← История

История · id 18147

كنز الدرر وجامع الغرر

ابن الدواداري

Полный текст (4 323 стр.). Показаны 4166–4205 · переход к 4171.

стр. 4166

هذا وجيوشه قد عادوا فى غاية الضعف من الجوع والقلّ. وكان قد نزل على الرحبة وضرب عليها سبع حلقات، وشرع فى حصارها، وقلّت عنده الأقوات، حتى عادوا يعلّقون على دوابّهم ورق الكروم وحصل لخيلهم مرض الطابق. فرجع أكثرهم هاربين بغير دستور منه حسبما (٥) نذكر من ذلك، إن شاء الله تعالى. فلمّا رأى أنّه فى غاية الضعف، وأنّ الأخبار قد وردت عليه أنّ الجيوش الإسلاميّة فى غاية القوّة ﴿نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ﴾ (٧) ولم يلو على من خلفه ولا على من بين يديه وكان أوّل الجيوش الإسلاميّة لمّا قبضوا نفقاتهم توجّهوا إلى نحو الشأم بالعدّ والعديد، وقلوب أقوى من الحديد. فوصل أوايلهم إلى غزّة مستهلّ شهر رمضان المعظّم، واستمرّت الجيوش تتحدّر انحدار السيول. وقد ملأوا بكثرتهم الحزون والسهول، إلى مستهلّ شهر شوّال المبارك. والركاب الشريف قد نزل على منزلة الصالحيّة من الديار المصريّة. فوردت الأخبار بهروب التتار، ونكوصهم على أعقابهم طالبين الديار. فضرب مولانا السلطان مشورا مباركا مع الأمرا الكبار. فاجتمع الآرا المباركة على التوجّه إلى الشأم المحروس، والنزول بدمشق المحروسة، ليكون ذلك أكثر إرهابا للعدوّ المخذول. فتوجّه نصره الله على أعدايه المتمرّدين، نصرا عزيزا إلى يوم الدين، طالبا للشأم المحروس، لتطمئنّ بقدوم ركابه الشريف النفوس. فدخل إلى دمشق المحروسة يوم الثلاثا ثالث وعشرين شوّال، ونزل بالقلعة يوما واحدا (١٩)، وانتقل إلى القصر الأبلق بالميدان الأخضر، ليأخذ كلّ منهما حظّه بحلول ركابه الأخضر. وفرّق العساكر فى أقطار الشام، مدّة إقامة ركابه الشريف فى تلك الأيّام، بنواحى الروحا

стр. 4167

والسواحل وإلى نواحى بلاد حمص وحصن الأكراد وسواحل عكّا وطرابلس. ودخل فى ركابه الشريف أعيان الناس إلى دمشق ثمّ أجمع رأيه الشريف أن يجمع بين الأجرين، ليفوز بالحسنتين. فعزم على الحجاز الشريف من دمشق المحروسة، وهى أوّل حجّاته المبرورة، ومساعيه المشكورة. وترك الأمير سيف الدين أرغون النايب يومئذ بالأبواب العالية من الديار المصريّة مقيما بدمشق المحروسة، وكذلك الأمير سيف الدين تنكز ملك الأمرا بالشأم المحروس. وكانا يجلسان جميعا ويحكمان بين الجيوش المنصورة، المصريّين والشأميّين. وتوجّه فى ركابه الشريف الأمير سيف الدين بكتمر الحسامىّ بحكم انتقاله من الوزارة إلى الحجبة قبل هذا التأريخ، وتولّى الأولة بالأبواب العالية، وخرج فى الركاب الملك بن العنام، وهى الوزارة الأولة بالأبواب العالية، وخرج فى الركاب الشريف وزيرا مستقلاّ. وكان من قبل مستوفى الصحبة الشريفة. وأقام أيضا بدمشق بسبب تحصيل الأموال الديوانيّة. وتوجّه فى خدمة الركاب الشريف القاضى كريم الدين الكبير. والقاضى علاء الدين بن الأثير صاحب ديوان الإنشا الشريف، والقاضى فخر الدين ناظر الجيوش المنصورة، والقاضى شمس الدين غبريال، وفوّض إليه أمر الإقامات وتدبير الأحوال فى طريق الحجاز الشريف. فلمّا كانت العودة رتّب ناظر النظّار بالشأم المحروس واستمرّ كذلك حتى انفصل بكريم الدين الصغير حسبما نذكر من ذلك فى تأريخه وكان لمّا حلّ الركاب الشريف بدمشق المحروسة فى التأريخ المذكور قد زيّنت دمشق زينة عظيمة، وكذلك ساير مدن الشأم والحصون والقلاع. وحصل للناس من الفرح والسرور ما يضيق عن بعض وصفه هذا المختصر.

стр. 4168

وخرجت الجيوش الشأميّة مع أمرايها، وقبّلوا الأرض عند الجسورة. ونزل الركاب الشريف على مصطبة السلطان. ومدّ خوان (٢) عظيم عمّ على الخاصّ والعامّ. وقدّم القاضى نجم الدين بن صصرى قاضى القضاة بالشأم المحروس ألف رأس غنم شوا وألف طبق فاكهة وثلاثة ألف علبة حلاوة، وقدّم خمس حجورة، ثلاثة من خيل العماد وثلاث من بنات الفارة أصلهم من خيول صاحب حماة، وقدّم (٦). . . ثوب أطلس وكمخا ومروزىّ وكنجى وغير ذلك، وثلاثة مماليك وجاريتين كالبدور الطلع، وكذلك قدّموا كبار دمشق مثل عزّ الدين بن القلانسىّ وكمال الدين بن الزملكانىّ ونظراهم شيئا كثيرا جدّا (٩). وبسط الأمير سيف الدين تنكز ملك الأمرا مع جماعة الأمرا الشأميّين من قصر حجّاج إلى باب الميدان الثياب المثمّنة النفيسة، وكان يوما مشهود، لم يرا مثله مذ كانت الوجود، وأقام ركابه الشريف بدمشق (١٢). . . وعاد من الحجاز الشريف فى التأريخ المذكور، وقد غمر أهل الحجاز بالبرّ والمعروف، ونفق فى الصدقات المبرورة آلاف الألوف، وذلك لم يزل منه مشهود ومعروف. وكان فى مدة غيبة ركابه الشريف بالحجاز الشريف قد ضاقت بالعساكر الأقطار، وتحسّنت من كثرتهم فى ساير الأصناف الأسعار، حتى بلغ الحمل التبن ثلاثين درهما وأكثر. ولولا تفرّقهم فى جميع تلك الأماكن المذكورة كان السعر بخلاف ذلك. وعاد الركاب الشريف من الحجّ المبرور والسعى المشكور، وقد فعل من المعروف ما عاد مذكور، إلى آخر الدهور. وكان دخوله إلى دمشق

стр. 4169

المحروسة الساعة الأولة من يوم الخميس سابع عشرين المحرّم. وخرج إلى ملتقى ركابه الشريف ساير من كان بدمشق من الجيوش المصريّة والشأمية إلى الجسورة. واصطفّوا صفوف، ألوف ألوف (٣)، وعادوا يقبّلون الأرض عدّة مرار، الكبار من الأمرا والصغار، فكانت ساعة تذهل فيها العقول، وتقصر عنها النقول. ثمّ عاد البسط من قصر حجّاج إلى الميدان بإمكان، وأىّ إمكان! وكان قد تقدّم ببشارة سلامة ركابه الشريف الأمير سيف الدين قجليس السلحدار. وكان عند الناس أعظم من يوم عيد ذلك النهار. ولمّا استقرّ ركاب مولانا السلطان بالقصر الأبلق المطلّ على الميدان، خرجت الخلع والإنعامات والهدايا والأرمغانات. وفرّق الحجورة الحجازيّة على جميع الأمرا المصريّة والشأميّة، وكذلك هدايا الحجاز الشريف، من كلّ صنف لطيف، وقدره شريف وضرب مشورا على أنّه يسوق إلى حلب، ثمّ يعدّى الفراة ويدوس البلاد، ويجمع بين الحجّ والغزاة، ويؤدّى (١٣) الفريضتين، ويفعل فوق ما فعله الملك الظاهر بالبلستين. وقوى العزم الشريف على ذلك، فى دوس تلك الممالك والمسالك. وبرز المرسوم الشريف للأمير سيف الدين آقول الحاجب بأن يركب يتوجّه لطرد الجيوش الإسلاميّة والعساكر المحمديّة من الأماكن التى هم بها متفرّقون من المغربين والمشرقين، وطرد الخيول من الدشار، وسوق العساكر من تلك الديار. ثمّ إنّ الموالى الأمرا قبّلوا الأرض بين يدى المواقف الشريفة السلطانيّة، وأثنوا عزمه الشريف عن تلك النيّة، وقالوا: يحفظ الله مولانا السلطان، قد حضر الركاب الشريف من الحجاز تعبان، والعدوّ المخذول فقد عاد

стр. 4170

مكسور، بشارب مذلول، وقد رجع بالذلّ والهوان، من هيبة مولانا السلطان. والأسعار فقد غلت، والأثمان فى ساير الأصناف قد علت، والبلاد التى بيقصدها مولانا السلطان فبلاد إسلام، وليس عليهم ملام، بما فعاوه التتار الليام. ومولانا السلطان فقد جعله الله تعالى غيثا للبلاد، ورحمة على العباد، ولا يأخذ أهل المدن من المسلمين، بما فعلوه التتار الجاهلين. وعساكر مولانا السلطان فهوج عظيم، وعالم جسيم، وحيث حلّوا كسروا، وأين داسوا دثروا، وسعة صدر مولانا السلطان يسع من جهل، وكفى بالعدوّ المخذول، وقد عاد وهو خايب الأمل فرجع نصره الله إلى مقالهم، ولم يخيّب قصدهم وآمالهم. ثمّ برز المرسوم بالدستور إلى الديار المصريّة، وقد شكر الله تعالى له هذه المساعى المرضية. ثمّ توجّه الركاب الشريف طالبا لديار مصر، وقد حفّته الملايكة المقرّبون بالنصر. فكان دخوله إلى محلّ ملكه، وساير الأمرا المصريّين منتظمون فى سلكه، <ثانى عشر> (١٣) من شهر صفر المبارك، والسعد قرينه، والتوفيق له مشارك ولمّا استقرّ ركابه الشريف، بالقصر العالى المنيف، كان قد بدا من الأمير عزّ الدين أيبك الرومىّ والأمير سيف الدين بينجار ما أوجب تغيّر الخواطر الشريفة عليهما. فمسكهما وأودعهما الاعتقال، وبطل القيل والقال. ثم اشتغل-أيّده الله بالقرآن-فى تشييد عدّة أماكن بالبنيان، إلى ما يذكر بعد ذلك من البيان

стр. 4171

ذكر سبب مأتى التتار إلى الرحبة والسبب فى عودتهم خايبين إنّما قدّمنا القول فى ذكر ما كان من أمر العساكر الإسلاميّة، والجيوش المحمديّة، وأخّرنا ذكر ما كان من جيوش التتار، وعساكر الكفّار، لما قبل <من الطويل>: أيا دهرنا نعماك فينا أتمّها ... ودع أمرهم إنّ المهمّ المقدّم والآن فنبتدى بما كان من أمور التتار، وسبب مأتاهم إلى تلك الديار. وذلك أنّ القول تقدّم من العبد بما كان من أمر قراسنقر ورفقته المرتدّين، المغضوب عليهم إلى يوم الدين. وكان قد سيّر قراسنقر قصّادا (٩) من البلاد ليخبروه بما كان وبما فعله مولانا السلطان فى حقّ بنيه، وحاشيته وذويه. وقد حسّن للملك خدابنداه الدخول إلى الشام، وأنّه يأخذ له البلاد من غير قتال ولا كلام. وسيّر إلى ساير ممالك التتار، من ساير الأقطار، وجنّد الجنود، وحشد الحشود. هذا والأفرم ملتهى مع الملك خدابنداه فى حسو الخندريس، وقد صار أقرب إليه من كلّ جليس. فبينما قراسنقر وجوبان يحزّبون الأحزاب، ويسبّبون الأسباب، إذ ورد على قراسنقر إحدى قصّاده، ومن كان عليه اعتماده بكتب من عيونه، يخبروه عن أولاده، بما قرّت به عيونه، وأنّ المراحم الشريفة لم تؤاخذهم بما فعله آباؤهم من سوء الاعتماد، ولا ما جناه من الفساد، وأنّه أنعم عليهم (١٨) بأمريات، وجعلهم فى صحيفته من جملة الحسنات، وأملاكك بتجبيها جباتك، وتحمل إلى خزاين أولادك،

стр. 4172

ولم يفقدوا غير نظرك عليهم. وقد زاد مولانا السلطان فى إحسانه إليهم. هنالك داخله الندم، لما عليه من الفساد قد قدم، ولا عاد يقدر ليستدرك ما فرط، ممّا (٣) وقع فيه من الغلط وفى جملة ما ذكر القاصد لقراسنقر أنّ العساكر الإسلاميّة متفرّقة فى بلادها يربعوا (٥) خيولهم من أمرايها وأجنادها، ولا عندهم مهلة حتى ليستغلّوا مغلاّتها، فإنّ أخبار البيكار، شايع فى ساير الأقطار. والسلطان فى الصيد ليس عنده من جموعكم هذه اكتراث، وفى عزمه أن يسقى خيله هذه السنة من ماء الفراة. فأخذ قراسنقر ذلك القاصد، وأتى به إلى الملك خدابنداه قاصد، وحدّثه مشافاه، بما عاينه وسمعه ورآه. فقال خدابنداه: فماذا عندك، يامير شمس الدين، من الرأى؟ فنحن لرأيك متّبعين، ولقولك مستمعين. -فلم يمكنه الرجوع عمّا كان هو السبب فيه، وخشى أن تشمت به أعاديه، ويجدوا للقول فيه بابا (١١) مفتوح، ويعود كأنّه غير نصوح. فقال: يا ملك، وأيش من الرأى غير دوس الشام، فى هذا العام؟ فقلاعها حاصلة فى يديك، والجميع تسلّم إليك، من غير حرب ولا قتال، ولا تعب ولا نضال. وأوّل ما نجعل نزولنا على الرحبة، ونضرب من بابها الرقبة، والذى عندى أنّه يسلّم إلينا المفتاح عند أوّل حملة، ولا يطيق حصارا (١٦) ولا يعطى نفسه مهلة. - هذا (١٧) وجوبان يسمع الكلام ولا يبدى جواب، وقد داخله من الحنق حتى لا يحير خطاب، ولو مكّن من قراسنقر ورفقته لما كان لهم عنده غير ضرب الرقاب (١٩)

стр. 4173

فعند ذلك قوى العزم المخذول، على الركوب والدخول، لما كان فى قلوبهم من نوبة شقحب من الدجول. ورسم لصاحب ماردين بجرّ المناجيق (٣) إلى شطّ الفراه، وبجرّ عساكره بنفسه من وراه. وكان صاحب سيس، النجس الخسيس، قد جهّز الأخشاب والحواصل، وحمّل البغال والمسامير والسلاسل. وركب الملك خدابنداه من الأردوا طالبا للفراه، وجيوشه قد طبّقت الأرض من قدّامه ووراه، ومماليك قراسنقر يلعبون قدّامه بالنار، وقد علا الدخان وزاد القتار، وضرب قدّامه الزمر والطار. هذا وقد أظلّتهم الظلمة والوحشة، وقد أخذتهم الحيرة والدهشة، ومسلمين البلاد تدعو عليهم بالخذلان، ويلعنوا قراسنقر ورفقته سرّا وإعلان فاجتمع قراسنقر بالأفرم فى ذلك الوقت وقال له: يامير جمال الدين، ترى نحن فى اليقظة (١١) أو فى الأحلام؟ قد عدنا فى جيوش الكفر بعد جيوش الإسلام، وما كفانا حتى نكون (١٢) السبب فى تجهيز أمّة الكفر إلى أمّة النبىّ ﵇، فلا حول ولا قوّة إلاّ بالله العلىّ العظيم، -قال، وبكيا جميعا. وقال الأفرم: أو يخذلهم الله تعالى ونرجع مكسورين؟ والله يعلم أنّ نحن على ذلك مجبورين قال الناقل: وحضر عسكر الكرج، وصاحب سيس، والتقاهم الملك الصالح صاحب ماردين بالإقامات والعلوفات، ورتّب ذلك فى ساير المنازل. وقدّم للملك خدابنداه تقادم عظيمة من صلب ماله. ثمّ إنّه تحدّث مع الملك خدابنداه بمسمع من قراسنقر وقال: قد جانى قاصد من مصر، وعرّفنى أنّ صاحب مصر دخل من الصيد وطلع القلعة ونفق فى

стр. 4174

العساكر، وخرجت السلحداريّة، وطردوا الخيول من على المرابط. وقد سيّر البريد إلى الشأم مع جميع الممالك الإسلاميّة بخروج الجيوش للغزاة، وكذلك بتحصيل الإقامات لأجل حركته. -فقال خدابنداه: أيش تقول، يامير شمس الدين؟ قال: الله يحفظ القآن، جميع ما قاله صحيح وجاتنى الأخبار بذلك، وصاحب مصر ملك جسور، والأموال عنده كثيرة. وجيوشه مزاحة الأعداد. ولا بدّ ما يفعل الله أمرا كان مقدورا. -قال: فانكسر قلب الملك من ذلك الوقت، وتحقّق أنّ جيوشه تضعف عن الملتقى، على أن كان هذا خدابنداه ليس من رجال الحروب، وإنّما كان صاحب شراب ولذّة ومنادمة. ولولا حملوه واستحى لا يريهم من نفسه العجز لما كان تحرّك بحركة. قال الناقل: فقال لصاحب ماردين: ما عندك من الرأى؟ نلتقى صاحب مصر وخيل المغل ضعاف ونخشى الغايلة؟ -فعلم صاحب ماردين أنّه قد داخله الهلع، فقال: الله يحفظ القآن، ننزل على الرحبة ونحاصرها ونريح الخيول وإلى ما يجينا صاحب مصر ورأى القآن المصلحة فى العود إلى البلاد رجعنا. ويكون ذلك أيضا ممّا يضعف المصريّين. فإنّ كلّ حركة عليهم ينفدوا فيها جمل أموال. فإنّ كلفتهم أكثر من كلفتنا. وإذا عزم القآن فى العام القابل نكون نحن أقوى منهم. - قال. واتّفق رأى الملك خدابنداه مع رأى صاحب ماردين على ذلك ثمّ إنّهم ساقوا وعدّوا الفراة ونزلوا على قلعة الرحبة سبع حلق، فكان آخر حلقتهم منزلة قباقب، وذلك فى مستهلّ شهر رمضان المعظّم. وكان صاحب سيس قد أحضر شيئا كثيرا (٢٠) من التقادم للملك خدابنداه

стр. 4175

من الأموال على البغال والأكاديش، وماية ألف تطبيقة (١) ثقال بمساميرها، وجملة عظيمة من الأغنام والأبقار، وخوشخاناه من ساير الأصناف، وقمح وشعير على ثلاثين ألف حمار، مع وزيره الشيخ إسحاق بن دينار، وسبق عسكره بسبعة أيّام. ثم حضر عسكره خمسة عشر مقدّم وهم: سير ميدوم، وسر كليام، وسحرج، وباسيل، ويحيى بن داقر، وبولص، وجرجس، وابن مريمة، وجريح، وبرصوما، وسرليس، وبرطلما بن قرقار، ولوقان، ودويب، وصليب بن عصار، وكورا، وسيدوم، وصحبة كلّ ملعون منهم خمسين ملعون من الأرمن تحت سنجق الصليب. ولمّا وصلوا أعرضهم جوبان وقراسنقر، فإنّهما كانا المتحدّثين (٩) فى الجيوش. ثمّ وصل عسكر الكرج والمقدّم عليهم دمر خان ومعه من أمراه الكبار من نذكر وهم: طاليش، وطبجوا، وطرطح، وطرطق، وبيكار، وبيكرى، وشلقيم، وكربك. وأوجى، وكرباس، وبازار، وبغلوقرا، وجقل، وجاغان، وقبترى، وجمقار (١٣)، وقردم، وكنجار، وهؤلاء قوم كبار اللحى، غليظين الطباع، شديدين الأجسام، عظيمين الكفر، لا يعرفون الحلال من الحرام، لا لهم عيشة غير الخمر والطرب. فقال قراسنقر لجوبان: أرمى هؤلاء الحمير فى الأوّل فى الحصار، والنقب وللرمى بالأحجار قال الناقل: وتقدّم هذا الملعون مقدّم الكرج دمر خان-وهو كأنّه قطعة من جبل-بنفسه وهو جاهل بالحرب والحصار. فجاه من القلعة زنّار فى صدره طلع من ظهره، فخرّ لوجهه، وعجّل الله بروحه إلى النار، وبئس القرار. وكان عزاء من جوبان، فأخذ الزنّار وتقدّم إلى عند

стр. 4176

خدابنداه وقال: قد جانا مفاتيح القلعة ومعها هذه الهديّة الحسنة-، وهو يضحك، وأرمى الزنّار بين يدى الملك خدابنداه كأنّه رمح أو ناشر، وأراد بهذا الكلام تكذيب قراسنقر بجميع ما قال. وكان قراسنقر حاضرا (٣)، ففهم غرضه فى ذلك. وقال خدابنداه: إذا كان أصغر القلاع ترمى بهذا الزنّار العظيم، كيف يكون حالنا فى القلاع الكبار؟ -والتفت إلى قراسنقر وقال: أيش تقول، شمس الدين بيك؟ -فقال قراسنقر: يحفظ الله القآن ويطيل فى عمره، ما يموت أحد إلاّ بأجله، ولو كان فى بطن أمّه، هذا كان مكتوبه. وبعد هذا، القآن ما خرج إلاّ فى نيّة الحرب والقتال، والمحاصرة وقتل الرجال. ومن طلب عظيما (٩) خاطر بعظيم. وإن كان الأمير جوبان يخاف من مثل هذا الزنّار وأنظاره فلا يتعرّض لقتال ويوفّر نفسه، ونحن ننوب عنه فى جميع ما يخشاه. فالمملوك قد شابت لحيته فى القلاع والمحاصرات والأحجار والزنّارات. وإلى الآن ما صابنى شى. ومن خاف سلم، ومن جسر كسر، -قال. فتعجّب الملك خدابنداه من قوّة كلامه، وفهم مراد جوبان بقوله. فقال: يامير شمس الدين، طيّب قلبك ولا تضيّق صدرك، وتربة أبغا، لا بدّ ما أملّكك الشأم جميعه. وخلّى أىّ من تكلّم تكلّم. -قال الناقل: وحصل من ذلك اليوم بين قراسنقر وجوبان المنافسة، ولا عادوا يتكالموا إلاّ مراياة لبعضهم البعض. واستمرّ الحصار على الرحبة طول شهر رمضان هذا والجفل قد حصل فى جميع بلاد الشأم، من الفراة إلى أبواب الرمل وأخلت حمص وحلب. وعاد فى أبواب دمشق دقّة وزحمة. وعادت أهل القرى والضياع وحواضر دمشق يريدون الدخول إلى البلد، وأهل البلد

стр. 4177

يخرجون منها ويقصدون الديار المصريّة والحصون من القلاع الشأميّة حتى بلغ الحمل إلى ديار (٢) مصر ألف درهم نقرة ولا يلتقى. وأخرجت أمرا الشأم نساهم وحريمهم وطلبوا الديار المصريّة، وكذلك كبار الدماشقة. ولم يبق فى دمشق إلاّ من عجز عن الحركة أو من قوّى نفسه واتّكل على الله خالقه، فكان عقباه إلى السلامة وعدم الغرامة وتوفّر من الخوف والتعب قلت، وممّا أحكيه بالمعاينة دون الإخبار: إنّ العبد كان فى ذلك الوقت عند الوالد ﵀ بدمشق وجميع الأهل كذلك. فلمّا وقع هذا الجفل حصل للنسا الخوف العظيم. فإنّهم مصريّين ولا يعرفون الجفل ولا التتار. فلمّا رآهم الوالد كذلك أجمع الرأى على إنفاذهم إلى قلعة صرخد. فتوجّهوا إليها، واستمرّينا نحن ننتظر ما يكون من فعل الله هذا والبطايق تصل على أجنحة الحمام من الرحبة يخبرون بما هم فيه من شدّة الحصار وعظيم القتال. ولم تزل البطايق واصلة إلى العشر الأخير من شهر رمضان انقطعت البطايق. فظنّ أنّ التتار قد أخذوا القلعة، فحصل عند الناس من الألم ما علمه الله تعالى. وعادوا الناس ينتظرون الفرج فى حضور الركاب الشريف السلطانىّ أعزّ الله أنصاره، وما يتجدّد من الأخبار السارّة هذا والعرض واقع بالديار المصريّة، وقد وصلت أوايل الجيوش إلى غزّة، والاجتهاد عمّال. وإنّما حصل القلق من الشأميّين، ومولانا السلطان يفعل ما يراه من مصالح الجيوش، وأورى فى هذه العرضة من القوّة والنهضة (١٩) والخيول والسلاح وكثرة الجيوش ما كسر به قلوب التتار لمّا بلغهم ذلك.

стр. 4178

وكانت هذه كلّها آراء (١) سعيدة وأمورا مفيدة حتى عادوا هاربين ﴿فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا، وَالْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ (٢) وكان سبب تأخير الحمام بالبطايق من الرحبة أنّ التتار احتاطوا بها سبع حلقات، فعاد الحمام إذا طيّروه من القلعة رصدوه الملاعين فيرموه بالنشّاب. فإن سلم من الحلقة الأولة ما يسلم من غيرها. هذا ما حكاه الأمير بدر الدين ابن الأزكشىّ نايب الرحبة للوالد وبقيّة الأمرا الذين توجّهوا لكشف أحوال الرحبة، وكان العبد فى الجملة حسبما أذكر من ذلك بعد هذا الكلام إنشا الله تعالى ثمّ ورد الخبر أنّ تومانين من التتار قد وصلوا إلى القريتين وهم بها نزول. فلمّا صحّ ذلك جمع ملك الأمرا الأمرا الكبار والقرانيص من الناس. وضرب مشور فى ذلك. فأجمعوا رأيهم أن يعيّنوا من العساكر الشأميّة بدمشق وغيرها عشرة آلاف فارس نقاوة الجيوش، وأن يخرجوا يكبسوا تلك الطايفة الذين بالقريتين، لعلّ أن يكون كنوبة عرض. واتّفق الحال على ذلك. فعيّنوا من دمشق الأمير سيف الدين بهادر آص والأمير سيف الدين كسكن والأمير شجاع الدين أغرلوا العادلىّ وعدّة من الأمرا الطبلخانات والعشرات، وثلاث ماية فارس من حلقة دمشق ومايتى مملوك من المماليك السلطانيّة الذين بدمشق، وأن يكون جملة العدّة من عسكر دمشق أربعة آلاف فارس. وكتب إلى نايب طرابلس بأن يحضر بنفسه، وكذلك إلى نايب حمص وصاحب حماة. فبينما الأمر كذلك والناس فى أشدّ الأحوال وأعظم الأهوال فكان كما قيل: تضايقى تضايقى تنفرجى ﴿سَيَجْعَلُ اللهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً﴾ (٢١) وكما قال الشاعر <من الخفيف>:

стр. 4179

ربّما (١) ... تجزع النفوس من الأم ر له فرجة كحلّ العقال فلمّا كان بين الصلاتين وقع الحمام محلّقا (٢) من الرحبة. وبعد العصر حضر مملوك الأمير بدر الدين بن الأزكشىّ نايب الرحبة على البريد المنصور يبشّر بهروب التتار، ورحيلهم عن الرحبة إلى نحو الديار، وأنّ القلعة سالمة بحمد الله تعالى وبركة النبىّ ﵇. وضربت فى تلك الساعة البشاير، وفرح البادى والحاضر، واطمأنّت النفوس بعد الوجل، وطمعت آمال أهل الشأم بطول الأجل، وعادوا الناجعون من الديار، وقد اعتراهم الخجل وسيّر مملوك الأمير بدر الدين بن الأزكشىّ على حاله صحبة أمير من الأمرا الكبار ليدرك الركاب الشريف قبل حركته من القلعة المحروسة. فلم يلحقوا ذلك إلاّ بمنزلة الصالحيّة. فأبت النفس الشريفة، والهمّة الملوكيّة العالية المنيفة أن تعود، حتى تبلغ من أعدايها المقصود، وقوى العزم الشريف المبارك على ذلك. وقال: لا بدّ من دوس بلادهم، واستيصال أموالهم وأسر أولادهم. وأتبعهم إلى مطلع الشمس، وأتركهم خبرا من الأخبار كالأمس، وأعرّف خدابنداه أن كعب قراسنقر ورفقته عليه من أيشم الكعوب، وإن كان قد رجع هاربا خايفا مرعوب، فليس الخبر كالعيان، ولا السماع كالبيان. -فلمّا نظروا الأمرا إلى هذه النفس الأبيّة، والهمّة العليّة، خشوا إن يعاودوه فى الكلام لا يعود، وتوقّعوا (١٧) من سطواته الشريفة بالانتقام. فلم يجسر أحد على ردّ الجواب، وقالوا بأجمعهم: هذا هو عين الصواب. - فأمر من وقته بالتوجّه إلى الشام، ولا ينطق أحد منهم بحرف من الكلام، للوقت نشرت الأعلام، وهدمت الخيام، ودقّت الكوسات، ونعرت

стр. 4180

البوقات. وقصد الشأم طالع، فى أيمن سعد وأبرك طالع. هذا ما كان من ركاب مولانا السلطان وأمّا ملك الأمرا بالشأم، فإنه علم أن الركاب الشريف لا بدّ له من القدوم إلى الشأم المحروس، ولبلاد العدوّ المخذول يدوس، لما يتحقّقه من شجاعة مخدومه، فانتدب لملتقاه وقدومه. وعلم أنّه لا بدّ أن يسأله عن كيفيّة نزول العدوّ المخذول، فيجب أن يكون عنده من ذلك الخبر اليقين، فجرّد من الأمرا والمقدّمين جماعة ﴿مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ (٧) وكان فى الجملة الوالد، سقى الله عهده وبلّ تربه. وأمرهم أن يتوجّهوا إلى الرحبة لكشفها وكيفيّة أحوالها، وكيف كان نزول التتار عليها، ليطالعوا بجميع ذلك المسامع الشريفة السلطانيّة مشافهة بعين الرؤيا (١٠)، لا بأذن السماع، عند حلول الركاب الشريف إلى دمشق المحروسة. وتوجّهت صحبة الوالد من طريق الشفقة عليه. فإن إقطاع المملوك كان بالديار المصريّة ولم يكن علىّ تجريد بالشأم. فقاسيناها منفّرة صعبة، شديدة التعب والخوف والبرد وقلّة المادّة بالبلاد بسبب خلوّها من جفل التتار. واستقبلتنا الروايح المنتنة من قباقب، وذلك لكثرة الجيف فى تلك الأراضى ووسخ التتار وقذارة منازلهم. فكدت أموت من تلك الروايح. ثمّ وجدنا أوايل حلقتهم السابعة لمّا كانوا نزولا (١٧) بمنزلة قباقب، وداخلها حلقة وحلقة وحلقة إلى سابع حلقة المحتاطة بالرحبة. وذكر الأمير بدر الدين بن الأزكشىّ لنا لمّا وصلناه أنّه كان يبطق الحمام إلى دمشق، فيرموه التتار بالنشّاب ولا يخلص منهم، وذلك لكثرة الحلقات عليها، وذلك لمّا كان انقطع الحمام وظنّوا أهل دمشق أنّ الرحبة أخذت

стр. 4181

فلمّا وصلنا إلى قرب الرحبة خرج الأمير بدر الدين والتقانا وأنزلنا وأحضر إلينا رأس بقر ضعيف وقال: والله لم يتركوا التتار عندنا رزقا (٢). - ثمّ إنّ الأمرا كشفوا الأحوال وطلعوا من النقوب التى كانوا نقبوها التتار وخاسفوهم الرحبيّين. ثمّ سئل (٤) الأمير بدر الدين: كيف كان رحيلهم وما سببه؟ -فأحكى أنّه دبّر تدبيرا حسنا (٥)، وإلاّ ما كانت الرحبة من القلاع التى بتعصى على مثل خدابنداه فى تلك الجموع. وذلك أنّه صانع جماعة من كبار الدولة مثل الوزير رشيد الدولة وغيره. وكذلك سيّر إلى مغنيّة كانت حظيّة (٨) الملك خدابنداه تسمّى نجمة خاتون، وهى التى كانت تغنّى بين يديه هيلا ميلا، وكانت عنده ذات (٩) وجاهة كبيرة. وكان هذا الملك خدابنداه ليس من رجال الحرب، وإنّما كان همّته الأكل والشرب والطرب والنساء والملاهى. ولولا حمل واستنهض من قراسنقر ورفقته وخشى الفضيحة أن يورّى فى نفسه العجز لما كان تحرّك بحركة. وكان إذا ركب فى الدجلة السماريات توقد له الشطّين ويعود فى جنوك عجميّة ودفوف وزمور وشبابات طول ليله. فلمّا أن دبّر بدر الدين بن الأزكشىّ ما دبّر وراسل نجمة خاتون وهاداها جلست تلك الليلة ووجهها غير عادته فى حال الرضى. فقال لها خدابنداه: أيش خبرك؟ -فقالت: الله يحفظ القآن، تركنا ورانا مثل دجلة ووقيدها ونزهها وما كنّا عليه من اللذّة والانفساح، وجينا إلى هذا المكان القذر وهذه الرايحة التى إن دامت علىّ (١٨) يومين آخرين متّ. -فقال: يا خاتون، كيف يقال عنّى إنّى نزلت بنفسى على مثل هذه القلعة اللاش (٢٠) ورحلت عنها بغير أخذها؟ -فقال: الله

стр. 4182

يحفظ القآن، والله هذه فى قبضتك، وجميع من فيها رعيّتك، وهم مسلمين. وفى مثل هذا الشهر الشريف قد بلغنى أنّ امرأة (٢) فيها كانت جالسة تطبخ وفى حضنها صغير ترضعه فجاها زنّار أخرقها وأخرق ابنها وقدرتها، وأنّ أيضا الجامع جميعه انهدم من المنجنيق، والقآن-الله يحفظه-مسلم ويحبّ المسلمين. وهذا كلّه جرى ولا يجسر أحد يخاطب القآن. وارسم بسنجقك يطلّعوه ويدخلوا تحت الطاعة. -فقال: إن فعلوا ذلك رحلت عنهم. -فأنفذت إلى الأمير بدر الدين تعلمه بذلك. وسيّروا السنجق فأعلوه على القلعة وفتحوا الباب، ونزل القاضى، وأحضروا تلك المرأة وولدها التى أخرقها الزنّار وقدّموها بين يديه. فبكى لمّا رآها. وسيّر خلعة للأمير بدر الدين بن الأزكشىّ، ولبسها وقبّل له الأرض وما بين عقب السنجق. ثمّ إنه أجلس القاضى وتحدّث معه ورسم له بأربع ماية دينار لعمارة ما انهدم فى الجامع. ورحل من ساعته وأودع جميع الآلات من المناجيق وغيرها فى الرحبة، وهو يظنّ أنّها عادت له. فهذا كان سبب رحيله. -هذا جميعه حديث الأمير بدر الدين بن الأزكشىّ للأمرا، وأنا أسمع وكان هذا بدر الدين بن الأزكشىّ فى أوّل حاله جنديّا كرديّا (١٦) من حلقة دمشق نازلا (١٧) بالصبيبات بظاهر دمشق، قدّمه كرمه وسماحة نفسه، وكان سبب تقديمه الأمير سيف الدين بهادر آص. وذلك ما حكوه للمملوك جماعة الدماشقة: إنّ هذا بدر الدين نزل يبيع له بغلا (١٩)، فأباعه بألف ومايتى درهم نقرة. فاشترى

стр. 4183

لإصطبل الأمير سيف الدين بهادر آص. وحضر بدر الدين ليقبض المبلغ من الخزندار. فلمّا وزن له المبلغ قال له الخزندار: خشداش، حطّ البركة! - قال: فقسم المبلغ نصفين، فأخذ ستّ ماية وترك ستّ ماية، والخزندار يتفرّج فيه، وقال: يا خوند، هذه البركة. -فضحك الخزندار وظنّه أنّه بيلعب، فأخذ تلك الستّ ماية وخرج، ركب فرسه وأتى منزله. فطلبه الخزندار فلم يجده. فتعجّب منه ودخل إلى الأمير وهو جالس فى الدهليز على عادته، فقال: يا خوند، اشترينا هذا البغل من جندىّ مجنون، -وأحكى للأمير حكايته. فرسم بطلبه فلم يجدوه، فطلبوا الدلاّل وطلبوه الدلاّل وطلبوه منه. فأحضره، فقال له الأمير: يا كردىّ، أنت عاقل أو مجنون؟ -فقال: لا والله، لولا أنا عاقل ما وصلت إلى الأمير. -فقال: الناس إذا طلبوا منهم البركة يطّوا خمس ستّ دراهم والنادر عشرة الدراهم. -كيف حطّيت ستّ ماية درهم؟ - فقال: الله يحفظ الأمير، هذا البغل رأس ماله علىّ (١٢) ستّ ماية درهم، شريته جحشا (١٣) وربّيته وكسبت فيه ستّ ماية درهم. فلمّا طلب منّى مملوك الأمير البركة، ما كان لمثلى أن يقابل الأمير إلاّ بهذا. ولو علمت أنّ الأمير يقبله بغير ثمن ما أخذت شيئا (١٥). -ونظر إليه الأمير فوجده رجلا فحلا. فأعجبه، فأخلع عليه. وعاد فى خدمته حتى خلت قلعة الصبيبة. فتحدّث له مع ملك الأمرا جمال الدين الأفرم فولاّه الصبيبة فقام بها أتمّ قيام. ثمّ خلت الرحبة، فنقل إليها، فاستمرّ بها إلى هذا التأريخ. فلمّا حلّ الركاب الشريف إلى دمشق حضر إلى بين يدى المواقف الشريفة. وشكر له هذا التدبير، وأنعم عليه مولانا السلطان بإمرة ماية فارس وتقدمة ألف. ولقد نظرته

стр. 4184

يخرج مع الأمير سيف الدين بهادر آص الذى أنشأه من الخدمة جميعا يمشون فى منزلة واحدة، لكن يحجب الأمير سيف الدين بهادر آص قدّامه بقليل، فسبحان من هو على كلّ شئ قدير، وإليه الحكم والتدبير (٣) ذكر [حوادث] سنة ثلاث عشرة وسبع ماية النيل المبارك فى هذه السنة: الماء القديم ما يخصّ من الحوادث الخليفة: الإمام المستكفى بالله أبو (٧) الربيع سليمان أمير المؤمنين، ومولانا السلطان الأعظم: الملك الناصر مالك نواصى الأمم، من عربها والعجم، أسبغ الله عليه سوابغ النعم، وكفاه شرّ حوادث النّقم والنوّاب: الأمير سيف الدين أرغون النايب بالديار المصريّة، والوزير: الصاحب أمين الدين إلى حين مسك فى هذه السنة فى تأريخ ما يذكر، والحاجب: الأمير سيف الدين بكتمر ومعه الأمير علاء الدين ألطنبغا حاجبا، والأمير سيف الدين آقول المحمدىّ أيضا، وأمير نقبا الجيوش علاء الدين طيبرس الخزندارىّ بحاله، والنوّاب بالشأم: الأمير سيف الدين تنكز الحسامىّ نايب دمشق، والملك عماد الدين إسمعيل نايب حماة، والأمير سيف الدين سودى الجمدار نايب حلب، والأمير

стр. 4185

سيف الدين تمر الساقى كستاى الناصرىّ نايب أطرابلس، والأمير سيف الدين بلبان طرنا نايب صفد، والأمير علم الدين سنجر الجاولىّ نايب غزّة وفى مستهلّ المحرّم وصل الركاب الشريف إلى الكرك المحروس من الحجاز الشريف ودخل قلعتها. وكان وصوله إلى دمشق المحروسة حادى عشر المحرّم من هذه السنة. وقد جعل الله تعالى سعيه مشكور، إذ جمع بين نيّة الغزاة إلى الحجّ المبرور، وكان يوم دخوله إلى دمشق يوما مشهور، لم ير مثله فى ساير الدهور. وخرج إلى خدمته ساير الجيوش الإسلاميّة، والعساكر المحمديّة، وترجّلوا جميعهم كالبنيان (٨)، وهم الذين كانوا بدمشق من الأمرا والمقدّمين والأعيان. وعادوا يبّلون الأرض عدّة مرار. ثمّ تقدّموا لتقبيل يده الشريفة التى جعل الله ظاهرها للتقبيل، وباطنها للعطا الجزيل. ودخل مؤيدا بالظفر والنصر، إلى أن حلّ ركابه الشريف بالقصر. وكان مدّة غيبته ثمان وستّين يوما. وفى يوم الخميس سابع عشرين المحرّم توجّه إلى الديار المصريّة، وقد بلّغه الله فى سفرته أقصى الأمنيّة، لمّا اطّلع على ما كان منه من صدق النيّة، فإنّه يعلم السرّ والعلانية. ودخل إلى الديار المصريّة ثالث عشر صفر، مؤيّدا بالنصر والظفر ولمّا كان ثامن عشر شهر جمادى الأولى مسك الصاحب أمين الدين أمين الملك مع جماعة من الدواوين، وولى تدبير الدولة بشادّ الأموال من غير وزارة الأمير بدر الدين محمد بن التركمانىّ. وكان من قبل تولّى أعمال (١٩) البحيرة، ثمّ انتقل إلى ولاية الجيزيّة، ثمّ لحظته العناية السلطانيّة حتى عاد مدبّر الدولة بمنزلة الوزارة. ولمّا كان فى العشر الأخير من

стр. 4186

جمادى الآخرة أفرج عن الصاحب ولزم بيته. ثمّ رسم أن يخرج ويتوجّه إلى أطرابلس. ثمّ أعفى وتوجّه إلى القدس الشريف (٢) وفى شهر شوّال رسم بتجريدة إلى الحجاز الشريف صحبة سيف الدين طقصبا والى قوص، ورسم له بالإقامة بمكة شرّفها الله تعالى وفى ثالث عشر الشهر المذكور رسم بعمل جسر مستجدّ بالجيزة. وخرج جميع الجيش للعمل فيه، وكان المشدّ على عمله ناصر الدين الحمصىّ وفى شهر ربيع الأوّل الثالث عشر منه كان الابتدا فى بنا القصر الأبلق بقلعة الجبل المحروسة. وكان الفراغ منه عاشر شهر جمادى الأولى سنة أربع عشرة وسبع ماية وعمل فيه مهمّ عظيم. وأنعم فيه مولانا السلطان على ساير الأمرا بحمل كبيرة. ومن جملة ما أنعم به على القاضى علاء الدين بن الأثير ﵀ بثلاثين ألف درهم من حمل سيس. فاستقرّت له عادة فى كلّ سنة يتناولها من حمل سيس وفيها توفّى الوالد ﵀ الثالث عشر من شهر رجب الفرد، وذلك أنّه لمّا مسك مولانا السلطان للصاحب أمين الدين أمر أن تكشف عليه القلاع التى كان يخرج فى كلّ وقت إليها أمين الملك لمّا كان مستوفى الصحبة الشريفة وصحبته بدر الدين بكتوت القرمانىّ، وكان ذكر عنه

стр. 4187

أنّه تناول منها حملا كبيرا (١). فرسم مولانا السلطان عزّ نصره للقاضى فخر الدين ناظر الجيوش المنصورة أن يعيّن من يكشف عن ذلك. فقال القاضى: ما لهذا الأمر مثل عبد الله الدوادارىّ المهمندار بدمشق. - وذلك لما كان يتحقّقه من الوالد من الأمانة الزايدة والنهضة (٤) والكفاية والشفقة على مال مولانا السلطان. فكتب له بذلك من الأبواب العالية. فتوجّه وكشف القلاع الفوقانيّة مثل كحتا وكركر وبهاسنا والبيرة وقلعة الروم وغيرهم. ورجع إلى القلاع التحتانيّة على البريد المنصور. فوصل إلى وادى يعرف بالزرقا وهو طالب قلعة عجلون. فزلق به الفرس، وقع من تقدير عشر قامات إلى الوادى ووقع الفرس على صدره، وكانت منيّته وأجله. فحمل إلى مدينة أذرعات، ودفن بها قريبا (١٠) من قبر أبيه وأمّه، ﵀ وساير (١١) أموات المسلمين ذكر ما كان من أمر قراسنقر بالبلاد والواقعة بين خدابنداه وطقطاى فى هذه السنة (١٣) وذلك أنّه لمّا رجع الركاب الشريف السلطانىّ أعزّ الله أنصاره، وأعلى مناره إلى الديار المصريّة، وقد بلغ من هروب أعدايه غاية الأمنيّة، وردت الأخبار على قراسنقر من قصّاده: إنّ صاحب مصر رجع إلى الديار المصريّة، وأنّه قبل خروج ركابه الشريف إلى الشأم رسم على أولادك،

стр. 4188

واحتيط على ساير أموالك وأملاكك. -فلمّا سمع ذلك انقطع ظهره وحار فى أمره. وعلم أنّه هو الجادع أنفه بظلفه، وأنّه كان الباغى، والباغى ساع (٣) فى حتفه. فاجتمع بالأفرم وقال: قد بلغنى ما صورته كيت وكيت. وقد عزمت على أن أخاطب القآن وأحشد الحشود، وأجمع الجموع، وأغار على الممالك الحلبيّة والبلاد الشأميّة، وأقتل من وجدت فى طريقى من ساير البريّة. -فقال له آقوش الأفرم: يامير شمس الدين، ما كفى ما عدنا مرتدّين، وعن باب الله مطرودين حتى نسعى فى هلاك الإسلام؟ فكيف نلقى الله والنبىّ ﵇؟ -فقال: يامير جمال الدين، لا تظنّ أنّى أنا وحدى قد أصابتنى هذه المصيبة! وإنّما أنت أيضا قد أخذت أولادك وأموالك وأملاكك. وهذا القاصد قد عاين جميع ما لك يباع فى أسواق دمشق. فقم بنا ولا تعطى نفسك رخصة ودعنا نموت كراما (١١)، ولا نموت غبنا (١٢)، وأولادنا فى الحبوس والتراسيم ونحن نسمع ونكاشر. وأنا أعرف جيش مصر ما بقى فيه أمير له صورة ولا كبير يرجع إلى رأيه، والجميع صبيان كاينة، والخروف الرضيع لا يقاوم الكبش فى النطاح. وقد صار سودى الجمدار موضعى بحلب، وتنكز الحسامىّ موضعك بدمشق، وتمر الساقى فى طرابلس مكان أسندمر. فكيف لنا صبر على هذا وأمثاله؟ - قال، فهما على عزم ما يفعلاه من المناحس، إذ حضر إليهما ما أشغلهما وتملّكهما عمّا كانوا قد عزموا عليه، وذلك أنّ الأخبار وردت على الملك وتملّكهما عمّا كانوا قد عزموا عليه، وذلك أنّ الأخبار وردت على الملك خدابنداه أنّ طقطاى قد تحرّك عليه، وأنّ جيوشه واصلة إليه وكان قراسنقر قد تمكّن فى بلاد المغل تمكّنا كبيرا (٢٠) ورتّب جميع الأحوال على قاعدة بلاد الإسلام، وجعل البلاد إقطاعات للأمرا من المغل،

стр. 4189

ورتّب لهم الأستاداريّة والدواوين، وازدادت ارتفاعات البلاد شيئا كثيرا (١) جدّا. وأقطع البلاد الخراب للتركمان والأكراد، وألزمهم بإقامة الأبقار واستخراج الأراضى وتنظيفها (٣) من الخرش. فجاءت بعد ذلك طوفان غلال. وقد تقدّم القول بما فعله فى حقّ الخواتين، وما صنع لهنّ (٤) من المصاغات والزراكش حتى أخذ بعقولهنّ. وعادوا معه فى ساير أحواله. وهؤلاء التتار فأمورهم راجعة إلى نساهم بخلاف المسلمين قال الناقل: فلمّا عاين جوبان تمكّن قراسنقر من الدولة ومحلّه من قلب القآن وقلوب الخواتين، ولا عاد خدابنداه يقطع أمرا (٨) دون أمره، داخله الحنق والغيظ، وخلا بالملك خدابنداه وقال له: أمنت لهذا العيّار، كما أمن أخوك غازان (١٠) لقبجق وبكتمر السلحدار، وخدعوه وأقاموا عندنا وعملوا علينا. ولولا أنّ الله تعالى نصرنا عليهم وإلاّ كانوا قد قصدوا مسكنا بذقوننا وتسليمنا للمسلمين المصريّين. ثمّ إنّهم رجعوا إلى أصحابهم، ومات أخوك غازان مغبونا (١٣) منهم وفى قلبه لهيب النار. -فقال له الملك: دع هذا الكلام! فإنّ هذا الرجل قد نصحنى وأقام منار ملكى، واستجار بى، وهذا ورفيقه كانا ملوك الشأم وخدموا الملك الناصر صاحب مصر أتمّ خدمة، ولا وفى بهم، وأخبارهم جميعها عندى مفصّلة، والله العظيم، وتربة أبغا وهلاوون، لا خنتهم أبدا ولا تخلّيت (١٧) عنهم حتى أعيدهم ملاّك الشأم من قبلى، فلا ترجع تعاودنى فى شى من أجلهم قال الناقل: ثمّ إن الملك خدابنداه استحضرهم وطيّب قلوبهم، وقال لقراسنقر: قد أقمتك مقام نفسى ومن خالفك مات، فافعل جميع ما تراه

стр. 4190

مصلحة. -وأخلع عليه وعلى الأفرم والزردكاش وبلبان الدمشقىّ ولاعبهم وضاحكهم. ومن جملة كلامه لهم: يا شمس الدين بيك، أىّ من أعجبك من أولاد المغل خذه اعمله خلفك سلحدار، ومن يمنعك يموت. ولا تقاسى غبن التجّار. -فقال آقوش الأفرم: والمملوك، يا خوند؟ -فقال: يامير جمال الدين، أنا وأنت لنا مذهب غير مذهب الأمير شمس الدين وجوبان، قال. -فقال جوبان: أنا برى من الأمير شمس الدين ومن مذهبه. -وتلاعبوا وضحكوا، وأخلع الملك أيضا على الأمير جوبان، وأعطاه حياصة ذهب من تقدمة قراسنقر، ورسم أن يكون الأمير جمال الدين الأفرم حريفا (٩) لا يردّ عنه لا ليلا ولا نهارا، وإيده مطلوقة فى الخزاين والأموال، وأن يكون الأمير شمس الدين قراسنقر ملك الأمرا على العساكر وترتيب المملكة، والزردكاش أمير غارة وفى خدمته جماعة كبيرة من المغل يرسم الغارات، وبلبان الدمشقىّ أمير جاندار على باب الدهليز الذى رتّبه قراسنقر، وجوبان أخلع عليه ورسم له أن يكون ملك النوّاب ويتوجّه لكشف ساير البلاد قال الناقل: لمّا تحدّث جوبان مع القآن فى حقّ قراسنقر بما تحدّث نقلوا الخواتين المجلس بكماله لقراسنقر، قال: فخلا قراسنقر بجوبان قبل سفره، وقال له: أمّا أنا فما هربت من قدّام أستاذى وابن أستاذى إلاّ خلّصت رأسى من الموت لمّا تعاين لى الهلاك، وأتيت إلى باب القآن مستجيرا (١٩) وعمرى فى باب أستاذى. ما خامرت ولا كاتبت ولا داجيت. وأمّا أنت فقسيم القآن فى ملكه، وحاكم على جميع ما ملّكه

стр. 4191

الله تعالى من الأرض. وقد جانى من عندك عشرين كتابا وعشرين قاصدا وهم فلان وفلان وفلان-وعدّدهم له-بأنّك تريد تدخل إلى عندنا وتخامر على أستاذك والذى خوّلك فى نعمته. فسيّرت إليك أقول لك: ما تعدّى إلى عندنا إلاّ بنفسك مع عشرة من خواصّك وخمسة مماليك وسلحدار واحد، وتتوجّه إلى خدمة السلطان فى البريد ويجى مرسوم بتخلية عسكرك بالتعدية، فنمكّنهم بعد ذلك. فسيّرت تقول لى: أشتهى تصبر علىّ حتى أتوجّه وآخذ خراج الروم وأخربه وأدخل إلى سيس وأقبض على صاحبه تكفور، وأقعد فيها وأكون نايب السلطان الملك الناصر بتقليد ومرسوم من جهته. وكتبت أنا إليك الجواب: إذا صحّ هذا سيّرت وعرّفت مولانا السلطان ينجدك بالعساكر والجيوش، واتّفقت معك على هذا، وهذه كتبك جميعها معى حاضرة قال الناقل: فلمّا سمع جوبان ذلك خاف خوفا عظيما (١٢) وسيّر لقراسنقر تقادم عظيمة مع عدّة كثيرة أكاديش، وقال: يامير شمس الدين، من اليوم تعاملنا ومن هذا الوقت تعارفنا، وابقينى وأبقيك، قال: وبلغ الحديث جميعه للملك خدابنداه، فطلب قراسنقر وطيّب خاطره. وقال له: يامير شمس الدين، جميع ما قصد جوبان يفعله عرفت به، وعندى أخباره بمكاتباته لصاحب مصر، ولكن لا بدّ له معى من وقت. -وأخلع عليه وبسط يده وأعلى كلمته ونفّذ أحكامه. ودخل قراسنقر على الملك خدابنداه بالسحر والمكر وكذلك على جميع كبار المغل وخواتينها حتى عاد صاحب الوقت

стр. 4192

ذكر الواقعة التى كانت بين الملكين خدابنداه وطقطاى قال الناقل: وفى هذه السنة كانت الوقعة العظيمة بين الملك خدابنداه وبين عساكر طقطاى. وأتته الأخبار بوصول جيوش طقطاى إلى بلاده وأنّ المقدّم عليها صاروبغا بن تكلان، وهم فى ثلاث ماية ألف. وقد سيّروا رسلهم إلى الأكراد بجبل هكّار وإلى بلاد شل وصورة (٥) وإلى صاحب العماديّة بأنّهم يكونوا معهم عليك ويأتوا من خلفك إذا لاقيتهم. -وتوجّه إليهم الفرمانات، وهذه قلاع المسلمين جميعهم فرحوا بذلك، وشالوا النار لبعضهم بعض. قال: فلمّا سمع الملك خدابنداه هذا الحديث اشتغل خاطره، وطلب للوقت قراسنقر ورفقته، وأخبرهم بما سمع من الأخبار، المزعجة. فقال قراسنقر: يا خوند، لا يهولك ما سمعت من كثرتهم، فإنّهم عدّة بلا عدّة، ولا هم رجال حرب، وسوف يرى القآن ما يسرّه. وبمرسوم القآن أفعل ما أراه. -فقال: يامير شمس الدين، أنت المفضّل وقد سلّمت إليك الأمور وأقمتك مقام نفسى، ومهما رأيت من المصلحة افعل ولا تشاور، -قال. فعندها سيّر وطلب جميع العساكر وكانوا قريبين حوالى الموصل وسنجار وإربل ومثل هذه الأماكن القريبة. ثمّ إنّه دخل على الملك وضرب جوك وقال: بمرسوم القآن أنقّى من هذه الجيوش عشرة آلاف فارس بعشرة مقدّمين توامين ممّن أعرفهم وألبسّهم عدد عسكر مصر وأكون شاليش وينظر القآن ما أفعل، وأريك (١٨) قتال جيوش الإسلام كيف يكون، وأرجو من الله تعالى بياض وجهى عند القآن بالنصر

стр. 4193

إنشا الله تعالى. -فقال: يامير شمس الدين، ما أنا القايل لك من قبل هذا الحال: مهما أردت افعل ولا تشاور؟ قال الناقل: فخرج قراسنقر من بين يدى القآن وطلب عشرة مقدّمين توامين نقاوة عسكر خدابنداه، وهم بيدرا بن قطلوجا بهادر، وتلك ابن صمغار بهادر، وطقتمر بن بولاى بهادر، وأمير حسن بن ششكت بهادر، وكجرك بن عليناق بهادر (٦)، وزيرك بن بخشى بهادر، وأحمد شاه ابن قنغرطاى بهادر، وقزلجق بهادر، وعلىّ قجا بن زريك بهادر، وما باجى بهادر. قال الناقل: وهؤلاء المذكورون كلّهم شباب نشأوا جهّالا (٩) لا يعرفون الموت، وهم جمرة المغل الحمرا. قال: وأعطاهم قراسنقر العدد الملاح والخيول الجياد وألبسهم القرقلات الأطلس والخوذ البهادريّة، وألبس خيولهم البركستوانات الأطلس، وجعلهم شعلة نار، وتقدّم قدّام عسكر الملك خدابنداه بيومين. وأعطى مماليكه الزرّاقين آلات النفط، وكانوا مايتى مملوك. وقال لهؤلايك المقدّمين: أنتم وحدكم آخذ بكم بلاد بركة، وأفتح بكم إلى آخر المشرق وركب الملك خدابنداه فى أثره فى بقيّة جيوشه ومغله. وتلاحق به صاحب الكرج، وصاحب ماردين، وصاحب سيس مع ساير ملوك المغل. وكان قراسنقر أيضا قد رتّب قدّام عسكر الملك خدابنداه خمس ماية زرّاق، علّمهم اللعب بالنفط وآلاته. ورتّب له ثلاث ماية حمل كوشات على البخاتى. فركب فى دست عظيم لا يعهد قبله مثله، وكان عدّة جيشه أحد عشر تومان خارجا (٢٠) عن الجيش الذى كان نقّاهم قراسنقر. وركب

стр. 4194

خدابنداه فى القلب وإلى جانبه الأمير إسماعيل بن ألجاى خاتون بن سردار، وهذا أيضا من عظم هلاوون. ودقّت الكوسات من خلفه فدوى لها الجبال، وأرعدت البرارى والقفار ورتّب فى الميمنة برأسها من التوامين من نذكر وهم: سرطقتوا بهادر، وطمغاجى بهادر، وأنغطاى بهادر، وعلىّ آغا بهادر (٥)، وصغرجى بهادر، وقيمش بهادر، وكربيه بهادر، وطقجى بهادر، وحسن بك بهادر (٦)، وقرلوا بهادر، وقرايغدى بهادر، وكرباى بهادر، ودرباى بهادر، ونمجى بهادر (٨)، وقزلجى بهادر، وأرطق بهادر، وكجرك بهادر، وسلمان شاه، وجغنان، وطلمايس، وإيت أغلى، وقرغاجى، وطينال، ودمر، وقطرمش، وبراق، وأمير داود، وبكلمش، وقرتقا، وجنقر وسواطوا، وبجاق، وقرا محمد، وأبغا، وقرابغا، ونغاى، ودماجى، وأسن جك، وحسنجى، وطاشار بهادر. وكان إلى جانب الملك من الأمرا أمير يحيى، وبلجك بهادر، وقستا بهادر، وقراقان بهادر، وبلدق بهادر، وسوباى بهادر، وأمير علىّ بهادر، وصلغاى بهادر، وأمير علم حامل سنجق (١٥) الأرنب، وكان راجل طويل جدّا غليظ فجّ الكلام، كأنّه بعير شديد الحيل، يأكل فى كلّ يوم ثلاثة أرؤس غنم أو نصف رأس بقر سمين، واسمه كرباى بن خنفار. وترتّب الجيش، ووقف الملك خدابنداه، ولعبت الزرّاقين بالنار، وأظلمت البرارى والقفار، وكلّ أحد قد تعاين له الموت. قال الناقل: هذا ما كان من أمر خدابنداه وأمرايه وجيوشه وأسماهم وعدّتهم على التحقيق من غير زيادة ولا نقصان، حسبما اتّصل بنا من

стр. 4195

أخبارهم، ونقلناه من آثارهم جهد الطاقة وحدّ الاستطاعة، بعون الله وحسن توفيقه وبركة إلهامه وأمّا عسكر طقطاى فنذكر أيضا ما اتّصل بنا من أخبارهم وأسما أمرايهم وعدّتهم، وما كان من أمرهم وكسرتهم ورجوعهم إلى بلادهم مكسورين، بما صنعه معهم قراسنقر ورفقته مفصّلا مبرهنا بحول الله وقوّته: قد ذكرنا أن المقدّم كان على هذا الجيش اسمه صاروا بغا بن تكلان، وهو أخو براق ملك جبال القار وما معها. وكان فى عسكر كثيف، نيّف وثلاث ماية ألف أو يزيدون، حتى ملا البرارى والقفار، ودكدك الجبال والأوعار، وقطع الأشجار، وأفنى الثمار، ونشّف العيون والأنهار. لكنّه أكثره عربان، ليس معهم من آلة الحرب غير القسىّ والنشّاب والعصى الخلنج والمقلاع لرمى الحجارة، ولا لبس عليهم ولا على خيولهم، غير أنّهم أمّة كثيرة العدد جدّا. وهؤلاء بيت هلاوون أشجع منهم وأدرب بقتال لكثرة تجاربهم وتكرارهم فى الحروب وأكثر عددا (١٣) سيّما وقد رتّبهم قراسنقر هذا الترتيب الذى قدّمنا ذكره قال الناقل لهذه الأخبار: فلمّا كان نهار الأربعا الرابع عشر من جمادى الآخرة من هذه السنة التقى (١٦) الجمعان. وكان صاروا بغا فى القلب وقد رتّب جيوشه ثلاثة صفوف، فى كلّ صف عشرين ألف بهادر. وكان مقدّم الميمنة. . . (١٨) مع من يذكر من بهادريّته وهم: منكاى، وقبليقان، وأنجاق، وطرقاق، وكنباى، وقلودر، وايربشطى، ومنكوجار، وقلجق، وأوجى، وجاورجى، وبرديك، وبيغوش، وقراقبق،

стр. 4196

وكشلوا، وسلجق، هؤلاء فى الميمنة، وبرأس الميسرة: طقجى بهادر، وطاجار، وطغرجى، وعكوك، وقرابغا، وقرطقا، وأرسلان، وعلىّ ايكا، وانوسلوك، وقرجى تمر، وعلىّ بك، وطبجا، وبغا ملك، وبغا كشكاز، وتكاجى، وقطلو خان، وآقبغا، وطرناى، وتكودر، وباجير، وشرنغاى، وككتمر، وكشلو خان، وقمزجاه، والجميع بالقسىّ والنشّاب والمقلاع والعصى الخلنج بغير رمح ولا سيف ولا دبّوس إلاّ الأمير فيهم أو الكبير، وذلك بين كلّ ألف واحد بعدّة وسلاح قال: والتقى الجمعان، وعمل الضرب والطعان، وحامت النسور والعقبان، وحمل الشجاع وفرّ الجبان، وعلا الغبار، وثار القتار، وطلع من طنين السيوف الشرار، وكان يوما عسيرا (١٠) على جميع الكفّار. هذا وقراسنقر قد حمل فيمن استخاره من البهادريّة ممّن ذكرنا وإلى جانبه تلك بن صمغار، وعملا عملا عظيما حتى أدهش الأبصار. ولعبت مماليكه بالنفط والنار. فولّت أكاديش القادمين من التتار، لقلّة خبرتهم بهذه الآثار. وكذلك حمل آقوش الأفرم والزردكاش وبلبان الدمشقىّ، وفعلوا أفعال الشجعان الأبطال، وحقّقوا ما ذكروه أرباب السير فى دلهمة والبطال (١٥). ولم يزل السيف يعمل، والدم ينزل، ونار الحرب تشعل، إلى بعد الظهر تتعتع صاروبغا، وجفلت خيوله من النار ودقّ الكوسات ونعير البوقات. وولّوا أكثر عساكره لا يلوون على شى. وثبتت البهادريّة وصبروا صبر الكرام، وقد صمّموا على الموت. وامتلأت تلك القفار من رمم القتلى، <و> عادت تلك البرارى من جيفهم ملأى (٢٠)، إلى أن فنى نشّاب عساكر طقطاى، وعاد الذقن بالذقن. هنالك عملت السيوف، وحضرت

стр. 4197

الحتوف، وانتقصت تلك الصفوف، لمّا طارت منهم الجماجم والكفوف، وولّى عسكر طقطاى طالب الديار، وقد تشتّتت جموعهم فى تلك البرارى والقفار. وتقنطر صاروبغا مقدّم الجيوش، ولولا كان فى أجله تأخير لكان عاد رزقا للوحوش. وقتل عليه نيّف وألف فارس. وكان الذى قنطره تلك بن صمغار، فلم تزال جيوشه وبهادريّته حوله حتى ركّبوه بعد ما قتل منهم عليه عالم كثير. فلمّا ركب ولّى هاربا (٦) وتبعه أصحابه. وركب جيش الملك خدابنداه أكتافهم قتلا وأسرا. وثمّ قراسنقر خلفهم بمن معه. وغرق أكثرهم فى تلك العيون والأنهار، وتبعوهم إلى آخر ذلك النهار. وكسب جيوش خدابنداه من الخيول والمماليك والجوار، ما لا يقع عليه عيار. وجرّد قراسنقر خلفهم عسرة مقدّمين، وقدّم عليهم الزردكاش، وطقتمر بن بولاى، وكجرك بن عليناق، وأمير حسن بن ششكت، وتلك بن صمغار. وساقوا خلفهم من أوّل الليل إلى أن طلع النهار، وردّوا المال الذى كان خلفهم من بعيد والأغنام والأبقار، وخيل القمز والدشار، والحريم والأولاد الصغار وكان أكثر عساكر الملك خدابنداه قد كسب الكسب الكثير ودخل بين الأشجار. فردّ عليهم صاروا بغا فى جماعة تقدير عشرة آلاف فارس ليأخذ منهم ويخلّص من أيديهم الحريم والأطفال. فالتقاه الزردكاش فيمن توجّه معه ممّن ذكرنا، واصطدموا صدمة عظيمة أعظم من أوّل ملتقى. وكان تلك بن صمغار، فارسا (١٩) كرّار، وبطلا مغوار، فعمل عملا عظيما إلى آخر ذلك النهار. وبلغ قراسنقر ذلك، فساق فى ثلاثة آلاف فارس

стр. 4198

ملبّسة كأنّهم شعلة نار، ولحق الزردكاش وهو فى أشدّ الخناق، فأردفه. وكانت الفيصلة بين الفريقين، وزعق فى عساكر صاروبغا غراب البين ورجع قراسنقر وقد كسر الأعدا، وتبعهم إلى آخر مدى. وكان أيضا قد التقى تلك بن صمغار لصاروا ابغا فى هذه النوبة وطعنه طعنة ماكنة كاد يقضى عليه. فولّى وهو مجروح، وهو على نفسه ينوح. ووصلوا إلى عند الملك خدابنداه، ونزلوا وضربوا جوك، وهنّوه بالنصر والتأييد، وكيف بلّغه الله ما كان يقصد ويريد. فقرّب قراسنقر إليه، وقبّل رأسه وعينيه، وشكر له ذلك الصنيع. ثمّ عاد وتشكّر للجميع. فقال قراسنقر: الله يحفظ القآن، اشكر الله تعالى على ما أولاك من نصره فى هذا اليوم الذى ما جرى لأحد من قبلك، لا من آبايك ولا جدودك! وهذا عسكر طقطاى كان قدر عسكر القآن أضعافا (١١) مضاعفة. وإنّما التأييد كان من الله تعالى، وسعادة القآن عظيمة. -فقال الملك خدابنداه: هذا ما يعتدّ به إلاّ ببركتك وبركة الأمرا، والله يعيننى على مكافأتكم! -وأعرض قراسنقر عساكر خدابنداه، فنقص أحد عشر ألف فارس. وعدّوا قتلى عسكر طقطاى، فكانوا أحدا وثلاثين ألفا، خارجا عمّا غرق وهلك، وإنّما هؤلاء عدّة ما أفناهم السيف. وكانت هذه الوقعة بمرج جبل العشار، وتبعوهم إلى تمرقابوا ورجع خدابنداه فرحا مسرورا بما أنعم الله عليه من النصر على أعداه، وفرّق على أصحابه الخيول والبخاتى والمماليك والجوارى (١٩). وأنعم على قراسنقر ورفقته بشى كثير. ونزل على نهر تزلك، وهو كثير الأعين والأشجار

стр. 4199

ذو (١) أراضى فسيحة، وأماكن شرحة مليحة. فأعجبه ذلك المكان وأمر أن يعمّر به قصر أبلق بالحجر الأخضر والأسود والأبيض. ورسم لكلّ أمير أن تعمّر له بذلك المكان دار. وضرب للقصر شبابيك فضة وذهب وسمّاه دمشق. والتهى فى الأكل والشرب ومنادمة آقوش الأفرم مع حظيّته (٥) نجمة خاتون هيلا ميلا. وكانت هذه من أعزّ الخلق على قلبه وإذا رقصت تشدّ ستّة أقداح فى ذوايبها ملآنة خمر وتفتل بهم ما يصيب القدح أخوه، وهو على دينار تحت كعبها لا تخرج عنه ولا عن دخول الضرب دقّة واحدة، فكانت أعجوبة الوقت ذكر ما جرى لعسكر طقطاى لمّا عادوا هاربين قال الناقل لهذه الأخبار: لمّا رجع عسكر طقطاى إليه مكسورين، وعلى أعقابهم ناكصين، لم يصل إليه منهم إلاّ القليل النادر، وهم الأقويا منهم، والباقى هلكوا فى الطرقات، لبعد المسافة وعدم الأقوات. والذين (١٢) وصلوا إلى الملك طقطاى (١٣) خبّروه بما جرى عليهم، وما كان سبب كسرتهم إلاّ (١٤) الأمرا المصريّين، وأنهوا له جميع ما فعلوه من آلات الحروب التى لا كانوا يعهدوها من بيت هلاوون من قبل ذلك التأريخ. فصعب على القآن طقطاى، وجهّز رسولا (١٦) إلى الأبواب الشريفة السلطانيّة يشكو ما قد جرى على عساكره من قراسنقر ورفقته. وكان هذا الرسول اسمه بكلمش بن قنجو بغا، وكان يقرب للملك طقطاى وهو عندهم كبير جليل القدر

стр. 4200

قال: فعن قليل وصل الرسول المذكور إلى الأبواب العالية، وورد الخبر بذلك، وأنّه وصل إلى ثغر الإسكندريّة المحروس. فسيّر مولانا السلطان الأمير سيف الدين آقول الحاجب، والتقاه ملتقى (٣) حسنا. وكان صحبته تقدير ثلاث ماية نفر كبار وصغار، ومماليك وجوار، وحضر صحبته وفى خدمته أخو سكران التاجر الفرنجىّ، وحضروا إلى الباب الشريف. وأنزلوا فى الكبش على بركة الفيل. ورتّبوا لهم الراتب الكثير. وبعد ثلاثة أيّام استحضرهم مولانا السلطان، ونظر الرسول إلى ترتيب الملك بالديار المصريّة مع هيبة مولانا السلطان التى تكاد تفلق الحجر وتحيّر البصر، فدهش وحار، وعلاه الانبهار، ولم يطيق الكلام إلاّ (٩) بعد ساعة حتى ردّ روعه إليه، وأدىّ الرسالة، وهو يتلجلج فيها. وقدّم ثمانين مملوكا تركا وعشرين جارية كالبدور الطلع. هذا والأمرا والمقدّمين وقوف، صفوفا صفوف (١١)، وقد لبسوا الكلوتات الزردكش والطرز الزركش. وجلس مولانا السلطان -خلّد الله ملكه، وجعل الدنيا بحذافيرها ملكه-فى الإيوان الجديد وخلفه ألف مملوك كأنّهم اللؤلؤ والمرجان، وماية سلحدار، والأمير سيف الدين أرغون النايب واقف بين يديه، وبكتمر الحاجب كذلك، وثمانين طيردار، وشرف الدين أمير حسين بن جندر أمير شكار، وكذلك كسرى لأجل طيور التقادم. وكان من جملة كلام الرسول، بين يدى المواقف الشريفة يقول: ابن عمّك يسلّم عليك ويهنّيك بهذا الملك الذى أعطاك الله، ولم يكن اليوم شى مثل ملكك. -ثمّ أنهى صورة ما جرى على عساكره من قراسنقر ورفقته. ولولا هم ما كان عسكر خدابنداه له عندنا قدر. وعمرنا

стр. 4201

نكسرهم ونهلك بلادهم. -وتحدّث بجميع ما كان معه، ومن جملة ذلك يطلب عددا وسلاحا (٢)، إنعاما من السلطان عليه. فأقبل مولانا السلطان عزّ نصره عليه إقبالا جيّدا (٣)، ورسم له بجميع ما طلب، وأخلع على الرسول خلعة سنيّة، طرد مقصّب بطرز زركش وحياصة ذهب بثلاث بياكير وكلوتة زركش وركب مولانا السلطان يوم السبت إلى الميدان ولعب الأكرة، وركب الرسول ونظر شيئا (٧) أدهشه ورعا. أحكى شهاب الدين المهمندار أنّه قال: ما ثمّ ملك إلاّ ملك مصر! -وذلك لمّا عاين الموكب وتلك الخلايق العظيمة، فبهت لعظم ما قد عاين. ثمّ أمر له بألف جوشن وألف خوذة وألف بركستوان بقيمة كبيرة، وكان الرسول قد أحضر معه جلد دبّ وسقنقود وسيرم. وأنعم مولانا السلطان عليه بطريق الهديّة إلى الملك طقطاى عدّة صناديق قماش تعابى سكندرىّ وعمل الدار، وعدّة كلوتات زركش وحوايص ذهب. وقال له: سلّم على ابن عمّى وقل له: يسيّر إلىّ جوارى ملاحا (١٤) ومماليك قبجاق، وعرّفه إذا تحرّك خدابنداه عليه يسيّر إلىّ (١٥)، أعبر إليه من قدّامه ويجى هو من خلفه، ونخرّب دياره، ونقلع آثاره، وأىّ مكان وصلت خيلى يكون لى، وأىّ مكان وصلت خيله يكون له، ونملك بغداد ونعيد الخليفة إلى كرسىّ خلافته، إنشا الله تعالى. -وتوجّه الرسول عايدا إلى بلاده وسافر من ثغر الإسكندريّة

стр. 4202

وفى أوّل هذه السنة مع أواخر سنة اثنتى عشرة أخرب باب شادية الذى كان بجوار باب القرافة، ودخل به فى الميدان المستجدّ الذى تحت القلعة المنصورة، عمّرها الله بدوام أيّام مولانا مالكها ذكر [حوادث] سنة أربع عشرة وسبع ماية النيل المبارك فى هذه السنة: الماء القديم ما لخص من الحوادث الخليفة: الإمام المستكفى بالله أبو (٧) الربيع سليمان أمير المؤمنين، ومولانا السلطان الأعظم: الملك الناصر سلطان الإسلام والمسلمين، أدام الله أيّامه إلى يوم الدين والنوّاب: الأمير سيف الدين أرغون بالديار المصريّة، والأمير سيف الدين تنكز بالديار الشأميّة، والوزير بالديار المصريّة: بدر الدين محمد بن التركمانىّ شادّ الأموال بغير وزارة، والحاجب: الأمير ركن الدين بيبرس أمير آخوركان، والأمير سيف الدين طينال، والأمير سيف الدين آقول المحمدىّ، وأمير النقبا علاء الدين طيبرس الخزندارىّ ولقد جمع الله تعالى فى ذلك الزمان، لمولانا السلطان، أربعة أركان، حتى عادت محاسن دولته تتلى آياتها بكلّ مكان، وهم: كريم الدين الكبير وسياسته، وعلاء الدين بن الأثير ورياسته، والقاضى فخر الدين وهيبته، وبهاء الدين أرسلان الدوادار ودربته. فهؤلاء ممّن أشرقت عليهم أشعة أنوار شموس سعود مولانا السلطان، فتجمّل الوجود بوجودهم حتى

стр. 4203

تعلّقت محاسن أيّامهم بأجنحة العقبان، وتسامرت بلذاذة أحاديثهم عند التهويم على الكثبان ألسنة الركبان، حتى عاد عندهم فى الأجفان، ألذّ (٢) من سنة الوسنان. ولم يعلم أنّه اجتمع فى دولة من الدول كهؤلاء الأربعة من أوّل زمان، إلاّ فى دولتين (٤) من دول الإسلام: إحداهما فى أيّام بنى أميّة، وهى دولة مروان بن محمد بن مروان، والثانية فى أيّام بنى العبّاس، وهى دولة المعتضد بالله أمير المؤمنين فى ذلك الأوان. وقد ذكرنا هاتين الدولتين (٧)، وشاهدنا هذه الدولة فصدّق سماع العيان، سقى الله ثراهم غوادى الرحمة والرضوان، وعوّضهم عن دنياهم قطوفا (٨) دانية بجوار الرحمن، وجعل ما نقص من أعمارهم وأعمار كلّ من تشرّف بخدمة هذه الدولة القاهرة زيادة فى عمر مولانا السلطان، أنوشروان الزمان، وشاه أرمن الأوان، الذى من لحظته عنايته الشريفة فاز فى الدنيا بالإنعام وفى الآخرة بالغفران وفيها توفّى الأمير سيف الدين سودى الجمدار نايب حلب المحروسة فى العاشر من شهر جمادى الأوّل، وتولّى مكانه الأمير علاء الدين ألطنبغا الحاجب وفيها مسك الأمير سيف الدين تمر الساقى نايب أطرابلس، وتولّى عوضه الأمير سيف الدين كستاى الناصرىّ وفيها مسك الأمير سيف الدين بكتمر الحاجب، واستقرّ مكانه الأمير ركن الدين بيبرس أمير آخور حسبما ذكرناه

стр. 4204

ومسك مع بكتمر الحاجب الأمير علاء الدين أيدغدى <بن> شقير والأمير سيف الدين بهادر المعزّىّ. وكان كاشفا بالوجه القبلىّ، فعند حضوره مسك واعتقل مع الأمرا المذكورين وفيها كان أخذ ملطية وتوجّه العساكر المصريّة ستة آلاف فارس مع الشأميّين جميعهم ذكر أخذ ملطية وصفتها لمّا كان يوم الخميس ثامن عشرين شهر ذى القعدة برزت المراسم الشريفة السلطانيّة بتجريد ستّة مقدّمين ألوف من الأمرا المصريّين وهم: الأمير سيف الدين بكتمر السلحدار الأبوبكرىّ، والأمير بدر الدين بن الوزيرىّ، والأمير سيف الدين أركتمر الجمدار الناصرىّ، والأمير سيف الدين قلى، والأمير ركن الدين بيبرس الحاجب، والأمير علم الدين سنجر الجمقدار، وجميع مضافيهم من الأمرا والأجناد والمقدّمين. وتوجّهوا إلى الشأم المحروس قاصدين ملطية. ودخلوا إلى دمشق تاسع عشرين شهر ذى الحجّة. ثم توجّه صحبتهم العساكر الشأميّة بكمالهم، والمقدّم على الجميع الأمير سيف الدين تنكز نايب دمشق. ووصلوا إلى ملطية وحاصروها وفتحوها يوم الأحد ثالث عشرين المحرّم من سنة خمس عشرة وسبع ماية، ويسّر الله فتحها على المسلمين، وغنموا منها غنايم جيّدة وأمّا طريقها التى توجّهوا فيها العساكر المنصورة ففيها ماية وخمس وعشرين عقبة كبار خطرة، دقيقة المسالك صعبة المرتقى، تقدير المسير فى كلّ عقبة ثلاث ساعات. وكان لمّا توجّه العسكر المنصور من عين تاب مهّدوا الطرق بالحجّارين، وأصلحوا المقاطع بالأخشاب على الأودية على

стр. 4205

عقبتين منها خاصّة، طول كلّ مقطع ثلاثين ذراعا بذراع العمل، وعرض الجسر الخشب ذراع واحد، فكان جواز العساكر عليها، وسلّم الله وكان الزحف عليها نهار الأحد ثانى عشرين المحرّم. فخرجوا إليهم بالمفاتيح وطلبوا الأمان. فأمّنوهم من جانب، والجوانب (٥) الأخر لم تعلم بذلك. فهجموا عليهم منها (٦)، وأخربوا وأحرقوا ونهبوا وكسبوا وقتلوا من نصاراهم جماعة. ورحلوا عنها يوم الاثنين ثالث عشرين المحرّم، ونزلت العساكر مرج دابق وأعرضوا الأسارى. فكلّ من كان مسلما (٨) أو مسلمة أعتقوه وسلّموه لأهله، ومن لا له أهل أودعوه الحاكم. وعادوا سالمين غانمين فرحين مسرورين، ببركات سيّد الملوك والسلاطين وفيها حضر الشريف رميثة بن أبى نمىّ صاحب مكّة، وأخبر بقتل أخيه أبى الغيث وفى يوم السبت ثامن عشرين رجب أفرج الله تعالى عن الأمير جمال الدين نايب الكرك وأخلع عليه وفى شهر شعبان وقع حريق بالقلعة المحروسة وسلّم الله وفى هذا الشهر برزت المراسم الشريفة السلطانيّة بقياس الديار المصريّة بسبب الروك المبارك، وتوجّهوا الأمرا إلى ساير الأقاليم بسبب ذلك
следующие страницы →