نكسرهم ونهلك بلادهم. -وتحدّث بجميع ما كان معه، ومن جملة ذلك يطلب عددا وسلاحا (٢)، إنعاما من السلطان عليه. فأقبل مولانا السلطان عزّ نصره عليه إقبالا جيّدا (٣)، ورسم له بجميع ما طلب، وأخلع على الرسول خلعة سنيّة، طرد مقصّب بطرز زركش وحياصة ذهب بثلاث بياكير وكلوتة زركش
وركب مولانا السلطان يوم السبت إلى الميدان ولعب الأكرة، وركب الرسول ونظر شيئا (٧) أدهشه ورعا. أحكى شهاب الدين المهمندار أنّه قال: ما ثمّ ملك إلاّ ملك مصر! -وذلك لمّا عاين الموكب وتلك الخلايق العظيمة، فبهت لعظم ما قد عاين. ثمّ أمر له بألف جوشن وألف خوذة وألف بركستوان بقيمة كبيرة، وكان الرسول قد أحضر معه جلد دبّ وسقنقود وسيرم. وأنعم مولانا السلطان عليه بطريق الهديّة إلى الملك طقطاى عدّة صناديق قماش تعابى سكندرىّ وعمل الدار، وعدّة كلوتات زركش وحوايص ذهب. وقال له: سلّم على ابن عمّى وقل له: يسيّر إلىّ جوارى ملاحا (١٤) ومماليك قبجاق، وعرّفه إذا تحرّك خدابنداه عليه يسيّر إلىّ (١٥)، أعبر إليه من قدّامه ويجى هو من خلفه، ونخرّب دياره، ونقلع آثاره، وأىّ مكان وصلت خيلى يكون لى، وأىّ مكان وصلت خيله يكون له، ونملك بغداد ونعيد الخليفة إلى كرسىّ خلافته، إنشا الله تعالى. -وتوجّه الرسول عايدا إلى بلاده وسافر من ثغر الإسكندريّة
стр. 4202
وفى أوّل هذه السنة مع أواخر سنة اثنتى عشرة أخرب باب شادية الذى كان بجوار باب القرافة، ودخل به فى الميدان المستجدّ الذى تحت القلعة المنصورة، عمّرها الله بدوام أيّام مولانا مالكها
ذكر [حوادث] سنة أربع عشرة وسبع ماية
النيل المبارك فى هذه السنة: الماء القديم
ما لخص من الحوادث
الخليفة: الإمام المستكفى بالله أبو (٧) الربيع سليمان أمير المؤمنين، ومولانا السلطان الأعظم: الملك الناصر سلطان الإسلام والمسلمين، أدام الله أيّامه إلى يوم الدين
والنوّاب: الأمير سيف الدين أرغون بالديار المصريّة، والأمير سيف الدين تنكز بالديار الشأميّة، والوزير بالديار المصريّة: بدر الدين محمد بن التركمانىّ شادّ الأموال بغير وزارة، والحاجب: الأمير ركن الدين بيبرس أمير آخوركان، والأمير سيف الدين طينال، والأمير سيف الدين آقول المحمدىّ، وأمير النقبا علاء الدين طيبرس الخزندارىّ
ولقد جمع الله تعالى فى ذلك الزمان، لمولانا السلطان، أربعة أركان، حتى عادت محاسن دولته تتلى آياتها بكلّ مكان، وهم: كريم الدين الكبير وسياسته، وعلاء الدين بن الأثير ورياسته، والقاضى فخر الدين وهيبته، وبهاء الدين أرسلان الدوادار ودربته. فهؤلاء ممّن أشرقت عليهم أشعة أنوار شموس سعود مولانا السلطان، فتجمّل الوجود بوجودهم حتى
стр. 4203
تعلّقت محاسن أيّامهم بأجنحة العقبان، وتسامرت بلذاذة أحاديثهم عند التهويم على الكثبان ألسنة الركبان، حتى عاد عندهم فى الأجفان، ألذّ (٢) من سنة الوسنان. ولم يعلم أنّه اجتمع فى دولة من الدول كهؤلاء الأربعة من أوّل زمان، إلاّ فى دولتين (٤) من دول الإسلام: إحداهما فى أيّام بنى أميّة، وهى دولة مروان بن محمد بن مروان، والثانية فى أيّام بنى العبّاس، وهى دولة المعتضد بالله أمير المؤمنين فى ذلك الأوان. وقد ذكرنا هاتين الدولتين (٧)، وشاهدنا هذه الدولة فصدّق سماع العيان، سقى الله ثراهم غوادى الرحمة والرضوان، وعوّضهم عن دنياهم قطوفا (٨) دانية بجوار الرحمن، وجعل ما نقص من أعمارهم وأعمار كلّ من تشرّف بخدمة هذه الدولة القاهرة زيادة فى عمر مولانا السلطان، أنوشروان الزمان، وشاه أرمن الأوان، الذى من لحظته عنايته الشريفة فاز فى الدنيا بالإنعام وفى الآخرة بالغفران
وفيها توفّى الأمير سيف الدين سودى الجمدار نايب حلب المحروسة فى العاشر من شهر جمادى الأوّل، وتولّى مكانه الأمير علاء الدين ألطنبغا الحاجب
وفيها مسك الأمير سيف الدين تمر الساقى نايب أطرابلس، وتولّى عوضه الأمير سيف الدين كستاى الناصرىّ
وفيها مسك الأمير سيف الدين بكتمر الحاجب، واستقرّ مكانه الأمير ركن الدين بيبرس أمير آخور حسبما ذكرناه
стр. 4204
ومسك مع بكتمر الحاجب الأمير علاء الدين أيدغدى <بن> شقير والأمير سيف الدين بهادر المعزّىّ. وكان كاشفا بالوجه القبلىّ، فعند حضوره مسك واعتقل مع الأمرا المذكورين
وفيها كان أخذ ملطية وتوجّه العساكر المصريّة ستة آلاف فارس مع الشأميّين جميعهم
ذكر أخذ ملطية وصفتها
لمّا كان يوم الخميس ثامن عشرين شهر ذى القعدة برزت المراسم الشريفة السلطانيّة بتجريد ستّة مقدّمين ألوف من الأمرا المصريّين وهم:
الأمير سيف الدين بكتمر السلحدار الأبوبكرىّ، والأمير بدر الدين بن الوزيرىّ، والأمير سيف الدين أركتمر الجمدار الناصرىّ، والأمير سيف الدين قلى، والأمير ركن الدين بيبرس الحاجب، والأمير علم الدين سنجر الجمقدار، وجميع مضافيهم من الأمرا والأجناد والمقدّمين. وتوجّهوا إلى الشأم المحروس قاصدين ملطية. ودخلوا إلى دمشق تاسع عشرين شهر ذى الحجّة. ثم توجّه صحبتهم العساكر الشأميّة بكمالهم، والمقدّم على الجميع الأمير سيف الدين تنكز نايب دمشق. ووصلوا إلى ملطية وحاصروها وفتحوها يوم الأحد ثالث عشرين المحرّم من سنة خمس عشرة وسبع ماية، ويسّر الله فتحها على المسلمين، وغنموا منها غنايم جيّدة
وأمّا طريقها التى توجّهوا فيها العساكر المنصورة ففيها ماية وخمس وعشرين عقبة كبار خطرة، دقيقة المسالك صعبة المرتقى، تقدير المسير فى كلّ عقبة ثلاث ساعات. وكان لمّا توجّه العسكر المنصور من عين تاب مهّدوا الطرق بالحجّارين، وأصلحوا المقاطع بالأخشاب على الأودية على
стр. 4205
عقبتين منها خاصّة، طول كلّ مقطع ثلاثين ذراعا بذراع العمل، وعرض الجسر الخشب ذراع واحد، فكان جواز العساكر عليها، وسلّم الله
وكان الزحف عليها نهار الأحد ثانى عشرين المحرّم. فخرجوا إليهم بالمفاتيح وطلبوا الأمان. فأمّنوهم من جانب، والجوانب (٥) الأخر لم تعلم بذلك. فهجموا عليهم منها (٦)، وأخربوا وأحرقوا ونهبوا وكسبوا وقتلوا من نصاراهم جماعة. ورحلوا عنها يوم الاثنين ثالث عشرين المحرّم، ونزلت العساكر مرج دابق وأعرضوا الأسارى. فكلّ من كان مسلما (٨) أو مسلمة أعتقوه وسلّموه لأهله، ومن لا له أهل أودعوه الحاكم. وعادوا سالمين غانمين فرحين مسرورين، ببركات سيّد الملوك والسلاطين
وفيها حضر الشريف رميثة بن أبى نمىّ صاحب مكّة، وأخبر بقتل أخيه أبى الغيث
وفى يوم السبت ثامن عشرين رجب أفرج الله تعالى عن الأمير جمال الدين نايب الكرك وأخلع عليه
وفى شهر شعبان وقع حريق بالقلعة المحروسة وسلّم الله وفى هذا الشهر برزت المراسم الشريفة السلطانيّة بقياس الديار المصريّة بسبب الروك المبارك، وتوجّهوا الأمرا إلى ساير الأقاليم بسبب ذلك
стр. 4206
ذكر الروك المبارك الناصرىّ
ندب لعمل الروك المبارك القاضى تقىّ الدين كاتب برلغىّ كان، الأحول قرابة التاج بن سعيد الدولة المقدّم ذكرهما. فأخرج الجهات جميعها بمصر والقاهرة عن المقطعين وجعلها خاصّا، وأقطع البلاد بمقتضى مقترح الروك، وفرّقت المثالات فى العشر الأخير من ذى الحجّة سنة ستّ عشرة وسبع ماية (٦). وخرجت المناشير الشريفة لاستقبال ثلث مغل سنة خمس عشرة وسبع ماية والتالى لاستقبال صفر سنة ستّ وسبع ماية (٧). وبرزت المراسم الشريفة بإبطال جملة عظيمة من المظالم. وسمح وجاد بما لم يجود به أحد من الملوك الأجواد، وهى ساحل الغلّة وساير فروعها، وهى الخرّوبة والثمن والوزانة والقداحة والسمسرة واللقطة، ورسوم الولاية بساير أصنافها، وجهد ثمن العبى بساير الأعمال بالديار المصريّة ومقرّر البيوت، ومقرّر الفرسان وقدوم المناشير وكتاب الولاة، ونصف سمسرة الدلالة، وطرح الفروج، ونوّاب الولاة والمقرّر على المقدّمين والرسل بساير البلاد، وحقوق السجن وعداد النحل وبدل الولاة والنظّار والمستوفيين وجناية الشاشة، وضمان المشاعليّة، وشدّ الحكّام، وضمان مسالخ الجلود الميّتة، وقطايع العربان، وضمان الطريق، وتخريص (١٦) النخل، وحقوق النحّالين، وضمان الملح، ورسم أوراق الطريق بالشرقيّة، ورسم مناشير النقيب، وجباية الرماة، والمسامحة بألاّ يطلب الحىّ عن الميّت ولا الحاضر عن الغايب، إذا
стр. 4207
لم يكن ضامنا ولا كفيلا. فكان ذلك جملة عظيمة لا تنحصر. فسمحت بجميع ذلك نفسه الشريفة، وادّخر بها عند الله تعالى فى الجنان أعلى درجة منيفة
ذكر [حوادث] سنة خمس عشرة وسبع ماية
النيل المبارك فى هذه السنة: الماء القديم
ما لخص من الحوادث
الخليفة: الإمام المستكفى بالله أبو (٧) الربيع سليمان أمير المؤمنين، ومولانا السلطان الأعظم: الملك الناصر مالك نواصى ملوك الآفاق، من مغرب الشمس إلى حدود الإشراق، مقلّدها المنن فى الأعناق، لاستقرار ممالكهم فى أيديهم، فتقلّدوا هذه المنن حتى عادت كالأطواق
والنوّاب بالممالك الناصريّة، أدام الله أيّام سلطانها ملك البريّة:
الأمير سيف الدين أرغون النايب بالديار المصريّة، والحجّاب بالأبواب العالية: الأمير ركن الدين بيبرس، والأمير سيف الدين طينال، والأمير سيف الدين آقول، وأمير النقبا علاء الدين طيبرس الخزندارىّ، وبالشأم:
الأمير سيف الدين تنكز ملك الأمرا بالشأم المحروس بدمشق المحروسة، والأمير علاء الدين ألطنبغا بحلب، والأمير سيف الدين كستاى بطرابلس، والملك عماد الدين نايبا بحماة، والأمير سيف الدين بلبان طرنا بصفد، والأمير علم الدين الجاولى بغزّة، والملوك بالأقطار حيث قدّمنا القول من ذكرهم فى سنة عشرة وسبع ماية
стр. 4208
فى أوايلها كان فتوح ملطية، وقد تقدّم القول بذلك. وفيها كان تفرقة المثالات بالروك المبارك، وقد تقدّم القول فيه، واستقرّت الأحوال كذلك، والله أعلم
ذكر [حوادث] سنة ستّ عشرة وسبع ماية
النيل المبارك فى هذه السنة: الماء القديم
ما لخص من الحوادث
الخليفة: الإمام المستكفى بالله أبو (٧) الربيع سليمان أمير المؤمنين، ومولانا السلطان الأعظم: الملك الناصر مالك الأمصار، وقد ذلّت له ملوك الأقطار، والنوّاب بمصر والشام، حسبما تقدّم من الكلام، فى ذلك العام، وكذلك ملوك الأقطار، فى ساير الأمصار
وفيها أفرج الله تعالى عن الأمير سيف الدين بكتمر الحاجب، وأخلع عليه، ورسم له بنيابة صفد عوضا عن بلبان طرنا
وفيها توجّه الأمير سيف الدين أرغون نايب مصر إلى الحجاز الشريف وفيها وردت الأخبار، أنّ خدابنداه ملك التتار، توفّى سادس ذى الحجّة، وكان (١٥) سبب وفاته زوجته قطلوشاه خاتون بنت أرنجان خال الملك خدابنداه، باتّفاق من الوزير خواجا رشيد والحكيم جلال الدين، سقوه دواء مسهّلا مسموما، فتوفّى من ليلته (١٧). وجلس بمملكة التتار ولده أبو سعيد
стр. 4209
ذكر تملّك أبى (١) سعيد الملك وجلوسه على التخت بملك التتار
كان لخدابنداه ثلاثة أولاد وهم: أبو يزيد، وبسطام، وأبو سعيد هذا وهو أصغر الثلاثة. وكان قد ملك أبو (٤) يزيد خراسان، فتوفّى بها. وتوفّى أيضا بسطام فى حياة أبيهما. ولم يبق له من الأولاد غير هذا أبى سعيد.
فلمّا توفّى أبوه خدابنداه بالسبب المقدّم ذكره فى التأريخ المذكور اجتمعت آراء الأمرا الكبار من التوامين وآراء الخواتين على تمليكه وهو يومئذ دون الحلم، وكفله جوبان وعاد مدبّر الدولة والغالب على الأمور، وكان له ولد يسمّى دمشق خجا، يقال إنّ أمّ أبى سعيد كانت ترى له.
فعاد له منزلة كبيرة فى الدولة، لا يفعل شى إلاّ عن رأيه، وكان أكبر أولاد جوبان. وكانوا عدّة منهم دمرداش الآتى ذكره ودخوله الديار المصريّة تحت الطاعة السلطانيّة الناصريّة، أعلى الله منارها. وكان نايبا بالروم، فلمّا جرى لأبيه وإخوته ما نذكره فى تأريخه قصد الأبواب الشريفة، أعلاها الله تعالى. وكان خدابنداه قبل موته قد فسدت عقيدته، وأظهر أمورا قباحا (١٤)، وكان الذى حسّن له ذلك شخص يسمّى (١٤_). . . ادّعى أنّه شريف وانتحل نسبا ليس بصحيح، ولعب بعقل خدابنداه وكثير من أرباب دولته وكبارها. ثمّ إنّ المذكور بعد وفاة خدابنداه قتل أشرّ قتلة مع جميع أهله وأقاربه ومن كان يقول بقوله. وقام بهذا الأمر جوبان بحسن إسلامه وعقيدته فى حديث طويل، هذا ملخّصه، والله أعلم
стр. 4210
وفيها برزت المراسم الشريفة بإبطال ما كان يستأدونه من الفواحش لمهتار الطبلخاناه (٢) السلطانيّة بمصر والقاهرة، وذلك أنّه كان له دار تسمّى دار الزعيم، ولهم ناس يدورون على جوارى (٣) الناس وعبيدهم يفسدونهم ويهرّبونهم. فإذا هربت الجارية أو العبد يأتون إلى تلك الدار بظاهر باب زويلة، فيعطون خمسين درهما حتى يعيدوه إليه، وأشيا غير ذلك قباح ذكرها. فبطّل مولانا السلطان جميع ذلك، آجره الله تعالى
ذكر [حوادث] سنة سبع عشرة وسبع ماية
النيل المبارك فى هذه السنة: الماء القديم
ما لخص من الحوادث
الخليفة: الإمام المستكفى بالله أبو (١٠) الربيع سليمان أمير المؤمنين، ومولانا السلطان الأعظم: الملك الناصر أعزّ الله أنصاره، وكثّر أعوانه، وأدام أيّامه، وخلّد ملكه وزمانه، سلطان الإسلام وملك الأنام، والنوّاب بمصر والشام، حسبما تقدّم من الكلام، وكذلك الملوك، على هذا السلوك
نكبة حدثت فى هذه السنة بمدينة بعلبكّ بالشام. وذلك لمّا كان سابع شهر صفر من هذه السنة وقت العصر جاءت (١٥) بعلبكّ غمامة سودا نظروا فى وسطها (١٦) عمود نار طوله من السماء إلى الأرض حيث أدرك البصر، وأرعدت رعدا عظيما (١٧) ما عهدوا مثله فى طول الأعمار حتى سقطت لهوله الحوامل. وتبع ذلك صواعق متداركة. ثمّ مطرت عليهم مطرا
стр. 4211
كأفواه القرب. ثمّ جاهم بعد ذلك سيل عظيم من شرقيّها حتى لطم البلد وسورها، فاقتلع من السور برجا عظيما. ثمّ احتمله وجرّه على وجه الأرض فى الماء واستصحب معه بدنة من بدنات السور وحذفهما مقدار خمس ماية ذراع، وتفسّخ البرج وكان دوره أربعين ذراعا. ثم دخل السيل الجامع حتى وصل القناديل، وغرّق كلّ من كان فيه. وإنّ ابن الشيخ الحريرىّ طلع إلى المنبر فانقلب به وغرق. وأخرب السيل الحايط الشماليّة، ولم يسلم من الذين كانوا بالجامع غير إنسان واحد، حمله الماء إلى رأس عمود كان هناك، فتعلّق به فنجا. وأخرب تقدير خمس ماية دار ما عاد عرفت ولا أساسها. وهذا ما اختصرته من هذه الكاينة
وذكر أيضا أهل الصعيد بمصر أنّ فى هذه السنة أيضا أنت إلى أسوان ريح سودا منتنة الرايحة فأهلكت ما ينيف عن ألف نفر نسا ورجال وأطفال
وورد أيضا الأخبار أنّ فى هذه السنة أتت ريح عاصفة بساحل عين تاب على روق تركمان، كانوا نزولا (١٤) بها، احتملت بقرهم وغنمهم وخراكهم (١٥) وعلّقتهم ما بين السما والأرض، ثمّ مزّقتهم تمزيقا مع عدّة من النساء والأطفال من أولاد التركمان حتى إنّ صاجات النحاس التى يعملوا عليها الرقاق لمّا نزلوا وجدوهم وقد تطوّوا على بعضهم البعض لعظم ما عصفت بها الريح. فلله الأمر وله الحكم والتدبير ﴿وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (١٨)
وفيها كان تجريدة إلى السودان ببلاد النوبة وعيذاب وإلى الحجاز
стр. 4212
وفيها توجّه الركاب الشريف إلى الكرك المحروس. ثمّ عاد مع سلامة الله وعونه
وفيها توفّى الأمير بهاء الدين أرسلان الدوادار ﵀. واستقرّ بالدواداريّة الشريفة الأمير سيف الدين ألجاى الدوادار. وكان دوادارا مع الأمير بهاء الدين أرسلان
وفيها تولّى الحجبة الشريفة الأمير سيف الدين ألماس عوضا عن الأمير ركن الدين بيبرس. وكان ألماس جاشنكيرا، فنقله مولانا السلطان حاجبا، واستقرّ كذلك
وفيها حصل الغضب من السطوات الشريفة على أحد مماليكه، وهو آقبغا الحسنىّ، ووسّط خزنداره وقطع جماعة وأكحل جماعة، لأمر تحقّقه عنهم، نصره الله تعالى. ثمّ بعد يومين أطلق آقبغا الحسنىّ وأخلع عليه، فلله درّه من ملك، ما أسعد من أطاعه، وما أشقى من عصاه، فآيته فى العاصى السيف، لا آية العصاه، وآيته فى الطايع الإنعام من عطاه، والأمن من غضبه وسطاه
وفيها كانت الزينة بمصر والقاهرة ما شهد الناس مثلها، وذلك لما منّ الله تعالى به على الأنام، بعافية سيّد ملوك الإسلام، وذلك ببركات النبىّ ﵇. فإنّه كان-كفاه الله شرّ حوادث الزمان ونكبات الأيّام- حصل له تشويش يسير، ثمّ منّ الله على هذه الأمّة بصحّة مزاجه الشريف، وذلك صدقة من الرءوف اللطيف، فلله الحمد وله الثنا الحسن الجميل، على صحّة مزاج هذا الملك الجليل. وكانت هذه الزينة فى حادى عشرين رمضان المعظّم من هذه السنة
стр. 4213
ذكر [حوادث] سنة ثمان عشرة وسبع ماية
النيل المبارك فى هذه السنة: الماء القديم
ما لخص من الحوادث
الخليفة: الإمام المستكفى بالله أمير المؤمنين، ومولانا السلطان الأعظم:
الملك الناصر سلطان الإسلام، أعزّ الله بدوام أيّامه الأيّام، والنوّاب بمصر والشام، حسبما تقدّم من الكلام
وفيها حصل الغضب على طغاى الناصرىّ، ورسم له نيابة صفد، فأقام أشهرا (٨) يسيرة. ثمّ أعيد واعتقل، وكان آخر العهد به
وفيها عزل بدر الدين بن التركمانىّ عن شادّ الدواوين واستخلاص الأموال، واستبدّ (١٠) بالأمر القاضى كريم الدين الصغير الناظر بغير وزارة. وليس معه مشدّ سوى سيف الدين أبى (١١) بكر بن قشور. وقام كريم الدين المذكور فى خلاص الأموال السلطانيّة أتمّ قيام
وفيها كان ابتداء العمارة فى الجامع الناصرىّ بالقلعة المحروسة، وانتهى فى مدّة أربعة أشهر وخمسة وعشرين يوما. وسنذكر أيضا تجديد بناية فى تأريخه، ونذكر عند ذكرنا له جميع ما استجدّ فى أيّام مولانا السلطان خلّد الله ملكه من الجوامع فى ساير ممالكه، وما عمر من بيوت يذكر فيها اسمه، إنشا الله تعالى
وفيها توفّى القاضى زين الدين بن مخلوف المالكىّ رحمه الله تعالى وتولّى القاضى تقىّ الدين الأخنايى مكانه. ولم يكن فى العصر مثله، لدينه
стр. 4214
وسمته وعفّته وطهارته وأمانته، نفعنا الله ببركاته، وفسح للمسلمين فى حياته!
وفيها توفّى الأمير شمس الدين سنقر الكمالىّ بالاعتقال فى شهر ربيع الآخر، ﵀
وفيها وصل للأبواب الشريفة أربع ماية وتسعة عشر سنقر، تقدمة لمولانا السلطان عزّ نصره، وعوّض أصحابها ثلاث ماية ألف درهم. وكان شخص واحد منهم إفرنجىّ من البنادقة أحضر من جهته خاصّة نفسه ماية وسبعة سناقر، وهذه العدّة التى وصلت للأبواب الشريفة من هذه السناقر لم يعهد أن وصل مثلها ولا قريب منها فى زمن من الأزمان من أوّل وقت وإلى ذلك التأريخ، وإنّما منهل الجود كثير الوفود كما قيل <من الطويل>:
ترى الناس ورّادا إلى باب ملكه ... فرادى وأزواجا كأنّهم النمل
قد ازدحموا فى مورد الفضل والعطا ... وكلّ امرئ قد عمّه ذلك الفضل
ذكر [حوادث] سنة تسع عشرة وسبع ماية
النيل المبارك فى هذه السنة: الماء القديم
ما لخص من الحوادث
الخليفة: الإمام المستكفى بالله أبو (١٦) الربيع سليمان أمير المؤمنين، ومولانا السلطان الأعظم: الملك الناصر مالك الوجود، وقد عمّ الوفود منه بالجود، حتى عادت أبوابه الشريفة كعبة المحتاج، لا كعبة الحجّاج، وغاية الأمل
стр. 4215
حتى خبطت إليها آباط الإبل، من سهلها والجبل، متّع الله الوجود بوجوده، حتى لا تخلو (٢) بقعة من بقاع الأرض من كرمه وجوده
وفيها فى الحادى والعشرين من المحرّم توجّه المجرّدين إلى الغرب وعدّتهم أمرا طبلخانات تسعة، عشراوات عشرة وهم (٤). . .
وفيها حجّ مولانا السلطان عزّ نصره الحجّة الثانية، وفى خدمته الملك عماد الدين إسماعيل صاحب حماة. وكان توجّه الركاب الشريف من الديار المصريّة يوم الخميس تاسع شهر ذى القعدة وكان وصوله-تقبّل الله منه وأبرّ سعيه-إلى مكّة شرّفها الله تعالى سادس شهر ذى الحجّة. وكان وصوله فى خير وسلامة إلى محلّ ملكه وكرسىّ سلطانه-بعد ما عمّ الحجاز وأهله بجوده وإنعامه وإحسانه-ثانى شهر المحرّم من سنة عشرين وسبع ماية
وفيها توفّى القاضى فخر الدين بن أبى سعد تاسع عشرين جمادى الآخر، ﵀
وفيها توفّى الشيخ نصر المنبجىّ سابع عشرين الشهر المذكور.
رحمة الله عليه
وفيها توفّى الأمير علاء الدين طيبرس أمير نقبا الجيوش المنصورة ﵀ فى سلخ شهر ربيع الآخر. وكان فيه برّ وصدقة ومعروف وعدم طمع فى أموال الناس، وهو صاحب المدرسة التى بجوار جامع الأزهر، ودفن بها، ﵀. وتولّى عوضه الأمير شهاب الدين أحمد بن جمال الدين آقوش المهمندار. وأضيفت إليه مع ما كان بيده من
стр. 4216
المهمنداريّة، ومشى فيها مشيا حسنا (١)، واتّبع طريقة علاء الدين طيبرس فى الأمانة، وقام بأمر الوظيفتين قياما جيدا (٢)
ذكر [حوادث] سنة عشرين وسبع ماية
النيل المبارك فى هذه السنة: الماء القديم، مبلغ الزيادة ستّة عشر ذراعا واثنين وعشرين إصبعا
ما لخص من الحوادث
الخليفة: الإمام المستكفى بالله أبو (٧) الربيع سليمان أمير المؤمنين، ومولانا السلطان الأعظم: الملك الناصر سلطان الأمصار، فى ساير الأقطار، وجميع الملوك تهاديه، ويخشوا أن يكونوا من أعاديه
والنوّاب بمصر والشام، حسبما نذكر الآن من الكلام: الأمير سيف الدين أرغون النايب بالديار المصريّة، والحجّاب بالأبواب العالية: الأمير سيف الدين ألماس الجاشنكير، والأمير سيف الدين طينال، والأمير سيف الدين آقول المحمدىّ، والمتحدّث فى الأموال: كريم الدين الصغير الناظر، وبالجيوش المنصورة: القاضى فخر الدين محمد، وبديوان الإنشا: القاضى علاء الدين بن الأثير، وأمير النقبا بالجيوش المنصورة: شهاب الدين أحمد بن المهمندار، والدوادار: الأمير سيف الدين ألجاى، وأمرا جانداريّة:
الأمير ركن الدين بيبرس الأحمدىّ، والأمير سيف الدين آلدمر، والحسنىّ، والقاضى كريم الدين الكبير مدبّر الدولة ووكيل الخاصّ الشريف وناظر
стр. 4217
خزانة الخاصّ، والنوّاب بالممالك الشأميّة: الأمير سيف الدين تنكز ملك الأمرا بالشأم المحروس بدمشق المحروسة، والأمير علاء الدين ألطنبغا بحلب المحروسة، والأمير سيف الدين كستاى بطرابلس المحروسة إلى حين (٣) وفاته فى هذه السنة، وتولّى الأمير شهاب الدين قرطاى الحاجب بدمشق، (٤) والأمير سيف الدين أرقطاى نايب صفد بحكم عودة بكتمر الحاجب إلى الديار المصريّة، واستقرّ بها أميرا مقدّما، والأمير علم الدين الجاولى بغزّة
والملوك بأقطار الأرض حسبما وصل إلى العبد من ذكرهم. فيها سلطن مولانا السلطان الملك عماد الدين إسماعيل وملّكه حماة
ذكر تملّك الملك عماد الدين حماة وركوبه
وذلك لمّا كان يوم الخميس سابع عشر شهر الله المحرّم من هذه السنة، برزت المراسم الشريفة السلطانيّة الملكيّة الناصريّة-لا زالت تعلى ممالك الملوك من ذوى الاستحقاق، وتعيدها إلى مراتبها العليّة فى ساير الآفاق-بأن يملّك الملك المؤيّد عماد الدين إسماعيل بن الأفضل نور الدين علىّ بن الملك المظفّر تقىّ الدين (١٤) محمود بن الملك المنصور ناصر الدين محمد ابن الملك المظفّر تقىّ الدين (١٥) عمر بن شاهنشاه بن أيّوب مملكة حماة، على ما كان عليه أجداده الملوك الكرام، ومولانا السلطان عزّ نصره عضده وحماه. ولبس خلعة الملك بالمدرسة المنصوريّة، وشقّ القاهرة فى التأريخ المذكور بثلاثة سناجق، أحدهم خليفتىّ، وتحته فرس برقىّ، وحملت الغاشية السلطانيّة بين يديه، وضربت الشبابة قدّامه، وزعقت الجاويشيّة
стр. 4218
أمامه. ونزل الأمير سيف الدين أرغون النايب بالديار المصريّة والتقاه من تحت القلعة من عند الطبلخاناه السلطانيّة. ولبس فى ذلك اليوم الأمير سيف الدين ألماس أمير حاجب أطلس كامل بكلوتة زركش وحياصة ذهب، وكذلك الأمير ركن الدين بيبرس الأحمدىّ أمير جاندار مثله، وكذلك الأمير علاء الدين أيدغمش أمير آخور مثله، وكذلك الأمير سيف الدين قجليس أمير سلاح مثله، وشهاب الدين بن المهمندار أمير نقبا الجيوش طرد وحش كامل، والأمير شمس الدين صواب الركنىّ مقدّم المماليك السلطانيّة مثله، وصاروجا النقيب كنجىّ أحمر، ومحمد الجاويش بغلطاق، وكلّ من هؤلاء فى منزلته على جارى العادة عند ركوب مولانا السلطان عزّ نصره. وحصل له من الجبر والإنعام فوق ما كان فى أمله، وهذه من جملة ما يعتدّ بها من حسنات مولانا السلطان خلّد الله ملكه، واستقرّ صاحب حماة
وصاحب اليمن: الملك المؤيّد هزبر الدين داود بن الملك المظفّر بحاله، وصاحب ماردين: الملك الصالح بن الملك المنصور بن المظفّر الأرتقىّ المقدّم ذكره، وصاحب مملكة التتار بالعراقين وخراسان: الملك أبو سعيد ابن خدابنداه المقدّم ذكره، وصاحب مملكة التتار أيضا بما ورا النهر:
الملك كبك بن جبار بن قيدوا بن قنجى، وصاحب مملكة التتار أيضا ببلاد بركة: الملك أزبك بن (١٨). . . .، وصاحب مملكة التتار بالبلاد الشماليّة: الملك كلك بحكم وفاة أبيه منغطاى فى هذه السنة، وصاحب التخت ببلاد الصين: الملك قاآن قلاصاق شرمون بن منقلاى، وصاحب
стр. 4219
الهند ببلاد دلى: الملك المسعود محمود بن شيخو عتيق أيتامش الغورى، وملوك المغرب حسبما اتّصل بنا فى هذا الوقت ما نحن ذاكروه:
صاحب مرّاكش:. . .، صاحب تونس:. . .، صاحب الأندلس:. . . (٤) فهؤلاء ما اتّصل بنا من أسماء هؤلاء الملوك فى هذا التأريخ المذكور، وما وراهم، فعلمهم عند الله . ولعلّ من يعلم من أمورهم ما لا نعلمه
وفيها حضر ناصر الدين محمد بن الأمير ركن الدين بيبرس الحاجب من الحجاز الشريف، وخبّر بقتل حميضة بن أبى نمىّ صاحب مكّة فى العشرين من شهر جمادى الآخرة. واستقرّ بمكّة أخواه رميثة وعطيفة (٩)، وناصر الدين منصور بن جمّاز بن شيحة صاحب المدينة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام بحاله
وفيها أفرج الله تعالى عن جماعة من المعتقلين وهم: الشيخ علىّ الكبير، ومنقجار (١٣)، ومنكلى السلحدار، وعشرة نفر لم يكونوا أمرا. وفى يوم الخميس خامس عشر صفر أحضر من الإسكندريّة من الاعتقال عشرة نفر، أفرج الله تعالى عن أربعة وهم: سنجر الأحمدىّ، وطوغان نايب البيرة، والصارم العينتابىّ، وطاجار البكرىّ، وأودع البقيّة الاعتقال بقلعة الجبل المحروسة. وفى يوم السبت سابع عشر صفر أفرج الله أيضا عن جماعة أخر وهم: قبجق الطويل الساقى، ومغلطاى السيواسىّ، وأيدمر الشيخىّ، والحاجّ بلبك، ومغلطاى إيتغلى، وسنقر الكمالىّ الصغير. وفى يوم الأحد خامس عشرين صفر أحضر بهادر الإبراهيمىّ وأيدغدى التقوى، وأكحلا،
стр. 4220
وذلك أنّهما كانا معتقلين (١) بثغر الإسكندريّة، فتحيّلا وهربا من السجن.
وكان معهما شخص آخر من المماليك السلطانيّة يسمىّ سيف الدين رمضان، فلم يوافقهما على الهروب. فأفرج عنه، وأنعم (٣) عليه بإقطاع جيد
نكتة: كان أيدغدى التقوى لمّا خرج أمير الركب إلى الحجاز الشريف، كان فى الركب ولد لنور الدين ريّس الكحّالين يسمّى صدر الدين، أسود اللون، وكانت أمّه سودا. فحصل منه ما أدّى (٦) التقوىّ أنّه أنزله عن مركوبه، وتركه فى البرّ الأقفر بغير زاد ولا مركوب وأراد هلاكه. وكان فى أجله تأخير، فتوصّل إلى الديار المصريّة بعد الركب بأشهر. فلمّا رسم بتكحيل هذين النفرين أكحلهما (٩). ثمّ قيل إنّهما ينظران، فأحضرا ثانى دفعة. وأحضروا من يكحلهما. فأجمعوا الأطبّاء أنّهما لا يفيد فيها إلاّ الحديد بشى من عدّة الكحل يسمّى أبى عيشى، أجارنا الله تعالى، فرسم بذلك. فلم يقدم على ذلك أحد. فتقدّم هذا صدر الدين بن نور الدين الذى كان فعل معه ما فعل وقال: أنا أكحلهما بأبى عيشى. - فلمّا تقدّم للتقوىّ قال له: من أنت؟ -قال: أنا الذى أردت هلاكى، وأراد الله بقايى حتى مكّننى منك. -فقال: افعل ما يستعملك الله! - ففقأ أعينهما بالمبضع المذكور. فانظر إلى صنع الله
وممّا يحكى من جملة سعادة مولانا السلطان-زاده الله زاده وزاده، وبلّغه فى الدارين غاية الأمل والإرادة-أن بلغ المسامع الشريفة فى هذه السنة أنّ ببلاد البحرين حصانا (١٩) أشقر قليل المثل فى وقته، فأرسل مولانا
стр. 4221
السلطان فى طلبه، وعاد الخاطر الشريف متعلّقا به، لكثرة ما وصف له من صفات ذلك الحصان المذكور. ثمّ اتّصل بالمسامع الشريفة أنّ الفرس المذكور وصل إلى الشأم المحروس. فأرسل البريد فى طلبه ورسم ألاّ يشتريه أحد (٤) من العربان ولا من غيرهم. وعاد مولانا السلطان كثير التطلّع إلى أخباره والحثّ على حضوره. فلمّا وصل البريد المتوجّه فى طلب الفرس إلى سبخة السوادة وجد الفرس المطلوب بها، وهو مع جماعة من العرب قادمين به إلى مولانا السلطان، ومعه حجرة أخرى تقاربه فى صفاته. وقرّب الله البعيد، على طلب هذا الملك السعيد، ووصل إلى مولانا السلطان بعد مدّة ستّة أيّام من سماع خبره. وكان اسم صاحبه برجس بن سلطان العامرىّ من عرب البحرين. وكان وصول الفرس المذكور يوم الخميس سادس ربيع الآخر. وقد قال فى ذلك جلال الدين الصفدىّ البريدىّ أبياتا فالمستحسن منها:
(١٣) ... يا مليك الأرض الذى أصبحت
نعمته بين الورى جاريه (١٣_)
إنّ الحصان الأشقر الصيحمى ... أتى يمشى فى خدمته جاريه
يجرى إلى الخدمة مستبشرا ... والحجرة أيضا معه جاريه
وفى غد قد أقبلت حجرة ... تدعى الكحيلية لا الجاريه
وستّة هن خوات لها ... الكلّ ستات بلا جاريه (١٧)
وفيها قبض على الأمير علم الدين سنجر الجاولى الأمير سيف الدين ألماس أمير حاجب وسيّر إلى الأبواب العالية تحت الحوطة صحبته ثمانية مماليك من مماليك ألماس. وكان العبد قد توجّه على البريد لتجهيز الخيول
стр. 4222
بالمنازل لأجل توجّه القاضى كريم الدين الكبير إلى القدس الشريف.
فوصل الأمير علم الدين إلى المنزلة السعيديّة ثانى يوم من شهر رمضان المعظّم من هذه السنة المذكورة، وسلّم إلى الأمير علاء الدين مغلطاى الجمالىّ ثالث يوم من رمضان. فأخذه من بستان مولانا السلطان من بركة الحجّاج وتوجّه به فى الحرّاقة إلى ثغر الإسكندرية، فأقام بها حتى أفرج الله عنه فى تأريخ ما يأتى ذكره، ثمّ خرج الأمير صارم الدين الجرمكىّ على حوطته. ثمّ ولى مكانه بغزّة الأمير حسام الدين لاجين الصغير من أمرا دمشق
وفى خامس عشرين ربيع الأوّل وصل الأمير سيف الدين أطرجى (٩) من بلاد بركة من عند الملك أزبك وصحبته الآدر الشريفة بنت أخى أزبك، وحضر معها رجل مقعد، وقاضى يسمّى نور (١١)، وقالوا: إنّ هذا القاضى هو الذى أهدى الملك أزبك إلى الإسلام، ومعهم جمع كبير. وأنزل بها فى الميدان الظاهرىّ، وحضر أيضا معهم رسل كبار من جهة الملك أزبك ورسل الفرنج. وحضر صحبتهم سكران التاجر الإفرنجىّ ورفيقه.
استحضرهم مولانا السلطان عزّ نصره وتحدّث معهم. وكان معهم عدّة مماليك وجوار. ثمّ استحضر مولانا السلطان الرسل وذلك الرجل المقعد، وعقدوا العقد الشريف. ثمّ نزل الأمير سيف الدين أرغون النايب والأمير سيف الدين بكتمر الساقى والقاضى كريم الدين الكبير إلى الميدان، وطلعوا بالخاتون الجليلة، وهى على عربة صفة عجلة ملبسة الثياب المذهبة زىّ لبس البلاد. وذكروا أنّ الرسل والمماليك والجوارى (٢٠) وسكران التاجر ورفيقه جميعهم كانوا فى مركب واحد، وأنّ مشتراه على صاحبه ثمانين
стр. 4223
ألف دينار، ولكنّه شراها خمسين ألف دينار وشيئين وطريده (١) استصحبوهم معهم. وكان عدّة الجماعة الواصلين ألفى نفر وأربع ماية نفر، توفّى منهم فى البحر أربع ماية نفر، ووصل الباقى إلى الأبواب الشريفة. وكان عدّة المماليك الواصلين مع التجّار أربع ماية نفر وأربعين مملوكا، اشترى منهم مولانا السلطان مايتى مملوك وأربعة مماليك بمبلغ ألف ألف درهم نقرة، والباقى اشتروهم الموالى الأمرا. ثمّ فى يوم الجمعة سلخ ربيع الآخر كتب القاضى علاء الدين بن الأثير ﵀ الكتاب الشريف السلطانىّ فى شقّة أطلس أبيض بالذهب المحلول، فجا مدهشة لمن يراه، وكان مبلغه ثلاثين ألف دينار حالّة. وتضمّن الكتاب خطبة عظيمة القدر جامعة البراعة إلى البلاغة. وكانت نسختها عند العبد، فعدمت، ولم اقدر لها على نسخة، فأثبتها هاهنا
وممّا يؤرّخ من جملة سعادة مولانا السلطان-جعل الله سعده بداية بلا نهاية-ما حكاه لى والدى ﵀، أنّ السلطان الملك الظاهر ﵀ طلب جرمك الناصرىّ وقال له: أريدك تحصّل لى رجلا عاقلا ديّنا كافيا (١٤) أرسله إلى بلاد بركة فى مهمّ. -فأحضر له رجلا (١٥) بهذه الصفة. فسفّره إلى بلاد بركة وأعطاه جملة مال وأوصاه أن يشترى ويتوقّع له على جارية تركيّة من تلك البلاد. فتوجّه وغاب مدّة طويلة وعاد، ولم يقدر على تحصيل جارية، ومولانا السلطان-أعزّ الله أوليايه، وخذل أعدايه فى أدنى إشارة من إشاراته! -حملت له بنت أكبر ملوكهم، وهو المخطوب لا الخاطب (٢٠)، والمرغوب لا الراغب. وهؤلاء القوم أكبر بيوت التتار،
стр. 4224
فإنّهم بيت باتوا، وهذا باتوا أكبر عظم القآن جكز خان. وكان لهم من القسمة فى الغنايم من الفتوحات التى افتتحتها التتار من أوّل زمان الخمس، يحمل إلى بيت باتوا مهنّيا ميسّرا، من غير أن يكون لهم مع من يفتح البلاد جيش (٤) ولا مقاتلة، بل يحمل لهم الخمس على سبيل الخدمة. وبيت هلاوون دونهم فى المنزلة وهم عندهم كالنوّاب لهم، لا يعتدّون لهم بأصالة فى عظمهم، وإنّما هؤلاء يعرفون بينهم بالمغربة، أعنى بيت هلاوون. وبيت باتوا من أكابر الأصول فى العظم، وهذا من أعظم سعادات السلطان، حضور بنت أزبك بخطبة من مولانا السلطان لها، وإجابتهم لذلك تقرّبا للخواطر الشريفة السلطانيّة. وهذا شى ما جرى لملك من ملوك مصر أبدا، فسبحان من أطاع لمولانا السلطان الملوك الجبابرة، ملاّك أملاك الأكاسرة والقياصرة
وفيها توفّى القاضى زين الدين المحتسب الأسعردىّ سادس عشر شهر رمضان المعظّم، وكان إنسانا جيّدا مباركا، عليه سكينة ووقار ورياسة وأمانة ونهضة (١٤) وسياسة، ﵀. وتولّى عوضه القاضى نجم الدين بن أخيه واستقرّ كذلك. وخرجت عنه وكالة بيت المال المعمور، ووليها القاضى قطب الدين السنباطىّ
стр. 4225
ذكر [حوادث] سنة إحدى وعشرين وسبع ماية
النيل المبارك فى هذه السنة: الماء القديم. مبلغ الزيادة ستّة عشر ذراعا (٢) واثنا عشر إصبعا
ما لخص من الحوادث
الخليفة: الإمام المستكفى بالله أبو (٥) الربيع سليمان أمير المؤمنين، ومولانا السلطان الأعظم: الملك الناصر سلطان الإسلام، وأيّامه لذاذة كالأحلام، والنوّاب بمصر والشام، حسبما سقنا من الكلام، فيما تقدّم فى ذلك العام، وكذلك ساير الملوك، على هذا السلوك
فيها حجّت الآدر الشريفة طغاى، صان الله حجابها، وخرج فى خدمتها جماعة من الأمرا الكبار، فكانوا حجّابها، وهم: الأمير سيف الدين قجليس أمير سلاح من الديار المصريّة، والأمير سيف الدين تنكز نايب الشأم.
وتوجّه بين يديها الكوسات والعصايب السلطانيّة والسناجق. ورتّب القاضى كريم الدين الكبير فى خدمتها، وخرج فى ركاب محفّتها. وحمل الخضراوات مزروعة مباقل على الجمال، واهتمّ همّة ما رأى (١٤) الناس مثلها إلاّ إن كانت حجّة جميلة بنت ناصر الدولة، إحدى بنات ملوك بنى بويه الديالمة، وقد ذكرتها فى كتابى المسمّى «بحدايق الأحداق ودقايق الحذّاق» وإنّ من جملة ما فعلت أنّها أسقت الناس بالموسم فى جميع أيّام التشريق السويق بالسكّر الطبرزد، بالثلج مبرّد، وأنّها أخلعت على الجبل بعد لبس المخيط ألفا (١٩) وثمان ماية خلعة، وفرّقت من الذهب العين ثلاثين ألف دينار وأشيا ذكرها أبو منصور الثعالبىّ فى كتابه المسمّى «لطايف المعارف» وهى أوّل
стр. 4226
من استنّت محامل البقولات مزروعة على أظهر الجمال مع عدّة من أصناف الرياحين، وكذلك كانت حجّة الآدر الشريفة خوند طغاى فى أيّام مولانا وسيّدنا ومالك الرقبا (٣) السلطان الأعظم الملك الناصر عزّ نصره
وفيها كان بدوّ الحريق العظيم بمصر والقاهرة. وكان من فعل النصارى، وسببه أن برز المرسوم الشريف بخراب كنيسة الكرج التى كانت تعرف بالحمرا. فشرع العامّة فى هدم عدّة من الكنايس وهم: كنيسة الزهرى، كنيسة أبى (٧) متّى، كنيسة السبع سقايات، كنيسة الفهادين، كنيسة حارة برجوان، كنيسة رملة الحسينيّة، كنيسة بالقاهرة، الجملة سبع كنايس أخربوها العامّة ونهبوا منها (٩) أشيا كثيرة. فشرعوا النصارى فى الحريق بمصر والقاهرة فى ساير الأماكن. ولقد بلغنى أنّهم تسمّوا بالمجاهدين، وهم الذين كانوا تجرّدوا لهذا الفعل. وكانوا يرمون الخرق المحشوّة بالزيت والكبريت ويؤرّثون فيها النار ويحذفونها فى أسطحة البيوت ويدفنونها تحت الأبواب الخشب. وعادت أيّام شنيعة، وكلّ أحد خايف وجل على نفسه وملكه وماله. وأحرقت عدّة دور حسنة لها صورة. وعادوا النصارى يزعمون أنّ النار تنزل من السما، ليوهموا أنّ ذلك لسبب خراب كنايسهم.
ثمّ إن النصارى طلبوا فاختفوا، ومسك منهم جماعة، وعوقبوا، فمنهم من أقرّ ومنهم من احتمل العقوبة ولم يقرّ
وفيها رجمت العامّة القاضى كريم الدين الكبير عند خروجه من الميدان ورجع هاربا، ومسك جماعة منهم الولاية وعوقبوا. ثمّ إنّ ذلك كان أوّل بدوّ خمول القاضى كريم الدين، فنعوذ بالله من الخمول الذى يؤول إلى زوال النعم
стр. 4227
ذكر [حوادث] سنة اثنتين وعشرين وسبع ماية
النيل المبارك فى هذه السنة: الماء القديم. مبلغ الزيادة ستّة عشر ذراعا وستّة عشر إصبعا
ما لخص من الحوادث
الخليفة: الإمام المستكفى بالله أبو (٥) الربيع سليمان أمير المؤمنين، ومولانا السلطان الأعظم الملك الناصر، سلطان ممالك الدنيا، وقد فاق بملكه على الملوك الأموات والأحيا، زاد الله أيّامه علوّا وشبابا ونموّا
والنوّاب: الأمير سيف الدين أرغون نايب الديار المصريّة، بالأبواب العالية، والمتحدّث فى أمور الوزارة: كريم الدين الناظر، والحجّاب بالأبواب الشريفة: الأمير سيف الدين ألماس الجاشنكير، والأمير سيف الدين طينال، وآقول المحمدىّ، وأمير جانداريّة: الأمير ركن الدين الأحمدىّ، وسيف الدين آلدمر، والحسنىّ، وأمير النقبا: شهاب الدين أحمد بن المهمندار، والقاضى كريم الدين الكبير مدبّر الدولة وناظر الخاصّ الشريف، والقاضى فخر الدين ناظر الجيوش المنصورة، والقاضى علاء الدين بن الأثير صاحب ديوان الإنشا الشريف. والدوادار: الأمير سيف الدين ألجاى
والملوك بالأقطار حسبما تقدّم من ذكرهم فى السنة الخالية، خلا صاحب اليمن الملك المؤيّد هزبر الدين داود، فإنّه توفّى إلى رحمة الله تعالى، وولى الملك ولده الملك المجاهد علاء الدين علىّ. وتغلب عليه ابن عمّه الملك الظاهر، واقتلع منه عدّة قلاع من أعمال اليمن
стр. 4228
وفيها أحضر قاتل الشريف حميضة بن أبى نمىّ إلى بين يدى المواقف الشريفة السلطانيّة، يوم الأربعا ثالث شهر شوّال، وأمر بضرب عنقه، فضربت رقبته بين يدى المواقف الشريفة
وفيها فى سادس عشر شوّال توجّه الأمير سيف الدين أرغون إلى الحجاز الشريف
وفيها حضر رسول الملك أبى (٦) سعيد إلى الأبواب العالية. وفى جملة ما طلب الملا كمين من الديار المصريّة، فسيّروا إليه على البريد المنصور
وفيها حضر رسل سيس إلى الأبواب العالية. وصحبتهم هدايا حسنة، وسألوا (٩) الصلح
وفيها مسك الأمير سيف الدين بكتمر الأبوبكرىّ واعتقل
وفيها توفّى الشيخ نجم الدين بن عبّود ﵀، وكان له منزلة كبيرة فى الدول وعند الأكابر. وكان يعمل كلّ سنة مولد سيّدنا رسول الله ﷺ ، وينفق فيه أموالا (١٣) عظيمة فى الأطعمة والحلاوات، وتهاديه فى ذلك جميع الأكابر ويحضروا عنده. ولقد بلغنى أنّه فى مولد من جملة الموالد فضل عمّا عمل فى ذلك (١٥) المولد أربع ماية قمع سكّر، ثلاث ماية وثمانين رأس غنم، خارجا عن بقيّة الأصناف. وكانت وفاته ثالث شوّال
стр. 4229
ذكر [حوادث] سنة ثلاث وعشرين وسبع ماية
النيل المبارك فى هذه السنة: الماء القديم. مبلغ الزيادة ثمانية عشر ذراعا وسبعة أصابع
ما لخص من الحوادث
الخليفة: الإمام المستكفى بالله أبو (٥) الربيع سليمان أمير المؤمنين، ومولانا السلطان الأعظم: الملك الناصر سلطان الأرض، الذى طاعته على كلّ مسلم فرض، والنوّاب حسبما تقدّم من ذكرهم فى السنة الخالية، وكذلك ملوك الأقطار
وفيها ولد مولانا ابن مولانا السلطان الأعظم الملك الناصر، وهو المقرّ الأشرف السيفىّ أنوك، نجل السادة الأفاضل السلاطين الملوك، فماء الورد من الورد متّخذ، والشبل فى المخبر مثل الأسد، عضّد الله الولد بالوالد وبالوالد الولد، بمحمد وآل محمد (١٢)
وفيها الثانى من جمادى الأوّل حضر الأمير ركن الدين بيبرس السلحدار بالبشارة بفتح أياس من سيس، وكان توجّه إليها فى السنة الخالية خمسة آلاف فارس من الديار المصريّة، يقدمهم خمسة مقدّمين، وهم: الأمير جمال الدين نايب الكرك، والأمير سيف الدين ألماس، والأمير علم الدين سنجر الجمقدار، والأمير سيف الدين أصلم السلحدار، والأمير سيف الدين طرجى أمير مجلس، بعدّتهم ومضافيهم. فأخلع مولانا السلطان على الأمير ركن الدين المبشّر، وأعاده بمرسوم شريف على يده بحضور العساكر المصريّة
стр. 4230
إلى مصر، وأن يستقطع فى الشأم من الأمرا المجرّدين أربعة نفر، وهم التليلىّ، وعبد الملك، وبهادر الغتمىّ، وقطلوبغا طاز
وفيها مسك القاضى كريم الدين الكبير وولده علم الدين عبد الله يوم الخميس رابع عشر ربيع الآخر. ووقع الاحتياط على جميع موجوده الظاهر.
وكان العبد قد توجّه قبل مسكه بعشرة أيّام، فجهّزت له خيل البريد فى جميع منازل الرمل درك العربان. وأقمت أنتظره بمنزلة السعيديّة. وخرج الطلب الذى له صحبة علىّ بن هلال الدولة على جارى عادته، ونزل بالسعيديّة ليلة الخميس. فلمّا أصبح نهار الخميس مسك كريم الدين. وخرج الأمير سيف الدين قطلبغا المغربىّ على البريد بسبب الحوطة على الطلب بسبب الخزانة التى كانت خرجت صحبة ابن هلال الدولة. فسبق الخبر بمسك كريم الدين. فاتّفق علاء الدين بن هلال الدولة مع شخص يسمّى نجم الدين بن بدير العبّاسىّ من أهل العبّاسة، وأعطاه ستّ هجن ذهب ولؤلؤ وفصوص، فتسلّمهم وتوجّه بهم من الطريق البدريّة إلى العبّاسة.
وطلع قطلبغا المغربىّ فى الطريق السلطانيّة، فلم يجد فى الطلب خزانة واحتوى ابن هلال الدولة وابن بدير العبّاسىّ وشخص يسمّى عبد الله البريدىّ على تلك الأموال الجمّة، وصانعوا عليها. واستمرّ أمر ابن هلال الدولة واستقام حاله وأخذ طبلخاناه. وعاد يتحدّث فى جميع مناصب الدولة جليلها وحقيرها حتى بصّر الله تعالى مولانا السلطان. فقبض عليه فى سنة أربع وثلاثين وسبع ماية، حسبما نذكر من خبره فى تأريخه. ولمّا مسك كريم الدين أخذ من عنده أموال جليلة، وأشهد على نفسه أنّ جميع ما يملكه لمولانا السلطان عزّ نصره، وشغرت ساير مناصبه. ثمّ أفرج عنه يوم السبت تاسع عشر الشهر المذكور، وتوجّه إلى تربته بالقرافة،
стр. 4231
أقام بها. وتولّى مكانه بنظر الخاصّ القاضى تاج الدين إسحق، وكان مستوفيا بالأبواب العالية، وتولّى من مناصب كريم الدين نظر الأوقاف المنصوريّة بالبيمارستان والمدرسة الأمير جمال الدين نايب الكرك. وتولّى من مناصب كريم الدين أيضا نظر الأوقاف بجامع أحمد بن طولون الأمير سيف الدين قجليس أمير سلاح الناصرىّ، فسبحان الدايم بلا زوال، مغيّر حال بعد حال
وما أحسن قول الحكما هاهنا: إنّ شبيه أصحاب السلطان كقوم رقوا إلى جبل، ثمّ سقطوا منه، فكان أبعدهم فى المرقى أقربهم إلى التلف، بقدر الصعود (٩) يكون الهبوط. -وقولهم: صاحب السلطان كراكب الأسد، الناس تهيّبه وهو لمركوبه أهيب. -وقولهم: السلطان كالنار، إن قربت منها احترقت وإن بعدت عنها لم تنتفع بها، فالعاقل من اقتبس منها وهو على حذر. -وقولهم: مرقة السلطان حارّة، من حساها بلا حساب احترقت شفتاه. قلت أنا: مال السلطان مسموم، من أكله تخرّطت أمعاه، ولا يفيد فيه الجواهر، فلو أفادت فيه الجواهر، لمّا هلك الظاهر. - ومن قول الشاعر <من المتقارب>:
إذا ما خطيت (١٦) ... إلى رتبة
فإيّاك والدرج العاليه
وكن فى منزل (١٧) ... إذا ما وقعت
تقوم ورجلاك فى عافيه
ولمّا نكبت البرامكة قال الرشيد رضى الله عنه لأحمد بن أبى خالد- ومن (١٩) رواية أنّ الكلام كان للفضل بن الربيع-وقد كان قام بالأمر بعدهم:
يا أحمد، إيّاك والدالّة على الملوك، فإنّ البرامكة أصيبوا منها
стр. 4232
وفيها عزل كريم الدين الصغير أيضا عن نظر الدولة فى سادس عشر ربيع الآخر، وولى صاحب ديوان الجيوش المنصورة. ثمّ مسك يوم السبت العشرين من هذا الشهر وولده سعد الدين أبو الفرج، وصودرا وحمل من جهتهما أموال جمّة وغلال كثيرة ومواشى عديدة. وكان كريم الدين الناظر المذكور فيه عفّة عن الأموال السلطانيّة. وكان صاحب متجر وزرع وغيره، وكان سلطا سفيها جريئا (٦) قوىّ الجنان
وفيها وزر الصاحب أمين الدين أمين الملك بن العنام الوزارة الثانية رابع عشرين شهر ربيع الآخر. وكان بطّالا مقيما (٨) بالقدس الشريف، فطلب وأخلع عليه، ووزر وفتح الشبّاك الذى للوزارة. واستقرّ شرف الدين بن زنبور خال القاضى فخر الدين ناظر الجيوش المنصورة ناظر النظّار بالديار المصريّة، وكان قبل ذلك مستوفى الصحبة الشريفة.
وكان ضعيف الكتابة عاريا (١٢) من المعرفة، وإنّما كان ذلك كما قالت العرب: الخيل ترعى بالحصان المربوط. -فكان سبب تنقّله القاضى فخر الدين وحرمته فى الدولة. ثمّ تخلّص كريم الدين الصغير الناظر (١٥)، وتوجّه ناظرا إلى صفد
وفيها كان الصلح بين المسلمين والتتار، وذلك بحسن تدبير مولانا السلطان وبركة سياسته التى تحيّر فيها الأفكار، حتى عادت أسمارا على ألسنة السّمّار، وكان ذلك على يد مجد الدين السلامىّ التاجر السفّار. ثمّ حضر فى هذه السنة رسول الملك أبى (١٩) سعيد، وسأل المراحم الشريفة على
стр. 4233
الصلح، فأنعم له مولانا السلطان بذلك لما رأى (١) فيه من الحظّ والمصلحة للإسلام، فجزاه الله عن رعيّته ورعايته خير الجزا، الذى فى أيّامه اطمأنّت نفوس العالم، وقد (٣) كانت المخاوف من قبل ﴿تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾ وذكر أن الهدنة وقعت بينهما لمدّة عشر سنين وعشرة أيّام. وكان سبب هذا الصلح المبارك جوبان، فإنّه كان مسلما حسنا، وكان قد وصل إليه مجد الدين السلامىّ من الديار المصريّة وصحبته أربع أرؤس خيل، تقدمة له من عنده بعدد سلطانيّة مصريّة. فاختشى جوبان أن يقبلهم لا يعرفوا عليه، فيقال: أنت تكاتب صاحب مصر وهؤلاء خيول مصر. -فأشار على السلامىّ أن يقدّمهم لأبى سعيد، فقدّمهم له. وكان ذلك سبب الصلح فى حديث طويل، هذا ملخّصه
وفيها كان الابتدا فى عماير سرياقوس، فعمر بها القصر والخانقاه والحمّام والبساتين ومناظر حسنة وميدان وغير ذلك، وكان ذلك فى سلخ ذى الحجّة من هذه السنة
وفيها توفّى القاضى نجم الدين بن صصرى قاضى قضاة الشأم بدمشق المحروسة. وولى عوضه القاضى جمال الدين الزرعىّ حسبما يأتى من تتمّة الكلام فى تأريخه إنشا الله تعالى
стр. 4234
ذكر [حوادث] سنة أربع وعشرين وسبع ماية
النيل المبارك فى هذه السنة: الماء القديم. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وأربعة عشر إصبعا
ما لخص من الحوادث
الخليفة: الإمام المستكفى بالله أبو الربيع سليمان أمير المؤمنين، ومولانا السلطان الأعظم: الملك الناصر سلطان العالم، كتبه الله آخر الدهر سالم، والنوّاب بمصر والشام، حسبما سقناه من الكلام، فى تلك الأعوام
فيها تولّى الوزارة الأمير علاء الدين مغلطاى الجمالىّ الناصرىّ عوضا عن أمين الدين بن العنام يوم <الخميس> ثامن رمضان المعظّم (٩).
ورسم على أمين الدين، ثمّ عفى عنه وأطلقه، ونزل إلى بيته
وفيها أحضر كريم الدين الصغير من صفد، وأخذ منه أموالا أخر.
وكان قد تولّى نظر الدولة القاضى شمس الدين غبريال. أتى به من دمشق.
ثمّ أخلع على كريم الدين الصغير، وسيّر ناظرا بدمشق عوضا عن شمس الدين غبريال. واستقرّ مع غبريال فى النظر شهاب الدين بن الأقفاصىّ، وكان فى البيوت
وفيها أحضر كريم الدين الكبير من القدس الشريف صحبة الأمير سيف الدين قطلبغا المغربىّ وتوجّه إلى أسوان. ثمّ وصل الخبر فى العشرين من شهر شوّال من هذه السنة أن كريم الدين الكبير شنق نفسه بمدينة أسوان.
فرسم بحضور ولده عبد الله. وظهرت له بعد ذلك ودايع وذخاير
стр. 4235
وأموال، وراح له شى كثير مع التجّار الإفرنج، فإنّه كان يودعهم الأموال العظيمة، وكان نيّته الهروب إلى بلاد الإفرنج فى تلك السنة التى مسك فيها، فلم يمهل. فإنّه كان قصد أن يدخل الجزاير مرّة فى مرّة من ثغر الإسكندريّة، فلم يمكنه ذلك لما فى الثغر من الاحتراز. فحسّن لمولانا السلطان تلك السنة أنّه يتوجّه يعمّر اللاذقيّة، ويجعلها مينا كإسكندريّة، وكان نيّته غير ذلك، وأن يتوجّه منها إلى الجزاير ببلاد الإفرنج. فعاجله مولانا السلطان وقبض عليه بقوّة سعده، زاده الله من فضله، وانقطع خبر كريم الدين الكبير حتى كأن لم يكن. فسبحان الدايم الذى لا ينقطع، وارث الأرض ومن عليها، الذى هو كلّ يوم فى شأن (٩)
وفيها حجّ القاضى فخر الدين ناظر الجيوش المنصورة، وعاد فى السنة الأخرى ثالث المحرّم، ولم يرا أسرع من عودته
وفى شهر شعبان رسم بحفر الخليج الناصرىّ إلى سرياقوس
وفيها حضر الأمير بدر الدين بكمش الظاهرىّ وبدر الدين أبو غدة (١٣) من بلاد بركة، فإنّه كان توجّه فى سنة ثلاث وعشرين وسبع ماية. فحضر صحبتهما رسل من الملك أزبك وصحبتهم هدايا حسنة
وفيها حضرت رسل الملك أبى (١٦) سعيد، وصحبتهم هديّة أبى سعيد، وذلك يوم الاثنين ثامن ذى الحجّة، وهى عدّة قطر بخاتىّ مزيّنة ملبسة وعليها صناديق بجلود بلق، وخيل مسرجة بعددها وهديّة حسنة. وهذا شى ما عهد قط أن تسيّر ملوك المغل مثل هذه الهديّة، فالحمد لله الذى أيّد الملّة المحمديّة، والحمد لله الذى اختصّ سلطاننا بهذه الفضيلة، وأفرده بهذه الموهبة الجزيلة، والحمد لله على هذه النعمة التى أوفت على
стр. 4236
النعم، واستغرقت مدى (١) الأفضال والكرم، فأدام الله أيّام دولته، ولا قلّص عنّا ظلّ نعمته!
وفيها حضر ملك التكرور طالبا للحجاز الشريف، واسمه أبو بكر بن موسى. وحضر بين يدى المواقف الشريفة وقبّل الأرض. وأقام بالديار المصريّة سنة حتى توجّه إلى الحجاز. وكان معه ذهب كثير، وبلاده هى البلاد التى تنبت الذهب. وسمعت القاضى فخر الدين ناظر الجيوش المنصورة يقول: سألت من ملك التكرور: كيف هى صفة منبت الذهب عندهم؟ -فقال: ليس هو فى أرضنا المختصّة بالمسلمين، بل فى الأرض المختصّة بالنصارى من التكرور، ونحن نسيّر نأخذ منهم صفة حقوق لنا موجبة عليهم. وهى أراضى مخصوصة تنبت الذهب على هذه الصورة: وهو قطيعات صغار مختلفة الهندام، فشئ شبه الحليقات الصغار، وشى شبه نوى الخرّوب ومثل ذلك. -قال القاضى فخر الدين:
فقلت: فلم لا تغلبوهم على هذه الأرض؟ -فقال: إذا غلبناهم وأخذناها منهم لم ينبت شى. وقد فعلنا ذلك بطرق (١٤) عديدة، فلم نرا فيها شيئا.
فإذا عادت لهم نبتت على عادتها. وهذا الأمر من أعجب ما يكون. ولعلّ هذا لزيادة فى طغيان النصارى. -ثمّ إن ملك التكرور وأصحابه اشتروا من القاهرة ومصر من ساير الأصناف. وظنّوا أنّ مالهم لا ينفد. فلمّا استغرقوا فى المشترى ووجدوا أصناف هذه الديار لا لها حدّ يحدّ، وكلّ يوم ينظروا شيئا (١٩) أحسن من شى نفد ما كان معهم، واحتاجوا للقرض.
فأقرضهم الطمّاعة من الناس رجا الفايدة الكبيرة فى عودتهم. فراح جميع
стр. 4237
ما اقترضوه على أربابه، ولم يرجع لهم منه شى. ومن جملة ذلك لصاحبنا الشيخ الإمام شمس الدين بن تازمرت المغربىّ، أقرضهم ذهبا (٢) له صورة جيّدة. فلم يعود إليه شئ. ثمّ إنّ هؤلاء القوم تعجّبوا لهذه الديار وسعة ما فيها، وكيف استغرقت جميع أموالهم ولا تكمل أغراضهم فى المشترى حتى احتاجوا وعادوا يبيعوا ما كانوا شروه بنصف قيمته.
وكسب الناس عليهم كسبا جيّدا (٦_)، والله أعلم. وأحسن (٦) لهم مولانا السلطان إحسانا كبيرا، وألبسه خلعة الملك من جهته. وقلّده الخليفة تقليدا من قبله والتزم أنّه يخطب فى بلاده باسم مولانا السلطان، وكذلك السكّة. وهذا ما عهد لصاحب مصر غير مولانا السلطان عزّ نصره (١٠)
ذكر [حوادث] سنة خمس وعشرين وسبع ماية
النيل المبارك فى هذه السنة: الماء القديم. مبلغ الزيادة ستّة عشر ذراعا وأحد وعشرين إصبعا
ما لخص من الحوادث
الخليفة: الإمام المستكفى بالله أبو (١٥) الربيع سليمان أمير المؤمنين، ومولانا السلطان الأعظم: الملك الناصر سلطان الإسلام، الذى تحفّ الملايكة جنابه، وتودّ ساير الشفاه من ملوك الأرض لو لثمت ترابه
стр. 4238
وفيها برزت المراسم الشريفة بالتجاريد إلى اليمن، معونة للملك المجاهد ابن الملك المؤيّد حسب سؤاله. فجرّد الأميرين ركن الدين بيبرس الحاجب كان والأمير سيف الدين طينال الحاجب المستقرّ فى ذلك التأريخ. وجرّد صحبتهما جماعة كبيرة من الأمرا العشرات والمقدّمين، ومن أعيان الحلقة ومن المماليك السلطانيّة كرّمهم الله تعالى. فتوجّهوا وأقاموا مدّة وكان عودتهم إلى الديار المصريّة ثالث ذى القعدة. ولم يحصل لهم حجّ تلك السنة.
وكان لمّا وصلوا إلى اليمن نزل إليهم الملك المجاهد تحت الطاعة وأكرمهم وأحسن نزلهم. ثمّ إنّه لمّا عاد تخيّل فامتنع عن النزول. فمسك نايبه وقيّد. ثمّ راسلوا للملك المجاهد فتزايد تخيّله لمّا مسك نايبه. حدّثنى الأمير سيف الدين بلبان الدوادارىّ خشداشنا ﵀، قال: أنفذونى الأمرا رسولا (١١) للملك المجاهد صاحب اليمن، قال: فطلعت إليه إلى قلعة تعزّ، فوجدته شابّا حسنا، أسمر اللون حسن الوجه ظريف (١٢) القوام، أدعج الشعر أكحل العينين، قال: فأشغلنى شبابه عن خطابه، وكان المذكور الدوادارىّ مولعا (١٤) بحبّ الشهوات، ويفضّل حبّ البنين على البنات، قال:
فقال لى: يا سيف الدين، أيش أعجبك فى بلادنا؟ -فقلت:
والله ما أعجبنى غيرك. -قال الدوادارىّ: فاحمرّ وجهه من الخجل.
ثمّ لاطفته ونزلت من عنده، وقد امتنع من النزول إلى الأمرا. ثمّ إن الأمير ركن الدين بيبرس الحاجب لمّا رحلوا عن قلعة تعزّ استحضر نايب اليمن ووسّطه وعلّقه على شجرة، وتركوه وتوجّهوا إلى الديار المصريّة.
فوصلوا فى التأريخ المذكور
стр. 4239
وفيها تاسع جمادى الأوّل انتهت عماير سرياقوس، وحفر الخليج الناصرىّ، وعمل المهمّ العظيم بالخانقاه الناصريّة بسرياقوس. وأنعم فيه مولانا السلطان إنعاما عامّا على المشايخ والفقرا، أرباب الزوايا والخوانق.
وفعل فى ذلك ما عاد له مدّخر، إلى تلك الأيّام الأخر، وفى ثالث شعبان، أنعم مولانا السلطان، على الموالى الأمرا بحوايص ذهب بجملة كبيرة
وفيها قتل صاحب المدينة وولى ولده مكانه وهو كبيش بن منصور ابن جمّاز بن شيحة الحسنىّ (٧)
وفى خامس عشر شهر رمضان المعظّم توفّى الأمير ركن الدين بيبرس الدوادار صاحب التأريخ الحسن الجامع لكلّ فنّ. وكان ﵀ من أكابر الموالى الأمرا ومن جملة العلما الأفاضل، يدرى شيئا (١٠) من العربيّة واللغة ومن العلوم الدينيّة، تغمّده الله برحمته وأسكنه جنّته
وفيها بلغ المسامع الشريفة السلطانيّة شى ممّا اعتمده الأمير ركن الدين بيبرس الحاجب من سوء التدبير باليمن، وشئ من كلامه الغثّ بالأبواب العالية. فقبض فى العشرين من ذى القعدة من هذه السنة وأودع الاعتقال
ذكر [حوادث] سنة ستّ وعشرين وسبع ماية
النيل المبارك فى هذه السنة: الماء القديم. مبلغ الزيادة ستّة عشر ذراعا وتسعة عشر إصبعا
ما لخص من الحوادث
الخليفة: الإمام المستكفى بالله أبو (١٩) الربيع سليمان أمير المؤمنين، ومولانا السلطان الأعظم: الملك الناصر سلطان الإسلام، نصره الله على أضداد دولته وكفّار نعمته، ولا أخلاه من عزّ الراية، وإدراك الغاية
стр. 4240
والنوّاب حسبما نذكر من تغيّر أحوالهم فى الأبواب، فى السنة الآتية فى هذا الكتاب. وفى هذه السنة الأمير سيف الدين أرغون نايب الديار المصريّة بالأبواب العالية، وهو مهتمّ إلى الحجاز الشريف بجميع أهله وولده. وتوجّه أوان الحجّ فى خدمة الآدر الشريفة خوند بنت أخى (٤) الملك أزبك المقدّم ذكر حضورها. وفى أواخر شهر صفر عزل القاضى شمس الدين غبريال عن النظر بالأبواب الشريفة، وتولّى مكانه مجد الدين بن لفينة ورجع إلى نظر الشأم مكانه بدمشق. وحضر كريم الدين الصغير بطّال ولزم بيته. ثمّ توجّه به إلى أسوان وانقطع خبره. وفى سلخ شهر جمادى الأولى تولّى الأمير سيف الدين طينال الحاجب نيابة طرابلس عوضا عن الأمير شهاب الدين قرطاى الحاجب بحكم انتقاله إلى دمشق أميرا بها. وفيها أفرج الله تعالى عن الأمير سيف الدين بلبان طرنا، وتوجّه إلى حلب أميرا بها
وفيها رخصت الأسعار بالديار المصريّة، وبلغ القمح الطيّب الصعيدىّ ثمانى الدراهم الأردبّ، والشعير والفول أربعة الدراهم الأردبّ. وبلغ الخبز العلامة العال عشرين رطلا بدرهم. وربّما عمل معدّل الخبز الذى للشحّاذين ويبيعونه فجاء سبعون رطلا بدرهم. وعاد الصعلوك لا يقبل الكسرة ولا الرغيف ولا يأخذ إلاّ الفلس. فما عزّ شئ إلاّ وهان، ولا هان شى إلاّ وعزّ، فسبحان من بيده كلّ شئ ﴿وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (١٧)
وفيها عمرت أرض الطبّالة التى ظاهر باب الشعريّة بضواحى القاهرة.
عنى بعمارتها الأمير سيف الدين بكتمر الحاجب، وعمل فيها قنطرة مليحة على الخليج الناصرى، وعليها دكاكين وسوق كبير ودور وأملاك وعمروا أيضا الناس كذلك، وهذه الأرض أقلّها (٢١) وهى عامرة كأحسن ما يكون من