← История

История · id 18147

كنز الدرر وجامع الغرر

ابن الدواداري

Полный текст (4 323 стр.). Показаны 4096–4135 · переход к 4101.

стр. 4096

ذكر توجّه الركاب الشريف إلى الديار المصريّة وذلك لمّا كان الثالث من شهر رمضان المعظّم خرج الدهليز المنصور متوجّها إلى الديار المصريّة وصحبته النوّاب بالممالك الشأميّة، مع القضاة والأيمّة والأمرا وضرب بالجسورة. وفى يوم السبت سادس الشهر وصل مملوك من المماليك الأشرفيّة، من الديار المصريّة، وأخبر أنّ بيبرس الملقّب بالمظفّر فى ضايقة (٦) عظيمة، وأنّه يريد الهروب أو يحصّن القلعة، وأنّ الأمير سيف الدين سلاّر عند خيله وبيدّعى أنّه متمارض. ثمّ وصل ستّة نفر من المماليك السلطانيّة، وأخبروا أنّ ساير العساكر المصريّة من الأمرا والجند منتظرين الركاب الشريف الناصرىّ، وأنهم مع بيبرس بالأجسام، والقلوب مع الأسد الضّرغام، والملك الهمام، السلطان الملك الناصر سلطان الإسلام. فلمّا كان يوم الثلثا تاسع رمضان المعظّم خرج الركاب الشريف السلطانىّ الملكىّ الناصرىّ عزّ نصره من دمشق المحروسة ضحى نهار أوّل الثالثة. وفى ركابه الشريف جميع النواب بالممالك الإسلاميّة لم يتأخّر منهم عن خدمته أحد، وكذلك ساير الأمرا والجند. وكان قد تقدّم الجيش الصفدىّ قبل ذلك، حسبما ذكرنا قال الملك الكامل: وكان مولانا السلطان فى ذلك اليوم لابس قباء أطلس أبيض بطرز زركش مصرىّ. -قلت: فعاد كالبدر بين المرّبخ والمشترى، أو كالشمس عند الإشراق لا عند المغيب، قد كتب السعد على تاجه ﴿نَصْرٌ مِنَ اللهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ (١٩) وكان مقدّم الميمنة الأمير جمال الدين آقوش الأفرم نايب الشأم، ومقدّم الميسرة الأمير سيف الدين

стр. 4097

قبجق نايب حماة والأمير شمس الدين قراسنقر إلى جانبه. وخرج صحبته القاضى نجم الدين بن صصرى وقاضى القضاة الحنفىّ، والقاضى جلال الدين الخطيب والقاضى كمال الدين بن الزملكانىّ مع الموقّعين وكتّاب الجيش. فلمّا كان العشرين من الشهر وصل الأمير سيف الدين بهادر آص من الديار المصريّة. وكان قد سيّر أحضره إلى الديار المصريّة بيبرس لمّا ذكر عنه أنّه كان السبب فى حركة ركاب مولانا السلطان من الكرك المحروس وحضوره إلى دمشق. فأقام بمصر إلى هذا التأريخ، عاد إلى الركاب الشريف السلطانىّ عزّ نصره وكان وصول الركاب الشريف إلى غزّة المحروسة يوم الخميس تاسع عشر الشهر المبارك. ثم تبادروا الأمرا المصريّين إلى غزّة، وأخبروا أنّ بيبرس خلع نفسه من الملك، وأنّه خرج عن الديار المصريّة وملكها. وكان ذلك يوم الثلثا سادس عشر رمضان المعظّم، وأنّ الأمرا والمقدّمين من المصريّين واصلين قلت: هذا جميعه حديث الملك الكامل للعبد فى دمشق فى سنة إحدى عشرة وسبع ماية حسبما تقدّم من ذكر ذلك. وأما ما شاهده المملوك واضعه ومؤلّفه (١٦) وجامعه ومصنّفه بالمعاينة لا بالسماع، فإنّ نحن كنّا ببلبيس فى ذلك التأريخ، وكان العبد بالقاهرة، أشاهد جميع هذه الأحوال وأطالع بها الوالد ﵀ ببلبيس أوّلا فأوّلا. وكان قد بلغ بيبرس عنّا من جماعة من العرب كانوا يصحبوه من بنى عبيد من جذام يقال لهم أولاد زامل، بالغ وعامر. فوشوا لبيبرس أنّ نحن مطّلعين على رسول

стр. 4098

مولانا السلطان الذى يحضر من الكرك المحروس إلى الديار المصريّة، وكانوا يعنون عن شخص كان فى خدمة مولانا السلطان يسمّى عثمان الركاب. فلمّا ذكروا لبيبرس عنّا ذلك سيّر إلينا سيف الدين بثار-وكان هذا المسمّى بثار أصله مملوك الحاجّ بهادر وعاد عند بيبرس-وعلى يده كتاب من بيبرس ضمنه: أن بلغنا أنّك تطّلع على عثمان الركاب عند ما يدخل ويخرج من الديار المصريّة وعلى يده كتب الناصر صاحب الكرك. ونحن نقسم بالله تعالى: متى صحّحنا هذا عنك أمرنا بتسمير ولدك قدّامك، ثم بتسميرك بعده، ثمّ بتوسيطه قدّامك، ثم بتوسيطك بعده. وإن هذا كان ما هو صحيح عنك فتجتهد فى تحصيل عثمان الركاب المذكور وإحضاره إلينا. فإذا فعلت ذلك سوف ترى ما نفعله معك ومع ولدك من الإحسان الذى يسرّ الصديق ويكمد العدوّ، وفيه تشديد، ووعد ووعيد. -فلمّا قرأه الوالد قال: يا سيف الدين، كلّ أحد يعلم أن العرب أعدايى، وهو أيضا يتحقّق ذلك. وإذا سمع من أعدايى فى حقّى يفعل ما استعمله الله وما هى دنيا بلا آخرة. فأنا رجل لا اطّلعت لا على عثمان ولا على غيره. - فقال له بثار: يا جمال الدين، احترز! فإنّ والله أولاد زامل عمّالين عليك عنده. وأنت خشداش أستاذى القديم وقد نصحتك. -فقال الوالد: فى الله الكفاية. -ثمّ إنّه احترز على نفسه ونفّذنى إلى القاهرة وقال: اخفى نفسك ولا تظهر، وكشّف ساير ما يتجدّد (١٨) وطالعنى به أوّلا فأوّلا! - ثمّ إنّه ما عاد يقيم إلاّ بالبرّيّة، ولفّ عليه جماعة من عرب العايد، شخصا (٢٠) يسمّى بهادر العايدىّ وجماعته، وجماعة من بنى وليد يوسف بن إبراهيم وأولاد شمخ. وأجمع رأيه، متى حضر إليه من يرى منه شرّ

стр. 4099

مسكه، وتوجّه فى البرّيّة إلى خدمة مولانا السلطان الملك الناصر بالكرك. وكان هذا الحال عند تحريك الركاب الشريف إلى دمشق أوّل مرة ودخل العبد إلى القاهرة. واختفيت وعدت أستملى الأخبار من بهاء الدين أرسلان الدوادار. فإنّ كان بينى وبينه أخوّة قديمة من حين كان فى بيت طقجى. وتأكّدت الصحبة والأخوّة فى بيت سلاّر. فكان يخبرنى بكلّ ما يتجدّد، وأنا أطالع به الوالد. ثمّ إنّ بيبرس أشغله الله تعالى عنّا بما هو أهمّ من أمرنا وكان هذا الكتاب الذى ورد على الوالد ﵀ من بيبرس على يد بثار بخطّ المولى كمال الدين محمد بن الأثير ﵀، وكان بيننا من الصحبة القديمة ما لا تحدّ بوصف، وكأنه اطّلع على ما نواه لنا بيبرس. فكتب للمملوك كتابا (١١) فيه تشوّق واستيحاش، ومن جملته يقول: والمولى المخدوم الوالد بحمد الله سديد الرأى. -ففكرت فى هذه اللفظة إذ هى ليست من بلاغته المشهورة. وإذا هو قد عنى ولوّح إلى واقعة سديد الملك مع جلال الدولة صاحب حلب، وقد تقدّم شرحها فى هذا التأريخ ممّا يغنى عن إعادتها ولاشتهارها. فلمّا فهمتها علمت أنّها قصده بذكر سديد فأجبته: إن مملوك مولانا المخدوم وعريق بابه الوالد لم (١٦) يكن له رأى فيما اتّهم به. -فلمّا حصل للمملوك الاجتماع بخدمته بعد ذلك رأيته كثير التعجّب من إدراكى لذلك، وكان ما يبرح يذكر ذلك فى الملا والخلا ببديع ألفاظه (١٩) الحسان، ويكسونى وأنا عريان، رحمه الله تعالى وعوّضه عن دنياه بالجنان!

стр. 4100

ثمّ إنّ بيبرس لمّا بلغه تقدّم الركاب الشريف الناصرىّ من الكرك إلى دمشق، وأنّ ساير النوّاب أذعنوا له بالسمع والطاعة، وكان يظنّ أنّ الأمر بخلاف ذلك، وكان معتقدا على اثنين يظنّ أنّهما لا يدخلا تحت الطاعة: الأمير شمس الدين قراسنقر نايب حلب والأمير جمال الدين نايب الشأم. فأمّا قراسنقر فكان فى أوّل الحال قاتلا (٥) ومقتولا عليه إلى حيث زرّق عليه من أسقى ولده ناصر الدين محمدا (٦) ﵀، وتحقّق قراسنقر ذلك منه وقتل أستاداره الذى كان أسقى ولده فخر الدين ألطنبا أستاداره (٧). فعاد من ذلك الحين يراييه ويداجيه. وكان ظنّ بيبرس أنّ قراسنقر ما فى نفسه منه شى، وأنّه ما (٩) فهم عنه أنّه الذى سقى ولده. فهذا كان سبب انحراف قراسنقر عنه. وأمّا الأفرم فإنّه ما دخل تحت الطاعة إلاّ عن غلوبية ومن تحت القهر ثمّ إنّ الناس عادوا يغشّون بيبرس فى الكلام، ولا ينصحونه لبغضهم فيه. ثمّ إنه رأى أن يؤمّر (١٣) جماعة من مماليكه، فأمّر تقدير أربعين نفرا منهم طومان وصفنجى وقرمان وتكا وعلم الدين أستادار وصديق وبيبرس الجمدار واللقمانىّ وجعله جاشنكيرا مع جماعة أخر فى تعدادهم طول بغير فايدة. ولقد بلغنى عن صديق أنّه لمّا فرّق مثالات إمرته على من استخدمه ردّ شخص منهم مثالا (١٧)، فقال له: يا أخا القحبة، ما ترضى تخدمنا دولة المشمش أربعين يوما؟ -فكانوا يتحقّقون أنّ هذه الإمريات لا تتمّ لهم. ثمّ إنّ بيبرس نفق فى الجيش المصرىّ بكماله

стр. 4101

وبلغنى ممّن أثق به أنّه لمّا نفق فى الجيش فتح له فأل من الختمة المطهّرة، فطلع فى أوّل سطر ﴿لَوْ (٢)﴾ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ (٣) قال: فطبّق الختمة وبكى، وقال: لا حول ولا قوّة إلاّ بالله العلىّ العظيم ثمّ إنّه جرّد العساكر وجعل المقدّم عليهم الأمير سيف الدين برلغىّ، وكان أخاه (٦) ومعتقدا عليه اعتقادا عظيما، وأنعم عليه بثلاثين ألف دينار عين مصريّة. وخرجت العساكر كما قال الله تعالى ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتّى﴾ (٨) فتقدّم الأمير جمال الدين آقوش الأشرفىّ نايب الكرك ونزل بمنزلة الصالحيّة بمن معه من الأمرا. ونزل الأمير سيف الدين برلغىّ بمنزلة الخطّارة وكنت قد ظهرت بعد ذلك وخرجت إلى الوالد. فكنّا مع الأمير سيف الدين برلغىّ. فلمّا كان يوم الأحد رابع عشر رمضان المعظّم حضر إلينا شخص بدوىّ من العايد يسمّى ركاب بن ريّس وقال لنا: هذا ثوى من عند الملك الناصر وعاينته بعينىّ هاتين، وهو كالأسد وجميع النوّاب فى خدمته. -وعدّدهم واحدا واحدا (١٥). فلمّا سمع الوالد ذلك منه أخذ البدوىّ وأتينا به إلى الأمير سيف الدين برلغىّ وهو جالس بالشّتر الكبير بمنزلة الخطّارة. فلمّا رأى الوالد طلبه إلى عنده وتحدّث معه ساعة. وأذّن المغرب فصلّينا جميعا. وقام برلغىّ إلى الخيمة المناميّة وقال: جمال الدين، أحضر لى هذا البدوىّ! -فتوجّهت أنا وأحضرته. ودخل إلى عنده الخيمة المناميّة. فقال له: حدّثنى ولا تكذب، أشنقك. -فشرع

стр. 4102

يحدّثه من أوّل قدوم مولانا السلطان إلى دمشق إلى حين ما قال: ووصل إليه الأمير شمس الدين قراسنقر من حلب، -فقال برلغىّ: تكذب، يا قوّاد، الأمير شمس الدين ما جاءه. -فقال: يا خوند، وحياة رأسك، رأيته بعينىّ هاتين-وأشار بإصبعه إلى عينيه-وأنا رفيقهم إلى الرملة. -فقال برلغىّ: كذبت يا فاعل يا تارك! يا جمال الدين، أخرج وسّط (٥) هذا القوّاد! -فقال: يا خوند، أنا قد حصّلت، (فإن ردت توصطن وصطن، وإن ردت تشنقن اشنقن) (٧). فأنا، والطلاق يلزمنى (٧_) ثلاثا، رأيته بعينىّ وهو مع الملك الناصر فى قلب الحلقة. -يقول البدوىّ بهذا اللفظ: بعينه، وأنا أسمع، فسكت ساعة. وقال: أخرج وسّطه! -وعيّط عيطة قوية. فجرّينا البدوىّ وأخرجنا <هـ> وجرّدناه من ثيابه. وجذب السيّاف السيف ومدّيناه. فخرج مملوك اسمه قرا، فقال: إن صدق لا توسّطه. -هذا كلّه والبدوىّ يصيح: وحياة الأمير! ما كذبت. واجعلنى عندك فى الزنجير! فإن كنت (كذبت وسّطن) (١٣)، وأنت فى حلّ من دمى. -فرسم: أرجع أن ندعه فى الزنجير. - ثمّ طلب والدى وقال: يا جمال الدين، خذ هذا القوّاد إلى عندك ولاطفه واستصحّ خبره، ولا تنام حتى تردّ على (١٥) خبره. -فأخذناه وأتينا به وطاقنا وغلبنا فيه وهو ما يخرج عن قوله فبينا نحن معه فى الكلام إذ حضر مملوكه قرا وقال: أمير جمال الدين، كلّم الأمير. فخرجنا أتينا إليه، فوجدناه لابس خفّه ببغلطاق تترى مسدود وقدّامه موكبيه. فلمّا رأى الوالد تحرّك له وأقعده وقال: أيش

стр. 4103

صحّ عندك من حديثه، يا جمال الدين؟ -فقال: والله، يا خوند، الحق أبلج والبدوىّ صادق، ما فيه شكّ. والأمير بحمد الله ملك، وعقلك يوازن الجبال. والمصلحة تقتضى أن تبادر أمرك فى مصلحة يعود نفعها عليك، والرأى رأى الأمير. -فقال: والله، يا جمال الدين، أنا أعرف دينك وأمانتك، ولا أشكّ فى نصحك. وأنا علمت أنّ من أوّل يوم جلس هذا الرجل أنّه ما يفلح يعنى عن بيبرس. -فقال الوالد: يا خوند، الأمور بيد الله تعالى ولا لأحد تصريف، والملك ملكه يهبه من يشا. -فالتفت إلى مماليكه، فأشار إليهم، فخرجوا الجميع، وأنا فى جملتهم، وتحدّث مع والدى ساعة. ثم طلبنى فدخلت، فأنعم علىّ بخمسين دينار ولبّسنى بغلطاق نارنجى بسنجاب. وخرجنا من عنده فسألت والدى: أيش تحدّث معه؟ -فقال: قال لى، يا جمال الدين، والله كلّ هذا عمايل سلاّر وهو سبب هذه الفتنة أوّل وآخر. فلا جزاه الله خيرا (١٣)! أيش عندك من الرأى، فأنت قرناص ومملوك مصر قديم؟ فلا تغشّنى بدين الإسلام. فأنا وأنت فى هذا الوقت شى واحد، والنصح من الإيمان، -قال. فقلت (المستشار مؤتمن) (١٥) والله ما عندى من الرأى غير ركوبك فى هذه الساعة وتوجّهك إلى خدمته. فإنّ هذا الجيش جميعهم ما يعوقهم سواك. وو الله، يا خوند، لا تظنّ أنّ معك منهم أحدا (١٨) إلاّ بالظاهر ولا ينتظرون إلاّ حتى تقع العين فى العين، وقد توجّهوا الجميع إلى الملك الناصر. وهذا رأيى، وقد نصحتك والسلام. -فقال لى: جزاك الله خيرا (٢٠)، والله العظيم، كأنّك مطّلع على ما فى باطنى، وهذا عزمى إنشا الله تعالى. فاخرج واكتم هذا الأمر! -قال والدى: ثمّ طلبك

стр. 4104

وأعطاك، فقلت له ما اختشيت: لا يكن قد أراد ينظر ما عندنا. فإنّ نحن متّهمون عندهم بمناصحة السلطان الملك الناصر. -فقال: والله، يا ابنى، وضع يده على يدى، أجدها أبرد من الرصاص وسمعت أمعاه تقرقر فى بطنه بأذنى. فعلمت أنّه قد داخله الزّمع. فلأجل هذا أبحت له ما كان عندى. -فلمّا كان تلك الليلة نصف الليل ركب وطلب الركاب الشريف الناصرىّ. وهذا كان أكبر أسباب توجّه برلغىّ، والله أعلم وكان قبل التجاريد والنفقة وإمرة من أمّر من مماليكه وغيرهم قد عقدوا مجلسا، وأحضروا القضاة الأربعة، وقرءوا (٨) الكتاب الذى زعموا أنّه أنفذه مولانا السلطان من الكرك بنزوله عن الملك. فقال القاضى بدر الدين بن جماعة: لا يمكن إثبات هذا الكتاب إلاّ بمن يشهد على لفظه أنّه نزل عن الملك اختيارا لا اضطرارا (١١). وكان الكتاب بخطّ القاضى علاء الدين بن الأثير ﵀، وكان قد حضر من الكرك المحروس لمّا سيّر بيبرس إلى مولانا السلطان علاء الدين مغلطاى يت أغلى يطلب منه جميع ما عنده من آلات الملك ويرعد ويبرق. فاتّكل مولانا السلطان على الله وسيّر جميع ما طلبه منه وثوقا منه بالله تعالى واتّكالا عليه. فأمر بيبرس فى ذلك الوقت أن يحضروا لعلاء الدين بن الأثير. فخرج إليه اليونسىّ وبشّاش، فأحضروه وهو يرعد شبه القصبة لما فعلا به من النكال والتهديد. ثمّ لاقاه تباكز فى سلالم الرواق، وكان الاجتماع بدار النيابة، فقال له: اسمع! والك، والله متى لم تشهد على الملك الناصر أنّه رسم لك أنّك تكتب هذا الكتاب، وأنّه لفظ بالنزول عن الملك! أخرجت

стр. 4105

هذا السيف من جنبك. -وحيّد من سيفه أربعة أصابع. هذا وهم يعسفوه فى الطلوع. سحب، ثمّ أجلسوه وأحدقوا به. وسأله القاضى بدر الدين ابن جماعة وقال: يا علاء الدين، هذا الكتاب خطّك؟ -قال: نعم. -قال: فأنت تشهد على الملك الناصر أنّه نزل عن ملكه اختيارا منه وتنزّها عنه؟ -قال: لا. -فنخس تباكز بعقب السيف فى جنبه. كاد يغمى عليه، فتأوّه لذلك. وقال: المراد من المملوك الصدق أو الكذب؟ - فقال القاضى بدر الدين: معاذ الله، المقصود الصدق منك، وذلك اللايق (٧) ببيتك. -فقال: يا مولانا، أخرج إلىّ أيدمر الدوادار هذه المسودّة التى كتبت منها هذا الكتاب، فكتبته عليها، ولم أسمع من الناصر لفظا (٩)، فأشهد به، ومهما نزل من الله تعالى كان محمولا (١٠) على الرأس والعين، وبكى، - قال. فدمعت عين القاضى بدر الدين. وأقاموه أيشم قيام ونزل. والذارع منهم من يشتمه ويبصق فى وجهه وينخسه فى جنبه وكادت روحه تروح. ثمّ إنّهم بعد ذلك لفّقوا تلفيقا سقيما. وجدّدوا الأيمان لبيبرس، ونفق وجرّد وكان ما ذكرناه ذكر سبب توجّه القاضى علاء الدين ابن الأثير فى ركاب مولانا السلطان إلى الكرك وذلك لمّا عزم مولانا السلطان خلّد الله ملكه إلى التوجّه إلى الكرك المحروس كان متولّى ديوان الإنشا الشريف القاضى شرف الدين بن فضل الله. وهؤلاء بيت بنى الأثير وبيت بنى فضل الله كفرسى رهان على

стр. 4106

هذا المنصب من أوايلهم ممّا يطول الشرح فى تعدادهم. فلمّا فهم شرف الدين بن فضل الله بواطن الأمور وأنّ مولانا السلطان يقصد الكرك وأنّ الدولة دولة البرجيّة، اعتذر عن التوجّه فى ركاب السلطان. فقال له مولانا السلطان: فاندب معى من تعرف أنّه يصلح من الجماعة الموقّعين. فعيّن شرف الدين على كمال الدين محمد بن عماد الدين إسمعيل ابن تاج الدين أحمد بن الأثير. وكان كمال الدين أفضل الجماعة بعد شهاب الدين محمود. فقال القاضى شرف الدين بن فضل الله لمولانا السلطان: عندى شخص من بنى الأثير، ما يوجد له نظير، فى الفضيلة والكتابة والمعرفة التامّة والأصالة، وهم أصحاب هذه الوظيفة (٩) ونحن دخلا عليهم. -وأطنب فى مدحهم إطنابا كثيرا (١٠). وكان المقصود خلاف ذلك، وأن إذا كان من بنى الأثير هذا الذى قد انتشا كالجمرة الوقّادة وقد اختشاه على المنصب فأراد دفعه وإنحاس بقيّتهم فى الدولة البرجيّة. فكان كما قيل: دفعه نفعه. هذا ولم يعيّن لمولانا السلطان اسم أحد من بنى الأثير. فقال مولانا السلطان: جهّز هذا الذى بتعنى عنه وبتصفه بهذه الأوصاف. فخرج القاضى شرف الدين بن فضل الله وطلب لكمال الدين وتحدّث معه، فأبى عليه كمال الدين. وقال يا مولانا، ما من واجب حقوقنا عليك أن تفرّق بيننا وبين أقاربنا. وامتنع من ذلك ولا أمكن القاضى شرف الدين أن يكرهه لما يعلم منه. فحار فى أمره وكونه ذكر لمولانا السلطان ابن الأثير. وكان القاضى علاء الدين رقيق الحال عن بقيّة أقاربه. فلمّا بلغه امتناع كمال الدين اجتمع بالقاضى شرف الدين بن فضل الله وقال: أنا أحقّ بخدمة هذا السلطان. -وسأل لشرف الدين على ذلك، فما صدّق شرف الدين

стр. 4107

بذلك ليشدّ قوله عند مولانا السلطان. فاتّفق الحال على القاضى علاء الدين كرها (٢) من أقاربه وبغير رضاهم، وجرت عليه منهم أمور كثيرة لمنعه. وهو لا يزداد إلاّ تصميما على السفر فى الركاب الشريف لسعادة جدّه وقوّة سعده، فخرج، وقد لحظته السعادة وحرّكته الإرادة. فوقع من مولانا السلطان موقع السهم من الغرض. فلمّا عاد الركاب الشريف وقصد أن يولّى ديوان الإنشا صاحبا، أعرض جماعة من كبار الموقّعين كلّ منهم يظنّ أنّه سحبان زمانه، وعبد الحميد فى بلاغته وبيانه. والإرادة قد سبقت للقاضى علاء الدين، من قبل ذلك الحين. ثمّ إنّ مولانا السلطان قال لشرف الدين ابن فضل الله: ما أنت القايل لى عن ذلك الشابّ الذى من بنى الأثير، ما قلت ووصفته بما وصفت، وإنّه من بيت هم أحقّ بهذه الوظيفة (١٠)، وأنتم دخلا عليهم؟ - فلم يمكنه أن يقول إلاّ: نعم، -فقال: وأنا أيضا جرّبته فوجدت جميع قولك فيه صحيحا (١٢). -ثمّ رسم له بالمكان دون أوليك النفر جميعهم، وأقيم من بينهم وأخلع عليه. وجلس ودخل أوليك الجميع، وقبّلوا يده، وصار من القاضى علاء الدين ما شاع وذاع، حتى تشرّفت بحسن مآثره الأسماع ذكر نزول بيبرس عن الملك وهروبه وذلك لمّا بلغه توجّه برلغىّ إلى الركاب الشريف الناصرىّ وصحّ ذلك عنده، نزل عن الملك وأبرأ الناس من بيعته فى تأريخ ما تقدّم. وخرج من القلعة طالبا للصعيد واستصحب معه الخزاين والأموال. وكان قبل ذلك بأيّام قد سلّطوا عليه العامّة والخرافيش. وعادوا يتردّدون إلى تحت القلعة ويقولون:

стр. 4108

قم واستحى من الله! وخلّى مكان الرجل! انزل عن مكان لا يصلح لك! - وأشيا قباح. وعادوا يخرجوا إليهم الوشاقيّة من الإصطبل، فيرجموهم ولا ينالوا منهم غرضا (٣). فلمّا كان تلك الليلة عند نزوله وخروجه تعبّؤوا له ورجموه بالمقاليع وبالكفّ. فربّما أرموا لهم دراهم جيّدة اشتغلوا بها عنه حتى ساق وخلاّهم. وتوجّه صحبته مماليكه وجماعة من الأمرا البرجيّة وكريم الدين الكبير، ومشى فى برّ الشرق. هذا ما جرى لبيبرس وأمّا ما كان منّا، فأصبحنا صبحة توجّه برلغىّ، فلم نجد ثمّ أحدا (٧)، بل الناس جميعهم توجّهوا لملتقى مولانا السلطان الملك الناصر عزّ نصره. وبلغنا هروب بيبرس، فالوقت ركب الوالد البريد ودخل القاهرة واجتمع بالأمير سيف الدين سلاّر وأخذنا جمال النفر السلطانىّ، وجهّزنا الإقامات الكبيرة. وخرج الوالد ﵀ والعبد فى خدمته صحبة الإقامات، فلقينا الركاب الشريف السلطانىّ الملكىّ الناصرىّ-أعلاه الله تعالى على أرقاب أعداه، وجعله مؤيّدا بالنصر والظفر على كلّ من عاداه-بمنزلة الورّادة. فنزلنا وقبّلنا الأرض بين يدى المواقف الشريفة، وفزنا بمشاهدة تلك الأخلاق اللطيفة. فحصل لنا من الجبر والإقبال، فوق الظنّ والآمال. وألبسنا الخلع السنيّة، وقد بلّغنا الله تعالى غاية الأمنيّة. وكانت الإقامات شيئا (١٧) كفت جميع تلك الجيوش القادمة فى ركابه الشريف حتى شبعت منها الوحوش. وكان الوالد ﵀ أرمغان (١٨) فى أموره وكفايته، لحسن يقينه بالله تعالى وتوكّله وأمانته. ولم نزل فى الركاب الشريف إلى أن نزل بركة الحجّاج، وجيوش مصر والشأم كأمواج البحر العجاج

стр. 4109

وكان طلوع الركاب الشريف إلى قلعة الجبل المحروسة، وأصبحت بعد الاستيحاش منه به مأنوسة، وحصلت الأفراح، وزالت الأتراح، واطمأنّت القلوب، وانفرجت الكروب، وعاد الحاكى فى الحسن يوسف على الحاكى فى الحزن يعقوب، غرّة شهر شوّال. وقد بلغت الديار المصريّة بحلول ركابه الشريف غاية الآمال، فكان ذلك العيد عيدا (٥) فى عيد، لموافقة هذا العيد، حلول ركاب الملك الناصر السعيد. فلمّا استقرّ البدر فى الهالة، ووجب على كلّ من عليه نذر أن يوفّيه لمّا بلّغه الله آماله، فمن كان عليه صيام فليصمه ويؤدّيه (٨)، ومن كان عليه صدقة فليطلب كلّ مستحقّ ويوافيه، ومن كان عليه عتق ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ (٩) ومن كان عليه حجّ فليسلك فى عامه طريق العقبة. فقد استحقّت جميع هذه النذور، لمشاهدتنا أنوار تخجل البدور. فلله الحمد على ما أولى، وله المنّة فى الآخرة والأولى ثمّ برزت المراسم الشريفة، والأوامر العالية المنيفة، أن يتوجّها الأميران: وهما الأمير ركن الدين بيبرس الدوادار والأمير سيف الدين بهادر آص ويلحقا بيبرس الجاشنكير، ويتوجّها إلى قلعة صهيون حسبما يأتى من ذكر ذلك بعد ذكرنا لمدايح التهانى، بقدوم الركاب الشريف السلطانىّ، عزّ نصره

стр. 4110

ذكر ما اتّصل بنا من مدايح التهانى البديعات الألفاظ والمعانى القاضى ناصر الدين شافع بن عبد الطاهر ﵀ يقول <من الطويل>: لك الله فى كلّ الأمور معين ... وبالنجح فيها كافل وضمين فلا غرو إن هانت عليك مصاعب ... وصعب ذوى القدر الجليل يهون فكن واثقا بالنصر يا ناصر الورى ... ووارث ملك الأرض حيث تكون بكتك عيون حين ولّيت معرضا ... وقرّت وقد وافيتهنّ عيون ودانت لعلياك الرقاب تديّنا ... به يا وحيدا فى الزمان تدين تولّت أعاديك الهموم فأصبحوا ... وجلّ مناهم فى الحياة منون وحاروا وجازوا من سطاك وكلّهم ... بما كسبوا بالميل عاد رهين لقد دان عال فى الظنون مهابة ... أتى الفتح لمّا أن دنوت ودون أيا ملكا قد مكّن الله ملكه ... وأضحى به الحقّ المبين مبين ليهن الورى أن عدت للملك سالما ... يجمّله منك العلا ويزين القاضى شمس الدين بن سوادة يقول <من المتقارب>: أيا ملكا جاء بالمعجزات ... وأيّد عنه اضطراب الأمور عزمت على الملك عزم الملوك ... وقمت برأى سعيد كبور وجيت بعيدين فى شهرنا ... فعيد القدوم وعيد الفطور ونولك الله ما رمته ... وسهّل بالنصر صعب العسير وأقبل نحوك جيش البلاد ... ألوفا ألوفا بجمّ غفير

стр. 4111

ولو أمكن السعى كلّ القلاع ... لجاءت إليك وكلّ الثغور وقلعة مصر فقد عمّها ... جزيل التهانى وفرط الحبور فلا زلت تملك رقّ الملوك ... وتعفو عن الذنب للمستجير وبغداد لا تنسها إنّها ... مخبأة لكم فى الخدور شهاب الدين أحمد الشرمساحىّ يقول <من البسيط>: ولّى المظفّر لمّا فاته الظفر ... وناصر الحقّ وافى وهو منتصر وقد طوى الله ما بين الورى فتنا ... كادت على عصبة الإسلام تنتشر لله عقبى الناس قد رجعت ... إلى الصلاح الذى قد كان ينتظر (٨) فنالهم من بعد خوفهم أمن ... تشاركت فيه أهل البدو والحضر فلتطمأنّ قلوب أمنها رهب ... ولتغمضنّ عيون نومها سهر الله أذهب عنّا الحزن فانفرجت ... عن القلوب كروب صفوها كدر إنّ الزمان الذى عمّت إساءته ... على البريّة أمسى وهو معتذر فقل لبيبرس إنّ الدهر ألبسه ... أثواب عارية فى طولها قصر وقد أتى يستردّ الآن ما غلطت ... به عليه ليال دأبها الغرر لمّا تولّى تولّى الخير عن أمم ... لم يحمدوا أمرهم فيها ولا شكروا فما مشى للورى حال بدولته ... ولا استقاموا على الحسنى كما أمروا وكيف تمشى به الأحوال فى زمن ... لا النيل أوفى ولا وافى به مطر وكلّ خضراء أمست وهى يابسة ... والرزق تيسيره للمرتجى عسر هيهات قد دهمته كلّ نايبة ... لقدر كلّ عظيم عندها صغر

стр. 4112

والناصر بن قلاؤون مواكبه ... مازال يصحبها التأييد والظفر يا أيّها الناصر الميمون طايره ... نصرت بالرعب والأعداء قد قهروا فالله يبقيك فى خير وعافية ... فالمسلمون إلى بقياك تفتقر محمد بن موسى الداعى يقول <من الطويل>: تهنأت الدنيا بمقدمه الذى ... أضاءت له الآفاق شرقا ومغربا وأمّا سرير الملك فاهتزّ رفعة ... ليبلغ فى التشريف قصدا ومطلبا وتاق إلى أن يعلو الملك فوقه ... كما قد حوى من قبله الأخ والأبا وقوله <من الكامل>: الملك (٩) ... عاد إلى حماه كما بدا ومحمد بالنّصر سرّ محمدا وإيابه كالسيف آب لغمده ... ومعاده كالورد عاوده الندى الحقّ مرتجع إلى أربابه ... من كفّ غاصبه وإن طال المدى يا وارث الملك المعظّم تهنه ... واعلم بأنّك لم تسد فيه سدى من صنو أسلاف ورثت (١٣) ... سريره فوجدت منصبه السمىّ ممهّدا يا ناصرا من خير منصور أتى ... كمهنّد خلف الهداة مهنّدا آنست ملكا كان قبلك موحشا ... وجمعت شملا كان منه تبدّدا فتهنّ عيدا لم يجد مثلا له ... فى الدهر خلق صام قبل وعيّدا فالناس أجمع قد رضوك مليكهم ... وتضرّعوا أن لا تزال مخلّدا وتباركوا بسناء غرّتك التى ... وجدوا على أنوار بهجتها هدى

стр. 4113

الله أعطاك الذى لم يعطه ... ملكا سواك برغم آناف العدى لا زلت منصور اللواء (٢) ... مؤيّد ال عزمات ما هتف الحمام وغرّدا محمد المنبجىّ فى المعنى يقول <من البسيط>: قضت ظباك على أعدايك الظفر (٤) ... والحكم فى الملك للهنديّة البتر فطل بهمّتك العلياء مفتخرا ... فباع همّة من عاداك ذو قصر فأنت من ذكره بالبأس شاع وبال ... إقدام فى الناس يوم النفع والضّرر وذكر سيرته الحسناء مشتهر ... فقد غدت غرّة فى أوجه الدهر ما أرّخوا قبلها مثلا لها أبدا ... أهل التواريخ من بدو ومن حضر نشأت فى حجر هذا الملك مرتضعا ... لثديه غير مفطوم من الصّغر وحين آل إليك الأمر وامتثلت ... منه المراسم فى ورد وفى صدر أعرضت عنه (١١) ... لأسباب علمت بها وخبر شهرتها يغنى عن الخبر وعدت ثانية يقظان محترسا ... وبتّ من كبد تخشى على صدر وهذه العودة الغرّاء ثالثة ... تقضى لك الحقّ فى أيّامك الأخر (١٣) فارقت ملكك مختارا لمعرفة ... بنيّة العود تسليما إلى القدر وبعد ما سرت عن مصر وساكنها ... وغبت عنها وعنهم غيبة القمر لاموك فى كلّ ما دبّرت من حيل ... بليغة نسبوها منك للضّجر إن غبت عن وطن كادت تغيّره ... للبعد عنه وحشاه (١٧) من الغير فالشمس أحسن ما تجلى إذا بزغت ... من بعد غيبتها ليلا عن النظر يفديك من نال ما قد نال مختلسا ... ما ليس أهلا لا بالكيد والحقر

стр. 4114

وقدّم الجيش للّقيا فأخّره ... عن نيل ما يتمنّى شدّة الخور (١) وأدبر السعد والإقبال عنه وقد ... ولّى بذلّ وخذلان على الدّبر ضاقت بما رحبت أرض عليه فقل ... فى هارب الخوف: لا ينفكّ منحصر (٣) بالناصر الملك العالى الركاب فتى ال ... منصور خير ملوك الترك والخزر سدّت عن الناس طرق الظلم واتضحت ... سماء رزق ببذل منه منهمر (٥) فالناس من وجهه أضحوا ونايله ... فى روضة زيّنت حسنا وفى نهر ألقى (٧) ... الإله عليه من محبّته فاشتاقه كلّ ذى سمع وذى بصر وأسكن الحبّ فى كلّ القلوب له ... بين البريّة من أنثى ومن ذكر (١٠) ... أبا المظفّر لا زالت جيوشك بالت أييد محفوفة بالنصر والظفر بقيت ناصر هذا الدين ما سجعت ... بالدوح ورقاء فى الآصال والبكر (١١) ودام ملكك ما هبّت رياح صبا ... وفتّحت فى رياض أعين الزهر ناصر الدين بن النقيب فى المعنى يقول <من الخفيف>: عاد للملك صاحب الملك عادا ... ثمّ أبدى النعما لنا وأعادا مرحبا مرحبا بأوفى ملوك ال ... أرض قدرا فى ملكه وسدادا أىّ بشرى بعودة الملك النا ... صر سرّت فى الخافقين العبادا (١٥) عودة جدّدت هناء وأفرا ... حا وردّت أيّامنا أعيادا (١٦) عيد فطر وعيد فتح وعيد ... بقدوم الذى على الخلق سادا ملك شرّف الممالك والعص ... ر وأوفى على الملوك وزادا

стр. 4115

من أبوه قلاون الملك ال ... أعظم كانت له المعالى بلادا أسكن الخوف فى قلوب أعادي ... هـ فولّت تطوى الرّبى والوهادا قرن الرعب فى محمد بالنص ... ر ولم يشرع القنا الميادا (٣) وأذلّت له المهابة أعدا ... هـ فأعطوه صاغرين القيادا كم دعونا حتى رجعت إلينا ... وصبرنا حتى بلغنا المرادا هم أرادوا إطفاء نورك والله تعالى إظهاره قد أرادا زادك الله يا محمد فى المل ... ك اقتدارا وفى الحياة امتدادا آمين آمين آمين، يا ربّ (٨) العالمين، تمّت وفيها استقرّت (٩) النيابة بمصر للأمير سيف الدين بكتمر الجوكندار. وأنعم على الأمير سيف الدين سلاّر بالإقامة بالشوبك حسب سؤاله، وخرج فى شهر شوّال. واستقرّ فى الوزارة الصاحب فخر الدين بن الخليلىّ الدارىّ، والحاجب الأمير شمس الدين الكمالىّ، وأمير النقبا الأمير علاء الدين طيبرس بحاله. وأنعم على الأمير شمس الدين قراسنقر بنيابة دمشق، والأمير جمال الدين الأفرم بنيابة طرابلس (١٤) -كان الأمير جمال الدين الأفرم قد توجّه أوّلا إلى صرخد والحاجّ بهادر <إلى> طرابلس، فلمّا توفّى الحاجّ بهادر عاد الأفرم إليها- (١٦) والأمير سيف الدين قبجق بنيابة حلب، والأمير سيف الدين أسندمر حماة، والأمير سيف الدين قطلوبك صفد، وقطلقتمر غزّة (١٨) وفيها تجهّز الأمير شمس الدين قراسنقر للتوجّه إلى دمشق، وتقرّر معه الحال مسك بيبرس من الطريق حسبما نذكر ذلك بالمشاهدة دون السماع

стр. 4116

وفيها مسك مولانا السلطان أعداه، عدّة ثلاثين أميرا من كباش البرجيّة، ليس فيهم من كان عاد يحسب حساب المنيّة، وأنجز الله تعالى على يد مولانا السلطان ما كان لهم من الوعيد ﴿وَما رَبُّكَ بِظَلاّمٍ لِلْعَبِيدِ﴾ (٣) وكانت السجون خلا، فعادت ملا ﴿وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ (٤) ومن أعظم ما يؤرّخ ويسطّر، ويذكر ويشهر، ويثبت فى السير، شجاعة مولانا السلطان التى فاقت من تقدّم وأربت على من تأخّر. وذلك أنّه نصره الله وقد فعل، لعظم قوّة شجاعة براعة هذا السلطان البطل، قبض على هؤلاء القوم، فى ذلك اليوم، وركب من غده باكر، كالليث الكاسر، والنّمر الجاسر، ليس عنده اكتراث، وقد جعل أموال تلك الأمرا للورّاث. وهذه نكتة يفوق بها مولانا السلطان على ساير ملوك الدنيا، الأموات منهم والأحيا، فيما حوى العامر، دون الغامر، من الأرض، فى طولها والعرض، منذ كانت الدنيا، وإلى يوم العرض وفيها قتل الأمير جمال الدين آقوش الرومىّ على منزلة السويس، وذلك أنّ بيبرس قبل نزوله عن الملك، لمّا عادوا الناس يقصدون الركاب الشريف السلطانىّ الناصرىّ من كلّ قطر وفى كلّ طريق، جرّد جماعة لحفظ الطرقات، ومنع من يريد التوجّه إلى الركاب الشريف، وجرّد آقوش الرومىّ لحفظ هذه الطريق. وكان فى مماليكه كبيرهم يسمّى سليمان تركمانىّ، فحسّن لرفقته قتل أستاذهم وأخذ رأسه والتوجّه به إلى مولانا السلطان عزّ نصره. أرادوا بذلك اليد عنده، ولم يعلموا أنّه نصره الله لا يرى بالخروج عن طريقة العدل، ولا عن سنّة الفضل. فلمّا عاد

стр. 4117

ركابه الشريف إلى ديار مصر المحروسة رسم أن يوسّطوا على حكم العدل وأخذ القصاص، ولم يكن لهم من الموت خلاص ذكر القبض على بيبرس من الطريق وعودته إلى الأبواب العالية قد ذكرنا أنّ مولانا السلطان سيّر إلى بيبرس الأميرين بيبرس الدوادار وبهادر آص، وأن يأخذاه ويتوجّها به إلى قلعة صهيون. وكان مولانا السلطان قد رقّ له ورجع إلى لينه الشريف الطاهر. فلمّا وصلا إليه وهو بالصعيد وبلّغاه ذلك، وجدوه مصمّما (٨) على غير ما أرادوه منه ووجدوا مماليكه الغالبين على أمره. وقد حسّنوا له أن يضرب إلى عيذاب ويعدّى من هناك إلى الحجاز ويدخل اليمن. وجاه المرسوم بصهيون، فعاد متفرّق الآرا مقسّم الفكر. فلمّا رأوه مماليكه على ذلك أجمعوا رأيهم أن يقتلوه وينهبوا الخزاين التى معه، ويقصد كلّ أحد هواه. واطّلع بيبرس الدوادار على ما عزموا عليه. فاختشى العاقبة فخلا به، وقال: قد بلغنى كيت وكيت. وأنت ما يقتلك سوى هذا المال الذى معك. ونقتل نحن أيضا بك. والمصلحة تقتضى أن تعطينى هذا المال، أتوجّه به فى هذه الحرّاقة فى البحر، وأعيده إلى السلطان لنزيده رضى عليك، وينقطع طمع هؤلاء الصبيان الجهلة-. ولم يزل به حتى أنعم، فأخذ الأمير ركن الدين الدوادار المال، ونزل فى الحراقة سرّا فى الليل. فلم يصبح له أثر، وأحضر به إلى الأبواب العالية. فلمّا علموا المماليك أنّ المال فرط فيه الفرط، انقطع

стр. 4118

شوقهم إلى ما كانوا قد عزموا عليه. ثمّ إنّ الأمير ركن الدين الدوادار لمّا اجتمع بمولانا السلطان قال له: هذا رجل قد دخل فى رأسه دخان المشعل وما يجى منه خير. -فتغيّرت عليه الخواطر الشريفة بخلاف ما كانت نيّته له. ثمّ إن بهادر آص لم يزل يثنيه عن كلّ مقصد حتى أجاب إلى التوجّه إلى صهيون. هذا ما كان من بيبرس وأمّا مولانا السلطان-خلّد الله ملكه، وجعل الأرض بأسرها ملكه- فإنّه طلب الوالد ورسم له أن يتوجّه فى خدمة الأمير شمس الدين قراسنقر وأن يجعل من العربان عيونا (٨) وأرصادا على بيبرس فى الطريق البدريّة، ويكونوا يردّوا على الأمير شمس الدين قراسنقر خبره، منزلة بمنزلة وماء بماء. فامتثل الوالد المراسم الشريفة، وتوجّهنا صحبة قراسنقر فى الدرب الشأمىّ. وأخبار بيبرس ترد علينا من عرب العايد منزلة بمنزلة، حتى إذا كنّا بمنزلة رفح انقطع عنّا خبره. فخشى قراسنقر وخاف وطلب الوالد وقال له: يا جمال الدين، والله ما أعرف تحصيله إلاّ منك، فإنّ نحن خرجنا متّكلين على عربك، وهذا أمس واليوم ما جانا خبر. وقد رسم لى مولانا السلطان أنّى لا أطلب أخباره إلاّ منك. -فقال الوالد: يا خوند، نحن سبقنا ولا تخشى! فهو ما يفوتنا بمعونة الله وسعادة مولانا السلطان، لكن ندخل من هاهنا البرّيّة ونفترق ثلاث فرق، وأىّ فرقة وقعت عليه حصّلته. -فقال: أفعل ذلك. -فافترقوا عليه ثلاث فرق: الواحدة مع أنغاى قبجق والأخرى مع أركتمر والثالثة مع قراسنقر. وسيّر الوالد مع كلّ فرقة عربا (٢٠) أدلاء من العايد. ودخلنا البّريّة صلاة الصبح

стр. 4119

فلمّا كان بعد العصر رأينا (١) -ونحن فى فرقة قراسنقر-نجّابا على راحلة عن بعد. فساقوا وأحضروه إلى قراسنقر. فلمّا رأيناه عرفناه، وإذا هو نجّاب بيبرس اسمه يوسف بن جنيد. فقال الوالد للأمير شمس الدين: هذا نجّابه، يا خوند. -فقال له قراسنقر: أين خلّيته، والك؟ -قال: يا خوند، قد حصل سعادة السلطان، وترى قد أخذه أنغاى ونهب جميع ما معه. وأنا ركبت هذه الجادّة هاربا (٦)، وتراه خلف هاتيك الرابية. فسقنا إلى هناك فلم نصل إلاّ (٧) أذان المغرب، فنجد أنغاى قد مسكه وأخذ جميع ما معه حتى سيفه وحياصته وبها ميره، ولم يترك عليه غير قرضية سودا بوجه عنابى مشايخى، وهو جالس على تلّ وأنغاى يتعرّض فى خزانته. فلمّا عاين قراسنقر نهض (١٠) وعاد يجرى إليه. فترجّل له قراسنقر واعتنقه، وعاد بيبرس يبكى وقراسنقر يتباكى. ثمّ إنّ قراسنقر نهر أنغاى، وأعاد على بيبرس سيفه وحياصته وقماشه. وأعرض خزانته فوجد فيها ستّة آلاف دينار وأربعة صناديق بغاليّة دراهم، وأربع عشرة حياصة ذهب، وعشرين كلوتة زركش وقماش وبغالطيق وغير ذلك. فأعرضه وكبته وأعاده إلى أماكنه على هجنه، وركبنا فى الليل وقال: يا جمال الدين، نريد نطلع من هونى (١٦) إلى الزعقة، وتسيّر بدويّا مع هؤلاء (١٧) المماليك إلى الوطاق يرحّلوهم إلى غزّة، ويقيموا بها إلى حين رجوعنا إليهم. فقد عزمت على الدخول معه إلى مصر وأسأل فيه مراحم السلطان وأصحبه معى إلى صهيون. -ثمّ عملنا الليل كلّه نسير على النجوم، فأصبحنا

стр. 4120

الزعقة: ومن هناك كتب قراسنقر مطالعة لمولانا السلطان بمسك بيبرس وسيّرها صحبة ولده أمير علىّ ومملوكه بيخان والأمير سيف الدين أركتمر الجمدار وقال للمملوك الوالد: توجّه صحبتهم على البريد، وابتتل بخدمتهم فى المنازل إلى بلبيس، فإذا بطّقت لك بطاقة من الصالحيّة جهّز الإقامات للأمير شمس الدين قراسنقر، وتسيّر إلينا الإقامات فى المنازل أوّلا (٧) بأوّل. -ففارقتهم من منزلة الزعقة، وصحبت الأمرا المذكورين إلى بلبيس. فلمّا كان سادس يوم وقعت البطاقة بتجهيز الإقامة ببلبيس، فجهّزت شيئا (٩) كثيرا! فلمّا كان نهار الخميس (١٠) عشيّة ذلك اليوم أذان العصر، وصل أمير علىّ ابن قراسنقر وبيخان والأمير سيف الدين أركتمر على البريد من الأبواب العالية عايدين إلى قراسنقر. فنزلوا عند العبد ببلبيس، فأحضرت لهم ما راج. فقال أمير علىّ بن قراسنقر: هذا شى كثير. كيف كان مهيّئا (١٣) لنا؟ -فقلت: هذا ممّا عملناه لأجل ملك الأمرا وحضوره، وطلبنى إلى عنده. -وقال: ملك الأمرا ما بيجى إلى هاهنا وهو بيرجع من مكان نلتقيه. فأين معك خبره هذه الليلة يكون؟ -. قلت: فى منزلة الخطّارة. وكان الاتّفاق أنّهم يبيتوا هذه الليلة ببلبيس (١٧). -فقال: هذا حال انفصل حكمه. -ثمّ ركبوا البريد وتوجّهوا فلمّا كان قبل المغرب وصل الأمير شمس الدين سنقر صهر الأمير سيف الدين أسندمر على البريد. فأخبر المملوك أنّ الأمير سيف الدين أسندمر واصل

стр. 4121

مع عدّة من الأمرا والمماليك السلطانيّة، رسم لهم من الموكب بقبّة النصر. فخرجوا بغير أهبة ولا مأكول ولا مشروب إلاّ على الفور من الموكب. ورسم له أن يتسلّم بيبرس من الأمير شمس الدين قراسنقر، ويعود قراسنقر إلى الشأم. وأنعم عليه مولانا السلطان بجميع ما كان مع بيبرس من الأموال. ووصل سنقر المذكور سابقا لهم. ثمّ إنّه طلب من المملوك قبا فرو يلبسه عارية لكونه عرق من السّوق، والوقت كان فى أوّل فصل الخريف. فأعطيته ما طلب. وقال لى: اخرج القى الأمير سيف الدين أسندمر، فإنّهم متعشّين فى هذا الظلام. يقول بهذا اللفظ، لفظ الشأميّين. فركبت وأخذت المشاعل وأوقفتهم على قبّة سبت ظاهر بلبيس بالجسر وسقت وجدت أوايل الخيل <فى> غيثا، وهم فى تلك الظلمات لا يدرون أين يتوجّهون، وكان أواخر الشهر. فاجتمعت بأسندمر وأخذتهم من ظاهر بلبيس بجهة الحوف على الجسر، وأنزلتهم فى قسوريّة ظاهر بلبيس. وأحضرت لهم جميع ما كنت قد صنعته لقراسنقر ورفقته، وكان شيئا كثيرا (١٣)، عشرين خروفا ما بين شوا وشرايح وجدابة (١٤) ولبن وخمسين طاير دجاج، عشرين منوّعة محشوّة وثلاثين فى شوربا. وكان أسندمر أوّل ما لقيته قال للمملوك: إليك وإلاّ للذيب. -فقلت: لعن الله أبا (١٦) الذيب، يا خوند، ارسم وبس! -بهذا اللفظ. فقال: الجوع، نحن وخيلنا، ولا مكّنّا من الإمهال أن نستصحب معنا شيئا (١٨) -. فقلت: زال الشرّ بسعادة السلطان وسعادة الأمير. -فلمّا رأى ما قدّمناه أعجبه إعجابا كثيرا جدا، إذ كان ظنّه بخلاف ذلك. ثمّ أحضرت ثلاثين أربعين مخلاة وعلّقت فيهم

стр. 4122

على خيله خاصّة نفسه. وعدنا نجمع كلّ خمس أرؤس جميع على عباه (٢) وعلى جل حتى كفينا الجميع. وأكل ذلك العسكر بكماله حتى عادوا الغلمان يتراجموا باللحم ويقولوا: هذه (٣) الراية على هذا الأمير بالوفا، -وأسندمر يستمع ويعجبه. فلمّا فرغوا قال لى: أيش اسمك؟ -قلت: مملوك الأمير، أبو بكر. -فقال: يا سيف الدين، هذا كان مجهّزا (٥) لنا وعلمت بمجينا قبل حضورنا؟ -قلت: لا والله، يا خوند، ما علمت بحضور الأمير إلاّ من الأمير شمس الدين صهر الأمير. -قال: فكيف صنعت فى أسرع وقت؟ -فقلت: يا خوند، مولانا السلطان سعيد الأمور، ناجح الحركات، موفّق المراسم، وحيث أمر وجدوا الناس لأمره أحسن أثر. -فأعجبه أيضا هذا الكلام. ثمّ رسم لمملوك كان معه شابّ حسن اسمه قبليه، فأحضر لى كاملية جوخ مرشوش بفرو سنجاب طرىّ مناميّة، فألبسنى. فلمّا تقدّمت أقبّل يده، قال: أشتهى، يا خيّى، تعيرنى فروتك هذه الليلة لأغيّر، فما معى شى ألبسه. -فرأيت لكلامه لطفا كبيرا (١٣)، فقلعتها، ولبسها فى ساعته وقال: أين أخذت خبر الأمير شمس الدين؟ -قلت: بايت على الخطّارة. -قال: فأىّ وقت نصله؟ -قلت: متى يرسم الأمير يكون وصولك إليهم. -قال: طلعة الشمس. -قلت: يستكنّ الأمير وينام فى حفظ الله! والمملوك تحت رجليك إلى حين ما يتنحنح المملوك. - فغفا إلى أوّل الثلث الآخر، تنحنحت، فقام. وركبت فى خدمته وصرت أحدّثه وهو يستطرف كلامى ويعجبه حتى طلع الفجر بمنزلة

стр. 4123

السعيديّة. فنزلنا وصلّينا الصبح، وركبنا فأشرفنا على الخطّارة أوّل الثانية فلمّا رآنا قراسنقر ركب فى عشرة مماليك ووالدى معه، والتقى أسندمر، وساقا لبعضهم البعض، وتكارشا ونزلا جميعا ولم يكن معهما ثالث، وتحدّثا ساعة زمانيّة. هذا وأنا أنظر إلى ما يفعل بيبرس. فلمّا رأى أسندمر أيقن بالموت. فأخذ شربة نحاس ودخل الخربشت، وخرج توضّأ، وفرش منشفة ووقف يصلّى، فصلّى ركعتين خفيفتين وجلس فى صيوانه وفى يده مسبحة. ثمّ إنّ الأميرين مشيا نحوه، فخرج إليهما وعانقه أسندمر وجلسوا جميعا (٩). ثم أحضروا كريم الدين الكبير وطومان وتكا، وقال قراسنقر لوالدى: يا جمال الدين، قيّد هؤلاء وسيّرهم على البريد. - فذاك الوقت وقعت الصرخة من مماليك بيبرس، وقطع طومان شعره وكذلك تكا، ورموهما على بيبرس وعاد بكا وعويل ونواح من تلك المماليك بالتركىّ. ثمّ أخذنا هؤلاء الثلاثة، وجاء الحدّاد وقيّدناهم تحت الحوض الذى بناه فيها القشّاش. وسفروا على البريد المنصور فى الترسيم. ثمّ إنّ قراسنقر ركب وتوجّه إلى نحو الشأم، وركب أسندمر واستصحب بيبرس وتوجّه إلى ناحية القاهرة. وأخذوا فى ذلك الوقت سيفه وحياصته ومهاميزه، وركّبوه فرس بريد. وكان لم يزل فى دسته ومركوبه مع قراسنقر حتى تسلّمه أسندمر. ورجعنا ولم نزل سايرين إلى العصر أشرفنا على بلبيس. وأخذنا من ظاهرها القبلىّ بطريق الرمل، وبيبرس راكب فى وسط (٢٠) الحلقة إلى جانبه سنقر صهر أسندمر، وأسندمر قدّامهما،

стр. 4124

يتحدّث مع الوالد ويشكر من المملوك، وأعاد إلىّ الكامليّة. فبينما نحن كذلك وإذا بسنقر صهر أسندمر يصيح للمملوك. فرجعت إليه فقال لى: بيطلبك كلّمه، يعنى عن بيبرس. -فشاورت أسندمر فقال: روح، ابصر أيش يريد؟ -فسقت إلى نحوه وقصدت أنّى أترجّل، فمنعنى وقال لى: أين بتنزلوا بنا؟ -قلت: حيث ترسم. -قال: اشتهى تنزل بنا فى مكان تكون فيه موية تجرى، -يقول للمملوك بهذا اللفظ بعينه. فقلت: مرسومك. -ثمّ سقت إلى أسندمر فقال لى: يا ناصر الدين، أيش قال لك؟ -وكأنّه نسى اسمى، فقلت: يا خوند. قال يريد ننزل فى مكان تكون فيه موية تجرى. -فقال لى: ما أسقع ذقنه! -فقلت: يا خوند، بدستور الأمير ننزل فى غيثا فى بستان بهادر المعزّىّ وما يضرّ من هذا شى. -فقال: نعم. -ثمّ نزلنا بهم فى ذلك البستان، وسبقت أنا بثوب سرج مبطّن أفرشه على حافّة المجرى (١٢). فمسك بيبرس طرف ثوب (١٣) السرج وأنا طرفه الآخر وبسطناه على المجرى، وجلس وعاد يأخذ بكفوفه من الماء ويترشّفه ويتنشّقه ويردّه، فعل كذلك مرارا (١٤) عدّة. ثمّ حضر أسندمر وجلس إلى جانبه وأحضرنا لهم ما يأكلوه بعد صلاة المغرب. فأكل أسندمر وعاد يعزم عليه. فأخذ ورك دجاجة محشيّة، وعاد يمضغ فيها وهى لا تنزل. ثمّ طلبوا الخيل وركبوا، وودّعناهم من غيثا ورجعنا إلى بلبيس. وتوجّهوا به إلى الأبواب العالية، وكان آخر العهد به، والله أعلم ولمّا رجعنا إلى بلبيس عاد الوالد وهو يبكى ويسبّ الدنيا وغررها بالإنسان، والشيطان، كيف يلعب بعقل ابن آدم. ثمّ قال للمملوك: والله،

стр. 4125

يا أبا بكر (١)، ما رأيت يوما كان مثل يوم فارقتنا أنت من الزعقة وتوجهت على البريد، وأخذنا نحن بيبرس وسرنا به راجعين متوجّهين إلى العريش. فتقدّم نجّاب لقراسنقر اسمه خنافر وضرب ربابا (٣) قدّام بيبرس وقراسنقر، وقال عليه غناء (٤) مليحا قبيسى فى صورة الحال يبكى الحجارة، فبكى كلّ من كان فى العسكر. -ثمّ طلب الوالد لنقيب العربان يسمّى شرف ابن طراد وقال: قل لبو بكر الشعر الذى قاله لنا خنافر ذلك اليوم، فأنت تحفظه، -فقال شرف: قال خنافر <من الطويل>: فراق الأخلاّ كالزجاج إذا انشظى ... عسى فيكمو لى (٨) من يداوى كسورها عسى فيكمو أو منكمو لى (٩) ... مساعد فقد بلغت الأرواح منّا نحورها وسود الليالى ما وفت بعهودها ... ألا بشّروا الأعدا بباقى سرورها وكم ملك الدنيا ملوك كواسر ... غدوا وتولّى غيرها فى قصورها ولا بدّ ما يغتالنا غامق الثرى ... وتطبق ذا الدنيا علينا قبورها وكان شرف بن طراد أيضا يغنّى القبيسىّ جيدا، فلا زال يغنّيه لنا. ونحن نبكى إلى بلبيس، وهذا آخر ما تحقّقته من أمر بيبرس، والله أعلم وفيها توفّى الأمير عزّ الدين أيبك الخزندار ﵀، والأمير شمس الدين سنقر الأعسر ﵀ قبل حلول الركاب الشريف إلى الديار المصريّة مؤيدا بالنصر وفيها (١٨) توفّى القاضى بهاء الدين بن الحلّىّ ناظر الجيوش، وولى مكانه القاضى فخر الدين، وكان من قبل صاحب الديوان وكاتب الممالك السلطانيّة فاستقرّ كذلك إلى حين وفاته فى تأريخ ما يأتى ذكره إنشا الله تعالى (٢٠)

стр. 4126

وفيها وقع <نزاع> بين أهل حوران وقتل منهم نحو من ألفى نفر وفيها وردت الأخبار أنّ خدابنداه ملك التتار أظهر الرفض وسبّ الصحابة رضوان الله عليهم، وأمر الخطبا بجميع ممالكه إسقاط اسم الخلفا الراشدين من الخطبة وفيها هلك التاج بن سعيد الدولة قبل حلول الركاب الشريف حتى قيل: إنّه سقى نفسه سمّا (٦) وفيها توفّى الشيخ تاج الدين أحمد بن محمد بن عبد الكريم بن عطا المحدّث، قدّس الله روحه، وكانت له جنازة عظيمة ما شهد مثلها ذكر [حوادث] سنة عشر وسبع ماية النيل المبارك فى هذه السنة: الماء القديم ما يخصّ من الحوادث الخليفة: الإمام المستكفى بالله أبو (١٢) الربيع سليمان أمير المؤمنين، ومولانا السلطان الأعظم: الملك الناصر أعزّ الله أنصاره، وضاعف اقتداره، سلطان الإسلام، وملك الأنام، وقد عادت أيّامه التى هى لذاذة كالأحلام، وتشرّفت بها الأيّام، وساير الجمع والشهور والأعوام والنّواب بمصر والشام، حسبما سقناه فى ذلك العام، وهم: الأمير سيف الدين بكتمر الجوكندار نايبا بالديار المصريّة، والوزير الصاحب فخر الدين بن الخليلىّ، والحاجب الأمير شمس الدين الكمالىّ، والأمير بدر

стр. 4127

الدين محمد بن الوزيرىّ، ثمّ استقرّ لمّا جرّد الكمالىّ، وأمير النقبا علاء الدين طيبرس الخزندارىّ، والنايب بدمشق الأمير شمس الدين قراسنقر المنصورىّ، وبحلب الأمير سيف الدين أسندمر، وحمص الأمير سيف الدين أغرلوا العادلىّ، وحماة بها الأمير سيف الدين قبجق إلى حين وفاته فى هذه السنة (٥)، وطرابلس الأمير جمال الدين الأفرم، وصفد الأمير سيف الدين قطلبك، وغزّة الأمير سيف الدين قطلقتمر والملوك: مكّة-شرّفها الله تعالى-مع الأميرين حميضة ورميثة وقد عادا إليها، والمدينة-على ساكنها أفضل الصلاة والسلام (٨) -مع منصور بن جمّاز بن شيحة، واليمن الملك المؤيّد هزبر الدين داود بحاله، وماردين الملك المنصور نجم الدين إيلغازى بن الملك المظفّر قرا أرسلان بن السعيد الأرتقىّ بحاله. والعراقين مع خراسان إلى حدود الفراة خدابنداه بن أرغون بن أبغا بن هلاوون، والملك <فى> ماورا النهر جبارا بن قيدوا بن قنجى بن طلوا بن جكز خان، وكرسىّ ملكه كاشغر ببخارا وتركستان وقبالق، وصاحب التخت ببلاد الصين قلاصاق بن شرمون بن منغلاى بن قبليه خان بن طلوا (١٤) ابن جكز خان، وصاحب البلاد الشماليّة بمملكة التتار طقطاى بن منكوتمر ابن طغان بن باطوا بن جكز خان وكرسىّ ملكه صراى (١٦)، وصاحب البلاد الشرقيّة ببلاد التتار أيضا منغطاى بن قنجى بن أردوا (١٧) بن دوشى خان ابن جكز خان والملوك بالمغرب: مرّاكش ملكها يومئذ أبو الربيع سليمان بن عبد الله ابن يوسف بن يعقوب. وصاحب الغرب الأقصى بتونس وإفريقيّة أبو البقا

стр. 4128

خالد بن أبى زكريا يحيى بن أبى حفص، وصاحب الأندلس بغرناطة أبو الجيوش نصر بن أحمد بن محمد بن الأحمر، وصاحب تلمسان عثمان بن زيان فيها وقع الطلب على الأمير سيف الدين سلاّر من الشوبك إلى الأبواب العالية السلطانيّة. ومسك نايبه بدمشق سيف الدين بكتمر وأخذ منه أموال جزيلة. ووصل الأمير سيف الدين أسندمر من حلب بطلب سلاّر حيث كان. ثمّ إنّه سيّر إلى الأمير شمس الدين قراسنقر يسأله أن يطلب له أمانا (٧) من مولانا السلطان، وأن يتصدّق عليه أن يقيم بالقدس الشريف هو وأهله وإخوته وعياله. ولمّا كان أواخر شهر ربيع الآخر وصل الأمير سيف الدين سلاّر إلى الأبواب العالية، وكان آخر العهد به، فكان كما قيل: بينما (١١) ... المرء على ظهرها إذا هو خبر من الأخبار وكان فيما أتاه أيضا كما قيل <من الطويل>: فأحجم لمّا لم يجد فيك مطمعا ... وأقدم لمّا لم يجد عنك مهربا وكما قيل <من الكامل>: أين المفرّ ولا مفرّ لهارب ... ولك البسيطان الثرى والماء وفيها تولّى الأمير سيف الدين بكتمر الحاجب الوزارة بالديار المصريّة عوضا عن فخر الدين الخليلىّ، وهو الخامس من المكلوتين الذين ولّوا الوزارة بالديار المصريّة حسبما ذكرنا من قبل ذلك وفيها كانت التجاريد إلى الشأم صحبة الأمرا، منهم-وهو المقدّم عليهم- الأمير سيف الدين كراى المنصورىّ والأمير شمس الدين سنقر الكمالىّ

стр. 4129

وعدّة من الأمرا. ومسك الأمير سيف الدين أسندمر من حلب باحتيال كراى عليه، وذلك أنّه فارق حلب مسيرة ثلاثة أيّام، وعاد إليها فى يوم وليلة. وكان أسندمر قد أمن، لمّا قطع العسكر عنه هذه المسافة. فلم يشعر إلاّ وقد أحيط به وأخذ أذلّ من كلّ شئ وفيها تخيّل قراسنقر وخرج من دمشق على حميّة، وتوجّه على طريق سلميّة وفيها استعفى الوالد ﵀ من الولاية، ودخل مستجيرا بالآدر الشريفة، لما كان فى خدمتهم عند مجيهم من الكرك المحروس إلى الديار المصريّة. فخاطبوا المقام الشريف فى أمره، فأعفاه من الولاية، عفا الله عنه. وخيّره بين الإقامة بمصر أو الشأم، فاختار الشأم. وذلك بسبب ما كان بينه وبين الجوكندار من الواقع بسبب العرب أولاد نجم من بنى عبيد فى حديث طويل، فخشى على نفسه منه وطلب الشأم. فأنعم عليه مولانا السلطان خلّد الله ملكه بعدّة إمرة. ورتّبه مهمندارا بالشأم. فتوجّهنا فى شهر رمضان المعظّم. فوصلنا إلى دمشق ووجدنا المجرّدين عليها وقراسنقر مبرزا عنها. فلمّا تولّى كراى كاتب فى الوالد من غير أن يعلمه، ووردت المراسم الشريفة أن يتولّى الشادّ بالشأم مضافا إلى المهمنداريّة. فامتنع من ذلك. فالتزم كراى بالطلاق من نساه، إذا (١٧) لم يوافق ضربه أربع ماية عصاة. وقيّده وسيّره إلى الأبواب، وكاتب فيه أنّه خالف مرسوم السلطان. فباشر الوالد شادّ الدواوين عوضا عن الأمير سيف الدين طوغان نايب البيرة كان. ولم يزل الوالد فى الشادّ حتى

стр. 4130

تولّى الأمير جمال الدين نايب الكرك، فاستعفى فى حديث طويل جدا، هذا ملخّصه. فأعفاه واستمرّ مهمندارا حتى توفّى فى تأريخ ما يذكر، ﵀ وساير المسلمين أجمعين وفى أوّل هذه السنة توفّى الحاجّ بهادر ناظر طرابلس (٤)، وانتقل إليها الأفرم من صرخد. وفى ليلة الأربعا رابع وعشرين جمادى الأولى، توفّى الأمير سيف الدين سلاّر، ودفن بتربته فى الكبش ﵀. وفيها توفّى الأمير سيف الدين قبجق، ودفن بتربته بحماة، ﵀. وفيها توفّى الأمير سيف الدين برلغىّ ﵀، ودفن خارج باب النصر. وفيها توفّى الأمير جمال الدين آقوش قتّال السبع، وتوفّى الطواشى مرشد، رحمهما الله تعالى ذكر [حوادث] سنة إحدى عشرة وسبع ماية النيل المبارك فى هذه السنة: الماء القديم ما يخصّ من الحوادث الخليفة: الإمام المستكفى بالله أبو (١٣) الربيع سليمان أمير المؤمنين، ومولانا السلطان الأعظم: الملك الناصر عزّ نصره، وجعل كلّ الأمصار مصره، سلطان الإسلام والمسلمين، دايما إلى (١٥) يوم الدين، آمين، يا ربّ العالمين، والنوّاب بمصر والشأم، حسبما نذكر من أمرهم ملخّصا إنشا الله تعالى، والملوك حسبما ذكرناه فى السنة الخالية

стр. 4131

فيها مستهلّ المحرّم ورد مرسوم شريف بتولية قراسنقر حلب حسب سؤاله. وتولّى الأمير سيف الدين كراى دمشق، فاستقرّ خمسة أشهر ومسك، مسكه الأمير سيف الدين أرغون الناصرىّ حسبما يأتى من ذكره وفيها فى مستهلّ المحرّم مسك بتخاص، وهرب أمير موسى بن الملك الصالح، فطلب وأحضر وكان آخر العهد به، وربّما كان قد لعب بعقله الشيطان، فاطّلع على أمره مولانا السلطان، فقبض عليه قبض حليم، فإن الملك عقيم وفيها أفرج الله تعالى وحنّن قلب مولانا السلطان، فأطلق جماعة من المعتقلين، منهم الأمير عزّ الدين أيدمر الخطيرىّ، وساطى، وطشتمر الجمقدار، وصاروجا المظفّرىّ الحسامىّ وفيها برزت المراسم الشريفة السلطانيّة بعمارة جامع بساحل مصر بالشون، وكان يعرف قديما ببستان العالمة، وتكمّلت عمارته، وصلّى فيه يوم الجمعة تاسع صفر سنة اثنتى عشرة وسبع ماية وفى يوم الجمعة رابع عشرين شهر جمادى الأولى، مسك بكتمر الجوكندار النايب بالديار المصريّة ومعه منكوتمر الطبّاخىّ صهر الغلمشى (١٥)، وأيدغدى اللقمانىّ، وألكتمر الساقى، وأيدمر الصفدىّ وأخلع فى الوقت على الأمير ركن الدين بيبرس الدوادار خلعة النيابة وأجلسه، وبدر الدين بن الوزيرىّ حاجبا مستقلا فى مدّة غيبة الأمير شمس الدين الكمالىّ

стр. 4132

ذكر سبب مسك بكتمر الجوكندار وكراى وبقيّة النوّاب وذلك أنّ بكتمر كان قد ركب فى غير سرجه، ولفّ عليه جماعة كبيرة من الناس. ولم يزل بمولانا السلطان حتى أمر جماعة تقدير ثلاثين أميرا من البرانية، وهم طرخان بن اليسرىّ، وصمغار بن سنقر الأشقر، ومحمد بن آقوش الشمسىّ، وابن الحمصىّ، وعلىّ بن تغريل اليغانىّ، وجركتمر بن بهادر، وآلبرص بن أمير جاندار، وبلبان الأشقرىّ، وجركتمر السلحدار، وساطلمش الكريمىّ، وبيبرس الكريمىّ، وقزلجا الجاشنكير، وألطنبا الرومىّ، وأنغاى الجمدار، وباجير الساقى، وأراق السلحدار، وطرنطاى جرمشى، وقيران أمير علم، وطوغان الساقى، وبيبرس الخاصّ تركىّ، وجاريك عبد الله، وأيدمر الكبكىّ، وقليج القبقىّ، وسنجر الخازن، ويغمور الشقيرىّ، والصارم الخزندارىّ، وبلبان الدوادارىّ، وقيصر العلايى، وسنجر الأحمدىّ. وأيدغدى العلايى. وأكثر هؤلاء تآمروا لغرضه. ومولانا السلطان خلّد الله ملكه قد حنّكته التجارب، وعاد يخشى سموم العقارب، بلّغه الله فى أعاديه أقصى المآرب. ولا زال منهم مقتول ومسجون وهارب. ثمّ إنّ كراى المنصورىّ كان أخوه يموت لموته ويحيى لحياته. وكان لمّا خرج بكتمر الجوكندار من ديار مصر إلى الصبيبة، ثم إلى صفد، نزل كراى عن إمرته، وأراد أن يهيج على وجهه. وبكتمر كان سبب نيابته الشأم، وكذلك كان قطلبك الكبير قد التفّ على بكتمر وكذلك قطلقتمر. وكان ربّما أنّ قطلوبك ما هو راضى بنيابة

стр. 4133

صفد، وكثير التسخّط بها والتعتّب على الدهر، وتصل إليه من بكتمر مواعيد كاذبة، من آمال خايبة (٢). هذا كلّه يجرى ومولانا السلطان أعزّ الله نصره ينظر إلى ذلك من ستر رقيق، ويلاحظه بعين السداد والتوفيق. فإنّه نصره الله على أعداه، وبسط بالخيرات يداه، لم يهتك لأحد من هؤلاء المغضوب عليهم حرمة، إلاّ بذنب سبق منه وجرمة. فمن اعتقد خلاف ذلك فإنّما اعتقاده همس (٦)، ومن ظنّه فإنّما ظنّه عجز. ومن أكبر الأدلّة على ذلك، أنّ كلّ من قصده بسوء عاد هالك، ولم يزل منتصرا عليه، فى كلّ مورد ومصدر ومشرع، فإنّه (٨) باغ عليه، وكلّ باغ له مصرع. ثمّ إنّه لمّا تقرّر عنده ما أضمروه من سوء الضماير، ولاحت له من ذلك أشاير وأماير، وثب عليهم وثوب الأسد الكاسر، والذيب الجاسر. ونفّذ الأمير سيف الدين أرغون بالقبض على كراى من دمشق، ونفّذ الأمير علم الدين سنجر الجمقدار بالقبض على قطلوبك من صفد، ونفّذ الأمير سيف الدين آقول الحاجب بالقبض على قطلقتمر من غزّة، فكان قبض بكتمر الجوكندار وقطلبك وقطلقتمر فى يوم واحد بمقتضى المواعدة، وذلك يوم الجمعة رابع عشرين جمادى الأولى، وأمّا كراى فيوم الخميس ثالث عشرين الشهر المذكور، وذلك بحضور العبد المؤلف لهذا الكتاب، ومشاهدته بالمعاينة دون السماع (١٧) وكان الوالد فى ذلك التأريخ شادّ الدواوين بدمشق ومهمندارا حسبما تقدّم. وكان كراى قد عمل لمولانا السلطان دهليزا حسنا، والوالد المشدّ على عمله. فلمّا كان يوم الأربعا الثانى والعشرين من جمادى الأولى بعد

стр. 4134

العصر حضر إلينا ناصر الدين محمد بن المهمندار نايب الوالد فى المهمنداريّة، وهو فى أشدّ شوق. وكان الوالد فى تلك الساعة الذى نزل من الركوب وفارق كراى من القصر الأبلق، فإنّه كان حديث العرس ببنت قبجق ونزل بها بالقصر الأبلق، والدنيا قد زخرفت له، وصفت له الليالى من العكر، وعند صفوها حصل الكدر (٥). ثمّ إنّ نايب المهمنداريّة قال: قد وصل فى هذه الساعة الأمير سيف الدين أرغون من الأبواب العالية على البريد المنصور. -فقال الوالد: ولم لا وصلت البطايق به؟ -فقال: لا أعلم. -فقال الوالد: لا تكن البطايق بغير تدريج. -فقال: يا خوند، ما عرفناهم قبل اليوم إلاّ (٩) واصلين إلينا قبل كلّ بريد يصل. - فركب الوالد على فوره والمملوك صحبته، وأتينا المهمانخاناه التى ظاهر القصر الأبلق. فوجدنا الأمير سيف الدين أرغون قد نزل بها. فدخل إليه الوالد وسلّم عليه. فشرع يدمدم على الوالد ويقول: نجى إليكم ما يخرج أحد إلينا ولا تلتفتوا. -فقال: يا خوند، ما علمنا. -فقال: فقد بطّقت لكم. -فقال: ما وصل إلينا شى. -فقال: همّ من نحس المباشرة. - ولم يكن بطّق شيئا (١٥)، ومنع من ذلك. ثم أحضرنا له العادة من المأكول والمشروب، فادّعى أنّ فؤاده يوجعه، وطلب طستا (١٦) وعاد يتقيّأ، وخرجنا من عنده، وأتينا إلى كراى، فقال: يا جمال الدين، كيف يجى مثل الأمير سيف الدين أرغون ولا تعلمونا؟ -فقال: يا خوند، ما جاءنا بطايق ولا علمنا به حتى حضر. -فقال: سيّر غدا أحضر البرّاج وأدّبه على هذا الحمام النحس. -ثم قال: ما علمت فى أيش جا؟ -

стр. 4135

قال: ذكر لى أنه أحضر لملك الأمرا تشريفا (١) من مولانا السلطان، وأنّه متوجّه إلى حلب. -وكان كراى قد صنع قبل ذلك سرج خشب صناعة حسنة، اقتراح صلاح الدين بن الحلّىّ، ونفّذه للأبواب العالية، فظنّ أن ذلك التشريف عن تلك التقدمة. لكنّه حصل عنده قلق كثير. وقال للوالد: عود ارجع إليه واكشف أخباره وردّ علىّ! - فأتينا مع المغرب، وجدنا طيبغا الحموىّ جالسا (٦) على باب المهمانخاناه، فقال: الأمير موجوع، -وما صدقنا متى يعفى. فردّينا الخبر على كراى، ثمّ إنّه قال: يا جمال الدين، بت الليلة عندنا ولا ترح مكانا (٨). -وأخرج لنا فرش أطلس مزركشة من جهاز بنت قبجق، ومأكولا كثيرا ومشروبا حسنا (١٠)، وحلوا. فلمّا كان بعد عشا الآخرة خرج كراى وطلب الوالد، وعاد يمشى فى الميدان فى ضوء القمر، ويتحدّث مع الوالد إلى وقت، ثمّ دخل إلى بيته. فلمّا كان التسبيح أتى طيبغا ومعه بقجة فيها خلعة سنيّة. ما رأى الناس فى ذلك الوقت مثلها وكلوتة زركش بفصّ بلخش فى مقدّمها، وحياصة مكلّلة، ودخلوا بها الخدّام إلى كراى ولبسها. وركب ذلك اليوم يوم الخميس فى الموكب بتلك الخلعة العظيمة القدر، وركبت جميع الأمرا بساير مماليكهم معتدين معتبين. وذلك أنّ الأمير سيف الدين أرغون لمّا عدنا إليه ووجدنا طيبغا الحموىّ جالسا (١٧) على باب المهمانخاناه وقال: إن الأمير نايم-كان قد تنكّر ودخل دمشق، واجتمع تلك الليلة بساير الأمرا الكبار، وقرّر معهم الحال. فلذلك ركبوا على غبّه متأهّبين. فلمّا عادوا إلى القصر من الموكب وجلسوا على الخوان (٢٠) نهض
следующие страницы →