← История

История · id 18147

كنز الدرر وجامع الغرر

ابن الدواداري

Полный текст (4 323 стр.). Показаны 4061–4100 · переход к 4066.

стр. 4061

وتقدّمت مراسمنا باستدعا التقىّ بن التيميّة المذكور إلى أبوابنا عند ما شاعت فتاويه شأما ومصرا، وصرّح فيها بألفاظ (٢) ما سمعها ذو فهم إلاّ وتلا ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً﴾ (٣) ولمّا وصل إلينا، تجمّع أولو (٤) الحلّ والعقد، وذوو التحقيق والنقد، وحضر قضاة الإسلام، وحكّام الأنام، وعلما الدين، وفقها المسلمين، وعقد له مجلس شرع، فى ملأ من الأيمّة والجمع، فثبت عند ذلك عليه، جميع ما نسب إليه، بمقتضى خطّ يده، الدالّ على معتقده، وانفصل ذلك الجمع، وهم لعقيدته منكرون، وآخذوه (٨) بما شهد به قلمه عليه ﴿سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ وَيُسْئَلُونَ﴾ (٩) وبلغنا أنّه كان استتيب فيما تقدّم، وأخّره الشرع الشريف لمّا تعرّض إلى ذلك وأقدم. ثمّ عاد بعد ردعه ومنعه، ولم تدخل تلك النواهى فى سمعه فلمّا ثبت ذلك فى مجلس الحكم العزيز المالكىّ، حكم الشرع الشريف بأن يسجن هذا المذكور، ويمنع من التصرّف والظهور ومرسومنا هذا يأمر بأن لا يسلك أحد ما سلكه المذكور من هذه المسالك، وينهى عن التشبّه به فى اعتقاد مثل ذلك، أو يغدو له فى هذا القول متّبعا، أو لهذه الألفاظ مستمعا، أو يسرى فى التجسّم مسراه، أو أن يفوه بجهة للعلوّ، مخصّصا أحدا (١٨) كما فاه، أو يتحدّث إنسان فى صوت أو حرف، أو يوسّع القول فى ذات أو وصف، أو يطلق لسانه بتجسيم،

стр. 4062

أو يحيد (١) عن طريق الحقّ المستقيم، أو يخرج عن رأى الأمّة، أو ينفرد عن علماء الأيمّة، أو يحيّز الله تعالى فى جهة، أو يتعرّض إلى حيث وكيف، فليس لمن يعتقد هذا المجموع عندنا غير السيف فليقف كلّ أحد عند هذا الحدّ، ف ﴿لِلّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ (٥) فليلزم (٥_) كلّ من الحنابلة بالرجوع عمّا أنكره الأيمّة من هذه العقيدة، والخروج من هذه المشتبهات الشديدة، ولزوم ما أمر الله به من التمسّك بمذاهب أهل الإيمان الحميدة، فإنّه من خرج عن أمر الله تعالى ﴿فَقَدْ ضَلَّ سَااءَ السَّبِيلِ﴾ (٨) وليس له منّا غير السجن الطويل من مقيل ومتى أصرّوا على الامتناع، وأبوا (٩) إلاّ الدفاع، فليس لهم عندنا حكم ولا قضاء ولا إمامة، ولا نسنح لهم فى بلادنا بشهادة ولا منصب ولا إقامة، ونأمر بإسقاطهم من مراتبهم، وإخراجهم من مناصبهم. وقد حذّرنا وأعذرنا، وأنصفنا حيث أنذرنا فليقرأ مرسومنا هذا على المنابر، ليكون أعظم زاجر وأعدل ناه وآمر. وليبلّغ للغايب الحاضر والخطّ الشريف أعلاه، حجّة بمقتضاه وكتب هذا المرسوم عدّة نسخ، ونفذ إلى ساير الممالك الإسلاميّة. وتولّى قراية هذا المرسوم الوارد بدمشق القاضى شمس الدين محمد بن شهاب الدين محمود الموقّع، وبلّغ عنه ابن صبيح المؤذّن. وأحضروا الحنابلة بعد ذلك، واعترفوا عند قاضى القضاة جمال الدين المالكىّ بأنّهم جميعهم

стр. 4063

يعتقدون ما يعتقده الإمام محمد بن إدريس الشافعىّ رضى الله عنه، وهو قوله: آمنت بالله وما جا عن الله عن من آمن بالله، وآمنت برسول الله وما جا عن رسول الله عن مراد رسول الله ﷺ ذكر السبب الموجب لهذه الفتن المذكورة وذلك أنّ بعض أصحاب الشيخ تقىّ الدين بن التيميّة أحضر للشيخ كتابا (٦) من تصانيف الشيخ محيى الدين بن العربىّ يسمّى «فصوص الحكم» وذلك فى سنة ثلاث وسبع ماية، فطالعه الشيخ تقىّ الدين، فرأى فيه مسايل تخالف اعتقاده. فشرع فى لعنة ابن العربىّ وسبّ أصحابه الذين يعتقدون اعتقاده. ثمّ اعتكف الشيخ تقىّ الدين فى شهر رمضان وصنّف نقيضه وسمّاه «النصوص على الفصوص» وبيّن فيه الخطأ الذى ذكره ابن العربىّ. وبلغه أنّ شيخ الشيوخ كريم الدين شيخ خانقاه سعيد السعدا بالقاهرة المحروسة له اشتغال بمصنّفات ابن العربىّ، وأنّه يعظّمه تعظيما كبيرا وكذلك الشيخ نصر المنبجىّ. ثمّ إنّ الشيخ تقىّ الدين صنّف كتابين فيهما إنكار كثير على تأليف ابن العربىّ، ولعنه فيهما مصرّحا ولعن من يقول بقوله، وسيّر الكتاب الواحد للشيخ نصر المنبجىّ والآخر للشيخ كريم الدين. فلمّا وقف عليه الشيخ نصر حصل عنده من ذلك أمر عظيم، وتألّم له تألّما بالغا (١٦) وحصل له إنكاء شديد وكان الشيخ نصر كما قد تقدّم من الكلام منزلته عند الأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير العالية. وأنّ بيبرس لا يقوم ويقعد إلاّ به

стр. 4064

فى ساير حركاته. وكان ساير الحكّام من القضاة والأمرا وأرباب المناصب يتردّدون إلى عند الشيخ نصر لأجل منزلته عند بيبرس الجاشنكير، فحضر عنده القاضى زين الدين بن مخلوف المالكىّ عقيب وقوف الشيخ نصر على كتاب الشيخ تقىّ الدين، فأوقف القاضى على الكتاب المذكور. فقال له القاضى: أوقف الأمير ركن الدين عليه وقرّر معه ما أحببت، وأنا معك كيف شئت. وألزم الأمير ركن الدين بطلبه إلى الديار المصريّة وتسأله عن عقيدته. فقد بلغنى أنّه أفسد عقول جماعة كبيرة، وهو يقول بالتجسيم، وعندنا من اعتقد هذا الاعتقاد كفر ووجب قتله. -فلمّا حضر الأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير عند الشيخ نصر على عادته، أجرى له ذكر ابن التيميّة وأمر عقيدته، وأنّه أفسد عقول جماعة كبيرة، ومن جملتهم نايب الشأم وأكبر (١١) الأمرا الشأميّين، والمصلحة تقتضى طلبه إلى الأبواب العالية ويطلب منه عقيدته، وتقرأ على العلماء بالديار المصريّة <من> المذاهب الأربعة، فإن وافقوه وإلاّ يستتيبوه ويرجعوه ليرجع عن مذهبه واعتقاده ساير من لعب بعقله من الناس أجمعين. ثمّ ذكر له ذنوبا أخر حتى حرّض بيبرس على طلبه ثمّ بعد ذلك جرت فتن للحنابلة بمدينة بلبيس. ثمّ انتقل الحال إلى القاهرة، وحصل لبعض الحنابلة إهانة (١٧) واعتقل منهم جماعة. وجرت فتن عظيمة بين الأشاعرة والحنابلة بالشأم، وكان النايب غايبا بالصيد، فلمّا حضر أمر بإصلاح ذات البين، وأقرّ كلّ طايفة على حالها. وجرى فى القاهرة أيضا على الحنابلة أمور شنيعة، وألزموهم بالرجوع عن العقيدة

стр. 4065

وأن يقولوا: إنّ القرآن العظيم هو المعنى القايم بالنفس، وإنّ ما فى الصحف عبارة عنه، وإنّ ما هو (٢) فى الصحف موجود ومحفوظ فى الصدور ومقرّ بالألسنة مخلوق، وإنّ القديم هو القايم بالنفس، وألزموا بنفى مسألة الغلوّ والتصريح بذلك، وأنّ جميع ما ورد من أحاديث الصفات لا يجرى على ظاهرها بوجه من الوجوه. وجرى عليهم كلّ مكروه. وكان القاضى شرف الدين الحنبلىّ قليل البضاعة فى العلم، ولم يدرى ما يجيب (٦) به، وكان أكبر من تحدّث فيهم وألزمهم بذلك، القاضى زين الدين المالكىّ ﵀، انتصارا للشيخ نصر فى ذلك الوقت. وكان القاضى زين الدين عالما جيّدا (٩) وفقيها حسنا رضى الله عنه، يتحدّث فى المذاهب الأربعة. وكذلك ساعدوه جماعة من الشافعيّة، فكان هذا سبب أصول الفتن المذكورة، وسيأتى ذكر (١١) بقيّة ما جرى لتقىّ الدين بن التيميّة فى سنة ستّ وسبع ماية إنشا الله تعالى وفيها كان ابتدا الحفير بالخليج الناصرىّ الواصل إلى ثغر الإسكندريّة. وكان شادّ حفره الأمير بدر الدين بكتوت أمير شكار نايب ثغر الإسكندريّة المحروس، وغرم عليه أموال جمّة، وحصل فيه التعب الكثير، لكن أورث ذلك راحة عظيمة ومنفعة عامّة شاملة، وكان رأى سعيد وتدبير حسن، ونظر مبارك موفّق ناجح، ولله الحمد والمنّة

стр. 4066

ذكر [حوادث] سنة ستّ وسبع ماية النيل المبارك فى هذه السنة: الماء القديم ما يخصّ من الحوادث الخليفة: الإمام المستكفى بالله أمير المؤمنين سليمان، ومولانا السلطان الأعظم: الملك الناصر عزّ نصره، سلطان الممالك الإسلاميّة، قرن الله ملكه بالأبديّة، والنوّاب بمصر والشام، حسبما تقدّم من الكلام، فيما تقدّم فى الأعوام، وكذلك ملوك الأمصار، فى ساير الأقطار فيها فى ثالث عشر صفر، وصل رسل سيس بالحمل، وهو ستّ ماية ألف درهم، وتحف وهدايا، وبغال وأجمال نعال ومسامير عدّة أربعين جملا، ومايتى وسبعين أسيرا من المسلمين وفيها فى آخر يوم من شهر رمضان المعظّم، أحضر الأمير سيف الدين سلاّر، الموالى القضاة الثلاثة الشافعىّ والمالكىّ والحنفىّ، ومن الفقها الباجىّ والجزرىّ والنمراوىّ، وتكلّم معهم فى إخراج الشيخ تقىّ الدين بن التيميّة، فاتّفقوا على أن يشترط عليه أمور ويلزم بالرجوع عن العقيدة. فأرسلوا إليه من يحضره ليتكلّموا معه فى ذلك. فلم يجب إلى الحضور، وتكرّر إليه الرسول ستّ دفعات، وهو مصمّم على عدم الحضور، وطال عليهم المجلس، فانصرفوا على غير شئ وفيها توجّه الركاب الشريف السلطانىّ إلى الصعيد، وفى ركابه الأمير سيف الدين سلاّر، وتصيّد وعاد إلى القلعة المحروسة فى خير وعافية وفيها توفّى الأمير بدر الدين بكتاش الفخرىّ أمير سلاح، رحمه الله تعالى، وكان من أكابر الأمرا الصالحيّة النجميّة، ومن كبار المقدّمين الألوف بالديار

стр. 4067

المصريّة. وكان قد نزل عن إمرته وخرج عن إقطاعه، وانقطع إلى الله ، وتوفّى بطّالا (٢)، لكن كان قد أجرى عليه مولانا السلطان راتبا جيّدا فيه كفايته ذكر [حوادث] سنة سبع وسبع ماية النيل المبارك فى هذه السنة: الماء القديم ما يخصّ من الحوادث الخليفة: الإمام المستكفى بالله أمير المؤمنين سليمان، ومولانا السلطان الأعظم: الملك الناصر خلّد الله ملكه، وجعل الأرض بأسرها ملكه، سلطان الإسلام، بممالك الأنام، والنوّاب بمصر والشام، حسبما سقناه من الكلام، وكذلك الملوك، على هذا السلوك فيها كان ابتدا تغيّر الخواطر الشريفة السلطانيّة على مماليكه ومماليك أبيه، وامتنع من العلامة الشريفة على المراسم العالية، ووقف حال العالم. وكان ذلك فى أوّل شهر المحرّم من هذه السنة. فلمّا كان يوم الأربعا ثالث الشهر ظهر الأمر، وشاع الخبر بين الخاصّ والعامّ، وحصل خباط فى القاهرة وغلّقوا الناس دكاكينهم. وطلع إلى القلعة جماعة من الأمرا وعليهم السلاح تحت ثيابهم، وصار على القلعة يزك. وركب الأمير شمس الدين سنقر الأعسر فى جماعة من الأمرا، وأحاطوا بالإسطبل السلطانىّ. وبات الناس ليلة الخميس كذلك، وهم على غاية الوجل. واشتدّ الحال وكثرت الأراجيف والأقاويل بالأسواق. وأقام الأمر كذلك إلى يوم الثلثا وكلّ من الأميرين فى بيته مع من (١٩)

стр. 4068

يلوذ به من الأمرا. ثمّ إنّهم راسلوا مولانا السلطان وترقّقوا له، فرجع إلى لينه الشريف الطاهر، ولان لهم بعد القساوة، ودخلوا إليه، ووقفوا بين يديه، وأخلع عليهم، وكانوا قد تخيّلوا من الأمير سيف الدين بكتمر الجوكندار، وقالوا: ما غيّر خواطره الشريفة علينا غيره. -فأجمعوا رأيهم على خروجه عنهم من الديار المصريّة. فخرج هو وبعض مماليكه من المماليك السلطانيّة. فأقاموا بغزّة أيّاما ثمّ رجعوا المماليك السلطانيّة إلى الخدمة الشريفة، ورسم للأمير سيف الدين بكتمر الجوكندار بنيابة قلعة الصبيبة. وكان يترجّى العودة إلى الديار المصريّة، فاستمرّ فى الصبيبة إلى شهر شعبان المكرّم حصل لنايب صفد الأمير شمس الدين سنقر شاه المنصورىّ مرض، فسيّر يسأل النقلة إلى دمشق. فورد المرسوم للأمير سيف الدين بكتمر الجوكندار بنيابة صفد، عوضا عن الأمير شمس الدين سنقر شاه، ورسم لسنقر شاه بالتوجّه إلى دمشق على إقطاع الأمير ركن الدين الجالق، بحكم وفاته حسبما نذكر ذلك فى تأريخه. فتوجّه الأمير شمس الدين سنقر شاه إلى دمشق، فتوفّى قبل دخوله إليها بأرض ضيعة دارايا. وخلّف من الأموال ماية ألف دينار وعشرة آلاف دينار، ومن الخيول والجمال والبغال والبرك والعدّة والسلاح والقماش والأوانى ما قيمته مثلها. ولم يخلّف غير بنت واحدة، وشريكها السلطان وفيها وصل فتح الدين بن ضبرة من أسر التتار إلى دمشق المحروسة. وكان سبب خلاصه ما ذكره من لسانه ما كان من أمر التتار مع أهل كيلان

стр. 4069

ذكر ما كان بين التتار وبين أهل كيلان حدّثنى الملك الكامل ﵀ فى سنة عشرة وسبع ماية بدمشق المحروسة، قال: قال فتح الدين بن ضبرة: إنّ كان سبب خلاصه من الأسر ووصوله إلى الإسلام، ما كان من نصرة الكيلانيّة على التتار. وكان ذلك فى أوّل شهر المحرّم من هذه السنة. وذلك أنّ الملك خدابنداه طلب من أهل كيلان فتح طريق إلى بلادهم ومنها إلى خراسان. وكان ذلك مضرّة عليهم، فامتنعوا من ذلك، وراسلهم فى هذا الأمر دفوعا (٧) عدّة، فلم يجيبوه إلى ذلك البتّة. فغضب وجرّد إليهم ستّين ألفا: مع قطلو شاه أربعين ألفا ومع جوبان عشرين ألفا. فتوجّهوا ووصلوا إلى بلادهم. ونزل قطلو شاه مع أصحابه فى صخرات هناك. وانفرد جوبان وأصحابه فى مكان آخر. ففتح الكيلانيين عليهم من البحر مكانا (١١) يعرفونه فى الليل. فوصل إلى التتار الماء من كلّ جانب، ورموا أيضا فى تلك الغياض التى محتاطة بهم النار، فعملت فى تلك الأشجار المحدقة. فاضطربت التتار فى ذلك الليل البهيم. وعاد الماء يزيد عليهم حتى غرق منهم جمع كثير، فحاروا ودهشوا. وإن هربوا من الماء لقيتهم (١٥) النار، واحتاطت بهم أهل كيلان يقتلون ويأسرون، وعادوا يقتلون بعضهم بعضا (١٦)، وأصيب مقدّمهم قطلو شاه، وقتل وعدم منهم عالم عظيم وأمّا أصحاب جوبان، فكانوا بعيدين من ذلك الماء، فسلم أكثرهم وولّوا هاربين، لا يعى الأخ على أخيه ولا الوالد على ولده. وذكر أنّ

стр. 4070

الملك خدابنداه كان معهم وأنّ بعض الكيلانيّة أخذه ونجا به. وفرح بموت قطلو شاه نايبه، فإنه كان غالبا على أمره. وذكروا التجّار أنّ هذه البلاد الكيلانيّة مسافة سبعة أيّام، فى عرض ثلاثة أيّام، والبحر محيط بها من جانب والجبال من جانب، ولها طريقين لا غيرهما. تزرع الأرزّ لأجل قوتهم. وهى بلاد ضيّقة حرجة كثيرة الوعر، وأكثر ما عليهم من المضرّة صاحب مازندران، لما بينهم من العداوة القديمة بسبب المجاورة لهم، والحروب بينهم لا تكاد تنقطع، والله أعلم وفيها قتل الملك خدابنداه بولاى (٨)، فإنّه بلغه عنه كلام كثير، قتله فى شهر ربيع الآخر. ثمّ إنّه أرسل الشيخ براق-الذى كان قدم إلى دمشق رسولا فى السنة الخالية-إلى الكيلانيّة، فقتلوه. فانزعج لذلك وجرّد إليهم جيشا فيه ماية ألف، ونزل بنفسه على المازندران. وكان عند خروج ابن ضبرة تركهم على ذلك وفيها فى العشر الأوّل من شهر ربيع الأوّل، وصل الأمير حسام الدين مهنّا بن الأمير شرف الدين عيسى بن مهنّا إلى الأبواب العالية، واجتمع بالمقام الأعظم السلطانىّ، وحصل له من الإقبال والإنعام شئ كثير. وخاطب مولانا السلطان فى أمر الشيخ تقىّ الدين بن التيميّة، فأنعم مولانا السلطان له بإطلاقه. فتوجّه إليه الأمير حسام الدين مهنّا بنفسه إلى السجن، وأخرجه يوم الجمعة الثالث والعشرين من ربيع الأوّل، وأحضر إلى دار النيابة بحضرة الأمير سيف الدين سلاّر وأحضر له بعض الفقها، وحصل بينهم كلام كثير وبحث زايد يضيق هذا المجموع عن بعضه، وقربت صلاة الجمعة فافترقوا. ثمّ اجتمعوا وبحثوا إلى المغرب ولم ينفصل لهم أمر. ثمّ اجتمعوا يوم الأحد الخامس والعشرين من الشهر، وحضروا جماعة فقها أخر، وحضر

стр. 4071

الشيخ نجم الدين بن رفعة، وعلاء الدين الباجىّ، وفخر الدين بن أبى سعد وشمس الدين الخطيب الجزرىّ، وعزّ الدين النمراوىّ (٢)، وشمس الدين عدلان وصهر المالكىّ وجماعة أخر فى تعدادهم طول كثير. ولم تحضر الموالى القضاة، وطلبوهم فاعتذروا. وقبل عذرهم نايب السلطان، ولم يكلّفهم إلى الحضور. وتباحثوا ذلك اليوم فى مجلس الأمير سيف الدين سلاّر، وانفصل المجلس على خير. وبات الشيخ تقىّ الدين عند نايب السلطان، وكتب بيده كتابا (٦) إلى دمشق مضمّنا (٧) خروجه من السجن. وأقام بعد ذلك بدار ابن شقير بالقاهرة. ورسم نايب السلطان بتأخيره عن التوجّه مع مهنّا لمصلحة فى ذلك وفى يوم الجمعة رابع عشر ربيع الآخر، عقد له مجلس (٩) آخر بالمدرسة الصالحيّة بعد الصلاة. وكان مهنّا قد سافر، وبحثوا معه. ووقع الاتّفاق على تغيير الألفاظ (١١) فى العقيدة، وانفصل المجلس على خير. واستقرّ بعد ذلك بالقاهرة، والناس يجتمعون به ويهرعون إليه، ولم يزل كذلك إلى أن سافر فى سنة اثنتى عشرة وسبع ماية. واستقرّ إلى أن توفّى رحمه الله تعالى فى تأريخ ما يأتى ذكره وفيها ورد الخبر بوفاة أبى يعقوب يوسف المرينىّ صاحب المغرب، ﵀. وقام بأمر الملك ولده صالح وفيها توفّى الأمير ركن الدين بيبرس الجالق فى تاسع عشر جمادى الأولى بظاهر الرملة. وحمل إلى القدس الشريف، فدفن فيه بوصيّة منه. وكان أميرا كبيرا من جمداريّة السلطان الملك الصالح نجم الدين أيّوب

стр. 4072

وأمّره السلطان الملك الظاهر، وهو آخر من أمّر من المماليك الصالحيّة. حكى عنه أنّه قال: رأيت فى عمرى مرّتين ليلة القدر، فلم أدعوا إلاّ أن يطول الله فى عمرى. -فعاش من العمر ثمانين سنة وأكثر. وترك شيئا كثيرا (٤) من الأموال لورثته. وكان كثير البرّ والخير والصدقة والمعروف، رحمه الله تعالى وفيها توفّى الصاحب تاج الدين محمد بن فخر الدين محمد بن الصاحب بهاء الدين علىّ بن محمد بن سليم المصرىّ المعروف بابن حنا، يوم السبت خامس جمادى الآخرة ببركة الحبش، وحمل إلى القرافة ودفن بها بجوار الشيخ فخر الفارسىّ قريبا من تربة الإمام الشافعىّ رضى الله عنه. وصلّى عليه الشيخ أخو المرجانىّ أوّلا، ثمّ صلّى عليه الشيخ تقىّ الدين بن التيميّة ثانيا. وكانت له جنازة مشهودة لم يرا مثلها. وأمّا رياسته ومعرفته وحسن تصرّفاته وجوده وكرم طباعه وحسن إسلامه وعقيدته واعتقاده فى الفقرا والصالحين وإيثاره لهم فلا تكاد تعدّ. ومن محاسنه ﵀ هذا الأثر (١٤) النبوىّ الذى فى رباطه موقوفا بحسب البركة، وهو القصعة والمرود النحاس والمخصف، المثبوت أنّهم من أثر سيّدنا رسول الله ﷺ ، شراهم بستّين ألف درهم، وأوقفهم فى رباطه الذى بجسر الأفرم ظاهر مصر على النيل المبارك. فلو لم يكن من حسن اعتقاده سوى هذه لكان فيها الكفاية له، ﵀ وساير المسلمين. وكان معلّم الطرفين: جدّه لأبيه الصاحب بهاء الدين، وجدّه لأمّه الصاحب شرف الدين الفايزىّ. ولم يبرحوا بيت رياسة وحشمة من أوّلهم إلى آخرهم

стр. 4073

وفيها توفّى الشيخ الصالح عمر السعودىّ ﵀ فى زاوية سيّدى الشيخ أبى (٢) السعادات ودفن بها. وكان من الصلحا الفحول، الكبار العلم والعمل. وكان له وجاهة عظيمة فى الدولة المنصوريّة والدولة الأشرفيّة، حتى كان الشهيد الملك الأشرف-إذا ركب نحو بركة الحبش-ركب الشيخ عمر هذا إلى جانبه حماره. وكان بينه وبين الوالد ﵀ أخوّة وصحبة متأكّدة. قال الشيخ عمر للوالد وأنا أسمع: إنّ السلطان الملك الأشرف كنت مسايره ذات يوم وهو بقرب الزاوية، فوقف الفرس الذى تحت السلطان وبال. فقال الشيخ: ينبغى أن يكون هنا تذكار حسن لمولانا السلطان. -فقال: ما هو -يا شيخ؟ -قال تحفر بير الزاوية وبحر الماء على قناطر إليها. -فأمر بذلك، فهى البير الجديدة التى تجرّ إلى الزاوية، وطلعت عذبة الماء بخلاف البير العتيق. وكانت الزاوية فى أيّامه يعجز الوصف عن جميع محاسنها وكثرة خيرها وترادف فتوحها. وكان يوم سبت العادة يروح بها أوقات عظيمة لا يتأخّر عنه كبير ولا معتبر ولا مقرئ ولا واعظ. والسعيد الذى يلحق نوبة للكلام مع التخفيف مع خيرات كانت تعمل! فسبحان من يغيّر ولا يتغيّر! ولمّا توفّى الشيخ عمر كأنه جرّ جميع ذلك معه، فمات ذلك الخير لموته. قال العبد الواضع لهذا التأريخ، أضعف خلق الله وأفقرهم إليه: سمعت الشيخ عمر يقول: سمعت الشيخ مفتاح يقول: سمعت سيّدى الشيخ أبا (١٨) السعادات يقول: إنّ صاحبى الواحد، أو قال: الواحد من أصحابى، ليشفع يوم القيامة (١٩) فى سابع جار من جيران داره. -وهذا القول عن تمكّن كثير. ولسيّدى الشيخ أبى السعادات أحوال خوارق، أثبتّها حسبما اتّصل

стр. 4074

بى من سماعها من سيّدى الشيخ عمر فى مدّة صحبتنا له وتردادنا إليه فى جزء لطيف سمّيته «عادات السادات سادات العادات فى مناقب الشيخ أبى السعادات» ولولا خيفة الإطالة لأثبتّ هاهنا منه جملة لطيفة. وإنّما فى هذا الخبر الفرد الذى أوردته لكلّ مريد ﴿أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ (٤) كفاية إذ لا بعده نهاية. فهذه كرامة فرديّة جزئيّة من مجمّديّة. و (٥) كانت وفاة الشيخ عمر قدّس الله روحه ونوّر ضريحه فى اليوم الثانى من جمادى الآخر سنة سبع وسبع ماية (٧) وفيها توفّى الأمير بهاء الدين يعقوبا الشهرزورىّ، وكان من الأمرا (٨) الكبار الأعيان المقدّمين الألوف، ومن شجعان المسلمين المشهورة، وفرسانهم المذكورة. وكانت له المنزلة الكبيرة عند الملوك. توفّى <فى> السابع والعشرين من ذى الحجّة، وخلّف أولادا (١١) مجازفين لم يموتوا حتى سجدوا بالطرقات، فلا حول ولا قوّة إلاّ بالله العلىّ العظيم، ونسأله أن يسترنا وذرّيّتنا إلى آخر دقيقة، بمحمد وآل محمد وفيها توفّى الطواشى شمس الدين صواب الشهابىّ البحلاق، وكان جميع أولاد الأمرا الأعيان مضافين (١٥) فى تقدمته. فكان وطاقه إذا خرج كأنه زهر البستان، ﵀ وفيها توفّى الأمير شمس الدين المعروف بشلجونة، تولّى القاهرة مدّة كبيرة ثمّ ولى مصر وتوفّى (١٨) بها، ﵀ وعفا عنه وعنّا وعن ساير أموات المسلمين

стр. 4075

ذكر [حوادث] سنة ثمان وسبع ماية النيل المبارك فى هذه السنة: الماء القديم ما يخصّ من الحوادث الخليفة: الإمام المستكفى بالله أمير المؤمنين سليمان، ومولانا السلطان الأعظم: الملك الناصر مالك نواصى أعداه الطغاة، المتغلّبين البغاة، سلطان الإسلام، أعزّ الله بدوام أيّامه الأيّام، إلى حين غضبه على مماليك أبيه، حكّام دولته، وتوجّه ركابه الشريف إلى الكرك المحروس وعودته. وذلك أنّه أعزّ الله أنصاره، وضاعف اقتداره، لمّا علم أنّ الرعيّة، حقوقهم ضايعة غير مرعيّة، وأنّ تلك الطايفة البرجيّة، لم يقوموا بما يجب عليهم من الأمور الشرعيّة، وأنّ ظلمهم قد عمّ وفشا، ولا عاد فيهم من يرتدع ولا يخشى، حتى عاد إذا ظلم مظلوم ووقف يشكى حاله، قبض عليه وأعيد إلى ظالمه، فيشدّ ويوثق فى حباله، ويضرب ويعتقل، ومن سجن إلى سجن ينتقل. فلم يجسر مظلوم بعدها أن يفوه بظلامته، لتحقّقه أنّه إذا شكى حاله فقد عدم سلامته، وعاد كلّ منهم يحكم ولا يحكم عليه، وقد سلّمت أمور الرعيّة إليه. وكان فيهم عدّة من الأشرار، لا يعرفون جنّة ولا نار، مرتكبين من الفواحش عظامها، فاليونسىّ إمامها، وبلاط صاحب زمامها، قد جسرا على أذيّة العباد، واستحلا حريمهم والأولاد حتى عادا كقوم عاد ﴿الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ، فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسادَ، فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ﴾ (١٩) بعد ذلك من انتقام مولانا السلطان ﴿سَوْطَ (٢٠)﴾ عَذابٍ، إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ هذا ومولانا السلطان يلاحظ

стр. 4076

هذه الأحوال، ويستعظم هذه الأهوال، ويعلم أنّه الراعى المسئول، عن جملة هذه الفصول، وتحقّق أنّ القوم قد طووا بساط العدل، ولا عاد يفيد فيهم العذل، وما لم يجعل السيف مكان السوط (٣)، وإلاّ فقد فات فى العدل الفوت، ونظر بعين سلطانه، أعزّ الله أنصاره، وكثّر فى أعوانه، وإذا كلمتهم على الضلالة متّفقة، ولا عاد فيهم على الرعايا شفقة، ورأى أنّه خلّد الله ملكه إذا خرج من بينهم، تفرّقت كلمتهم وصاح غراب البين ببينهم، واختار الله تعالى فى سريرته. فقوّى عزمه الشريف على خيرته، لتنسخ مناقبه الحسان بوصف سيرته فلمّا كان يوم السبت الرابع والعشرين من شهر رمضان المعظّم، توجّه الركاب الشريف، من الديار المصريّة بنيّة الحجاز الشريف، وتوجّه على الدرب الشأمىّ فوصل-حرسه الله من الآفات، وأعانه فى جميع الحركات-إلى الكرك المحروس يوم الأحد ثامن شهر شوّال من هذه السنة. فأجمع الآراء الشريفة فيه على الإقامة، وقد تحقّق أنّهم إذا آل أمرهم إلى الفساد ستدركهم الندامة، وأنّهم بعد ركابه الشريف بعيدون من السلامة، فأقام أيّده الله فى ألذّ (١٥) عيش وأهناه، وأنضره وأبهاه ذكر تغلّب بيبرس الجاشنكير على الممالك حتى عاد بسوء تدبيره هالك وذلك لمّا نفخ الشيطان، فى مناخره حتى جلس سلطان، ركب يوم السبت الثالث والعشرين من شوّال، وهى الساعة الثالثة من ذلك النهار، وهى الساعة التى أهلك الله تعالى فيها قوم عاد الأشرار

стр. 4077

وكانوا قد اختلفوا على مولانا السلطان كتابا كثير الزور والبهتان. واجتمعوا له قبل ركوبه بيوم، وكان نهار الجمعة بعد صلاة العصر بدار النيابة، ولم يتخلّف من متخلّف. وكان العبد واضع هذا التأريخ قايما (٣) بينهم، أنظر لفعلهم وشينهم. فضربوا حلقة عامّة لجميع الأمرا البرجيّة البيبرسيّة، والأمرا السلاّريّة. وقرئ ذلك الكتاب المزورّ، الوارد بزعمهم عن ذلك الملك البدر المصوّر. وكان القارئ له بإعلان وإظهار، الأمير بهاء الدين أرسلان الدوادار. وهو يذكر فيه كلاما (٧) يلين الصخور، كالدرّ المنثور، وأنّه قد نزل عن مملكة الديار المصريّة، والبلاد الشأميّة، مع جميع الممالك الإسلاميّة، خلا الكرك المحروس، فإنّه اختار الله تعالى أن يكون جنابها به مأنوس، وقصد بذلك الراحة من التعلّق بمظالم العباد، والتنزّه فى تلك البلاد، وأشار إليهم أن يختاروا من بينهم من يقوم بأمر الملك وسياسة الأمّة، فمن؟ لعلّ أن يكشف الله به تلك الغمّة فلمّا انتهى قراية هذا الكتاب، الذى كان ثمرة عاقبته ضرب الرقاب، مخضوا بينهم الآرا، وما منهم إلاّ من فى كلامه وارى، فنهض (١٤) البغدادىّ الوزير، السيّئ الرأى والتدبير، حتى عاد عليه ذلك التدبير تدمير، وقال: ما تقولوا، يا أمرا، فى امرأة حسنا كثيرة العشّاق والطلاّب، طلّقها زوجها بهذا الكتاب؟ فما تجد لها بعده أحدا (١٧) من الخطّاب، فلا بدّ لها من بعل يصونها، وهذا هو عين الصواب. -وافترقوا على هذا الكلام، الذى عاد فى القلب منه كلام، إلى ثانى نهار اجتمع منهم الكبير والصغير، وأجمع رأيهم على تملّك بيبرس الجاشنكير، وما عملوا أنّهم من تلك الساعة قد

стр. 4078

أسلموه لمنكر ونكير. فركب فى ذلك التأريخ المذكور، وكان أيشم الشهور، ولقّب بالملك المظفّر، ولم يعلم أنّه عاد فريسة ذلك الليث الغضنفر (٢). ولقد عاينته لمّا خرج من دار النيابة راكب، والخمول قد حفّ بتلك الأكتاف والمناكب، وقد ظلله سواد بقتام، حتى عاد كأنّه راكب فى ظلام. ولقد-شهد الله-سمعت عدّة من الناس فى ذلك الوقت تقول: انظروا ما على أكتاف هذا الرجل من الخمول! -ولقد كان فى حال إمرته أهيب، ولو امتنع عن هذا الأمر لكان له أصوب. وإنّما كيف كان له فى نفسه تصريف أو تدبير، وقد سبقت بهذه الأحكام المقادير؟ ولم يزل راكبا والأمرا (٩) بين يديه مشاة، والغاشية محمولة بين يديه بغير غشاة. ودخل من باب القلّة كذلك حتى نزل فى منزله نزول الملوك، واستمرّ على ذلك السلوك، حتى جلس على تخت الملك ببرج الطارمة، وقلوب أكثر الجيوش متألّمة. هذا وهو قد بلّ لحيته بدموعه، وتحقّق أنّه أوّل يوم من أيّام قطوعه، وأنّ هذا منتهى سعادته، وآخر سيادته. ثمّ إنّ الأمرا اصطفّوا وقبّلوا الأرض بين يديه وزعق الجاويشيّة، فكان ذلك كأنّه نواح عليه. وأخلع فى تلك الساعة على الأمير سيف الدين سلاّر خلعة النيابة. هذا كلّه بعد التحليف بدار النيابة، واستمرّ التحليف ذلك اليوم والثانى والثالث. وما من حالف حلف إلاّ وتحقّق أنّه ناكث، وفى أيمانه حانث وتوجّهوا الأمرا على البريد المنصور، لتحليف أهل القلاع والثغور. فكان المتوجّه إلى الشأم المحروس عزّ الدين أيبك البغدادىّ وسيف الدين

стр. 4079

ساطى، فوصلا إلى دمشق يوم الأحد مستهلّ ذى القعدة، وحلّفوا من بها من الأمرا للسلطان الملك المظفّر، فريسة السلطان الملك الناصر الليث الغضنفر (٢). وكان تحليف أهل دمشق بالقصر الأبلق، وكلّ من الناس فى أيمانه يزوّق، لا يحقّق وأحضر أيضا كتاب عن مولانا السلطان الملك الناصر، ادّعى نايب الشأم أنّه أنفذ إليه، وكان مكذوبا عليه، يتضمّن أنّه صحب الناس مدّة عشر سنين لم يؤذى أحدا (٧) ولا أخرب بيت أحد، وأنّه قد اختار الانقطاع والعزلة فى الكرك المحروس، وليس له غرض فى الملك، وأنّه يأمرهم بالسمع والطاعة لمن يولّيه الله تعالى هذا الأمر، وأن تكون الشأميّين والمصريين متّفقين الكلمة، وأنّ نزوله عن الملك برضاه، لا اغتصاب. -وجميع ذلك لم يكن له صحّة، وإنّما كان مفتعلا (١١) عليه، أحسن الله إليه. وقرئ هذا الكتاب على الأمرا بدمشق قبل التحليف، وأثبتوه على القاضى المالكىّ، وأنفذوه باقى القضاة. ثمّ شرعوا فى دقّ البشاير بالقلعة وعلى دور الأمرا، ونادوا فى البلد: سلطانكم المظفّر ركن الدين بيبرس، ادعوا له! -ثمّ أمر أن تزيّن دمشق. واستمرّ ذلك إلى يوم الأحد ثامن ذى القعدة وحضر نايب السلطان يوم الجمعة المقصورة لسماع الخطبة. حكى لى الملك الكامل ﵀، قال: كنت مع الأمير جمال الدين الأفرم، وقد حضرنا لسماع الخطبة باسم الملك المظفّر وإسقاط اسم الملك الناصر حماه الله تعالى. قال: فلمّا وصل الخطيب إلى عند الاسم سها (١٩) فدعا للملك

стр. 4080

الناصر على عادته، ثم استرجع ودعا للملك المظفّر، -قال: فقلت للأفرم: عجب إن أفلح صاحبك، -قال: فضحك الأفرم من كلامى. - ثمّ خرجت الأمرا من الديار المصريّة على البريد المنصور إلى ساير الممالك الإسلاميّة للتحليف، كلّ ناس إلى جهة، وفى تعدادهم طول بغير فايدة. وعلى الجملة فإنّ فى هذاك النهار الجمعة خطب باسم المظفّر فى ساير الممالك الإسلاميّة. وأمّا ما كان من بيبرس الملقّب بالمظفّر، فإنّه ركب يوم السبت سابع الشهر ذى القعدة وعليه الخلعة السودا الخليفتيّة، وأرباب الدولة بين يديه عليهم الخلع وكان فى أوّل هذه السنة قد عزل سعد الدين بن عطايا عن الوزارة، ووزر ضياء الدين بن النشايى. فكان ذلك اليوم حامل التقليد الخليفتىّ، وهو كيس أطلس أسود، ولست أذكر نسخته، فإنّ قلبى وقلمى لم يطاوعانى أثبت فى تأريخى معانى مفتعلة، ليس لها صحّة بل منتحلة. وإنّما كان فى أوّله يقول (١٣) ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ (١٤) وكان عدّة الخلع ألف ومايتى خلعة. هذا والناس ودّهم لو أخذ منهم أضعاف ما أنعم به عليهم، وأراحهم من نظره، لما حصل فى قلوب العالم من الوحشة، وكان هذا أمرا (١٦) من الله تعالى وفيها توفّى نجم الدين خضر الملقّب بالملك المسعود بن الملك الظاهر ﵀. وتوفى عزّ الدين الرشيدىّ أستادار الأمير سيف الدين سلاّر، وحزن عليه سلاّر حزنا كثيرا (١٩)، وقال: ما أشكّ أنّ سعادتى ماتت بموته، وكان كذلك

стр. 4081

ذكر [حوادث] سنة تسع وسبع ماية النيل المبارك فى هذه السنة: الماء القديم ما يخصّ من الحوادث الخليفة: الإمام المستكفى بالله أبو (٤) الربيع سليمان أمير المؤمنين، والمتغلّب على الممالك الإسلاميّة: الملقّب بالملك المظفّر بيبرس الجاشنكير المنصورىّ، ومولانا السلطان الأعظم: الملك الناصر عزّ نصره بالكرك المحروس فى عيش لذيذ ووقت سعيد منتهزا للفرص، فى الصيد والقنص. قد ظهرت له أشاير، تدلّ على بشاير، ودلايل، تنبى عن أمور جلايل، متواترة فى كلّ عشيّة وغداة، أنّه الناصر المنتصر على أعداه، ذات ألسن (٩) صادقة، كأنّها ناطقة أشاير البشاير وذلك أنّ مولانا السلطان أيّد الله عزماته، مسعودا فى ساير حركاته وسكناته، ضرب حلقة صيد فى سادس يوم من شهر المحرّم من هذه السنة. فصاد أربعين حمارا وحشيّا (١٤). فكان ذلك إشارة لعدّة من مسك من أعداه فى أوّل وهلة، من غير مهلة. وعاد إلى الكرك المحروس، وهى تتجلّى فرحا به كالطاووس، وتميس إعجابا كالعروس. ثمّ خرج ثانية فى خامس صفر، فظهرت له دلايل خفيّة، وأشاير مخفيّة، يحلّها أولو (١٧) العقول الوفيّة، وذلك أنّه قبض على بومة، وقد كسرها عقاب، وقد عادت معه فى أشدّ العقاب. فكانت الإشارة، بمعنى العبارة، أنّ العقاب ملك

стр. 4082

الطير بأسره، برّه وبحره فى أسره، واليوم أرذلها وأحقرها وأنحسها وأقذرها. فكان الرمز الظاهر، أنّ هذا العقاب الكاسر، هو الملك الناصر، وأنّ هذا البوم المكسور، بيبرس الباغى المقهور. وذلك مطابق لقياس الجنسيّة، يفهمه من كان فيه ذوق وحسّيّة: فإنّ جنس مولانا السلطان الملك الناصر أشرف جنوس الترك من يافثها، وجنس بيبرس أبذأ (٥) أنجس جنوسها وأخبثها وأعظم الأدلّة أيضا فى هذا الباب، ما يشهد به عدد الجمّل فى الحساب، وذلك أنّ أعداد حروف (عقاب) سبعة عشر عددا محرّرا: فالعين بعشرة، والقاف بأربعة، والألف بواحد والباء باثنين، وأعداد حروف (الناصر) كذلك: فالألف بواحد، واللام (١٠) بستّة والنون باثنين، والألف محذوف فى رسوم الخطّ، والصاد ساقط من الأعداد، والراء بثمانية. فحصلت المطابقة بين هذين الاسمين فى الأعداد والحساب. فكان الناصر هو العقاب، من غير شكّ ولا ارتياب. وكذلك أنّ أصل اسم (البومة) بومهة، وهى لفظة فارسيّة، معناها وجه ابن آدم. ذكر ذلك الجاحظ فى «كتاب الحيوان (١٤)» وهو مشتقّ من كهرومرت الذى هو عند الفرس آدم، وقد تقدّم القول فى ذلك. فأعداد (بومهة) اثنين وعشرين، الباء باثنين، والواو بستّة، والميم بأربعة، والهاء بخمسة، والهاء الثانية بخمسة، فالجملة اثنين وعشرين، و (بيبرس) كذلك: فالباء باثنين، والياء بعشرة، والباء الثانية باثنين، والراء بثمانية، والسين ساقط، فالجملة اثنين وعشرين. فحصلت المطابقة فى هذين الاسمين أيضا. فكان بيبرس هو البومهة فى أعداد الحساب، من غير شكّ ولا ارتياب. فهذه نكتة ظاهرة، وآية باهرة

стр. 4083

ثم خرج أيّده الله إلى الصيد المبارك، والسعد قرينه والتوفيق له مشارك. فصاد كركيّين. فكان فيهما من الإشارة، ممّا يوجد بالقيافة والزجارة، بوجه التصحيف، وقيافة التعريف، وذلك إن صحّف كركيّين، كرك ثبت. كان تقدير الكلام أنّ صاحب الكرك ثبّت، فهو ثابت دون غيره. وإن صحّف كركيّين كرك نبت، كان تقدير الكلام أنّ صاحب الكرك نبّت، فهو ثابت دون غيره. وإن صحّف كركيّين كرك يثب، فهو وثّاب (٧) على ملكه، وكلّ وثوب صايد لما يثب عليه. وإن صحّف كرك يبن، فتقدير الكلام أنّه سيبن ويشيّد البناء وكان ذلك. وعلى الجملة فجميع هذه الأشاير صحّت معانيها، حتى بلغت الأيّام أمانيها، فلله الحمد، من قبل وبعد (١٠) وأمّا بيبرس المكسور، فإنّه لم يزل فى نفسه محصور، وفى حركاته مخذول، وقد تباين له مبادئ الخمول. وقويت شوكة الأشرار، حتى علوا (١٣) على الأخيار. وتحرّكت فى ذلك العام الأسعار، وحصل لأرباب المعايش البوار، وانقطعت بوادر التجّار، لمّا تحقّقوا أنّ ما ثمّ راحة، وأنّ بضايعهم قد عادت للطمّاعة مباحة، وأن ليس بمصر سلطان تخشى صولته، وكلّ من البرجيّة <هو> الغالب على دولته. فانقطعت السبل وقلّ السالك، ومن كابر له كابر، استهلك ماله وعاد هالك ثم إنّ النيل المبارك تأخّر فى هذا العام، عن جريانه العامّ، حتى (١٨) عاد لسان حال الوجود ناطق، بلسان صادق. فأمّا لسان حال النيل، فإنّه كما قيل: وعزّة الرحمن، ومن أجرانى من الجنان، وطهّر (٢٠) بى

стр. 4084

النجوس، وأحيا بى النفوس! لولا شيوخ ركّع، وأطفال رضّع، ودوابّ رتّع (٢)، لتوقّفت ولم أطلع. ولو علمت أنّ مصر بلا ناصر، وخالية من نورها الباصر، لما استبشرت منّى بجريان، ولا أصبح فيها قاع ريّان فأجابه أخوه الغمام، وهو فى غاية الآلام: وحقّ من أحيا بمزنى البلاد، وجعلنى رحمة للعباد، وأراهم (٥) برقى خوفا وطمعا، ورعدى زمجره سايقى سرعا، لولا أنّ هذه الأمّة مرحومة، لما جدت بديمومة. وإن قطّرت قطرات فى هذه الآفاق، فإنّها دموع مشتاق، قد آلمه من المليك الناصر الفراق، وراجيا منه بالتلاق. وكيف لا؟ وهو أخونا فى الجود، حتى عمّ الوجود. ولولا ما وعدنا به مجرينا، أنّه على عوايده الجميلة يجرينا، وبعيده على ما كان من عوايده الحسان، لتعطّش منّا كلّ مكان، وخلت من مصر والشأم السكّان وقالت القاهرة، وهى كالوالهة الحايرة: وحقّ من أذلّنى بعد عزّى، وأعزّنى بناصرى بعد معزّى، لولا أدين بالرجعة، لما أبقيت من معالمى على بقعة، ولكنت أطبّق أسوارى على سكّانى. ولو عاد لى جوهر ثانى، لما شيّد بنيانى. ولكنّنى أرجو (١٥) عودة ناصرى، لتقرّ به بواطنى وظواهرى فقالت القلعة، وهى لا ترقى لها دمعة: وتربة الكامل غاية منايى، وأوّل من جدّد معالمى وبنى بى، لولا تحقّقى أن الناصر أجلّ الملوك من سكّانى، وأنّه سيشدّنى ويعلى (١٩) أركانى، حتى يعود ذكرى فى ساير الآفاق، على ألسنة (٢٠) الرفاق، وتحدو بحسن معالمى حداة النياق، فتمدّ

стр. 4085

طربا لذكر محاسنى الأعناق، وتجعل قصورى مساكن الحور، والولدان من البدور، والليوث من الأسود، وتمحى عنّى هذه الرسوم السود، ويرجع الزمان ويداريه، ويعود الماء إلى مجاريه، لكنت جعلت سمايى أرضا، وطولى عرضا، ولا كنت بهذا الذلّ أرضى. وإنّما سيكون لى شأن-وأىّ شأن! -إذا شيّدت بالبنيان. وعمر فىّ بيت للرحمن، يعلن فيه بالأذان، بأصوات حسان، ويتلى فيه القرآن، مزخرفا كزخرفة الجنان. فلذلك صبرت على هذا الذلّ والهوان، فى هذا الأوان فقال نسيم النيل: أنا النسيم العليل، شوقا إلى ذلك الملك الجليل. فكلّ من لاذ (١٠) إليه يرتاح، ارتياح الأشباح إلى الأرواح، والخليع اللطيف إلى شرب الراح، وإلىّ فمزاجه يريد الإصلاح. وإنّى سأزوره وقت الإسحار، إذا غرّدت الأطيار، على الأشجار، وأجرّ أذيالى على تلك الأزهار، بتلك الرّبى وهاتيك الديار، وأهدى شذاها، إلى ساكن حماها، شذى يحيى بعطره النفوس، إلى ساكن حمى الكرك المحروس. وسأقرئه منكم السلام، وأبلّغه عنكم هذا الكلام، من بعد ما ألثم بملاثمى الثرى، بين يدى سلطان الورى. فلما أدّى النسيم رسالته، وبلّغ المقام الشريف مقالته، أجابته اللطايف العظيمة، والعواطف الرحيمة، بقول <من الطويل>: نسيم الصبا أهلا وسهلا ومرحبا ... حديثك ما أحلاه عندى وأعذبا لقد سرّنى ما قد سمعت من الوفا ... وأسكرنى ذاك الحديث وأطربا ويا محسنا قد جاء بالبشر والهنا ... ويا طيّبا أهدى من القول طيّبا فإن عادت الأيّام تجمع بيننا ... سجدنا لربّ العرش شكرا لما حبا

стр. 4086

ومن قول القاضى شهاب الدين محمود كاتب الإنشا الشريف فى توقّف النيل ذلك العام <من الكامل:> يا أيّها النيل المبارك إن تكن ... من عند ربّك تأت فاجر بأمره أو إن تكن من عند نفسك تأتنا ... فالله يبسط برّه فى برّه كم من بلاد ليس تعرف نيلها ... ملأ الإله بيوتها من برّه يا ذا الوفاء أراك خنت (٦) ... عهودنا والحرّ لا يشنى الوفاء بغدره إن كان دفعك ما يجئ مبادرا ... إلاّ بإذن مليكه فبعذره قال الصليبىّ (٨) ... اللعين بجهله والكفر يركض فى جوانب صدره مسرى سرى والنيل أصبح واقفا (٩) ... قد فاتنا تغليقه فى شهره ومضى النسئ وليس فيه زيادة ... إنّ النسئ زيادة فى كفره (١٠) تبّا له ولكفره (١١) ... ولنسئه وشهيد شبراه وطينة بئره نحن (١٢) ... الذين لنا بجاه محمد ما يرتجيه فقيرنا من فقره يا ربّ إنّ القمح أصبح غاليا ... فارخص بحقّك ما غلا من سعره ارحم بفضلك ركّعا أم رضّعا ... أم رتّعا فى ذى الوجود بأسره وأغث عبادك فى بلادك بالوفا ... وابسط على المقياس خلعة ستره وأضف إلى تغليقه تغليقة ... حتى يرى تخليقة فى مصره وأفض على السّدّ المبارك ماؤه ... واكسره ربّ فجبرنا فى كسره إنّا تشفّعنا (١٨) ... بجاه محمد وبشهر مولده الشريف وعشره

стр. 4087

ولنعود إلى سياقة التأريخ بمعونة الله تعالى وحسن توفيقه! -وفيها كان عودة الركاب الشريف الناصرىّ إلى مصره، واستقراره بقصره ذكر عودة الركاب الشريف السلطانىّ المالكىّ الناصرىّ إلى محلّ ملكه بالديار المصريّة وهى المملكة الثالثة السبب فى ذلك ملخّصا: وذلك لمّا أراد الله تعالى من جبر هذه الأمّة المحمديّة، أعاد إليهم الدولة الناصريّة المحمديّة، بلطايف خفيّة، تدقّ على الأفهام الوفيّة. وذلك لمّا كان يوم الثلثا حادى عشرين جمادى الآخرة خرج من الديار المصريّة جماعة من المماليك السلطانيّة الناصريّة وهم ثلاث ماية نفر، يقدمهم من الأمرا الأمير سيف الدين أنغاى قبجق السلحدار والأمير علاء الدين مغلطاى القازانىّ، متوجّهين إلى الكرك المحروس، قاصدين مهاجرين إلى الأبواب الشريفة الناصريّة وكان الوالد سقى الله عهده يومئذ متولى الأعمال الشرقيّة وولاية العربان، وقد أضيف إليه النظر على قطيا وأعمال أشموم الرمّان. وكان الوالى بقطيا يومئذ يسمّى بدر الدين ميخاييل، ووالى أشموم يسمّى أمين الدين. فعبروا تلك الطايفة المهاجرة من ظاهر بلبيس، ولم ينزلوا بها، ولا شقّوها، ولا آذوا أحدا (١٦) فيها، ولا فى ساير أعمالها. وذلك لما كانوا يروا لنا من حقوق خدمتهم من قبل. فإنّ أنغاى كان لم يزل يتردّد إلى الأعمال وكنّا نخدمه. فرأى لذلك ومنع ساير من معه من التعرّض بأذيّة. وكان عبورهم ببلبيس (١٩) الثالثة من ذلك النهار. فلمّا كان بعد

стр. 4088

الظهر وصل خلفهم من يتبعهم تقدير ألفى فارس، يقدمهم من الأمرا الأمير سيف الدين الملك الجوكندار مع جماعة من الأمرا فى تعدادهم طول. فكانوا المهاجرين فى تلك الساعة بمنزلة الخطّارة، والذين فى أثرهم فى بلبيس، وعادوا يقصرون فى طلبهم. حكى لى والدى وقد رأيته فى تلك الساعة قد لاقى الأمير سيف الدين الملك وهما يتناجيان سرا. فسألته بعد ذلك، قال: قلت له: يا خوند، تمهّل على نفسك، فإنّ القوم الذين خرجتم فى طلبهم مستقبلون، وهم والله على الحقّ وأنتم بخلاف ذلك. قال والدى: فلمّا سمع قولى تبسّم وقال: والله لقد صدقت، يا جمال الدين. دعهم، كتب الله سلامتهم، وبلّغهم مأمنهم ثمّ إن أوليك القوم وصلوا قطيا ثانى يوم الصبح، وقد عملوا الليل كلّه. فنهبوها وأخذوا جميع حاصلها بالصندوق، ولم يزالون يحثّون السير الليل والنهار حتى وصلوا سالمين إلى الكرك المحروس اليوم الثانى من شهر رجب الفرد. فتلقّاهم مولانا السلطان عزّ نصره ملتقى حسنا ورتّب لهم الراتب الجيّد من جميع ما يحتاجون إليه. وأمّا العسكر الذى كان قد خرج فى طلبهم فلم يلحقوا لهم أثرا (١٥) غير فرس قد وقف أو جمل هجين قد أعيا. فوصلوا إلى الغرابى وعادوا على الأثر إلى ديار مصر بالقاهرة حدّثنى الملك الكامل ﵀ فى سنة عشر وسبع ماية بدمشق المحروسة ونحن بها يومئذ، قال: لمّا وصلت هذه الجماعة من مصر إلى ركاب مولانا السلطان نفذ عقيب ذلك إلى دمشق نجّاب وصحبته ثلاثة مماليك أحدهم فجليس إلى عند نايب الشأم الأمير جمال الدين الأفرم،

стр. 4089

وعلى أيديهم كتب من مولانا السلطان عزّ نصره إليه وإلى جميع الأمرا الكبار بدمشق تتضمّن طلب المساعدة والمؤازرة والنصرة، وأنّ ركابه الشريف يقصد الحضور إلى دمشق، قال: فلمّا وقف ملك الأمرا على الكتاب الذى وصل إليه طلب جميع الأمرا، واجتمعوا بالقصر الأبلق وقرأ عليهم كتابه. وأحضروا أيضا كتبهم الواصلة إليهم. وضربوا فى ذلك مشورا كبيرا (٦). ثمّ كتبوا الجواب، وهو جواب واحد، يتضمّن من القول: إن كان العسكر المصرىّ معك فنحن أيضا فى خدمتك، وإلاّ فلا طاقة لنا بالمصريّين، ولا نرى سفك دما الإسلام، ونحن تبع (٨) للمصريّين والسلام. - قال الملك الكامل ﵀: هذا كان جواب الأفرم التعيس، يقول كذا، ووافقوه جماعة من الأمراء على ذلك ظاهرا، وأجابوه فى كتبهم بخلاف ذلك باطنا، بحيث لا أطلع على ذلك الأفرم فلمّا كان بعد يويمات يسيرة حصل بدمشق أراجيف وأقاويل، واشتهر الأمر أنّ الركاب الشريف السلطانىّ قاصد دمشق، وأنّ بعد توجّه تلك الطايفة المهاجرة الأولة انفتح باب المهاجرة إلى أبوابه العالية، وعادت الناس يصلون إلى خدمته أفرادا وأزواجا من كلّ فجّ عميق رجالا وعلى كلّ ضامر (١٦)، حتى اجتمع فى خدمته جمع رضيهم لحركة ركابه الشريف. فلمّا تحقّق الأمر عند نايب الشأم جمع الأمرا وضرب مشورا ثانيا (١٧). فهم كذلك إذ ورد من مصر بريد من عند بيبرس الملقّب بالمظفّر، وكان وصوله آخر نهار الجمعة، وأخبر أنّ أمور المظفّر مستقيمة، وكانت أخبار سقيمة، وعلى يده كتاب من قبله إلى الأفرم يتضمّن:

стр. 4090

إنّما خرجت هذه الطايفة الشّرذمة اليسيرة عن الطاعة لسوء بختهم وقلّة بصايرهم، ونحن لهم فى أشدّ الطلب، وإن أمعنوا فى الهرب، وسوف يجنوا ثمرة اعتمادهم، ولا ينفعهم من صار إليه ملاذهم. -وفى الكتاب التأكيد على نايب الشأم بحفظ المؤازرة والتيقّظ (٤) فى ساير الأحوال ولمّا كان صبيحة ذلك اليوم وهو نهار السبت، اجتمع الأمرا وأحضر القضاة والمصحف المطهّر، وجدّدت الأيمان للمظفّر، ونادوا بدمشق: سلطانكم المظفّر، ومن تكلّم فيما لا يعنيه شنق. -وعاد فى تلك الأيّام الناس يعبرون من ظواهر دمشق إلى البلد، وحصل فى أبواب دمشق الازدحام كأيّام الجفل ثمّ حضر جندىّ وأخبر أنّ ركاب مولانا السلطان الملك الناصر وصل إلى مدينة أذرعات. وظهر من الأفرم المعاندة والمنع، وأنّه لا يمكّنه من العبور إلى دمشق البتّة. وكان قد سيّر قبل ذلك الأمير علاء الدين أيدغدى شقير الحسامىّ والأمير بدر الدين جوبان ليردّوا مولانا السلطان عن قصده. فعاد الأميران من عند مولانا السلطان، وقد أخلع عليهما وأنعم عليهما بذهب له صورة، وخفض (١٥) لهما جناحه الشريف من ليّن القول. فرجعا وقد استمالا إلى خدمته. ورأى ملك الأمرا أنّ أحواله مع أكثر الأمرا محلولة. فاحتاج أن يلين عن القساوة خوفا على نفسه. ثمّ إنّه سيّر الأمير سيف الدين بهادر آص والأمير سيف الدين بكتمر الحاجب ليشيرا على مولانا السلطان بالعودة إلى الكرك. فعادا إلى دمشق ليلة الثلثا وأخبرا أنّهما لم يجدا مولانا السلطان عزّ نصره بتلك المنزلة التى كان بها، وأنّه رجع إلى الكرك المحروس، ولم يعلم سبب ذلك

стр. 4091

حدّثنى أحد المماليك السلطانيّة بعد ذلك يعرف بالأرغونى، كان له بالأعمال الشرقيّة إقطاع (٢) قبل ذلك على متوفّر العربان، وكان من جملة من توجّه وهاجر إلى الكرك المحروس، قال: كان سبب عودة ركاب مولانا السلطان إلى الكرك تلك المرّة أنّه لمّا وصل إلى مدينة أذرعات كما تقدّم من ذكر ذلك كان قد ذكر لأنغاى والقازانىّ أنّ كتب الأمرا الشأميّين قد وردت عليه تحثّه على الحضور إلى دمشق وكان جرى ذلك. فلمّا وصل إلى خدمته الأميرين الأوّلين وأخلع عليهما ورجعا ونظر أنغاى لظاهر الحال أنّهما منعاه من الوصول إلى دمشق حدّثته نفسه الرديئة (٩) أنّه يغدر بمولانا السلطان، ولم يعلم أنّ الملايكة له أعوان. فاجتمع رأيه ورأى القازانىّ على الغدر الذى عاد عاقبته وبالا عليهما. فأطلع مولانا السلطان على بواطنهما فركب فى الليل فى مماليكه وثقاته ومن يعتمد عليه من عشا. فلم يصبح الصباح إلاّ وقد قطعوا بلادا كثيرة (١٣). فلمّا أصبحوا طلبوه، فلم يجدوه لطفا من الله وتأييدا من النصر. فعادوا لحقوا ركابه الشريف، وقد صار فى قلعة الكرك. فلم يريهم إلا عفوا ورضا، لكنّ أمرهم بالنزول فى الربط دون القلعة. فهذا كان سبب رجوعه-نصره الله-أوّل مرّة وسبب ذنب أنغاى حتى ظفره الله به. واستمرّ الحال كذلك إلى شهر شعبان المكرّم قال الملك الكامل ﵀: فلمّا كان ثالث شعبان شاع الخبر بحضور الركاب الشريف إلى دمشق المحروسة. وأنّ الأمير سيف الدين قطلوبك والأمير سيف الدين الحاجّ بهادر قد توجّها إلى خدمته. وكان توجّه قبلهما الأمير ركن الدين بيبرس المجنون والأمير ركن الدين بيبرس العلايى

стр. 4092

وصلاح الدين بن صارم الدين والى الخاصّ. ولمّا تحقّق ملك الأمرا ذلك قصد الهروب من دمشق. ثمّ تثبّت (٢) وأرسل إلى المقام الشريف السلطانىّ الأمير بدر الدين الزردكاش والأمير علاء الدين أيدغدى الجمالىّ لإصلاح شأنه عند مولانا السلطان عزّ نصره. ثم وصل الأمير سيف الدين بكتمر الجوكندار من صفد طالبا لملتقى الركاب الشريف السلطانىّ. فحينئذ ضاق بملك الأمرا الحال فخرج من دمشق ليلة الأحد سادس عشر شعبان مع جميع خواصّه وحفدته، وأخلى القصر الأبلق من جميع ما كان له به. وشرعوا الأمرا مثل الأمير ركن الدين بيبرس العلايى وسيف الدين آقجبا وجمال الدين الطشلاقىّ فى عمل المهمّ وتجهيز الإقامات لحضور الركاب الشريف، ورتّبوا آلات المملكة مثل الكوسات والعصايب والجمداريّة والرمحداريّة والجنايب، ونفذوهم لمولانا السلطان، وخرجوا السوقة والمتعيّشين. والناس يظنّون أنّ ذلك أضغاث أحلام، لسرورهم بقدوم سيّد ملوك الإسلام. وفى عشيّة يوم الأحد وصل الأمير علاء الدين الجمالىّ والزردكاش بأمان مولانا السلطان للأمير جمال الدين ملك الأمرا، فلم يجداه. ثمّ خرج الأمرا مع ساير الناس لملتقى الركاب الشريف. وطلعت الخطبا على المنابر ودعوا لمولانا السلطان. وضجّت العامّة بالدعا وتباشروا بالسرور العامّ ذكر دخول مولانا السلطان عزّ نصره دمشق المحروسة وذلك أنه نودى ليلة الثلثا ليلة ثامن عشر شعبان المكرّم بمدينة دمشق: أن تفتح الدكاكين وتزيّن البلد أعظم زينة لقدوم مولانا السلطان الملك الناصر نصره الله. فزيّنت البلد أحسن زينة. وخرج الناس بأجمعهم من

стр. 4093

النسا والرجال، والصغار والأطفال، وباتوا تلك الليلة على السقايف، وهم لا يصدّقون بالصباح، ليكون صباحهم بذلك الوجه الكريم الوضّاح، وكانت ليلة مشهودة، لم تنظر إلاّ إلى شموع موقودة، وذا يصلح فى بمّه وزيره من عوده، وذا يترنّم فرحا بهذه العودة، وذا يحمد الله على نعمه، وذا يشكره على إزالة نقمه، وذا يرقص طربا لهذه البشارة، حتى الجمادات تعلن بالأفراح إشارة. فيالها من ليلة، ما كان أبركها على العباد، وأبردها على الأكباد! وأصبح الناس على ما هم عليه، من التشوّق والتشوّف إليه. فلمّا كان سابع ساعة من ذلك النهار، وقد فاز المخفون بنظرة فوزا، والطالع آخر الثور وأوّل الجوزا، دخل مولانا السلطان بالسؤدد والخفر، مؤيّدا بالنصر والظفر. وقد حفّته الملايكة زمرا زمر، وضجّت الناس بالدعاء له بالنصر والتأييد، وأن يبلّغه الله كلّ ما يقصد ويريد. وكان هذا اليوم أعظم من كلّ عيد، دقّت فيه البشاير، ودخل فى أيمن طالع وأسعد طاير. فلمّا وصل إلى باب القلعة مدّوا الجسر وفتحوا الباب، وخرج متولّيها السنجرىّ فقبّل التراب (١٥) فأشار مولانا السلطان، والنور من وجهه قد أشرق: لا أنزل إلاّ بالميدان والقصر الأبلق. -هذا والأمير سيف الدين الحاجّ بهادر حامل الستر الشريف، وقد تشرّف بحمله، وإن كان ثقيلا فقد عاد خفيف. وكان أوّل من شال الغاشية بين يديه الشريفتين، ومشى بها خطوة وميتين، الأمير سيف الدين قطلوبك الكبير. ثمّ دخلوا بعده ساير الأمرا، الكبير

стр. 4094

منهم دون الصغير، ولمّا استقر مولانا السلطان، نزوله بالميدان، نقل فى تلك الساعة السنجرىّ والى القلعة الخوان (٢)، ومدّه فى الميدان، فكان يشتمل على ألوان ﴿صِنْاانٌ وَغَيْرُ صِنْاانٍ﴾ (٣) هذا والمغانى تقرع بالدفوف، والعالم من الأمرا والجند صفوف صفوف، وكان فى الجملة مغنّية تسمّى ضيفة الحمويّة، فغنّت بهذا القصيد، فى ذلك الوقت السعيد، واستفتحت به نشيد <من الكامل>: ولقد نذرت بإن رأيتك سالما ... ونظرت وجهك أن أصوم شهورا حذرا عليك من الزمان وغدره ... حتى تعود مؤيّدا منصورا فأمر لها مولانا السلطان بجملة إنعام. وفى ذلك اليوم نثر الأمير سيف الدين قطلبك على مولانا السلطان عند أوّل جلوسه بالقصر كيس أطلس مليء (١١) فصوص ولؤلؤ كبار وحبّات جواهر، ما تحصى قيمته وفى آخر ذلك النهار وصل الأمير سيف الدين تمر الساقى نايب حمص. وفى يوم الأربعا تاسع عشره حلّفوا عسكر صفد وسفّروهم شاليشا يقدمهم الأمير سيف الدين آقجبا الظاهرىّ. واستقرّ مولانا السلطان بالقصر والأمرا فى خدمته. وخطب له يوم الجمعة فى ساير الممالك الشأمية وفى يوم السبت ثانى عشرين الشهر وصل الأمير جمال الدين الأفرم ملك الأمرا مذعنا بالطاعة، والتقاه مولانا السلطان وترجّل له وعانقه. ثمّ قدّم له ولده موسى. فقبّل الأرض بين يدى المواقف الشريفة. فتناوله مولانا السلطان وأجلسه فى حضنه وقبّله ثلاث مرّات، ولا زال فى حضنه

стр. 4095

حتى سأله أبوه وتناوله منه. وأحضر ابن صبح وقبّل الأرض. فسأل السلطان عنه، فقيل: هذا ابن صبح الذى هرّب الأمير جمال الدين. -فأقبل عليه مولانا السلطان وشكره لوفاه بالأمير جمال الدين وحسن صنيعه له، وأخلع عليه. ورسم لملك الأمرا فى ذلك النهار أن يستقرّ على نيابته، وتقرأ عليه القصص، ولا يغير عليه مغير. وفى يوم الأحد قدّم الأمير جمال الدين تقادم عظيمة لا تقوّم. وفى يوم الاثنين وصل الأمير سيف الدين قبجق من حماة، وكذلك الأمير سيف الدين أسندمر من طرابلس. وخرجوا الأمرا والتقوهم، وخرج لهم مولانا السلطان خلّد الله ملكه والتقاهم ثمّ وصل الأمير شمس الدين قراسنقر المنصورىّ من حلب. حدّثنى من أثق به أن كان سبب مجيئه سنقر شاه الظاهرىّ، وذلك أنّه ضرب مشور: هل يدخل تحت الطاعة أم لا؟ -فقال له الأمير شمس الدين سنقر شاه: المصلحة عندى أن تدخل فى طاعة ابن أستاذك. فإنّ نحن ما دخل علينا الدخيل إلاّ لمّا خالفنا الملك السعيد ابن أستاذنا. - فبلغ ذلك مولانا السلطان، فكان لسنقر شاه بعدها عند مولانا السلطان يد بيضا. وخرج مولانا السلطان عزّ نصره والتقاه وترجّل له وعانقه ساعة. وحمل قراسنقر شاه فى ذلك اليوم الغاشية بين يدى مولانا السلطان وفى يوم الاثنين مستهلّ شهر رمضان نفق مولانا السلطان فى الجيوش ورسم: كلّ من قبض نفقته سافر إلى غزّه وفى ثالث رمضان المعظّم وصل جيش حلب، وطلب قراسنقر فى أحسن زىّ وأعظم أهبة. وتكمّلت العساكر الشأميّة فى عدّتها وعديدها

стр. 4096

ذكر توجّه الركاب الشريف إلى الديار المصريّة وذلك لمّا كان الثالث من شهر رمضان المعظّم خرج الدهليز المنصور متوجّها إلى الديار المصريّة وصحبته النوّاب بالممالك الشأميّة، مع القضاة والأيمّة والأمرا وضرب بالجسورة. وفى يوم السبت سادس الشهر وصل مملوك من المماليك الأشرفيّة، من الديار المصريّة، وأخبر أنّ بيبرس الملقّب بالمظفّر فى ضايقة (٦) عظيمة، وأنّه يريد الهروب أو يحصّن القلعة، وأنّ الأمير سيف الدين سلاّر عند خيله وبيدّعى أنّه متمارض. ثمّ وصل ستّة نفر من المماليك السلطانيّة، وأخبروا أنّ ساير العساكر المصريّة من الأمرا والجند منتظرين الركاب الشريف الناصرىّ، وأنهم مع بيبرس بالأجسام، والقلوب مع الأسد الضّرغام، والملك الهمام، السلطان الملك الناصر سلطان الإسلام. فلمّا كان يوم الثلثا تاسع رمضان المعظّم خرج الركاب الشريف السلطانىّ الملكىّ الناصرىّ عزّ نصره من دمشق المحروسة ضحى نهار أوّل الثالثة. وفى ركابه الشريف جميع النواب بالممالك الإسلاميّة لم يتأخّر منهم عن خدمته أحد، وكذلك ساير الأمرا والجند. وكان قد تقدّم الجيش الصفدىّ قبل ذلك، حسبما ذكرنا قال الملك الكامل: وكان مولانا السلطان فى ذلك اليوم لابس قباء أطلس أبيض بطرز زركش مصرىّ. -قلت: فعاد كالبدر بين المرّبخ والمشترى، أو كالشمس عند الإشراق لا عند المغيب، قد كتب السعد على تاجه ﴿نَصْرٌ مِنَ اللهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ (١٩) وكان مقدّم الميمنة الأمير جمال الدين آقوش الأفرم نايب الشأم، ومقدّم الميسرة الأمير سيف الدين

стр. 4097

قبجق نايب حماة والأمير شمس الدين قراسنقر إلى جانبه. وخرج صحبته القاضى نجم الدين بن صصرى وقاضى القضاة الحنفىّ، والقاضى جلال الدين الخطيب والقاضى كمال الدين بن الزملكانىّ مع الموقّعين وكتّاب الجيش. فلمّا كان العشرين من الشهر وصل الأمير سيف الدين بهادر آص من الديار المصريّة. وكان قد سيّر أحضره إلى الديار المصريّة بيبرس لمّا ذكر عنه أنّه كان السبب فى حركة ركاب مولانا السلطان من الكرك المحروس وحضوره إلى دمشق. فأقام بمصر إلى هذا التأريخ، عاد إلى الركاب الشريف السلطانىّ عزّ نصره وكان وصول الركاب الشريف إلى غزّة المحروسة يوم الخميس تاسع عشر الشهر المبارك. ثم تبادروا الأمرا المصريّين إلى غزّة، وأخبروا أنّ بيبرس خلع نفسه من الملك، وأنّه خرج عن الديار المصريّة وملكها. وكان ذلك يوم الثلثا سادس عشر رمضان المعظّم، وأنّ الأمرا والمقدّمين من المصريّين واصلين قلت: هذا جميعه حديث الملك الكامل للعبد فى دمشق فى سنة إحدى عشرة وسبع ماية حسبما تقدّم من ذكر ذلك. وأما ما شاهده المملوك واضعه ومؤلّفه (١٦) وجامعه ومصنّفه بالمعاينة لا بالسماع، فإنّ نحن كنّا ببلبيس فى ذلك التأريخ، وكان العبد بالقاهرة، أشاهد جميع هذه الأحوال وأطالع بها الوالد ﵀ ببلبيس أوّلا فأوّلا. وكان قد بلغ بيبرس عنّا من جماعة من العرب كانوا يصحبوه من بنى عبيد من جذام يقال لهم أولاد زامل، بالغ وعامر. فوشوا لبيبرس أنّ نحن مطّلعين على رسول

стр. 4098

مولانا السلطان الذى يحضر من الكرك المحروس إلى الديار المصريّة، وكانوا يعنون عن شخص كان فى خدمة مولانا السلطان يسمّى عثمان الركاب. فلمّا ذكروا لبيبرس عنّا ذلك سيّر إلينا سيف الدين بثار-وكان هذا المسمّى بثار أصله مملوك الحاجّ بهادر وعاد عند بيبرس-وعلى يده كتاب من بيبرس ضمنه: أن بلغنا أنّك تطّلع على عثمان الركاب عند ما يدخل ويخرج من الديار المصريّة وعلى يده كتب الناصر صاحب الكرك. ونحن نقسم بالله تعالى: متى صحّحنا هذا عنك أمرنا بتسمير ولدك قدّامك، ثم بتسميرك بعده، ثمّ بتوسيطه قدّامك، ثم بتوسيطك بعده. وإن هذا كان ما هو صحيح عنك فتجتهد فى تحصيل عثمان الركاب المذكور وإحضاره إلينا. فإذا فعلت ذلك سوف ترى ما نفعله معك ومع ولدك من الإحسان الذى يسرّ الصديق ويكمد العدوّ، وفيه تشديد، ووعد ووعيد. -فلمّا قرأه الوالد قال: يا سيف الدين، كلّ أحد يعلم أن العرب أعدايى، وهو أيضا يتحقّق ذلك. وإذا سمع من أعدايى فى حقّى يفعل ما استعمله الله وما هى دنيا بلا آخرة. فأنا رجل لا اطّلعت لا على عثمان ولا على غيره. - فقال له بثار: يا جمال الدين، احترز! فإنّ والله أولاد زامل عمّالين عليك عنده. وأنت خشداش أستاذى القديم وقد نصحتك. -فقال الوالد: فى الله الكفاية. -ثمّ إنّه احترز على نفسه ونفّذنى إلى القاهرة وقال: اخفى نفسك ولا تظهر، وكشّف ساير ما يتجدّد (١٨) وطالعنى به أوّلا فأوّلا! - ثمّ إنّه ما عاد يقيم إلاّ بالبرّيّة، ولفّ عليه جماعة من عرب العايد، شخصا (٢٠) يسمّى بهادر العايدىّ وجماعته، وجماعة من بنى وليد يوسف بن إبراهيم وأولاد شمخ. وأجمع رأيه، متى حضر إليه من يرى منه شرّ

стр. 4099

مسكه، وتوجّه فى البرّيّة إلى خدمة مولانا السلطان الملك الناصر بالكرك. وكان هذا الحال عند تحريك الركاب الشريف إلى دمشق أوّل مرة ودخل العبد إلى القاهرة. واختفيت وعدت أستملى الأخبار من بهاء الدين أرسلان الدوادار. فإنّ كان بينى وبينه أخوّة قديمة من حين كان فى بيت طقجى. وتأكّدت الصحبة والأخوّة فى بيت سلاّر. فكان يخبرنى بكلّ ما يتجدّد، وأنا أطالع به الوالد. ثمّ إنّ بيبرس أشغله الله تعالى عنّا بما هو أهمّ من أمرنا وكان هذا الكتاب الذى ورد على الوالد ﵀ من بيبرس على يد بثار بخطّ المولى كمال الدين محمد بن الأثير ﵀، وكان بيننا من الصحبة القديمة ما لا تحدّ بوصف، وكأنه اطّلع على ما نواه لنا بيبرس. فكتب للمملوك كتابا (١١) فيه تشوّق واستيحاش، ومن جملته يقول: والمولى المخدوم الوالد بحمد الله سديد الرأى. -ففكرت فى هذه اللفظة إذ هى ليست من بلاغته المشهورة. وإذا هو قد عنى ولوّح إلى واقعة سديد الملك مع جلال الدولة صاحب حلب، وقد تقدّم شرحها فى هذا التأريخ ممّا يغنى عن إعادتها ولاشتهارها. فلمّا فهمتها علمت أنّها قصده بذكر سديد فأجبته: إن مملوك مولانا المخدوم وعريق بابه الوالد لم (١٦) يكن له رأى فيما اتّهم به. -فلمّا حصل للمملوك الاجتماع بخدمته بعد ذلك رأيته كثير التعجّب من إدراكى لذلك، وكان ما يبرح يذكر ذلك فى الملا والخلا ببديع ألفاظه (١٩) الحسان، ويكسونى وأنا عريان، رحمه الله تعالى وعوّضه عن دنياه بالجنان!

стр. 4100

ثمّ إنّ بيبرس لمّا بلغه تقدّم الركاب الشريف الناصرىّ من الكرك إلى دمشق، وأنّ ساير النوّاب أذعنوا له بالسمع والطاعة، وكان يظنّ أنّ الأمر بخلاف ذلك، وكان معتقدا على اثنين يظنّ أنّهما لا يدخلا تحت الطاعة: الأمير شمس الدين قراسنقر نايب حلب والأمير جمال الدين نايب الشأم. فأمّا قراسنقر فكان فى أوّل الحال قاتلا (٥) ومقتولا عليه إلى حيث زرّق عليه من أسقى ولده ناصر الدين محمدا (٦) ﵀، وتحقّق قراسنقر ذلك منه وقتل أستاداره الذى كان أسقى ولده فخر الدين ألطنبا أستاداره (٧). فعاد من ذلك الحين يراييه ويداجيه. وكان ظنّ بيبرس أنّ قراسنقر ما فى نفسه منه شى، وأنّه ما (٩) فهم عنه أنّه الذى سقى ولده. فهذا كان سبب انحراف قراسنقر عنه. وأمّا الأفرم فإنّه ما دخل تحت الطاعة إلاّ عن غلوبية ومن تحت القهر ثمّ إنّ الناس عادوا يغشّون بيبرس فى الكلام، ولا ينصحونه لبغضهم فيه. ثمّ إنه رأى أن يؤمّر (١٣) جماعة من مماليكه، فأمّر تقدير أربعين نفرا منهم طومان وصفنجى وقرمان وتكا وعلم الدين أستادار وصديق وبيبرس الجمدار واللقمانىّ وجعله جاشنكيرا مع جماعة أخر فى تعدادهم طول بغير فايدة. ولقد بلغنى عن صديق أنّه لمّا فرّق مثالات إمرته على من استخدمه ردّ شخص منهم مثالا (١٧)، فقال له: يا أخا القحبة، ما ترضى تخدمنا دولة المشمش أربعين يوما؟ -فكانوا يتحقّقون أنّ هذه الإمريات لا تتمّ لهم. ثمّ إنّ بيبرس نفق فى الجيش المصرىّ بكماله
следующие страницы →