← История

История · id 18147

كنز الدرر وجامع الغرر

ابن الدواداري

Полный текст (4 323 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

التاريخ: أنّ أولاد يافث سبعة وثلاثون بطنا، لكلّ واحد منهم لغة يتكلم بها هو ونسله. منهم: الانسار والروس وبرجان والحرز (٦٠) والترك والصقالبة ويأجوج ومأجوج وفارس ويونان وأصحاب جزائر البحر والصين والثغور وأمم لا تحصى. ذكر يأجوج ومأجوج . . . يأجوج ومأجوج: فقد زعموا أنّ العامر من الأرض مائة وعشرين سنة. فقالوا: إنّ سبعون سنة منها ليأجوج ومأجوج، واثنا عشرة للسودان وثمانية للروم، والبقيّة لسائر الأمم، منها للعرب ثلاثة. ويأجوج ومأجوج أربعين أمّة مختلفة الألوان والقدود، ومنهم المشوهين الخلق. ذكر السدّ الذي سدّه ذو القرنين على يأجوج ومأجوج قال الشيخ جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن عليّ بن محمّد بن عليّ بن الجوزيّ في تاريخه المعروف بمرآة الزمان: روى أبو الحسين ابن

стр. 527

المناديّ بإسناده: لمّا عزم ذو القرنين الأكبر على المسير إلى مطلع الشمس، أخذ طريق كابل والهند وبلاد تبت، فتلقّته الملوك بالتّحف والأموال والهدايا، فانتهى إلى الحصون المعطّلة، وقد بقيت فيها بقايا. فسألوه أن يسدّ الرّدم. فنزل ومعه الصّنّاع، واتّخذ قدورا من حديد، كبار كالخوابي. وأمر أن يجعل كلّ أربعة من تلك القدور على ديدكان، طول كلّ واحد خمسون ذراعا. وأمر الصنّاع أن يضربوا لبن الحديد، فضربوها، طول كلّ لبنة ذراع ونصف، وسمكها شبرا بالكبير. وبنوا السّدّ وجعلوا من وسطه بابا عظيما، عليه مصراعين، كلّ مصراع خمسون ذراعا، وعليه قفل نحو عشرة أذرع. فلمّا فرغ من بناء السدّ، أضرم عليه النار، فصار معجونا كأنّه حجر واحد. قال أبو الحسين ابن المنادي: حدّثني أبي، قال: سمعت ابن خرداذبه، قال: سمعت سلاّم التّرجمان يحدّث، وأنا أسمع: أنّ الواثق بالله، أمير المؤمنين، (٦١) لمّا رأى في المنام أنّ السدّ الذي سدّ على يأجوج ومأجوج قد انفتح، أمر في أن أتوجّه إليه وآتيه بخبره عيانا،

стр. 528

وضمّ إليّ خمسين رجلا من أرباب البيوت، كبار في قومهم. ووصلني بخمسة آلاف دينار، وأعطاني بعدها دية نفسي: عشرة آلاف درهم، وأمر أن يعطى كلّ رجل توجّه معي عطاءة عن سنتين معجّلة، وأنعم على كلّ واحد بعد ذلك بمائة دينار، وجهّزني في مائتي بغل تحمل زادنا وماءنا. فشخصنا من سرّ من رأى وعلى أيدينا كتاب من الواثق إلى إسحاق ابن إسماعيل، وهو يومئذ صاحب أرمينية. فكتب لنا إسحاق إلى صاحب السرير، وكتب لنا صاحب <مملكة> السّرير إلى ملك اللاّن، وكتب لنا ملك اللان إلى قيلانشاه، وكتب لنا قيلانشاه إلى ملك الخزر. فأقمنا عند ملك الخزر أيّاما لأجل الراحة، ثمّ وجّه معنا خمسين رجلا أدلاّء، فسرنا من عنده خمسة وعشرون ليلة، ثمّ انتهينا إلى أرض سوداء منتنة الريح. وقد كنّا تزوّدنا معنا قبل دخولنا إليها طيبا نشمّه لمنع تلك الرائحة الكرهة. فسرنا فيها عشرة أيّام، ثمّ صرنا إلى مدن خراب، فسرنا فيها تسعة وعشرون أيام. فسألنا عن تلك المدن فخبّرونا أنّها المدن التي كان يأجوج ومأجوج يطرقونها حتّى أخربوها. ثمّ صرنا إلى حصون خربة وبعضها عامرة بالقرب من الجبل الذي فيه السدّ، وفي تلك الحصون قوم يتكلّمون بالعربيّة

стр. 529

والفارسيّة، مسلمون يقرؤون القرآن، لهم كتاتيب ومساجد. فسألوا: من أين أقبلتم؟ فأخبرناهم أنّا رسل أمير المؤمنين. فأقبلوا يتعجّبون لذلك ويقولون: أمير المؤمنين؟! قلنا: نعم. فقالوا: وكم يكون له من العمر الطويل كذا من عام؟ فقلنا: بل ممات حسن. فتعجّبوا لذلك (٦٢) وقالوا: أين يكون مقامه؟ قلنا: بالعراق، في مدينة يقال لها: سرّ من رأى. فقالوا: ما سمعنا بهذا قطّ. ثمّ أكرمونا وعادوا يتبرّكون بنا. ووجّهوا معنا من جهتهم من وصّلنا إلى ذلك الجبل، فإذا هو جبل أملس، ليس به خضرا، شاهق إلى العنان، ليس عليه طريق، ولا إليه تسليق، مقطوع بواد عرضه مائة وخمسون ذراعا. وإذا عضّادتان مبنيّتان ممّا يلي شعب في ذلك الجبل، من جنبي ذلك الوادي، عرض كلّ عضّادة خمسة وعشرون ذراعا، الظاهر من تحتها عشرة أذرع خارج الباب، وعليه بناء بلبن من حديد مغيّب في نحاس، في سمك خمسين ذراعا. وإذا دروند من حديد، طرفاه على العضّادتين، طوله مائة وعشرون ذراعا، قد ركّب على العضّادتين، على كلّ واحدة بمقدار عشرة أذرع في عرض خمسة أذرع، وفوق الدّروند بناء بذلك البن الحديد المغيّب في النحاس إلى رأس الجبل، في ارتفاعه مدّ البصر، وفوق ذلك شرف حديد، في كلّ شرفة قرنان، تنثني كلّ واحدة منهما على الأخرى، وإذا باب من حديد بمصراعين مغلقان، عرض كلّ مصراع خمسون ذراعا في ارتفاع مائة ذراع في سماكة عشرة أذرع وقيامتاهما في دوّارة قدر

стр. 530

الدروند، وعلى الباب قفل طوله عشرة أذرع في سمك ذراعين ونصف في الاستدارة وارتفاع القفل من الأرض خمسون ذراعا. وفوق القفل بمقدار خمسة أذرع غلق طوله أكثر من طول القفل، وقفيز كلّ واحد منها ثلاثة أذرع، وعلى الغلق مفتاح معلّق طوله ذراعين ونصف، وله اثنا عشر سنّة، كلّ سنّة كالهاون، معلّق في سلسلة طولها ثمان أذرع في استدارة أربعة أشبار. (٦٣) والحلقة التي فيها السلسلة مثل حلقة المنجنيق العظيم، وعتبة الباب علوّ عشرة أذرع في بسط مائة ذراع، سوى ما تحت العضّادتين، الظاهر منها خمسة أذرع. وهذا الذرع كلّها بالذراع السوداء. ورئيس تلك الحصون يركب في كلّ جمعة في عشرة فوارس، مع كلّ فارس مرزبّة حديد، وزن كلّ واحدة خمسون ومائة منّا. فيضرب القفل تلك المرزبّات في كلّ جمعة عدّة ضربات، ليسمع من وراء ذلك الباب الصوت وحسّ الضرب فيعلمون أنّ هنالك حفظة، ويعلموا أنّ هولائك لم يحدثوا في الباب حدثا؛ فهذا دأب سكان تلك الحصون.

стр. 531

فلمّا كان من غد يوم، وصلنا إلى السدّ، حضر رئيس تلك الحصون ومعه تلك الفوارس، وضربوا ذلك القفل، وصنتنا، فإذا من وراء الباب غوير ودويّ عظيم، يدلّ على عالم كبير جدا. . . من بعد المكان حصن كبير، يكون بقدر عشرة فراسخ تكسير مائة فرسخ. وعند ذلك الباب حصنان، يكون كلّ حصن منهما مائتي ذراع ارتفاع، مع دور. وعلى باب هذين الحصنين شجرتين، وبين الحصنين عين ماء عذبة. ورينا في أحد الحصنين آلة البناء الذي كان قد بني به السدّ، من القدور الحديد والمغارف الحديد والآلات التي كانت لتلك الصنّاع. والقدور شبه قدور الصابون، لكن أكبر منهم، مركّبة على كلّ ألفيّة أربع قدور. وهناك بقيّة من اللّبن الحديد، وقد التزق بعضها ببعض من الصدأ وطول العهد. والبنة ذراع ونصف طول، في نصف ذلك عرض، في سمك شبر ونصف. فتحيلنا حتى خلّصنا لبنة، وأحضرناها معنا للواثق. وسألنا من تلك الأقوام: هل رأيتوا أحدا من يأجوج ومأجوج؟ فذكروا أنّهم رأوا مرّة عددا منهم فوق الشّرف، فهبّت ريح سوداء فألقتهم (٦٤) إلى جانبهم الذي يليهم، وكان مقدار الرجل منهم في رأي العين من هذا البعد وعلوّه تقدير الشبر ونصف ذراع، ولحاهم تلعب بها الريح.

стр. 532

قال سلاّم التّرجمان: فلمّا عاينّا ذلك وكتبنا بذلك أوراقا، ووضعنا خطوطا، وأخذنا خطوط تلك القوم المجاورون لتلك الديار، ثمّ أخذتنا الأدلاّء إلى ناحية خراسان، فسرنا إليها حتّى خرجنا من خلف سمرقند سبع فراسخ، وقد كان أصحاب الحصون زوّدونا ما كفانا. ثمّ صرنا إلى عبيد الله بن عبد الله بن طاهر، فوصلني بمائة ألف درهم، ووصل لكلّ واحد من أصحابي بألف درهم، وزوّدنا أتمّ زوادة، ورجعنا إلى سرّ من رأى، بعد غيبة ثمانية وعشرون شهرا، حتّى أتينا الخليفة فأخبرناه بذلك. ومن رواية المسعوديّ: أنّ يأجوج ومأجوج فيهم من طوله الشّبر والشبران، ومنهم من هو أطول من ذلك، ومنهم من يفرش إحدى أذنيه ويتغطا بالأخرى، ومنهم من له ذنب وقرن وأنياب بارزة، ومنهم مشيته وثب، ويأكلون سائر اللحوم نية، بغير شيّ ولا صلق، ويأكلون لحوم الناس من بني آدم وجميع حساش الأرض. وكانوا قبل ذلك يغيرون على تلك الحصون والمدن المذكورة حتّى أخربوها، حتّى سدّ عليهم ذي

стр. 533

القرنين، وسيفتحونه آخر الزمان، كما أخبر الله . ويأكلون بعضهم بعضا. والزلازل عندهم كثيرة. وذكر أنّ منهم أمم تعرف بمنسك وناسك. وسأل النبي ﷺ ، عن يأجوج ومأجوج: هل بلغتهم دعوتك يا رسول الله؟ فقال: «نعم، إنّي جزت بهم ليلة أسري بي فدعوتهم فلم يجيبوا، فهم جلّ أهل النار». < ذكر الصقالبة > وأمّا الصقالبة من ولد يافث، فمنهم قوم مجوس وقوم يعبدون الشمس. والآن، ففيهم قوم نصارى، ولهم بحر يجري من ناحية الشمال (٦٥) إلى الجنوب. ولهم أيضا بحر يجري من الغرب إلى الشرق. وهم أمم لا تحصى. وما جاوزهم إلى الشمال فلا يسكن لبرده، والزلازل به كثير، وأكثر قبائلهم مجوس يحرقون أنفسهم بالنار. ولهم مدن كثيرة وقلاع عدّة. والليل عندهم في غاية الطول، والنهار في غاية القصر. ومنهم فرقة على دين الصابئة يعبدون الكواكب. ولهم عقول وصناعات لطيفة من كلّ فنّ. ويحاربون الترك وبرجان. ولهم في السنة سبعة أعياد بأسماء الكواكب السبعة بلسانهم، وأجلّ أعيادهم: عيد الشمس، وله أحوال كثيرة أضربنا عن حملها للاختصار، والله أعلم.

стр. 534

ذكر اليونانيّون الأوّلون من ولد يافث بن نوح ﵇ وأمّا اليونانيّون الأوّلون فهم من ولد يونان بن يافث، وهم حكماء الأمم، ولهم النّجامة والحساب والهندسة والطبّ وصناعات المنطق. وعقولهم راجحة، وصناعاتهم لطيفة جدّا، وكلّ حكيم مذكور. فمنهم مثل أبقراط الأوّل وأبقراط الثاني وبرطن وسقراط وأفلاطون وأرسطاطاليس وأقليدس وبطلميوس وجالينوس وجماعة يطول تعدادهم. وكانت الإسكندريّة والأندلس ومن جاورهم من الأمم يدينون بطاعتهم، إلى أن

стр. 535

غلب على بلدهم روميّ من ولد الأصفر بن عيصو بن إسحاق بن إبراهيم، صلوات الله عليه. وكان عيصو لمّا فارق أخاه يعقوب، خرج إلى العدوة القريبة، وهي من مساكن الروم اليوم، وغلبوا على تلك الأرض. ومن ولده رومي هذا، وهو الذي بنا رومه وإليه ينسب كلّ الروم، وهم بنو الأصفر بن عيصو. وقيل: بل كان عيصو نفسه يعرف بالأصفر. وكان قد أخذ ملكهم بعد الإسكندر إيلاوبطره، الملكة بنت بطليموس، صاحب الحكمة والطلّسمات وكتاب الزند. ثمّ رجع الملك إلى الروم، وكان قد ملك منهم عدّة كثيرة، حتّى عاد الملك أرجع إلى الروم الثانية. < ذكر مملكة الروم > (٦٦) فأوّلهم قسطنطين الذي أقام دين النصرانيّة وجمع الأساقفة،

стр. 536

وعمل العمّورية. ثمّ تفرّقت النّصارى بعده فرقا. ولهم طبقات، فأوّلهم البطرخ، وبعده الأسقف والقسّيس والشّمّاس والمطران والرستر وصاحب الحرب. ومن الحكماء اليونانيّين ديسوديقوردس، الذي كان من عنن زربه، صاحب كتاب هيولى الطبّ في منافع الحشائش والحيوانات، الذي افترد به. وكان لمّا وضعت هذا التاريخ، وقعت على هذا الكتاب بجملته في ثلاثة أجزاء، بخطّ ابن مقلة مولد الكوفيّ، مصوّر فيه سائر الحشائش والفواكه والنباتات الغيطيّة والبرّيّة، وسائر الحيوانات البرّيّة والبحريّة، بتصوير ابن عبدوس الكاتب، نسخة عجيبة لم يوجد لها نظير في العصر، والله أعلم.

стр. 537

ذكر ملوك الصّين من ولد يافث وأمّا ملوك الصين فإنّهم قوما من ولد يافث، يقال لهم: بني عامر بن يافث، قطعوا إلى ناحية الصين وكانوا قد عملوا فلكا، حكاية عن سفينة جدّهم نوح، ﵇، وركبوا وقطعوا البحر إلى اليمن، ثمّ إلى الهند. وكان فيهم كبير ويسمّى صين بن عامر بن يافث بن نوح، وأخوه هند بن عامر بن يافث. فقطعوا تلك الديار، وبنوا البلدان، وعملوا الحكم، ودقّقوا الصناعات والعلوم، وثوّروا معادن الذهب هنالك، فسمّيت تلك الديار بهم. وملك صين بن عامر ثلاثمائة سنة، ثمّ هلك. وعبدوا الكواكب على دين الصابئين. وهم الذين صنعوا أجساد ملوكهم في تماثيل الذهب. وعاد ذلك سنّة لسائر ملوكهم. ولهم حكماء يتكلّمون في سائر علومهم الدقيقة. ولهم أحوال وغايات لا تدرك. ومن خرج إليهم في البحر يقطع سبعة أبحر، لكلّ بحر لون وريح وسمك ودوابّ يطول شرحها. ولهم سنن وشرائع ومذاهب لا يكيف، ويطول (٦٧) الكلام فيها. ولهم عند دخول الشمس الحمل عيدا جليلا، يأكلون ويشربون فيه مدّة سبعة أيّام. وأحد هؤلاء هم أصول الترك قديما، لا كما يزعمون من أصل جدّهم

стр. 538

الآتي ذكره آخر هذا التاريخ عند ذكر بدو التّتر ومنشاهم، حسبما ستقرأه، والله أعلم. < ذكر الإفرنج > فأمّا الإفرنجة فهم أيضا من ولد يافث، ومملكتهم واسعة، وهم أيضا من بني الأصفر، ويحاربون بني عمّهم الروم، وطائفة أخرى تعرف بالإفرندة، وعندهم معادن الذهب الإفرندي. ومن ورائهم أجناس مختلفة، جميعهم من ولد يافث، وأكثر إعزامهم للصقالبة، ولهم امتناع، ويحاربون الروم. وفيهم سحر عظيم. ومنهم نصارى ومجوس وزنادقة، ومنهم من يحرق نفسه، والله أعلم. < ذكر مملكة الأندلس > وأمّا مملكة الأندلس فيعزوا إلى أربعة وعشرين قبيلة على ما كانوا عليه قديما. وكان ملكها ملك واحد، إلاّ أن دينهم كان دين الروم والصابئة، وفي هياكلهم أصنام الكواكب. وكان في شريعتهم، إذا ولي منهم ملك قفل على مكان عندهم في بعض الهياكل فعلا، ولا يفتح ذلك المكان، ولا زال أمرهم كذلك حتّى ولي عليهم لذريق، فطلب فتح ذلك

стр. 539

المكان، فاجتمعوا إليه. وكان على ذلك المكان إلى حين ولاية لذريق أربعة وعشرون قفلا. فسألوه ألاّ يفعل، ولا يفتح ذلك المكان، وأن يجعل عليه قفلا، كعادة من تقدّمه من الملوك، وبذلوا له على ذلك أموالا جمّة، فأبا إلاّ فتحها. فلمّا علموا بصحة تشدّده في ذلك تشاءموا به، وغلب على أمرهم، ففتح تلك الأقفال بأسرها، فوجد في ذلك البيت تابوت من حديد، فيه صور العرب، عليهم العمائم الحمر على خيل شهب. ووجد مكتوب فيه: إذا فتح هذا المكان، ملكت هؤلاء القوم هذه البلاد. ففتحت الأندلس تلك السنة، فتحها طارق بن زياد، مولى موسى بن نصير، في سنة اثنتين وتسعين، أيّام الوليد (٦٨) بن عبد الملك بن مروان، وقتل لذريق ملكهم، وسبا ونهب وغنم من الأموال ما <لا> يعلمه إلاّ الله . ووجد في ذلك البيت الذي كان فيه صور العرب مائدة ذهب، عليها أطواق من جوهر مفصّلة، أجمعوا أنّها كانت مائدة سليمان بن داود، ﵇، والمرآة العجيبة التي تنظر منها الأقاليم السبعة، وهي مدبّرة من عدّة أخلاط. وآنية سليمان بن داود، ﵇، من ذهب مرصّع بأنواع الجواهر واليواقيت. ووجدوا الزّبور منسوخا بخطّ يونانيّ جليل، بين ورقات من ذهب مفصّل بالجواهر. ووجد فيه اثنين وعشرين مصحفا

стр. 540

مجلّدات كلّها، منها التوراة والإنجيل ومصحف آخر محلا بفضّة، فيه منافع الأحجار والأشجار والحيوانات وطلّسمات عجيبة. فحمل ذلك كلّه للوليد ابن عبد الملك. وكان فيهم مصحفا يتضمّن عمل الصنعة وأصباغ اليواقيت. ووجد فيه فقّاعة كبيرة مملوءة بإكسير الكيمياء. ولمّا فتحت، تفرّقت المسلمين في مدنها واستوطنوها، ولم يزالوا بها إلى أن صار إليهم عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان في سنة ثمان وثلاثين ومائة. فغلب عليها، ولم تزل ذرّيّته بها إلى آخر وقت، والله أعلم. < ذكر مملكة الترك > وأمّا الترك فهم من أولاد يافث أيضا. وهم أجناس كثيرة، ومنهم أصحاب مدن وحصون، ومنهم قوم في رؤوس الجبال والبراري والصحاري، في خراثي لبد، ليس لهم ما يموّنهم إلاّ ما يصيدونه، ويأكلون سائر الحيوانات، وسائر الطيور. وملكهم الأكبر يقال له: خاقان. وله سرير من ذهب، وهو الذي يعرف بصاحب التخت. وله تاج ومنطقة ذهب مرصّعة، ولباسه الحرير. وقيل: إنّ ملكهم الأعظم لا يكاد يظهر، وسائر القبائل يعظّمونه

стр. 541

ويحترمونه. وفي هذه القوم سحر وعقل ودهاء وشدّة وبأس. ودينهم أنّ الملك فيهم يومئذ توقد له نار عظيمة، ويتكلّم بنفسه (٦٩) كلام يعلمه، وهو مقبل على كلّ تلك النار، فيرتفع له منها وجه عظيم، فإن كان إلا الخضرة، كان الخصب والغيث عندهم كثير ذلك العام، وإن كان إلى البياض، كان جدب وقحط، وإن كان إلى الحمرة، كان إراقة دماء وحروب وشرور، وإن كان إلى الصفرة، كان وباء وعلل وأمراض، وإن كان أسود، فيعزّى الملك في نفسه، ويوصّي غيره، ويموت في تلك السنة، والله أعلم. < ذكر مملكة خراسان > وأمّا ملوك خراسان، مثل الأسروسة والبرجاس والدّيلم وفرغانة والأورا والأكراد والشاس وماوراء النهر، فقد كانت لهم ملوك عدّة، ومذاهب، وأكثرهم كانوا يعبدون النار ويتمجّسوا. ويقال: إنّ أردشير بن بابك رأى شيطانه، فقال له: علّمني علما أنتفع به. فقال: على أن تنكح أمّك وتتّخذها. فصار أصل المجوس

стр. 542

والفرس كذلك. والفرس تزعم أنّ نكاح الأخوات من وقت آدم، لم ينسخ من عندهم. ويقولوا: إنّ ذلك من حمله من البرّ، وأنّ الأمّ أولى بالبرّ من الأخت، ففعلوا ذلك. ولهم القول في كيمورث وأنّه عندهم آدم، وأنّ خروجه كان مبداه من غار في جبل عندهم، وسيأتي ذكر دعواهم في ذلك، عند ذكر بدء خروج التّتر، إن شاء الله تعالى، والله أعلم. ذكر أولاد سام بن نوح، ﵇ وأمّا سام وأولاده فإنّ الله تعالى جعل الرئاسة والكتب المنزلة وجماعة الأنبياء المرسلين، صلوات الله عليهم أجمعين، فمن ولد سام بن نوح، ﵇، خاصّة، دون إخوته. فولد سام أرفخشد، فكان عمره أربع مائة سنة وخمسا وستّين سنة. وولد أرفخشد شالح، وولد شالح عابر، وعاش شالح أربع مائة سنة وثلاثين سنة. وولد عابر فالغ وقحطان. وعاش عابر أربع مائة سنة وأربعة وثلاثين سنة. وولد قحطان يعرب. وقيل: إنّه أوّل من تكلّم بالعربية، (٧٠) وكان لسانهم من قبل السّريانيّ. فولد يعرب سبا، وهو أوّل من سبا العرب، فسمّى سبا. وإنّما اسمه دارم بن يعرب، هكذى وجدت في كتاب جدع بن سنان الحميريّ. وكان الملك قحطان، ثمّ ولد يعرب سبأ، ثمّ بعده حمير.

стр. 543

وسمّي حمير لأنّه كان له تاج يلبسه، فيه حرير أحمر وجوهر أحمر، فإذا لبسه أضاء عن بعد، فكان يقال له: الملك الأحمر، ثمّ غيّر اللفظ، فقيل له: حمير. وإنّما اسمه كالم بن يعرب، على ما ذكر جدع بن سنان في تاريخه. ثمّ ولد لحمير كهلان وسبأ الثاني. وهذا اسمه سبأ حقّا، فإنّه سمّاه على اسم عمّه. فمنهما كان ملوك اليمن من التّبابعة، ومنهم كان أبرهة ذي المنار، وذي الأدعاد بن أبرهة. وغزوا البلاد واقتتلوا مع أولاد يافث سنين كثيرة، وقد افترد بذلك عبد الملك بن هشام في كتابه المسمّى بكتاب التّيجان في ملوك التّبابعة، ممّا لو شرحنا بعض ذلك، لكان تاريخا بذاته. وإنّما نحن نذكر من كلّ فنّ طرفا، بحيث لا يخلوا تاريخنا هذا من شيء قد ذكر، ليعلم الواقف عليه أنّني لم أترك تاريخا مشهورا، أو وقفت عليه بعون الله تعالى وكرمه. وأنّ هذا التاريخ جامع لذيذ جميع ما وقفت عليه، وبالله الحول والقوّة، والمستعان به على وصول الغرض فيه، إنّه وليّ ذلك، والقادر عليه. قلت: ومن هؤلاء التّبابعة إدريس، الملك الذي بلغ آخر المغرب،

стр. 544

وسيأتي ذكره في موضعه، إن شاء الله. انتهى الكلام في أولاد نوح، ﵇، الثلاث: سام وحام ويافث، وأولادهم ونسلهم وشعوبهم وقبائلهم ومواطنهم، حسب ما اشترطنا، وذلك حدّ الطاقة وجهد المجتهد بحكم التلخيص، لا الإطناب. وأبتدئ من ها هنا في ذكر تفرّق الطوائف من الناس من نسل سام، ثمّ نتلوا ذلك بذكر كهّان العرب، وكهّان مصر، وعجائبها وأحوالها، ما لعلّه من غريب الكلام، ممّا لم يصغ (٧١) بتاريخ قبله. ويستفتح الآن بذكر تفرّق الطوائف. ذكر تفرّق الطوائف من الناس بعد الطوفان كان الناس مجتمعون بعد الطوفان في مكان واحد بأرض بابل ولغتهم السّريانيّة. فأرسل الله تعالى ريحا ترفعهم، فتفرّقوا. فسلك قحطان وعاد وثمود وعملاق وطسم وجديس طريقا، وألهمهم الله تعالى اللسان العربيّ، وساقهم الريح إلى اليمن، وجازت عاد إلى الأحقاف، ونزل ثمود بن عابر بولده ناحية الحجر، ونزل جديس أخو ثمود اليمامة، ثمّ شخص طسم بن

стр. 545

لاوذ بن سام بن نوح، واتّبعهم عمليق، فنزلوا بأرض الحرم، وصار عندهم صخم بن ادم بن سام بن نوح، فنزل الطائف، ونزل جرهم بن قحطان بولده مكّة. فهؤلاء ونسلهم يسمّون العرب العاربة. وبنو إسماعيل، ﵇، يسمّون العرب المستغربة، لأنّهم تكلّموا بلغتهم. < ذكر عاد > ثمّ إنّ قوم عاد طغوا وأفسدوا، فأرسل الله تعالى إليهم هود، ﵇، بالأحقاف، وملكهم يومئذ الخلجان بن الدهم. وكانوا يعبدون ثلاثة أصنام. فكذّبوا هودا، فدعا عليهم. فحبس الله تعالى عنهم المطر ثلاث سنين فأجهدهم ذلك. فوجّهوا إلى مكّة منهم رجالا يستسقون لهم في الحرم، ولم تزل الناس تعظّم البيت الحرام من أوّل الدهر. وكان موضعه بعد الطوفان ربوة حمراء، وكانوا الذين سيّروهم، فيهم لقمان بن عاد، حسبما يأتي ذكره في موضعه، إن شاء الله تعالى. ذكر الكهّان القديمة بمصر من قبل الطوفان لمّا اشترطنا ذكر الكهّان القديمة بمصر، ذكرناهم من قبل الطوفان، ليكون سماعهم للتعجّب، لا للتّصديق؛ فإنّ هذا الكلام لم أجده في كتب أحد (٧٢) من أرباب التاريخ، وإنّما نقلته من كتاب قبطيّ وقع لي، لمّا وجّهني. . . الكبير ﵀، إلى الوجه القبليّ، بسبب ترميم الكنائس

стр. 546

والأديرة، فوجدت هذا الكتاب في الدّير الأبيض الذي مقابل سوهاي، وكان به رجل راهب فاضل، يقال له: برصوما. فلمّا تجارينا في أمر تاريخ مصر، أحضر هذا الكتاب وقرأه عليّ وفسّره بالعربيّ، فاستنسخت منه لي طول مدّة إقامتي بذلك الدّير، ما أنا ذاكره ها هنا، فإنّ فيه من العجائب والغرائب ما لا يسمع بمثله، فهذا الذي حثّني حتّى وضعته في هذا التاريخ، وأنا أرجوا من الله تعالى المسامحة، والآخرة الصالحة، بمنّه وعونه وكرمه. أمّا هؤلاء الكهنة قبل الطوفان بمصر، <فكانوا> ينحون في كهانتهم نحو الكواكب بزعمهم، ويدّعون أنّ الكواكب إذا خدموها جدّ الخدمة، أفاضت عليهم خصائص العلوم المكنونة، فعملوا الطّلّسمات المشهورة، والنواميس الجليلة، وولّدوا المولّدات الماشية، والصّور المتحرّكة، وبنوا العالي من البنيان، وزبروا علومهم في الصّلب من الصّخور، وافتردوا لعمل البرابي، وتحصّنوا بها من الأعداء، وعجائبهم ظاهرة، وحكمهم باقية واضحة. وكانت مصر خمسة وثمانين كورة، فيها بأسفل الأرض خمسة وأربعين، وبالصّعيد أربعين. وكان في كلّ كورة رئيس من كهّانهم يرجعون

стр. 547

إليه، وهم الذين ذكرهم الله تعالى في قصّة فرعون، في قوله تعالى: ﴿وَأَرْسِلْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ، يَأْتُوكَ بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ﴾ يريد هؤلاء الرؤساء. وكان الذي يتعبّد منهم الكواكب السبعة المدبّرة بزعمهم، يخدم كلّ كوكب سبع سنين، فإذا بلغ هذه المرتبة وقطع هذه المدّة في خدمة السبع كواكب بجملتها يسمّى حينئذ: قاطيرا، وكان يجلس مع الملك في مرتبته، ويصدر الملك عن رأيه، ويكون (٧٣) له المنزلة العالية التي لا بعدها غاية. ثمّ كلّ من يتبتّل بخدمة كوكب من الكواكب السبعة ويقطع في خدمته تلك المدّة يسمّى: كاهنا، ويعرف بعبد الكوكب الفلانيّ. وكان أكبرهم الذي ينفرد بخدمة الشمس. وقد كانت العرب في الجاهليّة قديما يسمّون بأسمائهم، فيقولون: عبد شمس، عبد العزّى، عبد مناف، وأشباه ذلك. وكانوا يجتمعون في مجلس الملك، فيجلس القاطير إلى جانب الملك وعلى مرتبته، وتقف الكهّان خدّام الكواكب السبعة، كلّ أحد بقدر منزلة كوكبه الذي يعبده، فيقول القاطير للكاهن: أين صاحبك اليوم؟ فيقول: في البرج الفلانيّ، في الدّرجة الفلانيّة، في دقيقة كذا. ويسأل الآخر، حتّى إذا عرف مستقرّ الكواكب السبعة، قال للملك عند ذلك: ينبغي أن يعمل اليوم كذا، وأن يصنع كذا، وأن يوجّه الجيش إلى الجهة الفلانيّة؛ وينصّ عليه جميع ما يراه إصلاحا لأموره، والكاتب قائم يكتب بجميع ما يقوله له القاطير. ثمّ يلتفت إلى أهل الصناعات، فيقول: انقش أنت صورة كذا على حجر كذا. واغرس أنت كذا. واصنع أنت كذا. حتّى يمرّ على أهل الصناعات، فيخرجون من بين يديه إلى دار الحكمة المرصدة لهم، ويضعون أيديهم في تلك الأعمال، ويستعمل جميع ما قاله لهم القاطر،

стр. 548

ويؤرّخ ذلك اليوم في الصحيفة وتطوى وتودع في خزانة الملك. وعلى ذلك كانت تجري سائر أمورهم. وكان الملك إذا حدث حادث، جمعهم بخارج مدينة منف واصطفّ لهم الناس في شارع المدينة، ثمّ يدخلون ركبانا يتقدم بعضهم بعضا، ويضرب بين أيديهم بطبل الاجتماع، فيدخل كلّ واحد بأعجوبة: منهم من يعلوا وجهه نورا مثل نور الشمس، فلا يقدر <أحدهم> على الدنوّ منه، (٧٤) ومنهم من تكون يده جوهر لونا من الألوان، ومنهم من يعمل جسده ذهبا إبريزا، ومنهم من يدخل راكب أسدا، متوشّحا بحيّات عظام، ومنهم من يكون عليه قبّة من نور شعشعانيّ أو من جوهر نفيس. وكلّ واحد يدخل بقدر ما ند له كوكبه الذي يتعبّده، لا يقدر <أن> يتعدّاه. فإذا دخلوا على الملك، قالوا له: أردتنا لمهمّة كذا وكذا، وقد أضمر الملك كذا وكذا، والرأي فيه كذا وكذا؛ فيفعل ما أمروه به، ولا يخرج عن إشارتهم. وكان بمصر القديمة من قبل الطوفان ومن قبل تسميتها مصر-وكان اسمها: أمسوس-ملك كاهن، قد تعمّق في علم الكهانة، يقال له: عيقام،

стр. 549

من ولد عرثاث بن آدم، ﵇. وكان قد اقتبس من علم الأسماء التي كانت تعمل بها عناق بنت حوّاء المقدّم ذكرها. وحكى عنه القبطيّون من أهل مصر في كتبهم المدّخرة عندهم حكايات كثيرة تخامر العقول، لخروجها عن حدّ القياس. وهذا الملك عيقام، كان من قبل الطوفان بدهر طويل، فرأى في علمه كون الطوفان، فأمر الشياطين الخادمة لتلك الأسماء أن يبنوا له مكانا خلف خطّ الاستواء، بحيث لا يلحقه فساد هذا الكائن. فبني له القصر الذي في صفح جبل القمر، وهو قصر. . النّحاس الذي فيه التماثيل النحاس المشهور ذكرها بين العوامّ بمدينة النحاس. يشتمل هذا القصر على خمس وثلاثين تمثالا، لا يخرج ماء النيل إلاّ من حلوقها، وينصبّ في بطيحة. ومن تلك البطيحة يتشعّب ويجري إلى عدّة أماكن، غير هذا النيل الواصل بمصر. فلمّا عمل له هذا القصر، أحبّ أن يراه قبل سكناه إيّاه. فجلس في قبّة، وحملته الشياطين على كواهلهم إلى ذلك القصر. فلمّا (٧٥) رأى حكمة بنيانه وزخرفته، وإلى حيطانه وما فيها من النقوش وصور الأفلاك وغير ذلك من صنوف العجائب-وكان يسرج بغير مصباح، وينصب فيه

стр. 550

موائد عليها من كلّ الأطعمة والألوان من سائر الأصناف، لا يعلم من صنعها، وكذا كلّ الأشربة في أواني تستعمل ولا تنقص، وفي وسطه بركة من ماء جامد، تراه ظاهرا متحرّكا وهو جامدا، وأشياء كثيرة أضربنا عنها للاختصار-ممّا يحيّر العقول. فأعجبه ما رآه، ورجع إلى مصر على كواهل الشياطين. واستخلف ابنه عرياق، وأوصاه بما يجب أن يفعله، وقلّده الملك، ورجع إلى ذلك القصر، وأقام به حتّى هلك، واستقرّ القصر بحاله. وإلى هذا الملك عيقام تعزى مصاحف القبط، التي فيها تواريخهم، وأكثر اعتمادهم في ذلك على ذكره. ذكر قومة الكاهنة وما صنعت من العجائب في وقتها قومة الكاهنة وأنّها كانت تجلس في عرش من نار، وإذا جاءها من يحتكم إليها، وكان محقّا صادقا، خاض النار إليها ولم تضرّه شيئا، وإن كان كاذبا مبطلا وقدم عليها أحرقته النار. وكانت تتصوّر لهم في صور كثيرة كيف شاءت. ثمّ بنى لها قصرا واحتجبت عن الناس، وجعلت في حيطانه أنابيب نحاس طاهرة مجوّفة، وكتبت على كلّ أنبوبة فنّا من الفنون التي يتحاكم إليها فيه. فكان الذي يتحاكم إليها يأتي إلى الأنبوبة، فيأتيه الجواب لكلّ ما يريد. ولم يزالوا يستعملون ذلك دهرا طويلا، حتّى هلكت قومة الكاهنة، والله أعلم.

стр. 551

كذلك عرياق بن عيقام الملك، قد تكهّن أيضا، وعمل العجائب الكثيرة، منها: شجرة صفراء، لها أغصان حديد بخطاطيف حادّة، إذا اقترب إليها (٧٦) الظالم أو الكذّاب اختطفته تلك الخطاطيف وتعلّقت به وتشبّكت فيه، فلا تفارقه حتّى يحدّث في نفسه بالصدق ويعترف بظلمه ويخرج عن ظلامة خصمه. وعمل أيضا صنما من صوّان أسود وسمّاه عبد قرويس، أي عبد رجل كاهن كانوا يعظّمونه ويحتكمون إليه، وكان معلّم هذا الملك عرياق. فمن زاغ عن الحقّ ثبت مكانه، ولا يقدر على الخلاص والخروج حتّى ينتصف من غريمه، ويخرج عن الحقّ. ومن كانت له حاجة أو طلب شيء، يصنع عملا يشاكل مطلوبة، ويأتي إلى ذلك الصنم ليلا، وينظر إلى الكواكب، ويذكر اسم الملك عرياق الكاهن <وتضرّع>، فيصبح وقد وجد حاجته على باب منزله. ومن الكهنة قبل الطوفان أفليمون الكاهن؛ الذي ركب السفنية وآمن بنوح، ﵇، وبرسالته. ومنهم سنون الكاهن القبطيّ، وهو الذي يقد النار، ويتكلّم عليها، فيطلع منها صورا بادية. ولم يزل هذا سنون كاهنا، إلى وقت فردان

стр. 552

الملك، الذي كان في زمانه الطوفان. وكان هذا الكاهن يسكن الهرم الكبير البحريّ. وكان هذا الهرم هيكل الكواكب: وكان فيه صور الشمس ناطقة، والقمر ناطق. وكان الهرم القبليّ ناؤوسا لأجساد الملوك. وهؤلاء الأهرام التي عمّرها سوريد الملك، وفيها من العجائب والتماثيل والمصاحف ما لا يحصى. وكان فيه التمثال الذي يضحك، وكان من الجوهر الأخضر، وأودع فيه خوفا عليه من الطوفان. فهؤلاء ما أمكن من ذكرهم من الكهنة قبل الطوفان. وسنذكر منهم جماعة بعد الطوفان، بعد ذكرنا للأهرام، ومن بناهم، والسبب في بنائهم، وما أودعوا من العجائب والأهوال والذخائر، ممّا تضمّنه هذا الكتاب القبطيّ، والله ، أعلم. (٧٧) ذكر الأهرام وأوّل بنائها والسبب في ذلك وما فيها من العجائب كان سوريد بن سهلون ملكا على مصر قبل الطوفان بثلاثمائة سنة. فرأى رؤيا: كأنّ الأرض انقلبت بأهلها، وكأنّ الكواكب السبعة تتساقط وقصدت بعضها بعضا بأصوات هائلة مفزعة. فانتبه مذعورا، وزاد غمّه، ولم يذكر ذلك لأحد في ذلك الوقت. وعلم أنّه سيحدث في الأرض

стр. 553

والعالم حدثا عظيما. ثمّ رأى بعد ذلك كأنّ الكواكب الثابتة نزلت في صور طيور بيض، وكلّها تتخطّف الناس، وتلقيهم بين أرجلها ما بين جبلين عظيمين، وكأنّ الجبلين انطبقا عليهم، وكأنّ الكواكب النيّرة <مظلمة> كاسفة. فانتبه وقد تزايد ذعره. فدخل إلى هيكل الشمس، وجعل يمرّغ خدّيه <في التراب> ويبكي. فلمّا أصبح، أمر بجمع رؤساء الكهنة من جميع أعمال مصر. فاجتمعوا، وكانوا يومئذ مائة وثلاثين كاهنا. وهذا عند القبط أنّه أوّل اجتماع كان في الدنيا، ثمّ استثنوا ذلك. فخلا بهم وحدّثهم بجميع ما رآه أوّلا وآخرا. فعظّموه، وقالوا: لا بدّ من حدث عظيم يكون بالعالم الأرضيّ. فقال أبو فليمون الكاهن-وكان أكبرهم، وهو إذ ذاك القاطير في ذاك الوقت: أنا أقصّ على الملك أيضا رؤيا ريتها من سنة، ولم أذكرها لأحد من الناس. وذلك أنّي رأيت: كأنّي مع الملك على رأس جبل المنار الذي في

стр. 554

وسطاسوس، وكأنّ الفلك قد انحطّ من موضعه، حتّى قارب سمت رؤوسنا، وكأنّه علينا كالمكبّة على المائدة، محيط بنا، وكأنّ الكواكب قد خالطتنا في صور مختلفة، وكأنّ الناس مستغيثون بالملك، وقد انجفلوا إلى قصره، وكان الملك رافعا يديه ليرفع الفلك (٧٨) <إلى> أن يبلغ رأسه، وأمرني <أن> أفعل كذلك، ونحن على وجل شديد، إذ رأينا موضعا قد انفرج والشمس قد طلعت علينا منه، فكأنّا استغثنا بها، فخاطبتنا: إنّ هذا يكون بعد مضيّ ثلاثمائة وثلاثون دورة لي، ثمّ سيعود الفلك إلى مكانه. فانتبهت، أيّها الملك، مذعورا، ولم أذكره إلاّ في ساعتي هذه. فعند ذلك أمر الملك أن يؤخذ الارتفاع، وأن ينظر ويبحث ويدقّق النظر في أمر هذا الكائن، ما هو؟ فاجتمعوا، وفعلوا ما أمرهم به الملك، فظهر لهم أمر الطوفان، <وبعده النار التي تحرق العالم> فعندها أمر ببناء الأهرام. ونقل إليها جميع ما أحبّ. وزبروا فيها سائر علومهم وحكمهم، ورمزوا ذلك في صور مختلفة الأشكال، يصل إلى حلّها كلّ ذي ذهن وفهم ثاقب وعقل وافر، والله أعلم.

стр. 555

هذا ما تضمنّه الكتاب القبطيّ في بناية الأهرام. وأمّا ما ذكره أبو معشر في ذلك، في كتابه المعروف بكتاب الألوف، فقال: إنّ السبب في بناية الأهرام، أنّ الملك سوريد بن سهلون، ملك مصر. وهذا الكلام مطابق للكلام الذي ذكرناه من الكتاب القبطيّ. وذكر أيضا صورة المنام الذي رآه الملك، والرؤيا التي رآها أبو أفليمون الكاهن، لكن سمّاه: أكرباه الكاهن. ثمّ قال: إنّ الملك لمّا أمر ببناء الأهرام، وزبروا فيها سائر علومهم وحكمهم من جميع ما يحتاج إليه، قال للحكماء والكهنة: انظروا متى تكون هذه النازلة. فقالوا: إذا نزل قلب الأسد بأوّل دقيقة من رأس السّرطان، وتكون الكواكب عند نزولها في هذه المنازل من الفلك، والقمر والشّمس في أوّل دقيقة من رأس الحمل، ونزوس-وهو زحل-في أوّل درجة وثمانية وعشرين ثانية من الحمل، وراوهن-وهو المشتري-في الحوت، في تسعة

стр. 556

(٧٩) وعشرين درجة، والمرّيخ في الحوت، في ثمانية وعشرين درجة وثلاث دقائق، وأفرودتكني-وهي الزّهرة-في تسعة وعشرين درجة وثلاث دقائق، وهرمس-وهو عطارد-في الحوت، في تسعة وعشرين درجة وثلاث دقائق، والجوزهر في الميزان، في خمس درج ودقائق خمس. فلمّا علمنا ذلك، طالعنا به الملك. فقال: انظروا، هل يكون بعد هذه النازلة بمكان <في> الدنيا آفة غيرها؟ فنظروا، فرأوا أنّ الكواكب تدلّ على آفة تنزل من السماء إلى الأرض، وأنّها بحدّ الأولى، وهي نار تحرق أقطار العالم إلاّ القليل. فعرّفوه ذلك. فقال: انظروا متى تكون. فنظروا، فوجدوا أنّ ذلك يكون عند نزول قلب الأسد آخر دقيقة من الدرجة الخامسة عشر من الأسد، ويكون أقليدس-وهي الشمس-معه في دقيقة متّصلة بقزوس من تثليث الرائي، ويكون راوس في الأسد، مستقيم السير معه في رأس دقيقة، وهو القمر في الدلوا، ومعه الذنب في اثني عشر جزءا، ويكون كسوفا إطباقا،

стр. 557

ويكون اغرونطي بعده من ايكس، ويكون هرمس في بعده الأبعد أمامها، وأمّا افرود يصلى؟؟؟ الاستقامة، وأمّا هرمس فبالدرجة الخامسة. فعرّفوا الملك ذلك. فقال: هل من خبر تطلعونا عليه من العظائم، غير هاتين الآفتين: المائيّة والناريّة؟ فنظروا، فإذا قلب الأسد، إذا قطع ثلثي أدواره، لم يبق في الأرض من حيوان متحرّك إلاّ تلف. فإذا استتمّ أدواره، تحلّلت عقدة الفلك، فعاد الأمر مستقيما. فعرّفناه ذلك. فقال: أي يوم يكون انحلال الفلك؟ قال: اليوم الثاني من حركة الفلك. فعجب الملك من ذلك. فعندها أمر بقطع الصخور والأساطين العظام، والبلاط (٨٠) العظيم في الكبر، واستخراج الرصاص من أرض الغرب، واستجلب الصخور السود من ناحية أسوان، وكانت تحمل على الأطواق. وقيل: إن كان لها مداخل من خصوص قريبة من مكان الأهرام، ثمّ

стр. 558

تغيّرت معالمها. وقيل: بل كانت تقطع بأسوان، وتهندس، ويكتب عليها أسماء. فكانت تأتي بذاتها، فتكون في المكان المعدود لها، المخصوص بها. وكانوا يجعلون في وسط البلاط قلب من حديد، فتطبّق عليه الأخرى، منقوبة في الوسط، فيكون ذلك القلب في ذلك النّقب من الأخرى، ويذاب الرصاص ويصبّ حول الثقب، بعد أن تؤلّف كتابتها بعضها ببعض. وجعلوا أبواب الأهرام من تحت الأرض بأربعين ذراعا سوداء، في أزج معقود، مبنيّ بالحجارة تحت الأرض، طول كلّ أزج منها مائة وخمسون ذراعا. فأمّا باب الهرم الشرقيّ، فإنّه من ناحية الشرق، على مائة ذراع من وسط الحائط الذي للهرم. وله باب آخر من ناحية وسط الحائط الغربيّ بمقدار مائة ذراع. وعلامة ذلك صخرة سوداء، كأنّما ثبتت ثباتا، فيحفر من تحتها عشرة أذرع، فيجد باب الأزج إلى الهرم. وأمّا الهرم المبنيّ لونين من الحجارة، فإنّ بابه من الناحية الغربية، يقاس أيضا من وسط الحائط البحريّ مائة ذراع، وعلامة ذلك صخرة بيضاء، فيحفر من تحتها عشرة أذرع، فيظهر له باب الأزج إلى الهرم الأبلق. وهذا الأزج درج نازلة.

стр. 559

هذه الأدلّة التي ذكرتها على أبواب الهرمين وجدتها في ذلك الكتاب القبطيّ المقدّم ذكره، ولعلّها صحيحة، والله أعلم. . . . في كتابه المقدّم ذكره: أن النّسر الواقع طائر بالسّرطان. وجعل طول كلّ هرم منهما: خمس مائة ذراع بالمالكيّ، وهو تقدير ذراعنا (٨١) هذا. وجعل تربيع كلّ واحد منهما أربع مائة ذراع، وبناهما في <الاستواء> إلى أربعين ذراعا ثمّ هرمهما. وكان أوّل بنائهما في طالع سعد ثابت. فلمّا فرغا، كساهما ديباجا ملوّنا من فوقهما إلى سفلهما، وعمل لهما عيدا عظيما في كلّ سنة، في أوان فروغهما. وأودع في الهرم الشرقيّ من الأموال والكنوز والآلات الزبرجديّة والتماثيل المصنوعة من فاخر الجواهر الملوّنة، والسلاح الذي لا يصدأ، والزجاج الذي يطوى طيّا، والنواميس المودات، والعقاقير المفردات، والمؤلّفات النافعة لسائر الأغراض: من الأمراض الجسديّة الظاهرة والباطنة والسّموم القاتلة بسائر وجوهها، والأواني من الجواهر التي لا قيمة لها، وأربعين كرة مملوءة من تبر الصنعة، وكتب مزبورة في اللواح القشم المعدني، في سائر العلوم الروحانيّة والعمليّة، وأشياء لا تدرك بالعبارة، ممّا ادّخرته الملوك الأوّل. وأمّا الهرم الغربيّ فجعل فيه أجساد الملوك في جوبات صوّان أسود، وهم الملوك من الكهنة المذكورين. وجعل عند كلّ كاهن منهم مصحفه

стр. 560

وعجائبه وسيرته، وما عمل في زمانه من غرائب صناعته. وعدّتهم سبعة نفر، وهم القاطريون الذين كانوا يعبدون الكواكب حسبما تقدّم من ذكرهم. ولكلّ واحد من هؤلاء ناحية من نواحي هذا الهرم ومرتبة به مصوّر فيها الأشاير بالذي فعله في زمانه، وخزن معه ماله وذخائره. ثمّ جعل على كلّ هرم من هؤلاء خازن قد استخدم من جهة الكواكب في وقتها. فصاحب الهرم الشرقيّ مجزّع من جزع أسود وأبيض، له عينان مفتوحتان، جالس على كرسيّ، معه شبيه الحربة. إذا نظر إليه الناظر سمع من جهته صوتا، فلا يكاد يفارق حتّى (٨٢) يموت غمّا. وأمّا خازن الهرم الغربيّ <فهو> صنم من حجر صوّان مجزّع، بيده حربة، وفي عنقه حيّة، مطوّق بها، ثمّ تعود إلى عنق الصنم. وأمّا الهرم الثالث، فإنّه مختصّ بالملك سوريد بن سهلون، فهو ناؤوسا له، وخزن فيه جميع أمواله وذخائره وكنوزه الذي جمعها في أيّام ملكه. فإن كان من عادتهم أن لا يتعرض ملك إلى مال ملك قبله، ولا إلى شيء من ذخائره، ولا يتصرّف إلاّ فيما يملكه لنفسه في زمانه.

стр. 561

وأمّا خازن هذا الهرم الثالث صنما صغيرا من حجر، المهمد على قاعدة منه. من نظر إليه اجترّه حتّى يلصق به، فلا يفارقه حتّى يموت. قلت: ومن العجب في ذلك أنّي وجدت في هذا الكتاب القبطيّ يقول: إنّ سوريد الملك، لما أخبروه منجّموه، أن لا بدّ بعد تلك الآفة المائيّة من آفة ناريّة، وقدّروا له الوقت الكائن فيه، صنع في الأهرام أزجا معقودا مبنيّا بالحكم العويصة، ووصله بالنيل حتّى دخل إليه الماء. وحمل ذلك إلى الجبل بأطراف صعيد مصر، وهو ما بين صفحتي الجبل الغربيّ- هكذا يقول في هذا الكتاب القبطيّ-ليكون ذلك حرزا لهم من تلك الآفة الناريّة. فو الله لم أرا أعجب من هذا الكلام، ودليله أنّ في البهنسا انخسف خسفا في الجبل المجاور لمدينة البهنسا. وكان الوالي يومئذ عليّ بن قيصر العلاليّ، فنزلوا إليه فوجدوه أزج معقود بين صفتحي الجبل جميعه فساقي ماء عذبا من ماء النيل، وهم عدّة فساقي متداخلة في بعضها البعض، ليس منهم إلاّ بقدر ما يمشي عليه الرجل، وليس لهم انتهاء بين صفحتي ذلك الجبل. وربّما مشوا فيهم اليوم واليومين ولا انتهوا إلى آخرهم.

стр. 562

ولكلّ فسقيّة درج (٨٣) نازل من ناحيتها، ليس لها قرار تدرك. ولعل هذه الفساقي هذا أصل أمرهم وهذا سببهم. وهم إلى حين وضعي هذا التاريخ بالبهنسا. وينزلوا إليهم المتفرجين من أهل البهنسا. وربّما في هذا الوقت أنّ الوالي سدّ ذلك الخسف، فإنّ أهل البلاد من البهنسا وغيرها عادوا يعبروا إلى تلك الفساقي ويفسدوا فيها. ومن كان في خاطره من عدوّه أمرا بلغة هناك، ولا يطّلع له على خبر. فعادوا كالمهالك، فأمر الوالي بردم ذلك، فردموه، حسبما بلغني في هذا الوقت. وفي هذا الكتاب القبطيّ أنّ سوريد الملك قال لمنجّموه وكهنته: انظروا آخر أمر بلادنا، إلى ماذا يؤول أمره بعد الطوفان المائيّ والآفة الناريّة؟ فقالوا: يقيم خرابا قرنان كاملان، ثمّ يعمّر، فيقيم دورا كاملا، فيأتيه قوم مشوّهون الخلق من الشرق، فيخرّبون الأقاليم السبعة، ثمّ يكون عليهم نازلة من صيحة سمائيّة، فلا يبقى منهم ديّارا، ثمّ تعمّر الأقاليم السبعة كأحسن ما كانت عليه أوّلا، فيقيم دورا كاملا ونصف دورا كاملا. ثمّ ينقطع عن مصر نيلها، فلا يعود. فتجلوا عنها أهلها. وتنشف حتّى تعود

стр. 563

أرضها مفاوز إلى آخر اجتماع الكواكب بقلب الأسد، فيكون خراب الكون بأسره إلى حين انحلال عقدة الفلك في اليوم الثاني منه. فأمر أن يكتب جميع ذلك ويزبر في أعلا الأهرام؛ وهو بها إلى الآن، والله أعلم. وذكر أنّ روحانيّ أحد الأهرام في صورة امرأة عريانة، مكشوفة الفرج، حسناء، لها ذؤابتان، فإذا رآها الإنسان ضحكت في وجهه، فتطالبه نفسه بمضاجعتها، ويظنّ أنّها إنسيّة، فعندما يصل إليها تستهويه، فيتلف حاله في الوقت الحاضر، ويزول عقله ويهيم. وقد رأى جماعة من أهل مصر هذه المرأة تدور حول الهرم عدّة مرار. وروحانيّ (٨٤) الهرم الآخر غلام أجرد أصفر، له ذؤابتان، وقد رئي أيضا يطوف حوله. ولكلّ هرم منهم روحانيّ بذاته. وكذلك البرابي لهم روحانيّين ممّا يطول الشرح في معناهم. وجميع ما ذكرته فليكن سماعه للتّعجب ولا للتّصديق. فإنّي لم أذكر ذلك أعتقادا منّي في صحّته، لكن ذكرت ما قالوه في كتبهم وما نقلوه عن عقولهم. وليس الاعتماد إلاّ بما جاء به الكتاب والسّنّة وقوله ﴿ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾. ذكر ملوك من ولد سوريد واتّصال بعضهم ببعض إلى آخر وقت وأقام سوريد ملكا مائة وسبع سنين، وأوصا بالملك لولده هرجيب.

стр. 564

وإنّ هرجيب سار سيرة أبيه في العدل والعمارة، وبنى الهرم الكبير الذي بدهشور، وحمل إليه كثيرا من المال، وكان هذا دهشور كاهنا في وقته، فأنزله بالقرب من الهرم، وبنا دهشور لنفسه الهرم الصغير الذي إلى جانبه، وأودعه علومه وعجائبه. وكان دهشور الكاهن صاحب علم الكيمياء وإكسيرها، فصنع من الإكسير أربعة عشر قرة مملوءة إكسيرا، وأودعها الهرم الصغير. وملك هرجيب بن سوريد تسعا وسبعين سنة. وملك عليهم ابنه مناوس، وكان مناوس جبّارا سفّاكا للدماء، يغتصب نساء أهل مملكته. واستخرج في زمانه كنوز بابل. وبنا قصورا من الذهب والفضّة، وفجّر فيها الأنهار وجعل حصباؤها من أصناف الجوهر. وتجبّر وعتا، فبغضه أهل دولته. وأباح للخصّيصين به نساء العامّة من الناس وكان يفتضّ عذرة كلّ بكر قبل بعلها، فامتنع عليه بعض القوم في ذلك فأحرقهم بالنار، فخافوه الناس. وكانت مدّته يسيرة، ثمّ هلك ودفن مع أبيه وجدّه بجميع أمواله وذخائره بالهرم الثالث. (٨٥) وملك على الناس ابنه أفروس. وكان أفروس عالما محنّكا بخلاف ما كان عليه أبيه، فعدل في الناس، وردّ نساءهم إليهم، وصنع في

стр. 565

وقته قبّة قدرها مائة ذراع سوداء في طول خمسون ذراعا سوداء. وركّب في جوانبها أطيارا تصفر بأنواع اللّغات المطربة. وعمل في وسط المدينة منارا من صفر، عليه صورة رأس إنسان من صفر، كلّما مضت ساعة من النهار صاح ذلك الرأس، وكذلك في ساعات الليل. وعمل منارا آخر، وجعل على رأسه قبّة من صفر مذهّب، ولطّخه بلطوخات محكمة، فعادت إلى غربت الشمس اشتعلت تلك القبّة نارا فتضيء على المدينة بأسرها، فلا يحتاجون معها إلى مصابيح، ولا تطفئها الرياح ولا الأمطار. وإذا كان النهار سكنت، لغلبة ضوء الشمس وشعاعها. وهذا الملك كان تملّك في زمان الدرمشيل الذي في زمانه كان الطوفان. وأهدا إلى الدرمشيل هديّة من زبرجد طولها سبعة أشبار، فجعلها في هيكل الصنم الكبير الذي كان له. وكان هذا الملك أفروس يطلب الولد، فينكح ستّمائة امرأة يبتغي الولد، فلم يولد له. وكانت في عصره قد عقمت أرحام النساء، لما أراد الله تعالى من هلاك العالم بالطوفان. وعقمت أرحام البهائم، ووقع الموت فيها. وكثرت الأسود حتّى عادت تحلل البيوت وتفترس الناس. فاحتالوا
следующие страницы →