← История

История · id 18147

كنز الدرر وجامع الغرر

ابن الدواداري

Полный текст (4 323 стр.). Показаны 4026–4065 · переход к 4031.

стр. 4026

المجاورة، فتبسط فى قعرها سافا (١) بعد ساف بعضا على بعض، فيحصل فى قعور البحار جبال كما تتربّى الجزاير وكما يتلبّد (٢) من هبوب الرياح أدعاص الرمل فى البرّ. وكذلك قد يوجد فى جوف الأحجار إذا كسرت صدفة وعظم (٤) وغير ذلك، ممّا يكون فى أخلاط الطين الذى صار حجرا. وقد يصير البحر يبسا واليبس بحرا، وذلك كلّما انضمّت (٥) قطعة من البحار على الوجه المذكور. فالماء يرتفع ويطلب الاتّساع على سواحله ويغطّى بعض البرّ بالماء، ولا يزال كذلك حتى يصير بحرا، ويغطّى ذلك البرّ. ويعود البحر برّا بما تولّد فيه وتراكم من الأحجار الواردة من الجبال المتكسّرة مع السيول المنصبّة إلى البحار مع ما تجرّ معها من الطين والتراب. فينعقد فيها بالمثال المذكور حتى تساوى الأعلى من الأرض فيعود البحر برّا والبرّ بحرا. ثمّ يصير فيها الحشيش والعشب والأشجار، وتصير مسكنا للسباع والوحوش ويقصدهم الناس لطلب المنافع من الصيد ومن الحطب وغير ذلك. ثمّ يصير مسكنا وموضعا صالحا للزراعات والغروس، فتكون مدنا وقرى بعد أن كانت بحارا، فسبحان المدبّر الحكيم ﴿خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (١٤) ﴿وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (١٥)

стр. 4027

ومن كتاب عجايب المخلوقات وبدايع الموجودات (١) قوله تعالى جلّ وعزّ ﴿وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَااسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ (٣) فقال بعضهم: لو لم تكن الجبال لكان وجه الأرض مستديرا أملس، وكانت (٤) مياه البحار تغطّيها من جميع جهاتها وتحيط بها إحاطة كرة الهواء (٥) بالماء. فبطلت الحكمة المودعة فى المعادن والنبات والحيوانات، فاقتضت الحكمة الإلهيّة وجود الجبال لوجود ذلك وقال بعضهم: إنّ الجبال سبب (٧) لوجود الماء العذب السايح على وجه الأرض الذى هو مادّة حياة النبات والحيوان. وذلك لأنّ سبب هذا الماء انعقاد البخار فى الجوّ، فيصير سحابا، فالجبال الشامخة الطّوال فى الشرق والغرب والجنوب والشمال تمنع الرياح أن تسوق البخار، بل تجعلها منحصرة حتى يلحقها البرد. فتصير مطرا أو ثلجا. فلو فرضت (١١) الجبال مرتفعة عن وجه الأرض لكانت الأرض كرة لا غور فيها ولا نتوء. فالبخار (١٢) المرتفع لا يبقى فى الجوّ منحصرا إلى وقت يضرّ به البرد. بل يتحلّل ويستحيل هواء، ولا يجرى الماء على وجه إلاّ قدر ما ينزل مطرا. ثمّ تنشفه الأرض، فيعرض من ذلك أنّ الحيوان والنبات يعدم الماء فى الصيف عند شدّة الحاجة إليه كما فى البادية البعيدة. فاقتضى التدبير الإلهى وجود الجبال

стр. 4028

لتحصر الماء المرتفع من الأرض بين أغوارها وتمنعه من السيلان وتمنع الرياح أن تسوقها، فيبقى فيها محفوظا إلى أن يلحقه البرد زمان الشتا فيجمّده ويعصره فيصير ماء. ثمّ ينزل مطرا أو ثلجا، والجبال فى أجزايها مغارات وأودية (٤) وأوشال وكهوف، فتقع على قللها الأمطار والثلوج، وتنصبّ إلى تلك المغارات والأوشال، وتبقى فيها (٥) مخزونة وتخرج من أسافلها من أماكن تسترقها من منافذ ضيّقة، وهى العيون التى تكون فى الجبال وأسفاحها، فيسيح منها على وجه الأرض، فينتفع به الحيوان والنبات، وما فضل منه ينصبّ إلى البحار. فإذا فنى ما استفادته (٨) من الأمطار والثلوج لحقتها (٩) نوبة الشتا، فعادت إلى ما كانت عليه. ولا يزال هذا دأبها إلى أن ﴿يَبْلُغَ الْكِتابُ أَجَلَهُ﴾ (١٠) والله أعلم وفيها ظهرت نار عظيمة بأرض الشأم والسواحل، وعمّت جميع أرض الشأم مع السواحل والأغوار وبلاد حوران وزرع وأذرعات، وجفل منها السباع وجميع الوحش. وكانت إذا مرّت بشى من الزراعات أو من الأشجار المثمرة لا تؤذيه. ولقد ذكر لى بعض فلاّحى قرية خسفين الجولان من أرض حوران: أنّهم كانوا يرون هذه النار وهى على رءوس الشجر وأعلى الزرع ويخشون منها على الأثمار وعلى الزروعات فلم يحصل منها أذى ولله الحمد

стр. 4029

وكانت هذه سنة مباركة كثيرة الخير والخصب. وكانت هذه الضيعة المسّماة بخسفين من إقطاع الوالد ﵀ لمّا انتقل من مصر إلى الشأم فى سنة عشرة وسبع ماية وفيها توفّى الأمير زين الدين كتبغا الذى كان يلقّب بالملك العادل، وكان يومئذ بحماة نايبا بها. وكانت وفاته مستهلّ شهر ذى الحجّة سنة اثنين وسبع ماية. رحمه الله تعالى ذكر [حوادث] سنة ثلاث وسبع ماية النيل المبارك فى هذه السنة: الماء القديم ما يخصّ من الحوادث الخليفة: الإمام المستكفى بالله أمير المؤمنين أبو الربيع سليمان، ومولانا السلطان الأعظم: الملك الناصر سلطان الإسلام. وإمام الأنام، المتشرّفة بدوام أيّامه الأيّام. مالك نواصى ملوك الزمان. جعله الله من حوادث دهره فى أمان، والنايب بالممالك الشريفة بالديار المصريّة: الأمير سيف الدين سلاّر. وأتابك الجيش: الأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير. والوزير: الأمير عزّ الدين أيبك البغدادىّ. وأمير حاجب: الأمير شمس الدين سنقر الكمالىّ. وأمير جاندار: الأمير سيف الدين بكتمر الجوكدار. ونقيب الجيوش المنصورة: الأمير علاء الدين طيبرس الخزندارىّ والنوّاب بالشأم، دمشق: الأمير جمال الدين آفوش الأفرم. وحلب: الأمير شمس الدين قراسنقر المنصورىّ. وحماة الأمير سيف الدين قبجق بعد كتبغا بحكم وفاته، وطرابلس، الأمير سيف الدين أسندمر. وحمص

стр. 4030

الأمير ركن الدين بيبرس العلايىّ، والرحبة: الأمير بدر الدين محمد بن الأزكشىّ، والبيرة: الأمير سيف الدين طوغان، وقلعة المسلمين: الأمير فخر الدين أياز، والكرك المحروس: الأمير جمال الدين آقوش الأشرفىّ، وغزّه: الأمير سيف الدين آقجبا والملوك بأقطار الأرض حسبما وصل علمنا إليهم فى نقل أسماهم ومعرفة أقاليمهم حسبما تقدّم من (٦) ذكرهم فى سنة سبع ماية، خلا صاحب مكّة شرّفها الله تعالى، فإنّه توفّى فى تأريخ ما تقدّم، وولى مكانه ولديه حميضة ورميثة، وهما فى هذه السنة ملاّك الحجاز بمكّة صانها الله تعالى ذكر دخول العساكر الإسلاميّة سيس لمّا كان العشرين من شهر رمضان المعظّم من هذه السنة خرج من الديار المصريّة ثلاثة مقدمين وهم: الأمير بدر الدين بكتاش الفخرىّ أمير سلاح، والأمير ركن الدين الدوادار، وشمس الدين آلدكز (١٢) السلحدار، ومن العساكر الشأميّة ألفى فارس والمقدّم عليها الأمير سيف الدين بهادر آص والأمير سيف الدين كسكلى، وخرج أيضا صحبتهم الأمير سيف الدين قبجق بعسكر حماة، والأمير شمس الدين قراسنقر بعسكر حلب، وأسندمر بعسكر الساحل (١٥). فعند ما وصلت الجيوش إلى غزّة حصل للأمير بدر الدين أمير سلاح تشويش، فأقام بغزّة. وتوجّهوا العساكر الشأميّين (١٧) وافترقوا فرقتين، إحداهما صحبة الأمير سيف الدين قبجق والأخرى صحبة الأمير (١٨) شمس الدين قراسنقر.

стр. 4031

فأمّا التى مع قبجق فتوجّه بهم من جهة قلعة الروم ودخل الدربند، فغاروا ونهبوا وقتلوا من لقوا فى طريقهم. ونازلوا بعد ذلك تلّ حمدون، وحاصروها وضيّقوا عليها، وفتحوها يوم الخميس ثالث وعشرين ذى القعدة. وكان فتحها بالأمان، ووقع الاتّفاق مع صاحب سيس على أن يكون للمسلمين من جاهان إلى حلب وله من حدّ النهر ورايح، ويعجّلوا بحمل جميع ما هو عندهم متأخّر فى تلك السنين المقدّمة. ثمّ أرسلوا إلى القلاع التى بقيت. وهى سبع قلاع منها: نجيمة والنقيّر وغيرهما من قلاع سيس. وكان قد أعطوا للرجّالة الأمان إلى نهر جاهان. فلمّا وصلوا بهم إلى النهر تبعتهم الطمّاعة والنهّابة، فقتلوهم ونهبوهم ووجدوا فيهم سبعة ملوك من ملوك الأرمن وهم أصحاب القلاع السبع. وكان صاحب سيس قد احتال عليهم وسيّر نايبه إلى تلّ حمدون وصحبته خزانة مال ويقول للملوك: تحضروا إلى تلّ حمدون، تأخذوا منها نفقة تنفقوها فى رجّالتكم وتحصّنوا قلاعكم. فقد تحقّقت أنّ هذه العساكر غيّارة. -قال. فحضروا الملوك المذكورون إلى تلّ حمدون، ونفق فيهم يومين وفى اليوم الثالث احتاط بهم العسكر المنصور، فما بقى لهم سبيل إلى الخروج فلمّا ملكت تلّ حمدون وأمّنوا من بها وتوجّهوا إلى نهر جاهان مسيرة يومين من العسكر وصلت قصّاد صاحب سيس تقول للأمرا الإسلاميّة: هؤلاء هم الملوك أصحاب القلاع وأنتم تعلموا أنّ بلادى قد خربت. وهؤلاء ما كانوا يوافقونى على مصلحة السلطان ويمنعوا الحمل ويقولوا: خلّى. أنت منّا للمسلمين. -فعند ذلك سيّروا الأمرا خلفهم وردّوهم إلى عندهم وضربوا رقاب الباقى من أصحابهم. وكان اسم كبير هؤلاء الملوك السرماق. وهو صاحب قلعة نجيمة. فلمّا تحقّق أنّ صاحب

стр. 4032

سيس الذى عمل عليهم وعلى أسرهم، قال للأمرا: أنا ما بينى وبينكم إلا قول لا إله إلاّ الله، محمد رسول الله. -وأسلم، وقال للأمرا: أنا أتوجّه صحبتكم إلى خدمة السلطان وآخذ معى ألف فارس وأفتح للسلطان من نهر جاهان إلى جبال ابن قرمان، فتكون بلاد سيس والروم بكمالها للمسلمين. - فقالوا: حتى نشاور السلطان على ذلك وفيها فى خامس عشر ذى القعدة وصل قصّاد من الشرق من سنجار وأخبروا بوفاة غازان فى سابع شهر شوّال، وجلس أخوه خذابنداه. - وخطب باسمه بسنجار يوم (٨) الجمعة خامس عشر الشهر المذكور ذكر وفاة غازان وتملك خدابنداه كان سبب هلاك غازان أنّ زوجته هميا خاتون سمّته. وهذه كانت زوجة بلغاق شاه، وكانت (١١) من قبل زوجة أبيه. وكان قبل موته قد أمر بعمل سفن كثيرة لأجل أنّه ينصب جسرا (١٢) على الفراة. وكان قصده فى تشارين يقصد الشأم. فأخرم الدهر عليه حسابه، وعجل الله فى النهاية (١٣) مصابه، وفى الآخرة عقابه. وكان قد تغيّر على الأمرا المغل والتوامين من أيّام الكسرة وشرع يهدّدهم ويعنّفهم. فاتّفقوا مع زوجته على هلاكه، فسمّته فى منديل. فلمّا كان بينهما المجامعة مسحته بذلك المنديل فنزلت أمعاؤه (١٦) وبطل نصفه. وقيل: إنّهم شقّوا له جوف أربعين بغل وقيل أكثر. -وسقى جواهر عظيمة فلم تفده. وقيل: إنّه انصلح قليلا، ثمّ نقض عليه حتى عاد هالك. -وانتقل من ملك العراقين إلى مملكة مالك. ولمّا توفّى حضر إليه

стр. 4033

عالم عظيم. وكانت وفاته بالقرب من همدان، وحمل إلى تربته بظاهر تبريز بمكان كان سمّاه الشأم ودفن به، والله أعلم وفيها كان مهاجرة الأمير بدر الدين جنكلى بن البابا إلى الأبواب العالية السلطانيّة، وصحبته جماعة من كبار التتار، من جملتهم أخو الأمير سيف الدين قطلو بك. وكان منزلة هذا الأمير بدر الدين جنكلى ومقامه عند آمد، وله مدّة يكاتب الأبواب الشريفة، وكان جدّه البابا فى زمان الملك أبغا أميرا كبيرا ولقبه جمال الدين. وأبو هذا الأمير بدر الدين يسمّى شمس الدين محمد بن جمال الدين بابا، له آثار حسنة فى الإسلام، وهو الذى ردّ التتار عن بلاد الإسلام فى أيّام الملك أرغون بن أبغا، وكان مقدّم جيوش التتار قد نزل من خراسان يسمّى أرعضون (١٠) وقصدوا دخول الشأم، فاحتال هذا الأمير شمس الدين محمد بن البابا وقرّر مع أناس قصّاد أن قالوا للتتار: إنّ البلاد مملوءة بالعساكر الإسلاميّة، وأخافهم حتى ردّهم على أعقابهم. (١٢) - وكان عمّ هذا الأمير بدر الدين أيضا مسلما حسنا يسمّى شرف الدين مغلطاى- (١٣) وفيها يوم الاثنين سابع عشر شوّال تولّى الوزارة بالديار المصرّية ناصر الدين الشيخىّ بعناية الأمير ركن الدين الجاشنكير عوضا عن البغدادىّ وفيها يوم الثلثا الخامس والعشرين من رجب توفّى الأمير سيف الدين بكتمر السلحدار الظاهرىّ، ﵀. وفى ثانى جمادى الأولى توفّى الأمير عزّ الدين أيبك الحموىّ، رحمهما الله تعالى

стр. 4034

وفيها كان خروج الوالد-سقى الله تربته-للكشف على عربان بالشرقيّة، وهم ثعلبة وجذام والعايد. وندب صحبته من ديوان الاستيفا القاضى المرحوم مخلص الدين أبو شاكر بن العسّال وأعرضت العربان بصوة العبّاسة بالأسما والحلى، وسبب ذلك أنّ هؤلاء العربان أمرا ولهم أخباز من جهة السلطنة المعظّمة، وهم عدّة ألف وسبع ماية فارس مستخبزة، ومن تحت أسماءهم قوم يأكلون من غير هذه العدّة يسمّون المحرّمة، وهؤلاء العربان عليهم إقامة خمس عشرة منزلة بمنازل الرمل بالطريق الشأميّة، أوّلها من جهة مصر منزلة السعيديّة وآخرها من جهة الشأم كان فى ذلك الوقت منزلة رفح. وإنّما فى هذا الوقت عند الرّوك الناصرىّ تضوّروا العربان من اتّساع الدرك، فحمل عنهم السلطنة منزلتين، وهما رفح والزّعقة، وصار آخر أدراكهم منزلة تعرف بالخروبة. ويقيمون فى هذه الخمس عشرة منزلة ماية وخمسين فرسا، فى كلّ منزلة عشرة أرؤس برسم البريد المنصور. هذا يختصّ بقبيلتى جذام وثعلبة، وعليهم خفر (١٤) ساير هذه الطرقات إلى عند دار الضيافة التى تحت القلعة مع جبل المقطّم، مقرّر عليهم خفر ذلك من تقادم السنين من أوّل وقت، وعلى قبيلة العايد خفر الطريق البدريّة، وهى الطريق الفوقانيّة بالبرّيّة، عرضها ثمانية أيّام تسلكها التجار المشوّرين عن الحقوق السلطانيّة الموجبة بقطيا. وهذه الطريق كانت المسلك إلى الديار المصريّة من الشأم أيّام كانت الفرنج ملاّك الساحل. ثمّ لمّا فتح الله تعالى البلاد على يد السلطان المرحوم صلاح الدين الملك الناصر بن أيّوب أوّل ملوك بنى أيّوب ارتجعت الطريق هذه المتقرّة ودثرت هذه الطريق البدريّة. وما برحت الملوك بالديار المصريّة مجتهدين

стр. 4035

فى دثور هذه الطريق بالإجماع ومنع السالك منها، فإنّها عادت مضرّة على الديار المصريّة من عدّة وجوه: من تشوير التجّار عن الحقوق الموجبة عليهم بالطرق السلطانيّة من الشأم إلى مصر، ومن تطرّق القاصد والجاسوس من جهة العدوّ المخذول، فإنّه يعبر ويخرج من الديار المصريّة ولا يعلم به وكان الوالد ﵀ اجتهد فى حفظ هذه الطريق ومنع السالك منها، وألزم هؤلاء العايد بحفظ أدراكهم فيها. فإنّ السالك فى هذه الطريق لا يقدر يعبر إليها إلاّ بدليل من هؤلاء القبيلة العايد. فإنّها طريق مشقّة ومفاوز، وهى فى التيه ولا لها درب سالك. وإنّما فى النهار يسيرون على رءوس الروابى والآكام، يعرفوها هؤلاء العرب المذكورون، وفى الليل يسيرون على النجوم، ويوردون ماء ويصدرون عن آخر، لا يكاد يبيتون إلاّ على ماء، ولكلّ ماء اسم يعرف به. ما يزيد عن أربعين ماء فى طول هذه المسافة وعرضها. والذين (١٢) يشوّرون فى هذه الطريق أكثرهم-إذا كانوا من الديار المصريّة-يشوّرون من الصعيد بالأصناف النافقة بالشأم مثل الكتّان والشقاق الخام وغيره. فيتوجّهون البعض من إطفيح والبعض من شرونة والبعض من قبال مدينة أسيوط، ثمّ من أخميم، ويخرجون بعد ذلك حيث شاءوا بعد أن يتعدّون قطيا. فمن شا منهم خرج من منزلة الواردة، ومن شا خرج من منزلة العريش أو الزعقة أو رفح وغيرهم فى طول منازل الرمل. فهذا درك عرب العايد إلى عقبة الحجّاج الكبيرة. وأمّا درك الطور وهو طور سينا، فهو على عرب يقال لهم بنى سليمان، ومنهم أدراك بنى عقبة عرب الكرك والشوبك

стр. 4036

وهذا الطور فمن عجايب الدنيا. وهو الذى كلّم الله تعالى فيه موسى تكليما (٢). وله درج إلى أعلاه عدّة سبع ألف وثمانى ماية درجة. وهناك دير عظيم ما بنى فى جميع الأديرة له نظير. ومقيم بها نيّف وأربع ماية راهب، أكثرهم ملوك وأولاد ملوك من الفرنج، قد خرجوا عن الدنيا وانقطعوا عن العالم، يعبدون الله على دينهم وأمرهم إلى الله تعالى. وهذا الطور على بحر المالح، ومأكلهم السمك الكثير يعملوه عدّة ألوان (٧). والتمر والعجوة والرطب الكثير. فإنّ ثم هناك نخيلا كثيرة فى غاية الحسن. وأكثرهم متموّلين وفيهم خير. وعندهم لم تبرح القمصان الخام والطواقى والمشّايات يؤثروا (٩) بها الحجّاج التايهين من الرّكب. وربّما أنّهم كانوا فى غير هذا الوقت إذا وصل إليهم إنسان وشكى لهم فاقة وفقرا (١١) وعايلة وتحقّقوا ذلك منه يقولون له: تقترض للآخرة؟ -فإن قال: نعم، أعطوه على قدر ما يروه من الألف والألفين وأكثر وأقلّ. هذا كان من قبل هذا الوقت، وإنّما فى هذا الوقت ما عادوا يعطون إلاّ من يخشوا منه، والله أعلم ثمّ إنّ على هؤلاء العربان المذكورين (١٥) السياق السلطانىّ، وهو ألف جمل يحملوا عليهم أثقال السلطنة عند توجّه الركاب الشريف السلطانىّ إلى الشأم المحروس. ثمّ إنّ كلّ من توفّى من هؤلاء العربان لا ينزل ولده كان أو أخوه أو ابن عمه أو إذا كان ماله وارث كان من أقرب أقاربه أو من طايفته حتى يزن ما على ذلك الإقطاع من الرسم المقرّر، وهو كلّ إقطاع عليه رسم قد قرّر من قديم الزمان على قدر العبرة، فمن خمس ماية دينار إلى ثلاثين دينار حبشيّة

стр. 4037

فكان موجب خروج الوالد إلى العربان لوجهين: لانكسار خيل البريد وقلّة اكتراثهم بمن يخرج إليهم من الأمرا وغيرهم، ولأجل أنّهم كانوا إذا توفّى منهم أحد دخلوا إلى ديوان العربان وصانعوه بشئ وركّبوا اسما (٣) على اسم بغير الرسم المقرّر. فاطّلع نايب السلطان الأمير سيف الدين سلاّر على ذلك، وتحقّق أنّ أىّ من أخرجه من الأمرا دخلوا عليه وقدّموا له الخيول والجمال والأغنام، فلا يظهر السلطان بعد ذلك على شى. وكان يعرف الوالد من أيّام الشهيد الملك المنصور والشهيد الملك الصالح، ويتحقّق منه الأمانة والتصميم (٧) على حفظ مال السلطان، فألزمه بذلك صورة كشف وتعوّد. ثمّ درّجه حتى ولاّه الأعمال الشرقيّة مضافة للعربان بأمره. فاستقرّ إلى حين عودة الركاب الشريف من الكرك المحروس ثالث مملكة. فاعتفى من الولاية، فأعفاه مولانا السلطان، عفى الله عنه فى الدنيا والآخرة، وخيّره بين الإقامة بمصر أو الشأم، فاختشى أن يستدركوا فيه الفارط، ويعود إلى الولاية. فطلب الشأم فتصدّق عليه بإمرة بالشأم، ورتّب مهماندارا بالشأم المحروس. ثمّ لمّا تولّى الأمير سيف الدين كراى المنصورىّ نيابة الشأم كاتب فيه وأضاف إليه شادّ الدواوين بدمشق اغتصابا لا اختيارا منه. فأقام إلى أن تولّى الأمير جمال الدين نايب الكرك نيابة الشأم، فاستعفى، فأعفى فى حديث طويل جرى عليه من الدماشقة. وأرادوا قتله، فسلّمه الله تعالى بنيّته المباركة. وعلى الجملة إنّه أقام فى الأعمال الشرقيّة إحدى عشرة سنة، وأضيف إليه بها نظر قطيا وأشمون الرمّان. ولمّا توجّه إلى الشأم لم يكن معه ما يصلح به حاله للسفر حتى أباع ملكه سكنه بثمانية عشر ألف درهم وتجهز بها حتى خرج إلى الشأم. ولمّا توفّى ﵀ بدمشق

стр. 4038

وجدت عليه ثلاثة عشر ألف درهم دين، وكان قد ولى بدمشق أكبر مناصبها بعد النيابة، فلم يلتمس لأحد من خلق الله تعالى الدرهم الفرد، ولا أكل لأحد اللقمة الخبز، والله على ما أقول وكيل وفيها توجّه إلى الحجاز الشريف الأمير سيف الدين سلاّر وصحبته الأمير عزّ الدين سنقر الكمالىّ أمير حاجب، وفعلا من المعروف فى هذه الحجّة شيئا كثيرا (٦) جدّا، والله أعلم ذكر [حوادث] سنة أربع وسبع ماية النيل المبارك فى هذه السنة: الماء القديم ما يخصّ من الحوادث الخليفة: الإمام المستكفى بالله أبو الربيع سليمان أمير المؤمنين، ومولانا السلطان الأعظم: الملك الناصر، زاد الله دولته شبابا ونموّا، وارتقاء وبقاء وعلوّا، سلطان الإسلام، وإمام ملّة النبىّ ﵇، والنوّاب بمصر والشام، حسبما تقدّم من الكلام، فى ذلك العام، وكذلك ملوك الأقطار، فى ساير الأمصار، ما خلا مملكة العراقين وخراسان بمملكة التتار، فإنّ الملك عليها فى هذا العام خدابنداه، وهذه لفظة عجميّة معناها عبد الله وكان قبل هلاك غازان فى السنة الخالية، قد كتب مولانا السلطان له كتابا عقب (١٧) كسر التتار بشقحب يتضمّن إعلامه بما جرى على جيوشه التى امتلأ من قتلاهم فسيح الفضا، حتى عفت لحومهم وحوشه. فمن ذلك ما هذا نسخته:

стр. 4039

[نسخة مكتوب السلطان الناصر إلى غازان خان بعد معركة شقحب] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله على ما جدّد لنا من النعمة التامّة، وسمح به <من> الكرامة العامّة، حين أعاد البدر إلى كماله، والسرور إلى أتمّ أحواله، فاشتاقت النفوس إلى عوايدها، وارتاحت القلوب إلى ملايذها، وأضاءت شموس المعالى، وطلعت بدورها بالسعد المتوالى، وارتاحت القلوب إلى معجز برهانها التالى، وكانت غلطة من الدهر فاستدركها، وسقطة خطب غطّته فما ملكها، فقرّت تلك العيون، وتحقّقت فى بلوغ الآمال الظنون. فلله الحمد الجزيل، ما لاح فى الجوّ بارق، وعرا فى الليل طارق وبعد: فليعلم الملك محمود غازان جامع الوفود، وحاشد الحشود، أنّه قد كان ما جرى وقدّر فى القدم، فلا رادّ لما قضى وبرم وحكم، فحملنا ذلك أنّه كان من ربّنا تقدير، وأنّه ليس لأحد فيما أراد الله تعالى تدبير، فما لبثت إلاّ اليسير من المدّة، حتى أرسلت رسلك إلينا مجدّة، تطلب الصلح وتحثّ عليه. وتذكر السلم وتندب إليه، بعد ما اعتمدت الفساد فى الأرضين. وكان من الواجب علينا وعليك إصلاح ذات البين. فأكرمنا رسلك إكراما يليق بجميل فعالنا، وجاوبناهم بمقتضى حالهم لا حالنا. وأعدناهم إليك، وقلّدناك من البغى ما عاد وباله عليك. فعدت وأرسلت تطلب منّا رسلا تسمع كلامك، وقد فهمنا مقصدك ومرامك. فأرسلنا إليك ما طلبت، وركّبناك فرس البغى، فيابئس ما ركبت! فما كان إلاّ عند وصول رسلنا، جهّزت عساكرك وأظهرت الغدر لنا، وحرّضتهم بما عاد وباله عليهم، وما رأوه حاضرا لديهم. ثمّ شيّعتهم

стр. 4040

من هناك، ورجعت طالبا للسلامة من الهلاك، فما كان إلاّ أن دخلوا البلاد، وفعلوا ما أمرتهم به من الفساد، ونزلوا بالقرب من حلب، وشنّوا الغارة وجدّوا فى الطلب. وسيّرت من جيشك جماعة إلى القريتين، فشاهدهم يزكنا المنصور مرأى العين، فوجدوهم وقد أخذوا أغنام التركمان، فتلقّوهم يزكنا بأضيق (٥) مكان، فلم يلبث الباغون ﴿إِلاّ ساعَةً مِنْ نَهارٍ﴾ وطلبوا الهزيمة والفرار، فلم يمهلوا حتى عجّل الله بأرواحهم إلى النار، وبقّى أجسادهم ملقاة بأرض عرض، إلى يوم العرض. ثمّ سارت عساكرك طالبين الغوطة، ولم يعلموا أنّ بها أسودا (٨) مربوطة، وعساكرنا تتأخّر عنهم قليلا قليلا، وأعيننا ترقبها بكرة وأصيلا. فلمّا عاينوا دمشق ظنّوا أنّهم يدخلوها ولأهلها يأسرون، وما علموا أنّهم فى تجارتهم يخسرون، فإن سجيّة الغدر للهلاك، ومصرع البغى ليس منه فكاك. فلم تغرب الشمس حتى فرّقناهم على أديم الأرض، وشتّتنا بعضهم عن بعض والتجأ من بقى منهم إلى الجبل، وباتوا وهم من سيوفنا على وجل. وأقاموا عليه ليلة الأحد، وظنّوا أن ليس مقابلهم أحد. فلمّا دقّت نصف الليل كوساتنا المنصورة، تحقّقوا أنّهم الفية الباغية المكسورة. فعند ما أصبحوا نظروا الأرض، وقد سالت عليهم خيلا ورجلا حتى ضاقت بهم عن المجال. فعندها ندموا حيث لا ينفعهم الندم، وأيقنوا (١٧) بعد السلامة بالعدم. فنادى لسان حالهم-وقد قصّروا فى أعمالهم-أعتقنا أيّها الملك الرحيم، واعف عنّا فإنّك حليم. فأمرنا جيوشنا أن تفتتح لهم طريقا منها يخرجون، وتركناهم من أمرنا يعجبون، ففرّوا فرار الشاة من الأسد، ولم يلتفت منهم الوالد على الولد

стр. 4041

فلو رأيت، أيّها الملك، عساكرك-إمّا ذليلا أسيرا، أو جريحا عفيرا ﴿وَكانَ يَوْماً عَلَى الْكافِرِينَ عَسِيراً﴾ (٢) يوم تضاعف فيه المقتول والمأسور، وتصاحب فيه الذياب والنسور، وعادوا أصحابك طعاما (٣) للذياب-لعضّيت على يديك وقلت ﴿يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً!﴾ (٤) فبادر، أيّها الملك إلى حمد الله العادل، الذى لم ير عينك هذه المحافل، ومرورها على سمعك أهون من العيان، ونظرك إلى عورات أصحابك يغنيك عن البيان. فإنّه كان يوما مشهودا، وكان الملايكة فيه شهودا، ولقد نصحتك فما ارعويت، وبذلت لك القول فما وعيت، وركبت فرس البغى أحمر (٨) كميت، فمن أجل ذلك عاد كلّ حىّ من جيشك ميت. وقلنا لك: من جرّد سيف البغى فهو به مقتول، فلا تعبأ بالقول ولا تفهم ما تقول، فاستحببت الكفر على الإيمان، فبئس ما سوّل لك الشيطان، فإن شيت أن تقف معنا على الكتاب المبين ﴿وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ (١٢) فنخرج أنا وأنت عن بغداد والعراق، ونتركها لخليفة رسول الله إلى يوم التلاق، وإن سوّلت لك نفسك بخلاف ذلك، فأنت لا محالة هالك. وعمّا قليل يخلو (١٤) منك العراق والعجم، وتندم حيث لا ينفعك الندم، وقد أوضحنا لك الحقّ فلا تميل، وهديناك إلى أقوم سبيل، وتتقدّم بإرسال رسلنا المرسولة إليك، ولا تعوّقهم يكون وبالا عليك، وكأن قد خيّلت لك نفسك أنّ جيوشك تعبر الديار المصريّة، صدقت، ولكن على غير حالة مرضية، أمّا الخيول فعلى

стр. 4042

أيدى عساكرنا مجنوبة، والطبول فى أعناقهم مقلوبة، وأمّا الرجال، ففى أعناقهم الحبال، والسلاسل والأغلال، فعادت مغلك كالكلاب، فى أيدى أسود الغاب، فاختر لنفسك إمّا الدخول إلى خراسان سريعا، وإمّا الخروج عن الروم والعراق جميعا وفى آخر هذه الرسالة هذين البيتين <من المتقارب>: <و> إن كان أعجبكم عامكم ... فعودوا إلى الشأم فى قابل فإنّ السيوف التى ورّخت ... مواقعها فى يد القاتل وفيها كان إصراع العبد المؤلف لهذا التأريخ بالبندق فى شهر ربيع الآخر رابع عشرين منه. وتفضّل المولى المحسن المالك المرحوم شمس الدين بن دانيال الحكيم ﵀، ونظم أبياتا حسانا تتضمّن قدمة العبد. ونحن نذكرها هاهنا لما فيها من الفوايد فى وصف عدّة الطير الواجب وأصنافه وحسن صناعة التأليف، وأيضا لحفظ تأريخ الإصراع والقدمة، وهذه الفايدة تختصّ بالعبد دون غيره. فالقارئ يحتمل الإساءة فى إثباتها بشفاعة ما قبلها وبعدها إذا انتهى إلى حدّها وهى <من الكامل>: عج بالسدير (١٥) ... فإنّ فيه مرامى فعلى السدير تحيّتى وسلامى واد به طير الجليل معرّسا ... وا طول شوقى نحوه وغرامى وإذا أتيت جنابه متنزّها ... انزل به لتفوز بالإنعام أشتاق هاتيك الوجوه وحسنها ... واهوى مقامات به ومرامى

стр. 4043

قالوا أصف طير الجليل معجّلا ... فى واجب الأصناف بالإحكام فأجبتهم كركى ووزّ لغلغ (٢) ... وأنيسة عنارها وتمام صوغ وأرنوق ونسر حبرج (٣) ... وأكىّ قاضى نسبة الحكّام وعقابها ومرازم وشبيطر ... يشتاق ملقاها ذوو الأفهام من بعد ما نجلى الجليل فنبتدى ... بمديح إسراع الجناب السامى ابن الدويدارى الذى قد شرّفت ... بجنابه الملعوب فى الأعوام يا سيف دين الله ما بين الورى ... ومسامى الصدّيق فى الإسلام لم أنسه لمّا استوى بمقامه ... كالبدر فى صحو بغير غمام شبّهته فى حلّة مسودّة ... بدر تجلّى فى دجاء ظلام وكأنّه أسد هزبر كاسر ... همّاته فاقت لكلّ همام وقد انتضى قوسا (١١) ... بكفّ شماله حلو الصياغة صاغة الحزّام لا فطر فيه ولا مبيّض كعبه ... <و> قد استخير له قنا ولحام يذرف دموعا من محاجر عينه ... لمّا تراهقه كفوف الرامى ولغالغا طاروا عليه وأقبلوا ... وقد ابتدا بمقامه القدّام فرمى إليهم بندقا من كفّه ... فهوى كسكران بغير مدام ومعفّرا وجه الثرى من خدّه (١٦) ... لا يستطيع لنهضة وقيام حسن له إبن الحظابى (١٧) ... جاره أحسنت لا شلّت يمين الرامى وجرى إليه محصّلا عن نفسه ... <لكنه> لا يستطيع يحامى

стр. 4044

لمّا تقضّى (١) ... الوجه جاء لحمله ما بين سادات الرتوت كرام وأتابكى (٢) ... كان الكبير وبعده ابن الشجاع السنتب الضرغام قد كان ثالثه الكبير منيعما (٣) ... والمجد رابعهم بصدق نظام وجماعة حملوا له من بعدهم ... سلكوا العدالة منهجا وكلام وقد ادعى لجناب ليث كاسر ... إنّ المعزّى فخر كلّ غلام ملك أمير حازم متورّع ... كفؤ أثير باسل كحسام فى سبع ماية وأربع إصراعه ... تأريخه مسطور بالأقلام بربيع الآخر كان أوّل رميه ... رابع وعشرين من الأيّام (٨) ما كان أبرك وجه بكرة عنده ... يوم الأحد الضاحك البسام (٩) ها إبن دانال يشرّف (١٠) ... نظمه ولسانه من سيآت الفحش والآثام وفيها حجّ الأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير، ومسك حميضة ورميثة أولاد أبى نمىّ أصحاب الحجاز الشريف بمكّة، وأحضرهما إلى الأبواب العالية. وعادا يجلسا مع الأمرا فى الخدمة، ولبّسوهما كلاوت زركش وأقبية وسيوف وحوايص. وأقام عوضهما بمكّة أخويهما عماد الدين أبو الغيث وسيف الدين عطيفة وفيها قبض على ناصر الدين الشيخىّ الوزير فى غيبة بيبرس فى الحجاز، باتّفاق كان بينه وبين الأمير سيف الدين سلاّر، وضرب بالمقارع حتى مات تحت العقوبة، لأمور كانت جرت منه. وكان قصده فتنة لما

стр. 4045

كان تعلّق به أمله الكاذب، فرجع وبالا عليه. وهذا ناصر الدين الشيخىّ كان أقباعيّا (٢) يخيط الأقباع. ثمّ إنّه كان بماردين وحصل. منه مكاتبة ومناصحة للأبواب العالية السلطانيّة. ثم وصل إلى مصر وأخذ الإقطاع وعمل شادّ الكيّالة بالقاهرة المحروسة. ثمّ ولى القاهرة. ثم تنقّلت به الأحوال حتى وزر وانتهت أيّامه فقتل (٥_) حسبما ذكرناه. و (٥) كان يعرف بالغايب، وأبوه كان هنديّا (٦) وأخوه يعيش إلى حين وضع العبد هذا التأريخ، يسمى الشيخ علىّ، رجل فقير، وما كان يعترف به فى حال سعادته (٧) ووزر بعده سعد الدين بن عطايا بعناية الأمير علم الدين الجاولى الأستادار. وكان الأمر راجعا (٩) فى ذلك الوقت لتاج الدين بن سعيد الدولة. وكان هذا ابن سعيد الدولة مسلمانيّا (١٠)، وكان فيه دهاء ومكر. فانتهى إلى خدمة الشيخ نصر المنبجىّ، قرّبه إليه شخص جندىّ كان يلوذ بالشيخ نصر، يقال له المعظّمىّ. وكان الشيخ نصر لا يقوم ولا يقعد إلاّ بالمعظّمىّ وجعله حاجب بابه. وبلغنى ممّن أثق به أنّ الشيخ نصر قال فى وقت: أطلعت على الجنّة، فوجدت المعظّمىّ قايما (١٤) على باب الجنّة مع رضوان يأذن لمن أحبّ ويمنع من أختار، فلذلك جعلته صاحب الإذن علىّ. -فلمّا قرّب المعظّمىّ لابن سعيد الدولة للشيخ دخل على الشيخ بخرده (١٦) ومكر ودين وخشوع حتى بلغنى أنّه قال عنه: هذا ابن سعيد الدولة يتصرّف فى الجنّة كيف شا، فلا أقلّ أنّه يكون متصرّفا فى أمور الدنيا. -وكان الشيخ الغالب على أمر الأمير ركن الدين، لا يفعل شئ إلاّ بإذنه وعن إشارته. فأشار بأن يكون ابن سعيد الدولة مدبّر الدولة. فعاد كذلك حتى

стр. 4046

بلغ من أمره إذا كتب (١) عن مولانا السلطان كتاب فى ساير التعلّقات الخاصّة والعامّة يعرض على ابن سعيد الدولة حتى يكتب عليه: يحتاج إلى الخطّ الشريف، -ثمّ بعد ذلك يقدّم للعلامة الشريفة السلطانيّة. ثمّ إن ابن سعيد الدولة عمل له ناموسا عظيما حتى لا كان أحد (٤) يجسر أن يسلّم عليه فى الطريق ولا يمشى أحد (٥) قدّامه ولا خلفه غير عبد واحد يحمل دواته، والويل لمن جهل منه ذلك فسلّم عليه فى الطريق، فما يسلم من الأخذ والإهانة (٦) إلاّ بالجهد العظيم. وكان له بستان قد جعل فى وسطه مكان خالى من الأشجار تقدير فدّانين، وفى وسط تلك البقعة تخت جريد يجلس عليه ومن شا من ألزامه الخصيصين به. وكان أكثرهم مجالسة فى قراية المناحس والتفكّر فى ما يفعلوه شخص من أقاربه كان يسمّى التقىّ الأحول، وكان يقارب التاج فى المكر والخبث ويفوق عليه، وربّما كان التاج ابن سعيد الدولة يغترف من بحره، فكان غالب الأوقات جليسه فى ذلك المكان. وكان قصده بخلوّ ذلك المكان من الأشجار والخلوة فيه خشية ما سامع يسمع ما هما فيه من الكلام، فإذا دخل إليه داخل نظره من بعد. كلّ ذلك من حسابه البعيد وغوره فى المناحس. ثمّ إنّ ابن سعيد الدولة حجر على ساير التصرّفات السلطانيّة ومنع أشيا كثيرة كبيرها وحقيرها. جليلها وقليلها. هذا ومولانا السلطان يلاحظ هذه الأحوال، صابرا على هذه الأهوال، قد سلّم أموره إلى الله مولاه، فهو يلاحظه ويكلاه وفيها ليلة الثلاثاء الثامن والعشرين من ربيع الآخر ولد لمولانا السلطان عزّ نصره ولد ذكر (٢٠)، ولقّب بالملك المظفّر

стр. 4047

وفيها التاسع عشر من ربيع الأوّل وصل الأميرين آقطاى وسلطان أولاد مهنّا ومعهم جماعة كبيرة، وكان لهم مدّة زمانيّة قد قفزوا إلى التتار، وكانوا مضرّة (٣) على الإسلام خصوصا على القفول الصادرة والواردة من الشرق. فكان عودهم رحمة للناس، فخبّروا أنّ غازان كان قبل موته قد جرّد خمسة عشر تومانا عدّة ماية وخمسين ألف فارس إلى نحو الشأم. فمات بالسبب المذكور قبل خروج التجاريد، فلله الحمد والمنّة وفيها وصل رسول التتار وأخبر أنّ وراه رسلا (٧) أيضا من الملك خدابنداه أخى (٨) غازان صاحب تخت مملكة التتار بالعراقين وما معهما، وأنّ مع الرسل رسول المسلمين: الأمير حسام الدين المجيرىّ وعماد الدين بن السكّرىّ، وكذلك بدر الدين بن فضل الله. وأخبر أنّ الملك خدابنداه قرّب الرسل الإسلاميّة وأخلع عليهما وأنعم إنعاما كبيرا، وأنّ من جملة ذلك أنّه ناول لعماد الدين بن السكّرىّ من يده هناب قمز فتناوله من يده، ولم يشربه. فسأله عن امتناعه، فقيل له: إنّه قاضى ولا يمكنه شربه. -فأخذه منه وناوله رغيف خبز صورة أمان، فأخذه وضرب له جوك. فأعجبه كلامه وقال: الملك الناصر آغا أطاسى، يعنى كبيرى وسميّى، فإنه محمد وأنا محمد، ونحن نطلب الصلح خمسين سنة، وأقلّ ما يكون اثنتا عشرة سنة حتى تعمر البلاد. -ثمّ قال: إنّ أخى غازان ما كان له عقل فى خراب البلاد، وكان مسلم الظاهر كافر الباطن، وما دخوله الشأم برضايى ولا برضا أمرا المغل، فلذلك قتله الله تعالى. وإنّ أمرا المغل يسلّمون على السلطان صاحب مصر ويطلبوا منه الصلح وإخماد هذه الفتن، وكان سبب هذا كلّه منهم أنّه بلغه

стр. 4048

أنّ الملك أنغاى قد عزم على غزوهم، فقصدوا أن يسدّوا الباب من هذه الجهة ويتفرّغوا لوجه واحد وفيها وصل رسول أنغاى ابن أخى (٣) الملك بركة ووصل صحبته جوار كثيرة ومماليك وهديّة سنيّة لمولانا السلطان عزّ نصره، وكان عدّة المماليك أربع ماية مملوك ومايتى جارية. فأخذ منهم مولانا السلطان ماية وعشرين مملوكا والباقى شروهم الأمراء. ومضمون الرسالة: إنّنا قد سيّرنا إلى خدابنداه نطلب منه من خراسان إلى توريز، وقد عزمنا على الركوب إليه. فتجمع عساكرك وتدخل من قبلك ونحن من قبلنا، ونجتمع نحن وأنت على طردهم من البلاد، ونكون نحن وأنتم يدا (٩) واحدة، وحيث ما وصلت خيلنا من البلاد فهو لنا، وحيث ما وصلت خيلكم من البلاد فهو لكم. -فلأجل ذلك كان ترقّق خدابنداه فى رسالته وسؤال (١١) الصلح وفيها تاسع شهر جمادى الأولى وصل من التتار مقدّمين ومعهم نحو من مايتى نفر بنسايهم وأولادهم. وذكروا أنّ فيهم أربعة من سلحداريّة غازان ومن جملتهم ابن سنقر الأشقر، وأخبروا أخبارا (١٤) طيّبة وفيها وصل بدر الدين محمد بن فضل الله وعلاء الدين بن القلانسىّ وشرف الدين بن الأثير من بلاد التتار، وكانوا قد أخذوهم نوبة غازان. وكان دخولهم دمشق الثالث والعشرين من جمادى الآخرة وفيها وصل الأمير حسام الدين المجيرىّ وعماد الدين السكّرىّ وصحبتهما رسل من جهة خدابنداه

стр. 4049

تتمّة كلام المجيرىّ للوالد رحمهما الله تعالى جميعا قال الأمير حسام الدين المجيرىّ: لمّا اعتقلنا غازان بالمدرسة، كما تقدّم السبب فى ذلك، قال: أقمنا سنتين (٣) ونحن ننتظر الموت صباحا ومساء. وكان لنا طاقة ضيّقة عالية تشرف على الطريق. وكان قبالها دكّان لرجل إسكاف لم يبرح يشير إلينا بإصبعه بالسلام. فبينا ذات يوم أنظر الطريق وإذا برجل فى وسط الطريق فى السوق وهو يمشى حافيا، ومعصّب الرّجل بخروق وسخة، عريان الجسد، ضعيف الحركة، والناس يسلّمون عليه ويهنّئونه بالسلامة، وهو لا يكاد يردّ الجواب ضعفا، فجعل ذلك الإسكاف الذى فى تلك الدكّان التى قبال الطاق يشير بيده نحوى ويتبسّم ويشير إلى ذلك الشخص ولا أفهم معنى ذلك لبعد المكان وعلوّه. وكان ذلك الرجل من الجيش الذين كسروا بشقحب، ورجع فى ذلك الحال. (١١) (وكان ذلك الإسكاف يشير إلينا ليرينا إيّاه، وهو كالشامت به) (١٢). فأقمنا بعد ذلك أربعين يوما إذ أقبل إلينا الفرج من الله . فأخرجونا ودخلوا بنا الحمّام وألبسونا ثيابا (١٤) حسنة. وبعد خمسة أيّام ورد مرسوم خدابنداه بإحضارنا، قال: فلمّا حضرت بين يديه أكرمنى وأجلسنى وقرّبنى وحدّثنى منّى إليه بغير حاجب وقال: يا حسام الدين، كيف رأيت صنع الله تعالى بغازان الملعون لمّا طغى وزاد، قال: فقمت وقبّلت الأرض وقلت: يحفظ الله القآن ويطول فى عمره، قال: ثمّ أنعم علىّ (١٨) ورسم لى بالأموال والخيول والخلع والأنعام، وأعطانى أشيا لم يعطها ملك مثله لمثلى. وكتب معى إلى ساير

стр. 4050

بلاده والملوك الذين فى طاعته بالوصاة علينا وإكرامنا، قال المجيرىّ: فو الله ما وصلت إلى آخر أقاليمه وأعلم أيش حصل لى من الأموال والخيرات. - انتهى كلامه (٣) ووصل إلى الأبواب العالية فى شهر ذى الحجّة من هذه السنة وصحبته رسل من جهة خدابنداه وعلى يدهم كتاب ما هذا نسخته:. . . (٥) وفيها توفّى السيّد الشريف عزّ الدين جمّاز بن شيحة صاحب المدينة، على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، وقام بالأمر مكانه ولده ناصر الدين منصور وفيها توفّى شمس الدين محمد بن التيتى وزير صاحب ماردين، وكان نايب العدل بالأبواب الشريفة ذكر [حوادث] سنة خمس وسبع ماية النيل المبارك فى هذه السنة: الماء القديم ما يخصّ من الحوادث الخليفة: الإمام المستكفى بالله أمير المؤمنين أبو الربيع سليمان، ومولانا السلطان الأعظم: الملك الناصر سلطان الإسلام والمسلمين، أدام الله أيّامه إلى يوم الدين، والنوّاب بمصر والشأم حسبما تقدّم من ذكرهم. والملوك بأقطار الأرض كذلك، خلا مكّة شرّفها الله والمدينة صانها الله، فإنّ ملاّك مكّة، أبو الغيث وعطيفة، وأخويهما حميضة ورميثة بالأبواب العالية، وصاحب المدينة ناصر الدين منصور بحكم وفاة أبيه جمّاز، رحمه الله تعالى

стр. 4051

وفيها خرج الأمير جمال الدين آقوش الأفرم نايب الشأم المحروس من دمشق المحروسة وتوجّه إلى جبل الكسروان، وتوجّه معه زردخاناه وحجّارين ونقّابين، وصحبته من الرجّالة ما يزيد عن خمسين ألف راجل، ولم يزل يحصرهم ويبيدهم حتى أخلى منهم، وأراح الله تعالى من فسادهم العباد ذكر ما كان بين عسكر حلب وأهل سيس لمّا كان فى شهر المحرّم أوّل هذه السنة دخل عسكر حلب إلى بلاد سيس غيارة عليهم. وكان المقدّم على الجيش الأمير سيف الدين قشتمر المنصورىّ المعروف بمملوك قراسنقر. وكان ابن قطلو شاه مقدّم التتار فى جماعة من المغل بأطراف الروم فى ثلاثة آلاف فارس. وكانوا قد تبعوا والدة الأمير سيف الدين سلاّر وإخوته. فلم يدركوهم فسيّر إليهم صاحب سيس يستنجد بهم. فلمّا حضروا إليه نفق فيهم وأعطى كلّ نفر سبع ماية درهم سلطانيّة. وكان عنده أيضا جماعة كبيرة متجمّعة من مرنده (١٣) وإفرنج وأرمن. فكان جمعهم تقدير ستّة آلاف فارس. وكانوا المسلمين فى نحو من عشرة آلاف فارس. فلمّا كان ليلة أوّل رأس هذه السنة بلغهم أنّ العدوّ طالبهم فى جمع كثير. فقال ابن جاجا لقشتمر: المصلحة أن نرحل بهذه الغنايم التى قد حصلت ونخرج قبل أن يدركنا العدوّ فى بلاده

стр. 4052

وكان قشتمر رجلا شجاعا عفيّا (١)، وكان قوسه سبعين رطلا دمشقيّا. هذا أقوله بالمشاهدة، فإنّه كان جارنا فى حارة الباطليّة بالقاهرة المحروسة، وكان له ولد اسمه أمير عمر، ربّينا جميعا فى حارة واحدة. وكان قشتمر له حظّ (٤) وافر من العفا والقوّة، وكان يجعل البطّيخة الخضرا فى بركة (٥) الماء ويكمش بيده منها، فيخرج منها ملو كفّه. وكذلك كان يجعل السفرجلة على راحة كفّه ويطعنها بسبّابته يخرقها إلى الجانب الآخر. وله عدّة أشيا من مثل ذلك، لكن إذا أراد الله أمرا (٧) بلغه. وكان عيبه أنّه ما كان يكاد يصحى مدمن خمر عفا الله عنه. قال الناقل: فقال قشتمر لما يظنّه من نفسه: أيش هم هؤلاء الخنازير؟ أنا وحدى ألتقيهم. -فقال له ابن جاجا: هذا قول الملوك المتوكّلين على الله، وأنت تحدّثنى (١٠) فى غير عقلك. -ثمّ ركب ابن جاجا من ساعته وصحبه أكثر من ثلث العسكر، وساق الليل كلّه وتعلّق فى الجبال فنجا هو ومن كان معه. فلمّا كان بكرة النهار أشرف العدوّ المخذول بالعدّة والعديد. فلمّا وقعت العين فى العين هربوا المسلمين من غير قتال، ولا نزال. فقتل منهم الأكثر، وأسروا الباقى. وأسر ستّة أمرا من أمرا حلب، من جملتهم فتح الدين بن صبرا، وقتل قشتمر ﵀ وعفا عنه، وكان هذا وهنا عظيما (١٦) حصل، فلا حول ولا قوّة إلاّ بالله العلىّ العظيم وفيها ظهر بمعدن الزمرّد الذى بصعيد مصر قطعة زمرّد مطاولة غشيم، زنتها مايتى خمسة وأربعين مثقالا محرّرا، وهذا شى ما عهد بمثله من قبل.

стр. 4053

وكان جانبها الواحد دبّابى والآخر سلقىّ. وذلك ما نقله كرجىّ البريدىّ فى العشرين من شوّال، ثمّ توجّه فى طلبها. وكانت هذه القطعة المذكورة وقعت لعلم الدين سنجر الزمرّدىّ ضامن الزمرّد فى ذلك الوقت، أباعها على يد لؤلؤ الحكّاك لشخص يسمّى ابن عفانة الكارمىّ بتسع ماية دينار. فلمّا شاع خبرها طلبوا ابن عفانة بسببها، فأنكرها وتوجّه بها إلى اليمن. فجابت له ثلاثة آلاف دينار فلم يبيعها. ثمّ ورد بها إلى مصر وسعى به سنجر الضامن لمّا طالبوه بالحمل، وذكر أنّها رهن عند ابن عفانة على تسع ماية أو قال: ستّ ماية دينار. فطلب ابن عفانة وأخذت منه وحملت إلى الخزاين المعمورة بقلعة الجبل المحروسة بالديار المصريّة. فلم يعيش بعدها ابن عفانة سوى ثمانية أيّام وتوفّى غبنا عليها. قلت: وهذا معدن الزمرّد من أكبر عجايب الدنيا ولا يوجد إلاّ بإقليم مصر بصعيدها. وذكر المسعودىّ صاحب التأريخ أنّ بمكان آخر من بلاد الشمال معدن زمرّد، ولم أجد أحدا ذكر ذلك غيره، والله أعلم ذكر واقعة الشيخ تقىّ الدين بن التيميّة ﵀ وذلك لمّا كان يوم الاثنين ثامن شهر رجب الفرد من هذه السنة المذكورة، طلب القضاة والفقها والشيخ تقىّ الدين بن التيميّة إلى مجلس الأمير جمال الدين الأفرم نايب الشأم المحروس بدمشق، وكان اجتماعهم بالقصر الأبلق. ثمّ سألوا الشيخ تقىّ الدين بن التيميّة عن عقيدته. فأملى شيئا منها. ثمّ أحضر عقيدته الواسطة وقريت فى المجلس المذكور، وبحث فيها وتأخّر منها مواضع إلى مجلس آخر. ثمّ اجتمعوا يوم الجمعة ثامن عشر الشهر المذكور. وحضر المجلس أيضا صفىّ الدين الهندىّ. وبحثوا مع

стр. 4054

الشيخ تقىّ الدين وسألوه عن مواضع خارجا (١) عن العقيدة. وجعل الشيخ صفىّ الدين يتكلّم معه كلاما كثيرا (٢). ثمّ إنّهم رجعوا عنه واتّفقوا أن كمال الدين بن الزملكانىّ يحاققه من غير مسامحة، ورضوا بذلك الجميع. وانفصل الأمر بينهم أنّه أشهد على نفسه الحاضرين أنّه شافعىّ المذهب، يعتقد ما يعتقده الإمام الشافعىّ رضى الله عنه. ورضوا منه بهذا القول، وانصرفوا على ذلك فعند ذلك حصل من أصحاب الشيخ تقىّ الدين كلام كثير وقالوا: ظهر الحقّ مع شيخنا. -فأحضروا واحدا (٨) منهم إلى عند القاضى جلال الدين الشافعىّ فى العادليّة، فصفعه وأمر بتعزيره، فشفعوا فيه. وكذلك فعل الحنفىّ بآخر وآخر من أصحاب الشيخ تقىّ الدين ثمّ لمّا كان يوم الاثنين ثانى وعشرين الشهر قرأ الجمال المزّىّ المحدّث فصلا فى الردّ على الجهميّة من كتاب «أفعال العباد» تصنيف البخارىّ رضى الله عنه، قرأ ذلك فى مجلس العامّ تحت النسر. فغضب بعض الفقها الحاضرين وقالوا: ما قرئ هذا الفصل إلاّ ونحن المقصودون بهذا التكفير. -قال: فحملوه إلى قاضى القضاة الشافعىّ، فرسم بحبسه. فبلغ الشيخ تقىّ الدين ذلك، فقام حافيا فى جماعة من أصحابه، وأخرج المذكور من الاعتقال. فعند ذلك اجتمع القاضى بملك الأمرا، وكذلك الشيخ تقىّ الدين والنقبا عند ملك الأمرا، واشتطّ تقىّ الدين على القاضى، وذكر نايبه جلال الدين وأنّه آذى أصحابه بسبب غيبة نايب السلطان فى الصيد. فلمّا حضر نايب السلطان رسم بطلب كلّ من أكثر كلامه من الطايفتين، وأمر

стр. 4055

باعتقالهم، ونودى فى البلد بمرسوم سلطانىّ: من تكلّم فى العقايد حلّ ماله ودمه ونهب داره وهتكت عياله. -وقصد نايب السلطان بذلك إخماد الفتنة الثايرة ثمّ لمّا كان سلخ شهر رجب اجتمع القضاة والفقها وعقدوا مجلسا بالميدان بحضور ملك الأمرا وبحثوا فى العقيدة. فجرى من الشيخ صدر الدين بن الوكيل (٦) كلام فى معنى الحروف وغيره. فأنكر عليه كمال الدين ابن الزملكانىّ القول فى ذلك. ثمّ قال للقاضى نجم الدين بن صصرى قاضى القضاة: أما سمعت ما قال؟ -فكأنّ نجم الدين تغافل عن ذلك طلبا لإخماد الشرّ. فقال كمال الدين بن الزملكانىّ: ما جرى على الشافعيّة قليل كون أن تكون رئيسها، إشارة على ما كان ادّعاه صدر الدين بن الوكيل. - فظنّ القاضى نجم الدين أنّ الكلام له، فقال: اشهدوا علىّ أنّنى قد عزلت نفسى! -وقام من المجلس فلحقه الحاجب الأمير ركن الدين بيبرس العلايى وعلاء الدين أيدغدى بن شقير وأعادوه (١٣) إلى المجلس. وجرى كلام كثير بعد ذلك يطول شرحه. ثمّ إنّ ملك الأمرا ولاّه الحكم، وحكم القاضى الحنفىّ بذلك وصحّة الولاية، وأنفذها المالكىّ وقبل الولاية بحضور ملك الأمرا. فلمّا عاد إلى داره لاموه أصحابه. وخشى على نفسه ورأى أنّ الولاية لا تصحّ، فعاد طلع إلى تربته بسفح قاسيون، فأقام بها وصمّم على العزل فلمّا كان بعد ثلاثة أيّام رسم ملك الأمرا لنوّابه بالمباشرة إلى حيث يرد جواب مولانا السلطان. فأمّا نايبه جلال الدين فإنّه باشر الحكم، وأمّا تاج الدين فامتنع

стр. 4056

فلمّا كان ثامن عشرين شهر شعبان المكرّم وصل البريد من الأبواب العالية أعلاها الله تعالى وعلى يده كتابين، كتاب لملك الأمرا وكتاب للقاضى نجم الدين بعودته إلى الحكم العزيز. ومضمون الكتاب فى فصل منه يقول: قد فرحنا باجتماع رأى العلماء على عقيدة الشيخ تقىّ الدين. -فباشر القاضى نجم الدين يوم الخميس مستهلّ شهر رمضان المعظّم، وسكنت الفتنة فلمّا كان خامس رمضان، وصل من الأبواب العالية بريد، وهو الأمير حسام الدين لاجين العمرىّ بطلب القاضى نجم الدين بن صصرى والشيخ تقىّ الدين بن التيميّة وكمال الدين بن الزملكانىّ. وفى المرسوم الوارد يقول: وتعرّفونا ما كان وقع فى زمان جاغان فى سنة ثمان وتسعين وستّ ماية بسبب عقيدة ابن التيميّة-وفيه إنكار عظيم عليه-وأن تكتبوا صورة العقيدتين: الأولة والثانية. -فعند ذلك طلبوا القاضى جلال الدين الحنفىّ وسألوه عمّا جرى فى أيّامه. فقال: نقل إلىّ عنه كلام، وسألناه فأجاب عنه. وكذلك القاضى جلال الدين الشافعىّ لمّا طلب أحضر نسخة العقيدة التى كانت أحضرت فى زمان أخيه. ثمّ إنّهم تحدّثوا مع ملك الأمرا فى أن يكاتب بسببهم ويسدّ هذا الباب، فأجاب إلى ذلك فلمّا كان يوم السبت عاشر رمضان المعظّم وصل مملوك ملك الأمرا على البريد المنصور، وأخبر أنّ الطلب على الشيخ تقىّ الدين حثيث، وأنّ القاضى زين الدين بن مخلوف المالكىّ قد قام فى هذا الأمر قياما عظيما (١٨)، وأنّ الأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير معه فى هذا الأمر، وأخبر بأشياء كثيرة جرت ممّا وقع بمصر فى حقّ الحنابلة، وأنّ بعضهم أهين، وأنّ

стр. 4057

القاضى المالكىّ والحنبلىّ جرى بينهما كلام كثير. فلمّا سمع ملك الأمرا ذلك رجع عن المكاتبة بسببهم وأمر بتجهيزهم إلى الأبواب العالية وتوجّهوا. فلمّا كان (٣) يوم الجمعة سابع شهر شوّال وصل البريد، وأخبر أن كان وصول القاضى نجم الدين والشيخ تقىّ الدين إلى الديار المصريّة يوم الخميس ثانى وعشرين رمضان المعظّم من هذه السنة المذكورة ذكر ما جرى للشيخ تقىّ الدين بمصر المحروسة وذلك أنّه لمّا وصل فى ذلك التأريخ المذكور، عقد له مجلس (٧) فى دار النيابة بحضور الأمير سيف الدين سلاّر، وأحضروا العلما والأيمّة القضاة الأربعة، وحضر الأمير ركن الدين بيبرس. فتكلّم القاضى شرف الدين بن عدلان الشافعىّ، وادّعى (١٠) على الشيخ تقىّ الدين دعوى شرعيّة فى أمر عقيدته. فعند ذلك قام الشيخ تقىّ الدين وحمد الله تعالى وأثنى عليه وتلجلج. ثمّ أراد أن يذكر الله ويذكر عقيدته فى فصل طويل. فقالوا له: يا شيخ، الذى بتقوله معلوم، ولا حاجة إلى الإطالة، وأنت قد ادّعى عليك هذا القاضى بدعوى شرعيّة، أجيب عنها! -فأعاد القول فى التحميد وحاد عن الجواب، فلم يمكّن فى تتمّة تحاميده. فقال: عند من هى هذه الدعوى؟ -فقالوا: عند القاضى زين الدين المالكىّ. -فقال: عدوّى وعدوّ مذهبى. -فكرّروا عليه القول مرارا، ولم يزدهم على ذلك شيئا وطال الأمر. فعند ذلك حكم القاضى المالكىّ باعتقاله على ردّ الجواب. فقال الشيخ ﴿رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ (١٩) فأقاموه من المجلس واعتقل، وسجن أيضا إخوته فى برج من أبراج القلعة

стр. 4058

فبلغ القاضى أنّ جماعة من الأمرا يتردّدون إليه وينفذون له المآكل الطيّبة. فطلع القاضى واجتمع بالأمير ركن الدين فى قضيّته وقال: هذا يجب عليه التضييق إذا لم يقتل، وإلاّ فقد ثبت كفره. -فنقلوه هو وإخوته ليلة عيد الفطر إلى الجبّ بالقلعة وكان بعد قيام ابن التيميّة من المجلس قد تكلّم قاضى القضاة بدر الدين ابن جماعة ﵀ فى مسايل القرآن العظيم وشئ من عقيدة الإمام الشافعىّ رضى الله عنه. فقيل لقاضى القضاة الحنفىّ: ما تقول؟ -قال: كذا أعتقد. -فقيل لقاضى القضاة شرف الدين الحنبلىّ: ما تقول؟ -فتلجلج، فقال له الشيخ شمس الدين القروىّ (٩) المالكىّ: قم، جدّد إسلامك! وإلاّ لحقوك بابن التيميّة وأنا أحبّك وأنصحك. -فخجل. فلقّنه القاضى بدر الدين بن جماعة القول، فقال مثل قوله، وانفصل الحال ثم كتب إلى دمشق كتاب يتضمّن أنّ مولانا السلطان خلّد الله <ملكه> قد رسم: أىّ من اعتقد عقيدة ابن التيميّة حلّ ماله ودمه. - وبعد صلاة الجمعة حضروا القضاة جميعهم بمقصورة الخطابة بجامع دمشق ومعهم الأمير ركن الدين بيبرس العلايى أمير حاجب الشأم يوم ذاك. وجمعوا جميع الحنابلة، وأحضر تقليد قاضى القضاة نجم الدين بن صصرى باستمراره على القضا وقضا العسكر ونظر الأوقاف مع زيادة المعلوم، وقرأه زين الدين أبو بكر. وقرئ عقيبه نسخة الكتاب الذى وصل فيما يتعلّق بمخالفة عقيدة الشيخ تقىّ الدين بن التيميّة وإلزام الناس بذلك، خصوصا الحنابلة. فكان ما هذا نسخته:

стр. 4059

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله الذى تنزّه عن الشبيه (٢) والنظير، وتعالى عن المثيل ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (٣) نحمده على أن ألهمنا العمل بالسنّة والكتاب، ورفع فى أيّامنا أسباب الشكّ والارتياب ونشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، شهادة من يرجو (٦) بإخلاصه حسن العقبى والمصير وننزّه الخالق عن التحييز فى جهة لقوله تعالى ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (٩) ونشهد أنّ محمدا عبده ورسوله الذى نهج سبل النجاة لمن سلك طريق مرضاته، وأمر بالتفكّر فى آلاء الله ونهى عن التفكّر فى ذاته صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين علا بهم منار الإيمان وارتفع، وشيّد الله بهم قواعد الدين الحنيفىّ ما شرع، فأخمد بهم كلمة من حاد عن الحقّ ومال إلى البدع وبعد: فإنّ العقايد الشرعيّة، وقواعد الإسلام المرعيّة، وأركان الإسلام العليّة، ومذاهب الدين المضيّة، هى الأساس الذى يبنى الإيمان (١٦) عليه، والمؤمّل الذى يرجع كلّ أحد إليه. والطريق التى من سلكها ﴿فَقَدْ فازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ (١٨) ومن زاغ عنها فقد استوجب عذابا أليما. فلهذا

стр. 4060

يجب أن تنفّذ أحكامها ويؤكّد زمامها (١)، وتصان عقايد هذه الأمّة عن الاختلاف، وتزان قواعد الأيمّة بالايتلاف، وتخمد ثوائر البدع، ويفرّق من قوّتها ما جمع وكان التقىّ بن التيميّة فى هذه المدّة قد سلّط (٤) لسان قلمه، ومدّ عنان كلمه، وتحدّث فى مسايل الذات والصفات، ونصّ فى كلامه على أمور منكرات، وتكلّم فيما سكت عنه الصحابة والتابعون، وفاه بما يخفيه السلف الصالحون، وأتى فى ذلك بما أنكره أيمّة الإسلام، وانعقد على خلافه اجتماع العلما والحكّام، وشهر من فتاويه فى البلاد ما استخفّ به عقول العوامّ، فخالف فى ذلك علما عصره، وأيمّة شأمه ومصره، وبعث رسايله إلى كلّ مكان، وسمّى فتاويه أسماء ﴿ما أَنْزَلَ اللهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ﴾ (١٠) ولمّا اتّصل بنا ذلك، وما سلكوا مريدوه من هذه المسالك، وأظهروه من هذه الأحوال وأشاعوه، وعلمنا أنّه ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطاعُوهُ﴾ (١٣) حتى اتّصل بنا أنّهم صرّحوا فى حقّ الله بالحرف والصوت والتجسيم، قمنا فى الله تعالى مستعظمين لهذا النبإ العظيم. فأنكرنا هذه البدعة، وأنفنا أن نسمع عن من تضمّه ممالكنا هذه السّمعة. وكرهنا ما فاه (١٦) به المبطلون، وتلونا قوله ﴿سُبْحانَ اللهِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ (١٧) فإنّه ﷻ تنزّه عن العديل (١٨) والنظير ﴿لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (١٩)

стр. 4061

وتقدّمت مراسمنا باستدعا التقىّ بن التيميّة المذكور إلى أبوابنا عند ما شاعت فتاويه شأما ومصرا، وصرّح فيها بألفاظ (٢) ما سمعها ذو فهم إلاّ وتلا ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً﴾ (٣) ولمّا وصل إلينا، تجمّع أولو (٤) الحلّ والعقد، وذوو التحقيق والنقد، وحضر قضاة الإسلام، وحكّام الأنام، وعلما الدين، وفقها المسلمين، وعقد له مجلس شرع، فى ملأ من الأيمّة والجمع، فثبت عند ذلك عليه، جميع ما نسب إليه، بمقتضى خطّ يده، الدالّ على معتقده، وانفصل ذلك الجمع، وهم لعقيدته منكرون، وآخذوه (٨) بما شهد به قلمه عليه ﴿سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ وَيُسْئَلُونَ﴾ (٩) وبلغنا أنّه كان استتيب فيما تقدّم، وأخّره الشرع الشريف لمّا تعرّض إلى ذلك وأقدم. ثمّ عاد بعد ردعه ومنعه، ولم تدخل تلك النواهى فى سمعه فلمّا ثبت ذلك فى مجلس الحكم العزيز المالكىّ، حكم الشرع الشريف بأن يسجن هذا المذكور، ويمنع من التصرّف والظهور ومرسومنا هذا يأمر بأن لا يسلك أحد ما سلكه المذكور من هذه المسالك، وينهى عن التشبّه به فى اعتقاد مثل ذلك، أو يغدو له فى هذا القول متّبعا، أو لهذه الألفاظ مستمعا، أو يسرى فى التجسّم مسراه، أو أن يفوه بجهة للعلوّ، مخصّصا أحدا (١٨) كما فاه، أو يتحدّث إنسان فى صوت أو حرف، أو يوسّع القول فى ذات أو وصف، أو يطلق لسانه بتجسيم،

стр. 4062

أو يحيد (١) عن طريق الحقّ المستقيم، أو يخرج عن رأى الأمّة، أو ينفرد عن علماء الأيمّة، أو يحيّز الله تعالى فى جهة، أو يتعرّض إلى حيث وكيف، فليس لمن يعتقد هذا المجموع عندنا غير السيف فليقف كلّ أحد عند هذا الحدّ، ف ﴿لِلّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ (٥) فليلزم (٥_) كلّ من الحنابلة بالرجوع عمّا أنكره الأيمّة من هذه العقيدة، والخروج من هذه المشتبهات الشديدة، ولزوم ما أمر الله به من التمسّك بمذاهب أهل الإيمان الحميدة، فإنّه من خرج عن أمر الله تعالى ﴿فَقَدْ ضَلَّ سَااءَ السَّبِيلِ﴾ (٨) وليس له منّا غير السجن الطويل من مقيل ومتى أصرّوا على الامتناع، وأبوا (٩) إلاّ الدفاع، فليس لهم عندنا حكم ولا قضاء ولا إمامة، ولا نسنح لهم فى بلادنا بشهادة ولا منصب ولا إقامة، ونأمر بإسقاطهم من مراتبهم، وإخراجهم من مناصبهم. وقد حذّرنا وأعذرنا، وأنصفنا حيث أنذرنا فليقرأ مرسومنا هذا على المنابر، ليكون أعظم زاجر وأعدل ناه وآمر. وليبلّغ للغايب الحاضر والخطّ الشريف أعلاه، حجّة بمقتضاه وكتب هذا المرسوم عدّة نسخ، ونفذ إلى ساير الممالك الإسلاميّة. وتولّى قراية هذا المرسوم الوارد بدمشق القاضى شمس الدين محمد بن شهاب الدين محمود الموقّع، وبلّغ عنه ابن صبيح المؤذّن. وأحضروا الحنابلة بعد ذلك، واعترفوا عند قاضى القضاة جمال الدين المالكىّ بأنّهم جميعهم

стр. 4063

يعتقدون ما يعتقده الإمام محمد بن إدريس الشافعىّ رضى الله عنه، وهو قوله: آمنت بالله وما جا عن الله عن من آمن بالله، وآمنت برسول الله وما جا عن رسول الله عن مراد رسول الله ﷺ ذكر السبب الموجب لهذه الفتن المذكورة وذلك أنّ بعض أصحاب الشيخ تقىّ الدين بن التيميّة أحضر للشيخ كتابا (٦) من تصانيف الشيخ محيى الدين بن العربىّ يسمّى «فصوص الحكم» وذلك فى سنة ثلاث وسبع ماية، فطالعه الشيخ تقىّ الدين، فرأى فيه مسايل تخالف اعتقاده. فشرع فى لعنة ابن العربىّ وسبّ أصحابه الذين يعتقدون اعتقاده. ثمّ اعتكف الشيخ تقىّ الدين فى شهر رمضان وصنّف نقيضه وسمّاه «النصوص على الفصوص» وبيّن فيه الخطأ الذى ذكره ابن العربىّ. وبلغه أنّ شيخ الشيوخ كريم الدين شيخ خانقاه سعيد السعدا بالقاهرة المحروسة له اشتغال بمصنّفات ابن العربىّ، وأنّه يعظّمه تعظيما كبيرا وكذلك الشيخ نصر المنبجىّ. ثمّ إنّ الشيخ تقىّ الدين صنّف كتابين فيهما إنكار كثير على تأليف ابن العربىّ، ولعنه فيهما مصرّحا ولعن من يقول بقوله، وسيّر الكتاب الواحد للشيخ نصر المنبجىّ والآخر للشيخ كريم الدين. فلمّا وقف عليه الشيخ نصر حصل عنده من ذلك أمر عظيم، وتألّم له تألّما بالغا (١٦) وحصل له إنكاء شديد وكان الشيخ نصر كما قد تقدّم من الكلام منزلته عند الأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير العالية. وأنّ بيبرس لا يقوم ويقعد إلاّ به

стр. 4064

فى ساير حركاته. وكان ساير الحكّام من القضاة والأمرا وأرباب المناصب يتردّدون إلى عند الشيخ نصر لأجل منزلته عند بيبرس الجاشنكير، فحضر عنده القاضى زين الدين بن مخلوف المالكىّ عقيب وقوف الشيخ نصر على كتاب الشيخ تقىّ الدين، فأوقف القاضى على الكتاب المذكور. فقال له القاضى: أوقف الأمير ركن الدين عليه وقرّر معه ما أحببت، وأنا معك كيف شئت. وألزم الأمير ركن الدين بطلبه إلى الديار المصريّة وتسأله عن عقيدته. فقد بلغنى أنّه أفسد عقول جماعة كبيرة، وهو يقول بالتجسيم، وعندنا من اعتقد هذا الاعتقاد كفر ووجب قتله. -فلمّا حضر الأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير عند الشيخ نصر على عادته، أجرى له ذكر ابن التيميّة وأمر عقيدته، وأنّه أفسد عقول جماعة كبيرة، ومن جملتهم نايب الشأم وأكبر (١١) الأمرا الشأميّين، والمصلحة تقتضى طلبه إلى الأبواب العالية ويطلب منه عقيدته، وتقرأ على العلماء بالديار المصريّة <من> المذاهب الأربعة، فإن وافقوه وإلاّ يستتيبوه ويرجعوه ليرجع عن مذهبه واعتقاده ساير من لعب بعقله من الناس أجمعين. ثمّ ذكر له ذنوبا أخر حتى حرّض بيبرس على طلبه ثمّ بعد ذلك جرت فتن للحنابلة بمدينة بلبيس. ثمّ انتقل الحال إلى القاهرة، وحصل لبعض الحنابلة إهانة (١٧) واعتقل منهم جماعة. وجرت فتن عظيمة بين الأشاعرة والحنابلة بالشأم، وكان النايب غايبا بالصيد، فلمّا حضر أمر بإصلاح ذات البين، وأقرّ كلّ طايفة على حالها. وجرى فى القاهرة أيضا على الحنابلة أمور شنيعة، وألزموهم بالرجوع عن العقيدة

стр. 4065

وأن يقولوا: إنّ القرآن العظيم هو المعنى القايم بالنفس، وإنّ ما فى الصحف عبارة عنه، وإنّ ما هو (٢) فى الصحف موجود ومحفوظ فى الصدور ومقرّ بالألسنة مخلوق، وإنّ القديم هو القايم بالنفس، وألزموا بنفى مسألة الغلوّ والتصريح بذلك، وأنّ جميع ما ورد من أحاديث الصفات لا يجرى على ظاهرها بوجه من الوجوه. وجرى عليهم كلّ مكروه. وكان القاضى شرف الدين الحنبلىّ قليل البضاعة فى العلم، ولم يدرى ما يجيب (٦) به، وكان أكبر من تحدّث فيهم وألزمهم بذلك، القاضى زين الدين المالكىّ ﵀، انتصارا للشيخ نصر فى ذلك الوقت. وكان القاضى زين الدين عالما جيّدا (٩) وفقيها حسنا رضى الله عنه، يتحدّث فى المذاهب الأربعة. وكذلك ساعدوه جماعة من الشافعيّة، فكان هذا سبب أصول الفتن المذكورة، وسيأتى ذكر (١١) بقيّة ما جرى لتقىّ الدين بن التيميّة فى سنة ستّ وسبع ماية إنشا الله تعالى وفيها كان ابتدا الحفير بالخليج الناصرىّ الواصل إلى ثغر الإسكندريّة. وكان شادّ حفره الأمير بدر الدين بكتوت أمير شكار نايب ثغر الإسكندريّة المحروس، وغرم عليه أموال جمّة، وحصل فيه التعب الكثير، لكن أورث ذلك راحة عظيمة ومنفعة عامّة شاملة، وكان رأى سعيد وتدبير حسن، ونظر مبارك موفّق ناجح، ولله الحمد والمنّة
следующие страницы →