النعم، واستغرقت مدى (١) الأفضال والكرم، فأدام الله أيّام دولته، ولا قلّص عنّا ظلّ نعمته!
وفيها حضر ملك التكرور طالبا للحجاز الشريف، واسمه أبو بكر بن موسى. وحضر بين يدى المواقف الشريفة وقبّل الأرض. وأقام بالديار المصريّة سنة حتى توجّه إلى الحجاز. وكان معه ذهب كثير، وبلاده هى البلاد التى تنبت الذهب. وسمعت القاضى فخر الدين ناظر الجيوش المنصورة يقول: سألت من ملك التكرور: كيف هى صفة منبت الذهب عندهم؟ -فقال: ليس هو فى أرضنا المختصّة بالمسلمين، بل فى الأرض المختصّة بالنصارى من التكرور، ونحن نسيّر نأخذ منهم صفة حقوق لنا موجبة عليهم. وهى أراضى مخصوصة تنبت الذهب على هذه الصورة: وهو قطيعات صغار مختلفة الهندام، فشئ شبه الحليقات الصغار، وشى شبه نوى الخرّوب ومثل ذلك. -قال القاضى فخر الدين:
فقلت: فلم لا تغلبوهم على هذه الأرض؟ -فقال: إذا غلبناهم وأخذناها منهم لم ينبت شى. وقد فعلنا ذلك بطرق (١٤) عديدة، فلم نرا فيها شيئا.
فإذا عادت لهم نبتت على عادتها. وهذا الأمر من أعجب ما يكون. ولعلّ هذا لزيادة فى طغيان النصارى. -ثمّ إن ملك التكرور وأصحابه اشتروا من القاهرة ومصر من ساير الأصناف. وظنّوا أنّ مالهم لا ينفد. فلمّا استغرقوا فى المشترى ووجدوا أصناف هذه الديار لا لها حدّ يحدّ، وكلّ يوم ينظروا شيئا (١٩) أحسن من شى نفد ما كان معهم، واحتاجوا للقرض.
فأقرضهم الطمّاعة من الناس رجا الفايدة الكبيرة فى عودتهم. فراح جميع
стр. 4237
ما اقترضوه على أربابه، ولم يرجع لهم منه شى. ومن جملة ذلك لصاحبنا الشيخ الإمام شمس الدين بن تازمرت المغربىّ، أقرضهم ذهبا (٢) له صورة جيّدة. فلم يعود إليه شئ. ثمّ إنّ هؤلاء القوم تعجّبوا لهذه الديار وسعة ما فيها، وكيف استغرقت جميع أموالهم ولا تكمل أغراضهم فى المشترى حتى احتاجوا وعادوا يبيعوا ما كانوا شروه بنصف قيمته.
وكسب الناس عليهم كسبا جيّدا (٦_)، والله أعلم. وأحسن (٦) لهم مولانا السلطان إحسانا كبيرا، وألبسه خلعة الملك من جهته. وقلّده الخليفة تقليدا من قبله والتزم أنّه يخطب فى بلاده باسم مولانا السلطان، وكذلك السكّة. وهذا ما عهد لصاحب مصر غير مولانا السلطان عزّ نصره (١٠)
ذكر [حوادث] سنة خمس وعشرين وسبع ماية
النيل المبارك فى هذه السنة: الماء القديم. مبلغ الزيادة ستّة عشر ذراعا وأحد وعشرين إصبعا
ما لخص من الحوادث
الخليفة: الإمام المستكفى بالله أبو (١٥) الربيع سليمان أمير المؤمنين، ومولانا السلطان الأعظم: الملك الناصر سلطان الإسلام، الذى تحفّ الملايكة جنابه، وتودّ ساير الشفاه من ملوك الأرض لو لثمت ترابه
стр. 4238
وفيها برزت المراسم الشريفة بالتجاريد إلى اليمن، معونة للملك المجاهد ابن الملك المؤيّد حسب سؤاله. فجرّد الأميرين ركن الدين بيبرس الحاجب كان والأمير سيف الدين طينال الحاجب المستقرّ فى ذلك التأريخ. وجرّد صحبتهما جماعة كبيرة من الأمرا العشرات والمقدّمين، ومن أعيان الحلقة ومن المماليك السلطانيّة كرّمهم الله تعالى. فتوجّهوا وأقاموا مدّة وكان عودتهم إلى الديار المصريّة ثالث ذى القعدة. ولم يحصل لهم حجّ تلك السنة.
وكان لمّا وصلوا إلى اليمن نزل إليهم الملك المجاهد تحت الطاعة وأكرمهم وأحسن نزلهم. ثمّ إنّه لمّا عاد تخيّل فامتنع عن النزول. فمسك نايبه وقيّد. ثمّ راسلوا للملك المجاهد فتزايد تخيّله لمّا مسك نايبه. حدّثنى الأمير سيف الدين بلبان الدوادارىّ خشداشنا ﵀، قال: أنفذونى الأمرا رسولا (١١) للملك المجاهد صاحب اليمن، قال: فطلعت إليه إلى قلعة تعزّ، فوجدته شابّا حسنا، أسمر اللون حسن الوجه ظريف (١٢) القوام، أدعج الشعر أكحل العينين، قال: فأشغلنى شبابه عن خطابه، وكان المذكور الدوادارىّ مولعا (١٤) بحبّ الشهوات، ويفضّل حبّ البنين على البنات، قال:
فقال لى: يا سيف الدين، أيش أعجبك فى بلادنا؟ -فقلت:
والله ما أعجبنى غيرك. -قال الدوادارىّ: فاحمرّ وجهه من الخجل.
ثمّ لاطفته ونزلت من عنده، وقد امتنع من النزول إلى الأمرا. ثمّ إن الأمير ركن الدين بيبرس الحاجب لمّا رحلوا عن قلعة تعزّ استحضر نايب اليمن ووسّطه وعلّقه على شجرة، وتركوه وتوجّهوا إلى الديار المصريّة.
فوصلوا فى التأريخ المذكور
стр. 4239
وفيها تاسع جمادى الأوّل انتهت عماير سرياقوس، وحفر الخليج الناصرىّ، وعمل المهمّ العظيم بالخانقاه الناصريّة بسرياقوس. وأنعم فيه مولانا السلطان إنعاما عامّا على المشايخ والفقرا، أرباب الزوايا والخوانق.
وفعل فى ذلك ما عاد له مدّخر، إلى تلك الأيّام الأخر، وفى ثالث شعبان، أنعم مولانا السلطان، على الموالى الأمرا بحوايص ذهب بجملة كبيرة
وفيها قتل صاحب المدينة وولى ولده مكانه وهو كبيش بن منصور ابن جمّاز بن شيحة الحسنىّ (٧)
وفى خامس عشر شهر رمضان المعظّم توفّى الأمير ركن الدين بيبرس الدوادار صاحب التأريخ الحسن الجامع لكلّ فنّ. وكان ﵀ من أكابر الموالى الأمرا ومن جملة العلما الأفاضل، يدرى شيئا (١٠) من العربيّة واللغة ومن العلوم الدينيّة، تغمّده الله برحمته وأسكنه جنّته
وفيها بلغ المسامع الشريفة السلطانيّة شى ممّا اعتمده الأمير ركن الدين بيبرس الحاجب من سوء التدبير باليمن، وشئ من كلامه الغثّ بالأبواب العالية. فقبض فى العشرين من ذى القعدة من هذه السنة وأودع الاعتقال
ذكر [حوادث] سنة ستّ وعشرين وسبع ماية
النيل المبارك فى هذه السنة: الماء القديم. مبلغ الزيادة ستّة عشر ذراعا وتسعة عشر إصبعا
ما لخص من الحوادث
الخليفة: الإمام المستكفى بالله أبو (١٩) الربيع سليمان أمير المؤمنين، ومولانا السلطان الأعظم: الملك الناصر سلطان الإسلام، نصره الله على أضداد دولته وكفّار نعمته، ولا أخلاه من عزّ الراية، وإدراك الغاية
стр. 4240
والنوّاب حسبما نذكر من تغيّر أحوالهم فى الأبواب، فى السنة الآتية فى هذا الكتاب. وفى هذه السنة الأمير سيف الدين أرغون نايب الديار المصريّة بالأبواب العالية، وهو مهتمّ إلى الحجاز الشريف بجميع أهله وولده. وتوجّه أوان الحجّ فى خدمة الآدر الشريفة خوند بنت أخى (٤) الملك أزبك المقدّم ذكر حضورها. وفى أواخر شهر صفر عزل القاضى شمس الدين غبريال عن النظر بالأبواب الشريفة، وتولّى مكانه مجد الدين بن لفينة ورجع إلى نظر الشأم مكانه بدمشق. وحضر كريم الدين الصغير بطّال ولزم بيته. ثمّ توجّه به إلى أسوان وانقطع خبره. وفى سلخ شهر جمادى الأولى تولّى الأمير سيف الدين طينال الحاجب نيابة طرابلس عوضا عن الأمير شهاب الدين قرطاى الحاجب بحكم انتقاله إلى دمشق أميرا بها. وفيها أفرج الله تعالى عن الأمير سيف الدين بلبان طرنا، وتوجّه إلى حلب أميرا بها
وفيها رخصت الأسعار بالديار المصريّة، وبلغ القمح الطيّب الصعيدىّ ثمانى الدراهم الأردبّ، والشعير والفول أربعة الدراهم الأردبّ. وبلغ الخبز العلامة العال عشرين رطلا بدرهم. وربّما عمل معدّل الخبز الذى للشحّاذين ويبيعونه فجاء سبعون رطلا بدرهم. وعاد الصعلوك لا يقبل الكسرة ولا الرغيف ولا يأخذ إلاّ الفلس. فما عزّ شئ إلاّ وهان، ولا هان شى إلاّ وعزّ، فسبحان من بيده كلّ شئ ﴿وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (١٧)
وفيها عمرت أرض الطبّالة التى ظاهر باب الشعريّة بضواحى القاهرة.
عنى بعمارتها الأمير سيف الدين بكتمر الحاجب، وعمل فيها قنطرة مليحة على الخليج الناصرى، وعليها دكاكين وسوق كبير ودور وأملاك وعمروا أيضا الناس كذلك، وهذه الأرض أقلّها (٢١) وهى عامرة كأحسن ما يكون من
стр. 4241
العماير قبل الغلاء الذى تقدّم ذكره فى أيّام كتبغا فى الجزء الذى قبل هذا الجزء. ثمّ خربت هذه الأرض من الغلا وجاى، وعادت كيمان، ليس بها قاطن ولا أنيس. ثمّ عمرت فى هذه السنة وعادت فى العمارة كأحسن ما كانت. ولله درّ القايل <من الكامل>:
وإذا تأمّلت البقاع وجدتها ... تشقى كما تشقى الرجال وتنعم
وجملة القناطر التى بنيت فى هذه السنة واستجدّت على الحفير الناصرى:
قنطرة بظاهر باب اللوق، تولّى أمرها الأمير سيف الدين قدودار متولّى القاهرة كان، قنطرة ببركة قرموط، قنطرة عند قناطر الوزّ، قنطرة تعرف قديما بقنطرة بنى وايل (٩)، وقنطرة عند فم الحفير الناصرىّ تعرف بقنطرة الفخر، بناها القاضى فخر الدين وكذلك بنى أخرى ببولاق، وقنطرة الحاجب بأرض الطبّالة المقدّم ذكرها. وكان قد تولّى قدودار القاهرة عوضا عن الأمير علم الدين سنجر الخازن فى العشرين من رمضان سنة أربع وعشرين وسبع ماية
ذكر [حوادث] سنة سبع وعشرين وسبع ماية
النيل المبارك فى هذه السنة: الماء القديم، مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وخمسة أصابع
ما لخص من الحوادث
الخليفة: الإمام المستكفى بالله أبو (١٨) الربيع سليمان أمير المؤمنين، ومولانا السلطان الأعظم: الملك الناصر، أعزّ الله أولياه وأنصاره، وحمى بعزمه الإسلام وأمصاره
стр. 4242
والنوّاب بمصر والشام، حسبما نذكر الآن من الكلام: الأمير سيف الدين أرغون نايب الديار المصريّة إلى أوّل هذه السنة عند حضوره من الحجاز الشريف، تغيّرت عليه الخواطر الشريفة السلطانيّة لأمور باطنة أخطأ فيها كلّ الخطأ، وقوّى عزمه على فعلها أستاداره عزّ الدين أيبك وششاور الأشقرىّ. وكانا هذان الاثنان من الظلم والعسف والجور والتسلّط على عالم الله بالأذيّة ما لا يمكن شرحه. فبصّر الله تعالى مولانا السلطان فإنه ينظر-نصره الله-بنور الله مختصّا بثلاث فراسات: فراسة الإيمان، وفراسة الملك، وفراسة الطبع. وتحقّق مولانا السلطان أنّهما كانا السبب فيما وقع فيه الأمير سيف الدين أرغون من الغلط. فمسكهما وانقطع خبرهما، وأراح الله العباد والبلاد من شرّهما. ثمّ رضى عن الأمير سيف الدين أرغون وسيّره نايبا إلى حلب المحروسة. وأحضر الأمير علاء الدين ألطنبغا إلى الديار المصريّة، وأنعم عليه بإمرة ماية وتقدمة ألف، وأقام بها
وفيها فى سلخ جمادى الأخرى تولّى القاضى جلال الدين قاضى القضاة بدمشق القضا بالديار المصريّة عوضا عن القاضى بدر الدين بن جماعة بحكم أنّه رضى الله عنه استعفى، كونه كفّ نظره. وولى دمشق الشيخ علاء الدين القونوىّ شيخ خانقاه سعيد السعدا
وفيها مسك الأمير سيف الدين أصلم السلحدار وأخوه قرمجى، وذلك فى ثانى جمادى الأولى
وفيها كان المهمّ العظيم الذى ما رأى (١٩) الناس مثله، إلاّ إن كان مهمّ بوران بنت الحسن بن سهل (٢٠) على المأمون أمير المؤمنين. وسأذكر من ذلك طرفا جيّدا، وإن كان قد ذكرته فى كتابى المسمّى «بأعيان الأمثال وأمثال الأعيان» وهذا المهمّ سببه دخول بنت المقرّ السيفىّ تنكز نايب الشأم على ولد المقرّ
стр. 4243
المرحوم السيفىّ بكتمر الساقى. وذبح فى هذا المهمّ من الأغنام والأبقار والخيول ما لا يحصى كثرة، وعمل من التماثيل النفط شى يذهل العقول، وحمل من الشموع بالقناطير المقنطرة، وحمل قبل ذلك جهاز العروس.
وفيه من الأموال والمصاغ والأقمشة والأمتعة ما يجاوز حدّ القياس ولا يحصى بالتعبير. ووقف مولانا السلطان بنفسه الشريفة فى تعبية هذا الجهاز وفعل من المعروف، ما هو من جميل إحسانه معروف. وكان ذلك ليلة الجمعة ثالث عشر ذى الحجّة
ذكر سبب دخول المأمون على بوران (٨)
قال ابن عبد ربّه صاحب «كتاب العقد»: كان سبب صلة المأمون بن الرشيد رضى الله عنهما على بوران بنت الحسن بن سهل أنّ المأمون كان مغرا بحبّ الحسان من النسا. وكان إسحق بن إبراهيم الموصلىّ من أعزّ الخصيصين بالمأمون
قال أحمد بن محمد بن عبد ربّه: اغتبق المأمون ذات ليلة وعنده إسحق بن إبراهيم (١٤) المذكور. فلمّا جنّه الليل قال: يا إسحق، لا تبرح حتى أدخل إلى بعض جوارىّ وأعود إليك. فإنّ قصدى أن أواصل غبوقى بالاصطباح. فلا تبرح من مكانك. -ثمّ نهض (١٦) المأمون ودخل قصوره
قال إسحق: ففكّرت أنّ أمير المؤمنين بعد أن جاز إلى خلوته بعيد عليه الرجعة. وكان عندى جارية قد استجددتها عذراء وأنا مغرا بحبّها.
стр. 4244
فقلت: أنهض إلى منزلى وأقضى هذه الليلة وطرى، وأعاود أمير المؤمنين الصبح. -قال: فخرجت وطلبت دوابّى، فلم أجدهم لما خرج إليهم الخبر ببياتى عند أمير المؤمنين، قال: فقلت: أتمشّى فى بطاين بغداد، وأتنزّه فى طريقى بما أستطرفه من حديث العامّة، ممّا أصبح أحدّثه لأمير المؤمنين.
قال: فمشيت وأنا ثمل من الشراب. فبينا أنا فى بعض الأزقّة إذ عثرت فى زنبيل مدلّى من حايط مفروش وله عطريّة حسنة، وهو مشدود بأربعة حبال. قال: فحملنى الشراب أن جلست فيه. فما هو إلاّ (٧) أن حسّ بثقلى فيه، وإذا به قد رفع. وطلعت إلى سطح حسن. فنظرت إلى عدّة جوار حسان. فقلن لى: معرفة أنت أم غير معرفة؟ -فقلت: بل غير معرفة. -فسررن بذلك وقلن: بسم الله، ونزلن قدّامى بشمعة كافوريّة فى سلّم. فنزلت إلى قاعة، لم أرا مثلها إلاّ (١١) فى قصور المأمون. وفيها من الفرش والطرح ما يحيّر الناظر. فقالت لى تلك الجوارى: بسم الله، يا مولانا، اجلس! -قال: فجلست غير بعيد، وإذا بجارية قد خرجت من بعض تلك الأبواب، وبين يديها شمعة كافوريّة، وضوء جبينها يغلب على ضوء تلك الشمعة تحيّر الوصف فى بعض معانيها. قال: فلمّا نظرت إليها نهضت قايما. وقد داخلنى الزمع لحسن صورتها. فسلّمت بلسان فصيح وكلام عذب كالسحر. وجلست وجلست، فقالت: على الرحب والسعة، من تكون من الناس؟ -فقلت: من بعض تجّار بغداد. -فقالت: الاسم؟ فقلت: محمد. -فقالت: قرّب الله محلّك. -ثمّ أمرت بالأطعمة (١٩).
فأحضرت موايد لم أرهنّ إلاّ إن كنّ عند أمير المؤمنين. وعليهم من الطعام مثل ذلك. فقالت: بسم الله، أبا عبد الله، بحسب الممالحة! -قال:
стр. 4245
فتقدّمت وأكلت، وهى تلقمنى من أطايب تلك الأطعمة، وأنا قد ذهلت، لما قد جمع الله فيها من ساير الفنون الحسان. ثم رفعت الموايد، فقالت:
هل لك (٣)، أبا عبد الله، فيما نكسر به زفر هذا الطعام؟ -فقلت: جعلت فداك، أى والله! -قال: فأحضرت أوانى المشروب، لم أرا مثلهنّ إلاّ عند المأمون. ثمّ شربت وأسقتنى. ثم قالت: أبا عبد الله، هل لك أن تسمع على هذا الشراب شيئا (٦) من تلحين إسحق بن إبراهيم الموصلىّ؟ - فقلت: يا ستّ، ومن لى بذا؟ -قال: فأحضرت عودا (٧) من عود يستغرق الوصف فى نعته. ثم أصلحته وضمّته ولعبت به استبداآت تحيّر العقول. قال إسحق: فخيّل لى أنّى فى الجنّة، وكدت أصيح طربا. ثمّ مسكت نفسى وكان بين يدينا فى جملة الحضرة زعفران رطب. فاستفتحت تنشد وتقول <من البسيط>:
اشرب على الزعفران الرطب متّكئا ... وانعم نعمت بطول اللهو والطرب
فحرمة الكأس بين الناس واجبة ... كحرمة الودّ والأرحام والنسب
قال إسحق: فخيّل لى والله أنّ المكان يرقص بجوانبه. ثمّ أمسكت وقالت: أبا عبد الله، هذا الشعر لأحمد بن هاشم، وقد أهدى زعفرانا لإسحق، حيّا الله إسحق! -فقلت: يا ستّ، فما كان من جواب إسحق إليه؟ - فقالت: وما كان قال؟ -فأنشدتها <من البسيط>:
اذكر أبا جعفر حقّا أمتّ به ... إنّى وإيّاك مشغوفان بالأدب
وإنّنا قد رضعنا الكأس درّتها ... والكأس حرمتها أولى من النسب
стр. 4246
قال إسحق: فأعجبها منّى ذلك وقالت: أبا عبد الله، هل لك أن تسمعنا على هذا العود شيئا (٢)؟ فإنّى أراك كاملا. -فقلت: يا ستّ، <من البسيط>:
وا حسرتاه على ما كنت أحسنه
فقالت: لم يكمل شى أبدا. -ثمّ قالت: هل لك (٥) فى ثلاثة أقداح متداركة تزيل الحشمة ما بيننا؟ -فقلت: حبّذا والله! -قال:
فشربت ثلاثة. ثمّ ملأت (٧) الرابع وناولتنى. قال: فتناولته من يدها بعد ما قبّلتها. ثمّ ضمّت العود إلى صدرها وغنّت <من الخفيف>:
نعم عونا على الهموم ثلاث ... مترعات <من> بعدهنّ ثلاث
بعدها أربع تتمّة عشر ... لا بطاء لكنّهنّ حثاث
فإذا ناولتكهنّ جوار ... عطرات بيض الوجوه خناث
تمّ فيها لك السرور وما طيّ ... ب عيشا إلاّ الخناث الإناث
قال إسحق: فلم أملك نفسى دون أن غمى علىّ، وغبت عن الدنيا واستصغرت والله كلّ ما رأيت من عمرى كلّه. قال: ثمّ أمسكت.
وشرعنا فى المنادمة والحديث. وشرعت أحدّثها وأطرفها. وقد أعجبها حديثى، وقالت: أبا عبد الله، قليل يكون (١٦) مثلك فى عامّة بغداد.
وإنّما هذه الأحاديث تنقل لنا عن لطافة إسحق عند أمير المؤمنين. - فقلت: جعلت فداك، لى جار يحضر مجلس إسحق، وهو نديم لى.
فاقتبست منه. -فقالت: هو ذاك. -فبينا نحن فى ألذّ (١٩) عيش وأهناه،
стр. 4247
وإذا بعجوز قد تمثّلت بين يديها وقالت: يا ستّاه، بلغ الوقت. -قال:
فنهضت. وقالت: أستودعك الله، أبا عبد الله، والمسئول من إحسانك عدم المعاودة، فما لنا عادة أن يعود إلينا <أحد> ثانيا قطّ. -قال:
فقبّلت يدها، وأنزلونى من مكان طلعت منه. وأتيت إلى منزلى وأنا كالنايم الذى رأى جميع ذلك فى الأحلام. قال: فما هجعت إلاّ قليلا (٥).
وإذا برسل أمير المؤمنين ينبّهونى وقالوا: أجب، أبا محمد! -فأتيت إلى المأمون، فقال: يا إسحق، ما كان قولى لك؟ -فقلت: أحسن الله إلى أمير المؤمنين، لقد علمت أن أمير المؤمنين إذا صار فى قصوره استغرق فى لذّة وسنة، فلا يعود. وكان عندى جارية عذراء وأنا مشغوف بها. فتوجّهت حتى قضيت الملامة. -فقال: أوبقى لك عذر آخر؟ -فقلت: كلاّ، يا أمير المؤمنين. -فقال: أقم اليوم والليلة، فإنّى على عزم الصبوح. -فقلت:
حبّا وكرامة. -قال: فلمّا كان الوقت الذى يقوم فيه المأمون ويدخل إلى قصوره نهض وقال: إسحق، لا تبرح! -فقلت: حبّا وكرامة.
يا أمير المؤمنين. -قال: فما هو إلاّ أن توارى عنّى. -فتذكّرت بارحتى وما كنت فيها. قال: فحملنى ذلك على المخالفة وخرجت
فلم أزل إلى أن وقعت على الزنبيل، فجلست ورفعت. فقلن لى الجوارى: ما أنت صاحبنا البارح؟ -قلت: جعلت فداكم، أنا هو، وهذه الليلة لا غيرها. وكنّ الجوارى قد استملحننى فنزلن بى. -فلمّا حضرت الجارية قالت: أبا عبد الله، مخالفة واستجراء؟ -فقلت: كلاّ والله! وإنّما رقّ وعبوديّة، ولست بعايد بعدها أبدا. -قال: فجلست
стр. 4248
وجلست، وأحضرت الموايد على الرسم والعادة. ثمّ أحضر الشراب فشربنا. ثمّ تناولت العود وقالت: اسمع تلحين إسحق، حيّا الله إسحق، والشعر لأبى الشيص! -ثمّ أنشدت تقول <من الطويل>:
تقول غداة البين إحدى نسابهم ... لى الكبد الحرا و <أنت> لك الصبر
وقد خنقتها عبرة فدموعها ... على خدّها بيض وفى نحرها صفر
قال: فحصل لى من الطرب ما لا عليه مزيد، مع كثرة تعجّبى لحسن علمها بألحانى وصناعتى، حتى لم تخلّ بدقّة واحدة. فقلت:
يا ستّاه، لقد سمعت جارى يحكى عن إسحق أنّ من جملة تلحينه أبياتا حسانا (٩)، وله فيها صناعة جيّدة. -فقالت: أتحفظها؟ أنشدها! -فأنشدتها <من الطويل>:
قفى ودّعينا، يا مليح، بنظرة ... فقد حان منّا، يا مليح، رحيل
أليس قليلا نظرة إن نظرتها ... إليك وكلاّ ليس منك قليل (١٢)
عقيليّة أمّا ملاث (١٣) ... إزارها
فدعصص وأمّا خصرها فنحيل
فيا جنّة الدنيا ويا غاية المنى ... ويا سؤل نفسى، هل إليك سبيل
أراجعة نفسى إليك فأغتدى ... مع الركب لم يكتب علىّ فتيل
فما كلّ يوم لى بأرضك حاجة ... ولا كلّ يوم لى إليك رسول (١٦)
فقالت: شعر حسن لو سلم من التعريض فيه بما منال الثريّا دونه، ولكن اسمع شعر بنت الأعرابية تلحين إبراهيم أبى (١٨) إسحق، حيّا الله إسحق! - وأنشدت <من الطويل>:
стр. 4249
تقول لأتراب لها وهى تمترى ... دموعا على الخدّين من شدّة الوجد
أكلّ فتاة لا محالة نازل ... بها مثل ما بى أم بليت به وحدى
بدالى بها حبّ ينشّب فى الحشا ... فلم يبق فى جسمى سوى العظم والجلد
وجدت الهوى حلوا لذيذا بدوّه (٤) ... وآخره مرّ لصاحبه يردى
قال: فو الله لقد خيّل إلىّ أنّ المكان والحيطان ترقص رقصا، وغبت عن وجودى. فبينا نحن كذلك إذ هجمت العجوز فقالت: يا ستّاه، قرب الوقت. -فنهضت وقالت: مصحوبا بالسلامة واحذر المعاودة. - فقلت: يا ستّ، عن إذنك، أبدى كلاما. -فقالت: ما هو؟ -فقلت:
إنّ جارى الذى حدّثتك حديثه أخبر خلق الله تعالى بشعر اسحق وتلحينه وحكاياته ونوادره. فإن أذنت استصحبته ليلة غد، فترى عجبا. ثمّ إنّنا لا نعود أبدا. -فقالت: لقد شوّقتنى إلى صاحبك. فقد أذنت لك فى حضوره
ثمّ إنى نزلت من حيث طلعت، وأنا أشدّ الناس فرحا بإجابتها. فإنّنى تحقّقت أنّ المأمون سيكون لى معه شأن من الشأن ما لم أصدقه الحديث.
فإذا صدقته طالبنى بالمشاهدة لذلك. وقلت: ما ينجينى منه غير حضوره معى، وقد أتقنت أمره
قال إسحق: فلم أغمض فى منزلى إلاّ ورسل أمير المؤمنين قد أخذونى سحبا كغير ما كنت أعهد. فدخلت عليه، فإذا هو جالس جلسة الغضب، ومسرور قايم بين يديه. فلما رآنى قال: إسحق، هذا آخر أيامك من الدنيا وأول أيامك بالآخرة. -قال، فقوّيت نفسى وقلت: بل وحياة أمير المؤمنين، أوّل أيامى من الدنيا مع الإقبال علىّ من أمير المؤمنين وحسن
стр. 4250
الجايزة العظيمة القدر، ورضى أمير المؤمنين على عبده. -فقال: أو على المعصية والمخالفة يكون الرضى والإقبال وحسن الجايزة؟ -فقلت: بل على صدقى فى حديثى، وفيه لمولانا أمير المؤمنين أوفر حظّ من اللذاذة (٣). - فقال: خلوا عن أبى محمد! وخلا بى. -فحدّثته الحديث من أوّله إلى آخره إلى حين قولها لى «احذر المعاودة» فقال: ويلك يا إسحق، ولا عدت تقدر على الرجوع والعودة وأنا معك؟ -فقلت: بلى والله، يا أمير المؤمنين! -ثمّ كمّلت حديثى وإتقانى الأمر معها فى حضور صاحبى وجارى معى إليها. فقال: الويل لك، لو لم يكن هذا منتهى كلامك! فاجلس بنا بياض هذا اليوم، نشرب على لذّة هذا الحديث. -قال:
ثمّ لم نزل كذلك وهو يقول: كرّر علىّ الحديث يا إسحق إلى الليل! - فعاد كلّما مرّ من الليل دقيقة طالبنى بالتوجّه وأنا أنظره إلى حيث ما علمت جواز الوقت
فقمت وقام معى وهو لا يكاد يصدّق. فلم نزل نمشى إلى ذلك المكان.
وإذا زنبيلين مدلاّة. فجلست فى الواحد وجلس المأمون فى الآخر، ورفع بنا.
ثمّ نزلنا وجلسنا وجلست أنا فوقه وقلت: دع نفس الخلافة فى هذا الوقت! - فما استقرّ بنا الجلوس حتى خرجت كالطاووس الذكر بين أترابها وجواريها. فنهضنا لها، فقالت: مرحبا بضيفنا الجديد! وإنّما أنت عدت صاحب محلّ. -فشكرنا لها ودعينا. وأمّا المأمون فإنّه لما رآها اختبل فى عقله فلكزته، ففهم منّى فاستحضر جأشه. ثمّ جلسنا فقالت: أبا عبد الله! - فقلت: نعم. -فقالت: ما أنصفت صاحبك كونك أجلسته دون مجلسك. فهذا ضيف بخلافك. -فقمت وأجلسته فوقى. ثمّ أحضرت
стр. 4251
الموايد كأحسن من أوليك الأول. ثمّ أحضر الشراب فشربنا. ثمّ تنادمنا وكان المأمون أحسن خلق الله منادمة، وأرواهم لشعر وأحفظهم (٢) لنادرة وحكاية. ثمّ قالت للمأمون: يا با محمد، هل تروى لإبراهيم الموصلىّ ما كان بينه وبين إبليس؟ -فقال: نعم، حدّثنا إبراهيم بن ماهان بن بهمن بن نسك، ثمّ غير ماهان، فقيل: إبراهيم بن ميمون الفارسىّ الأصل والنسب أبو (٦) إسحاق قال: بينا يوم وقد أردت الخلوة بنفسى وأوصيت بوّابى لا يأذن لأحد علىّ، وخليت بنفسى لأمر أهمّنى إذ دخل علىّ شيخ ألحى (٨) أعور العين اليمنى، حسن البزّة طيّب الرايحة. فسلّم وجلس من غير أن آذنه. ثمّ حادثنى، فأجده أحذق الناس بحديث وأرواهم لشعر وأحفظهم لنادرة. قال: فسرّى عنّى بعض ما كنت قد أضمرته لبوّابى، كونه أذن لهذا من غير مشورتى ولا لسابقة معرفة. وقلت: إن البوّاب أراد يسرّنى بمحاضرة هذا الشيخ، لما علم ما فيه من طيب العشرة. -قال:
ثمّ قال لى ذلك الشيخ: يا إبراهيم، لعلّك تسمعنا شيئا (١٣) من مطرباتك. - قال: فتراجع إلىّ غضبى كونه أسا الأدب علىّ من وجهين، الواحدة تسميته لى بغير كنية، والأخرى استجراه علىّ ويأمرنى بأن أغنّيه. -قال: ثمّ تذكّرت حسن محاضرته وطيب مؤانسته ورجعت إلى مواساة العشرة.
فقلت: سمعا وطاعة. -ثمّ تناولت العود وضربت، أصنع ما كنت قد أحدثته من الاستبداآت وغنّيت <من الطويل>:
وإنى لتعرونى لذكراك قرّة (١٩) ... كما انتفض العصفور بلّله القطر
فيا حبّها زدنى جوى كلّ ليلة ... ويا سلوة الأيّام موعدك الحشر
هجرتك حتى قيل ما يعرف الهوى ... وزرتك حتى قيل ليس له صبر
стр. 4252
قال: فطرب ذلك الشيخ طربا جيّدا وقال: أحسنت والله، يا إبراهيم. -قال: فو الله لقد داخلنى من الحنق أن أضرب العود فى رأسه. ثمّ استرجعت، فقال: زدنى، يا إبراهيم (٣)! -قال: فقلت فى نفسى: اصبر على هذا الشيخ الجاهل فى هذا اليوم واجعلها أحنفيّة! قال: ثمّ غيّرت الطريقة التى كنت عليها وضربت استبداء مقترحا (٥) وغنّيت <من الكامل>:
الحبّ أوّل ما يكون مجانة (٧) ... تأتى به وتسوقه الأقدار
حتى إذا سلك الفتى لجج الهوى ... جاءت أمور لا تطاق كبار
نزف البكاء دموع عينك فاستعر ... عينا لغيرك دمعها مدرار
من ذا يعيرك عينه تبكى بها ... أرأيت عينا للبكاء تعار
قال: فتمايل الشيخ طربا ونعر ارتياحا وقال: أحسنت والله، يا با إسحق. - قال: فقلت: رجع الشيخ عن إساءته. -ثمّ قال: لعلّ إحسانك فى الازدياد. -قال: فقلت: حبّا وكرامة. -ثمّ غيّرت الطريقة وانتقلت إلى غيرها وغنّيت <من البسيط>:
يا مورى الزّند قد أعيت قوادحه ... اقبس إذا شئت من قلبى بمقباس
ما أقبح الناس فى عينى وأسمجهم ... إذا نظرت فلم أبصرك فى الناس
قال: فقال: مليح والله. فهل لا أكافئك على إحسانك؟ -قال: فقلت فى نفسى: وما عسى أن يكون فى قدرة هذا الشيخ الأحمق لى فى المكافأة؟ - قال: فقلت: بلى والله، يا عمّ. -قال: فتناول العود وسارّه شيئا (١٩)
стр. 4253
لا سمعت مثله قطّ. فلمّا اعتدل ضرب به طرايق غريبة، حتى خيّل لى أنّ الأركان ستقع علينا طربا. ثمّ أنشد يقول <من الطويل>:
ولى كبد مقروحة من يبيعنى ... بها كبدا (٣) ليست بذات قروح
أباها علىّ الناس ما يشترونها ... ومن يشترى ذا قرحة (٤) بصحيح
أئنّ (٥) ... من الشوق الذى فى جوانحى
أنين غصيص بالشراب جريح
قال: فو الله لقد خيّل لى أنّى طاير بين السما والأرض لما لحقنى من الطرب. -ثمّ قال: أزيدك؟ -فقلت: زادك الله من كلّ خير. - قال: فتبسّم وقال: ليس لدعاك إجابة. -قال: فتعجّبت من كلامه أكثر من إعجابى بغناه. ثمّ غيّر تلك الطريقة وانتقل إلى غيرها، فكانت أعجب وأغرب من الأولى. ثمّ غنّى <من الطويل>:
ألا يا حمامات اللّوى عدن عودة ... فإنّى إلى أصواتكنّ حنين
فعدن فلمّا عدن كدن يمتننى ... وكدت بأسرارهنّ أبين (١٢)
دعوت بترداد الهديل كأنّما ... شربن سلافا أو بهنّ جنون
فلم ترا عينى مثلهنّ حمايما ... بكين ولم تدمع لهنّ عيون
قال: فلم أملك نفسى دون صرخت ومزّقت أثوابى. -قال:
ونظرت إلى الشيخ، فإذا به يتبسّم. ثمّ أمسك وقال: أزيدك الثالث؟ -فقلت: بلى، يا عمّ، فلم أرا والله مثلك منذ خلقت. - فقال: صدقت، ومن لك بذلك؟ -قال: فتعجّبت أيضا من جوابه.
стр. 4254
ثمّ انتقل عن تلك الطريقة إلى أغرب من الاثنتين، وضرب ضربا ما سمعت مثله قطّ، ثمّ غنّى <من الطويل>:
ألا يا صبا نجد متى هجت من نجد ... فقد زادنى مسراك وجدا على وجد
أإن هتفت ورقاء فى رونق الضحى ... على فنن (٤) غضّ النبات من الرّند
بكيت كما يبكى الوليد صبابة ... وذبت من الحزن المبرّح والجهد
وقد زعموا أن المحبّ إذا دنا ... يملّ وأنّ النأى يشفى من الوجد
بكلّ تداوينا فلم يشف ما بنا ... على أنّ قرب الدار خير من البعد
قال: فصرخت صرخة أعظم من الأولى وغمى علىّ من شدّة الطرب، ففتحت عينى فلم أنظر أحدا (٩)، وأجد جوارىّ حولى فقلت: ويلكنّ، الشيخ. -فقلن: أىّ الشيوخ؟ ما رأينا أحدا (١٠). وإنّما سمعنا عندك اليوم ما لم نسمعه قطّ، ودخلنا عليك لمّا سمعنا صرختك. فلم نجد عندك أحدا (١١). - فقلت: علىّ بالبوّاب! -فأدخل علىّ. فقلت: ويلك، الشيخ الذى أدخلته علىّ ما فعل؟ -فقال: والله لم يدخل عليك اليوم من أحد. -قال:
فتحيّرت فى أمرى، وإذا أنا بقايل يقول، ولم أنظر له شخصا (١٤): يا لكاع، إنّ نديمك منذ اليوم الشيخ أبو (١٥) مرّة فلا ترتاع. -فقلت: بالله ألا ما ألقيت علىّ الأصوات. -فقال: قد ألقيتهم فى محفوظك (١٦) حتى عادوا أرسخ من الحجر. -قال: فأخذت العود وضربت. فإذا أنا صايب فى جميع الأصوات الثلاثة
стр. 4255
قال إسحق: فلمّا سمعت الجارية ذلك من المأمون ابتهجت سرورا به وقالت لى: والله، يا با عبد الله، ما ذكرت عن صاحبك هذا قيراطا (٢) ممّا احتوى عليه من المجموع الحسن. -قال: فلمّا رأى المأمون إعجابها به قال: إنّ صاحبى ذكر لى من إحسانك فيما تحكينه عن إسحق بن إبراهيم من ضربه وتلحينه. وقد أحببت سماعه، فليس العيان كالخبر. -فقالت:
حبّا وكرامة. -ثمّ أمرت بالعود، فأحضر وضمّته إليها وضربت ضربا جيّدا من اقتراحاتى وقالت: هذا من مقترح إسحق، حيّا الله إسحق! - ثمّ غنّت <من الطويل>:
تشرّب قلبى حبّها ومشى به ... تمشّى حميّا الكأس فى كفّ شارب
ودبّ هواها فى عظامى فشفّها ... كما دبّ فى الملسوع سمّ العقارب (١٠)
قال: فأتت والله بالسحر المبين ونظرت إلى المأمون وقد احمرّت عيناه. قال: فغمزته. ثمّ وكزته فرجع. ثمّ إنّها غيّرت تلك الطريقة وضربت، وقالت: وهذا من تلحين إسحق، حيّا الله إسحق! -وغنّت <من الكامل>:
لمّا رأيت الليل سدّ طريقه ... عنّى وعذّبنى الظلام الراكد
والنجم فى كبد السماء كأنّه ... أعمى تحيّر ما لديه قايد
ناديت من طرد الرقاد بصدّه ... أنت البلاء طريفه والتالد
ألقيت بين جفون عينى فرقة ... فإلى متى أنا ساهر يا راقد
وسعى بها واش فقالوا إنّها ... لهى التى تشقى بها وتكابد
فجحدتهم ليكون غيرك ظنّهم ... إنّى ليعجبنى المحبّ الجاحد
стр. 4256
قال إسحق: فو الله، لم تتمّ الجارية هذا الشعر إلاّ والمأمون قد نظر إلىّ نظرة كدت أموت فرقا. وصرخ وقال: إسحق! -فقمت قايما وقبّلت الأرض وقلت: لبّيك، يا أمير المؤمنين. -فلمّا نظرت الجارية إلى ذلك نهضت كالغزال النافر ودخلت بعض المقاصير. فقال المأمون: لمن هذه الدار؟ -فقلت: لا علم والله لعبدك، يا أمير المؤمنين. -فقال:
علىّ بصاحبها الساعة هاهنا! -قال: فخرجت، فأجد العجوز والجوارى (٦) فى دهليز المكان وهنّ يرعدن لمّا تحقّقوا الأمر. فقلت: ويلكنّ، لمن الدار؟ -فقلن: لعبد أمير المؤمنين الحسن بن سهل. -فقلت: ليحضر الساعة! وعرّفوه من محلّه. -قال: فلم يكن بأسرع أن حضر وهو يرعد كالسعفة. فقبّل الأرض بين يدى المأمون، فقال له: يا حسن، ما هذه الجارية منك؟ -فقال: أمة أمير المؤمنين ابنتى. -فقال: بكر أم ثيّب؟ -قال: بل بكر عذرا، يا أمير المؤمنين. -قال: أزوجنى إيّاها. -قال: فقبّل الأرض وقال: هى من بعض الإماء، يا أمير المؤمنين. -قال: فأخذ يده عليها فى تلك الساعة. -وقال: أصلح من شأنها وليكون العقد فى الملأ (١٥) العام. -ثمّ فتح لنا باب السرّ وخرجنا إلى قصر الخلافة. فهذا كان سبب زواج بوران بالمأمون
ومن رواية صاحب «العقد» إلى حين الخبر مع إبليس رواه الثعالبىّ فى كتاب «لطائف المعارف» فذيّلته على الحكاية هاهنا، ولم أذيّل بقيّة الحكاية فى كتابى «أعيان الأمثال». وقد بقى ممّا رواه الثعالبى فى بيان الأشعار التى فى هذه الحكاية وممّا رواه أيضا أبو الفرج صاحب «كتاب الأغانى» الكبير الجامع ما العبد ذاكره. ثمّ بعده أذكر تتمّة الخبر فى الزواج والمهمّ الذى لأجله أوردنا هذه الحكاية العجيبة لتكملة الفايدة لما رويناه إنشاء الله تعالى
стр. 4257
أمّا الأشعار التى كانت بين إسحق وبوران فقد روينا كلّ شر وصاحبه وملحّنه. وأمّا اللواتى جرين بحضرة المأمون، فالأوّل لأبى صخر الهذلىّ، وهو ممّا غنّى به بحضرة موسى الهادى، تلحين ابن شريح المقدّم ذكره فى هذا التأريخ، وبقيّة الشعر (٤) يقول <من الطويل>:
عجبت لسعى الدهر بينى وبينها ... فلمّا انقضى ما بيننا سكن الدهر
فيا هجر ليلى قد بلغت بى المدى ... وزدت على ما لم يكن يبلغ الهجر
أما والذى أبكى وأضحك والذى ... أمات وأحيا والذى أمره أمر
لقد تركتنى أحسد الوحش أن أرى ... أليفين (٨) منها لا يروعهما الذّعر
قال صاحب الأغانى: وهذا الشعر فيه أيضا لمعبد تلحين، وقد تقدّم ذكر معبد. والثانى الذى أوّله يقول «الحبّ أوّل (١٠) ما يكون لجاجة» فهو للأحنف بن قيس المقدّم ذكره أيضا فى هذا التأريخ، والتلحين فيه لابن جامع وقد ذكرناه أيضا. والثالث الذى أوّله يقول «تشرّب قلبى حبّها (١٢)» فهو لإبراهيم أبى (١٣) إسحق المذكور وتلحينه له. وأمّا ما روى من غنا إبليس فلم يذكر لهم قايل ولا ملحّن فأذكره. وأمّا الشعر الآخر الذى أوّله يقول «لمّا رأيت (١٥) الليل سدّ طريقه» فهو للعبّاس بن الأحنف، وقد تقدّم ذكر واقعته (١٦) فيه، وكيف قدّم للصلاة عليه لمّا مات على غيره ممّن كان أكبر منه بقوله هذا الشعر، والله أعلم
стр. 4258
وأمّا أمر الوليمة العظيمة القدر التى ما رأى (١) الناس مثلها من أوّل ما كانت الدنيا، فقد ذكرها جماعة السلف رضى الله عنهم مثل: محمد بن جرير الطبرىّ، والمسعودىّ، والثعالبىّ، وابن عساكر مع جماعة أخر من أرباب التواريخ أنّ الحسن بن سهل احتفل فى دخول ابنته بوران على المأمون احتفالا ما شهدوا الناس مثله من قبل، حتى كانت وليمة بنت المعتزّ بالله تركواز. ولا زالت دعوة بوران على المأمون تدعى دعوة الإسلام حتى جاءت (٧) دعوة تركواز ابنة المعتزّ. فقال الناس هى مثله، وقيل: إنّ دعوة تركواز لا نظير لها. -فأمّا ما يحكى من جملة جلالة دعوة بوران: أنّ الحسن بن سهل أقام للمأمون بما يصلح له ولجميع قوّاده وأصحابه أربعين يوما، واحتفل بما لم يرا مثله نفاسة وكثرة (١٠)
وحكى المبرّد، قال: سمعت الحسن بن رجا يقول: كنّا نجرى أيّام مقام المأمون عند الحسن بن سهل على ستّة وثلاثين ألف ملاح (١٢)، ولقد عزّ بنا الحطب يوما. فأوقدنا تحت القدور الخيش مغموسا فى الزيت. ولمّا كانت ليلة البناء وجلّيت بوران على المأمون، فرش لها حصير من ذهب وجئ بمكيل مرصّع بالجواهر فيه درّ كبار، فنثرت على تلك النسا اللاتى (١٥) حضرن وفيهنّ زبيدة أمّ جعفر وحمدونة بنت الرشيد. فما مسّ من حضر من الدرّ شيا. فقال المأمون: شرّفن أبا محمد وأكرمنه. فمدّت كلّ واحدة منهنّ يدها، فتناولت درّة. وعاد ذلك الدرّ يلوح على تلك الحصير الذهب.
فقال المأمون: قاتل الله الحسن بن هانى، كأنّه رأى هذا حيث يقول:
كأنّ صغرى وكبرى من قواقعها ... حصباء درّ على أرض من الذهب
стр. 4259
وكان فى المجلس شمعة عنبر فيها مايتى منّ (١)، فضجّ المأمون من دخانها، فعملت له أمثال الشمع. فكان الليل فيه مدّة مقامه كالنهار. ولمّا كانت دعوة القوّاد نثرت عليهم أكر العنبر محشوّ فيها أوراق بأسما ضياع وآلاف من الدراهم وعدّة من الخيول وإبل وعقارات. فمن وقعت فى يده أكرة كشف عمّا فيها، فإن كانت ضيعة أشهد له بها، أو عقار أو غير ذلك وصل إليه فى يومه، وندب لذلك وكلاء بهذا السبب. وقيل إنّه حصر ما أنفق فى هذه الدعوة، فكان تسعة آلاف ألف دينار
ولمّا زفّت بوران على المأمون بعد أيّام، توهّم القوّاد أنّ هذا الحال ممّا تغيّر له المأمون على الحسن بن سهل. وبلغ ذلك الحسن، كتب للمأمون يقول: قد تولّى أمير المؤمنين من تعظيم عبده فى قبول أمته سببا لا يتّسع له الشكر عنه إلاّ بمعونة التوفيق، فرأيه أدام الله عزّه فى إخراج توقيع بتزيين حالى فى العامّة والخاصّة بما يراه صوابا إنشا الله تعالى. -فخرج إليه التوقيع:
الحسن بن سهل زمام على جميع أمور الخاصّة وكفّ (١٤) أسباب العامّة، وإحاطة بالنفقات ونقد بالولاة، وإليه الخراج والبريد واختيار القضاة، جزاء لمعرفته بالحال التى قرّبته منّا، وإثابة لشكره إيّانا على ما أوليناه
وجميع ذلك بخطّ يد المأمون: ثمّ أحضره وقرّبه وأدناه وأقطعه أعمال الصلح بكمالها، وعاتبه على اجتهاده وما حمله على نفسه. فقال له: يا أمير المؤمنين، أتظنّ أنّ هذا من مال الحسن بن سهل؟ والله ما هو إلاّ مالك
стр. 4260
ردّ إليك. وأردت أن يفضّل الله أيّامك على جميع أيّام من ملك، كما فضّلك على جميع خلقه. فأمر له بألفى ألف دينار حملا معجّلا
وأمّا الثانية دعوة تركواز ابنة المعتزّ بالله، فقد ذكرتها وسقتها فى كتابىّ «حدايق الأحداق» و «أمثال الأعيان» وملخّصها أن المعتزّ بالله جلس بعد فراغ القوّاد والأكابر من المأكل، ومدّت بين يديه مراقع ذهب مرصّعة بأنواع الجواهر، وعليها أمثلة من العنبر والندّ والمسك المعجون على صفة جميع الصور. وجعلت بساطا ممدودا، وأحضر القوّاد والجلسا وأصحاب المراتب، فوضعت بين أيديهم صوانى الذهب مرصّعة بالجواهر من الجانبين فيهم المباخر الذهب المرصّعة (٩). وبين السماطين فرجة، وجاء الفرّاشون بزنابيل قد غشّيت بالأطلس مملوءة دراهم ودنانير نصفين. فصبّت فى تلك الفرجة حتى ارتفعت على الصوانى. وأمر الحاضرون أن يشربوا (١١) من شا ما شا، وأن ينتقل كلّ من شرب من تلك الدنانير والدراهم بثلاث حفنات ما حملت يديه، وكلّما خفّ موضع صبّ عليه من الزنابيل التى مع الفرّاشين حتى يردّ على حالته. ثمّ وقف فى آخر المجلس غلمان، كأنّهم اللؤلؤ والمرجان، فصاحوا: إنّ أمير المؤمنين يأمركم ليأخذ من شا ما شا. - قال: فمدّ الناس أيديهم إلى المال، فأخذوه عن آخره، وكان الرجل منهم يثقل ما معه، فيخرج به، فيسلّمه إلى غلمانه، ثمّ يعود إلى مكانه. ولمّا تقوّض المجلس خلع على الناس خمسة آلاف خلعة. وحملوا على خمسة آلاف مركب من الذهب والفضّة، وأعتق خمسة آلاف نسمة. هذا ملخّص هذه الوليمة، والله أعلم
стр. 4261
وكان الحسن بن سهل أخا (١) الفضل بن سهل المعروف بذى الرياستين، وكانا مجوسيين (٢) فى أيّام الرشيد. وكان الفضل قد ظهرت ليحيى بن خالد البرمكىّ مخايل فضله ودلايل عقله وهو على دينه. فقال يحيى بن خالد:
يا فضل، أسلم! أجد السبيل إلى اصطناعك. -فأسلم على يدى الرشيد، ولم يزل فى جنبته حتى رقى رتبته. وكان قد ذكره يحيى بن خالد للرشيد، فأجمل الثنا عليه فأمر بإحضاره. فلمّا رآه أفحم، فنظر الرشيد إلى يحيى كالمستفهم، ففهم الفضل، فقال: يا أمير المؤمنين، إنّ من أدلّ الدليل على فراهة العبد أن تملك هيبة مولاه لسانه وقلبه. -فقال الرشيد: إن كنت سكتّ لتقول هذا القول لقد أحسنت. وإن كان هذا شئ اعتراك عند الحصر لقد أجدت. -وزاد فى إكرامه وبرّه وتقريبه، وجعل لا يسأله بعد ذلك عن شئ إلاّ أجابه بأفصح لسان وأجود بيان
قال سهل بن هرون أحد (١٢) فلاسفة الإسلام: وممّا حفظ من كلام ذى الرياستين الفضل بن سهل ممّا رأينا تخليده فى الكتب، ليؤتمّ به وينتفع بمنقول حكمته، قوله: من ترك حقّا فقد غبن حظا، ومن قضى حقّا فقد أحرز غنما، ومن أتى فضلا فقد أوجب شكرا، ومن أحسن توكّلا لم يعدم لله صنعا، ومن ترك لله (١٦) شيا لم يجد لما ترك فقدا، ومن التمس بمعصية لله حمدا عاد ملتمس ذلك عليه ذمّا. ومن طالب بخلاف الحقّ له دركا عاد ما أدرك من ذلك له موبقا. وذلك أوجب الفلح للمحسنين، وجعل سوء العاقبة للمسيئين المقصّرين
وكان ذو الرياستين يقبل صواب القايلين بما فى قوّته من صفا الغريزة وجودة النحيزة. فهو كما قال أبو الطيّب المتنبّى <من الخفيف>:
ملك منشد القريض لديه ... يضع الثوب فى يدى بزّاز
стр. 4262
ثمّ إن العبد خرج عن شرط الاختصار، حتى عاد كالمهذار. وإنّما سقنا هذا الكلام لفوايد عدّة، أحدها أنّ الكتب تملّ إذا كانت على منوال واحد فى الحديث. فقصدنا تطريز الكلام، بنوادر الأحكام. والأخرى ليكون ذلك ردّا على من يتشرّع بغير شرع، ويتّبع الخلاف ويدّعى فى العلم فلسفة، فيقول: إنّ ما أنفق فى هذا المهمّ الناصرىّ إسراف، فقصدنا أن ننبّه أنّ مولانا السلطان متّبع لا مبتدع، مقصّر عن كلّ أمر مخترع، لا يخرج عمّا استنّه السلف، وأنّه أعزّ الله أنصاره نعم الخلف، أمدّ الله على كافّة المسلمين ظلّه، ورفع فوق السّماكين محلّه
وفيها كانت الفتنة بإسكندريّة فى شهر رجب الفرد بين أهلها ومتولّيها ركن الدين بيبرس الكركرىّ، ورجموه بالثغر مرّة. ثمّ إنّه سايس أمره فيها. فلمّا كان فى شهر رجب رجموه أيضا، وهرب منهم إلى دار النيابة.
فتبعوه، فغلّق الباب فأرادوا حريقه بالنار. فلمّا عاين منهم الجدّ وأنّهم لا يرجعون عنه، بطّق بصورة الحال، فرسم للأمير علاء الدين الجمالىّ الوزير بالتوجّه إليه فى أسرع وقت. فتوجّه إلى الثغر وصحبته ثلاثة أمرا، فيهم سيف الدين طوغان الشمسىّ، مملوك الأمير سيف الدين سنقر الطويل، وكان يومئذ شادّ الدواوين بالأبواب العالية فى خدمة الأمير علاء الدين الجمالىّ.
فوصل الأمير علاء الدين الجمالىّ إلى الثغر المذكور، ومسك جماعة كبيرة، ووسّط منهم وقطع أحدا (١٨) وثلاثين نفرا، ممّن كانوا أصحاب الفتن ورءوس الأحزاب. ثمّ قبض على جماعة من كبار البلد ممّن استحسنوا لأوليك المفتنين، وجناهم ما جملته ألف ألف درهم وسبعين ألف درهم، وحمل ذلك
стр. 4263
إلى الأبواب العالية. ثمّ وسعهم حلم مولانا السلطان وعفوه وسعة صدره الشريف الذى كما قيل <من الكامل>:
لله صدر للإمام كأنّما ... أقطار طاعته (٣) به قطمير
تتزاحم الأضداد فيه فتنثنى ... عنه وليس لوقعها تأثير
وفيها وصل الأمير سيف الدين تنكز ملك الأمرا بالشأم المحروس إلى الأبواب العالية زايرا، ففاز بتقبيل الأرض بين يدى المواقف الشريفة السلطانيّة، فلمّا كان يوم الأحد خامس ربيع الآخر، تغيّرت الخواطر الشريفة على مماليكه الأميرين، الأمير سيف الدين طشتمر الساقى، والأمير سيف الدين قطلوبغا، وكان ذلك أوّل هذا النهار. ثمّ رجع مولانا السلطان إلى أصله الشريف ولينه الطاهر. فإنّ هؤلاء الأمرا عنده بمحلّ الأولاد، يلاحظهم بعين التربية والشفقة. فلمّا كان أذان الظهر من ذلك اليوم رسم للأمير سيف الدين طشتمر أن يسكن القلعة ويستقرّ على إمرته وإقطاعه. ورسم للأمير سيف الدين قطلوبغا بالتوجّه إلى دمشق المحروسة أمير ماية مقدّم ألف. فتوجّه صحبته ملك الأمرا. وذلك يوم السبت حادى عشر ربيع الآخر
وفيها انفصل شهاب الدين بن المهمندار من نقابة الجيوش المنصورة.
وتولّى عزّ الدين دقماق مكانه، ومشى فى النقابة بخلاف ما كانا عليه متقدّماه
стр. 4264
ذكر [حوادث] سنة ثمان وعشرين وسبع ماية
النيل المبارك فى هذه السنة: الماء القديم، مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وخمسة عشر إصبعا
ما لخص من الحوادث
الخليفة الإمام المستكفى بالله أبو (٥) الربيع سليمان أمير المؤمنين، ومولانا السلطان الأعظم: الملك الناصر، مدّ الله على البسيطة ظلاله، وأسبغ عليه نعمه وأفضاله
والأبواب العالية فى هذه السنة بغير نايب، بحكم انتقال الأمير سيف الدين أرغون إلى نيابة حلب، حسبما سقناه من قبل، والمتحدّث بالأبواب العالية يومئذ: الأمير سيف الدين ألماس أمير حاجب، والحاجب فى خدمته: الأمير سيف الدين آقول المحمدىّ، وكذلك الأمير بدر الدين مسعود بن خطير متّخذا فى الحجبة بين يدى المواقف الشريفة السلطانيّة، والوزير: الأمير علاء الدين الجمالىّ إلى حين انفصاله من الوزارة فى هذه السنة، والنوّاب بالممالك: الأمير سيف الدين تنكز ملك الأمرا بالشأم المحروس بدمشق، والأمير سيف الدين أرغون ملك الأمرا بحلب، والأمير سيف الدين طينال النايب بطرابلس، والأمير سيف الدين الحاجّ أرقطاى نايب صفد، والأمير حسام الدين لاجين الصغير نايب غزّة
والملوك بالأقطار: مكّة شرّفها الله تعالى مع الأميرين رميثة وعطيفة، صاحب المدينة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام: كبيش بن ناصر الدين منصور بن جمّاز بن شيحة، وصاحب (٢٠) حماة: الملك المؤيّد عماد الدين
стр. 4265
إسماعيل، وصاحب اليمن: الملك المجاهد علاء الدين علىّ بن الملك المؤيّد المقدّم ذكره، وصاحب الهند بدلى: شمس الدين محمد بن الملك المسعود محمود بن سنجر المقدّم ذكره، وصاحب ماردين: الملك الصالح شمس الدين صالح بن المنصور بن المظفّر إيلغازى، وصاحب العراقين وخراسان: الملك أبو سعيد بن خدابنداه وهو صالح، وصاحب ماورا النهر من ملوك التتار: الملك كوبك المقدّم ذكره، وصاحب بلاد بركة: الملك أزبك نسيب الأبواب العالية الناصريّة أعلاها الله تعالى، وصاحب البلاد الشماليّة من ملوك التتار: كباك بن منغطاى بن قنجى المقدّم ذكره، وصاحب التخت ببلاد الصين: قآن قلاصاق بن شرمون بن منغلاى المقدّم ذكره، وملوك الغرب ما اتّصل بنا فى هذا التأريخ حسبما نذكر من أسمايهم: صاحب مرّاكش:. . .، صاحب الأندلس:. . . .، صاحب تونس:. . . . (١٢)
وفيها كان وصول دمرداش بن جوبان صاحب الروم وما معها.
وكان سبب حضوره إلى الأبواب العالية، أنّ القول تقدّم من العبد أنّ أبا سعيد لمّا تملّك كان دون البلوغ، وكان فى كفالة جوبان، وأنّ من أولاد جوبان دمشق خجا، وأنّه كما قيل إنّ أمّ أبى (١٦) سعيد كانت ترى له، وكان الغالب على أمر الملك بسبب نظر الخاتون إليه. فلمّا كبر أبو سعيد وبلغ حدود الرجال، وعرف لذاذة الملك ونفوذ الأمر، رأى أنّ ما له تصرّف مع دمشق خجا لعناية أمّه به وتمكّن أبيه (١٩) جوبان من دولته. وانتشى أيضا مع أبى سعيد جماعة من الصغار الذين ضمّهم المربى. فحسّنوا له
стр. 4266
قتل دمشق خجا، فنصب له الحبايل حتى قتله. وكان أبوه جوبان فى تجريدة نحو خراسان. فلمّا بلغه ذلك حشد الحشود وجمع الجموع وأقام شخصا (٣) من عظم القآن يسمّى ساؤور، وقصد خلع أبى سعيد من الملك وإقامة هذا الرجل الذى من عظم القآن، لعلمه أن ملك التتار لا يقوم به إلاّ من يكون من أصل العظم، على ما أسّسه لهم جكز خان من اليسق الذى لا يخرجون عنه. وجوبان فليس من عظم الملك. ثمّ إنّه قصد الأردوا طالبا لأبى سعيد وانتزاعه من الملك، وإقامة ذلك الشخص ساؤور. وجوبان يظنّ أنّ الأمر بيده وهو قادر عليه لتمكّنه فى الدولة ولطاعة التتار لأمره. ولم يعلم أنّ ما خاب إلاّ ظنين، ولا هزل إلاّ سمين. فلمّا بلغ أبا (٩) سعيد قرب جوبان إليه، وما قد عزم عليه، خرج له فى عساكره ومن هم فى طاعته حافظين عهوده، وعهود آبايه وجدوده. فما كان إلاّ حيث وقعت العين فى العين وقفزت جميع التوامين الذين كانوا مع جوبان، وأتوا تحت الطاعة لأبى سعيد.
وعاد جوبان فى شرذمة يسيرة من خواصّه وأهل بيته. فلم يمكنه غير الهرب والنجاة بنفسه. وحصل لذلك الرجل المسمّى ساؤور طعنة فى كتفه وولّى هاربا مجروحا. وعاد أبو سعيد وقد ثبتت قواعد ملكه واستقامت أحواله، وعاد يتطلّب أولاد جوبان وأقاربه من كلّ مكان. وكان هذا دمرداش نايبا بالروم، وكثيرا ما (١٧) كان يكاتب الأبواب الشريفة. وتردّد إليه فى الرسليّة شخص يسمّى عزّ الدين أيدمر الطويل، كان عند بيبرس العلايى نايب حمص. ثمّ عاد فى خدمة الأمير علاء الدين ألطنبغا نايب حلب.
ثمّ توصّل برسليّته حتى سأل دمرداش له دستورا (٢٠) فى المثول بين يدى
стр. 4267
المواقف الشريفة السلطانيّة، والوفود إلى الأبواب العالية. وذلك لمّا بلغه ما كان من أمر أبيه جوبان وأخيه دمشق خجا مع بقيّة إخوته أولاد جوبان، وما قد وقع عليهم من حثيث الطلب من جهة الملك أبى (٣) سعيد. فضاقت عليه الأرض بما رحبت. وسيّر يسأل المراحم الشريفة السلطانيّة-لا زالت ملجأ القاصدين وبحر الواردين-فى الوفود إلى الأبواب الشريفة. فأنعم مولانا السلطان بالجواب بقبول سؤاله، ولا خيّب قصده وآماله. فخرج من بلاد الروم طالبا للأبواب الشريفة ﴿خائِفاً يَتَرَقَّبُ﴾ (٧) وكان وصوله إلى الأبواب الشريفة عشيّة يوم الأربعا سادس شهر ربيع الأوّل، والركاب الشريف السلطانىّ -أعلاه الله تعالى وقد فعل، وأذلّ له رقاب الملوك أولى (٩) الخول وأرباب الدول، وإن كان على مثل ذلك لم يزل-فى برّ الجيزة بمنزلة الأهرام متوجّها للصيد المبارك. فلمّا كان نهار الخميس سابعه طلع الركاب الشريف إلى القلعة المحروسة، ودمرداش مترجّل (١٢) فى الخدمة الشريفة فى جملة الموالى الأمرا.
وكان هذا دمرداش قد ملك عدّة ممالك بالشرق، واحتوى على جميع إقليم الروم مملكة السلجوقيّة المقدّم ذكرهم وذكر ممالكهم. ولم يقنع بذلك، بل تسلّط (١٥) على جميع ما كان حوله من الممالك بتلك النواحى، وخافوه ساير ملوك تلك البقاع حتى تحصّنوا منه ومن شرّه فى الحصون المانعة، وليس بمانعتهم حصونهم (١٧). ووصل إلى الأبواب الشريفة منهم جماعة مستصرخين، وبالمراحم الشريفة من شرّه مستجيرين. وتغلّب على أكثر الممالك، وعاد فى ملك كبير جدّا. وكان رجلا (١٩) شديد البأس، لا يصطلى له بنار. وكان حضوره إلى الأبواب العالية من أكبر أسباب السعادة. وهذا أمر لم يتمّ
стр. 4268
لأحد من ملوك الإسلام، منذ خروج التتار من بلاد قراطاغ وإلى ذلك التأريخ، ولا حضر مثل هذا ولا قريب من نظرايه، إلاّ إن كان سلامش ابن باكوا بن باجوا المقدّم ذكره. والآخر أيضا حضر فى أيّام مولانا السلطان، وداس بساط العدل ودخل تحت الطاعة. وكان أيضا من عظما التتار ومن عظم الملك. وإنّما لم يكن فى يد سلامش ما صار فى يد دمرداش من ملك الروم وغيره. ولا طالت أيّامه فى الملك بالروم كما طالت أيّام دمرداش. وعلى الجملة فسبحان من أذلّ لمولانا السلطان رقاب الملوك الجبابرة، من ملاّك ملوك أملاك الأكاسرة والقياصرة. وأقبل عليه مولانا السلطان إقبالا كثيرا (٩)، ورتّب له الراتب الحسن، وفعل فى حقّه ما كان فوق من أمله. وأقام فى خدمته الأمير سيف الدين طوغاى الجاشنكير.
ومن جملة إحسان مولانا السلطان إليه أنّه شدّ له تعاليق حياصة بيده الشريفة، ونفذها إليه على ترتيب حوايص الموالى الأمرا. هذا كلّه لجبره وجبر خاطره، ولمّا كان يوم السبت سلخ ربيع الأوّل وصل طلب دمرداش ومن أصحابه جماعة منهم: محمود وماهنباه وأخى عثمان ويونس. وأنزلوا بالقلعة المحروسة، ورتّب لهم الرواتب الكثيرة جدّا من ساير المآكل الفخرة. فأقام دمرداش فى أنعم عيش وأرغده من تقريب مولانا السلطان له. وتوجّه فى الركاب الشريف إلى الصيد، فنظر من فروسيّة مولانا السلطان عزّ نصره وصبره على مداومة الركوب وقوّة الركض ما حيّره فى عقله، وصغرت عنده شجاعة نفسه. ثمّ إنّ البلاد لم توافقه، فحصل له توعّك، وسقط بالوفاة يوم الأربعا ثانى وعشرين ذى القعدة من هذه السنة المذكورة
стр. 4269
وفيها توفّى الشيخ تقىّ الدين بن التيميّة، رحمه الله تعالى
وفيها حضروا رسل الملك أبى (٢) سعيد ونظروا دمرداش فى الخدمة الشريفة، وما هو فيه من الإحسان إليه والإقبال عليه. وتوجّه فى جوابهم الأمير سيف الدين أروج، وعاد من البلاد فى الثامن والعشرين من شهر شعبان المكرّم
وفيها وردت الأخبار بوفاة قراسنقر فى البلاد، وانقطعت أخباره
ذكر [حوادث] سنة تسع وعشرين وسبع ماية
النيل المبارك فى هذه السنة: الماء القديم. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وسبعة عشر إصبعا
[ما لخص من الحوادث]
الخليفة: الإمام المستكفى بالله أبو (١٠) الربيع سليمان أمير المؤمنين، ومولانا السلطان عزّ (١١) نصره: الملك الناصر
والأبواب العالية بغير نايب ولا وزير بحكم ضعف الأمير علاء الدين الجمالىّ، والمتحدّث فى محلّ الوزارة واستخلاص الأموال، مضافا إلى ما كان بيده من شادّ الخاصّ الشريف: علاء الدين بن هلال الدولة، واجتمع له من الشدود والوظايف (١٥) السنيّة بالأبواب الشريفة ما لم يجتمع لغيره، حتى عادت ساير الأحوال المتعلّقة بالمملكة الشريفة مغدوقة به وتحت أمره ونهيه، كلّ ذلك توصّل إليه بمكره وحيله التى لو أنّ البطّال الذى يحكى عنه سيرته أدركه فى زمانه لكان يتعلّم من مكره وحيلته. وتوصّل إلى ذلك بما حصّله من الخزانة التى كانت قد خرجت مع كريم الدين الكبير عام
стр. 4270
مسك، حسبما ذكرناه. وهذا ابن هلال الدولة (١) ليس له أصالة ولا بيت.
وإنما أصله من فلاّحين البهنسا، من قرية تسمّى دير القضون بالأعمال المذكورة. وكان جدّ خاله يسمّى هلالا (٣)، وكان من فلاّحين الطواشى بلال المغيثىّ. فلمّا توصّل خاله المجد، وخدم فى شدود من جهات القاهرة تسمّى بابن هلال الدولة، وأعلى ما وصل إليه خاله الأصلىّ شادّ المواريث. وكان هذا علىّ يركب حماره بقباء مقطّع وزربول فى رجله، صفة غلام خلف خاله المجد، ولم يزل كذلك زمانا طويلا (٧). ولقد شاهدته فى خدمة إحدى خشداشيّتنا (٨) كان يسمّى بيبرس الدوادارىّ، وكان بيبرس المذكور قد فوّضه كتبغا شادّ عمارة المدرسة التى كان قد أنشأها، وعادت لمولانا السلطان عزّ نصره المعروفة الآن بالناصريّة. وكان هذا علىّ واقفا (١٠) جندارا فى أضعف حال يكون. فتوصّل حتى خدم القاضى شهاب الدين ابن عبادة، وكيل الخاصّ الشريف فى أوّل حلول الركاب الشريف السلطانىّ من الكرك المحروس. ثمّ كان فى خدمة القاضى كريم الدين الكبير. فحصّل من الأموال السلطانيّة مالا عظيما (١٤). فلمّا مسك كريم الدين احتوى على الخزانة المقدّم ذكرها، وخدم الناس بأموال السلطان حتى نال أغراضه، وأنعم عليه بطبلخاناه، وعاد وزيرا مستقلاّ، لم ينقص عن ذلك إلاّ اسم الوزارة. وحصّل من الأموال ما لا يعلم إلاّ الله ، ولم يزل مستقلاّ بالأمر إلى حين نظر مولانا السلطان فى حال الإسلام، وتسليطه على خلق الله تعالى. فمسك فى سنة أربع وثلاثين وسبع ماية، حسبما نذكر من خبره فى تأريخه إنشا الله تعالى
стр. 4271
وفيها عزل مجد الدين بن لفينة من نظر الدولة ورفيقه الشمس ابن قروينه (٢). وتولّى عوضهما علم الدين بن التاج إسحق ورفيقه تقىّ الدين ابن السلعوس
وفيها تولّى القاضى محيى الدين بن فضل الله صحابة (٤) ديوان الإنشا الشريف، بحكم ضعف القاضى علاء الدين بن الأثير بمرض الفالج الذى ما شهد بمصر مثله، لما ناله من الضعف والمرض الغريب حتى بطل ساير جسده، ولا عاد يتحرّك فيه غير جفونه. وعادت زوجته تحضر اللوح والدواة قدّامه وتكتب من أوّل الحروف، فكلّ حرف يكون متضمّنا (٨) اسم الحاجة التى يقصدها يكسر جفنه لها، فتفهم منه أنّه ذلك الحرف حتى تجمع من تلك الأحرف اسم تلك الحاجة التى يطلبها، فتحضرها له. وهذا من غريب البلايا، فلا حول ولا قوّة إلاّ بالله العلىّ العظيم، فإنّنى كنت إذا رأيته على هذه الحالة تتقطّع كبدى عليه أسفا، لما كان بيننا من الصحبة المتأكدة. ولم يزل كذلك حتى توفّى فى سنة ثلاثين وسبع ماية، رحمه الله تعالى
وفيها يوم الاثنين سلخ جمادى الآخر حضر رسل الملك أبى (١٤) سعيد وهم:
تمربغا وولده أمير زان ورفقتهما وصحبتهما من الهدايا: خيول أربعة عشر إكدش، طيور عشرة، مماليك سبعة. وأكرمهما مولانا السلطان غاية الإكرام، وأحضرهما على الخوان، وبعد شيل الخوان دخلت السقاة، فتناول مولانا عزّ نصره الهناب من الساقى وأسقى الرسول تمربغا من يده الشريفة، بسطها الله بالعدل والإحسان إلى آخر الزمان
стр. 4272
وفيها حضر الأمير سيف الدين أرغون. إلى الأبواب الشريفة بنيّة الزيارة والفوز بمشاهدة مولانا السلطان عزّ نصره، وذلك فى عاشر جمادى الآخرة، وسافر متوجّها إلى حلب يوم الخميس سادس وعشرين الشهر المذكور.
وودّع مولانا السلطان عزّ نصره من القصر الأبلق، وأخلع عليه خلعة السفر، قباء محقّقا (٥) بطرز شركس
وفيها توفّى الأمير سيف الدين بكتمر الحاجب والأمير شرف الدين حسين بن جندر بيك، رحمهما الله تعالى
ذكر [حوادث] سنة ثلاثين وسبع ماية
النيل المبارك فى هذه السنة: الماء القديم. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وعشرة أصابع
ما لخص من الحوادث
الخليفة: الإمام المستكفى بالله أبو (١٢) الربيع سليمان أمير المؤمنين، ومولانا السلطان الأعظم الملك الناصر سلطان الإسلام، أبقاه الله كعبة الآملين، وعصمة الخايفين
والأبواب العالية بغير نايب، والمتحدّث فى الجيوش المنصورة وشكاوى الناس: الأمير سيف الدين ألماس أمير حاجب، وفى الأموال: ابن هلال الدولة حسبما ذكرناه
والنوّاب بالممالك الشأميّة: الأمير سيف الدين تنكز ملك الأمرا بالشأم المحروس، والأمير سيف الدين أرغون ملك الأمرا بحلب، والأمير سيف الدين طينال نايب أطرابلس، والأمير سيف الدين الحاجّ أرقطاى
стр. 4273
نايب صفد، وحسام الدين لاجين بغزّة، والملوك بالأقطار حسبما ذكرناه فى السنة الخالية
وفيها وصل الملك عماد الدين صاحب حماة إلى الأبواب العالية، وتوجّه فى خدمة الركاب الشريف إلى الصيد المبارك بالوجه القبلىّ. ولمّا عاد توجّه إلى محلّ ملكه من إنعام مولانا السلطان عليه
وفيها حصل للمقام الشريف ما حصل من التوعّك بسبب يده الشريفة، وقاها الله المحذورات، وبسطها وإن كانت لم تزل مبسوطة بالخيرات. وكان التوعّك بهذا السبب مدّة سبعة وثلاثين يوما. ولقد بلغ العبد أنّ المجبّر الذى جبر الله الإسلام بصناعته يقال له ابن أبى ستّة، وكان حاله قد تضعضع.
فكان أكثر أوقاته يقول فى دعايه: يا الله، كسرة بجبرة! -فلمّا جبر الله تعالى الإسلام، بعافية يد سيّد ملوك الأنام، حصل له من البرّ والإحسان والإنعام، ما جبر به كسره العامّ. فلمّا كان يوم الأحد رابع شهر جمادى الآخر جلس مولانا السلطان بالإيوان، وقد منّ الله تعالى على المسلمين بنعمه الوافية، وجمع له بين الأجر والعافية. لا زال فى كلّ حين من بهجة سلطانه ميسم، ولكلّ ثغر من نضارة زمانه مبسم، وأيّامه مصقولة الحواشى والأطراف، وأياديه بادية بالإسعاد والإسعاف. ثمّ إنّ صدقاته العميمة عمّت فى ذلك النهار الخاصّ والعامّ، وفرّق الإقطاعات على أولاد الأجناد الأيتام، وكان يوما مشهودا، والملايكة بما فعله من الصدقات فيه شهودا (١٨)
وفيها كانت الفتنة بمكّة شرّفها الله تعالى. وقتل الأمير سيف الدين آلدمر أمير جاندار وولده وابن التاجىّ، وجماعة من المماليك الذين كانوا مع
стр. 4274
آلدمر. وكانت فتنة كبيرة أشرف الحاجّ فيها على التلاف والنهب. ثمّ سلّم الله تعالى الركب، وخرجوا سالمين بعد ما نهب بعضهم
وفيها أفرج الله تعالى عن الأمير سيف الدين بهادر المعزّىّ، وذلك فى العشر الأخير من جمادى الآخرة، وأنعم عليه بإقطاع الأمير علم الدين سنجر الجمقدار ماية فارس، بحكم انتقال الأمير علم الدين إلى الشأم المحروس
وفيها تولّى القاهرة ناصر الدين محمد بن المحسنىّ، عوضا عن الأمير عزّ الدين أيدمر الجمقدار الزرّاق. وكان الأمير عزّ الدين قد وليها عوضا عن الأمير سيف الدين قدودار أستادار (٨) برلغىّ كان. فلمّا توفّى قدودار وليها المشار إليه، فاستمرّ إلى هذا التأريخ وهو العشر الأوّل من ذى الحجّة.
فسار فى الولاية أحسن سيرة، وكان كثير القلق (١٠) منها، متوجّها إلى الله فى طلب الخلاص من فتنتها. فاطّلع الله تعالى على نيّته، فأحسن خلاصه بما هو أميز منها، وانتقل إلى أمير جانداريّة بين يدى المواقف الشريفة. وكان هذا محمد بن المحسنىّ قد توصّل حتى تولّى إقليم المنوفيّة.
ثمّ توصّل بماله ومال أبيه بدر الدين بلبك المحسنىّ حتى تولّى القاهرة فى هذا التأريخ. وهذا بلبك المحسنىّ من أنطاكية، كسب منها عند ما فتحها السلطان الملك الظاهر ﵀، كسبه بعض مماليك الطواشى محسن، فعرف بالمحسنىّ. ثمّ إنّه كان تولّى القاهرة فى دولة البرجيّة مرّتين، وهو كثير المكر والحيل. فانتقل بمكره إلى نيابة ثغر الإسكندريّة. فحصّل فى مباشراته أموالا (١٩) عظيمة. فلمّا مسك كريم الدين الكبير توجّه الأمير علاء الدين الجمالىّ ومسكه وأخذ منه بعض شى. ثمّ رسم باعتقاله، فتحيّل واشترى نفسه
стр. 4275
بشى من المال، وتخلّص واستمرّ بطّالا (١). ثمّ تحيّل حتى أخذ إمرة عشرة، وتحيّل بماله لولده محمد هذا حتى تولّى القاهرة فى هذا التأريخ. ومشى فيها أيشم مشى. وتسلّط أخوه عمر المجنون على حريم المسلمين يأخذهنّ (٣) بيده من بيوتهم اغتصابا (٤)، وفعل فى القاهرة ما لا يمكن شرحه. وكذلك مماليك محمد نفسه فعلوا أقبح فعل. وله مملوك يسمّى بيدرا عامل الحراميّة على أموال الناس، وكان شخص حرامىّ يسمّى المصيطيلة، اصطنعه محمد ابن المحسنىّ، وجعله قدّامه صفة نوّاب (٧). فكان عنده عدّة من الحراميّة يأخذون أموال الناس، وعليه مقرّر لذلك المملوك فى الظاهر والباطن لأستاذه سبع ماية درهم نقرة فى كلّ جمعة. وعادت أموال الناس تنهب وحريمهم تؤخذ وأولادهم تغصب. وفعلوا فى القاهرة ما لا لحقوه البحريّة فى أيّامهم. وعدمت فى تلك الأيّام عدّة عملات، منها لجماعة من الأمرا منهم: الأمير سيف الدين طرغاى الجاشنكير، والأمير سيف الدين أروس بغا، وجمال الدين بن كرامىّ أمير عشرة، وابن منصور المرحّل المعامل بالإصطبلات السلطانيّة. هؤلاء ممّن لهم صورة بين الناس وراحت أموالهم. ولا قدروا على خلاصها وجميعها تحمل للوالى فى الباطن.
وأمّا الرعيّة الضعفا الحال فشئ كثير جدّا، ولا يقدرون يتكلّمون، وإن تكلّموا قال لهم الوالى: أحضروا أولادكم ونساكم وجيرانكم! - فيرى صاحب الصنايع ترك ماله أرجى له، فيجعل الأجر على الله . وأشيا جرت لو شرحتها لم يسعها أوراق