Полный текст (4 323 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.
стр. 456
اختلافا متباينا، ونحن نذكر بعض ما قيل في ذلك. روى ابن الكلبيّ عن أبي صالح عن ابن عبّاس، ﵁، أنّه قال: إنّ مدّة ما بين آدم، ﵇، إلى نبيّنا محمّد ﷺ ، خمسة آلاف سنة وسبع مائة وخمسين سنة. فمن آدم إلى نوح، ﵉، ألفان ومائة سنة. ومن نوح إلى إبراهيم، ﵇، ألف ومائة سنة وثلاث وأربعون سنة. ومن إبراهيم إلى موسى، ﵇، خمس مائة سنة وخمس وسبعون. ومن موسى إلى داود، ﵇، مائة سنة وتسع وسبعون سنة. ومن داود إلى عيسى، ﵇، ألف سنة وثلاث وخمسون سنة. ومن عيسى إلى محمّد ﷺ ، ستّمائة سنة.
وروي عن الواقديّ، ﵀، أنّه قال: من هبوط آدم إلى مولد نبيّنا محمّد ﷺ ، أربعة آلاف سنة وستّمائة سنة. وروي عن وهب بن منبّه، ﵀، أنّه قال: مضى من الدنيا خمسة آلاف سنة وستّمائة سنة.
هذا ما رواه محمّد بن سلاّم القضاعيّ، وقال: وأمّا أصحاب التاريخ فيزعمون (٨) أن برهان التاريخ من لدى الطوفان إلى الهجرة واضح عندهم من جهة تقويم الكواكب على ذلك، وأنّه لا برهان عندهم على تاريخ آدم، ﵇. وذكروا أنّ من أوّل يوم من الطوفان إلى أوّل يوم من الهجرة ثلاثة آلاف سنة وسبع مائة سنة وخمس وعشرون سنة فارسيّة وثلاثمائة وتسع وأربعون يوما.
стр. 457
وزعموا اليهود أنّ جميع الماضي من الدنيا من لدن آدم إلى وقت الهجرة أربعة آلاف سنة وستّمائة سنة واثنتان وأربعون سنة.
وقال اليونانيّون من النّصارى: إنّ الصحيح عندهم في الماضي من الدنيا إلى الهجرة خمسة آلاف سنة وتسع مائة سنة واثنتان وتسعون سنة وأشهر. وزعموا أنّ اليهود إنّما نقّصوا ما نقّصوه دفعا لنبوّة عيسى، ﵇، إذ كانت صفته في التوراة. وقالوا: لم يأت الوقت الذي وقّت له.
وقال المجوس من الفرس: إنّ الماضي من الزمان بعمر الدنيا أربعة آلاف سنة ومائة واثنتان وثمانون سنة وعشرة أشهر وتسعة عشر يوما إلى تاريخ هجرته ﷺ .
قلت: هذا ما رواه محمّد بن سلاّم القضاعيّ، ﵀، في تاريخه. وأمّا ما ذكروه المتفلسفين وأرباب علم الرّصد والنجوم، فليذكر من ذلك أيضا طرفا ليكون سماعه للتعجّب، لا للتّصديق، وبالله التّوفيق.
زعموا أنّ في كتاب السّند هند، الذي معناه: الدهر الداهر، وهو الذي عمل منه المجسطيّ وغيره من الزّيجات التي نذكر منها ما يليق بذكره في موضعه، إن شاء الله تعالى، فقالوا: إنّ دوران الشمس من أوّل مسيرها (٩) من الحمل، إنّما ينقضي مسيرها على ما حسبوا: أربعة آلاف ألف ألف
стр. 458
وأربع مائة ألف ألف وعشرون ألف ألف دورة، لكلّ دورة سنة، والسنة ثلاثمائة وخمسة وستون يوما وربع يوم. وقالوا: إنّ أصل الدورة أربعة آلاف ألف وثلاثمائة ألف وعشرون ألفا عند بدء كلّ ألف سنة.
وقد نقل عن محمّد بن إبراهيم الفزاريّ، الآتي ذكره في موضعه، وهو أوّل من عني بحلّ علم الفلك من اللّغة الهنديّة إلى اللّغة العربيّة، يقول: إنّ الله سبحانه خلق جميع الكواكب والأوجات والجوزهرات في أوّل نقطة من برج الحمل، وقدّر لكلّ واحد منها سيرا معلوما، فسارت من هناك. وإنّها لا تجتمع في المكان الذي بدت منه، إلاّ بعد أربعة آلاف ألف ألف وثلاثمائة ألف ألف وعشرين ألف سنة. ثمّ يقضي الله، ، فيها ما شاء ممّا سبق في علمه وقدرته، وإنّ الماضي من هذه الجملة، أعني المدّة المذكورة إلى الهجرة، ألف ألف ألف وتسع مائة واثنان وسبعون ألف ألف وتسع مائة وسبعة وأربعون ألفا وسبع مائة وثلاث وعشرون سنة. وهذا شيء افترد به هذا الرجل، وقليل من وافقه عليه من أصحاب الأرصاد، متقدّمهم ومتأخّرهم.
والأصل في ذلك أنّ تلك المدّة مبنيّة على مقادير الحركات بمذهب السند والهند. وإن ثبتت تلك المقادير في نفس الأمر، كان من لوازمها أنّ في تلك المدّة تدور كلّ واحدة من تلك الدورات دورات متساوية، لا كسر فيها. وليس هذا موضع الإطناب، والله أعلم.
(١٠) وقال أبو معشر: إنّ أكثر التواريخ القديمة مدخول فاسد،
стр. 459
ولفسادها أسباب، منها تشابه رقوم الخطّ في الأعداد كالسبعة والتسعة والسبعة عشرة والتسعة عشرة والسبعين والتسعين، هذا في اللّغة العربيّة وما تركّب منها. ومنها ما يعترضها إذا نقلت من لسان إلى لسان. فإنّ اليهود والنّصارى مختلفون فيما ينقلونه عن التّوراة. قيل: وأصحاب التّوراة الباقية بزعمهم على اللّسان العبريّ مختلفون أيضا فيما بينهم. فإنّ الذي بأيدي السّمرة مخالف ما بأيدي عامّة اليهود. وكذا المنقول إلى اللسان اليونانيّ مخالف فيه، والله أعلم بالصواب.
ذكر ما لخّص من مقامة لابن الجوزيّ، ﵀
وهي الباينة مما يتعلّق بذكر آدم، ﵇
حضرت ليلة مع فريق منتخب الأصادق، ليس فيهم إلاّ صديق منتخب صادق. فكانت ليلتنا أمتع ليالي السّنة. فطلب جماعتنا أن نقطع بلآلئ حسنة. فقلت: لو كان لكم أبو التّقويم، فإنّه بكلّ علم عليم.
فقالوا: ذكرت أشرف نابه، ولكن من لنا به؟ فكتبت إليه (من الكامل):
عندي فديتك سادة أحرار ... وقلوبهم شوقا إليك حرار
وشرابنا شرب العلوم وروضنا ... نزه الحديث ونقلنا الأشعار
فما كان بأسرع، من أن أسرع. فقلت للجماعة: قد اجتمع، مقصودكم أجمع. فلمّا رأوا خلجانه من الناس قد عسى، استعبدوا الإصابة
стр. 460
وردّدوا بين اليأس وعسى. فقلت: كلّ فنّ من الفنون عند هذا اليقن، فالتقطوا من أفنانه أفانين ليس فيها أفن. (١١) لا تحقّروا من قد بدا لكم، وتفرّوا عمّا بدا لكم. فجملة العمّة على القمّة. وقالوا هم: بعيد الهمّة. ثمّ وقع اختيار الوئام، على سماع القصص. فقال لهم: إنّها لأوفى الأقسام، وأوفر الحصص. فأحمد، من محامد الجبّار، أحمد حصّة. وحسر، وابتدأ بعد الاذّكار، بقصّة أبي البشر. فقال: لمّا خلق الله، ، آدم اللقاه كاللّقا، فلمّا نفخ فيه الروح مات الحاسد. ثمّ أمر الملائكة بالسّجود، فتطهّروا من غدير ﴿لا عِلْمَ لَنا﴾، وغودر الغادر نجيا لكبرياء ﴿أَنَا خَيْرٌ﴾، فلمّا جرى على آدم القدر بالزّلل، نزل فخدّ خدّ الفرح، بدمع التّرح، حتّى أقلق الوجود، فقال جبريل: ما لك؟ فصاح لسان حاله يقول (من الرّمل):
ما رحلت العيس عن أرضكم ... فرأت عيناي شيئا حسنا
هل لنا نحوكم من عودة ... ومن التّعليل قولي هل لنا
فقيل له: لا تحزن لقولي: ﴿فَاهْبِطْ مِنْها﴾، فلك خلقتها. اخرج إلى
стр. 461
مزرعة المجاهدة، وسق من دمعك ساقية، ساقية لشجرة ندمك. فإذا عاد العود خضرا، فعد (من الخفيف):
إن جرى بيننا وبينك عتب ... أو تناءت منّا ومنك الدّيار
فالغليل الّذي علمت مقيم ... والدّموع الّتي عهدت غزار
يا معاذ اذهب إلى اليمن، أقدام الرسول تنزل إلى سماء الدّنيا.
وا عجبا لقلق آدم بلا معين على الحزن، هوامّ الأرض لا تفهم ما يقول وملائكة السماء عندها بقايا ﴿أَتَجْعَلُ﴾ فهو في كربه، «لا رحيم من آل ليلى فأشكوا».
إخواني إيّاكم والذّنوب، فإنّها أذلّت عزّ ﴿وَاُسْجُدُوا﴾، وأخرجت مقطع ﴿اُسْكُنْ﴾، استراح إلى بعض العناقيد، فإذا به في العناء قيد، (١٢) جرّت جرجرة جرّ الهوى، أن فارق المقام الأسنى من الحسنى وهوى. ثمّ ما زالت تلك الأكلة تعاذه، حتّى استولى داؤه على أولاده.
فنمت هينمة الملائكة بعبارة نظر العاقبة، فنشروا مطويّ ﴿أَتَجْعَلُ﴾،
стр. 462
وتبقى حزازات النّفوس كما هيا، فدعّوا بعصيّ الدّعاوى ظهور العصاة، فقيل لهم: لو كنتم بين أفاعي الهوى وعقارب اللذّات، لبات سليمكم سليما، فأبوا للجرأة إلاّ جرّ جرير الدّعاوى، وحدّثوا أنفسهم بالتّقا والتّقاوى، فقيل لهم: نقّبوا عن نقبائكم، وانتقوا ملك الملكوت، فما رأوا لمثلها مثل هاروت وماروت، فابا لسفر البلايا ليله، فما نزلا حتّى نزلا من مقام العصمة، فنزلا منزل الدّعوى، فركبا مركب البشريّة، فمرّت على المرين امرأة يقال لها: الزّهرة، بيدها مزهر زهرة الشّهوة، فغنّت الغانية بغنّة أغنّ، فرنّت فتاب الهوى، فهوى الصّوت في صوب قلب قلبيهما <فقلبهما> عن تقوى التّقويم، فانهار بناء حزم هاروت، ومار همّ حزم ماروت، فأرادها على الرّدا فراوداها، وما قتل الهوى نفسا فوداها، فبسطت نطع التّنطّع، وإمّا أن تشركا، وإمّا أن تقتلا، وإمّا أن تشربا. فظنّا سهولة الأمر في الخمر، وما فطنا. فلمّا امتدّ ساعد الخلاف فسقا، فسقا، فدخلا سكك السّكر، فزلاّ في مزالق الزّنا، فرآهما مع الشخصة شخص، فقتلاه.
ففشت فتنتهما في فئة الملائكة. فاتّخذوا لتلك الواردة وردا، من تضرّع ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾.
стр. 463
قلت: هذا ما اخترته من هذه المقامة، إذ هو كلام منصوص، (١٣) وبذكر آدم صلوات الله عليه مخصوص، ليكون لاستفتاح الكلام مفتاح، ولما فيها من الألفاظ الفصاح، التي لمثلها النفوس ترتاح، ارتياح الأشباح، إلى الأرواح، والخليع اللطيف إلى شرب الرّاح. وجعلناه توطئة لذكره، ﵇، ولما يأتي بعده من الكلام.
نستفتح الكلام بذكر آدم، ﵇
اختلفوا لم سمّي آدم على قولين، أحدهما: أنّه خلق من أديم الأرض، وهو وجهها. قاله ابن مسعود وزيد بن ثابت، ورواه سعيد بن جبير عن ابن عبّاس. والثاني: أنّه مشتقّ من الأدمة، وهي سمرة اللّون.
رواه مجاهد عن ابن عبّاس. وذكر أبو إسحاق الثّعلبيّ ﵀، أنّ التّراب بلسان العبريّة يقال له: أدام. وقال الجوهريّ ﵀: آدم اسم عربيّ وليس بعجميّ. وقال أبو منصور ابن الجواليقيّ ﵀، في كتاب
стр. 464
المعرّب: أسماء الأنبياء كلّها أعجميّة، إلاّ أربعة، وهي: آدم وصالح وشعيب ومحمّد، صلوات الله عليهم أجمعين.
والمشهور من كنية آدم أنّه أبو البشر. وروى الوالبيّ عن ابن عبّاس أنّه قال: كنيته أبو محمّد. وقال قتادة: ولا يكنى في الجنّة إلاّ آدم، يقال له: يا با محمّد، لشرف نبيّنا ﷺ .
ولا ينصرف آدم، لأنّه على وزن أفعل. وقد صرفه أبو العلاء المعرّيّ لضرورة الشعر، فقال (من الطويل):
وما آدم في مذهب العقل واحد ... ولكنّه عند القياس أوادم
وقد أخذ عليه القول في ذلك، وقد تقدّم القول فيه في الجزء الذي قبله.
وقال سهل التّستريّ: ألفه من الألفة، ودالة من الداء، وميمه من الموت.
стр. 465
وقيل: إنّ الله تعالى ذكره في القرآن (١٤) في سبعة وعشرين موضعا.
فصل
في إعلام الله تعالى الملائكة بخلقه
قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾. واختلفوا في الملائكة الذين قال لهم هذا على قولين، أحدهما:
أنّهم جميع الملائكة. رواه عكرمة عن ابن عبّاس. والثاني: أنّهم الملائكة الذين كانوا مع إبليس في الأرض خاصّة. قاله مجاهد. والأوّل أصحّ. لأنّ الألف واللام للاستغراق.
واختلف العلماء في المقصود بإعلام المليكة بخلقه، على أقوال، أحدها: أنّ الله أراد أن يبلوا طاعة الملائكة، وهو أعلم بهم، قاله الحسن <البصريّ>. الثاني: أنّه أراد إظهار ما في باطن إبليس من الكبر، لما يرون تعبّده واجتهاده وتواضعه. رواه العوفيّ، ﵀، عن ابن عبّاس، ﵁. والثالث: أنّ الملائكة ظنّت أنّه لا يخلق خلقا أكرم منهم، فأخبرهم بوجود غيرهم ليوطّنوا أنفسهم على العزل. قاله مجاهد، رحمه
стр. 466
الله. والرابع: أنّه أراد تعظيم آدم بالخلافة قبل وجوده، ليعظّموه إذا وجد.
قاله الرّبيع بن أنس، ﵀. والخامس: أنّه لمّا خلق النار، جزعت الملائكة، وقالوا: ربّنا لمن هذه؟ قال: لمن عصاني. قالوا: أو يأتي علينا زمان نعصيك فيه؟ فأخبرهم أنّه يخلق لها من يعصيه، فاطمأنّوا. قاله الرّبيع زيد بن أسلم، ﵀. والسادس: لأنّه أراد إظهار عجزهم عن ما يعلم، لأنّهم قاسوا على من كان قبل آدم. قاله مقاتل، ﵀. والسابع: أنّه أعلمهم بما يكون في المستقبل ليعلموا علمه بالحوادث. قاله الوالبيّ، ﵀. والثامن: (١٥) أنّ الملائكة لمّا طردت المفسدين من الأرض، أقاموا يعبدون الله تعالى، وذلك قبل خلق آدم، فأخبرهم أنّه جاعل في الأرض <خليفة> غيرهم. قاله <مقاتل> ابن حيّان، ﵀.
التاسع: أنّه أعلمهم أنّه يسكن آدم الأرض، وإن كان ابتداء خلقه في الجنّة.
قاله السّدّيّ، ﵀. العاشر: أنّه خبر أخبرهم به وليس بمشورة، وهو أجود الأقوال.
وقيل: إنّ فيه إشارة إلى إخراج هذه الخليفة من الجنّة، بذنبه قبل أن يسكنها، فدلّ على أنّ الكلّ بقضائه وقدره، قاله أهل المعاني. وروى مجاهد عن ابن عبّاس بمعناه، فإنّه قال: أخرج الله آدم من الجنّة بذنبه قبل أن يسكنه إيّاها، ولو لم يرد إخراجه لما نوّه بقوله: ﴿إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾.
стр. 467
فصل
في الخليفة
قال علماء اللّغة: الخليفة هو القائم مقام غيره، فهو خلف عمّن تقدّمه. وقال الجوهريّ: ويقال: خلف فلان فلانا، إذا كان خليفته؛ يقال:
خلّفه في قومه خلافة. قال: الخليفة السّلطان الأعظم. وقيل: إنّ الله تعالى ذكر خمسة نفر بالخلافة: آدم وداود وهارون وصلحاء هذه الأمّة، قوله: ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾. وصلحاء الأمم قوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفاءَ الْأَرْضِ﴾.
وفي معنى خلافة آدم، ﵇، قولان، أحدهما: أنّه خليفة عن الله في إقامة شرعه. روي عن ابن مسعود وابن عبّاس. والثاني: أنّه خلف عن من تقدّمه في الأرض قبله، وهو مرويّ عن ابن عبّاس أيضا. والأوّل أصحّ وأظهر، لأنّ آدم كان بهذه المثابة.
وقال أبو إسحاق الثّعلبيّ، ﵀ (١٦): سأل عمر بن الخطّاب طلحة والزّبير وسلمان الفارسيّ وكعب الأحبار: أخليفة أنا، أم ملك؟ فقال طلحة والزّبير: ما ندري. وقال سلمان الفارسيّ: الخليفة الذي يعدل في الرّعيّة، ويقسم بينهم بالسّويّة، ويشفق عليهم شفقة الرجل على أهله، ويقضي بينهم بكتاب الله. وفي رواية: إن جبيت من أرض المسلمين درهما
стр. 468
ووضعته في غير حقّه، فأنت ملك ولست خليفة. فبكى عمر، ﵁، فقال كعب: ما كنت أحسب أنّ في المجلس من يعرف الخليفة من الملك غيري، ولكنّ الله ألهم سلمان حكما وعلما.
فصل
قوله تعالى: ﴿أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها﴾ الآية
روى يحيى بن أبي كثير عن أبيه، قال: الذين قالوا هذا كانوا عشرة آلاف ملك، فأرسل الله عليهم نارا فأحرقتهم، فإن قيل: فهلاّ أحرق إبليس لمّا خالف؟ قلنا: لما سبق في الأزل من امتحان بني آدم. وقوله: ﴿إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ﴾. وقال قتادة: غضب الله عليهم فطافوا بالعرش سبع سنين يقولون: لبّيك اللهمّ لبّيك، اعتذارا إليك. فتاب الله عليهم، فذلك بدء التّلبية. والثاني: استفهام إيجاب تقديره: ستجعل. قاله أبو عبيد. والثالث:
أنّه استفهام استعلام.
ثمّ في مرادهم بذلك أقوال، أحدها: أنّهم استفهموا وجه الحكمة، فكأنّهم قالوا: كيف يعصونك وقد استخلفتهم؟ وإنّما ينبغي أن يسبّحوا كما نسبّح نحن. والثاني: أنّهم قالوه تعجّبا من استخلاف من يفسد. والثالث:
أنّهم استفهموا عن حال أنفسهم، وتقديره: أتجعل فيها من يفسد فيها ونحن نسبّح أم لا؟ ذكره ابن الأنباريّ والحسين بن الفضل (١٧) ونظيره
стр. 469
﴿أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ﴾ في النار، ومعناه كمن ليس بقانت؟
فإن قيل: فكيف قطعوا على بني آدم بالفساد وما رأوهم، وذكر الغائب غيبة؟ وهل علموا الغيب حتّى قالوا ذلك؟ فالجواب من وجوه، أحدها: ما روي عن ابن عبّاس، أنّه قال: لما قال ﴿إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ﴾، قالوا: وما يكون من ذلك الخليفة؟ قال: ذرّيّة يفسدون في الأرض ويتحاسدون، ويقتل بعضهم بعضا. فقالوا عند ذلك: ﴿أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ﴾؟ والثاني: أنّهم قاسوا على فعل من تقدّمهم من الجنّ الذين أفسدوا في الأرض، فقاسوا بالشاهد عن الغائب. الثالث: كان لهم علم التجربة وعلم الفراسة والظنّ، فتحقّق ظنّهم. والرابع: أنّه لمّا أخبرهم بوجود هذا الخليفة وأنّه مخلوق من الطبائع الأربع المختلفة، والهوى والغضب إنّما يثوران من الحرارة، والهوى يفسد والغضب يسفك، فحكموا بذلك. والمراد بالفساد: العمل بالمعاصي، وسفك الدم: صبّه وإراقته، والتسبيح: التوبة لله من كلّ سوء، والتقديس: التطهير، والمعنى: ننزّهك ونعظّمك.
стр. 470
فصل
في قوله تعالى: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾
اختلفوا فيه على أقوال، أحدها: إنّي أعلم أنّه سيكون من ذرّيّته أنبياء وعلماء وصالحون. قاله ابن عبّاس، ﵁. الثاني: إنّني أعلم أنّه سيكون من ذرّيّته من يذنب فيتوب فأغفر له، قاله مقاتل، ﵀.
والثالث: إنّني أعلم بوجوه المصالح في استخلافي إيّاهم، فلا تعترضوا عليّ في حكمي وتدبيري. قاله الحسين بن الفضل، ﵀. (١٨) الرابع: إنّني أعلم أنّهم يسفكون الدماء، ولكن بجور رئيسكم.
ذكر خلق آدم، ﵇
قال أحمد بن حنبل بإسناده عن أبي موسى عن النبيّ ﷺ ، قال:
«خلق الله آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض، فجاء بنوه على قدر ذلك. فمنهم الأبيض والأحمر والأسود وبين ذلك، والخبيث والطيّب، والسّهل والحزن وبين ذلك» قال التّرمذيّ: هذا حديث حسن صحيح.
ولهذا اختلفت ألوان بنيه.
وروى عكرمة عن ابن عبّاس، قال: خلق الله الصالحين من عذبها والكافرين من ملحها. وروي عنه أنّه قال: الروم والعرب من الأبيض، والتّرك من الأحمر، والحبش من الأسود. وقال أهل المعاني: الكافر من الأسود، والمنافق من الأحمر، والمؤمن من الأبيض. وقيل: الظالم من الأسود، والمقتصد من الأحمر، والسابق من الأبيض.
стр. 471
وقال أحمد بن حنبل، ﵀، حدّث عبد الرّزّاق بإسناده، عن أبي هريرة، ﵁، قال، قال رسول الله ﷺ : «خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه دخل الجنّة، وفيه أخرج منها، ولا تقوم الساعة إلاّ يوم الجمعة». انفرد بإخراجه مسلم. هذا قدر ما أخرج في الصحيح. وقد روي فيه زيادات من طريق أبي لبابة بن عبد المنذر عن رسول الله ﷺ ، قال: «سيّد الأيّام يوم الجمعة، وفيه ساعة لا يسأل الله العبد فيها شيئا إلاّ أعطاه إيّاه، ما لم يسأل إثما أو قطيعة رحم؛ وما من ملك مقرّب ولا جبل ولا أرض ولا سماء إلاّ وهو مشفق من يوم الجمعة أن تقوم فيه الساعة، وفيه توفّي آدم». ولمسلم عن أبي هريرة (١٩) عن رسول الله ﷺ ، أنّه قال: «وخلق الله آدم بعد العصر من يوم الجمعة آخر الخلق، ما بين العصر إلى اللّيل».
وقال ابن سعد بإسناده عن سعيد المقبريّ عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «الناس ولد آدم وآدم من تراب».
واختلفوا في من جاء بالطين الذي خلق الله تعالى منه آدم على
стр. 472
قولين، أحدهما: إبليس. قاله ابن مسعود وابن عبّاس. قال: وكذاك قال:
﴿أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً﴾. ومعناه: أنا جئت به، فكيف أسجد له؟ والثاني: ملك الموت، فروى السّدّيّ عن أشياخه، قال: لما أراد الله تعالى أن يخلق آدم، بعث جبريل إلى الأرض ليأتيه بطين منها، ليخلق منه آدم.
فجاء إليها فناشدته الله وقالت: أعوذ بالله منك أن تنقصني وتشينني وتكون سببا لإدخال جزء منّي إلى النار. فرقّ لها جبرائيل واستحيى ورجع إلى الله وقال: إنّها قالت كذا وكذا، واستعاذت بك فأعذتها. فبعث إليها إسرافيل فاستعاذت منه فأعاذها. فبعث إليها ميكائيل ففعلت كذلك. فبعث إليها ملك الموت فقالت له كذاك، واستعاذت بالله منه فقال: وأنا أعوذ بالله أن أرجع ولا أنفّذ أوامر ربّي. فأخذ من وجهها تربة بيضاء وحمراء وسوداء، ولم يأخذ من مكان واحد بل من عذبها وملحها، وكلّ شيء أخذه من عذبها صار في الجنّة، وإن كان ابن كافر، وكلّ شيء أخذه من ملحها صار إلى النار، وإن كان ابن مؤمن. فلمّا جاء ملك الموت بالطين إلى بين يدي الله ، وأخبره بما قالت وما قال-وهو أعلم-قال الله تعالى:
وعزّتي لأسلّطنّك عليها إذ أطعتني وخالفتها.
(٢٠) ولا يختلفون أن خلقه يوم الجمعة في آخر ساعة من ساعات النهار، سادس نيسان، وقد تقدم القول في ذلك.
واختلفوا كم أقام مصوّرا على أقوال، أحدها: أربعين سنة، قاله ابن عبّاس. والثاني: أربعين ليلة، قاله الضّحّاك. والثالث: لم يقدّر شيء، قاله
стр. 473
مقاتل. والأوّل أظهر لوجهين، أحدهما: لأنّها تمام الخلق ومنتها الأشدّ، ولهذا لم يبعث الله نبيّا إلاّ بعد أربعين سنة، قاله السّدّيّ. والثاني: لتدور عليه الأفلاك بالنجوم السبعة ﴿فَالْمُدَبِّراتِ أَمْراً﴾، فتستحكم أجزاؤه ويكمل خلقه. وقال بعضهم: أمطر عليه الحزن أربعين سنة، والسّرور يوما واحدا.
وقد نصّ ابن عبّاس على أربعين سنة، فقال: خمّر الله طينة آدم قبل التصوير أربعين سنة.
واختلفوا أين صوّره، قال ابن عبّاس: في السّماء على باب الجنّة، المدّة التي ذكرها. وقال السّدّيّ: ألقاه بين مكّة والطائف، وكان إبليس إذا مرّ به فزع وضرب برجله فيظهر له صوت وصلصلة فيزداد فزعه. قال مقاتل: كان يدخل في فيه ويخرج من دبره ويقول: لأمر ما خلقت، ولإن فضّلت عليّ لأهلكنّك. قال مسلم ابن الحجّاج بإسناده عن أبيّ بن كعب وأنس بن مالك عن النبيّ ﷺ ، قال: «لمّا صوّر الله آدم تركه ما شاء أن يتركه، فجعل إبليس يطيف به وينظر إليه، فلمّا رآه أجوف عرف أنّه خلق لا يتمالك». وقد روي أنّه وكّل به ملك الموت أربعين سنة ثمّ أربعين سنة ثمّ أربعين سنة، حتّى استحكم في مائة وعشرين سنة، فلذلك تقول الأطبّاء:
إن العمر الطبيعيّ مائة وعشرون سنة.
فإن قيل: فقد قال الله تعالى في موضع ﴿مِنْ طِينٍ لازِبٍ﴾ (٢١) وفي موضع آخر ﴿مِنْ صَلْصالٍ كَالْفَخّارِ﴾ ومن ﴿حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ و ﴿مِنْ﴾
стр. 474
﴿تُرابٍ﴾، فكيف الجمع بين هذه الآيات؟ فالجواب: إنّ الألفاظ وإن اختلفت فالمعاني قد اتّفقت، لأنّه كان أوّلا ترابا ثمّ صار حماء، ثمّ جفّ فصار صلصالا أو صلصلا، والصّلصلة الصوت كان ينقر فيطنّ ويسمع له صوت؛ واللازب: اللاصق، والحماء المسنون: المتغيّر المنتن، والسّلالة:
القليل ممّا ينسلّ، وآدم استلّ من الأرض.
فإن قيل: فلم خصّ بالتراب خلقه؟ فالجواب: لتكمل به الاستقصّات الأربع، فتجتمع فيه الطبائع الأربع المختلفة. ولم يكن قبله خلق من التّراب، بل من النار والماء والريح.
وذكر الحافظ أبو القاسم في تاريخ دمشق عن سعيد بن جبير، قال:
خلق الله آدم من دحنا ومسح ظهره بنعمان السّحاب. وأخرج ابن سعد بمعناه، فنذكر أرضا يقال لها: دحنا. قلت: لعلها الدهناء، فإنّها أرض معروفة بالسعة. وأمّا (أن) نعمان، فقد ذكرنا جبلي نعمان في باب الجبال في الجزء الأوّل منه.
وقال الحافظ أبو القاسم أيضا: في حديث الحسن البصريّ أنّه خلق جؤجؤة من نقا ضريّة، ومعناه: صدره من رمل ضريّة، وهي منزلة بطريق مكّة من ناحية البصرة واليمامة. وكذا روى ابن سعد عن الحسن.
стр. 475
والجؤجؤ: الصدر، وقال الجوهريّ، ضريّة: قرية لبني كلاب على طريق البصرة، وهي إلى مكّة أقرب. وروى أبو هريرة عن النبيّ ﷺ ، أنّه قال:
«خلق آدم من تراب الجابية وعجن بماء الجنّة». قال ابن الجوزيّ، ﵀، في الموضوعات: هذا حديث لا يصحّ عن رسول الله ﷺ ، (٢٢) في إسناده إسماعيل بن رافع، ضعّفه أحمد وابن معين.
وذكر الحافظ ابن عساكر في تاريخه عن عليّ، ﵇، قال:
قال رسول الله ﷺ : «أكرموا عمّتكم النّخلة فإنّها خلقت من الطين الذي خلق منه آدم، وليس من الشجر شيء يلقّح غيرها؛ وأطعموا نساءكم الولّد الرّطب، فإن لم يكن الرّطب فالتّمر؛ وليس من الشجر أكرم على الله من شجرة ولدت تحتها مريم بنت عمران». قال ابن الجوزيّ، ﵀: وهذا أيضا ضعيف.
وقال مسلم بإسناده إلى عائشة، قالت: قال رسول الله ﷺ : «خلقت الملائكة من النور ﴿وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مارِجٍ مِنْ نارٍ﴾ وخلق آدم ممّا وصفت لكم»، أي من التّراب.
стр. 476
وفي الحديث بالإسناد إلى أنس، قال: قال رسول الله ﷺ : «لمّا نفخ في آدم الروح، مارت فطارت فصارت في رأسه فعطس، فقال: الحمد لله؛ فقال الله، : يرحمك الله». وأخرجه ابن سعد عن أبي هريرة قال:
«فلمّا جرى الروح في خياشيمه عطس، فلقّنه الله حمده، فحمد ربّه». وقد رواه ابن عبّاس وفيه: «يرحمك ربّك أبا محمّد». قال مقاتل: وهذا معنى قول رسول الله ﷺ : «كنت نبيّا وآدم بين الماء والطين». وقال سهل بن عبد الله: لمّا قال يرحمك الله، علم أنّه سيذنب، لأنّ الرحمة إنّما تكون بعد الذنب والزّلّة. وقال السدّيّ: لمّا وصلت الروح إلى عينية، نظر إلى الجنّة وما فيها، فوثب قبل أن يصل الروح إلى رجليه؛ فذلك قوله ﴿خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ﴾.
وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد أنّه قال: لمّا بلغ الروح عيني آدم ولسانه وأعلاه ولم تبلغ أسفله، قال: يا ربّ، استعجل خلقتي (٢٣) قبل غروب الشمس، يعني من يوم الجمعة؛ فذلك قوله تعالى: ﴿خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ﴾.
وقال ابن سعد بإسناده عن سلمان الفارسيّ وابن مسعود، قال: خمّر الله طينة آدم أربعين ليلة-أو قال: أربعين يوما-ثمّ ضرب بيده فيه، فخرج كلّ طيّب في يمينه وخرج كلّ خبيث في يده الأخرى، ثمّ خلط بينهما؛ قال: فمن ثمّ يخرج الحيّ من الميّت والميّت من الحيّ.
стр. 477
وروى ابن سعد بإسناده إلى وهب بن منبّه، أنّه سمعه يقول: خلق الله آدم كما شاء ممّا شاء، فكان كذلك، ﴿فَتَبارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ﴾ خلق من التراب والماء، فمنه لحمه ودمه وشعره وعظامه وجسده كلّه، فهذا بدء الخلق الذي خلق الله تعالى منه آدم، ﵇.
ثمّ جعل فيه النّفس، فبها يقوم ويقعد ويعلم ويسمع ويبصر، ثمّ ركّب فيه الروح فعرف الحقّ والباطل والرّشد من الغيّ.
وقال ابن عبّاس: أتته النفخة من قبل رأسه، فجعلت لا تجري في شيء من جسده إلاّ صار لحما ودما. وروى ابن سعد بإسناده عن إبراهيم قال: قال سلمان: أوّل ما خلق الله من آدم رأسه. فجعل يخلق جسده وهو ينظر إليه، قال: فبقيتا رجلاه عند العصر، فقال: يا ربّ عجّل، فقد حلّ الليل. قال الله تعالى: ﴿خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ أي عجولا.
وقال ابن سعد بإسناده، قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ الله خلق آدم بيده».
فإن قيل: فقد قال تعالى: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾، فقد ردّ العلم إلى الله تعالى. فالجواب من وجهين، أحدهما: أنّ
стр. 478
اليهود أرادوا امتحان (٢٤) النبيّ ﷺ بذلك، فكان سكوته عن الجواب من إمارات معجزاته، لأنّهم قالوا: إن أجاب فليس بنبيّ. والثاني: أنّه لا يسعنا أن نقول: إنّ رسول الله ﷺ ، لم يعلم سرّ الروح، مع قوله، ﵇:
أورثني علم الأوّلين والآخرين، وكان معناه: إنّني لا أخبر من ليس بأهل عن هذا السرّ، كاليهود. أمّا من هو أهل العلم، فنعم، لئلا يقع التناقض بين الآية والحديث.
وإنّما قالوا: إنّه لا داخل ولا خارج ولا متّصل ولا منفصل، لأنّ الدخول والخروج والاتّصال والانفصال من صفات الأجسام، وهو ليس بجسم.
وقال أحمد بن حنبل بإسناده عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ الله خلق آدم على صورته، طوله ستّون ذراعا، وقال له: اذهب فسلّم على أولائك النّفر من الملائكة وهم جلوس، واسمع ما يجيبونك، فإنّها تحيّة ذريّتك. فجاء، فسلّم، فقالوا: وعليك السلام ورحمة الله.
فزادوه: ورحمة الله. فكلّ من يدخل الجنّة على صورة آدم وطوله؛ فلم يزل الخلق ينقص بعد ذلك». أخرجاه في الصحيحين.
ومن تاريخ جدع بن سنان ﵀: لمّا خلق الله الروح، وأمرها أن تكون في فخّارة آدم، فنظرت مكانا حرجا ضيّقا، فقالت: يا ربّ، أهذا سجن لي وعذاب؟ فيما أستحقّ ذلك، وأنت العدل الذي لا تحبّ الظلم؟ فقال الله تعالى: «وعزّتي وجلالي، لم أخلق خلقا هو أعزّ عليّ من هذا المخلوق، وإنّك لتنعمي بنعمة في جناني بطاعته لي، وتشقي بشقاه
стр. 479
بجحيمي بعصيانه إيّاي»؛ وأمر جبرائيل، (٢٥) ﵇، أن يخفق تلك الفخّارة بخافقة من جناحه. فسمعت الروح لتلك الخفقة حسّا لذيذا، فجزّت فيه جزّا، ولذلك إن الصوفيّة لهم في ذلك معنىّ دقيقا، وهو في قبول السماع، وإنّ النفس-أعني الروح-إذا سمعت شيئا من مطربات الدنيا، ظنّت أن ذلك بعضيّة تلك الخفقة، فتتحرّك في الجسد وتضطرب، فيتحرّك بتحريكها الجسد. فإذا اشتدّ بها الحال، طلبت الصعود والخلاص من ذلك السجن؛ وكثير ممّا يوجد وقد فاضت نفسه في تلك الحالة وأنشدوا (من الطويل):
وما أطرب الأرواح منّا لذي الغنا ... سوى نغمات أدركتها قديمة
فلمّا أحسّت في السّماع بمثلها ... تذكّرت العهد القديم فحنّت
وجاد بها الجسم الزّمام وأقبلت ... تجاذب فاهتزّت لذاك برقصة
فصل
في تعليمه الأسماء كلّها
اختلفوا في الذي علّمه على أقوال، أحدها: أنّها أسماء الملائكة.
قاله الرّبيع بن أنس. والثاني: أسماء ذريّته. قاله عبد الرحمن بن زيد بن أسلم. والثالث: أنّه علّمه جميع الأسماء والأشياء، فقال: هذا فرس؛ هذه دابّة؛ هذه قصعة؛ هذا بغل؛ هذا جمل؛ هذا كذا؛ هذا كذا، حتى أتى على آخرها. قاله ابن عبّاس، وهو الأصحّ لوجهين، أحدهما: لأنّ لفظ كلّ للعموم. والثاني: ليظهر فضل آدم على الملائكة. وفي تعليم البعض
стр. 480
نقص. وقد نصّ ابن عبّاس على هذا <التفضيل>، فقال: علّمه الأسماء، أسماء الخلق والقرى والمدن والجبال، وأسماء الطيور والأشجار وما (٢٦) كان ويكون وكلّ نسمة الله خالقها إلى يوم القيامة.
وقال الطبريّ في تاريخه: علّمه كلّ شيء، حتّى الفسوة والضّرطة، وقد أخذ ابن الجوزيّ، ﵀، في هذه اللفظة على الطبريّ، وقال: أما كان في مخلوقات الله ما يعبّر عنه بعبارة تليق بالله، إلاّ هذه العبارة؟!
وقال السدّيّ: لمّا قال الله: ﴿إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ قال الملائكة فيما بينهم: ليخلق ربّنا ما شاء، فلن يخلق خلقا أفضل ولا أكرم عليه منّا، وإن كان خيرا منّا فنحن أعلم منه، لأنّا خلقنا قبله ورأينا ما لم يره. فلمّا أعجبوا بعلمهم وعباداتهم، فضّل عليهم آدم بالعلم، فعلّمه الأسماء كلّها، وهذا قول الحسن وقتادة وعامّة العلماء.
وقال أبو القاسم الورّاق، ﵀: علّمه ألف حرفة، ثمّ قال له:
قل لأولادك إن لم يصبروا فليطلبوا الدنيا بهذه الحرف، ولا يطلبوها بالدين، وويل لمن طلب الدنيا بالدين.
فصل
في سجود الملائكة، ﵈
ثمّ أمرهم الله تعالى بالسجود لآدم، لقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اُسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ الآية. وقال ابن عبّاس: لمّا اعترفوا بالعجز، أمر الله آدم أن
стр. 481
يخبرهم بالأسماء. فلمّا أخبرهم، قال: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ﴾ يا ملائكتي ﴿إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماااتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي ما كان فيها وما يكون ﴿وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ﴾ من الطاعة والخضوع لآدم ﴿وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ في أنفسكم له من العداوة.
وقال ابن عبّاس أيضا: المراد به إبليس، فإنّه كان إذا مرّ على جسد آدم وهو ملقى بين مكّة والطائف، يقول لمن معه من الملائكة: (٢٧) أرأيتم إن فضّل عليكم هذا ماذا تصنعون؟ فيقولون: نطيع أمر ربّنا. فيقول في نفسه: إلاّ أنا؛ والله لإن سلّطت عليه لأهلكنّه، ولإن سلّط عليّ لأعصينّه.
وقال الحسن وقتادة رحمهما الله: ﴿ما تُبْدُونَ﴾ من قولكم ﴿أَتَجْعَلُ فِيها﴾ ﴿وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ من قولهم: أن تخلق خلقا أفضل منّا.
واختلفوا في السجود لآدم على أقوال: أحدها: أنّه سجود تعظيم وتحيّة، لا سجود صلاة وعبادة، كقوله في قصّة يوسف، ﵇ ﴿وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً﴾ وكان ذلك تحيّة الناس وتعظيم بعضهم بعضا. ولم يكن وضع الوجه على الأرض، وإنّما كان انحناء وإيماء ووضع اليد على الصدر. وأصل السجود الانحناء والميل، يقال: سجدت النّخلة إذا مالت.
فلمّا جاء الإسلام أبطل ما كانوا يصنعونه وعوّضهم بالسلام. ولمّا رجع معاذ بن جبل من اليمن سجد لرسول الله ﷺ ، فتغيّر وجهه وقال: «ما هذا
стр. 482
يا معاذ؟» فقال: رأيت اليهود يسجدون لأحبارهم، والنصارى لرهبانهم وقسّيسيهم، ففعلت مثلهم، وأنت أولى. فقال: «مه يا معاذ، كذبوا. إنّما السجود لله تعالى». وقاله ابن عبّاس كذاك. والثاني: أنّه كان سجودا على الحقيقة لآدم، قاله مجاهد. والثالث: أنّه جعل آدم قبلة لهم وسجودهم لله تعالى، كما جعلت الكعبة قبلة للصلاة المختصّة بالمؤمنين، والصلاة لله ربّ العالمين. وقال ابن مسعود: سجدت الملائكة لآدم، وسجد هو لله تعالى. وقال أبيّ بن كعب: معنى سجودهم أنّهم أقرّوا لآدم أنّه خير وأكرم على الله منهم.
وعن عمر بن عبد العزيز: لمّا أمر الله الملائكة بالسجود لآدم، أوّل من سجد له إسرافيل، فأثابه الله أن كتب القرآن في جبهته.
(٢٨) فصل
في قوله تعالى: ﴿إِلاّ إِبْلِيسَ أَبى وَاِسْتَكْبَرَ﴾
أي امتنع وتعظّم، وكان بمعنى صار في علم الله أنّه من الذين وجبت عليهم الشقاوة. وقال السّدّيّ: لمّا امتنع إبليس من السجود قال <له> الله تعالى: ﴿ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ﴾ له؟ ﴿قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ﴾ قال: بماذا؟ قال: ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ ألست الذي استخلفتني في الأرض وجعلتني حاكما عليها وعلى الملائكة، وألبستني الريش ووشّحتني
стр. 483
بالنور وتوّجتني بالكرامة، وجعلتني خازن السموات، وعبدتك ثمانين ألف سنة، وكنت من المقرّبين؟ فقال الله تعالى: ﴿فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ، وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلى يَوْمِ الدِّينِ، قالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ، قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ﴾. وقال ابن عبّاس: قال الله تعالى: ﴿ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ﴾ لما خلقت من يدي؟ منهم من أجراه على ظاهره ومنهم من قال: بقدر القدرة.
وقال أبو إسحاق الثّعلبي، ﵀، بإسناده عن أبي هريرة قال:
قال رسول الله ﷺ : «إذا قرأ ابن آدم السّجدة، وسجد، اعتزل الشيطان يبكي ويقول: يا ويله، أمر ابن آدم بالسجود فسجد، فله الجنّة، وأمرت بالسجود فأبيت فله النار».
واختلفوا في الاستثناء المذكور في قوله: ﴿إِلاّ إِبْلِيسَ أَبى﴾ على قولين، أحدهما: أنّه استثناء من الجنس، فعلى هذا يكون إبليس من الملائكة. والثاني: أنّه استثناء من غير الجنس، فيكون إبليس من الجنّ، وقد بيّنّاه.
وذكر صاحب الملل والنّحل: أنّ أوّل شبهة وقعت في الخليقة شبهة إبليس. ومصدرها استبداده بالرأي في مقابلة النصّ (٢٩) ومعارضة الأمر واستكباره بالمادّة التي خلق منها، وهي النار، على مادة آدم، وهي التراب.
стр. 484
قال وتشعّب من هذه الشبهة شبهات، منها أنّه قال: قد علمت أنّه إلا هي وإله الخلق، وقد علم ما يصدر منّي من قبل خلقي؛ فلم خلقني؟ وما الحكمة في خلقي؟ وكونه كلّفني ما لا منفعة له فيه، فإنّه لا تنفعه طاعتي ولا تضرّه معصيتي؛ ثمّ إنّه سلّطني على آدم، فأخرجته من الجنّة بقضائه وإرادته، فطردني ولعنني، وسألته الإنظار فأنظرني، ثمّ كان عاقبة أمري ما أنا فيه. ولو سجدت لآدم كان ماذا؟ وإنّما له إرادة يظهرها. قال: فقال الله تعالى للملائكة، «قولوا له: لو كنت صادقا أنّي إلاهك لما اعترضت ولا خالفتني، ربّي؟؟؟ إله العالم، لا أسأل عمّا أفعل، وهم يسألون».
فصل ذكر خلق حوّاء، ﵍
قال ابن سعد بإسناده عن عكرمة مولى ابن عبّاس، قال: إنّما سمّيت حوّاء لأنّها أمّ كلّ شيء حيّ. وقال مقاتل: لحوّة وجهها وهو الحسن.
وروى عطاء عن ابن عبّاس، قال: لمّا أسكن الله آدم الجنّة أقام مدّة فاستوحش، فشكا إلى الله الوحدة، فنام، فرأى في منامه امرأة حسناء، ثمّ انتبه فوجدها جالسة عنده، فقال: من أنت؟ فقالت: حوّاء؛ خلقني الله لتسكن إليّ وأسكن إليك. قال: وخلقت من ضلع آدم، ويقال لها:
القصيرى. قال الجوهريّ، ﵀: القصيرى الضّلع التي تلي الشاكلة، وتسمّى الواهنة، في أسفل الأضلاع.
стр. 485
وقال مجاهد: إنّما سمّيت المرأة مرأة لأنّها خلقت من المرء وهو (٣٠) آدم. وقال مقاتل بن سليمان: نام آدم نومة في الجنّة، فخلقت حوّاء من قصيراه من شقّه الأيمن، من غير أن يتألّم؛ ولو تألّم لم يعطف رجل على امرأة أبدا.
وقال ابن عبّاس: لأم الله موضع الضلع لحما، ولمّا رآها آدم قال: آثا بثا-منقوطة بثلاث من فوق-وتفسيره بالسريانيّة: امرأة. وأخرجه ابن سعد عن مجاهد. ولمّا خلقت قال له الملائكة: أتحبّها؟ قال: نعم. قالوا لها:
فتحبّيه؟ قالت: لا. وفي قلبها أضعاف ما في قلبه منها، فلو صدقت امرأة في حبّ زوجها لصدقت حوّاء.
وفي التوراة: فقال آدم: هذه عظام من عظامي، ولحم من لحمي ودم من دمي. قال كعب: ومن أجل ذلك يترك الرجل أباه وأمّه ويتبع امرأته.
وقال الرّبيع ابن أنس: إنّما خلقت حوّاء من طينة آدم. واحتج بقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ﴾، ولأنّ الرجل لم يخلق من المرأة وكذا المرأة لم تخلق من الرجل.
قلت: والأوّل أصحّ، لقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ ااحِدَةٍ﴾ الآية، والمراد به آدم، وحوّاء خلقت من ضلعه، وما ذكره فقياس
стр. 486
في مقابلة النصّ ومخالف لإجماع الأمّة، ولقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ ااحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ﴾.
وذكر مقاتل <بن سليمان> في كتاب المبتدأ، قال: لمّا أراد الله أن يزوّج حوّاء من آدم، قال: «يا آدم، لا بدّ من المهر». فقال: يا ربّ، وما مهرها؟ قال: «أن تصلّي على ولدك محمّد ﷺ ، عشر مرّات». فصلّى عشرا. قال مقاتل: فذلك قوله، ﵇: «من صلّى عليّ مرّة صلّى الله عليه عشر مرّات».
فصل
(٣١) في مقام آدم في الجنّة
قال الله تعالى: ﴿وَقُلْنا يا آدَمُ اُسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ قال الفرّاء ﵀: أهل نجد يقولون لامرأة الرجل: زوجة، ويجمعونها: زوجات، وهي لغة تميم. قال: وأهل الحجاز تقول لامرأة الرجل: زوج، ويجمعونها: أزواج. وقال الجوهريّ: زوج المرأة بعلها، وزوج الرجل امرأته. قال الله تعالى: ﴿اُسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾، والرّغد: الرزق الواسع، و ﴿حَيْثُ شِئْتُما﴾ أي كيف ومتى وأين شئتما.
стр. 487
فصل: ذكر الشجرة المنهيّ عنها
اختلفوا فيها على أقوال، أحدها: أنّها شجرة الكافور، قاله عليّ، ﵇. والثاني: شجرة البرّ، وهو الحنطة، قاله ابن عبّاس.
والثالث: الكرمة، قاله ابن مسعود وابن عبّاس أيضا وسعيد بن جبير ومجاهد، قالوا: ولذلك جعلت فتنة لولده. والرابع: التّينة، قاله عطاء والحسن وابن جريج. والخامس: النخلة، قاله أبو مالك. والسادس: حيّ العلم، وقيل: إنّما هي بكسر العين وفتح اللام، وهي الحنطة بلغة قيس، وهو الأصحّ، لأنّ الحنطة ملائمة لجميع بني آدم، وقد نصّ عليها عامّة العلماء. وقال وهب: هي شجرة الخلد، وهو وهم، لأنّ الله تعالى سمّاها بذلك، وإنّما الكلام في جنسها.
فإن قيل: فلم خصّ الشجرة المشار إليها بالنّهي؟ فالجواب: لأنّ لها ثفلا والجنّة لا تحتمل الثفل. وقال مجاهد: لمّا أكل منها لعبت معدته، فقال جبريل: أما تستحي؟ أين تضع هذا، على السّرر أو على الفرش أو على شواطئ أنهار الجنّة من رياض المسك والعنبر والكافور (٣٢) والزعفران؟ ولكن انزل إلى دار تصلح أن يكون فيها هذا.
قال ابن الجوزيّ، ﵀: وهذا معنى قول عليّ، ﵇:
الدنيا كنيف يملى. وقال النّضر، ﵀: إنّما أكل آدم من الشجرة لأنّه منع منها، والآدميّ حريص على ما منع منه. وقد ذكرها في التوراة، فقال:
стр. 488
ونصب الله شجرة الحياة وسط الجنّة، وقال لآدم: كل ما شئت إلاّ منها، فإنّك تموت يوم تأكل منها. وقال الحسن البصريّ: لم يكن له بدّ أن يأكل منها، لأنّه خلق للمقام في الأرض.
فصل في احتيال إبليس على دخول الجنّة
قال الله تعالى: ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ عَنْها﴾ الآية. قال ابن عبّاس: أي حملهما على الزلّة. وقرأ الأعمش: فأزلّهما الشيطان عنها، أي نحّاهما عن الطاعة والجنّة، فأخرجهما ممّا كانا فيه من النعيم.
واختلفوا في كيفيّة دخوله إلى الجنّة. قال الحسن البصريّ، ﵀: وقف على باب الجنّة وناداهما، لأنّه كان ممنوعا من دخولها، بقوله تعالى: ﴿اُخْرُجْ مِنْها﴾. وقال ابن عبّاس، ﵁: إنّما احتال بطريق الحيّة، وكانت من أحسن دوابّ الجنّة، ولها جناحان كجناحي الطّاووس ولون جلدها لون السّندس والإستبرق، وكانت من خزّان الجنّة تدخل إليها وتخرج، وكانت صديقة لإبليس، فخرجت ذات يوم فتعرّض لها وخدعها
стр. 489
وقال لها: قد اشتقت إلى الجنّة. فقالت: أنت مطرود عن الجنّة، فكيف أدخلك إليها؟ فقال: وما يضرّك؟ فإنّي مطرود عنها حيث لم أسجد لآدم، فأدخليني لأسجد له، لعلّ الله أن يرضى عليّ. ففتحت فاها، فوثب فقعد على ناب من أنيابها، ومرّت به على (٣٣) الخزنة، فأنساهم العلم السابق والقدر المحتوم أن يفتقدوا ناب الحيّة، فدخلت به.
وكان آدم لمّا رأى نعيم الجنّة قال: لو أنّ لنا خلدا! فأتاه من قبل الخلد، فجاء فوقف بين يدي آدم وحوّاء وهما لا يعلمان أنّه إبليس، فناح عليهما نياحة أحزنتهما-وهو أوّل من ناح، فقالا له: ما الذي بك؟ وما يبكيك؟ فقال: أبكي عليكما، تموتان وتفارقان هذا النعيم. فوقع ذلك في نفوسهما واغتمّا، ومضى عنهما، ثمّ جاءهما بعد ذلك فقال: ﴿يا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلى﴾ فقال: إنّ ربّي نهاني عنها، ﴿وَقاسَمَهُما﴾ أي حلف لهما ﴿إِنِّي لَكُما لَمِنَ النّاصِحِينَ﴾ فاغترّا. قال ابن عبّاس: ما ظنّ آدم أنّ أحدا يحلف بالله كاذبا. فبادرت حوّاء إلى الأكل من الشجرة، ثمّ ناولت آدم فأكل منها.
وقال مقاتل <بن سليمان>: قال لهما إبليس: ما نهاكما ربّكما عن هذه الشجرة إلاّ حسدا لكما، لأنّه علم أنّكما متى أكلتما منها علمتما الغيب وزاحمتماه في ملكه.
стр. 490
وقال مجاهد: جاء إبليس وذكر ألفاظا رقيقة معناها يقول (من البسيط):
يا عين أبكي على زهراء طاهرة ... نقيّة العرض من عار ومن دنس
خود مكرّمة في الخلد زاهرة ... كأنّ غرتّها المصباح في الغلس
ماتت ومات التّقيّ المصطفى فأرى ... الجنّات موحشة من جيرة الإنس
فقالت حوّاء: من هما؟ فقال: أنتما. فخافا. فحلف لهما لإن لم يأكلا من هذه الشجرة ليموتنّ، وحلف لهما سبعين يمينا، فذلك قوله:
﴿وَقاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النّاصِحِينَ﴾. قال مقاتل: فأخذت حوّاء من الشجرة خمس حبّات، فأكلت اثنتين وأخفت ثلاثا، قال: فلذلك صار النساء يسرقن. وفي رواية عنه: إنّها أخذت سبع حبّات، فدفعت إلى آدم (٣٤) حبّتين، وقالت: إنّما أخذت واحدة، فلذلك صار للذّكر مثل حظّ الأنثيين. وقال مقاتل أيضا: تقدّمت إلى الشجرة فأكلت منها، ثمّ قالت: يا آدم، قد أكلت فلم يضرّني، فتقدّم فأكل.
وحكى <أبو إسحاق> الثّعلبيّ، ﵀، في تفسيره عن سعيد بن المسيّب: أنّه كان يحدث ويحلف بالله، لا يستثنى أن آدم ما أكل من الشجرة وهو يعقل، ولكن حوّاء سقته الخمر حتّى سكر، ثمّ قادته إلى الشجرة فأكل منها.
стр. 491
قلت: والعجب من حكاية الثّعلبيّ مثل هذا عن ابن المسيّب، وهو إمام، وفيه العلم والزهد والورع والتحرّز في أقواله عن مثل هذا. وقد اتّفق العلماء، ﵃، على أنّ خمر الجنّة لا يسكر ولا يذهب بالعقل.
قال الله تعالى: ﴿لا يُصَدَّعُونَ عَنْها وَلا يُنْزِفُونَ﴾ وقال: ﴿يَتَنازَعُونَ فِيها كَأْساً لا لَغْوٌ فِيها وَلا تَأْثِيمٌ﴾ وهو السكر. والمراد من الخمر هو حصول اللذّة المطربة، وذلك حاصل في الجنّة بدون السكر، فإنّه مباح لأهل الجنّة مع بقاء عقولهم، وبهذا فارق خمر الدنيا.
وإنّما اللائق بحال آدم أنّه إنّما أكل من الشجرة متأوّلا لا للكراهة دون التحريم، وذلك قبل النبوّة، لأنّه نهي عن شجرة فأكل من جنسها ظنّا منه أنّ المراد غير تلك الّتي نهي عنها، لا الّتي أكل منها، على أنّ الله تعالى قد عذره بكونه أكل ناسيا، فقال: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً﴾.
فإن قيل: فإن كان آدم تعمّد فمعصيته كبيرة، والكبائر لا تجوز على الأنبياء، وإن كان نسي فالنسيان معفوّ عنه، فكيف وقعت المؤاخذة؟ فالجواب من وجوه ذكرت، أحدها: أنّ الأنبياء قد أمروا بتجويد الحفظ، ومثل آدم لا يسامح. الثاني: لأنّه خالف، ومخالف الأمر يعاقب وإن كان ناسيا، فإنّ (٣٥) من طلّق امرأته ناسيا أو ساهيا أو هازلا وقع طلاقه.
стр. 492
فالنسيان معفو عنه في رفع الإثم دون المؤاخذة، وهذا معنى قوله، صلّى الله عليه <وسلّم>: «عفي لأمّتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه». الثالث، أنّ بعض العلماء قال: إنّه أكل متأوّل للكراهة دون التحريم.
وقال قتادة: لمّا أكلا منها بدت لهما سوآتهما وولّى آدم هاربا يستتر بورق الجنّة، فناداه الله: «يا آدم، أفرار منّي؟» قال: لا يا ربّ، بل حياء منك. فقال: «يا آدم، أخرج من جواري، فإنّ من عصاني لا يجاورني في داري». فقال: يا ربّ، هل بعد هذا العتاب رضا؟ قال: «نعم». فقال:
الحمد لله.
وقال الرّبيع بن أنس: امتنع من الخروج من الجنّة، فجاءه جبرائيل فجذب بناصيته للإخراج، فقال بالأمس تسجد لي واليوم تسحب بناصيتي؟ أرفق بي، فقال: لا أرفق بمن عصى الله.
وذكر في التوراة وقال، قال الله تعالى: أكلت من الشجرة التي نهيتك عنها. فقال: إنّ المرأة أطعمتني. وقالت المرأة: إنّ الحيّة أطعمتني، يعني أنّ إبليس كان يخاطبها على لسان الحيّة، وهو قاعد على نابها. فقال الله للحيّة: من أجل فعلك هذا أنت ملعونة، وعلى بطنك تمشين، وتأكلين التراب، وسأغري بينك وبين ولد المرأة فيطأ رأسك وتلدغين عقبه. وقال لآدم: أخرج من مشرف جنّة عدن إلى الأرض التي أخذت منها. وقال الله لحوّاء: أنت التي غررت الرجل، وعزّتي لأعاقبنّك بالحيض والنّفاس
стр. 493
والولادة ونقصان الشهادة، ولا تحملين إلا كرها ولا تضعين إلاّ كرها. ثمّ مسخ الحيّة على هذه الصورة، وسنذكر عقوبة كلّ منهم بعد ذلك.
وقال وهب: كان لباس آدم في الجنّة الظّفر يزداد كلّ يوم جدّة وحسنا، (٣٦) فلمّا أخرجه من الجنّة ألبسه الجلود والصوف. وكان آدم أمردا فعوقب بإنبات اللّحية.
وقال أحمد بن حنبل: حدّثنا عبد الرّزاق عن معمّر، ينتهي الحديث إلى أبي هريرة قال، قال رسول الله ﷺ : «ألتقى آدم وموسى، فقال له موسى: أنت آدم الذي أشقيت الناس وأخرجتهم من الجنّة؟ فقال له آدم: أنت موسى الذي اصطفاك الله برسالته وكلامه، وأنزل عليك التورية؟ قال: نعم. قال: أتلومني على أمر كان قد كتب عليّ قبل أن أفعله؟ -أو قال: قبل أن أخلق؟ -قال: فحجّ آدم موسى مرّتين»؛ أخرجه في الصّحيحين.
فإن قيل: فلم لم تعاقب حوّاء قبل آدم عند الأكل؟ فالجواب من وجوه، أحدها: أنّها لو عوقبت في حالة الأكل قبل أن يأكل آدم، لتوقّف عن الأكل، وأخطى علم الله فيه وإرادته وسرّه الخفيّ، فلمّا وافقها، ظهر علم الله فيه. والثاني: لأنّ حوّاء كانت ضعيفة، فلم تقدر على العقوبة،
стр. 494
ولم تحتملها، بخلاف آدم لأنّه كان قويّا. والثالث: أنّها عوقبت بما يليق بها من الحيض وأمثاله، وهنّ عشرة خصال كما يذكر منهنّ.
فإن قيل: فآدم وحوّاء اشتركا في المعصية، فلم لم تذكر معه في التوبة؟ فالجواب من وجهين، أحدهما: أنّ العرب إذا كان فعل الاثنين <واحدا> جاز أن يذكر أحدهما، ويكون المعنى لهما، لقوله: ﴿وَاللهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾، وكقوله: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ ونحو ذلك.
وقد قالت المعتزلة وجهم بن صفوان: إنّ الجنّة التي سكنها آدم إنّما كانت بستانا من بساتين الدّنيا في جزيرة سرنديب، ولهذا يسمّى آدم السرنديبيّ، واحتجّوا بقوله تعالى: ﴿وَما هُمْ مِنْها بِمُخْرَجِينَ﴾ فمن دخلها يستحيل عليه الخروج منها، (٣٧) لأنّها دار راحة، لا يكون فيها ابتلاء ومحن. ولنا أن نقول: إنّ الله وصف الجنّة التي أخرج منها آدم بأوصاف لا تكون لبساتين الدنيا، على ما ذكرناه فيما تقدّم. وأمّا الآية، فآدم ما دخلها للثواب، ومن دخلها للثواب لا يخرج منها أبدا. ألا ترى أنّ رضوان وبقيّة الخزّان يدخلونها ويخرجون منها؟ وقولهم: دار راحة، قلنا: ودار تكليف <لإجماعنا على أنّهم مكلّفون> فيها بمعرفة الله، .
стр. 495
فصل
قوله تعالى: ﴿وَقُلْنَا اِهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ الآية
قال أهل اللّغة: الهبوط هو الحدور من علوّ إلى سفل، والهبوط بفتح الهاء: المكان الذي يهبط فيه. وهذا الخطاب لآدم وحوّاء وإبليس والحيّة، لأنّه ذكرهم بالواو، وهو الجمع؛ قاله ابن عبّاس.
فإن قيل: فقد كرّر الهبوط في أمر القصّة، بقوله: ﴿اِهْبِطُوا مِنْها جَمِيعاً﴾، فما فائدة هذا التكرار؟ فالجواب: إنّهم أهبطوا هباطين، أحدهما من الجنّة إلى السماء الدنيا والثاني من السماء الدنيا إلى الأرض. حكاه أبو صالح عن ابن عبّاس. وقال مقاتل: إنّما كرّره لتعظيم الذنب، كما يقال للإنسان إذا أذنب ذنبا عظيما: اخرج، اخرج. فكان تأكيد في الإخراج.
والمستقرّ: موضع القرار. والمتاع: البلغة. وإلى حين: أي إلى حين انقضاء آجالكم ومنتهى أعماركم.
وقال الثّعلبيّ فيما حكاه عن إبراهيم بن أدهم، أنّه كان يقول: أورثتنا تلك الأكلة حزنا طويلا.
وعن ابن عبّاس قال: لمّا أهبط آدم إلى الأرض قال: يا ربّ، كنت
следующие страницы →