فيها مستهلّ المحرّم ورد مرسوم شريف بتولية قراسنقر حلب حسب سؤاله. وتولّى الأمير سيف الدين كراى دمشق، فاستقرّ خمسة أشهر ومسك، مسكه الأمير سيف الدين أرغون الناصرىّ حسبما يأتى من ذكره
وفيها فى مستهلّ المحرّم مسك بتخاص، وهرب أمير موسى بن الملك الصالح، فطلب وأحضر وكان آخر العهد به، وربّما كان قد لعب بعقله الشيطان، فاطّلع على أمره مولانا السلطان، فقبض عليه قبض حليم، فإن الملك عقيم
وفيها أفرج الله تعالى وحنّن قلب مولانا السلطان، فأطلق جماعة من المعتقلين، منهم الأمير عزّ الدين أيدمر الخطيرىّ، وساطى، وطشتمر الجمقدار، وصاروجا المظفّرىّ الحسامىّ
وفيها برزت المراسم الشريفة السلطانيّة بعمارة جامع بساحل مصر بالشون، وكان يعرف قديما ببستان العالمة، وتكمّلت عمارته، وصلّى فيه يوم الجمعة تاسع صفر سنة اثنتى عشرة وسبع ماية
وفى يوم الجمعة رابع عشرين شهر جمادى الأولى، مسك بكتمر الجوكندار النايب بالديار المصريّة ومعه منكوتمر الطبّاخىّ صهر الغلمشى (١٥)، وأيدغدى اللقمانىّ، وألكتمر الساقى، وأيدمر الصفدىّ
وأخلع فى الوقت على الأمير ركن الدين بيبرس الدوادار خلعة النيابة وأجلسه، وبدر الدين بن الوزيرىّ حاجبا مستقلا فى مدّة غيبة الأمير شمس الدين الكمالىّ
стр. 4132
ذكر سبب مسك بكتمر الجوكندار وكراى
وبقيّة النوّاب
وذلك أنّ بكتمر كان قد ركب فى غير سرجه، ولفّ عليه جماعة كبيرة من الناس. ولم يزل بمولانا السلطان حتى أمر جماعة تقدير ثلاثين أميرا من البرانية، وهم طرخان بن اليسرىّ، وصمغار بن سنقر الأشقر، ومحمد بن آقوش الشمسىّ، وابن الحمصىّ، وعلىّ بن تغريل اليغانىّ، وجركتمر بن بهادر، وآلبرص بن أمير جاندار، وبلبان الأشقرىّ، وجركتمر السلحدار، وساطلمش الكريمىّ، وبيبرس الكريمىّ، وقزلجا الجاشنكير، وألطنبا الرومىّ، وأنغاى الجمدار، وباجير الساقى، وأراق السلحدار، وطرنطاى جرمشى، وقيران أمير علم، وطوغان الساقى، وبيبرس الخاصّ تركىّ، وجاريك عبد الله، وأيدمر الكبكىّ، وقليج القبقىّ، وسنجر الخازن، ويغمور الشقيرىّ، والصارم الخزندارىّ، وبلبان الدوادارىّ، وقيصر العلايى، وسنجر الأحمدىّ. وأيدغدى العلايى. وأكثر هؤلاء تآمروا لغرضه. ومولانا السلطان خلّد الله ملكه قد حنّكته التجارب، وعاد يخشى سموم العقارب، بلّغه الله فى أعاديه أقصى المآرب. ولا زال منهم مقتول ومسجون وهارب. ثمّ إنّ كراى المنصورىّ كان أخوه يموت لموته ويحيى لحياته. وكان لمّا خرج بكتمر الجوكندار من ديار مصر إلى الصبيبة، ثم إلى صفد، نزل كراى عن إمرته، وأراد أن يهيج على وجهه.
وبكتمر كان سبب نيابته الشأم، وكذلك كان قطلبك الكبير قد التفّ على بكتمر وكذلك قطلقتمر. وكان ربّما أنّ قطلوبك ما هو راضى بنيابة
стр. 4133
صفد، وكثير التسخّط بها والتعتّب على الدهر، وتصل إليه من بكتمر مواعيد كاذبة، من آمال خايبة (٢). هذا كلّه يجرى ومولانا السلطان أعزّ الله نصره ينظر إلى ذلك من ستر رقيق، ويلاحظه بعين السداد والتوفيق. فإنّه نصره الله على أعداه، وبسط بالخيرات يداه، لم يهتك لأحد من هؤلاء المغضوب عليهم حرمة، إلاّ بذنب سبق منه وجرمة. فمن اعتقد خلاف ذلك فإنّما اعتقاده همس (٦)، ومن ظنّه فإنّما ظنّه عجز. ومن أكبر الأدلّة على ذلك، أنّ كلّ من قصده بسوء عاد هالك، ولم يزل منتصرا عليه، فى كلّ مورد ومصدر ومشرع، فإنّه (٨) باغ عليه، وكلّ باغ له مصرع. ثمّ إنّه لمّا تقرّر عنده ما أضمروه من سوء الضماير، ولاحت له من ذلك أشاير وأماير، وثب عليهم وثوب الأسد الكاسر، والذيب الجاسر. ونفّذ الأمير سيف الدين أرغون بالقبض على كراى من دمشق، ونفّذ الأمير علم الدين سنجر الجمقدار بالقبض على قطلوبك من صفد، ونفّذ الأمير سيف الدين آقول الحاجب بالقبض على قطلقتمر من غزّة، فكان قبض بكتمر الجوكندار وقطلبك وقطلقتمر فى يوم واحد بمقتضى المواعدة، وذلك يوم الجمعة رابع عشرين جمادى الأولى، وأمّا كراى فيوم الخميس ثالث عشرين الشهر المذكور، وذلك بحضور العبد المؤلف لهذا الكتاب، ومشاهدته بالمعاينة دون السماع (١٧)
وكان الوالد فى ذلك التأريخ شادّ الدواوين بدمشق ومهمندارا حسبما تقدّم. وكان كراى قد عمل لمولانا السلطان دهليزا حسنا، والوالد المشدّ على عمله. فلمّا كان يوم الأربعا الثانى والعشرين من جمادى الأولى بعد
стр. 4134
العصر حضر إلينا ناصر الدين محمد بن المهمندار نايب الوالد فى المهمنداريّة، وهو فى أشدّ شوق. وكان الوالد فى تلك الساعة الذى نزل من الركوب وفارق كراى من القصر الأبلق، فإنّه كان حديث العرس ببنت قبجق ونزل بها بالقصر الأبلق، والدنيا قد زخرفت له، وصفت له الليالى من العكر، وعند صفوها حصل الكدر (٥). ثمّ إنّ نايب المهمنداريّة قال:
قد وصل فى هذه الساعة الأمير سيف الدين أرغون من الأبواب العالية على البريد المنصور. -فقال الوالد: ولم لا وصلت البطايق به؟ -فقال:
لا أعلم. -فقال الوالد: لا تكن البطايق بغير تدريج. -فقال:
يا خوند، ما عرفناهم قبل اليوم إلاّ (٩) واصلين إلينا قبل كلّ بريد يصل. - فركب الوالد على فوره والمملوك صحبته، وأتينا المهمانخاناه التى ظاهر القصر الأبلق. فوجدنا الأمير سيف الدين أرغون قد نزل بها. فدخل إليه الوالد وسلّم عليه. فشرع يدمدم على الوالد ويقول: نجى إليكم ما يخرج أحد إلينا ولا تلتفتوا. -فقال: يا خوند، ما علمنا. -فقال: فقد بطّقت لكم. -فقال: ما وصل إلينا شى. -فقال: همّ من نحس المباشرة. - ولم يكن بطّق شيئا (١٥)، ومنع من ذلك. ثم أحضرنا له العادة من المأكول والمشروب، فادّعى أنّ فؤاده يوجعه، وطلب طستا (١٦) وعاد يتقيّأ، وخرجنا من عنده، وأتينا إلى كراى، فقال: يا جمال الدين، كيف يجى مثل الأمير سيف الدين أرغون ولا تعلمونا؟ -فقال: يا خوند، ما جاءنا بطايق ولا علمنا به حتى حضر. -فقال: سيّر غدا أحضر البرّاج وأدّبه على هذا الحمام النحس. -ثم قال: ما علمت فى أيش جا؟ -
стр. 4135
قال: ذكر لى أنه أحضر لملك الأمرا تشريفا (١) من مولانا السلطان، وأنّه متوجّه إلى حلب. -وكان كراى قد صنع قبل ذلك سرج خشب صناعة حسنة، اقتراح صلاح الدين بن الحلّىّ، ونفّذه للأبواب العالية، فظنّ أن ذلك التشريف عن تلك التقدمة. لكنّه حصل عنده قلق كثير. وقال للوالد: عود ارجع إليه واكشف أخباره وردّ علىّ! - فأتينا مع المغرب، وجدنا طيبغا الحموىّ جالسا (٦) على باب المهمانخاناه، فقال: الأمير موجوع، -وما صدقنا متى يعفى. فردّينا الخبر على كراى، ثمّ إنّه قال: يا جمال الدين، بت الليلة عندنا ولا ترح مكانا (٨). -وأخرج لنا فرش أطلس مزركشة من جهاز بنت قبجق، ومأكولا كثيرا ومشروبا حسنا (١٠)، وحلوا. فلمّا كان بعد عشا الآخرة خرج كراى وطلب الوالد، وعاد يمشى فى الميدان فى ضوء القمر، ويتحدّث مع الوالد إلى وقت، ثمّ دخل إلى بيته. فلمّا كان التسبيح أتى طيبغا ومعه بقجة فيها خلعة سنيّة. ما رأى الناس فى ذلك الوقت مثلها وكلوتة زركش بفصّ بلخش فى مقدّمها، وحياصة مكلّلة، ودخلوا بها الخدّام إلى كراى ولبسها. وركب ذلك اليوم يوم الخميس فى الموكب بتلك الخلعة العظيمة القدر، وركبت جميع الأمرا بساير مماليكهم معتدين معتبين. وذلك أنّ الأمير سيف الدين أرغون لمّا عدنا إليه ووجدنا طيبغا الحموىّ جالسا (١٧) على باب المهمانخاناه وقال: إن الأمير نايم-كان قد تنكّر ودخل دمشق، واجتمع تلك الليلة بساير الأمرا الكبار، وقرّر معهم الحال. فلذلك ركبوا على غبّه متأهّبين. فلمّا عادوا إلى القصر من الموكب وجلسوا على الخوان (٢٠) نهض
стр. 4136
الأمير سيف الدين أرغون وقال لكراى: يا أمير، عليك سمع وطاعة لمولانا السلطان! -وأخرج مثالا شريفا (٢)، فاجتمعوا ساير الأمرا حلقة عليه، ومسك فى تلك الساعة. ووقع الصّراخ فى القصر، وأحضر الحدّاد، وقيّد فى وقته. ومن العجب أنّ الحدّاد بيقيّده وهو بيفكّ فى أزرار الخلعة من عليه. ورسم عليه الأمير ركن الدين بيبرس المجنون وشنقار، وطلب فى الساعة ولده محمدا (٦)، وهو أوّل ما مشى فودّعه، وركب البريد وأخرج من دمشق أسرع من لمح البصر. وعادت دمشق بغير نايب ولا من يتحدّث فيها غير الحاجب قطلبك بن الجاشنكير والوالد. وتوجّه به إلى سجن الكرك. ولا قوه بقطلوبك من صفد، وقطلقتمر من غزّة واعتقلوا هؤلاء الثلاثة بها
نكتة: ومن أعجب ما ينقل ويذكر، ويؤرّخ ويسطّر، أنّ كراى كان قبل ذلك قد غضب على بيبرس المجنون وعلى شنقار، بسبب ما كان لهما بدمشق من الحماوات التى كان يباع فيها المنكر، وأخذ سيوفهما وأجلسهما فى الشمس بالميدان إلى الظهر، حتى شفعوا فيهما الأمرا الكبار. فلمّا مسك كراى رسم أن يرسما عليه ويوصّلاه إلى الكرك، فوصّلاه إلى الكرك. وهما أشدّ الناس سرورا به وكونهما ظفرا بعدوّهما. فلمّا أتيا به إلى الجبّ قيل لهما: إنّ المرسوم لكما أن تنزلا به إلى أسفل الجبّ. -وأخذا سيوفهما ونزلا وأرادا الطلوع، فقيل لهما: وأنتما أيضا من المسجونين. -فهذه من غرايب البلايا وعجايب المصايب
стр. 4137
وكذلك كان بكتمر الجوكندار الواسطة لكريم الدين الكبير عند مولانا السلطان حتى خلّصه وجعله وكيل الخاصّ الشريف، وجعل معه فى أوّل الحال بلبان الدوادارىّ مشدّا للخاصّ. فلم يزل كريم الدين يتقرّب بسياسته وتأتّيه وحسن تدبيره، إلى أن عاد كما شهر وعلم أنّه لم يصل متعمّم أن يتحكّم فى دولة ما تحكّم كريم الدين. وكانت الأشيا مسخّرة له، ودبّر تدبيرا تعب به من أتى بعده وفاق على من قبله. والذى أقوله: إنّ كريم الدين وجميع من خدم فى هذه الدولة القاهرة من أرباب المناصب، تلحظهم (٧) سعادة مولانا السلطان عزّ نصره أيّام رضاه عليهم. فيظنّ الجهّال من الناس أنّ تلك من سعادتهم، كلاّ والله، هذه سعادة الرضى عليهم، فإنّ مولانا السلطان كالشمس على بقاع الأرض. فحيث طلعت عليه أينع وأزهر وأنور وأثمر، وحيث غابت عنه دثر، ولم يكن له أثر. فانظر، أيّها العاقل، بعين عقلك لمّا يسخط-أجارنا الله وإيّاكم من سخطه! -هل يعود ذلك المسخوط عليه بسعادة نفسه إلى حال نمطه، لا والله، وإنّما هذا مستفاد من سعادة السلطان، وذاك من سخطه على من لعب بعقله الشيطان، فنعوذ بالله من قضاه، ونستعيذ من سخطه، ونسأل الله تعالى رضاه
وفيها وصل رسول صاحب اليمن إلى الأبواب العالية، وأحضر تقادم كثيرة، وطلعت على رءوس الحمّالين إلى القلعة المحروسة، وعدّتها أربع ماية حمّال وتسعة حمّالين، وعلى كلّ قفص حمّال كرّ يمنىّ والتحف من تحته، منها ستّة وستّين حمّالا عليها عاج وأبنوس وصندل وغير ذلك، ومنها ستّين حمّالا رماح قنا، والباقى أموال وتحف، وفى الجملة فيل صغير ونمرين، وأربعة فهود وعشرة أرؤس خيل ملبّسة بركستوانات وعشرين خادما حسان الوجوه
стр. 4138
وفيها أخلع على الأمير ركن الدين بيبرس الدوادار خلعة النيابة بالأبواب العالية عوضا عن الجوكندار المقدّم ذكره، وجلس فى دست النيابة نهار السبت ثانى يوم قبض على بكتمر الجوكندار
وكذلك أخلع على الأمير جمال الدين آقوش الأشرفىّ المعروف بنايب الكرك بنيابة دمشق عوضا عن كراى المنصورىّ. فتجهّز وخرج على مهل فى طلبه
وفيها وردت الأخبار أنّ الأمير شمس الدين قراسنقر توجّه من طريق الحجاز الشريف راجعا عن الحجّ قاصدا لبيوت الأمير حسام الدين مهنّا بن عيسى أمير العربان بطىّ، مستجيرا به خوفا من السطوات الشريفة السلطانيّة
ذكر سبب تقفيز قراسنقر وآقوش الأفرم
ومن معهما ووصولهم إلى التتار
وذلك أنّ المراسيم الشريفة السلطانيّة أعلاها الله تعالى برزت بأن يجرّد خمسة آلاف فارس من الديار المصرية إلى الشأم المحروس، يقدمهم من الأمرا الأمير حسام الدين قرا لاجين أستادار، والأمير حسام الدين لاجين الجاشنكير المعروف بزيرباج، والأمير عزّ الدين أيدمر الخطيرىّ، بسبب المصالح الإسلاميّة. نفّذوا مناصحين قراسنقر إليه يقولون له: فخذ حذرك! فإنّ ما خرجت هذه التجريدة إلاّ بسبب القبض عليك. فخذ خلاصك ولا تقع كما وقع غيرك! -وفى جملة الرسالة إليه: والله إن وقعت له شوى لحمك وأطعمك
стр. 4139
قلت: هذا حديث بيخان مملوك قراسنقر للعبد فى سنين العشرين والسبع ماية، لمّا كان بالديار المصريّة بعد عودته من عند أستاذه ومفارقته له على شاطى الفراة، لمّا عاد إلى نحو البلاد، حسبما نذكر من ذلك فى تأريخه إنشا الله تعالى. قال بيخان: فلمّا سمع قراسنقر ذلك نفّذ من ساعته ولده أمير علىّ بطلب دستور له إلى الحجاز الشريف، فرسم له بذلك فتجهّز. وقد حصل له السرور العظيم بذلك، وتوجّه من حلب طالبا للحجاز الشريف.
فورد عليه أيضا كتاب من مناصحيه وعيونه بالأبواب الشريفة: أن قد جرّد إلى الحجاز الشريف خمس ماية مملوك من المماليك السلطانيّة بسبب القبض عليك من الحجاز الشريف، ولو أنّك متعلّق بأستار الكعبة، فخذ خلاصك والسلام. -فعند ذلك حار فى أمره وضاقت مذاهبه، فرجع طالبا لبيوت مهنّا مستجيرا به، فوصل إليه وخرج له، والتقاه ملتقى حسنا، وأنزله عنده، وكان بينهما صحبة متأكّدة وأخوّة قديمة. فأطلعه على الكتب الواردة عليه من المناصحين. فقال له مهنّا: أقم عندى، حتى أكاتب مولانا السلطان فى أمرك، وأعرّفه أنّك رجعت عن عزم الحجاز لضعف حصل لك، وننظر بعد هذا ما يرد علينا ونفعل ما نراه
وأمّا ما كان من المجرّدين وأمرهم فإنهم نزلوا غزّة. فورد عليهم الخبر أنّ قراسنقر نزل الزرقا ورجع عن قصده الحجاز ورجع طالبا لحلب، وجفلت العربان من قدّامه وشالوا النار. فقال قرا لاجين للخطيرىّ: ما عندك من الرأى؟ -فقال: نصبر حتى نستصحّ الخبر، ونكاتب مولانا السلطان، ومهما رسم لنا بعد ذلك امتثلناه. -ثمّ ورد أيضا عليهم كتاب من بنى مهدىّ بصحّة عودة قراسنقر ونزوله على مهنّا
стр. 4140
وفضل أخيه (١). فسيّروا للوقت طالعوا الأبواب الشريفة، وجعلوا كتاب بنى مهدىّ فى طىّ مطالعتهم
قال بيخان: إنّ قراسنقر هجم بيوت مهنّا على حريمه ومسك أذيال النسا اللاتى (٤) لمهنّا، واستجار جيرة العرب. فألجأت مهنّا ضرورة الجيرة حتى أجاره، وقال له فى عرض كلامه: وتربة عيسى، ما يصيبك إلاّ ما يفضل عن رأسى، لكنك، يامير شمس الدين، أرميت روحك فى النار الحمرا وأرميتنا معك، فلا قوّة إلاّ بالله. كيف ما نظرت ما جرى على أسندمر، لمّا خالف المرسوم، وردّ تقليد طرابلس وتوجّه إلى حلب بغير دستور؟ - فقال: يامير حسام الدين، ما بقى فى الكلام فايدة، وأنا فى جيرتك والسلام.
وأنت كلامك مسموع عند مولانا السلطان عزّ نصره، وأشتهى تسيّر الأمير موسى ولدك، تسأله فيه ينعم علىّ بقلعة الروم أكون فيها نايبا (١١)، وخلّصنى من حلب، فلى فيها سبعة وعشرين سنة. وقد ضجرت منها، ولا يحوجنى أدخل بلاد الكفر بعد الإيمان، وأنت تعرف أنّ صاحب سيس أعرض علىّ (١٣) قلاعه من قبل ذلك. وما من الواجب أن تضيع خدمتى، وقدم هجرتى فى هذا البيت، -وبكى بكاء كثيرا. فرقّ له مهنّا وجهّز ولده الأمير موسى وكتب مطالعة تعرض بين يدى المواقف الشريفة السلطانيّة أعزّ الله أنصارها (١٦)، وسيّر صحبته حصانا (١٧) أشهب، كان مولانا السلطان قد سمع به وسيّر طلبه منه، وحجرة خضرا، وثلاثة مماليك كالبدور الطلع، كان قد غار عليهم الأمير فضل وأخذهم من الدشار. وفى جملة المطالعة يستمطر سحاب كرمه الهامع، بلفظ كالدرّر تشنّف بحسنه المسامع، ويسأل لقراسنقر أن يتصدّق عليه بنيابة
стр. 4141
قلعة الروم، وفيها فصل يعرّض بتوجّعه، كون أنّه شفع فى برلغىّ، فلم تقبل فيه شفاعته، وكان برلغىّ أصله من عند مهنّا قدّمه للسلطان الشهيد الملك الأشرف، نوّر الله ضريحه
قال بيخان: ولمّا توجّه موسى بن مهنّا من عند أبيه بهذه المطالعة والتقدمة، أشار مهنّا على قراسنقر بالعود إلى حلب. فامتثل أمره وتوجّه حتى صار بالقرب من تلّ الفرس، وكان بها يومئذ الأمير شهاب الدين قرطاى الحاجب. فلمّا بلغه عودة قراسنقر إلى حلب بغير مرسوم، منعه من الدخول إليها وسيّر يقول له: يامير شمس الدين، ما لك عندنا دخول إلاّ بمرسوم من مولانا السلطان عزّ نصره. -فأعاد عليه يقول:
كنت أظنّ أنّ كلّ أحد يقبح علينا إلاّ أنت، يامير شهاب الدين، ولكن هذا كلّه من الخمول، فتسيّر إلىّ (١١) مملوكى جركس مع جميع أموالى وخزاينى. ولا تعوّقهم علىّ، فأنا نازل على تلّ الفرس حتى أنظر ما يرد علىّ من المرسوم وعليك أيضا بما تعتمده. -وكان قراسنقر قد سيّر للأمير مهنّا يعرّفه أنّ قرطاى منعه من الدخول إلى حلب، وعوّق مملوكه جركس وخزاينه وحريمه وأولاده. فسيّر مهنّا من وقته كتابا (١٥) إلى قرطاى على يد حاجبه محمد بن نصّار يقول له: يامير شهاب الدين، تطلق للأمير شمس الدين مملوكه وخزاينه وأولاده وحريمه، فإنّ مولانا السلطان سيّر يطلبه يكون نايبا بمصر عنده وقد رضى عليه، وأنت ما عندك خبر بذلك. -قال: فلمّا قرأ قرطاى الكتاب ندم على ما فرط منه فى حقّ قراسنقر، وأخرج جركس مملوكه مع جميع ماله وما كان له بحلب.
وسيّر يعتذر منه وحمل ثقله على ألفين جمل، وساق الأبقار والأغنام وخيل
стр. 4142
الدشار، وخرج من مماليكه وألزامه ألف فارس ملبّسين شاكين السلاح ومنهم رمّاحين وزرّاقين وغيرهم. وخرجوا أهل حلب بكمالهم حتى البنت فى خدرها لوداعه. وعاد فى ذلك اليوم (٣) بكا وصراخ وعويل ممّا يبكى الحجارة، لمفارقة كلّ إلف إلفه. فإنّ كلّ إنسان من مماليكه وألزامه وحاشيته، قد صار له بحلب الأهل والأصهار والأصحاب والجيران والمعارف، فخرجوا الجميع لتوديعهم، وكان يوم مشهود. هذا وقد ضربت نقاراته وطبلخانته، ونعرت بوقاته، ونشرت صناجقه، وهو راكب قدّام ثقله، وذلك الأولة من نهار يوم الخميس
قال بيخان: إنّ قراسنقر لمّا استقلّ ركابه من حلب وصارت خلفه، التفت إلى نحوها وبكى حتى بلّت دموعه لحيته، وقال: صدق من قال: بيت الظالم خراب ولو بعد حين. -ثمّ طلب ناحية القبلة إلى فوق من بيوت مهنّا. فلمّا قرب من ديارهم خرج إليه مهنّا وفضل فى عشايرهم ووجوه قومهم، والتقوه ملتقى حسنا (١٣)، وأنزلوه قريبا منهم على شاطى الفراة.
وشاعت الأخبار فى جميع أقاليم الشأم بما جرى لقراسنقر. فتشوّش الناس والنوّاب بجميع الممالك الشأميّة. وسيّر الأفرم نايب طرابلس وكاتب الأمير مهنّا: إنّى أيضا واصل إليك بجماعة من أصحابى وألزامى وأمّا ما كان من المجرّدين الذين فى صحبة قرا لاجين وبقيّة الأمرا المذكورين، فإنّ المرسوم ورد عليهم بالسّوق إلى دمشق. فلم يزالوا كذلك حتى وصلوا دمشق. ثمّ اتّفق رأيهم أن ينزلوا حمص، وينتظروا (١٩) ما يرسم لهم به، وهم أيضا خايفين وجلين
стр. 4143
ثمّ إنّ مولانا السلطان-أعزّ الله أنصاره، وضاعف اقتداره-لمّا بلغته هذه الأخبار المزعجة التى تصوّرت من الوهم الذى داخل قلوب الوجلين، من غير أن يكون لجميع ما توهّموه أو سمعوه من مناصحينهم صحّة، ولقد كانت نيّته المباركة لهم بخلاف ما توهّموه. وإنّما إذا أراد الله تعالى أمرا هيّأ أسبابه لينفذ قضاؤه وقدره. فعندها سيّر الأمير سيف الدين طقطاى بالأمان لقراسنقر وتقليد حلب على عادته ومستقرّ قاعدته، ويعتب عليه على ما قد خامره من الوهم الهذّيانىّ الذى لم تكن له صحّة. وفى الجملة: أنت رجل كبير، ونحن برأيك نقتدى فى الأمور الكبار، ترجع إلى كلام الجهلة والأعدا، وتفعل ما لا تفعله الصغار؟ الله الله، تترك هذا وترجع إلى حلب، وأنت طيّب القلب، منشرح الصدر، مبسوط الأمل. فأنت تعلم محلّك عندنا وعظم منزلتك. ونحن فقد أقمناك مقام أنفسنا فى جميع الممالك الشأميّة
قال بيخان: وكان قبل وصول طقطاى بيومين قد وصل إليه الأخبار من مناصحينه على جناح الحمام يقولوا له: الحذر الحذر! فإنّه قد كتب لقرا لاجين صحبة هذا طقطاى أنّ ساعة ترجع إلى حلب يطبق عليك بالجيوش، فيمسكك أنحس من مسك أسندمر. -ثمّ ورد على مهنّا مرسوم أن يتوجّه صحبة طقطاى ويلبّس قراسنقر الخلعة ويعيده إلى حلب. فامتثل ذلك. وحضر صحبة طقطاى واجتمعوا عند قراسنقر. ثمّ تحدّثوا معه فى امتثال المراسم الشريفة، وقبول الخلعة والتقليد والرجوع عمّا قد توهّمه
قال بيخان: فخلا قراسنقر بمهنّا وأوقفه على البطاقة التى وقعت له، وقال: يا با موسى، أنا الآن فى جيرتك، ومهما لحقنى من الضيم كان عيبه
стр. 4144
عليك وعاره لازم لك. -فقال مهنّا: إذا كان الأمر على هذا الحال فلا والله ما أخفر ذمّتى ولا جيرتى، ولا تفعل إلاّ خلاصك، وأنا مساعدك على جميع مصالحك. -قال: ثمّ اجتمعوا بالأمرا وهما طقطاى وآقول المحمّدىّ، وقال قراسنقر: أمّا الخلعة والأرمغان، فقد قبلته على رأسى. وأمّا عودتى إلى حلب، فلا والله ما أقامر بنفسى، والروح عزيزة. وأنا بقيت رجل كبير ولا لى قدرة على تعذيب. ولو علمت أنّى إذا مثلت بين يديه قتلنى فى ساعتى وأراحنى لمّا والله تأخّرت. لكن أخشى من تعذيبى-
قال: ثمّ وصل كتاب إلى الأمير مهنّا صحبة الأمير سيف الدين أرغون وثلاث ماية قطعة قماش وخلعة بطرز زركش، والكتاب جواب كتابه الذى نفّذه صحبة ولده موسى، وفيه: أن قد كتبنا له بعودته إلى حلب. ثمّ أفكرنا أنّه لم يكن بقى عندنا من يحسن يقوم بأمر النيابة بالأبواب العالية. وأنّ مثل الأمير شمس الدين لا ينبغى أن يكون بعيدا عن نظرنا، لبركته وحسن تدبيره وسياسته. وقد حلفنا له الأيمان التى ليس فيها فسحة، أنّه عندنا العزيز الغالى بما يقف الجناب العالى على نسختها، فالله الله، تحكم بذلك وتسيّره إلينا، وهو طيّب القلب، منبسط الأمل، ليشاركنا فيما نحن فيه من مصالح المسلمين، وعلى الجملة فما أعرف حضوره إلاّ من اهتمامك وشفقتك
قال بيخان: فقرأ مهنّا الكتاب على قراسنقر وقال: يامير شمس الدين، قد سمعت، والمصلحة تتوجّه إلى بين يديه، فما أظنّ بعد هذه الأيمان يكون غدر، إنشا الله تعالى. -فقال قراسنقر: يا با موسى. أنا فى الأصل قطعة مملوك جركسىّ، رأسى ورجلى. ما يسوو ثلاث ماية درهم، وأيش هو أنا إذا قتلت؟ وإنما عيبى يبقى لازمك، وتلبس ثياب العاربين العربان إلى آخر
стр. 4145
الدهر. وإذا أشرت علىّ بشى ما أخالفك. -ثمّ قال: قدّموا الخيل أركب وأتوجّه إليه، ويفعل الله ما يشا، وبكى. -قال: فبكى أيضا مهنّا، وقال: لا والله يامير شمس الدين، لا سمعت العرب بهذا، وأنا والله أعلم أنّه ما يبقى عليك. ثمّ أنشده يقول <من الوافر>:
ونفسك فز بها إن صبك ضيم (٥) ... وخلّ الدار تنعى من بناها
فإنّك واجد (٦) ... أرضا بأرض
ونفسك لن تجد نفسا سواها
ونفض ثيابه وقال: لا تعمل إلاّ مصلحتك ولا تقتل، وتقع فى العار بين البدو والحضر
ذكر تعدية قراسنقر إلى التتار
قال بيخان: فلمّا سمع الأمير يعنى قراسنقر هذا الكلام من مهنّا أمر فى تلك الساعة بالرحيل والتعدية، وودّع ابنه أمير علىّ وولده أمير فرح وأنا، يقول بيخان: فقلت: أنا أتوجّه فى ركابك ولا أموت إلاّ فى خدمك. -فقال: يا ولدى، لك أسوة بأولادى، إن ماتوا موت معهم وإن عاشوا عيش معهم. فأنا أعلم أنّ السلطان ما يضرّكم، ولا المطلوب إلاّ أنا. -هذا وهو يبكى كالمرأة الثكلى. وساق أمواله وخزاينه ودشاره وطلب الفراة، قال
стр. 4146
فقال له مهنّا: تمهّل على نفسك، فقد ورد علىّ الساعة قاصد من عند الأمير جمال الدين الأفرم يخبر أنّه واصل إلينا. -ثمّ وصل الأمير جمال الدين آخر ذلك النهار، وركب قراسنقر ومهنّا مع جماعتهما والتقوا الأفرم، وتكارشوا وتباكوا وتشاكوا. وقال الأفرم لقراسنقر: أيش هذا التهاون فى أرواحنا؟ اركب بنا وخلّص ذقوننا من الموت والعذاب! فقد وردت علىّ الأخبار من نصحايى (٦) بما يسدّ الآذان ممّا جرى على خشداشنا من أنواع العذاب، وهو لنا فى أيشم النيّات. والله ما يقع منّا له أحد إلاّ ويتنوّع فى تعذيبه قبل قتله. وهذه العساكر قدموا الشأم بسببى وسببك لا غير. وقد عبرت فى طريقى على قلى والملك، وكنت قادرا (٩) على كبستهم وأخذهم أسارى. ثمّ تركت ذلك حتى أنظر ما ترسم به. فإن رسمت سيّرنا العرب من خلفهم ونحن نأتيهم من قدّامهم ونأخذهم أشدّ أخذ. ثمّ نغير على البلاد ونحرق البيادر ونرجع إلى دمشق. فكلّ أمير فيها خايف على نفسه، وما يصدّقوا بنا، وتجتمع كلمتنا بالشأم. ونخرج الأموال، وننفق فى الرجال، وننزل غزّة. فأىّ من خرج من مصر فأسرناه. فقد بلغنى أنّ جميع من فيها خايفين أيضا. ومن لا يرجع إلينا ضربنا معه رأس. ويعطى الله النصر لمن يشا. ونموت على ظهور خيلنا ولا نموت فى العذاب الأليم. - فقال قراسنقر: يامير جمال الدين، لا تستعجل، فقد سيّرت إلى جماعة من الأمرا المصريين، وقد جانى الجواب بما أختار، وهؤلاء العرب فقد هلكوا معنا من السوق والسهر علينا الليل والنهار. وإنما الرأى أن نريح خيلنا ونرجع العرب مع الأمير مهنّا إلى الرحبة، وننزل على مشهد علىّ، ونستغلّ المغل وتشيل العرب مؤنهم، وننظر ما يتجدّد، ففى الليل والنهار عجايب. ونكتب
стр. 4147
للسلطان نعرّفه أن يعطينا البيرة وقلعة الروم. فإن أجابنا قعدنا فيهما إلى <أن> تدركنا آجالنا، ونكون قد أمنّا على نفوسنا، ولا ندخل آخر العمر فى دماء المسلمين. وإن امتنع كان لنا رأى آخر. -ثمّ إنهما عدّيا إلى ذلك الجانب، ورجع مهنّا إلى الرحبة ليستغلّ. وكتبوا مطالعة للأبواب العالية يسألوا أن ينعم عليهما بقلعتى البيرة وقلعة الروم
فبينما هما (٦) فى انتظار ما يتجدّد إذ وصل إليهما عزان السلحدار من عند الملك خدابنداه فى البريد طاير طيران، وصحبته ابن عمّ صاحب ماردين وابن قاضى بغداد، ونسخة اليمين لهم من جهة الملك خدابنداه.
وتحدّث معهما عزان حديثا كثيرا (٩) ممّا حمّله خدابنداه مشافهة ممّا يطيّب خواطرهم ويستميلهم ويرغّبهم. وكان أيضا قد وصل إليهما الأمير بدر الدين الزردكاش من دمشق، خرج الظهر منها، والنايب بها يومئذ جمال الدين نايب الكرك
قلت وممّا أحكيه ما شاهدته بالمعاينة لا بالإخبار: إنّ كان الوالد سقى الله عهده إذ ذاك مهمندارا بالشأم، وقد انفصل من شادّ الدواوين بالسبب المذكور. فلمّا كان فى ذلك اليوم الذى خرج فيه الزردكاش طلب الأمير جمال الدين ملك الأمرا للوالد ﵀ بعد الخدمة. وقال له:
يا جمال الدين، أنت قرناص ومملوك مصر، ولا تخفى عليك أحوال من يريد حركة. وقد بلغنى أنّ الزردكاش بيقصد الخروج من دمشق واللحوق بصهره الأفرم. فأشتهى منك تروح إليه فى حجّة شى تدبّره بعقلك
стр. 4148
وتنظر إلى أحواله كيف هو. فقد بلغنى أنّه بيخرج الساعة. فترجع تعرّفنى حتى نعمل بما نراه. -فخرج الوالد والعبد فى خدمته. وأتينا إلى دار الزردكاش فوجدناهم فى همّة وهرج، والأمير فى داره. فلمّا قالوا له:
جمال الدين المهمندار أتى إليك، خرج ووجهه كالزعفران صفرة، وعانق الوالد وحادثه، وأحضر سكّرا وليمونا (٥) بثلج وأسقانا. ثم أمر بفرسين مسرجة قدّمهما للوالد. فامتنع الوالد وحلف لا يقبلهما وقال: يا خوند، إنّما حضر المملوك إلى باب الأمير بسبب الماء المعروف بالعكرشة الذى أصل مسيله من ضيعة الأمير ببلاد حوران، وهذا الماء من حقوق قرية خسفين الجولان إقطاع المملوك. وقد عمل المملوك بذلك محاضر مثبوتة على الحكّام بذلك. والمسئول من صدقات الأمير كتاب إلى الشحنة بضيعة الأمير أن يحمل الأمر فى ذلك على حكم المحاضر الشرعيّة. -فقال: يامير جمال الدين، أنت عمرك ما أتيت لى بيتا (١٢)، وقدّمت لك هؤلاء الخيل، حلفت ما تقبلهم، وأنا أقدّم لك كتب هذه الضيعة ملكا (١٣). -وأشهد عليه بتسليم ثمنها. فسبقه الوالد باليمين لا يقبل شيئا (١٤)، وحادثه ساعة، وهو فى غاية القلق حتى من جملة ما قال للوالد: يا خوند، حاشاك، لى صغير وهو فى هذه الساعة ينازع، ولمّا سمعت بخدمتك خرجت وخلّيته. -فنهض (١٦) الوالد، وخرج معنا بنفسه إلى عند الركوب، والوالد يحلف عليه وهو يأبى الرجوع، وهو لابس خفّه مسدود بغلطاقه التترىّ، وكذلك جميع مماليكه لابسين قماشهم. ثمّ إنّ الوالد رجع إلى ملك الأمرا وحكى له الصورة وقال له:
стр. 4149
يا خوند، إن كان بلغك عنه حركة فلا شكّ فيها وهو يخرج الساعة. - فقال: الله يجعلها عليه طريقا (٢) مباركة، -يقول هكذا والله وأنا أسمع، وما كان إلاّ حيثما فارقناه. وركب من ساعته أذان الظهر، وخرج من دمشق معاينة بالإجهار ولم يتبعه بشر. فهذا كان خروج الزردكاش
ولنعود إلى ما كان من أمر قراسنقر ورفقته! وكان من جملة كلام عزان لقراسنقر يقول: الملك القآن ملك البسيطة يسلّم عليك وعلى الأمرا الحاضرين معك ويقول: قد بلغه أنّكم عدّيتم إلى نحو بلادى، ودستم أرضى وطلبتم بابى، فأهلا بكم وسهلا! وقد سيّرت إليكم نسخة الأيمان ماية يمين، وأنا أعطيك بغداد والأمير جمال الدين سنجار وديار بكر، ومهما طلبتم عندى. -ومن هذا الكلام ومثله فى زيادة التأكيد والحثّ على توجّههم إليه
فبينما هم فى مثل ذلك إذ ورد عليهم قاصد يخبرهم أن قد مسك جماعة من الأمرا الكبار وجميع من كانوا فى التجريدة. وذلك أن لمّا لم يرا مولانا السلطان لتلك التجريدة أثرا (١٤)، وأنّهم كانوا سبب تشويش البواطن، وبلغه عنهم مداجاة وعدم مناصحة، استقدمهم ومسك جماعة كبيرة خلا الخطيرىّ والملك، فإنّه أعزّ الله أنصاره رأى لهما لمّا تحقّق عنده من حسن مناصحتهما. ومن قول القاصد لقراسنقر: إنّه قد جرّد لكم ألف مملوك، وأعطاهم الهجن والخيل والجياد، وأمرهم أن يدركوكم قبل توغّلكم فى البلاد، ورسم لعساكر الشأم أن يكونوا خلفهم لأجل
стр. 4150
النجدة. فعند ذلك أجمعوا آرايهم على الدخول إلى الملك خدابنداه، وتحالفوا على ذلك
وعقيب ذلك وصل إليهم سوتاى بعشرة آلاف من المغل. وكان هذا الأمير نازلا (٤) على سنجار، فورد عليه مرسوم الملك خدابنداه أن يتوجّه ويلتقى الأمرا الإسلاميّة. فقدم عليهم وركبوا الجميع وقصدوا الأردوا، وانقطع أملهم من بلاد الإسلام، فلا حول ولا قوّة إلاّ بالله العلى العظيم، وأوقفهم أيضا على فرمان خدابنداه لهم، زيادة فى الترغيب والحثّ على سرعة مثولهم إليه. ولم يزالوا متوجّهين إلى أن وصلوا بغداد. فخرج كلّ من بها من النسا والرجال. هذا وقد طلبوا الأمرا وألبسوا مماليكهم العدد، وقدّموا قدّامهم ماية مملوك زرّاقين يلعبون بالنفط ووراهم ماية أخر يلعبون بالرماح كرّا وفرّا (١١). وقد ترجّل فى خدمة قراسنقر عدّة كبيرة من المغل، ومنهم أخو (١٢) صاحب ماردين، وأخو صاحب سيس، ومن أمرا المغل تمرجو، وجنقر، وطحوا، وبزلار، وسوتاى يحجبهم. وفرشوا لهم تحت أرجل خيلهم الثياب النسيج والكمخا والخويى وغير ذلك. وكان لدخولهم بغداد يوم مشهود، خرجت فيه البنت فى خدرها. وأنزلوهم فى قصر الخلافة. ومدّ لهم خوان (١٦) عظيم. وقدّمت أهل بغداد لهم التقادم الحسنة من كلّ شئ مليح وكذلك صاحب العماديّة وصاحب جبال الغار. وأقاموا ببغداد ثلاثة أيّام
ثمّ توجّهوا طالبين الأردوا. فلمّا وصلوا بالقرب من منزلة القآن ألبسوا مماليكهم جميعهم القرقلات الأطلس وكذلك خيولهم البركستوانات الأطلس
стр. 4151
والخوذ الذهب البهادريّة. ونشروا صناجقهم، ودقّت طبلخاناتهم، ونعرت بوقاتهم، ولعب (٢) الزرّاقين بالنار، وطلع الدخان، وكثر العجاج. ومدّ كلّ واحد من الأمرا قدّام طلبه خمسين جنيبا (٣) ملبسة على أيدى الوشاقيّة والنجّابين.
ومدّ قراسنقر قدّام طلبه ماية جنيب مشهّرة شهب وخضر وبلق وحمر وصفر، كلّ عشرين لون وزىّ فى الملبوس، وقدّام عشرة قطر بغال خزانة وقدّامها صوغان الخزندار، وقدّامه عشر فهودة وسبعين بزدار، وتحت ركابه خمسين خرسانى وثلاثين برددار. وأقاموا ناموس مملكة الإسلام حتى دهشوا لمّا رأوا ذلك أمرا المغل. ولم يزالوا كذلك حتى قرّبوا من مجلس القآن. ترجّلت أمرا المغل، ودخلوا فى دست عظيم لا يعبّر عنه. وركب القآن بنفسه والتقاهم أحسن ملتقى. فلمّا وقعت عينهم عليه نزلوا وترجّلوا وضربوا جوك، وقد غضب الله تعالى عليهم ولعنهم وأعدّ لهم جهنّم وبئس القرار! ثمّ أمرهم بالركوب، فركبوا وعاد قراسنقر من على يمينه والأفرم من على يساره والزردكاش قدّام مع جوبان. وعاد القآن يحدّثهم ويضاحكهم ويكارشهم. هذا وهما كأنّهما يرياه فى المنام، لما دخل فى قلوبهم من وحشة الإسلام. ولم يزالوا كذلك حتى نزلوا مع القآن، وقد جعل لهما كراسى عن يمينه ويساره. ومدّ لهم خوان (١٦) كبير، أكثره خيول يخنى وخراف قشلميش. وحضر فى ذلك اليوم عدّة من رسل البلاد، مثل بلاد كوبك وبلاد كبلك وبلاد أزبك والكرج وبلاد الكلب وبرطاس وعبدة النار. وأعرض عليهم خدابنداه جيوشا (١٩) كالمطر، لكنّهم كالقشّ بغير ترتيب، وهم عدّة بلا عدّة. ثمّ
стр. 4152
انتقلوا فى ذلك اليوم إلى مخيّمهم فى منزلة بقرب منزلة القآن. ونقل إليهم شئ كثير من الإقامات والعلوفات
فلمّا كان الغد حضروا للخدمة، ومدّ لهم الخوان، وأخلع عليهم وعلى جميع من كان معهم حتى الغلمان. وأنعم على كلّ مملوك من مماليكهم ستّ ماية درهم سلطانيّة. وسيّر للأمرا القماش المفتخر مثل النسيج والنخّ واليرمك (٥).
وسيّر إلى قراسنقر ثلاثين إكديش روميّة وستّة قطر بخاتى، وللأفرم مثله، وللزردكاش خمس أكاديش وقطار بخاتى. ولم يزالوا فى إنعام القآن سبعة أيّام، فى كلّ يوم إنعام جديد
ثمّ إنّ قراسنقر بعد ذلك سيّر تقدمته، وهو ما يذكر من الخيول العربية، وثلاثين حصانا مثل: قمر وبريد والحجازىّ والزاملىّ والمهناوىّ والحسانىّ، والنميرىّ وأبى (١١) شامة وابن البحرين وابن الطويلة وزريق والخيال الكبير وعسّاف والبرقىّ وعدو الغزالى والأخوص والمغربىّ والخالدىّ والسلطانىّ وقشمر والعربيد وزعزاع والتركمانىّ وساق الكركىّ وطغج وابن العطال والميساوىّ والفضلىّ والعيساوىّ والكبكىّ، ومن الحجورة عشرة مثل: فهيدة وضبعة والحسانيّة وعبلة والدلقا وبنت الطويلة وبنت ميّاسة والمهناوية وبنت قمر والصالحيّة، وشدّ عليهم السروج الذهب والزرخونى والكنابيش الزركش.
فعادوا يشعلوا فى ضوء الشمس ممّا يأخذ بالبصر، وصحبتهم ماية مملوك على على يد كلّ واحد بقجة قماش سكندرىّ وعمل دار الطراز وماية خلعة طرد وحش مقصّب وشاشات خليفتيّة وكلوتات زركش وجتر أطلس مزركش وسبع أرقاب مزركشة وغير ذلك. وكذلك سيّر الأفرم تقدمته
стр. 4153
ممّا يقارب هذا، لكن ما وصل إلى جميع ما ذكرناه. فإنّ قراسنقر كان أسعد من الأفرم، بدليل أنّ قراسنقر كان طمّاعا خسيسا محصّلا (٢)، وكانت نفسه تحدّثه بآمال خايبة وأمانى كاذبة بأنّه يكون منه ملك. فكانت آلات المملكة عنده مجهّزة. وأمّا الأفرم فإنّه كان رجلا قصيفا نهّابا وهّابا (٤)، لا له تطلّع إلاّ إلى قدح ومليح. فلم يكن عنده بعض ما كان عند قراسنقر
قال الناقل لهذه الأخبار: فلمّا عاين خدابنداه تقدمة قراسنقر أعجبه إعجابا كبيرا، وأحضرهم فى اليوم الثانى، وقد جلس فى مجلس الشراب. وجدّد عليهما الخلع السنيّة. وحضروا أمرا المغل الكبار والخواتين. ودارت عليهم الكاسات، وشرب قراسنقر من ذلك القمز وقراقمز، وشرب الأفرم من ذلك الخمر العتيق. وأحضر قراسنقر جوقة مغانى جوار كأنهن الأقمار، وغنّوا بالطار والزمر، وأعجب ذلك الخواتين.
قال: فلمّا طاب قراسنقر ونسى الهمّ وطرحه خلفه، وقد احمرّ وجهه وتفرّقت شيبته التى قد ختم الله لها بالشقاوة بعد السعادة، نهض (١٣) قايما وضرب جوك للقآن وقال: أشتهى أكلّم القآن كلمتين. -فقال الملك خدابنداه:
تكلّم (١٥) بما تشتهى، يامير شمس الدين، ويكون كلامك أقوى من الحديد ولا تنجبه، ولا تخلّى كلاما (١٦) تريد تقول. -فقال: الله يحفظ القآن! ملكتوا البلاد العامرة والقلاع الحصينة وأخربتوها، والرعيّة عمارة الأرض قتلتوها، وجميع الأموال سبكتوها حجارة وتحت الأرض دفنتوها. وعندكم الخير كثير ما تعرفوا تعيشوا فيه. وفى بلادكم الغلال والأنعام والمواشى، وخيار
стр. 4154
أمير عندكم ما له عيشة غير أكلة دشيش، وخيولكم بلا علف سايبة فى الدشارات ما ترفد لسوق، كونها خالية من العلف. الله يحفظ القآن، يرسم للمملوك أدبّر هذا الحال بما أراه من المصلحة، وعلىّ (٣) الضمان أنّى أفتح لك إلى آخر مغرب الشمس، فتكون ملك المشرق والمغرب. -وتكلّم كلاما كثيرا (٥)، هذا زبدته وملخّصه. قال: يامير شمس الدين، قد فوّضت إليك جميع أمر مملكتى، افعل ما تراه من المصلحة
قال: ثمّ بعد ذلك جلس قراسنقر واستخرج الأموال وأحضر ضمان الأقاليم وصادرهم. وحصّل الأموال العظيمة ورتّب ترتيب ممالك الإسلام فى جميع آلات الملك. وجعل فى المطابخ الطبّاخين الماهرين يطبخوا أنواع الأطعمة المفتخرة. ورتّب شربخاناه وطشتخاناه وفرشخاناه، وعادوا الطشتداريّة يخدموا بالماورديّات. وكذلك رتّب للخواتين جميع الأشيا الحسنة من الحلاوات والأشربة والفواكه. وطلب لهنّ (١٢) المواشط من الأقاليم لإصلاح شأنهنّ.
وكذلك رتّب للأمرا وأقطعهم البلاد، وعاد لهم أستاداريّة، أقامهم لهم قراسنقر من مماليكه، وجعلهم عليهم كالعيون له يطالعونه بجميع ما يتكلّمون به.
وكذلك رتّب حمّام خشب بأحواض رصاص تحمل على البخاتى لأجل القآن والخواتين. قال: وأعجب هذا الحال الخواتين إعجابا كثيرا (١٦). وأمر أن تصاغ لهنّ (١٧) المصاغات المفتخرة. وعمل لهنّ من البدلات الزركش.
وفصّل لهنّ (١٨) القماش العالى، حتى أخذ بعقول كبارهم وصغارهم. هذا كلّه يجرى وجوبان ينظر وهو يتفطّر ويتميّز (١٩) من قراسنقر، ولا يقدر يفوه فى حقّه بشى
стр. 4155
الما رأى من ميل القآن والخواتين وكبار المغل إليه. هذا ما كان من أمر قراسنقر
وأمّا الأفرم فإنه لم يشتغل بشى ممّا اشتغل به قراسنقر من تدبير الأمور.
وإنما اندرج فى منادمة الملك خدابنداه وأخذ بقلبه وملك لبّه. فإنّ هذا الأفرم عمره حريف طيبة وصاحب لذّة وفكاهة، طيّب العشرة، حسن المحاضرة. فمال إليه خدابنداه بخلاف قراسنقر. ثمّ إنّ الأفرم ما تحدّث مع خدابنداه يوما واحدا (٧) فى غير ما يلزمه من الحرفانيّة والمنادمة، ووصل من ذلك حتى لبس السراقوج بين يدى خدابنداه. واستقرّ أمرهما كذلك إلى حيث ما يذكر من بقيّة أمرهما عند مأتاهما بالتتار إلى الرحبة وعودتهما خايبين (٩)
قلت: قد ذكرنا بمعونة الله تعالى جميع أخبار قراسنقر مفصّلة ملخّصة، وذلك ما صحّ نقله وحسن من إثباته فى هذا التأريخ المبارك.
وأمّا ما كان من مآثر سيّد الملوك، وملجأ كلّ غنىّ وصعلوك، مالك رقاب ملوك أملاك الأكاسر، مولانا وسيّدنا السلطان الأعظم الملك الناصر، لا زالت أعدايه من هيبة سلطانه مرتدّين ضالّين غير مهتدين، قد سلّت سيوفه عليهم فى اليقظة (١٥) والأحلام، حتى عادوا لا يلتذّون بلذيذ المنام. فكان كما قال أشجع السلمىّ فى الإمام، خليفة الأنام، فى تلك الأيام <من الكامل>:
وعلى عدوّك يا بن عمّ محمد ... رصدان ضوء الصبح والإظلام (١٩)
فإذا تنبّه رعته وإذا غفا ... سلّت عليه سيوفك الأحلام
стр. 4156
وقد أخذ معنى هذين البيتين (١) أحمد بن سيّد اللصّ من شعرا المغرب فى الماية السادسة، وسمّى باللصّ لإغارته على معانى الشعرا المقدّمين، فقال <من الوافر>:
تراه فى غداة الغيم شمسا ... وفى الظلماء نجما أو ذبالا
يروّعهم معاينة ووهما ... ولو ناموا لروّعهم خيالا
وفيها حصل تغيّر للمزاج الشريف السلطانىّ، كفاه الله شرّ ما يخاف ويحذر، ولطف به وإن كان لم يزل ملطوفا به فى كلّ قضاء وقدر.
وذلك لمّا كان الثالث والعشرين من شهر ذى القعدة من هذه السنة المباركة حصل التوعّك الذى كان آخرته إلى السلامة والعافية، ومنّ الله على الإسلام بنعمه الوافية، فكان من قول العبد فى ذلك <من الكامل>:
إذا ما اعتلّ سلطان الورى ... اعتلّت الأرض ومن فيها (١١)
فالله كافيه من الأسوا كما ... أضحى لكلّ الخلق كافيها
وكان أصل ذلك ممّا حمل على خاطره الشريف من هذه الأحوال النكدة، ولا يطلع على سرّه أحدا، ولا يورّى الأعدا إلاّ تجلّدا، على أنّ سعة صدره الشريف لا يحدّ بالقياس، ولا يؤثّر (١٥) فيه وسواس الخنّاس، فهو بحمد الله كما قيل <من الكامل>:
لله صدر للإمام كأنّما ... أقطار طاعته به قطمير
تتزاحم الأضداد فيه وتنثنى ... عنه وليس لوقعها تأثير
وأثبت ما تراه نها وجأشا ... إذا دهش المشاور والمشير (١٩)
стр. 4157
قال الله ﵎ ﴿ما (١)﴾ يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ والقطمير قمع التمرة.
ولم تزل الناس والأمّة، تحت هذه الشدّة والغمّة، حتى أغاث الله عباده، وأمصاره وبلاده، ومنّ على الأنام، بعافية سيّد ملوك الإسلام، وزالت الآلام، ودخل الجمام، وسارت البشاير على أجنحة الحمام، وحصل السرور العامّ، للخاصّ والعامّ. وكان فى طول تلك الأيّام لا يدخل إليه غير سودى الجمدار، لما كان يتحقّقه منه من عقله الوافر وكتمه للأسرار.
ثمّ سأل منه عمّا تجدّد من الأخبار، فقبّل الأرض مرار، وقال:
هذا شكرا لله والملك القهّار، الذى منّ علينا بعافيتك، يا ملك الأقطار، أمّا الأحوال فمستقيمة. وقد كانت الدنيا لسقمك سقيمة، فالحمد لله على صدقاته العميمة، وأياديه الجسيمة. -فرسم له أن يطلب الأمير سيف الدين بينجار، ليسأل منه عن جليّة الأخبار. فلم يكن بأسرع أن حضر وقبّل الأرض بين يدى المواقف الشريفة، وفاز دون العالم بمشاهدة تلك الأخلاق اللطيفة، التى أرقّ من البارد الزّلال، وسمع تلك الألفاظ التى كالسحر الحلال
ثمّ برز المرسوم الشريف: أن يصرف من الخزانة المعمورة من خاصّيّة مال مولانا السلطان ألف دينار عين مصريّة، ويستفكّ بها من بالسجون، من أرباب الديون، وأن يغسل ما عليهم من المساطير الشرعيّة، ويفتقد من فى سجون الولاية من الرعيّة ويتتبّع صلاحهم، ويطلق سراحهم، فامتثل جميع ذلك، فى ساير الممالك. وجلس نصره الله على أعداه، وبلّغه قصده ومناه، يوم الخميس فى الإيوان، ومدّ الخوان (٢٠)، وأخلع الخلع السنيّة على ساير الأمرا والمقدّمين والأعيان، وفرّق مثالات أخباز الجند المتوفّيين.
стр. 4158
وتصدّق بها على أولادهم الأيتام المنقطعين، وادّخر بذلك عند ربّ العالمين.
ثمّ ركب نهار السبت، ولعب الأكرة بالميدان. وطلع بعد العصر إلى القلعة المحروسة راكبا كالأسد الغضبان. وتوجّه البريد إلى ساير الممالك الإسلاميّة بهذه البشاير السنيّة
وفيها كان هدم الإيوان الأشرفىّ وتجديده، وزخرفته بأحسن صناعة مجيدة. ولم يزل كذلك حتى أمر بهدمه وعمارته فى سنة أربع وثلاثين وسبع ماية، حسبما يأتى من ذكر ذلك فى تأريخه
وفيها أعرض الحلقة المنصورة، وشملت ساير العساكر صدقاته المبرورة.
ومن كان قد كبر وعجز عن الخدمة، وكان له فى الإسلام سابقة وقدمة، فإن كان له ولد صالح للخدمة الشريفة، أنعم عليه بخبز أبيه وما يكون بيده، إن كان ذا (١١) وظيفة، ويتصدّق على الشيخ براتب يموّنه لتقرّ بذلك عيونه. ومن صلح للزيادة زاده، وأكمد بذلك أضداده. ومن كانت سيرته ذميمة، وأحواله غير مستقيمة، قطعه وأنعم بإقطاعه على مستحقّه، وعرف له الواجب من حقّه، وخرج المقطوع يقلّب كفّيه، ولم يلق من حنين غير خفّيه. فكان ذلك العرض كيوم العرض، هذا قد فاز بحسناته، وهذا قد ندم على سيّئاته. فأمّا أصحاب اليمين، فمن القطع آمنين، وأمّا أصحاب الشمال، فقد خابت منهم الآمال. ولم يخرج من بين يديه من قريب ولا بعيد، إلاّ وقد فاز بوعد أو خسر بوعيد ﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ (١٨) وكان قبل ذلك حصل تغيّر الخواطر الشريفة على القاضى فخر الدين ناظر الجيوش المنصورة وسلّم لفخر الدين أياز أستادار (٢٠) الأعزّ، وصودر وأهين إهانة (٢١) كبيرة، وكذلك ولده شمس الدين عبد الله
стр. 4159
فلمّا كان هذا العرض كان قطب الدين بن شيخ السلاميّة جالسا فى العرض، وكذلك أمين الدين بن العنام وكريم الدين الصغير. وبين يدى مولانا السلطان من الأمرا الأمير سيف الدين أرغون النايب بالأبواب الشريفة، والأمير سيف الدين طغاى، والأمير سيف الدين كستاى الناصرىّ، هؤلاء من الأمرا الخاصّكيّة، وأمّا الأمرا أرباب المشور الجلوس فى ذلك الوقت، فالأمير سيف الدين قلى السلحدار والأمير علاء الدين أيدغدى شقير الحسامىّ، وأمير حاجب قايم بين يدى المواقف الشريفة الأمير سيف الدين بكتمر الحسامىّ. فلمّا شرع مولانا السلطان فى العرض المبارك، عادوا الدواوين الذين بين يديه الشريفتين قليلى الخبرة بالجيوش، ولا يعرفون الجندىّ الجيّد من غيره ولا القديم الهجرة بالأبواب الشريفة من المستجدّ. فرأى مولانا السلطان أنّ هذه الوظيفة (١١) لا يقوم بها أحد مثل القاضى فخر الدين، فسيّر للوقت ورضى عنه وأخلع عليه وجلس فى بقيّة هذا العرض، وقال له:
يا فخر الدين، أعرضنا هذا الجيش فوقعنا فى بحر زاخر، ولا علمنا المستحقّ من غيره. -فجلس القاضى فخر الدين، وأعرض بخبرة ومعرفة تامّة.
وعرّف مولانا السلطان الدخيل فى الجنديّة من القرارىّ المستحقّ. وبطل كلام الحاجب وغيره. فلمّا كان آخر العرض قال لمولانا السلطان: يا خوند، أعطى الناس دستورا (١٧)! فما بقى قدّامك شى تعطيهم. -فكان الأمر كذلك، وفاز من فاز بالزيادة، وخسر من خسر بالقطع. فكان كما قال الله تعالى ﴿السّابِقُونَ السّابِقُونَ أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ (١٩)
هذا وقد راحت الأخبار لقراسنقر بما فعل مولانا السلطان عزّ نصره من التيقّظ لجيوشه، وحسن النظر الشريف فى أحوال عساكره.
стр. 4160
فحصل له من الذلّ والانكسار، ما ظهر عليه وبان، ممّا لحقه من هيبة مولانا السلطان، التى شاعت فى الأقطار حتى أعلنت بذلك الركبان، وتعلّقت بأجنحة العقبان. قال: فخلا بالأفرم وقال له: ما عندك من أخبار مصر والسلطان الملك الناصر؟ -فقال: أمّا أنا فقد شغلنى شرب الراح، ورشف الأقداح، ومغازلة الملاح، عن سماعى للأخبار الصّحاح. فما عندك من الأخبار؟ -فقصّ عليه القصص، وهو يتجرّع الغصص، فقال الأفرم: يامير شمس الدين، هذا ملك لله به عناية، ولا بدّ له فيه نهاية، ومن كانت لله فيه إرادة، فنهايته إلى السعادة. -فقال قراسنقر:
ما كنت أظنّ أنّ الأحوال بعدنا تستقيم، والملك لا شكّ عقيم. ونحن فكنّا ظالمين، فلقّانا ونصره علينا ربّ العالمين، ولا نعلم ما يكون من أمرنا مع هؤلاء الملاعين، الذين ليس لهم قول ولا دين، فلا حول ولا قوّة إلاّ (١٢) بالله العلىّ العظيم
قلت: ولقد حدّثنى من أثق بقوله: أن كان أكبر أسباب توجّه الأفرم إلى قراسنقر وعبوره معه إلى البلاد، أنّه كان سيّر إلى الشيخ صدر الدين بن وكيل بيت المال المعروف بابن المرحل المقدّم ذكره وشئ من رقيق شعره فى الجزء السابع من هذا التأريخ، وهو يقول له: تكشف لى الأخبار بمصر، وما يكون من أمرى، وتكتب إلىّ بذلك ملغزا. قال: فكتب إليه يقول <من الطويل>:
أيا جيرة بالقصر كان لهم مغنى ... رحلتم فعاد القصر لفظا بلا معنى
وأظلم لمّا غاب نور جماله ... وقد كان من شمس الضحى نوره أسنى
يعزّ علينا أن نرى الدار بعدكم ... وما نحن فيها سادتى مثلما كنّا
стр. 4161
لقد كانت الدنيا بكم ذا نضارة (١) ... ونعمى فأعمى الله عينا أصابتنا
سقيت ديار الظاعنين مدامعى ... وقد شحّ ماء المزن يا ليته أغنى
وعيشكم ما الدار منذ رحلتم ... زمانكم لا والذى أذهب الحسنا
ولا غنّت الورقا فأشجت بصوتها ... ولا هزج يجزى ولا مطرب غنّى
ولا راقت الآصال إلاّ صبابة ... ولا حرّكت ريح الصبا طربا غصنا
بروحى أفدى الظاعنين وإن هم ... أبوا أنّ نومى بعدهم يقرب الجفنا
يعزّ علينا بعد دارى عنهم ... وقد كنت منهم قاب قوسين أو أدنى (٧)
لغزه
وإنّى ألاقى ما ألاقى من الذى ... لسمعى قد أصمى وجسمى قد أضنى (٩)
لقد كنتم يا جيرة الحىّ رحمة ... أياديكم تمحو الإساءة بالحسنى
وكنتم لنا من إن دعونا تؤمّنوا ... وإن هم دعوا أن يجمع الشمل أمّنّا
وإن عادت الأيّام تجمع شملنا ... سجدنا لربّ العرش شكرا وشكّرنا
قال: فلمّا فهم جمال الدين الأفرم ما فيه من اللغز رحل من وقته والتحق بقراسنقر، وسيّر للشيخ صدر الدين عشرين ألف اكروس (١٤)
ولمّا وصلوا إلى ماردين، كان الملك المنصور نجم الدين إيلغازى مريضا (١٦). فخرج إليهم ولده الملك العادل علاء الدين علىّ، وأخرج لهم الإقامات، وتوجّه فى خدمتهم إلى نحو خدابنداه، ووصل إلى أخلاط.
فلحقه البريد يعرّفه أنّ والده الملك المنصور توفّى إلى رحمة الله. فرجع
стр. 4162
لا يلوى على شئ، وأخذ مسافة خمسة أيّام فى يوم وليلة. ودخل إلى ماردين فى الليل، وأراد قتل أخيه شمس الدين صالح من دون إخوته الجميع، لما كان يعلم من همّته وأنّه أهل (٣) للملك دون غيره من الإخوة.
فأبى الله تعالى أن يكون الميّت غيره. ولم يوافقوه كبار الدولة على ذلك كون أنّ شمس الدين كان معروفا عند خدابنداه وكبار المغل. وملك الملك العادل علاء الدين علىّ المذكور مدّة عشرة أيّام، وهو متوجّع من فؤاده، وتوفّى إلى رحمة الله تعالى حتى اتّهم أنّ قراسنقر سقاه. وملك بعده الملك الصالح شمس الدين أخوه، واستمرّ فى الملك، وهو ملك حسن السيرة، محبوب (٩) إلى رعيّته، كبير السياسة، حسن التدبير، سعيد فى حركاته، ميمون (١٠) فى غزواته
ذكر [حوادث] سنة اثنتى عشرة وسبع ماية
النيل المبارك فى هذه السنة: الماء القديم
ما يخصّ من الحوادث
الخليفة: الإمام المستكفى بالله أبو (١٤) الربيع سليمان أمير المؤمنين، ومولانا السلطان الأعظم: الملك الناصر سلطان الإسلام بممالك الأرض، فى طولها والعرض، أدام الله أيّامه إلى يوم العرض
والنوّاب بمصر والشام، حسبما نذكر الآن من الكلام: الأمير جمال الدين آقوش الأشرفىّ نايب الكرك بدمشق إلى حين عزل وقبض عليه، وأخلع على الأمير سيف الدين تنكز الحسامىّ الناصرىّ يوم الجمعة
стр. 4163
سادس شهر ربيع الآخر (١) بنيابة دمشق عوضا عن الأمير جمال الدين المشار إليه، وأخلع على الأمير سيف الدين سودى الجمدار بنيابة حلب المحروسة تاسع شهر المحرّم من هذه السنة، وأخلع على الأمير سيف الدين تمر الساقى بنيابة طرابلس تاسع شهر صفر من هذه السنة. وفى ذلك اليوم كان تعدية قراسنقر والأمرا رفقته وقطعه الفراة متوجّها إلى الشرق
وأحضر الأمير جمال الدين آقوش الأشرفىّ إلى الأبواب العالية، وقبض عليه وعلى جماعة من الأمرا وهم: الأمير ركن الدين بيبرس الدوادار النايب يومئذ بالأبواب العالية، والأمير شمس الدين آلدكز صهر الشجاعىّ أمير ماية مقدّم ألف، والأمير شمس الدين سنقر الكمالىّ أمير حاجب كان، والأمير حسام الدين لاجين الجاشنكير المعروف بزيرباج أمير ماية مقدّم ألف. وكان هؤلاء الأمرا المذكورون فى التجريدة الأخيرة. فلمّا حضروا مسكوا مع الأمير ركن الدين بيبرس الدوادار النايب، وكان بالأبواب العالية، لم يكن مع المجرّدين، وتوجّه بهم إلى ثغر الإسكندريّة بالاعتقال خلا بيبرس الدوادار، فإنّه اعتقل بالقلعة المحروسة. وكذلك مسك مع هؤلاء الأمرا الأمير سيف الدين باينجار، والأمير علاء الدين مغلطاى المسعودىّ. كلّ هؤلاء أمرا مقدّمين ألوف، وليس فيهم بغير تقدمة ألف سوى الأمير حسام الدين لاجين العمرىّ. فتكمل العدّة به ثمانية نفر فى يوم واحد. وعاد مولانا السلطان ركب فى ثانى يوم من مسكهم
ولقد بلغنى ما حكاه والدى: أنّ السلطان الملك الظاهر ﵀ على ما كان عليه من الشجاعة التى تضرب بها الأمثال، لمّا مسك سنقر الرومىّ،
стр. 4164
أقام أربعة أشهر ما ركب حتى تمهّد أمره. ومولانا السلطان مسك هؤلاء الكباش، وفيهم نايب مصر ونايب الشأم، وركب من غده، فهذه من النكت العجيبة والسير الغريبة
وفى يوم الاثنين تاسع شهر ربيع الآخر وصل الملك المؤيّد عماد الدين إسمعيل-وكان يومئذ نايبا بحماة بغير ملك-إلى الأبواب العالية، وأخلع مولانا السلطان عليه خلعة سنيّة بشاش مثمر
وفى شهر ربيع الأوّل حصل الغضب على القاضى فخر الدين ناظر الجيوش المنصورة وأفصل من الوظيفة (٨). وولى الشيخ قطب الدين بن شيخ السلاميّة، وكان ناظرا على الجيوش الشأميّة، فأحضر وولى مكان القاضى فخر الدين، وسلّم القاضى فخر الدين لفخر الدين أياز أستادار الأعسر، وحصل له إهانة (١١) كبيرة وكذلك ولده عبد الله
وفى خامس عشر ربيع الآخر كان عرض الحلقة المنصورة بين يدى المواقف الشريفة السلطانيّة، وقطع تقدير ألف ومايتى فارس، كانوا محدثين جنديّة وعاجزين ومن لا يصلح للخدمة الشريفة. وأصلح جماعة كبيرة فى أخبازهم أعزّه الله. ولمّا كان الخامس والعشرين من ربيع الآخر أفرج عن القاضى فخر الدين، وجلس بين يديه لعرض بقيّة الحلقة المنصورة، وأخلع عليه ورضى عنه
وفى مستهلّ شهر جمادى الأوّل أخلع على الأمير سيف الدين أرغون الدوادار الناصرىّ بنيابة الديار المصريّة واستقرّ كذلك
стр. 4165
وفى شهر جمادى الآخر برزت المراسم الشريفة بعمارة الميدان الذى تحت القلعة المصريّة
وفى أوّل شهر صفر وردت الأخبار بتحريك التتار، وأنّ قراسنقر والأفرم قويّا عزم خدابنداه على الدخول إلى الشأم، وضمنا له أخذها له.
فلمّا كان فى شهر رجب قويت الأخبار، ورسم مولانا السلطان عزّ نصره باستخدام البطّالين من الجند، وأقطعهم ساحل الغلّة
وفى عاشر شعبان استحضر مولانا السلطان رسول الأشكرى بالإيوان الجديد. وقدّموا تقادمهم على رءوس الحمّالين، وعدّتهم اثنين وأربعين حمّالا، ما بين جوخ وسنجاب وبرطاسى وغيره، وخمسة شواهين وصقر واحد
ذكر توجّه الركاب الشريف عزّ نصره
إلى الشأم المحروس بنيّة الغزاة
وذلك لمّا صحّت الأخبار بتوجّه التتار إلى نحو الديار، برزت المراسم الشريفة بأن ينفق فى الجيوش المنصورة، فنفقت فيهم الأموال، وذلك أوّل شهر رمضان المعظّم. فلمّا كان ثانى شهر شوّال خرج الركاب الشريف السلطانىّ من القلعة المحروسة. وكان فى طول هذه المدّة- والعرض واقع تحت القلعة-فى كلّ نهار تعرض ألفى فارس، وكان عرض عظيم ما شهد الناس مثله، لما أظهرت الموالى الأمرا (١٧) من القوّة والسلاح والعدد والخيول، حتى ذهلت عقول العالم. وكان ذلك بمرأى من عيون العدوّ المخذول وجواسيسه، والأخبار ترد على خدابنداه بجميع ذلك.
فداخله الزّمع، وعمل فيه الهلع
стр. 4166
هذا وجيوشه قد عادوا فى غاية الضعف من الجوع والقلّ. وكان قد نزل على الرحبة وضرب عليها سبع حلقات، وشرع فى حصارها، وقلّت عنده الأقوات، حتى عادوا يعلّقون على دوابّهم ورق الكروم وحصل لخيلهم مرض الطابق. فرجع أكثرهم هاربين بغير دستور منه حسبما (٥) نذكر من ذلك، إن شاء الله تعالى. فلمّا رأى أنّه فى غاية الضعف، وأنّ الأخبار قد وردت عليه أنّ الجيوش الإسلاميّة فى غاية القوّة ﴿نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ﴾ (٧) ولم يلو على من خلفه ولا على من بين يديه
وكان أوّل الجيوش الإسلاميّة لمّا قبضوا نفقاتهم توجّهوا إلى نحو الشأم بالعدّ والعديد، وقلوب أقوى من الحديد. فوصل أوايلهم إلى غزّة مستهلّ شهر رمضان المعظّم، واستمرّت الجيوش تتحدّر انحدار السيول.
وقد ملأوا بكثرتهم الحزون والسهول، إلى مستهلّ شهر شوّال المبارك.
والركاب الشريف قد نزل على منزلة الصالحيّة من الديار المصريّة.
فوردت الأخبار بهروب التتار، ونكوصهم على أعقابهم طالبين الديار.
فضرب مولانا السلطان مشورا مباركا مع الأمرا الكبار. فاجتمع الآرا المباركة على التوجّه إلى الشأم المحروس، والنزول بدمشق المحروسة، ليكون ذلك أكثر إرهابا للعدوّ المخذول. فتوجّه نصره الله على أعدايه المتمرّدين، نصرا عزيزا إلى يوم الدين، طالبا للشأم المحروس، لتطمئنّ بقدوم ركابه الشريف النفوس. فدخل إلى دمشق المحروسة يوم الثلاثا ثالث وعشرين شوّال، ونزل بالقلعة يوما واحدا (١٩)، وانتقل إلى القصر الأبلق بالميدان الأخضر، ليأخذ كلّ منهما حظّه بحلول ركابه الأخضر. وفرّق العساكر فى أقطار الشام، مدّة إقامة ركابه الشريف فى تلك الأيّام، بنواحى الروحا
стр. 4167
والسواحل وإلى نواحى بلاد حمص وحصن الأكراد وسواحل عكّا وطرابلس. ودخل فى ركابه الشريف أعيان الناس إلى دمشق
ثمّ أجمع رأيه الشريف أن يجمع بين الأجرين، ليفوز بالحسنتين. فعزم على الحجاز الشريف من دمشق المحروسة، وهى أوّل حجّاته المبرورة، ومساعيه المشكورة. وترك الأمير سيف الدين أرغون النايب يومئذ بالأبواب العالية من الديار المصريّة مقيما بدمشق المحروسة، وكذلك الأمير سيف الدين تنكز ملك الأمرا بالشأم المحروس. وكانا يجلسان جميعا ويحكمان بين الجيوش المنصورة، المصريّين والشأميّين. وتوجّه فى ركابه الشريف الأمير سيف الدين بكتمر الحسامىّ بحكم انتقاله من الوزارة إلى الحجبة قبل هذا التأريخ، وتولّى الأولة بالأبواب العالية، وخرج فى الركاب الملك بن العنام، وهى الوزارة الأولة بالأبواب العالية، وخرج فى الركاب الشريف وزيرا مستقلاّ. وكان من قبل مستوفى الصحبة الشريفة. وأقام أيضا بدمشق بسبب تحصيل الأموال الديوانيّة. وتوجّه فى خدمة الركاب الشريف القاضى كريم الدين الكبير. والقاضى علاء الدين بن الأثير صاحب ديوان الإنشا الشريف، والقاضى فخر الدين ناظر الجيوش المنصورة، والقاضى شمس الدين غبريال، وفوّض إليه أمر الإقامات وتدبير الأحوال فى طريق الحجاز الشريف. فلمّا كانت العودة رتّب ناظر النظّار بالشأم المحروس واستمرّ كذلك حتى انفصل بكريم الدين الصغير حسبما نذكر من ذلك فى تأريخه
وكان لمّا حلّ الركاب الشريف بدمشق المحروسة فى التأريخ المذكور قد زيّنت دمشق زينة عظيمة، وكذلك ساير مدن الشأم والحصون والقلاع.
وحصل للناس من الفرح والسرور ما يضيق عن بعض وصفه هذا المختصر.
стр. 4168
وخرجت الجيوش الشأميّة مع أمرايها، وقبّلوا الأرض عند الجسورة.
ونزل الركاب الشريف على مصطبة السلطان. ومدّ خوان (٢) عظيم عمّ على الخاصّ والعامّ. وقدّم القاضى نجم الدين بن صصرى قاضى القضاة بالشأم المحروس ألف رأس غنم شوا وألف طبق فاكهة وثلاثة ألف علبة حلاوة، وقدّم خمس حجورة، ثلاثة من خيل العماد وثلاث من بنات الفارة أصلهم من خيول صاحب حماة، وقدّم (٦). . . ثوب أطلس وكمخا ومروزىّ وكنجى وغير ذلك، وثلاثة مماليك وجاريتين كالبدور الطلع، وكذلك قدّموا كبار دمشق مثل عزّ الدين بن القلانسىّ وكمال الدين بن الزملكانىّ ونظراهم شيئا كثيرا جدّا (٩). وبسط الأمير سيف الدين تنكز ملك الأمرا مع جماعة الأمرا الشأميّين من قصر حجّاج إلى باب الميدان الثياب المثمّنة النفيسة، وكان يوما مشهود، لم يرا مثله مذ كانت الوجود، وأقام ركابه الشريف بدمشق (١٢). . .
وعاد من الحجاز الشريف فى التأريخ المذكور، وقد غمر أهل الحجاز بالبرّ والمعروف، ونفق فى الصدقات المبرورة آلاف الألوف، وذلك لم يزل منه مشهود ومعروف. وكان فى مدة غيبة ركابه الشريف بالحجاز الشريف قد ضاقت بالعساكر الأقطار، وتحسّنت من كثرتهم فى ساير الأصناف الأسعار، حتى بلغ الحمل التبن ثلاثين درهما وأكثر. ولولا تفرّقهم فى جميع تلك الأماكن المذكورة كان السعر بخلاف ذلك.
وعاد الركاب الشريف من الحجّ المبرور والسعى المشكور، وقد فعل من المعروف ما عاد مذكور، إلى آخر الدهور. وكان دخوله إلى دمشق
стр. 4169
المحروسة الساعة الأولة من يوم الخميس سابع عشرين المحرّم. وخرج إلى ملتقى ركابه الشريف ساير من كان بدمشق من الجيوش المصريّة والشأمية إلى الجسورة. واصطفّوا صفوف، ألوف ألوف (٣)، وعادوا يقبّلون الأرض عدّة مرار، الكبار من الأمرا والصغار، فكانت ساعة تذهل فيها العقول، وتقصر عنها النقول. ثمّ عاد البسط من قصر حجّاج إلى الميدان بإمكان، وأىّ إمكان! وكان قد تقدّم ببشارة سلامة ركابه الشريف الأمير سيف الدين قجليس السلحدار. وكان عند الناس أعظم من يوم عيد ذلك النهار. ولمّا استقرّ ركاب مولانا السلطان بالقصر الأبلق المطلّ على الميدان، خرجت الخلع والإنعامات والهدايا والأرمغانات.
وفرّق الحجورة الحجازيّة على جميع الأمرا المصريّة والشأميّة، وكذلك هدايا الحجاز الشريف، من كلّ صنف لطيف، وقدره شريف
وضرب مشورا على أنّه يسوق إلى حلب، ثمّ يعدّى الفراة ويدوس البلاد، ويجمع بين الحجّ والغزاة، ويؤدّى (١٣) الفريضتين، ويفعل فوق ما فعله الملك الظاهر بالبلستين. وقوى العزم الشريف على ذلك، فى دوس تلك الممالك والمسالك. وبرز المرسوم الشريف للأمير سيف الدين آقول الحاجب بأن يركب يتوجّه لطرد الجيوش الإسلاميّة والعساكر المحمديّة من الأماكن التى هم بها متفرّقون من المغربين والمشرقين، وطرد الخيول من الدشار، وسوق العساكر من تلك الديار. ثمّ إنّ الموالى الأمرا قبّلوا الأرض بين يدى المواقف الشريفة السلطانيّة، وأثنوا عزمه الشريف عن تلك النيّة، وقالوا: يحفظ الله مولانا السلطان، قد حضر الركاب الشريف من الحجاز تعبان، والعدوّ المخذول فقد عاد
стр. 4170
مكسور، بشارب مذلول، وقد رجع بالذلّ والهوان، من هيبة مولانا السلطان. والأسعار فقد غلت، والأثمان فى ساير الأصناف قد علت، والبلاد التى بيقصدها مولانا السلطان فبلاد إسلام، وليس عليهم ملام، بما فعاوه التتار الليام. ومولانا السلطان فقد جعله الله تعالى غيثا للبلاد، ورحمة على العباد، ولا يأخذ أهل المدن من المسلمين، بما فعلوه التتار الجاهلين.
وعساكر مولانا السلطان فهوج عظيم، وعالم جسيم، وحيث حلّوا كسروا، وأين داسوا دثروا، وسعة صدر مولانا السلطان يسع من جهل، وكفى بالعدوّ المخذول، وقد عاد وهو خايب الأمل
فرجع نصره الله إلى مقالهم، ولم يخيّب قصدهم وآمالهم. ثمّ برز المرسوم بالدستور إلى الديار المصريّة، وقد شكر الله تعالى له هذه المساعى المرضية.
ثمّ توجّه الركاب الشريف طالبا لديار مصر، وقد حفّته الملايكة المقرّبون بالنصر. فكان دخوله إلى محلّ ملكه، وساير الأمرا المصريّين منتظمون فى سلكه، <ثانى عشر> (١٣) من شهر صفر المبارك، والسعد قرينه، والتوفيق له مشارك
ولمّا استقرّ ركابه الشريف، بالقصر العالى المنيف، كان قد بدا من الأمير عزّ الدين أيبك الرومىّ والأمير سيف الدين بينجار ما أوجب تغيّر الخواطر الشريفة عليهما. فمسكهما وأودعهما الاعتقال، وبطل القيل والقال. ثم اشتغل-أيّده الله بالقرآن-فى تشييد عدّة أماكن بالبنيان، إلى ما يذكر بعد ذلك من البيان