تبن، وشفتاها شبه الكربال، ولها أربعة أنياب، اثنان من فوق واثنان من أسفل، طولهم دون الشبر وعرض إصبعان، وفى فيها ثمان وأربعين ضرسا (٦) وسنا شبه بيادق الشطرنج الكبير، وطول يديها من بطنها إلى الأرض شبرين ونصف، ومن ركبتها (٨) إلى حافرها شبه بطن الثعبان أصفر مجعّد، ودور حافرها قدر السكرجة بأربعة أظافر شبه أظافر الجمل، وعرض ظهرها ذراعين ونصف، وطولها من فرطوسها إلى ذنبها خمسة عشر قدما، ووجد لها لمّا قتلت وشقّ جوفها ثلاث كروش، ولحمها أحمر وزفرته كزفرة السمك. وقالوا إنّ طعمه مثل لحم الجمل. وغلظ جلدها أربعة أصابع ما يعمل فيه السيف شيئا. ولمّا حملوها حملت على خمسة جمال، وأحضروها إلى القلعة المحروسة. وجعلوها كالبوّ وحشوا جلدها تبنا، وأقامت كذلك مدّة كبيرة على باب الخزانة المعمورة
وفيها كان المصافّ مع التتار، والأخذ منهم بالثار. وهى نوبة شقحب
стр. 4002
ذكر نصرة الإسلام على التتار الليام
لمّا كان العشرين من جمادى الآخرة من هذه السنة برزت المراسم الشريفة السلطانيّة الناصريّة أعلاها الله تعالى، بتجهيز عشرة آلاف فارس من أعيان الناس بالجيوش المنصورة، يقدمهم الأمير حسام الدين أستادار والأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير، ويتوجّهون لحفظ الشأم المحروس، وذلك لمّا صحّت الأخبار بقصد التتار إليه، لتطمئنّ قلوب أهله. فتقدّمت هذه التجريدة فى ذلك التأريخ
ثمّ وردت الأخبار أنّ التتار عدّوا الفراة البعض منهم، وغاروا على أطراف البلاد. فعند ذلك برز الدهليز المنصور السلطانىّ، وكان توجّه الركاب الشريف من الديار المصريّة العشرين من شهر رجب الفرد من هذه السنة، والسعد قدّامه، والنصر أمامه، والتوفيق رفيقه، والرفيق الأعلى قد سهّل طريقه، والملايكة قد حفّت أعلامه وصناجقه. وقد توكّل على الله خالقه، وروايح النصر قد عطّرت بشذاها الآفاق، ولوايح القهر قد ظهرت بقدرة العزيز الخلاّق، فنزل بالدهليز المنصور، وقد أحاط به الظفر بأعداه إحاطة كإحاطة السور. وليس فى الجيش إلاّ من هو فى إلفه وحلفه ﴿لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ﴾ (١٧) فاستقرّ أيّده الله بالملايكة المقرّبين، وبكتابه المبين، إلى الخامس من شعبان المكرّم، فركب طالبا للعدوّ المخذول. وقد جعل
стр. 4003
النوم على جفنه الشريف محرّما (١)، إلى أن يبلّغه الله فى أعداه، غاية قصده ومنتهى مناه
وكان بيبرس الجاشنكير لم تبرح آرايه معكوسة، وأحواله منحوسة، لما كان يضمره ويخفيه، من مكره الذى كان فيه، حتى عاد وكلّ رأى يظنّ أنّه ينجح، يلقى من تلقايه لا أفلح. فكان من عكس رأيه وسوء تدبيره أنّه كان مقيما بالتجاريد التى خرجت صحبته بدمشق، وهو يهدر ويرعد، ويرغى ويزبد، ويقول: وما هم التتار؟ أنا ألقاهم (٧) وأبدّد شملهم بهذا الصارم البتّار. -وهو يظنّ أنّهم لا يقدمون على البلاد، إذا بلغهم أنّه فى تلك العدّة والسواد. فلمّا تحقّق مأتاهم، وتعيّن له لقياهم، أدركه الزّمع، وظهر عليه الهلع، وتزايد اصفراره، ودخلت فكوكه وطال منقاره. وخرج من دمشق وصناجقه ملفوفة، وطبوله مكفوفة، وأهل دمشق يسبّوه على هذه (١٢) الفعال، وكونه منع الجفّال، من الجفل فى أوّل حال، وغرّه لهم بالمحال، وخرجت فى أثره الأهل والعيال، والنسا والأطفال مع البنات ربّات الحجال، فى أنحس الأحوال، لا تعى الرجال على النسا ولا النسا على الرجال. وليس فيهم إلاّ من يدعو عليه، وهو يسمع ذلك منهم بأذنيه.
فلم يزل ذلك دابه. وقد غاب صوابه، ولا يردّ على أحد جوابه
وما برح على هذه الصورة، حتى ظهرت السناجق المنصورة، التى عليها آيات النصر بالتلاوة مقصورة، فلمّا عاين الجيوش الناصريّة سكن جأشه بعد الفرق. ولمّا شاهد العساكر المحمديّة حمد الله تعالى ربّ الفلق، وزال ما كان قد اعتراه من القلق، ولم يزل كذلك حتى
стр. 4004
وقعت عينه على الأسد الهصور، والليث الكسور. والعقاب الجسور، الملك الناصر المنصور، وشاهد من وجهه سواطع النور، وهو كاللبؤة (٢) إذا فارقت أشبالها، وجيوشه المنصورة قد طبّقت سهول الأرض مع جبالها، قد حفّت به الملايكة المقرّبين من كلّ ملك كريب (٤)، وقد كتب بالنور على تاجه ﴿نَصْرٌ مِنَ اللهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ (٥) فلمّا عاين من قدرة الله تعالى ما لعقله قد حيّر، وللبّه قد أبهر، ونظر، فإذا مكتوب بقلم النور على علمه الأصفر ﴿إِنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ﴾ (٨) ثمّ حقّق النظر عن يمينه، فإذا على طرازه مكتوب: فتح الله ونصر، وعلى يساره مكتوب: الله أكبر، هذا الملك المؤيّد بالظفر. هنالك علم أنّ هذا ليس فى قدرة البشر، وأنّه تأييد إليه تعالى فقدّر، ليحيّر فى لطايف صنعه العقول والفكر، ليعتبر بذلك كلّ من بغى عليه ولنعمته كفر، فلم يملك نفسه دون أن رمى بها، ولثم التراب.
ثمّ بعدها قبّل الركاب، وهو يقرأ فى نفسه ﴿هذا عَطاؤُنا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ (١٤) والحسد من حينئذ قد داخله. ولم يزل به حتى كان قاتله، فلله درّه ما أعدله. بدا بصاحبه فقتله. فلو كان له فى نفسه بصيرة، لألقى معاذيره (١٦). وإنّما أراد الله تعالى أن يقضى مقاديره، لتكون سيرته الشريفة أعظم من كلّ سيرة. وكان ملتقى العساكر الإسلاميّة بعضهم ببعض، وامتلأت بهم الأرض، نهار السبت مستهلّ شهر رمضان المعظّم أوّل النهار المبارك، وفيه كان النصر للإسلام مشارك
стр. 4005
فلمّا كان بعد صلاة الظهر ظهرت جيوش المغل تتعثّر، كالجراد الأحمر، وذلك أنّهم لمّا بلغهم أنّ بيبرس الجاشنكير خرج عن دمشق وأخلاها، وأنّها لهم خلاّها، ظنّوا أنّ ذلك منه خدعة حتى يدخلون إليها ويشتغلون بنهبها. فيعود عليهم سرعة، وكان هذا ممّا أرماه الله تعالى فى قلوبهم من الهيبة، حتى يعودوا مكسورين بالخيبة، وصان دمشق وحماها بلطفه وكلأها
ثمّ التقى الجمعان، وعمل الضرب والطعان، وصبر الشجاع وفرّ الجبان، وعمل الصارم، وليمته فى الجماجم، وخطر الأسمر، يميس فى لباسه الأحمر، وغنّى الحسام، وانقطع الكلام، لمّا زادت الكلام، ورقصت الخيول، على دقّات الطبول، وهاجت بلابل الشجعان، لمّا عاد الجبان، خرسان من الخرسان (١١)، وسهام الحداق فى الأحداق، والمهنّد قد ﴿فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَالْأَعْناقِ﴾ (١٢) وعاد الأسمر بين الصفوف فى الحىّ (١٢_) يميل، فكم عاد له من حىّ قتيل.
فلمّا تهيّأت الجزور، بعد فوران تلك القدور، تقدّمت إلى تلك الدعوة الوحوش والنسور، فأمعنوا من لحوم لا عاد لها نشور، إلاّ يوم النشور.
وكلّ من الجنسين عاد للجيشين شكور، ولهذا اليوم المذكور ذكور، مع علمه أنّه فى شكره قاصر، لما فعله فى ذلك اليوم السلطان الأعظم الملك الناصر. فلمّا نظر الأسد إلى صبره وثباته، صغرت عند نفسه وثباته، وعلم أنّ ثباته بإقدامه، أعظم من وثباته وأقدامه. ولمّا عاين الذئب هذه الجسارة، علم أنّ جسارته بعدها خسارة، فقال الضبعان: لسان حالى يقصر عن وصف شجاعة هذا السلطان، وإنّما أدعو له إذا مشيت، وأنا من وليمة أسيافه
стр. 4006
شبعان. -فقال النسر للعقاب: ما آن لنا أن نروى من دم هذه الرقاب، وكيف نلام إذا حلّقنا على صفر الأعلام؟ وكيف لا يكن كلّ منّا لهذا الملك الإمام غلام؟ -فقال العقاب: أنا من قبلك بهذا البيت أتشرّف، إذ كنت لم أزل (٤) غلام أعلام أخيه الأشرف، فعرف لى هذه الحقوق، ولم يبرح بارّا لا عقوق. - (٥) فقال لسان الحال، فهو صاحب هذا المقال <من الكامل>:
ذو راحة وكفت ندا وكفت ردى ... تقضى بهلك عداته وعداته
كالغيث فى إروايه وروايه ... والليث فى وثباته (٧) وثباته
ولم تزل هذه الوليمة بين جيوش بنى يافث، وهم فى غاية الازدحام، إلى أن فرّقت بينهم جيوش حام. والجيوش الناصريّة قد أشرفت، وفى إهراق دما التتار قد أسرفت، إلى أن التجئوا إلى تلّ هناك، وقد تعيّن لهم عين الهلاك. وأحاطت بهم الجيوش إحاطة من آمن بمن كفر، لا إحاطة الهالة بالقمر. وباتوا بليلة مسودّة شيّبتها بوارق السيوف، طويلة قصّرها عندهم انتظار الحتوف.
وقد يروى أنّ ليالى الهموم طوال، وهذه الليلة مع همومهم كانت عليهم أقصر من طيف الخيال. وإن ﴿سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ﴾ (١٥) وكان صباحهم كثامن يوم عاد، كأنّهم كانوا وهم على ميعاد، فأصبحوا جاثمين و ﴿فَساءَ صَباحُ الْمُنْذَرِينَ﴾ (١٧) فلمّا نظروا إلى ما حلّ بهم من الويل. وقد انحدرت عليهم الجيوش الإسلاميّة انحدار السيل، تحقّقوا أن لا مناص.
ولا من الموت خلاص، لاموا بعضهم بعض، وقالوا: أما كان لنا معتبر (١٩)
стр. 4007
بما تمّ على أصحابنا بعرض؟ وأين غازان؟ لقد عرّضنا للهوان. فلو كان بهذا المكان، لطلب الأمان، من سيّد ملوك الزمان. ولم يبق منهم إلاّ من ندم وتاب، وأقلع وأناب
فلمّا نظر الله تعالى إلذى ذلّهم وكسرهم، أوحى إلى قلب مولانا السلطان بجبرهم، فحنى عليهم بقلب رءوف، وأجارهم من حتوف السيوف، وعلم أنّ الإيمان من الكفر قد اشتفى، وأنّه قد قدر وعفى <من البسيط>:
شمس العداوة حتى يستقاد لهم ... وأكثر الناس أحلاما إذا قدروا
(٨) وذلك بعد ما استشار الأمرا الكبار. فلمّا علموا الأمرا أنّه داخلته الرحمة، وأنّه رأى إطلاقهم شكران هذه النعمة، أشاروا بإطلاقهم، وفك خناقهم. وذلك عند وقت الهاجرة، ففتحوا وعتقوا تلك الأمّة الفاجرة.
فلمّا علموا أنّهم عادوا عتقا، ومن قبضة بأسه طلقا، صرخوا صرخة عظيمة، وولّوا الأدبار بالهزيمة، ولم يلوى منهم الوالد على الولد، ولم يزل السيف يعمل فيهم إلى آخر يوم الأحد. وعلى الجملة: فإنّه لم يصل إلى بلادهم (١٥) إلاّ النادر، والنادر لا حكم له، والذى وصل لم يقم إلاّ أيّاما وهلك بمرض اعتراه كالوله
وكان فى يوم السبت، وهو أوّل الملتقى، حملت ميسرة التتار-وكان جمرتهم-على ميمنة المسلمين، فكسرت وقتل من أمرا المسلمين بها وأعيانهم
стр. 4008
من يذكر، وهم: الأمير حسام الدين أستادار، وأولياء بن قرمان، وأمير علىّ بن دودا، وسنقر الكافرىّ، وأيدمر الرفا، وأيدمر النقيب، وأيدمر القشّاش، وآقوش أمير آخور، ولاجين الموصلىّ الخطّابىّ، والحسام بن ناخل مع جماعة أخر من أمرا الشأميّين، ختم الله لهم بالسعادة، وفازوا بالشهادة، عوّضهم الله الجنّة
ونصر الله تعالى هذه الأمّة المحمّديّة، والعساكر الناصريّة المحمديّة، وأيّد الله الإسلام، واطمأنّت نفوس أهل الشام. ودخل مولانا السلطان خلّد الله ملكه مؤيّدا بالنصر والظفر، على رغم أنافى التتر، إلى دمشق يوم الثلثا ثالث يوم الوقعة المباركة بأرض شقحب. وزيّنت دمشق لدخوله وكان يوم عظيم بدمشق. ثمّ عاد الركاب الشريف إلى الديار المصريّة، فى جيوشه الناصريّة. وزيّنت القاهرة زينة عظيمة، ما شهد مثلها فى الأزمنة القديمة. وأقام الفرح والسرور، والغبطة والحبور، بالديار المصريّة، وبالقاهرة المعزّيّة، ما ينيف عن خمسين يوم، وكأنّها كانت فى النوم. ولمّا حلّ ركاب مولانا السلطان، وأيّده الله بالقرآن، شقّ القاهرة المحروسة، والقاهرة بزينتها كالعروسة، والأمرا من التتار بين يديه على خيولهم مجنوبة، وطبولهم البعض مشقوقة والبعض مقلوبة.
وكان يوما مشهود، لم ير مثله مذ كان الوجود. وكان دخول مولانا السلطان عزّ نصره إلى القاهرة المحروسة، وشقّها وطلوعه إلى قصره واستقرار ركابه الشريف بكرسىّ مملكته وديار مصره <الثالث والعشرين (١٩) > من شوّال من هذه السنة العظيمة الأمن والبركة، السعيدة الإقبال والحركة
стр. 4009
<من الطويل>:
وألقت عصاها واستقرّ بها النّوى ... كما قرّ عينا بالإياب المسافر
<من الكامل>:
وتآنست (٤) ... بالقادمين منازل
كانت عليها وحشة مذ بانوا
ونطقت بعد ذلك ألسن أهل الفضل من الأكابر، الذين لأقدامهم صيغت رءوس المنابر، فممّا استحسن واستجيد، قصيدة القاضى شرف الدين ابن الوحيد، ابن عميد الوقت أو عبد الحميد، التى أوّلها، يقول <من الطويل>:
لقد تمّت النعمى وأوضحت البشرى ... وقد أعبق الفتح المبين لنا نشرا
حبانا إله الخلق بالنصر والهدى ... على الشرك والإيمان قد غلب الكفرا
ولمّا غزا غازان عقر ديارنا ... وأعطاه من يعطى ومن يمنع النصرا
تمرّد طغيانا وتاه تجبّرا ... ولم يرتفق سعيا ولم يستفيق سكرا
وجاءت ملوك المغل كالرّمل عدّة ... وقد ملأت (١٣) سهل البسيطة والوعرا
فأنصفت الأيّام فى الحكم بيننا ... فكانت له الأولى وكانت لنا الأخرى
وأقبل سلطان الزمان مؤيّدا ... يقود الجياد الجرد والعسكر المجرى
وكان نهار السبت بالنصر شاهدا ... بصدق وكان الوقت قد قارب العصرا
فلله درّ الترك كم سفكوا دما ... وكم قطعوا رأسا وكم جزروا نحرا
فولّت ولاذت بالجبال تحصّنا ... ولولا تخاف القتل لاختارت الأسرا
فحمد لسلطان الزمان (١٩) ... محمد
وشكر لمولى قد أباد العدى قسرا
стр. 4010
أجلّ ملوك الأرض والناصر الذى ... أذاق العدى ضيقا وأوسعنا صدرا
فلا زالت الأقدار تحت مراده ... ولا زال يعلو فوق هام السّهى قدرا
وقال الآخر <من الخفيف>:
ملك أينما توجّه تلقا ... هـ سحاب ورحمة ورخاه
فهو غيث الثّرى وغوث البرايا ... أينما حلّ حلّت النّعماء
وقال الآخر <من الخفيف>:
ما سمعنا من قبلهم بملوك ... يسبق الريح وفدهم حين يسرى
بينما قيل إنّهم فى شآم ... فإذا (٨) هم يرون فى أرض مصر
كيف راحوا وكيف جاءوا ترانا ... حيرة فى أمورهم ليس ندرى
نحن معهم وليس معنا حديث ... عنهم بالذى من الأمر يجرى
أتراهم ملايكا أم ملوكا ... فى عفاف وفى اختفاء ونصر (١١)
وكقول الآخر <من البسيط>:
بيض العوارض طعّانون من لحقوا ... من الفوارس سلاّلون للنّعم (١٣)
قد بلّغوا بقناهم فوق طاقتهم ... وليس يبلغ ما فيهم من الهمم (١٤)
فى الجاهليّة إلاّ أنّ أنفسهم ... من طيبهنّ به فى الأشهر الحرم
стр. 4011
ومن ذلك قصيدة نجم الدين بن العينىّ التى منها يقول <من الكامل>:
وإذا نظرت إلى السهول رأيتها (٢) ... تحت الضّباب فوارسا وجنايبا
فكأنّما كسى النهار بها دجى ... داج وأطلعت الرماح كواكبا
خيل فوارسها (٤) ... الأسود يقودها
أسد تصير لها الأسود ثعالبا
ومن ذلك قصيدة محمد البزّاز المنبجىّ يمدح مولانا السلطان عزّ نصره وهى <من البسيط>:
وافى على قدر ما يختاره القدر ... وجاء عمّا جناه الدهر معتذر
وإن أساءت لياليه التى سلفت ... ظلما فقد أحسنت أيّامه الأخر
وبعد إدراكك الثارات منتصرا ... فكلّ ذنب جناه قبل مغتفر
بشاير طار بالإقبال طايرها ... لمثلها كانت الأيّام تنتظر
فتح على جبهة الإسلام أسعده ... بالجدّ والسعد والتأييد منتظر (١١)
ما شاهد الناس فتحا مثله أبدا ... إلاّ فتوحا تولّى أمرها (١٢) عمر
سارت بأخبارها الركبان واقعة ... لم تحو أمثالها الأخبار والسير
وفى الليالى إذا عدّت محاسنها ... أسمار فى كلّ ناد ذكرها سمر
عمّ السرور بها كلّ النفوس فما ... للناس فى لذّة من بعدها وطر
إنّ البغاة بنى خاقان أقدمهم ... على هلاكهم الطغيان والأشر
стр. 4012
راموا، وقد حشدوا، غلبا فما غلبوا ... وحاولوا النصر تضليلا فما نصروا
أتوا وقد مكر الله العزيز بهم ... فردّ طغيانهم بالغيظ إذ مكروا
وضيّقوا الأرض من سهل ومن جبل ... كأنّما هم جراد فيه منتشر
داسوا بلادك لا يثنى أعنّتهم ... عن قصدها جهلهم والتّيه والبطر
غرّتهم فلتة فى الدهر عن غلط ... منها فخلّت بهم من بعدها العبر
وأمّلوا أنّها مثل التى (٦) ... ذهبت
فعوّدوا ودماهم فى الفلا غدر
قابلتهم بجيوش ما لهم (٧) ... قبل
ببأسها فلقد قلّوا وإن كثروا
أفنيتهم بليوث منك باسلة ... وهل تقاوم آساد الشرى الحمر
فكم قتيل له من بعد صولته ... تحت السنابك أمسى وهو منعقر
عصابة لم تزل بالحقّ ظاهرة ... فى الحرب بالله والأملاك تنتصر
من سيّد الرسّل بالتأييد قد وعدت ... فالنصر يخدمها ما زال والظفر
يا وقعة المرج مرج الصفّر افتخرت ... بك الوقايع فى الآفاق والعصر
رفعت بالنصر أعلام الهدى ولقد ... جرّدت للشرك كسرا ليس ينجبر
يوم تدارك جمع المسلمين به ... من لم يزل فى يديه النفع والضّرر
يا من أوامره والله يعضده ... بها الليالى مع الأيّام تأتمر
لولا يثبّتك الله العزيز به ... لم يبق للناس (١٦) لا سمع ولا بصر
قرّت به أعين الإسلام وابتهجت ... به القلوب وكادت قبل تنفطر
يا مخجل السيف عزما وهو منصلت ... والمرعب الليث بأسا وهو منتصر
والثابت الجأش والأقدام فى دحض ... فيه التشبّت إلاّ أنّه عسر
стр. 4013
يا ناصر الدين يا من حسن دولته ... أمست على دول الماضين تفتخر
أوقدت نيران حرب أصبحوا حطبا ... للجمر منها لها شوك القنا شرر
دارت عليهم رحاء الموت فانهزموا ... فما لهم (٣) بعدها عين ولا أثر
وضاقت (٤) ... الأرض مذ ولّوا بما رحبت
عليهم فهم بالخوف قد حصروا
وألبسوا الذّلّ حتى إنّ أشجعهم ... يأتى إليك بألف منهم نفروا
وبعدها قد أمنّا كلّ حادثة ... فما لنابية ناب ولا ظفر
السيّد الناصر المنصور جحفله ... زهت برونقه (٧) الآصال والبكر
هزّت معاطفها الدنيا به فرحا ... وطاب بالأمن فى أيّامه العمر
(٩) ... (أزال عنّا مخافات النفوس (٩_) فما
يدور بالخوف أوهام ولا فكر
يا من به راقت الأوقات وابتسمت ... بعد العبوس فما فى صفوها كدر
لا زال ملكك ملكا لا نفاد له ... ما شقّ شقّة جلباب الدجى سحر) (١١)
ومن قصايد البشاير ما نظم القاضى جمال الدين أبو بكر قاضى عجلون، نيّف وماية وخمسة عشر بيتا. وقد أثبتّها هاهنا بكمالها بحول الله وقوّته وهى <من البسيط>:
الله أكبر: جاء النصر والظفر ... والحمد لله، هذا كنت أنتظر
стр. 4014
وأبرز القدر المحتوم بارثه ... سبحانه بيديه النفع والضرر
وهوّن الصعب بالفتح المبين لكم ... ربّ يهون عليه المقفل العسر
ولم تزل شرعة الإسلام ظاهرة ... اجزم به فبهذا صحّح الخبر
أين النجوم وتأثير القران وما ... تخرّصوا فيه من إفك وما زجروا
قد دبّر الله أمرا (٥) ... غير أمرهم
وخاب ما زخرفوا فينا وما هجروا
وأقبل العسكر المنصور يقدمه ... من الملايك جند ليس تنحصر
وقد أحفّوا (٧) ... به والأرض من زجل
ترتجّ إن سبّحوا لله أو ذكروا
كنانة الله مصر جندها ثبتت ... لا ريب فيه وجند الله تنتصر (٨)
ثاروا سراعا إلى إدراك ثأرهم ... وهجّروا فى طلاب المجد وابتكروا
وأسهروا أعينا فى الله ما رقدت ... أكرم بقوم إذا نام الورى سهروا
لله كم ديّنوا فى نصر دينهم ... وأنفقوا فى سبيل الله ما ادّخروا
صانوا الجياد وسنّوا كلّ ذى شطب ... وجدّدت للقسىّ النّبل والوتر
حماهم الله كم حاموا وكم منعوا ... وكم أغاثوا وكم آووا (١٣) وكم نصروا
وخلّفوا خلفهم لذّات أنفسهم ... وهاجروا ولذيذ العيش قد هجروا
وأوجفوا نفرا بالخيل ملجمة ... وبالركاب ولا ملّوا ولا فتروا
حتى أتوا (١٦) ... جلّقا فى يوم ملحمة
فيه الأسود أسود الغاب تهتصر
стр. 4015
لها (١) ... السنابك فى الميدان قد حنيت
صوالجا ولها روس العدا أكر
وكوثر الحرب قد راقت مشاربه ... تحت العجاجة والأبطال تعتكر (٢)
والنّبل ينقط والأقلام كاتبة ... والضرب يعرب والأبدان تستطر
حتى إذا عبّ مثل البحر جحفلنا ... ومدّ فيضا على أعداينا جزروا
أصلوهم جاحما (٥) ... يشوى الوجوه وقد
حمى الوطيس ونار الحرب تستعر
وأحرقتهم سراعا كلّ صاعقة ... من السيوف بنيران لها شرر
لاذو بشمّ شماريخ الجبال فما ... حمتهم قلل منها ولا صور
ومزّقوا شردا بين الزحام فكم ... شلو تنازع فيه الذئب والنّمر
أين المفرّ وقد حام الحمام بهم ... هيهات لا ملجأ يرجى ولا وزر
نادى بهم صارخ أغرى الفناء بهم ... فإن سألت فلا خبر ولا خبر
كم قد سهرتم دجى من خوفهم حذرا ... فالآن ناموا فلا خوف ولا حذر
قولوا لغازان يا ذا ما لعلّك أن ... تروع من مخلب الريبال يا بقر
تلك الجموع التى وافى يذلّ بها ... تالله ما بلغوا سؤلا ولا نصروا
جاءوا وقد حفروا من مكرهم قلبا ... ألقاهم الله قسرا فى الذى حفروا
стр. 4016
وشكّروا فى أراضينا مباذرة ... والآن قد حصدوا أضعاف ما بذروا
وافى بهم أجل يمشى على مهل ... حتى محاهم فلا عين ولا أثر
لم ينفروا خيفة من كلّ قسورة ... وفرّ جمعهم إلاّ وهم حمر
أمّوا الفراة وقد راموا النجاة فكم ... حلّت بهم عبر فيها وما اعتبروا
مرائر (٥) ... القوم من خوف قد انفطرت
والكلّ من قبل عيد الفطر قد نحروا
جميعهم قتلوا صبرا وأعظمهم ... جميعها بضواحى جلّق صبروا
لم يقبروا فى نواويس ولا جدث ... وإنّما فى بطون الوحش قد قبروا
والطير ترعى نهارا لحمهم (٨) ... فإذا
ما الليل جنّ ففى أقحافهم تكر
فخذ عزاءك فيهم إنّهم أمم ... هم اللعاوس إن قلّوا وإن كثروا
كم كابروا الحسن فى قصد الشآم وكم ... قد جرّبوا حظّهم بالشأم واختبروا (١٠)
هبّوا إلى سيس من أحلام رقدتكم ... وسارعوا فى طلاب الثأر وابتدروا
بكلّ غيران أخذ الروح همّته ... فى غير نفس الردّى ماله وطر
أيرقد الليل فى أمن وفى دعة ... عن كيد قوم لهم فى شأنكم سهر (١٣)
إن تتركوهم فإنّ القوم ما تركوا ... يوما عليكم ولا أبقوا ولم يذروا
أما رأيتم وعاينتم وقد فعلوا ... فى الصالحيّة ما لا تفعل التتر
стр. 4017
اشفوا صدروكم إن كنتم غيرا ... على نسايكم يا قوم وادّكروا
كم من عجوز ومن شيخ ومكتهل ... ومن فتاة نماها الحسن والخفر
بيضاء خرعوبة بكر (٣) ... محجّبة
لا الشمس تنظرها صونا ولا القمر
وذات بعل مخبّأة مخدّرة ... من دونها تضرب الأستار قد أسروا
ومطفل أثكلوا وجدا بواحدها ... وحامل أخمصت خوفا وقد ذكروا
ومربع أقفر من بعد ساكنه ... وعقد شمل نظيم جامع نثروا
وكم أراقوا وكم ساقوا وكم هتكوا ... وكم تملّوا بما نالوا وكم فجروا
وحرّقوا فى نواحيها فوا حربا ... وخرّبوا الشامخ العالى وكم دثروا
وجامع التوبة المحروق مهجته ... يشير: لا توبة للقوم إن ظفروا
إشارة تترك الأنفاس صاعدة ... لها الدموع من الآماق تنحدر
لهم حزازات فى قلبى مخبّأة (١١) ... تكاد من حرّها الأكباد تنفطر
فما قعادكم عن أخذ ثأركم ... هبّوا سراعا وخافوا اللوم يا غير
وفّوهم الحرب إنصافا ومعدلة ... وحرّروا نوب الأيّام واعتبروا
لا يظلمن بعضكم بعضا بخردلة ... ولا يدع عنده حقا ولا يذر
وسارعوا واقتلوهم إنّهم قتلوا ... وبادروا وأسروهم مثلما أسروا
وخرّبوا (١٦) ... دارهم واسبوا حريمهم
وأوقروا ضعف ما أوعوا وما وقروا
سجلا بسجل فإنّ الدهر ذو نوب ... من ذا يغالب ما يأتى به القدر
بزّوهم الملك قهرا عن جواركم ... وخرّبوا كلّ ما شادوا وما عمروا
стр. 4018
وسارعوا واقتلوهم إنّهم قتلوا ... وبادروا وأسروهم مثلما أسروا (١)
فما يفكّر فى الإدبار عاقبة ... ويحزم الأمر إلاّ من له نظر
ولا يعاف شراب الذلّ عن ظمإ ... ويومق العزّ إلاّ من له خطر
فمهّدوا بالظّبا مجرى سوابقكم ... ما يرفع الذكر إلاّ الصارم الذكر
وخلّدوا بالظّبا مجرى سوابقكم ... ما يرفع الذكر إلاّ الصارم الذكر
وخلّدوا فى المعالى ما نعنعنه ... عنكم وتروى به الأخبار والسّير
فكلّ ذنب جناه الدهر معتمدا (٦) ... فى جنب ما أبقت الأيام مغتفر
يا أهل جلّق أمنا فى مساكنكم ... وعاملوا الله ربّ العرش وانزجروا
صوموا وصلوا وزكوا وارحموا وصلوا ... وابغوا النجاة وحجوا البيت واعتمروا
دعوا التكاثر بالدنيا لمن رويت ... فى جنب ما وعد الرحمن تنجبروا
فالوقت أقرب والأنفاس سايرة ... والعيش منصرم والعمر مختصر
ولا تخافوا من التتار مجلبة ... من بعد ما ارتفع التدليس والعور
لم يطلبوا جلّقا بغيا بظلمهم ... إلا وردّوا على الأعقاب وانكسروا
حاشا دمشق من الأسواء تطرقها ... أو أن تغيّرها عن وصفها الغير
ملايك الله (١٥) ... تحميها وتحرسها
تعاقبا ولها من ربّها خفر
وفى جوار خليل الله ما برحت ... وحضرة القدس قل لى: كيف تحتقر
بالله عدوى على من رامها بأذى ... وبالخليفة والسلطان أنتصر
هما ملاذكم فى كلّ نايبة ... بالروح أفديهما والسمع والبصر
لمّا تأمّلت (١٨) ... فحوى سرّ حملهما
لم أدر أيّهما فى عدله عمر
стр. 4019
ولو رأيتهما (١) ... يوما لخالك أن
موسى بن عمران قد وافاك والخضر
<هما> رضيعا لبان عفّة وتقى ... وحسن ذكر شذاه فائح (٢) عطر
فذاك (٣) ... ملك لكم طابت أرومته
وذا أمير بأمر الله يأتمر
أبو الربيع سليمان الذى شهدت ... بفضله المستقام البدو والحضر
وزمزم والصّفا والمأزمان معا ... والبيت يعرفه والحجر والحجر
خليفة الله فى الدنيا وطاعته ... فرض عليكم وهذا القول مختصر
ما زال مستكفيا بالله معتصما ... مستنصرا مستعينا وهو منتصر
لولاه فى الأرض قد (٨) ... مادت جوانبها
وما سقاها إذا غيث ولا مطر
خليفة من بنى العبّاس باقية ... به إلى الله نستسقى فنمتطر
ضاهت يداه عماد الغيث فانهملت ... والغيث مندفق الشؤبوب منهمر
لو مسّ عودا يبيسا بطن راحته ... أعاده وهو رطب يانع خضر
ماذا (١٢) ... أقول بمدحيه وقد تليت
فى مدح آبايه الآيات والسور
جاءت بنعتهم التوراة معربة ... ومحكم الذكر والإنجيل والزّبر
به إلى الله ضحّوا فى حوايجكم ... وبعده بالمليك الناصر انتصروا
ملك أعيد به عصر الشباب لكم ... مستوردا صافيا واستوفق العمر
ترى الملوك صفوفا حوله زمرا ... من فرط هيبته لا يرجع البصر
تذلّ أعناقهم صغرى لطاعته ... وليس يعصونه أمرا إذا أمروا
صونوا جيادكم اللاّتى بكم هميت ... فى بارق الحرب والرّمضاء تستعر
إنّا لنرجوه من بغداد ينهلها ... بماء دجلة يرويها فتصطدروا
стр. 4020
ويجمع الشمل فى دار السلام بمن ... يودّها ويؤدّون الذى نذروا
يؤمّها (٢) ... وإمام المسلمين معا
ثقوا بقولى فهذا منه منتظر
فالشأم وافاه مع بغداد فى قرن ... ومصر فى ملكه والبرّ والبحر
والعرب والعجم فى ميمون قبضته ... ومن سطى (٤) بأسه قد حارت التتر
تنشّروا فى الفلاسود الوجوه وقد ... طوى بأبيضه البتّار (٥) ما نشروا
فدام للدين والدنيا يسوسهما ... فكن فيه له حرز (٦) ومستتر
وعمره الجمّ أعيادا (٧) ... مجددة
وأشهر بعزيز النصر تشتهر
على الدوام ولا زالت مدايحه ... تفشى وغرّ القوافى فيه تبتكر
وافاكم بعزيز النصر فى نفر ... وقاهم الله ما أوفاهم نفر
قد أبطنوا أنّهم جادوا بأنفسهم ... من أجل ذا ظهر الإسلام مذ ظهروا
كم فرّجوا مأزقا ضنكا بمعترك ... وكابدوا فى مجال الموت واصطبروا
فبيّض الله منهم أوجها كرمت ... فإنّهم بالأيادى البيض قد غمروا
وحاطهم أينما كانوا ولا برحوا ... فى ذمّة الله إن غابوا وإن حضروا
ذكر حدوث الزلزلة فى هذه السنة
لمّا كان يوم الخميس الثالث والعشرين من شهر ذى الحجّة قبل طلوع الشمس زلزلت الأرض زلزالا شديدا لم يعهد بمصر مثلها من
стр. 4021
قبل. ثمّ امتدّت فى جميع البلاد بالشأم ومصر، وأقامت تهتزّ تقدير ربع ساعة فلكيّة. وكان لها دوىّ كدوىّ الرعد. ثمّ إنّها هدمت مناير الجوامع، منها منارة الجامع الحاكمىّ. وسقطت أكثر جدرانه وخرّب هذا الجامع خرابا شنيعا، لم تكن أثّرت فى شى أكثر منه. وانشقّت المنارة التى للمدرسة المنصوريّة بالقاهرة التى بين القصرين إلى أن احتيج بعد ذلك إلى هدمها وعمرت كأحسن ما يكون. واختصّ بعمارة الجامع الحاكمىّ الأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير، وأصرف عليه من ماله شى كثير، وعاد كأحسن ما كان وأجدّ. وانهدمت أيضا منارة جامع الفاكهانيّين وهو إنشا الظاهر بن الحاكم الفاطمىّ. وانهدمت أيضا منارة جامع الصالح ابن رزيك الذى ظاهر باب زويلة وبعض جدرانه. وتشقّقت جدر جامع مصر، وهو جامع عمرو بن العاص رضى الله عنه، وتشعّب فيه شى كثير. وهدمت شيئا كثيرا (١٢) من منابر الجوامع والمساجد بمصر والقاهرة، وأكثر ما أثّرت فى الجوامع والمساجد. وعمروا بعد ذلك كأحسن ما كانوا. واختصّ بعمارة جامع مصر الأمير سيف الدين سلاّر نايب السلطنة المعظّمة
وهدمت منارة إسكندريّة. وخرّبت أكثر دمنهور الوحش بالبحيرة خرابا شنيعا. وكذلك مدينة أبيار بالمنوفيّة، والجزيرة بالديار المصريّة.
وحصل الخراب الشنيع فى ساير إقليم ديار مصر. وطلع البحر المالح إلى مدينة ثغر الإسكندريّة، فغرق كثير من قماش القصّارين وغلال كثيرة
стр. 4022
كانت على ساحل البحر. وهاج البحر هياجا عظيما (١). وهدمت أبراج كثيرة عدّة من الإسكندريّة. وهلك جماعة عدّة من الناس تحت الردم عند حصولها فى أوّل حال. ووصلت حتى عمّت أرض برقة وبلاد تونس من المغرب، وصقلّيّة وقابس ومرّاكش. ووصلت إلى بلاد بنى الأحمر المرينيّين. وعمّت السواحل وخرّبت قبرص إلى الأرض، ولم يبقّ بها كنيسة إلاّ القليل. وذلك جميعه حسبما وردت به الأخبار من جميع هذه النواحى بعد ذلك. وكذلك عمّت أنطاكية وأعمالها إلى العلاية وأنطالية وبعض بلاد سيس. ووصلت إلى قسطنطينيّة العظمى
ولبعض الأصحاب فى هذه الزلزلة خطبة جيّدة وهى:
الحمد لله الذى حلم علينا فعفا!
وسامحنا فغفر ما ظهر منّا وما خفا، وجمّلنا بلطفه الجميل إذ أشرفنا على شفا. أحمده على نعمه التى لا يحصى عددها، ولا يعدّ مددها، وأشهد أن لا إله إلاّ الله وحده، لا شريك له، إله بلا فأحسن فى بلايه، وقدّر وقضا.
فحكمه نافذ فى أرضه وسمايه. وأشهد أنّ محمدا عبده ورسوله الذى بمولده ظهرت الدلايل، صلّى الله عليه وعلى آله وأصحابه صلاة دايمة البواكر والأصايل. أيّها الناس، إنّ المعاصى قد كثر عمّالها. حتى تباهيتم فى أعمالها، وفشت فى ساير الأرض وأعمالها ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ (١٧)﴾ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها (١٨) فلذلك ﴿زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها﴾ (١٨_) ﴿وَقالَ الْإِنْسانُ ما لَها﴾ (١٩) ولولا رحمة الله علينا لأخرجت الأرض أثقالها
стр. 4023
فيا لها من ساعة يا لها. تالله لقد زهقت النفوس عندها. وطاشت العقول. إلاّ أنّ الله بلطفه ردّها، لمّا ماجت الأرض بأسرها، وظنّ أنّ ذلك يوم حشرها، فلولا ما سبق من آجالها، لهلكت النفوس عند زلزالها. فالتوبة التوبة عباد الله فى الأيّام الباقية الفانية! واستحيوا ممّن لا تخفى عليه خافية. واعتبروا بمن هلك تحت ردمها فجأة، وقد كان فى تلك الساعة فى عافية، وأصبح منزله بعد التشييد مهدوما، وماله بيد الورّاث مقسوما، وحمل إلى قبره، فعاد التراب عليه مردوما، ولم تغن عنه الدنيا وأموالها، لمّا هلك فى ساعة زلزالها! فرحم الله امرأ تاب عمّا جنا، وتقرّب من فعل الخير ودنا، وتزوّد للآخرة. فإنّ الدنيا ليست لحىّ وطنا، ولبس للخير أثوابا، فلا بدّ أن يلبس للقبر كفنا. فنسأل الله السلامة إذا حميت سلاسلها وأغلالها و ﴿زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها﴾ (١١) ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً﴾ (١٢) ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها﴾ (١٣) محرّرا، يوم يفرّ الوالد من الولد، والولد من الوالد. يوم لا ينفع المال الصامت، ولا الناطق ولا التالد، يوم تنسف جبالها ﴿إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها﴾ (١٥) أعاذنا الله وإيّاكم من عذاب النار، وأسكننا وإيّاكم دار القرار ﴿فَنِعْمَ عُقْبَى الدّارِ﴾ (١٧) وصلّى الله على سيّدنا محمد الشفيع فى القيامة عند أهوالها ﴿إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها﴾ (١٦) و ﴿حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ (١٨)
стр. 4024
ذكر ما جاء من القول فى حدوث الزلزلة
قيل: إنّما يعرض للأرض من الزلزلة والخسف ما ذكروه المتفلسفين من ذلك، (٣) فزعموا أنّ الأبخرة والأدخنة الكثيرة إذا اجتمعت واحتبست تحت الأرض ولا يقاومها برودة حتى تصير ماء، وتكون مادّتها كثيرة لا تقبل التحليل بأدنى حرارة، ويكون وجه الأرض صلبا لا يكون فيه منفذ للبخار، فإذا قصدت الصعود لا تجد لها منفسا، فعند هيجانها تهتزّ منها الأرض التى احتبس تحتها، وتجمع تلك الأبخرة، فتضطرب الأرض، وترعد كما يرعد بدن المحموم عند شدّة الحمّى بسبب رطوبات عفنة احتبست فى خلل البدن، فتشتعل فيها الحرارة الغريزيّة، فتذيبها وتحلّلها وتصيّرها بخارا ودخانا، فتخرج من مسامّ جلد البدن، فيهتزّ من ذلك البدن ويرعد، ولا يزال كذلك إلا (١١) أن تخرج تلك الموادّ. فإذا خرجت سكن، وعلى هذا القياس حركات بقاع الأرض بالزلازل. وربّما ينشقّ ظاهر الأرض ويخرج من ذلك الشقّ تلك الموادّ المحتبسة، والله أعلم بحقائق الأمور
ومن كلامهم أيضا فى صيرورة السهل جبلا والجبل سهلا والبرّ بحرا والبحر برّا:
ذكرت أصحاب هذا العلم: أن إذا امتزج الماء بالطين وكان فى الطين لزوجة، وأثّر فيه حرارة الشمس مدّة طويلة صار حجرا، كما أنّ النار
стр. 4025
تؤثّر (١) فى الآجرّ وقد كان لبنا، فعاد بحرارة النار آجرّا، نوعا من الحجر إلاّ أنّه رخو (٢). وكلّما كان تأثير النار فيه أكثر كان أصلب وأشبه بالحجر. ثمّ زعموا أنّ تولّد الجبال من اجتماع الماء والطين وتأثير الشمس. وأمّا سبب (٣) ارتفاعها وشموخها فجاز أن يكون بسبب زلزلة فيها خسف، فيخفض بعض الأرض ويرتفع بعضها. ثمّ المرتفع يصير حجرا بالمثال الأوّل، ويجوز أن يكون بسبب الرياح: تنقل الرياح التراب من مكان إلى مكان، فتصير تلالا ووهادا (٧)، ثمّ تتحجّر بالمثال المذكور أوّلا
وذكر صاحب علم المجسطى: أنّ فى كلّ ستّة وثلاثين ألف سنة تنتقل أوجات الكواكب وتدور فى البروح الاثنى عشر دورة واحدة، فإذا انقلبت من الشمال إلى الجنوب تختلف مسامتات (١٠) الكواكب ومطارح شعاعها على بقاع الأرض، فيختلف بها الليل والنهار والفصول الأربعة، وتتغيّر الأرض، فيصير الخراب من الأرض عمرانا، ويصير العمران منها خرابا، والبرارى بحارا والبحار برارى، والسهول جبالا والجبال سهولا.
وأمّا صيرورة الجبال سهولا: فإنّ الجبال من شدّة إشراق الشمس والقمر وساير الكواكب عليها بطول الأزمنة تنشف (١٥) رطوباتها، وتزداد يبسا وجفافا. وتتكسّر خاصة عند الصواعق، فتصير صخورا وحجارة ورمالا.
ثمّ إنّ السيول تحملها إلى بطون الأنهار والأودية المنخفضة (١٧) وإلى البحار
стр. 4026
المجاورة، فتبسط فى قعرها سافا (١) بعد ساف بعضا على بعض، فيحصل فى قعور البحار جبال كما تتربّى الجزاير وكما يتلبّد (٢) من هبوب الرياح أدعاص الرمل فى البرّ. وكذلك قد يوجد فى جوف الأحجار إذا كسرت صدفة وعظم (٤) وغير ذلك، ممّا يكون فى أخلاط الطين الذى صار حجرا.
وقد يصير البحر يبسا واليبس بحرا، وذلك كلّما انضمّت (٥) قطعة من البحار على الوجه المذكور. فالماء يرتفع ويطلب الاتّساع على سواحله ويغطّى بعض البرّ بالماء، ولا يزال كذلك حتى يصير بحرا، ويغطّى ذلك البرّ. ويعود البحر برّا بما تولّد فيه وتراكم من الأحجار الواردة من الجبال المتكسّرة مع السيول المنصبّة إلى البحار مع ما تجرّ معها من الطين والتراب. فينعقد فيها بالمثال المذكور حتى تساوى الأعلى من الأرض فيعود البحر برّا والبرّ بحرا. ثمّ يصير فيها الحشيش والعشب والأشجار، وتصير مسكنا للسباع والوحوش ويقصدهم الناس لطلب المنافع من الصيد ومن الحطب وغير ذلك. ثمّ يصير مسكنا وموضعا صالحا للزراعات والغروس، فتكون مدنا وقرى بعد أن كانت بحارا، فسبحان المدبّر الحكيم ﴿خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (١٤) ﴿وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (١٥)
стр. 4027
ومن كتاب عجايب المخلوقات وبدايع الموجودات (١)
قوله تعالى جلّ وعزّ ﴿وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَااسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ (٣) فقال بعضهم: لو لم تكن الجبال لكان وجه الأرض مستديرا أملس، وكانت (٤) مياه البحار تغطّيها من جميع جهاتها وتحيط بها إحاطة كرة الهواء (٥) بالماء. فبطلت الحكمة المودعة فى المعادن والنبات والحيوانات، فاقتضت الحكمة الإلهيّة وجود الجبال لوجود ذلك
وقال بعضهم: إنّ الجبال سبب (٧) لوجود الماء العذب السايح على وجه الأرض الذى هو مادّة حياة النبات والحيوان. وذلك لأنّ سبب هذا الماء انعقاد البخار فى الجوّ، فيصير سحابا، فالجبال الشامخة الطّوال فى الشرق والغرب والجنوب والشمال تمنع الرياح أن تسوق البخار، بل تجعلها منحصرة حتى يلحقها البرد. فتصير مطرا أو ثلجا. فلو فرضت (١١) الجبال مرتفعة عن وجه الأرض لكانت الأرض كرة لا غور فيها ولا نتوء. فالبخار (١٢) المرتفع لا يبقى فى الجوّ منحصرا إلى وقت يضرّ به البرد. بل يتحلّل ويستحيل هواء، ولا يجرى الماء على وجه إلاّ قدر ما ينزل مطرا. ثمّ تنشفه الأرض، فيعرض من ذلك أنّ الحيوان والنبات يعدم الماء فى الصيف عند شدّة الحاجة إليه كما فى البادية البعيدة. فاقتضى التدبير الإلهى وجود الجبال
стр. 4028
لتحصر الماء المرتفع من الأرض بين أغوارها وتمنعه من السيلان وتمنع الرياح أن تسوقها، فيبقى فيها محفوظا إلى أن يلحقه البرد زمان الشتا فيجمّده ويعصره فيصير ماء. ثمّ ينزل مطرا أو ثلجا، والجبال فى أجزايها مغارات وأودية (٤) وأوشال وكهوف، فتقع على قللها الأمطار والثلوج، وتنصبّ إلى تلك المغارات والأوشال، وتبقى فيها (٥) مخزونة وتخرج من أسافلها من أماكن تسترقها من منافذ ضيّقة، وهى العيون التى تكون فى الجبال وأسفاحها، فيسيح منها على وجه الأرض، فينتفع به الحيوان والنبات، وما فضل منه ينصبّ إلى البحار. فإذا فنى ما استفادته (٨) من الأمطار والثلوج لحقتها (٩) نوبة الشتا، فعادت إلى ما كانت عليه. ولا يزال هذا دأبها إلى أن ﴿يَبْلُغَ الْكِتابُ أَجَلَهُ﴾ (١٠) والله أعلم
وفيها ظهرت نار عظيمة بأرض الشأم والسواحل، وعمّت جميع أرض الشأم مع السواحل والأغوار وبلاد حوران وزرع وأذرعات، وجفل منها السباع وجميع الوحش. وكانت إذا مرّت بشى من الزراعات أو من الأشجار المثمرة لا تؤذيه. ولقد ذكر لى بعض فلاّحى قرية خسفين الجولان من أرض حوران: أنّهم كانوا يرون هذه النار وهى على رءوس الشجر وأعلى الزرع ويخشون منها على الأثمار وعلى الزروعات فلم يحصل منها أذى ولله الحمد
стр. 4029
وكانت هذه سنة مباركة كثيرة الخير والخصب. وكانت هذه الضيعة المسّماة بخسفين من إقطاع الوالد ﵀ لمّا انتقل من مصر إلى الشأم فى سنة عشرة وسبع ماية
وفيها توفّى الأمير زين الدين كتبغا الذى كان يلقّب بالملك العادل، وكان يومئذ بحماة نايبا بها. وكانت وفاته مستهلّ شهر ذى الحجّة سنة اثنين وسبع ماية. رحمه الله تعالى
ذكر [حوادث] سنة ثلاث وسبع ماية
النيل المبارك فى هذه السنة: الماء القديم
ما يخصّ من الحوادث
الخليفة: الإمام المستكفى بالله أمير المؤمنين أبو الربيع سليمان، ومولانا السلطان الأعظم: الملك الناصر سلطان الإسلام. وإمام الأنام، المتشرّفة بدوام أيّامه الأيّام. مالك نواصى ملوك الزمان. جعله الله من حوادث دهره فى أمان، والنايب بالممالك الشريفة بالديار المصريّة: الأمير سيف الدين سلاّر. وأتابك الجيش: الأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير. والوزير:
الأمير عزّ الدين أيبك البغدادىّ. وأمير حاجب: الأمير شمس الدين سنقر الكمالىّ. وأمير جاندار: الأمير سيف الدين بكتمر الجوكدار. ونقيب الجيوش المنصورة: الأمير علاء الدين طيبرس الخزندارىّ
والنوّاب بالشأم، دمشق: الأمير جمال الدين آفوش الأفرم. وحلب:
الأمير شمس الدين قراسنقر المنصورىّ. وحماة الأمير سيف الدين قبجق بعد كتبغا بحكم وفاته، وطرابلس، الأمير سيف الدين أسندمر. وحمص
стр. 4030
الأمير ركن الدين بيبرس العلايىّ، والرحبة: الأمير بدر الدين محمد بن الأزكشىّ، والبيرة: الأمير سيف الدين طوغان، وقلعة المسلمين: الأمير فخر الدين أياز، والكرك المحروس: الأمير جمال الدين آقوش الأشرفىّ، وغزّه: الأمير سيف الدين آقجبا
والملوك بأقطار الأرض حسبما وصل علمنا إليهم فى نقل أسماهم ومعرفة أقاليمهم حسبما تقدّم من (٦) ذكرهم فى سنة سبع ماية، خلا صاحب مكّة شرّفها الله تعالى، فإنّه توفّى فى تأريخ ما تقدّم، وولى مكانه ولديه حميضة ورميثة، وهما فى هذه السنة ملاّك الحجاز بمكّة صانها الله تعالى
ذكر دخول العساكر الإسلاميّة سيس
لمّا كان العشرين من شهر رمضان المعظّم من هذه السنة خرج من الديار المصريّة ثلاثة مقدمين وهم: الأمير بدر الدين بكتاش الفخرىّ أمير سلاح، والأمير ركن الدين الدوادار، وشمس الدين آلدكز (١٢) السلحدار، ومن العساكر الشأميّة ألفى فارس والمقدّم عليها الأمير سيف الدين بهادر آص والأمير سيف الدين كسكلى، وخرج أيضا صحبتهم الأمير سيف الدين قبجق بعسكر حماة، والأمير شمس الدين قراسنقر بعسكر حلب، وأسندمر بعسكر الساحل (١٥).
فعند ما وصلت الجيوش إلى غزّة حصل للأمير بدر الدين أمير سلاح تشويش، فأقام بغزّة. وتوجّهوا العساكر الشأميّين (١٧) وافترقوا فرقتين، إحداهما صحبة الأمير سيف الدين قبجق والأخرى صحبة الأمير (١٨) شمس الدين قراسنقر.