Полный текст (4 323 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.
стр. 491
قلت: والعجب من حكاية الثّعلبيّ مثل هذا عن ابن المسيّب، وهو إمام، وفيه العلم والزهد والورع والتحرّز في أقواله عن مثل هذا. وقد اتّفق العلماء، ﵃، على أنّ خمر الجنّة لا يسكر ولا يذهب بالعقل.
قال الله تعالى: ﴿لا يُصَدَّعُونَ عَنْها وَلا يُنْزِفُونَ﴾ وقال: ﴿يَتَنازَعُونَ فِيها كَأْساً لا لَغْوٌ فِيها وَلا تَأْثِيمٌ﴾ وهو السكر. والمراد من الخمر هو حصول اللذّة المطربة، وذلك حاصل في الجنّة بدون السكر، فإنّه مباح لأهل الجنّة مع بقاء عقولهم، وبهذا فارق خمر الدنيا.
وإنّما اللائق بحال آدم أنّه إنّما أكل من الشجرة متأوّلا لا للكراهة دون التحريم، وذلك قبل النبوّة، لأنّه نهي عن شجرة فأكل من جنسها ظنّا منه أنّ المراد غير تلك الّتي نهي عنها، لا الّتي أكل منها، على أنّ الله تعالى قد عذره بكونه أكل ناسيا، فقال: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً﴾.
فإن قيل: فإن كان آدم تعمّد فمعصيته كبيرة، والكبائر لا تجوز على الأنبياء، وإن كان نسي فالنسيان معفوّ عنه، فكيف وقعت المؤاخذة؟ فالجواب من وجوه ذكرت، أحدها: أنّ الأنبياء قد أمروا بتجويد الحفظ، ومثل آدم لا يسامح. الثاني: لأنّه خالف، ومخالف الأمر يعاقب وإن كان ناسيا، فإنّ (٣٥) من طلّق امرأته ناسيا أو ساهيا أو هازلا وقع طلاقه.
стр. 492
فالنسيان معفو عنه في رفع الإثم دون المؤاخذة، وهذا معنى قوله، صلّى الله عليه <وسلّم>: «عفي لأمّتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه». الثالث، أنّ بعض العلماء قال: إنّه أكل متأوّل للكراهة دون التحريم.
وقال قتادة: لمّا أكلا منها بدت لهما سوآتهما وولّى آدم هاربا يستتر بورق الجنّة، فناداه الله: «يا آدم، أفرار منّي؟» قال: لا يا ربّ، بل حياء منك. فقال: «يا آدم، أخرج من جواري، فإنّ من عصاني لا يجاورني في داري». فقال: يا ربّ، هل بعد هذا العتاب رضا؟ قال: «نعم». فقال:
الحمد لله.
وقال الرّبيع بن أنس: امتنع من الخروج من الجنّة، فجاءه جبرائيل فجذب بناصيته للإخراج، فقال بالأمس تسجد لي واليوم تسحب بناصيتي؟ أرفق بي، فقال: لا أرفق بمن عصى الله.
وذكر في التوراة وقال، قال الله تعالى: أكلت من الشجرة التي نهيتك عنها. فقال: إنّ المرأة أطعمتني. وقالت المرأة: إنّ الحيّة أطعمتني، يعني أنّ إبليس كان يخاطبها على لسان الحيّة، وهو قاعد على نابها. فقال الله للحيّة: من أجل فعلك هذا أنت ملعونة، وعلى بطنك تمشين، وتأكلين التراب، وسأغري بينك وبين ولد المرأة فيطأ رأسك وتلدغين عقبه. وقال لآدم: أخرج من مشرف جنّة عدن إلى الأرض التي أخذت منها. وقال الله لحوّاء: أنت التي غررت الرجل، وعزّتي لأعاقبنّك بالحيض والنّفاس
стр. 493
والولادة ونقصان الشهادة، ولا تحملين إلا كرها ولا تضعين إلاّ كرها. ثمّ مسخ الحيّة على هذه الصورة، وسنذكر عقوبة كلّ منهم بعد ذلك.
وقال وهب: كان لباس آدم في الجنّة الظّفر يزداد كلّ يوم جدّة وحسنا، (٣٦) فلمّا أخرجه من الجنّة ألبسه الجلود والصوف. وكان آدم أمردا فعوقب بإنبات اللّحية.
وقال أحمد بن حنبل: حدّثنا عبد الرّزاق عن معمّر، ينتهي الحديث إلى أبي هريرة قال، قال رسول الله ﷺ : «ألتقى آدم وموسى، فقال له موسى: أنت آدم الذي أشقيت الناس وأخرجتهم من الجنّة؟ فقال له آدم: أنت موسى الذي اصطفاك الله برسالته وكلامه، وأنزل عليك التورية؟ قال: نعم. قال: أتلومني على أمر كان قد كتب عليّ قبل أن أفعله؟ -أو قال: قبل أن أخلق؟ -قال: فحجّ آدم موسى مرّتين»؛ أخرجه في الصّحيحين.
فإن قيل: فلم لم تعاقب حوّاء قبل آدم عند الأكل؟ فالجواب من وجوه، أحدها: أنّها لو عوقبت في حالة الأكل قبل أن يأكل آدم، لتوقّف عن الأكل، وأخطى علم الله فيه وإرادته وسرّه الخفيّ، فلمّا وافقها، ظهر علم الله فيه. والثاني: لأنّ حوّاء كانت ضعيفة، فلم تقدر على العقوبة،
стр. 494
ولم تحتملها، بخلاف آدم لأنّه كان قويّا. والثالث: أنّها عوقبت بما يليق بها من الحيض وأمثاله، وهنّ عشرة خصال كما يذكر منهنّ.
فإن قيل: فآدم وحوّاء اشتركا في المعصية، فلم لم تذكر معه في التوبة؟ فالجواب من وجهين، أحدهما: أنّ العرب إذا كان فعل الاثنين <واحدا> جاز أن يذكر أحدهما، ويكون المعنى لهما، لقوله: ﴿وَاللهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾، وكقوله: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ ونحو ذلك.
وقد قالت المعتزلة وجهم بن صفوان: إنّ الجنّة التي سكنها آدم إنّما كانت بستانا من بساتين الدّنيا في جزيرة سرنديب، ولهذا يسمّى آدم السرنديبيّ، واحتجّوا بقوله تعالى: ﴿وَما هُمْ مِنْها بِمُخْرَجِينَ﴾ فمن دخلها يستحيل عليه الخروج منها، (٣٧) لأنّها دار راحة، لا يكون فيها ابتلاء ومحن. ولنا أن نقول: إنّ الله وصف الجنّة التي أخرج منها آدم بأوصاف لا تكون لبساتين الدنيا، على ما ذكرناه فيما تقدّم. وأمّا الآية، فآدم ما دخلها للثواب، ومن دخلها للثواب لا يخرج منها أبدا. ألا ترى أنّ رضوان وبقيّة الخزّان يدخلونها ويخرجون منها؟ وقولهم: دار راحة، قلنا: ودار تكليف <لإجماعنا على أنّهم مكلّفون> فيها بمعرفة الله، .
стр. 495
فصل
قوله تعالى: ﴿وَقُلْنَا اِهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ الآية
قال أهل اللّغة: الهبوط هو الحدور من علوّ إلى سفل، والهبوط بفتح الهاء: المكان الذي يهبط فيه. وهذا الخطاب لآدم وحوّاء وإبليس والحيّة، لأنّه ذكرهم بالواو، وهو الجمع؛ قاله ابن عبّاس.
فإن قيل: فقد كرّر الهبوط في أمر القصّة، بقوله: ﴿اِهْبِطُوا مِنْها جَمِيعاً﴾، فما فائدة هذا التكرار؟ فالجواب: إنّهم أهبطوا هباطين، أحدهما من الجنّة إلى السماء الدنيا والثاني من السماء الدنيا إلى الأرض. حكاه أبو صالح عن ابن عبّاس. وقال مقاتل: إنّما كرّره لتعظيم الذنب، كما يقال للإنسان إذا أذنب ذنبا عظيما: اخرج، اخرج. فكان تأكيد في الإخراج.
والمستقرّ: موضع القرار. والمتاع: البلغة. وإلى حين: أي إلى حين انقضاء آجالكم ومنتهى أعماركم.
وقال الثّعلبيّ فيما حكاه عن إبراهيم بن أدهم، أنّه كان يقول: أورثتنا تلك الأكلة حزنا طويلا.
وعن ابن عبّاس قال: لمّا أهبط آدم إلى الأرض قال: يا ربّ، كنت
стр. 496
جارك في دارك، وليس لي رقيب ولا ربّ سواك، (٣٨) آكل منها حيث شئت رغدا، فأهبطتني إلى دار العناء والشقاء والنّصب والتّعب، فقال الله:
«يا آدم: لشؤم معصيتك»؛ وذكر كلاما طويلا.
قال: ولمّا أهبط إلى الأرض كان على رأسه إكليل من الجنّة، فيبس وتناثر في الأرض، فكلّ طيب في الدنيا، فمن ذلك الإكليل.
فصل
في ذكر المكان الذي أهبطوا إليه
قال علماء السّير: أهبط آدم على جبل بالهند يقال له: واشم، وقيل:
بوذ، وقيل: الراهون، وقيل: الحلوس، عند وادي سرنديب، واسم الوادي بهيل بين الدهنج والمندل، وهما بلدان بأرض الهند. قال مقاتل:
وهذا الجبل أقرب جبال الأرض إلى السماء.
وأهبطت حوّاء، بجدّة من أرض مكّة، والحيّة بنصيبين الجزيرة، وقيل بأصبهان، وإبليس بميسان، وقيل: بالأبلّة.
قال الجوهريّ: وميسان اسم كورة بسواد العراق. قال: والأبلّة- بالضّم: بلد مدينة إلى جانب البصرة ووزنها: فعلّة. وقد ذكرها ابن الجواليقيّ في المعرّب، قال: بلدة قديمة. وقال أبو عبيدة: هي آخر أعمال البصرة. واختلفوا في تعريبها، فقال الجوهريّ: الأبلّة: القدرة من التمر، وبها سمّيت الأبلّة، وهو الأصحّ، لكثرة التمر بها.
стр. 497
وقال ابن زيد، ﵀: أهبط إبليس بالبصرة، وكذا قال الحسن البصريّ، ﵀، قال: ولهذا هي معدن المعتزلة واليهود والقدريّة.
فإن قيل: فقد عصوا جملة في مكان واحد، فما الحكمة في كونهم أهبطوا متفرّقين؟ فالجواب: إنّهم لمّا عصوا في ذلك المكان الشريف، بدّد الله شملهم في أقطار الأرض، وهو أبلع في العقوبة من اجتماعهم في مكان واحد، ولهذا (٣٩) بقي آدم مدّة حتّى اجتمع بحوّاء بجمع؛ فلذلك سمّيت جمعا على قول بعض الناس. ثمّ ازدلفت إليه بالمزدلفة، فسمّيت أيضا بذلك. ثمّ التقيا بعرفات فتعارفا، وسمّيت بعرفات؛ ورجعا إلى الهند.
وحكى الحافظ أبو القاسم ابن عساكر، ﵀، في تاريخه: أن آدم كان يسكن ببيت من أبيات قرية بسفح قاسيون وإليه ينسب مسجدها، وأنّ حوّاء كانت تسكن ببيت لهيا، وهذا شيء لم أر أحدا وافقه عليه، لإجماعهم على أن آدم كان بالهند ويتردّد إلى مكّة ولم يدخل الشام، <والله أعلم>.
وروي عن ابن عبّاس موقوفا عليه، قال: لمّا أهبط آدم إلى الأرض
стр. 498
حزن عليه كلّ شيء في الجنّة إلاّ الذهب والفضّة، فأوحى الله إليهما: جاوركما عبد من عبادي، فحزن عليه كلّ شيء إلاّ أنتما. فقالا:
إلهنا، ما كنّا لنحزن على من عصاك. فقال الله: «وعزّتي وجلالي، لأعزّنّكما في الدنيا، فلا ينال شيئا إلاّ بكما».
وقال الجوهريّ: الدينار أصله دنّار-بالتشديد، فأبدل من أحد حرفيه بضعفه ياء، لئلا يلتبس بالمصادر التي تجيء على وزن فعّال، كقوله تعالى: ﴿وَكَذَّبُوا بِآياتِنا كِذّاباً﴾.
قال: وأمّا الدرهم ففارسيّ معرّب، وكسر الفاء فيه لغة، وبرعا قالوه بالألف: درهام. قال: وجمع الدرهم: دراهم، وجمع الدرهام: دراهيم.
فصل
فيما تجدّد لآدم بعد هبوطه من الجوار
حكى سعيد بن جبير، ﵀ ورضي عنه، عن ابن عبّاس، ﵁، قال: لما أهبط آدم إلى الدنيا لم <يكن> فيها سوى حوت ونسر، فكان النسر يطير نهارا ثمّ يأوي في الليل إلى جانب البحر، يستأنس بالحوت. فرأى النسر آدم (٤٠) فاستغربه، فلمّا أوى إلى الحوت، قال له:
стр. 499
قد نزل إلى الأرض حيوانا يمشي على قدميه ويبطش بيديه. فقال الحوت:
إن كنت صادقا، فما لي في البحر منه مهرب، ولا لك في البرّ منه مذهب.
وحكى الطبريّ، ﵀، في تاريخه، قال: جاع آدم، فاستطعم ربّه، فأتاه جبريل بسبع حبّات حنطة، فوضعها في يده، فقال: ما أصنع بها؟ فقال: أضعها في الأرض، فوضعها، فأنبتها تعالى من ساعته، ثمّ أمره فحصدها وفركها بيده، ثمّ ذرّاها وأتاه بحجرين فطحن، وأتاه جبريل بنار وخبزه ملّة، وآدم أوّل من خبز الملّة.
وروى سفيان بن عيينة بإسناده إلى ابن عبّاس، ﵁، قال:
لمّا أنزل الله تعالى آدم الأرض جاع، فقال: يا ربّ، أطعمني. فأوحى الله إليه: لا تنال دون أن تعمل عملا يعرق منه جبينك. فخبز خبز الملّة.
وقال أبو صالح عن ابن عبّاس، قال: لمّا رأى الله تعالى عري آدم وحوّاء أمره أن يذبح كبشا من الضأن، من الأزواج الثمانية، فذبحه، ثمّ أخذ صوفه، فغزلته حوّاء ونسجه آدم، فعمل منه جبّة لنفسه ودرعا وخمارا لحوّاء؛ وهو أوّل من حاك في الأرض وخاط. ثمّ أنزل الله عليه الكلبتين والمطرقة، فكان يكسر الأشجار بالمطرقة، وعمل التّنّور الذي ورثه نوح وفار الماء منه كما نذكر من خبره في قصّة نوح، ﵇، إن شاء الله تعالى.
стр. 500
وقال مجاهد: أتاه جبرائيل بالجلم فجزّ الشاة، وغزلت حوّاء صوفها، وحاكه آدم عباتين فلبساهما. ثمّ جاء جبرائيل بثورين فعمدهما، ثمّ زرع عليهما، ثمّ حصد ودرس، ثمّ ذرّى، ثمّ صفّى، ثمّ طحن وعجن، ثمّ خبز وأكل.
وقال سعيد بن جبير: (٤١) ثمّ جاءه جبرائيل بثور أحمر، فكان يحرث عليه ويمسح العرق عن جبينه ويقول لحوّاء: أنت عملت بي هذا.
قال سعيد: فليس أحد من ولد آدم يعمل على ثور إلاّ ويقول: حو، حو.
قال: فحينئذ قال آدم: هذا ما وعدني ربّي من قوله: ﴿فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقى﴾.
قال قتادة: جاءه جبرائيل بنار، فأخذها بيده فاحترقت يده، فقال: يا جبرائيل، احترقت يدي ولم تحترق يدك! فقال: لأنّ يدك خاطئة. قال:
وجبرائيل جاءه بالمقدحة وغيرها.
وروى مجاهد، قال: عن ابن عبّاس، لمّا هبط آدم إلى الأرض على جبل سرنديب فقد كلام الملائكة وتسبيح أهل السموات ونظر إلى الأرض وسعتها واستوحش، فقال: يا ربّ، املأ هذه الأرض من يسبّحك ويقدسّك. فأوحى الله تعالى إليه: قد استجبت دعاءك، وسأفعل ذلك.
ومن الحوادث <بكاؤه. حدّثنا عبد الرحمن بن أبي حامد الحربيّ
стр. 501
بإسناده> عن الحسن البصريّ، ﵀، قال: لمّا أهبط آدم من الجنّة بكا ثلاثمائة عام، لا يرفع إلى السماء رأسه حياء من الله تعالى، ولا وضع يده على حوّاء ولا ألفها ولا سكن إليها، ولم يأكلا ولم يشربا أربعين يوما.
فجاءه جبرائيل، فقال: يا آدم، ما هذا الجهد الذي بك؟ وما هذه البليّة التي أجحفت بك؟ وما هذا البكاء؟ فقال: كيف لا أبكي؟
(٤٢) فصل
فيما نزل مع آدم من الجنّة
نزل معه الحجر الأسود، وكان أشدّ بياضا من الثلج، ونزل معه الركن والمقام، وهما ياقوتتان من ياقوت الجنّة. ونزل معه عصا موسى، وكانت من آس الجنّة، طولها عشرة أذرع-هذا ما رواه ابن الجوزيّ، ﵀.
وروى المسعوديّ وغيره: أن أهبط آدم على جبل بالهند بسرنديب، وعليه الورق المخصوف من الجنّة، فتحاتّ الريح الورق فنبت منه بأرض الهند أنواع الطيب والأفاويه والثّمر الذي لا يوجد إلاّ هناك.
стр. 502
وكنّا الله تعالى آدم بأبي محمّد، وكان من صفته أنّه طويلا أجعد الشعر، أجمل ما يكون وأحسن، فلمّا أنزله الله إلى الأرض نقّص من حسنه ولونه وكان يتكلّم في الجنّة بالعربيّة، فحوّله الله تعالى إلى السّريانيّة.
ونقّص من حسن حوّاء، وكان بيدها قضيب من الجوهر، فتناثر فكان الجوهر منه. وكان مع آدم قبضة من برّ وعصي من بعض شجر الجنّة، يقال: إنّها العوسجة ويقال: إنّها من آس الجنّة، وهي التي عادت بيد موسى، ﵇.
ونزل مع آدم ثلاثين قضيبا من قضبان الجنّة، جعلها إكليلا على رأسه، هذه رواية المسعوديّ وغيره، قال: منها عشرة طاهرة القشر، وهي:
الجوز واللّوز والفستق والبندق والبلّوط والقسطل وجوز الهند والرّمّان والشّاهلوك والموز والخشخاش. ومنها عشرة لهم نوا، وهي: الخوخ والمشمش والإجّاص والرّطب والغبيراء (٤٣) والزّعرور والمقل والنّبق والقراسيا وعين البقر. ومنها عشرة لا قشر لها ولا نوا، وهي: التّفّاح والكمّثرى والسّفرجل والعنب والتّين والأترجّ والخيار والبطّيخ والنارنج واللّيمون، وقيل: أوّل ما أكل في الأرض: الكمّثرا.
стр. 503
وتاب الله ، على آدم بعد مضيّ مائة عام، وقيل: أقلّ. ثمّ أتاه جبريل، ﵇، وعلّمه الكلمات، وهي: لا إله إلاّ أنت، عملت سوءا وظلمت نفسي، فاغفر لي وأنت خير الغافرين.
وعلّمه استخراج الحديد وسبكه، وعمل العدد، والزراعة والتسبّب فيما يأكله في دوابّ البحر ودوابّ البرّ، وما يتجنّبه. وأمره بالمشي إلى مكّة، فكان موضع قدمه عمرانا، وما بينهما مفازة.
وأتا إلى جدّة، وإذا بحوّاء تبكي، فقال: هذا عملكي.
وقيل له: إيت الكعبة وطف بها. فتلقّته الملائكة في الأبطح، فقالوا له: حيّاك الله، يا آدم، لقد طفنا بهذا البيت قبلك بمائة ألف عام. وعلّمه جبريل المناسك، وأنزل عليه إحدى وعشرين صحيفة، وفرضت عليه الصلاة والزّكاة والاغتسال من الجنابة والوضوء والصوم، وزرع وحصد وعجن وخبز. وقيل له: دأبك أنت وذرّيّتك، فقال: يا ربّ، ما بلغت هذا إلاّ بشقّ النفس، فقال: هذا بخطيّتك.
وعوقبت حوّاء بعشر خصال: بوجع العذرة، وطلق المخاض، ووجع الولادة، والحيض، وحزن الموت، وقناع الرأس، والملك تحت أيدي الرجال، والوله عند المصيبة، وتكون أسفل من الرجل وقت الجماع.
وجمع بين آدم وحوّاء بجمع وتعارفا بعرفات.
стр. 504
وعوقب آدم بنقصان طوله وحسنه ولونه، وخوفه من السباع (٤٤) بعد أن كانت تخافه، وحكم عليه وعلى ذرّيّته بالموت.
وعوقبت الحيّة بقصّ جناحيها، وعدم يديها ورجليها، وأن تمشي على بطنها، وشقّ لسانها، وأعدمها نطقها، وخوّفها من الناس، وجعل غذاءها التراب.
ثمّ إنّ آدم، ﵇، غشي حوّاء فولدت له قابيل وتؤمته، ثمّ ولدت له هابيل وتؤمته <قليما>. وكانت ولادتها ذكرا وأنثى في كلّ بطن. وكان اسم تؤمة هابيل: لبودا.
وشغل قابيل بالحرث، وشغل هابيل برعي الغنم. ثمّ أمر آدم أن يزوّج قابيل من أخت هابيل، فظنّ قابيل بأخته وقال: أنا أحقّ بأختي منه، فأمرهما آدم أن يقرّبا قربانا، فأيّهما يقبل قربانه كان أحقّ بها من صاحبه، فرضيا بذلك. فقرّب هابيل أسمن كبشا كان في غنمه، وقرّب قابيل أرذل ما كان في زرعه، وكانا بمنا يوم الجمعة، فجاءت النار إلى القربان، فحملت كبش هابيل ولم تقبل قربان قابيل.
فأغضبه ذلك، وعزم على قتله، فلم يدر كيف يقتله. فعمد إبليس إلى طائر فرضخ رأسه بحجر فقتله. فأغفل قابيل هابيل حتّى نام عند غنمه وهي ترعا، فحمل حجرا فطرحه على رأسه فقتله: ﴿فَأَصْبَحَ مِنَ النّادِمِينَ﴾.
стр. 505
ثمّ أرسل الله غرابين، فقتل أحدهم الآخر، ثمّ حفر له أخدودا في الأرض حتّى دفنه، ففعل بأخيه كذلك.
وكان لمّا طال تحسّر آدم على الجنّة، أنزل الله عليه خيمة من خيم الجنّة، من ياقوتة حمراء، وضعت موضع الكعبة.
فلمّا تمّ ثلاث وثلاثين سنة من هبوطه ولد له شيث، ﵇، وهو هبة الله، وتؤمته.
وأجمعت أهل التاريخ أنّ حوّاء ولدت لآدم مائة وعشرين بطنا تؤمان.
وأمر آدم بكتب الصحيفة، وعلّم اللغات كلّها، (٤٥) والأسماء التي تقهر بها الجنّ والشياطين، وحساب الأزمنة، وسير الكواكب.
وسأل ربّه أن يريه مثال الدنيا وما يكون فيها من خير وشرّ، فمثلت له برّا وبحرا، فنظر إليها ومن يملكها ومن يسكنها من ولده، وصور الأنبياء وما يكون في العالم من خير وشرّ.
ولمّا كثر ولده وولد ولده، أرسله الله تعالى إليهم يأمرهم بما أمر الله، وينهاهم عمّا نها الله. ويقال: إنّه أرسل وهو ابن سبعمائة وسبعين سنة.
стр. 506
ولمّا أراد الله أن يتوفّاه أمره أن يسند وصيّته إلى شيث، ﵇، ويعلّمه جميع العلوم التي علّمها. ففعل ذلك. وكان وفاته، ﵇، أنّه انصرف هو وبنوه من الفلاحة موعوكا بحمّى. ومرض إحدى وعشرين يوما، والملائكة تختلف إليه.
ويقال: إنّه اشتهى قطفا من عنب الجنّة، ووجّه بعض بنيه في طلبه، فلقيه جبريل، ﵇، فعزّاه وقال: ارجع، فإنّ أباك مات.
وكان سنّة يوم مات تسع مائة سنة وخمسين سنة، بعدما وهب لداود، ﵇، من عمره خمسين سنة.
وأتاه جبريل، ﵇، بكفن من الجنّة، وعلّم شيث كيف يغسله ويحنّطه. وقيل له: هذا سنّة في موتاكم، يا آدم. وحمل إلى غار الكوكب في <جبل> أبي قبيس. وكانت وفاته، ﵇، يوم الجمعة. ومات وولده وولد ولده أربعون ألفا.
ورفعت الخيمة الياقوت التي كانت أهبطت عليه من الجنّة، وحزنت حوّاء عليه حزنا شديدا، وتوفت بعده بسنة واحدة، وصلّى عليها شيث، ﵇، ودفنت إلى جانبه ﷺ .
ذكر قابيل بن آدم وما كان من أمره بعد أن قتل أخاه هابيل
كان قابيل أوّل ولده، وهو أوّل من عصى على وجه الأرض وقتل
стр. 507
(٤٦) وكفر من الإنس. ولمّا فعل بأخيه ذلك، هرب ناحية وبنا قرية يقال لها: جمرة. وقابيل هو أوّل من عبد النار، وقيل: إنّه أشقى البريّة كلّها، وأنّ عليه نصف عذاب الخلق كلّهم. وقيل: إنّه لا يسفك دم بغير حقّ إلاّ كان شريكا لصاحبه فيه إلى يوم القيامة.
ذكر شيث بن آدم، صلوات الله عليهما،
وعدد الكتب والصحف التي أنزلت عليه
هو هبة الله بن آدم، ﵉، بعثه الله إلى ولد أبيه، وأنزل عليه تسعة وعشرين صحيفة لتتمّة خمسين صحيفة عليه وعلى أبيه آدم، هذه رواية المسعوديّ.
وأمّا القضاعيّ، فقال: أنزل على شيث خمسين صحيفة. وأمر ببناء الكعبة، وهو البيت الحرام، فبناه هو وولده بالحجارة والطين، وأمر بالحجّ إليه، وكان أوّل من اعتمر، وأمر بمجاهدة بني قابيل.
وولد له أنوش، وهو بكره ووصيّه، وولد له أبي بكيش. ومن ولد أبي بكيش: يغوث ويعوق ونسرا وودا وسواع. وكان هؤلاء النفر صالحون، فلمّا ماتوا حزن أولادهم عليهم، فتمثل لهم إبليس، وصوّر
стр. 508
صورهم في بيوتهم يذكرونهم، فلمّا هلكوا أولادهم ونشأ غيرهم من أولاد الأولاد، أخرجهم إبليس إليهم وقال لهم: هؤلاء آلهة آبائكم الذين كانوا يعبدونهم. واستهواهم إبليس فعبدوا تلك الصور والتماثيل.
ومات شيث وعمره تسع مائة سنة واثنتا عشر سنة، وكان قد أسند وصيّته إلى ولده أنوش.
ذكر أنوش بن شيث بن آدم، ﵇
وكان علّم ولده أنوش الصحف وبيّن له، فشهد الأرض وما يكون فيها، وأمره بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والحجّ والصوم ومجاهدة بني قابيل.
ففعل جميع ما أمره به. ومات وعمره ثمان مائة سنة وخمس وسبعون سنة، (٤٧) وأسند وصيّته إلى ولده قينان.
ذكر قينان بن أنوش بن شيث بن آدم، ﵇
وكان قد علّمه الصّحف وسائر الأحكام والشرائع وجميع ما كان أبوه وجدّه عليه من عمل الخير. ومات وعمره سبع مائة وخمسة وستّون سنة.
وجعل وصيّه ولده برد بن قينان.
ذكر برد بن قينان بن أنوش بن آدم، ﵇
استقرّ برد بن قينان بن أنوش بن شيث بن آدم، وصيّ أبيه قينان، بعد
стр. 509
ما علم سائر المنافع من عمل الخير وتجنّب الشرّ وجميع ما يحدث في العالم، وتمّ للعالم في وقت وصيّة برد بن قينان ألف سنة وستّمائة سنة وأربعين سنة. هذه رواية محمّد بن جرير الطّبريّ. وولد له أخنوخ وهو ابن مائة سنة، ومات وله من العمر سبع مائة وسبعين سنة، وأوصى إلى ولده أخنوخ.
ذكر أخنوخ، وهو إدريس النبيّ، صلوات الله عليه وسلم
هو إدريس، ﵇، وسمّاه الله تعالى إدريس لكثرة دراسته للصحف، وأنزل الله تعالى عليه ثلاثين صحيفة. وكان أوّل من أعطي النبوّة، وأوّل من خطّ بالقلم، وأوّل من خاط الثياب، وأوّل من أظهر علم النّجوم ودلّ على تركيب الأفلاك وقدّر سير الكواكب ونبّه على عجائب الصنع فيها، وأوّل من جاهد، وأوّل من استرقّ الرقيق من ولد قابيل. قال:
وكان ذلك كلّه في حياة آدم، ﵇. ورفع إلى السماء وله من العمر ثلاثمائة وخمس وستّون سنة. ويقال: إنّه قبضت روحه في السماء الرابعة، وصلّت عليه الملائكة، وبدنه في السماء الرابعة، تصلّي عليه الملائكة كلّما هبطت. وقيل: مات وأحياه الله تعالى وأدخله الجنّة، وهو فيها إلى الآن.
стр. 510
(٤٨) هذا ما رواه محمّد بن سلاّم القضاعيّ في تاريخه.
وأمّا رواية المسعوديّ، فقال: إنّ الله تعالى أنزل على إدريس، ﵇، ثلاثين صحيفة، فتمّت الصحف يومئذ: ثمانون صحيفة. وكان أبوه برد قد دفع إليه صحف السرّ، وقال: إن إدريس، ﵇، لم يدرك عهد آدم ولا شيث، ﵉. ولم يفتح صحف السرّ بعد شيث إلاّ إدريس، ﵉.
ووافق محمّد بن سلاّم في بقيّة ما رواه، وزاد عليه، أن قال: وإنّه جمع جميع الصحف، وتركها في هيكل، وأمر بني آدم وولدهم بدراستها.
ومن رواية الطبريّ والقضاعيّ: أنّهم كانوا يلبسون قبل إدريس ﵇، الجلود، وأنّ إدريس أوّل من خاط الثياب.
ومن رواية المسعوديّ، فقال: إنّهم كانوا يلبسون الخزّ والحرير وغيره من القمص الملوّنات والمنسوجات بالذهب والجوهر، ويلبسون التيجان المرصّعة بذلك.
وقد كانت حوّاء أمرت بالغزل والنسيج من القطن والكتّان والوبر، وكست أولادها.
стр. 511
ولمّا ولد إدريس، ﵇، سقط صنم عظيم من أصنامهم كانوا يعبدونه ويعتكفون عليه ويذبحون له الذبائح. وأتاهم إبليس في صورة شيخ قد شاب، وكان الشيب لا يعرفونه من قبل؛ وقيل: إنّ إبليس أتاهم في زيّ روحانيّ له جناحان، فأخبر محويل الملك يومئذ، أنّه قد ولد لبرد مولود، يكون عدوّا للآلهة، وسبب فسادها، وعدوّ الملك. فقال له محويل الملك: أفلا تقدر على هلاكه؟ قال: سأحرص على ذلك. فوكّل الله تعالى بإدريس، ﵇، ملائكة يحفظونه، فإذا أتاه إبليس وجنوده، منعوهم منه.
وظهر في وقته كوكب له عدّة ذوانب، أقام نيّفا وثلاثين يوما.
ولمّا كبر إدريس جعله أبوه سادن الهيكل، وعلّمه الصحف، ولم (٤٩) يزل على ذلك حتّى بلغ أربعين سنة، فأتاه وراييل الملك، فعلّمه علم الفلك والكواكب وسعودها ونحوسها وصور البروج والمنازل والدرج.
وهو أوّل من نظر في النجوم بعد آدم، ﵇، وسمّي خادم الله. وفي التوراة مكتوب: إدريس أحسن خدّام الله.
ولمّا رأى إدريس انهماك بني قابيل في المعاصي وعبادة الأصنام سأل الله أن يرفعه إليه ويطهّره من خطاياهم، فأجابه الله تعالى إلى ذلك، وأوحى إليه أنّ: لازم الهيكل أنت وشيعتك أربعين يوما-وكانوا سبعين رجلا أحبارا. فاغتسلوا ودخلوا هيكل الله المنصور، فدرسوا فيه أربعين
стр. 512
يوما. وأوصى إدريس ابنه متوشلح بأمر الله تعالى، فإنّ الله تعالى أوحى إليه: إنّي سأخرج من ظهره نبيّا أرضى فعله.
ثمّ رفع إدريس إلى السماء، إلى: ﴿مَكاناً عَلِيًّا﴾، وقيل: إنّه كان له مع ملك الموت قصّة، وقد سأله أن يذيقه طعم الموت. ثمّ سأل الله أن يريه رضوان ويدخله الجنّة، ففعل له ذلك؛ ثمّ إنّه لم يخرج منها. ورفعه الله تعالى وله من العمر ثلاثمائة وخمس وستّون سنة، والله أعلم.
ذكر متوشلح بن إدريس، ﵇
فقام متوشلح مع إخوته وبني أبيه قدّام الهيكل يعبدون الله، هو والنقابة السبعون الذين كانوا مع إدريس، ﵇.
ولمّا رفع الله تعالى إدريس كثر الاختلاف والتنازع، وأشاع إبليس عنه أنّه هلك، وأنّه كان كاهنا أراد الصعود إلى الفلك فأحرقته الأنوار. وحزن عليه ولد آدم المتمسّكون بدينه، وسرّ بفقده محويل الملك. وأظهروا أن صنمهم الأكبر أهلكه، فزادوا في عبادة الأصنام وتخليقها، وذبحوا لها الذبائح وقرّبوا القربانات وعملوا عيدا لم يبق أحد إلاّ حضر فيه. (٥٠)
стр. 513
وكانت لهم يومئذ سبعة أصنام وهم: يغوث ويعوق ونسرا وودا وسواع وسرهد وسند. وانقطع عن بني أبي متوشلح الوحي. وماتت أولئك النقابة، وكلّما مات واحد صوّروه أهله وبنوه في بيت لهم ليذكرونه ويستغفرون له.
وقد كان متوشلح أراد فساد تلك الصور فامتنعوا عليه. فلمّا حضرته الوفاة أوصى لولده لامك، وكان عمر متوشلح يوم وفاته تسعمائة سنة واثنتين وثلاثين. وانتقلت الوصيّة إلى لامك <وهو> أبو نوح، ﵇.
ذكر لامك، أبو نوح، ﵇
وقد كان لامك قد رأى في نومه أنّ نارا تخرج من إحليله حتّى أحرقت العالم. ورأى في وقت آخر كأنّه على شجرة في وسط بحر لا قرار له. ولمّا ولد نوح، ﵇، كان ثمّ في زمانه علوج الكاهن، فأتا إلى الملك محويل وعرّفه أنّ العالم يهلك في زمانه وأنّه يكون طويل العمر، وقد كانوا رأوا أن طوفان يكون حتّى يغرق الأرض ومن عليها. فأمر
стр. 514
محويل الملك أن تبنا المعاقل على رؤوس الجبال والبنيان العالي ليتحصّنوا فيها. فعملوا سبعة معاقل، بعدد الأصنام التي لهم وعلى أسمائهم. وزبروا فيها علومهم وادّخروا أموالهم، وذلك شيء عمله الملك لنفسه خاصّة. وكبر نوح، ﵇، ونبّأه الله .
ذكر نوح، ﵇، وقصّته مع قومه
ولمّا صار لنوح، ﵇، من العمر خمسين سنة، أرسله الله تعالى إلى قومه. وكان نوح، ﵇، دقيق البشرة، في رأسه طول، عظيم الساعدان والساقان، كثير لحم الفخذين، طويل اللحية عريضها، جسيما. (٥١) فكان أوّل نبيّ بعد إدريس، ﵉؛ وهو من أولي العزم من الرسل. وفي بعض الأخبار أنّه عمّر ألف ومائتان سنة وخمسون سنة.
وكانت شريعته التوحيد والصلاة والصيام والحجّ والجهاد والأمر بالحلال والنّهي عن الحرام، ولم يفرض عليه أحكام ولا حدود ولا مواريث. وأمر أن يدعوا الناس إلى الله تعالى ويحذّرهم من عذابه ويذكّرهم آلاءه.
وعلى رأس مائتي سنة من عمره هلك محويل الملك. وملك
стр. 515
الدرمشيل بن محويل، فشدّد الدرمشيل عبادة الأصنام وأعلا أمرها وجمع الناس إليها وأخذهم بالتعبّد لها. فأظهر نوحا، ﵇، دين الله تعالى، وكان يدور بحاله وأسواقه يدعوا الناس إلى عبادة الله تعالى وترك الأصنام. وكانوا يطوون ذلك عن ملكهم ويزجرون نوحا ويهزلون به، وهو مع ذلك يدعوهم إلى الله ، إلى أن انجلت قضيّته وظهر أمره وشاع وعلن وفشا ذكره في الناس، تخاطبوا في أمره إلى أن وصل ذلك بملكهم، فأحضره وانتهره وقال: لا تعاود ذكر ذلك.
وقيل: إنّ الذي فعل ذلك هو محويل الملك قبل وفاته، وأنّه سجن نوحا. فلمّا ملك الدرمشيل أخرجه من السجن وتقدّم إليه أنّه لا يعاود في ذلك.
وكان لأصنامهم في كلّ سنة عيد عظيم، لكلّ صنم منهم يوم من السنة. فاجتمع الناس على عيد من أعيادهم، فأتاهم نوحا، ﵇، وقام في وسطهم، وكان ذلك عيد صنمهم الأكبر يغوث، وقال: قولوا:
لا إله إلاّ الله. فوضعوا أصابعهم في آذانهم وأدخلوا رؤوسهم في ثيابهم، وسقطت الأصنام عند نداء نوح، ﵇، (٥٢) عن كراسيّها، فوثبوا إليه ثمّ ضربوه وشجّوه حتّى سقط على وجهه وجعلوا يسحبونه إلى قصر الملك. فأدخلوه إليه، وكان في مجلس مصفّح بالذهب، ملوّن بجميع الألوان. فلمّا مثل بين يديه قال: إلى كم أحسن إليك وأنت تأبى إلاّ
стр. 516
المخالفة ولما كانوا عليه بنو أبيك وأجدادك، ولا يقنعك ذلك حتّى تنادي في الناس في يوم عيدهم وتدعوهم إلى ما لا يعرفون، وزاد أمرك حتّى سحرت الآلهة وألقيتها عن كراسيّها ومواضع شرفها. من علّمك ذلك؟ ومن أين وصل إليك هذا؟ فقال نوح، ﵇، وهو مخضّب بدمائه:
لو كانت آلهتكم آلهة لما سقطت. فاتّق الله يا درمشيل ولا تشرك به، فإنّه يراك. قال: وكيف قدرت أن تخاطبني بهذا الخطاب؟ وأمر بحبسه إلى أن يحضر عيد لصنم لهم فيذبحونه تقريبا. وأمر أن تردّ الأصنام إلى كراسيّها.
ثمّ إنّ الدرمشيل رأى رؤيا هالته في أمر نوح. فأطلقه من السجن وأعلمهم أنّه مجنون. وكان في زمانه سوريب الكاهن، فعرّفهم أمر الطوفان، وكان يأمرهم بقتل نوح، والله يمنعهم منه.
وولد نوح-بعد خمسمائة سنة من عمره-ولده سام وبعده حام وبعده يافث، وأمهم بنت أنوشي بن أخنوخ. ثمّ طال أمر نوح، ﵇، معهم ولم يجبه إلاّ نفر يسير من العامة. ثمّ إنّهم قالوا له: أنؤمن بك وقد اتّبعك الأرذلون؟ وقيل: إنّ الذين آمنوا بنوح، ﵇، كانوا من أهل صنعته، وكان نجّارا. ومضت له ثلاث قرون وهو يدعوهم إلى الله تعالى فلا يزدادون إلاّ تجبّرا واستكبارا، وقتلوا نفرا ممّن كانوا معه. فأوحى الله
стр. 517
عزّ وجلّ إليه: ﴿أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلاّ مَنْ قَدْ آمَنَ﴾ فحينئذ يأس منهم. (٥٣) فدعا عليهم وقال: ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيّاراً﴾.
فأمر بعمل السفينة. وقطع الله تعالى عنهم النّسل، فما عاد يلد لهم ولا لمواشيهم. وأكثر فيهم القحط وقلّل العمارة وقطع المطر وعادون يستسقون بأصنامهم فلا تنفعهم. وأخذ نوح في عمل السفينة، وكانت من خشب الساج، أقام يقطع خشبها ويكسره ويصلحه ألواحا في مدّة ثلاث سنين. وطبع المسامير وأصلح جميع ما احتاج إليه. ونصبها في رجب، وجعل طولها ثلاثمائة ذراع وعرضها خمسون ذراعا، وتلك الأذرع سوداء.
وجعل عمقها سبعون ذراعا.
ويقال: إنّه لم يدر كيف يعملها، فأتاه جبريل، ﵇، فعلّمه كيف يصنعها. فصاروا يمرّون به وهو يصنع الفلك، فيضحكون منه ويسخرون به ويرمونها بالحجارة. وجعل بابها في جنبها. فأقامت بعد عملها على البرّ سبعة أشهر، إلى أن أخذوا المئة نفر ممن كانوا آمنوا بنوح، فذبحوا للأصنام لترفع عنهم القحط وما هم فيه من البلاء، فحقّ عليهم العذاب.
فأمر نوح عند ذلك أن يحمل معه في السفينة ﴿مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ﴾
стр. 518
﴿اِثْنَيْنِ﴾ من سائر المخلوقات، ففعل ذلك. وكانت الطبقة السفلى للدوابّ والأنعام والوحوش، والثانية للطعام والشراب. وحصل معه جسد آدم وكان في تابوت من خشب. وكانت الطبقة الثالثة له ولبنيه وكنائنه ولمن آمن معه، وكانوا ثمانون نفسا. وحملت الملائكة إلى السفينة تابوت آدم، ﵇، من تهامة.
وكان في السفينة معهم فليمون الكاهن-كاهن مصر-لأنّه كان حضر رسولا من قبل ملك مصر إلى الدرمشيل يأمره أن يمنع نوحا من التعرّض إلى الأصنام، فآمن بنوح وركب (٥٤) معه في السفينة وبعض الذين آمنوا به من ولد أبيه وجدّه إدريس.
ولمّا اتّصل الخبر بدرمشيل الملك أن نوحا ركب السفنية ومن معه وحمل زاده، ركب الملك في جميع خاصّته وأرباب دولته، وأتاه فناداه، فاستجاب له، فقال: وأين الماء الذي يحمل سفينتك هذا؟ قال: هو يأتيك في موقفك الذي أنت به؛ وكان الملك قد عزم على إحراق السفينة وسائر من بها. فقال الملك: وهذا أعجب: إنّك تقول: إنّ الماء يكون في أرض يبس فيكون غمرا حتّى يحمل هذه السفينة العظيمة! إنزل منها، ويحك أنت ومن معك، وإلاّ أحرقكم بالنار أجمعين. فقال له نوح: ويلك، ما أشدّ إغرارك بالله . عجّل بالإيمان واخلع الأنداد تسلم وترشد، وإلاّ فالعذاب واقع بك وبمن معك.
فبينما هما في المحاورة، إذ أتاه من أخبره أن امرأة كانت تخبز في
стр. 519
تنّور، فنبع الماء منه. فقال: وما عسى أن يكون من ماء فار من تنّور؟ فقال له نوح: ويلك، إنّها علامة السخط، كذلك أوحى الله ، إليّ، ربّي سبحانه. وآية ذلك أنّ الأرض تتحلحل ويأتي الماء، فحرّك فرسك ينبع الماء من تحت قوائمه. فحرّك فرسه فنبع الماء من تحت قوائمه، فعدل إلى موضع آخر، فكان كذلك. وأتاه رسوله فأخبره أنّ الماء قد كثر وتزايد، فرجع إلى داره ليأخذ أهله وولده ويمضي بهم إلى تلك المعاقل التي بنيت برسمه، وكان قد أعتد بها من الزاد والشراب ما يكفيه عدّة سنين. فأخذ أهله وأتا إلىّ نحو الجبل، فكانت الحجارة تنحطّ عليهم، على رؤوسهم، وفتحت أبواب السماء عليهم، فخرجوا لا يدرون أين يتوجّهون. وقيل: إنّه كان ماء حارّا منتنا. وقد كان بعض ولده لم يامن به، وهو الذي أخبر الله تعالى عنه. وقيل: بل كان ولد (٥٥) الكاهن أفليمون. وأنّ المخاطب له كان نوحا دون أبوه. وكان فوران التنّور بالكوفة. وغرّق الله الكافرين أجمعين، ولم تغن عنهم معاقلهم شيئا.
وقيل: إنّ السفينة أقامت في الماء خمسين ومائة يوما. وقال قوم من أهل الأثر: أحد عشر شهرا. وقال آخرون: كان الطوفان في رجب.
ووقفت ﴿عَلَى الْجُودِيِّ﴾ يوم عاشوراء، فجمع نوح جميع ما كان تبقّى معه من أصناف الحبوب، وطبخ قدرا، فمن ثمّ كانت سنّة الحبوب في يوم عاشوراء.
стр. 520
وفي التوراة أنّ الله تعالى آلا على نفسه أن لا يعذّب أمّة بعدها بالطوفان. وكان بين هبوط آدم، ﵇، والطوفان ألفا سنة ومائتي سنة وستّة وخمسون سنة. ثمّ أرسل الله تعالى ريحا طيبا فنشّف بها الأرض.
ولمّا ﴿اِسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾ أمر نوحا أن يفتح باب السفينة. ثمّ أرسل الغراب لينظر فلم يعد إليه. فدعا عليه أن يكون مباعدا ورزقه الجيف. ثمّ أرسل الحمامة فرجعت إليه وقد انصبغت رجلاها بالطّين. فدعا لها أن تكون إلفا لبني آدم. وعادت رجلاها منذ ذلك اليوم مصبوغتان. ثمّ أبعدها بعد ذلك اليوم سبعة أيام، فعادت إليه وفي منقارها ورق الزّيتون أخضرا، وقيل: بل كان من عشب الأرض. وفي التوراة أنّ الأرض جفّت في سبعة وعشرين يوما من الشهر الحادي عشر.
ونزل نوحا وبنوه سام وحام ويافث ومحظبون، وهو الذي ولد له في السفينة. ولمّا استقروا على الأرض بنوا قرية وسمّوها: سوق ثمانين، فسكنوها. وقال الله ، لهم: اسكنوا واكثروا واعمروا واملوا الأرض ﴿وَكُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللهُ حَلالاً طَيِّباً﴾ فقد باركت فيكم (٥٦)
стр. 521
﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ﴾ و ﴿الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ﴾ وما ذبح لغيري ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاّ بِالْحَقِّ﴾.
ثمّ وجّه نوح التابوت الذي لآدم، ﵇، إلى مكانه بغار أبي قبيس. ثمّ قسّم الأرض بين بنيه. فقال لحام ويافث، إنّه أعطى لولده سام خير الأرض وأعلاه عليّا، فتعادوا منذ ذاك، وتحاربوا، وقتل بعضهم بعضا.
ذكر أولاد نوح، ﵇، وهم سام وحام ويافث
وما ولد كلّ إنسان منهم من الأمم
ونبتدئ بذكر حام وبعده يافث وبعده سام، ليكون متّصلا بالعرب والأنبياء، صلوات الله عليهم أجمعين.
فأمّا حام، فيقول أهل الأثر: إنّ نوحا، ﵇، دعا عليه بتشويه الولد وسواده، وأن يكونوا عبيدا لولد سام.
ففرقة من أهل العلم يدّعون أنّ سبب الدعوة كشف سوءة نوح، ﵇ فغطّاها وسترها سام، وضحك وسخر منها حام. قلت: وهذا كلام ضعيف جدّا.
وأمّا المستحسن في هذه الحالة، ما رواه عبد الملك بن هشام في كتاب التّيجان، المختصّ بملوك التبابعة من حمير بن كهلان، وذلك أن السفينة، لمّا كان أوان الحجّ، قذفتها الرياح إلى أرض تهامة. وأوحى الله إلى نوح: إنّكم بالحجّ، فاعتزلوا النساء. فجعل النساء بمعزل والرجال
стр. 522
بمعزل، وجعل بينهم حاجزا من تراب. فلمّا كان الليل تخطّا حام ذلك التراب ووقع على أهله. فلمّا كان الغد رأى نوح الأثر، فقال: سوّد الله نطفة من فعله، ولم يعلم أنّه ولده، فأدركته الدعوة، فولدت زوجة حام غلاما أسودا فسمّي كوشا. فهو أوّل أسود كان بالدنيا. وربّما أنّ هذا الكلام يقع في النفس، (٥٧) بخلاف غيره، والله أعلم.
ثمّ إنّ حام أراد قتل زوجته، لمّا رآه أسودا، فمنعه سام ويافث، وذكّراه بدعوة أبيه، فكفّ عن ذلك.
وقال آخرون: إنّ أوّل مولود ولد لحام هو كنعان. وقيل: إنّ بنوا نوح تحاملوا على بعضهم البعض بسبب قسمة الأرض، وتفرّقوا، ووقعت العداوة بينهم من ذلك العهد.
وكان آخر أمر حام أنّه هرب إلى ناحية مصر، وتفرّق بنوه، ومضى على وجهه يؤمّ المغرب حتّى انتهى إلى الغرب الأقصى، إلى موضع يعرف اليوم أصيلا، وهو آخر مرسى المراكب من بحر الأندلس إلى ناحية القبلة، وليس بعده للمراكب مذهب.
ويقال: إنّ بنوه اغتمّوا لمفارقته، وندموا على تركه، فخرجوا في أثره يطلبونه في النواحي التي أمّها.
ويقال: إنّ طائفة منهم وقعوا عليه وصاروا عنده إلى أن مات، وقطنوا بعده تلك الديار، وتناسلوا فيها، وهم أصناف السودان. وكلّ طائفة من
стр. 523
ولده بلغت موضعا، وانقطع خبره عنهم. وكانوا بنو قفط قد خرجوا وأقاموا بمكان البربر وتناسلوا هنالك.
وقيل: إنّ حام عاش أربع مائة سنة وإحدى وأربعين سنة. وقال آخرون: إنّ حام عاش سبع مائة سنة وإحدى وسبعين سنة. ولمّا مات دفنوه في شجرة منقورة في لجف جبل أصيلا، والله أعلم.
ذكر كنعان بن حام وأولاده وشعوبه والفراعنة منهم
قيل: إنّ كنعان بن حام أوّل من غيّر ذكر نوح، ﵇، وهو في رواية كثير من العلماء، أنّه الأكبر من ولد حام، وأنّه عمل بعمل ولد قابيل. وهو أوّل من اغترّه إبليس بعد الطوفان، وألقى العداوة بين (٥٨) ولد جدّه، ومنه كان الجبابرة الكنعانيّون، الذين كانوا بالشام. ويقال: إنّ فراعنة مصر منهم، وجالوت الذي قتله داود، ﵇، أيضا منهم.
وهؤلاء غير العمالقة الذين من ولد سام، وسنذكر أخبارهم عند ذكر ولد سام، إن شاء الله تعالى. من هؤلاء الكنعانيّين الذين قاتلهم موسى، ﵇، ويوشع بن نون من بعده، وهم الذين عيّنهم الله، ، في قوله ﴿قَوْماً جَبّارِينَ﴾، وكانوا عظام الخلق فيما يقال. ومنهم فلسطين وصيدا وبيروت، وبهم سمّيت تلك الأرض. ومن ولده نبيط، وبه سمّي نبيط السودان، وقيل: إنّهم سمّوا بذاك كونهم استنبطوا الأرض وعصروها، وكانوا أصحاب عمارة وتدبير.
стр. 524
ثمّ ولد حام من كنعان أمما، منهم: الأسبان والزنج وعدّة أجناس تناسلوا بالمغرب نحو من سبعين جنسا. وهم مختلفون في أفعالهم، ولهم ملوك. فمنهم أجناس يلبسون الجلود، ومنهم من يتّزر بالحشيش، ومنهم من يعمل لأنفسهم قرونا من عظام الدوابّ، وعندهم فأر يأكلونه ويسمّونه:
ابن السماء. ويتزوّج الواحد منهم العشرين من النساء، فيبيت كلّ ليلة مع اثنتين منهم، فإن جامعهنّ وإلاّ طلّقهنّ منه الملك.
وربّما أجدبوا، فإذا أرادوا أن يستسقوا، جمعوا العظام فكوّنوها تلاّ عظيما وضرموها بالنار، ورفعوا أيديهم إلى السماء، ويتكلّموا بكلام لا يدر معناه، فيسقوا. ولهم أحوال كثيرة أضربنا عنها للاختصار، والله أعلم.
ذكر ملوك مصر من ولد حام ،
رواية المسعوديّ أمّا ملوك مصر من ولد حام، فإنّهم أربعة من رواية. . . وهم قفط بن مصر بن بيصر بن حام، وأشمن بن مصر بن بيصر بن حام، وصا بن مصر بن بيصر بن حام، وأترب بن مصر بن بيصر بن حام، وسنورد عند ذكر
стр. 525
(٥٩) مصر وأخبارها رواية غير رواية المسعوديّ في أنساب ملوك مصر من وجه آخر، إن شاء الله تعالى.
قال المسعوديّ: فقسمت مصر بين هؤلاء الأربعة. فكان حيّز قفط من مصر إلى حدّ بلد النوبة، وحيّز أشمن من مصر الربع الثاني إلى دهشور، وحيّز صا من مصر الربع الثالث من مصر إلى البحيرة والإسكندريّة، وحيّز أترب من مصر الربع الرابع من مصر إلى الشجرتين، إلى أيلة من الحجاز. وبنى كلّ واحد من هؤلاء مدينة وسمّاها باسمه.
وجعلوا أسفل الأرض خمسا وثمانين كورة مقسومة على أربعة أعمال. وفي كلّ كورة كاهن يجلس على منبر من ذهب، مرتبته فيه. وكانت الإسكندريّة، واسمها وقوده، جعل لها خمسة عشر كورة، وجعلوا فيها كبار الكهنة، ونصبوا فيها هياكل معظّمة عندهم، بخلاف غيرها. فكان بها مائة صنم من ذهب. وجعلوا الصعيد ثمانون كورة على أربعة أقسام. وكانت مدن مصر نيّفا وثلاثين مدينة، فيها جميع العجائب والكور، مثل: قوص وأسوان وإخميم وقفط وأسيوط ومنفلوط وأسمونين وأنصنا وبهنسا، وما أشبه ذلك. وكلّ كورة من هؤلاء سمّيت باسم الكاهن الذي كان بها من قبل تلك الملوك الأربعة أولاد مصر، والله أعلم.
ذكر أولاد يافث بن نوح، ﵇،
وقبائلهم وشعوبهم وأخبارهم
وأمّا يافث بن نوح فإنّه أمّ شرق الأرض، وولد له الولد العظيمة، وسكن منهم أرمينية وما جاوز جبالها إلى خلف الأبواب. ونقل أصحاب
стр. 526
التاريخ: أنّ أولاد يافث سبعة وثلاثون بطنا، لكلّ واحد منهم لغة يتكلم بها هو ونسله. منهم: الانسار والروس وبرجان والحرز (٦٠) والترك والصقالبة ويأجوج ومأجوج وفارس ويونان وأصحاب جزائر البحر والصين والثغور وأمم لا تحصى.
ذكر يأجوج ومأجوج . . .
يأجوج ومأجوج: فقد زعموا أنّ العامر من الأرض مائة وعشرين سنة. فقالوا: إنّ سبعون سنة منها ليأجوج ومأجوج، واثنا عشرة للسودان وثمانية للروم، والبقيّة لسائر الأمم، منها للعرب ثلاثة. ويأجوج ومأجوج أربعين أمّة مختلفة الألوان والقدود، ومنهم المشوهين الخلق.
ذكر السدّ الذي سدّه ذو القرنين على يأجوج ومأجوج
قال الشيخ جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن عليّ بن محمّد بن عليّ بن الجوزيّ في تاريخه المعروف بمرآة الزمان: روى أبو الحسين ابن
стр. 527
المناديّ بإسناده: لمّا عزم ذو القرنين الأكبر على المسير إلى مطلع الشمس، أخذ طريق كابل والهند وبلاد تبت، فتلقّته الملوك بالتّحف والأموال والهدايا، فانتهى إلى الحصون المعطّلة، وقد بقيت فيها بقايا.
فسألوه أن يسدّ الرّدم. فنزل ومعه الصّنّاع، واتّخذ قدورا من حديد، كبار كالخوابي. وأمر أن يجعل كلّ أربعة من تلك القدور على ديدكان، طول كلّ واحد خمسون ذراعا. وأمر الصنّاع أن يضربوا لبن الحديد، فضربوها، طول كلّ لبنة ذراع ونصف، وسمكها شبرا بالكبير. وبنوا السّدّ وجعلوا من وسطه بابا عظيما، عليه مصراعين، كلّ مصراع خمسون ذراعا، وعليه قفل نحو عشرة أذرع. فلمّا فرغ من بناء السدّ، أضرم عليه النار، فصار معجونا كأنّه حجر واحد.
قال أبو الحسين ابن المنادي: حدّثني أبي، قال: سمعت ابن خرداذبه، قال: سمعت سلاّم التّرجمان يحدّث، وأنا أسمع: أنّ الواثق بالله، أمير المؤمنين، (٦١) لمّا رأى في المنام أنّ السدّ الذي سدّ على يأجوج ومأجوج قد انفتح، أمر في أن أتوجّه إليه وآتيه بخبره عيانا،
стр. 528
وضمّ إليّ خمسين رجلا من أرباب البيوت، كبار في قومهم. ووصلني بخمسة آلاف دينار، وأعطاني بعدها دية نفسي: عشرة آلاف درهم، وأمر أن يعطى كلّ رجل توجّه معي عطاءة عن سنتين معجّلة، وأنعم على كلّ واحد بعد ذلك بمائة دينار، وجهّزني في مائتي بغل تحمل زادنا وماءنا.
فشخصنا من سرّ من رأى وعلى أيدينا كتاب من الواثق إلى إسحاق ابن إسماعيل، وهو يومئذ صاحب أرمينية. فكتب لنا إسحاق إلى صاحب السرير، وكتب لنا صاحب <مملكة> السّرير إلى ملك اللاّن، وكتب لنا ملك اللان إلى قيلانشاه، وكتب لنا قيلانشاه إلى ملك الخزر. فأقمنا عند ملك الخزر أيّاما لأجل الراحة، ثمّ وجّه معنا خمسين رجلا أدلاّء، فسرنا من عنده خمسة وعشرون ليلة، ثمّ انتهينا إلى أرض سوداء منتنة الريح. وقد كنّا تزوّدنا معنا قبل دخولنا إليها طيبا نشمّه لمنع تلك الرائحة الكرهة. فسرنا فيها عشرة أيّام، ثمّ صرنا إلى مدن خراب، فسرنا فيها تسعة وعشرون أيام.
فسألنا عن تلك المدن فخبّرونا أنّها المدن التي كان يأجوج ومأجوج يطرقونها حتّى أخربوها. ثمّ صرنا إلى حصون خربة وبعضها عامرة بالقرب من الجبل الذي فيه السدّ، وفي تلك الحصون قوم يتكلّمون بالعربيّة
стр. 529
والفارسيّة، مسلمون يقرؤون القرآن، لهم كتاتيب ومساجد. فسألوا: من أين أقبلتم؟ فأخبرناهم أنّا رسل أمير المؤمنين. فأقبلوا يتعجّبون لذلك ويقولون: أمير المؤمنين؟! قلنا: نعم. فقالوا: وكم يكون له من العمر الطويل كذا من عام؟ فقلنا: بل ممات حسن. فتعجّبوا لذلك (٦٢) وقالوا:
أين يكون مقامه؟ قلنا: بالعراق، في مدينة يقال لها: سرّ من رأى. فقالوا:
ما سمعنا بهذا قطّ.
ثمّ أكرمونا وعادوا يتبرّكون بنا. ووجّهوا معنا من جهتهم من وصّلنا إلى ذلك الجبل، فإذا هو جبل أملس، ليس به خضرا، شاهق إلى العنان، ليس عليه طريق، ولا إليه تسليق، مقطوع بواد عرضه مائة وخمسون ذراعا. وإذا عضّادتان مبنيّتان ممّا يلي شعب في ذلك الجبل، من جنبي ذلك الوادي، عرض كلّ عضّادة خمسة وعشرون ذراعا، الظاهر من تحتها عشرة أذرع خارج الباب، وعليه بناء بلبن من حديد مغيّب في نحاس، في سمك خمسين ذراعا. وإذا دروند من حديد، طرفاه على العضّادتين، طوله مائة وعشرون ذراعا، قد ركّب على العضّادتين، على كلّ واحدة بمقدار عشرة أذرع في عرض خمسة أذرع، وفوق الدّروند بناء بذلك البن الحديد المغيّب في النحاس إلى رأس الجبل، في ارتفاعه مدّ البصر، وفوق ذلك شرف حديد، في كلّ شرفة قرنان، تنثني كلّ واحدة منهما على الأخرى، وإذا باب من حديد بمصراعين مغلقان، عرض كلّ مصراع خمسون ذراعا في ارتفاع مائة ذراع في سماكة عشرة أذرع وقيامتاهما في دوّارة قدر
стр. 530
الدروند، وعلى الباب قفل طوله عشرة أذرع في سمك ذراعين ونصف في الاستدارة وارتفاع القفل من الأرض خمسون ذراعا. وفوق القفل بمقدار خمسة أذرع غلق طوله أكثر من طول القفل، وقفيز كلّ واحد منها ثلاثة أذرع، وعلى الغلق مفتاح معلّق طوله ذراعين ونصف، وله اثنا عشر سنّة، كلّ سنّة كالهاون، معلّق في سلسلة طولها ثمان أذرع في استدارة أربعة أشبار. (٦٣) والحلقة التي فيها السلسلة مثل حلقة المنجنيق العظيم، وعتبة الباب علوّ عشرة أذرع في بسط مائة ذراع، سوى ما تحت العضّادتين، الظاهر منها خمسة أذرع. وهذا الذرع كلّها بالذراع السوداء.
ورئيس تلك الحصون يركب في كلّ جمعة في عشرة فوارس، مع كلّ فارس مرزبّة حديد، وزن كلّ واحدة خمسون ومائة منّا. فيضرب القفل تلك المرزبّات في كلّ جمعة عدّة ضربات، ليسمع من وراء ذلك الباب الصوت وحسّ الضرب فيعلمون أنّ هنالك حفظة، ويعلموا أنّ هولائك لم يحدثوا في الباب حدثا؛ فهذا دأب سكان تلك الحصون.
следующие страницы →