Полный текст (4 323 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.
стр. 561
وأمّا خازن هذا الهرم الثالث صنما صغيرا من حجر، المهمد على قاعدة منه. من نظر إليه اجترّه حتّى يلصق به، فلا يفارقه حتّى يموت.
قلت: ومن العجب في ذلك أنّي وجدت في هذا الكتاب القبطيّ يقول: إنّ سوريد الملك، لما أخبروه منجّموه، أن لا بدّ بعد تلك الآفة المائيّة من آفة ناريّة، وقدّروا له الوقت الكائن فيه، صنع في الأهرام أزجا معقودا مبنيّا بالحكم العويصة، ووصله بالنيل حتّى دخل إليه الماء. وحمل ذلك إلى الجبل بأطراف صعيد مصر، وهو ما بين صفحتي الجبل الغربيّ- هكذا يقول في هذا الكتاب القبطيّ-ليكون ذلك حرزا لهم من تلك الآفة الناريّة.
فو الله لم أرا أعجب من هذا الكلام، ودليله أنّ في البهنسا انخسف خسفا في الجبل المجاور لمدينة البهنسا. وكان الوالي يومئذ عليّ بن قيصر العلاليّ، فنزلوا إليه فوجدوه أزج معقود بين صفتحي الجبل جميعه فساقي ماء عذبا من ماء النيل، وهم عدّة فساقي متداخلة في بعضها البعض، ليس منهم إلاّ بقدر ما يمشي عليه الرجل، وليس لهم انتهاء بين صفحتي ذلك الجبل. وربّما مشوا فيهم اليوم واليومين ولا انتهوا إلى آخرهم.
стр. 562
ولكلّ فسقيّة درج (٨٣) نازل من ناحيتها، ليس لها قرار تدرك. ولعل هذه الفساقي هذا أصل أمرهم وهذا سببهم. وهم إلى حين وضعي هذا التاريخ بالبهنسا. وينزلوا إليهم المتفرجين من أهل البهنسا. وربّما في هذا الوقت أنّ الوالي سدّ ذلك الخسف، فإنّ أهل البلاد من البهنسا وغيرها عادوا يعبروا إلى تلك الفساقي ويفسدوا فيها. ومن كان في خاطره من عدوّه أمرا بلغة هناك، ولا يطّلع له على خبر. فعادوا كالمهالك، فأمر الوالي بردم ذلك، فردموه، حسبما بلغني في هذا الوقت.
وفي هذا الكتاب القبطيّ أنّ سوريد الملك قال لمنجّموه وكهنته:
انظروا آخر أمر بلادنا، إلى ماذا يؤول أمره بعد الطوفان المائيّ والآفة الناريّة؟
فقالوا: يقيم خرابا قرنان كاملان، ثمّ يعمّر، فيقيم دورا كاملا، فيأتيه قوم مشوّهون الخلق من الشرق، فيخرّبون الأقاليم السبعة، ثمّ يكون عليهم نازلة من صيحة سمائيّة، فلا يبقى منهم ديّارا، ثمّ تعمّر الأقاليم السبعة كأحسن ما كانت عليه أوّلا، فيقيم دورا كاملا ونصف دورا كاملا. ثمّ ينقطع عن مصر نيلها، فلا يعود. فتجلوا عنها أهلها. وتنشف حتّى تعود
стр. 563
أرضها مفاوز إلى آخر اجتماع الكواكب بقلب الأسد، فيكون خراب الكون بأسره إلى حين انحلال عقدة الفلك في اليوم الثاني منه.
فأمر أن يكتب جميع ذلك ويزبر في أعلا الأهرام؛ وهو بها إلى الآن، والله أعلم.
وذكر أنّ روحانيّ أحد الأهرام في صورة امرأة عريانة، مكشوفة الفرج، حسناء، لها ذؤابتان، فإذا رآها الإنسان ضحكت في وجهه، فتطالبه نفسه بمضاجعتها، ويظنّ أنّها إنسيّة، فعندما يصل إليها تستهويه، فيتلف حاله في الوقت الحاضر، ويزول عقله ويهيم. وقد رأى جماعة من أهل مصر هذه المرأة تدور حول الهرم عدّة مرار.
وروحانيّ (٨٤) الهرم الآخر غلام أجرد أصفر، له ذؤابتان، وقد رئي أيضا يطوف حوله.
ولكلّ هرم منهم روحانيّ بذاته. وكذلك البرابي لهم روحانيّين ممّا يطول الشرح في معناهم. وجميع ما ذكرته فليكن سماعه للتّعجب ولا للتّصديق. فإنّي لم أذكر ذلك أعتقادا منّي في صحّته، لكن ذكرت ما قالوه في كتبهم وما نقلوه عن عقولهم. وليس الاعتماد إلاّ بما جاء به الكتاب والسّنّة وقوله ﴿ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾.
ذكر ملوك من ولد سوريد واتّصال بعضهم ببعض إلى آخر وقت
وأقام سوريد ملكا مائة وسبع سنين، وأوصا بالملك لولده هرجيب.
стр. 564
وإنّ هرجيب سار سيرة أبيه في العدل والعمارة، وبنى الهرم الكبير الذي بدهشور، وحمل إليه كثيرا من المال، وكان هذا دهشور كاهنا في وقته، فأنزله بالقرب من الهرم، وبنا دهشور لنفسه الهرم الصغير الذي إلى جانبه، وأودعه علومه وعجائبه. وكان دهشور الكاهن صاحب علم الكيمياء وإكسيرها، فصنع من الإكسير أربعة عشر قرة مملوءة إكسيرا، وأودعها الهرم الصغير. وملك هرجيب بن سوريد تسعا وسبعين سنة.
وملك عليهم ابنه مناوس، وكان مناوس جبّارا سفّاكا للدماء، يغتصب نساء أهل مملكته. واستخرج في زمانه كنوز بابل. وبنا قصورا من الذهب والفضّة، وفجّر فيها الأنهار وجعل حصباؤها من أصناف الجوهر. وتجبّر وعتا، فبغضه أهل دولته. وأباح للخصّيصين به نساء العامّة من الناس وكان يفتضّ عذرة كلّ بكر قبل بعلها، فامتنع عليه بعض القوم في ذلك فأحرقهم بالنار، فخافوه الناس. وكانت مدّته يسيرة، ثمّ هلك ودفن مع أبيه وجدّه بجميع أمواله وذخائره بالهرم الثالث.
(٨٥) وملك على الناس ابنه أفروس. وكان أفروس عالما محنّكا بخلاف ما كان عليه أبيه، فعدل في الناس، وردّ نساءهم إليهم، وصنع في
стр. 565
وقته قبّة قدرها مائة ذراع سوداء في طول خمسون ذراعا سوداء. وركّب في جوانبها أطيارا تصفر بأنواع اللّغات المطربة. وعمل في وسط المدينة منارا من صفر، عليه صورة رأس إنسان من صفر، كلّما مضت ساعة من النهار صاح ذلك الرأس، وكذلك في ساعات الليل. وعمل منارا آخر، وجعل على رأسه قبّة من صفر مذهّب، ولطّخه بلطوخات محكمة، فعادت إلى غربت الشمس اشتعلت تلك القبّة نارا فتضيء على المدينة بأسرها، فلا يحتاجون معها إلى مصابيح، ولا تطفئها الرياح ولا الأمطار. وإذا كان النهار سكنت، لغلبة ضوء الشمس وشعاعها.
وهذا الملك كان تملّك في زمان الدرمشيل الذي في زمانه كان الطوفان. وأهدا إلى الدرمشيل هديّة من زبرجد طولها سبعة أشبار، فجعلها في هيكل الصنم الكبير الذي كان له.
وكان هذا الملك أفروس يطلب الولد، فينكح ستّمائة امرأة يبتغي الولد، فلم يولد له. وكانت في عصره قد عقمت أرحام النساء، لما أراد الله تعالى من هلاك العالم بالطوفان. وعقمت أرحام البهائم، ووقع الموت فيها. وكثرت الأسود حتّى عادت تحلل البيوت وتفترس الناس. فاحتالوا
стр. 566
بالطّلّسمات المانعة لذلك، فعجزوا عن دفعها لعظمة قدرة الله .
وكذلك تسلّط عليهم الفار، فكان يأكل كلّما كانوا يزرعون من سائر أصناف الحبوب، حتّى قحطوا أشدّ قحط.
وذكر أنّ ساحرا من سحرتهم قد كان مناوس الملك اغتصب ابنة عمّه، وهي زوجته. وكانت أحسن أهل زمانها. فشرع ذلك الساحر، وكان يسمّى حيزاه، وكان يسكن البرّ الغربيّ (٨٦) بشاطئ النيل، فكان يعمل الحيلة قليلا قليلا، في إفساد طلّسماتهم. لأنّ لكلّ طلّسم شيئا يفسده ويحلّ روحانيّته، وبهذه العلّة دخل البخت نصر الفارسيّ مصر، وكانت ممتنعة من جميع الملوك، فقوي عليها البخت نصر بإفساد طلّسماتهم، فكان من أمره ما كان.
وكان حيزاه الساحر قد أفسد طلّسمات التماسيح، فهاجت عليهم أيضا، حتّى منعتهم ورود الماء، وأشرفوا على الهلاك. ففطنوا له من بعض تلاميذه، فأنفذ الملك له جيشا يحضره. فلمّا نظر القوم مقبلين عليه، دخّن بدخن غشي أبصارهم، وارتفعت منه عجاجة من نار حالت بينهم وبينه، وكادوا يهلكون من شدّة حرّها، فهالهم أمره ورجعوا إلى الملك أفروس بالخيبة. فجمع الملك السّحرة أجمعين، وعرّفهم أمر حيزاه الساحر، فأقرّوا كلّهم له باليد الطولا في علمه، وأنّ لا طاقة لهم إلاّ المسالمة. فأمرهم الملك أن يتلطّفوا به، فتوجّهوا إليه ولاطفوه في حديث طويل هذا آخره.
стр. 567
ثمّ إنّ الملك أعطاه أمانا وردّ عليه زوجته التي كان استصفاها أبوه لنفسه.
فأبا مثولها، وقال: لا يحلّ لي في ديني مراجعة من وطئها الملك. فسألوه أن يرفع عنهم ما كان أفسده من أمرهم. فقال: أمّا السباع والتماسيح وما أشبه ذلك فقادر على إزالة مكروهه. وأمّا عقم الأرحام فليس من عملي، وإنّما ذلك من عمل ربّ السماء. وملكهم أفروس أربعا وستّين سنة. ولم يعقب، فملّكوا عليهم أرمانوس.
فملكهم أرمانوس وأحسن في سيره، وغزا أعدائهم، وقهر من ناوأهم. وقد كان أصيب بعلّة في جسده، فأوصى لابن عمّ له، يقال له:
فرعان بن ميسور.
ويقول القبطيّون القدم من أهل مصر: إنّ أوّل من سمّي فرعون (٨٧) غلام كان للوليد بن دومغ العمليقيّ وكان يسمّى عونا. وقد كان هرب من مولاه الوليد لمّا رجع من جدّ النيل وطلبه، وبنى المدينة التي يقال لها:
مدينة العقاب، وتحصّن بها من مولاه الوليد بن دومغ، فقيل فرّ عون من مولاه. وسنذكر خبره في موضعه، إن شاء الله تعالى.
ونعود إلى قصّة أرمانيوس الملك وفرغان ابن عمّه. وذلك أنّه لمّا طال علّة أرمانوس ولا عاد ينفع النساء، وقعت عين زوجته على فرغان، وكان شابّا جميلا، فطلبته لنفسها ودقّقت الحيلة حتّى اجتمعت به في
стр. 568
حديث طويل. ثمّ اتّفقا على قتل أرمانيوس فسقته سمّا في شرابه، فعجّلت عليه بهلاكه.
واستقرّ فرغان بالملك؛ وإنّه تجبّر وعتا وغصب الناس أموالهم وعمل ما لا يفعله ملك غيره، وأسرف في القتل وإهراق الدماء، وهابته الناس والملوك.
وكتب إلى الدرمشيل <ملك بابل> يشير عليه بقتل نوح، ﵇، وذلك أنّ الدرمشيل كان كتب إلى سائر الآفاق من الملوك يقول:
هل تعلمون آلهة غير الأصنام؟ ويذكر لهم ما جاء به نوح، ﵇.
فأجاب فرغان، وأشار عليه بقتل نوح، صلوات الله عليه، فأحماه الله، ، منه حسبما تقدّم من الكلام.
وفي زمان فرغان كان الطوفان، وغرّق الله فرغان الملك، وهلك مع جملة من هلك بالطوفان، ولم تغن عنه معاقله ولا أهرامه شيئا. واستقرّت الأرض بولد نوح، ﵇، حسبما ذكرنا من قبل، والله أعلم.
ذكر الكهّان من بعد الطوفان إلى حين خراب مصر
فأمّا الكهّان بعد الطوفان إلى حين خراب مصر على يد بخت نصر الفارسيّ فكثير، ونحن نذكر ما تصل إليه القدرة ملخّصا، إن شاء الله تعالى، ليكون تاريخنا هذا يتلوا بعضه بعضا، زمان بعد زمان، بعون الله وحسن توفيقه.
стр. 569
(٨٨) فأوّلهم كارباه بن أفليمون، كان ركب السفينة مع أبيه أفليمون، وتزوّج أخته كركندة بنت أفليمون الكاهن مصر بن بيصر بن حام، وهم الذين خرجوا إلى مصر في عدّة ثلاثين نفر. وعمّروا منف واسمها: مأفه، تفسيرها: ثلاثين. وكانوا مؤمنين موحّدين على دين نوح، ﵇.
ولم يكن اسم الكهانة عندهم عيبة، بل كان الكاهن كالحاكم الذي لا يعصى.
وأوّل من عمل بالكهانة بعد كارباه بن أفليمون، وغيّر الدين، وتعبّد الكواكب: البودشير بن قفطريم بن مصريم بن بيصر بن حام، وكان ملكا بعد أبيه. وهذا الملك تذكره جميع الكهنة من المصريّين والقبطيّين، يعظّمونه في مصاحفهم ويقولون: إنّه من أجلّ ملوكهم، وأعظم حكمائهم، وأعلم كهنتهم. وعمل النواميس العظام، وبنا البرابي، وزبر العلوم وتعبّد للكواكب.
وتزعم القبط أنّ الكواكب كانت تخاطبه، وله عجائب كبيرة، منها أنّه استتر عن الناس بعد سنين من ملكه، وكان يظهر لهم وقتا بعد وقت في
стр. 570
السنة، عند نزول الشمس الحمل، فيدخل الناس إليه، ويخاطبهم، ويأمرهم بما يفعلونه، ويحذّرهم بما يكون من أمر أعدائهم، وهم لا يرونه، بل يسمعون خطابه من غير أن يروا شخصه.
ثمّ إنّه ظهر لهم يوم نزول الشمس الحمل، وكانوا يخرجون له وعليهم الحليّ والحلل من الجواهر واليواقيت والذهب السبك، وبأيديهم الجواكين الذّهب، ومعهم سائر أصنام الملاهي والمطربات، ويخرجون إلى ظاهر البلد في الأماكن المستترة، ويتلون أسماء علّمهم <إيّاها>، ويقولون في مخاطبة الشمس، ويقطعون هذه الحشيشة المعروفة بكركاوش، ويبخّرونها بأنواع الطيب ويدعونها في جيوبهم، ويتقدّمون قليلا قليلا وهم في سمت ووقار (٨٩) وهيبة عظيمة، والملاهي تضرب بحشمة ورئاسة، والناس على مراتبهم، وكلّ طبقة على قدر طبقها عند الملك. ويخرج من العامّة من له حاجة عند الملك، فيفعل كفعلهم. فعندما تنزل الشمس بنقطة الحمل، يظهر لهم الملك في عين الشمس، جالس على سرير من الجوهر، فيكلّمهم بما يختارونه، ويعطى كلّ أحد سؤلة. فهذا كان أصل قطع هذا الكركيش، والله أعلم.
ثمّ إنّ هذا الملك غاب عنهم، فلم يعودوا يرونه، واختلفت فيه الأقاويل. ثمّ ظهر لهم وأمرهم: أنهم لا يقطعون هذه السنّة يوم نزول الشمس الحمل، فإنّ سائر حوائجهم تقضا، وعرّفهم أنّه لا عادوا يرونه
стр. 571
بعدها، وأمرهم أن يقلّدوا الملك للملك عديم بن قفطريم، ففعلوا ذلك.
واستسنوا الخروج في كلّ عام إلى خدمة الشمس، وقطع بعده الحشيشة، وقد زعموا أنّ من حفظ هذه الأسماء التي لعزيمتها وفعل هذا الفعل، فإنّ حاجته تقضا، كائن ما كان، والله أعلم.
وأمّا مرورة الكاهنة، فإنّها امرأة منهم، من أهل بيت الملك، يقال:
إنّها بنت أخت البودشير، وأنّه ألقى إليها كهانته. وهي التي بنت برباة إخميم. وكان المتكفّل ببنائها: إخميم الكاهن من قبل مرورة الكاهنة.
وعملت الطلسمات العظيمة، والأصنام الناطقة بمدينة منف. ولم تزل الكهانة في أهل بيتها.
وذكر في هذا الكتاب القبطيّ، أنّها عملت طلّسما منعت الوحوش والطير أن تشرب من ماء النيل. وسبب ذلك، أنّها التي بنت الحيط الحجوز، ومنعت من أن يرد النيل بهائم إلاّ بأمرها، وبما قرّرته عليهم.
فسمعت راعيا يقول: لم لا تمنع الوحش والطير، إن كان لها يد؟ ففعلت ذلك، حتّى هلك أكثر الوحش والطير عطشا.
وإنّ الله تعالى أرسل ملكا، فصاح بها صيحة ارتجّت الأرض بها،
стр. 572
(٩٠) وتشقّقت جبالها، وأهلكها الله تعالى. وقيل: إنّها كانت تطير في الهوى، والملائكة تضربها بأجنحتها. ولها أحوال كثيرة منكرة، أضربت عنها، والله أعلم.
وقيل: إنّ التي بنت حيط الحجور: دلّوكة، الكاهنة. والله أعلم أيّهما كانت.
وأمّا شموان الأشمونيّ، فيقال: إنّه هرمس الأوّل، الذي بنا بيت التماثيل التي يعرف بها مقادير النيل عند جبل القمر. وعمل للشمس هناك هيكلا. وتنقل عنه أقوالا تخامر العقل. وكان يختفي عن أعين الناس وهو بينهم، ولا يرونه. وهو الذي بنا الأشمونين. وإنّما سمّيت باسمه: شموان الأشموني، فثقل هذا الاسم، فقيل: الأشمونين. وبنا مدينة أنصنا، واتّخذ فيها الأعلام والملاعب. وعمل في سفح الجبل الشرقيّ مدينة يقال لها:
أوطراطيس. وجعل فيها من العجائب شيئا كثيرا، وجعل لها أربعة أبواب من أربعة جهات. فجعل على الباب الشرقيّ صورة عقاب، وعلى الباب الغربيّ صورة ثور، وعلى القبليّ صورة أسد، وعلى البحريّ صورة كلب.
وأسلك فيهم الروحانيّات، فكانت تنطق إذا قصدها قاصد من تلك الجهات، أو تحرّك عدوّا من تلك الجهات الأربع، فيصيح ذلك التمثال،
стр. 573
فيعلم أن عدوّا قد تحرّك من تلك الجهة، فيفعل فيه ما شاء، فيصيب ذلك العدوّ ما فعل في ذلك التمثال.
وعمل فيها شجرة تحمل من كلّ صنف من سائر أصناف الفواكه، كلّ فاكهة في أوانها. وعمل منار طويل وعلى رأسه قبّة تتلوّن كلّ يوم لون، حتّى تنقضي الأيّام السبعة من الجمعة، فتعود إلى اللون الأوّل، وتكسوا المدينة من ذلك اللّون. وجعل حول ذلك المنار بحيرة، وولّد فيها سمكا، كلّ سمكة لون من ألوان المعادن الجوهريّة، حتّى لا يشكّ أنّها جوهرا، فإذا صادها عادت سمكا طريّا من أحسن ما يكون السمك. وأقام كذلك دهرا طويلا، والله أعلم.
(٩١) ذكر ملوك مصر بعد الطوفان من وجه آخر
فأمّا ملوك مصر بعد الطوفان، فقد تقدّم الكلام في ولد نوح، ﵇، وتملّكهم الأرض بعد قسمتهم. وذكرنا كلّ منهم ونسله وما كان منه. ونحن الآن نذكر ملوك مصر منهم.
وذلك أن مصر بن بيصر بن حام بن نوح، ﵇، كان أوّل من حلّ مصر بعد الطوفان. وكان بيصر قد تزوّج ببنت فليمون الكاهن، حسب ما ذكرنا، فولدت له مصر. ونكح مصر امرأة من بنات الكهنة
стр. 574
أيضا، فولدت له أربعة نفر: قفط وأشمن وأترب وصا.
وكان بيصر قد استقطع أرض مصر، مسيرة شهرا عرضا في شهر طول، وهي من الشجرتين إلى أسوان، ومن أيلة إلى برقة. وأوصا لولده مصر، وكان أكبر ولده. فلمّا صار الأمر إليه قسم شاط النيل بأربعة.
وجعل لكلّ واحد وولده قطعة. ولمّا هلك، خلفه ابنه قفط، وخلف قفط أشمن، وخلف أشمن أترب، وخلف أترب صا.
ثمّ كان لصا أولاد ستّة، فأكبرهم قبطيم، وهو جدّ القبط أجمع، وإليه ينتسبون. وإخوته: رادس بن صا، وماليون بن صا، وماليا بن صا، ولوطين ابن صا. فكان الملك في قبطيم دون إخوته. وهو أوّل من تملّك من ولد صا، وأثار الكنوز، ونصب الأعلام، وعمل العجائب، وزبر الطلّسمات، وحذا في ذلك حذو من كان قبل الطوفان من كهنة مصر.
وملك ثمانين سنة ومات، فاغتمّ ولده عليه. ودفن في سرب تحت
стр. 575
الجبل الداخل الأحمر، وجعل فيه هيكل المريخ. وجعل فيه الأكؤس النحاس، المطليّة بأدوية من الحكمة، فهي تشعل ليلا ونهارا، ولا تنطفئ أبدا. ولطّخوا جسده بالمرّ والكافور والموميا. وجعلوه في حرز من ذهب في ثياب منسوجة باللؤلؤ الكبار، (٩٢) والفصوص البلخس، والياقوت البهرمان. وكشفوا عن وجهه تحت قبّة على عمد من مرمر ملوّنة، وفي وسط القبّة جوهرة معلقة تقد كالسراج، وبين كل عمودين تمثال في يده أعجوبة. وجعلوا حول الحرز توابيت من الحديد الصينيّ، مملوءة جوهرا نفيسا. وجعلوا كراسيّ من ذهب عليها مصاحف الحكمة في اللواح اليشم المعدنيّ، وسدوا عليها الصخور العظام والرصاص، وزبروا عليه كما زبروا على ناؤوس أبيه صا من قبله.
وتولّى بعده الملك قفطويم. وكان هذا قفطويم جبّارا، وكان أكبر
стр. 576
ولد قبطيم، وكان عظيم الخلق، وهو الذي وضع أساسات الأهرام بدهشور وغيرها، وقصد أن يبني أهراما كما عمل الأوّلون قبل الطوفان، وهو الذي بنا مدينة زرزورة بالواحات، ومدينة الأصنام. وفي أيّامه كان هلاك عاد بالريح العقيم. وعمل من العجائب شيء كثير، وعمل منارا عاليا على جبل قفط، يرا منها البحر الشرقيّ. ووجد هناك معادن الزئبق، فعمل منه بركة، فقيل: إنّها هناك إلى هذا العصر.
وقيل: إنّ أبيه قبطيم هو الذي بنا المدائن الداخلة بالواحات، وعمل فيها العجائب. فمنها البركة التي تعرف بصيّادة الطير، ذلك أنّ إذا مرّ عليها طيرا سقط فيها، ولا يبرح حتّى يؤخذ. وعمل أيضا على تلك البركة عمودا من نحاس عليه صورة طائر، إذا قرب منه الوحوش والهوامّ إلى تلك المدينة، صفر ذلك الطير صفيرا عاليا، فيرجع ذلك الوحش أو الهوامّ هاربة. وعمل على أربعة أركان هذه المدينة أربعة أصنام. فلا يقدر غريب أن يقترب إليها إلاّ ألقي عليه السّبات من النوم، فلا يزال كذلك حتّى يأتوا البوّابين فيأخذونه ويحضرونه إلى الملك. وعمل صورة صنم على منار لطيفة من زجاج محكوم ملوّن، في يده قوس، فإن عاينه غريب (٩٣) وقف
стр. 577
في موضعه حتّى يؤخذ أو يهلك. وكان هذا الصنم يدور بنفسه إلى مهبّ الرياح الأربع. وقيل: إنّ هذه المدينة باقية إلى عصرنا هذا، ومن وقع بها وقرب منها هلك بواحدة من هذه الحكم، وهي بالواحات. وفيها من الأموال والذخائر والجواهر ما لا يقع عليه حصر.
وذكر أنّه عمل في بعض المدن الداخلية مرآة يرا فيها جميع ما يسأل الإنسان عنه. وبنا عدّة مدن بالواحات الداخليّة، وعمل فيها عجائب كثيرة ووكّل بها الروحانيّين الذين يمنعون منها، فما يستطيع أحدا أن يدنوا منهم، ولا يدخل أو يعمل القرابين لتلك الروحانيّين، فيصل إليها حين إذن ويأخذ من كنوزها ما أحبّ من غير مشقّة ولا تعب.
وقيل: إنّ قفطويم أقام ملكا أربع مائة سنة، وأكثر العجائب عملت في وقته. ومات قفطويم، ودفن في ناؤوس عمل له في الجبل الغربيّ قرب مدينة العبد، بطريق الفيّوم، ودفن معه نظير ما دفن مع أبيه قبطيم وأزيد، ممّا يضيق عنه هذا المختصر.
وزبر على باب الأزج الذي للناؤوس: هذا المدخل إلى جسد الملك العظيم المهيب الكريم الشديد، قفطويم بن الملك قبطيم، ذي اليد والغلبة والفخر والقهر. أفل نجمه وبقي ذكره وعمله، فلا يصل إليه أحد ولا يقدر عليه بحيلة، وذلك بعد سبعمائة وسبعين دورة، ودورات مضت من الطوفان الأعمّ الخارب لكائنات الوجود.
ثمّ ملك بعده ابنه البودشير، وقد تقدّم ذكره في الكلام المختصّ
стр. 578
بكهنة مصر بعد الطوفان. وقد كان أولاد أعمام أبيه، وهم أشمن وأترب، ملوكا على أجنادهم، إلاّ أنّه قهرهم بجبروته، فكان الذّكر له دونهم.
ويقال: إنّه أرسل إلى هرمس المصريّ، فبعثه إلى جبل القمر الذي يخرج النيل من تحته (٩٤) حتّى عمل هناك هيكل التماثيل من النحاس، وعمل البطيحة التي ينصبّ إليها ماء النيل، وهو الذي عدّل جانبي النيل، وقد كان ربّما قيض فلا يجري.
وكانوا يسقون أراضيهم من الآبار المعينة، على أعناق الأبقار. وربّما كان النيل منقطع فلا يجري في مواضع كثيرة منه، حتّى اللهم الله، ، هذا الملك، فكان سبب إصلاح هذا النيل حتّى عاد يجري، وحصل به النفع الذي لا عليه من مزيد.
ثمّ إنّ هذا الملك خالط الغرب، وبنا المدن العظيمة، واختلط بهم البربر، ونكحوا منهم، ثمّ عاد بينهم حروب وقتال حتّى خرجت أكبر تلك المدن.
وأيضا، إنّ هذا الملك عمل في وقته قبّة لها أربعة أركان، في كلّ ركن منها كوّة يخرج منها الدخان الملتفّ في ألوان شتّا. فما خرج منها أخضرا دلّ على العمارة، وحسن النبات وصلاحه مع الخصب. وإن خرج الدخان أبيضا دلّ على الجدب، وعلى قلّة العمارة، وعدم البركة. وإن
стр. 579
خرج أحمرا دلّ على الدماء والحروب وقصد الأعداء. وإن كان أسودا دلّ على كثرة الأمطار والمآه، وفساد بعض الزرع، وخراب بعض الأرض. وإن كان أصفرا دلّ على النيران وآفات تحدث في الفلك. وما كان مختلط اللون دلّ على تظالم الناس بعضهم على بعض، وأشياء من هذه الأشباه.
وأقامت تلك القبّة زمانا طويلا.
وكانت الوحوش بالغرب كثيرة ضارية على الناس. فعمل تمثال من نحاس، صفة شجرة، وعليها صفة تلك الوحوش، من خنازير وغيره، ملجمة أفواهها بسلاسل من نحاس. فما جاز بها من الوحش إلاّ ساهي الحراك والبراح من مكانه، حتّى يؤخذ قنصا بالكفّ، وأشبع الناس من لحوم تلك الوحوش.
وقيل: عمل في وقته غرابا نقر عين بعض أولاد الكهنة فقلعها.
فعمل شجرة من نحاس وعليها غراب، في منقاره حيّة بادية الطرفين، (٩٥) والغراب منشور الجناحين، وكتب على ظهره كتابة، فكان الغربان تجذبهنّ تلك الشجرة، فلا يبرحن حتّى يؤخذن بالكفّ قبضا ويقتلن، حتّى زالت الغربان من تلك الأرض. ولم يزل الأمر كذلك حتّى أصاب بعض ملوكهم داء، فوصف له لحم غراب، يطبخه ويشرب مرقته. فلم يوجد إلى آخر أعمال مصر، حتّى نفذ إلى الشام من أحضر له بغراب،
стр. 580
فأبطأ عليه، وزادت العلّة به، فأمر بنزع تلك الشجرة حتّى رجعت الغربان من ساعتها، فأخذ منها حاجته، وعولج به قبل وصول قاصده من الشام، فخرج من علّته.
وقيل في وقته: إنّ الرمال كانت كثرت عليهم من ناحية الغرب حتّى طمعت على بعض زروعهم، فعمل لذلك صنما من صوّان أسود على قاعدة منه، في كفّيه كالقفّة فيها مسحاة، ونقش على جبهته وصدره وذراعيه وساقيه <كتابات>، وأقامه الكاهن في بطالع، أخذه ووجهه به إلى الغرب، فانكشفت تلك الرمال، ورجعت إلى ورائها. فتلك الأكداس العالية من جهة الغرب منها. ولم تزل الرمال تندفع عنهم إلى وراء ذلك الصنم <إلى أن زال> من موضعه. وأقام هذا الملك البودشير ثلاثمائة سنة، ثمّ غاب عن الناس حسبما تقدّم من ذكره عند قطع الكركيش، والله أعلم.
عديم بن البودشير. جلس العديم المذكور على سرير ملك أبيه، بإشارة أبوه حسبما تقدّم. وكان عديما ملكا جبّارا لا يطاق، عظيم الخلق. وكان في وقته يزعمهم الملكان اللذان أهبطا من السماء، وكانا في بئر يقال <لها>: أقساوة. وكانا يعلّمان الناس السّحر بمصر.
ويقال: إنّ عديما استكثر من العمل به، ثمّ انتقلا إلى بابل.
وأهل مصر من القبطيّين يقولون: إنّما هما كانا شيطانان، يقال
стр. 581
لأحدهما: مقلة، والآخر: مهالة، وأنّ الملكان غيرهما اللذان هما: هاروت وماروت. والملكان في بئر في بابل نعشاهما السحر إلى أن تقوم الساعة.
وقيل: (٩٦) إنّ عديما بن قيطريم. فإنّ البودشير ما وطئ امرأة قطّ، ولا أعقب، وإنّه أخ للبودشير.
وفي زمان عديم أوّل ما عبدت الأوثان بعد الطوفان. وقيل: إنّ الشياطين كانت تظهر وتنصبها لهم، وأنّ أوّل صنم أقيم: صنم الشمس.
وعمل في زمان عديم عجائب كثيرة، ومن ذلك أنّه عمل في إحدى المدائن الداخلة حوضا من صوّان أسود مملوءا ماء عذبا، لا ينقص ولو ورده العالم بأسره على مرور الدهر، ولا يتغيّر بما اجتلب إليه من رطوبة الهواء. وكان أهل تلك النواحي ليس لهم ورد غيره.
وذكر بعض كهنة القبط، أنّ ذلك إنّما تمّ لهم لبعده عن النيل وقربهم من المالح، لأنّ الشمس، فيما ذكروا، يرتفع نحوها بخارا من البحر المالح، وينحسر من ذلك البخار جزوا بالهندسة-وقيل: بالسحر- فجعله ينحطّ في ذلك الحوض شبه الطلّ، ويمدّه الهواء <برطوبته>، فلا ينقص ماؤه على مرور الدهر، ولو شرب منه العالم جميعا.
وقد عمل أمام السند بالهند حوضا مدوّرا لطيفا، وجعله على قاعدة،
стр. 582
وملأه بالماء، وحصر عليه جزءا من البخار الرطب، فعاد الخلق يشربون منه، وهو لا ينقص شيئا، وهو هناك إلى وقتنا هذا، وهذه رواية المسعوديّ عن هذا الحوض الذي بالهند وأنّه شاهده بعينه.
وقيل: إنّ عديم دفن في إحدى المدائن ذوات العجائب، وإنّه ملك مائة وأربعين سنة.
وذكر قوم من القبط أن ناؤوس عديم في صحراء قفط على وجه الأرض، <وهو> قبّة عظيمة من زجاج أخضر برّاق، معقودة على ثمان أرماح من زيها، وعلى رأس القبّة كورة من ذهب، وعليها طائر من ذهب، موشح بجوهر، منشور الجناحين، يمنع من الدنوّ منها، وهي في علوّ مائة ذراع سوداء. وجعل جسده في وسط القبّة على سرير من الذهب مشبّك باللؤلؤ العظيم القدر، وهو مكشوف الوجه، عليه ثياب منسوجة بالذهب (٩٧)، مفصّلة بالجوهر الثمين. والآزاج مفتّحة، طول كلّ أزج ثمانية أذرع. والقبّة تلقي شعاع خضرتها على ما حولها من الأرض.
وجعل حوله في القبّة مائة وسبعين مصحفا من مصاحف الحكمة، وتسع موائد، منهم مائد حمراء من ياقوت أحمر، وأوانيها منها. ومنهم مائدة
стр. 583
ذهب فليموني يكاد يخطف بالبصر. وهو الذهب، تعمل منه تيجان الملوك وأوانيها كذلك. ومنهم مائدة من حجر الشمس المضيء، لا تكاد تملكه الأبصار ضياء. ومنهم مائدة من زبرجد الذي يخلط لونه شعاع أصفر، وهذا اللون الذي إذا نظرت إليه الأفاعي سألت عيونها. ومنهم مائدة كبريت أحمر، مدبّر على ما اقتضته حكمهم من تدبيره. ومنهم مائدة ملح برّاق، لا يقدر أن يتأمّل إليه لشدّة أخذه بالبصر. ومنهم مائدة زئبق معقود محكم. وكلّ مائدة مكمّلة ثانيتها. وجعل في القبّة معه جواهر كثيرة ملوّنة، وبراني حديد صيني مملوءة من تبر الصنعة، وجعل حوله سبعة أسياف صواعق، في أيد سبعة خيّالة على أفراس يدورون كالبرق الخاطف، لو مرّ بهم الطير في الجوّ لاختطفوه وبضعوه؛ وسبع توابيت من حديد مملوءة دنانيرا من ذلك الذهب المذكور، منقوشة عليها اسمه، وصوّر عليها صورته.
قلت: وقد رأيت في بعض المجاميع، أن قوما من أهل سجلماسة، من المغرب وقعوا بكتب فيها صفة هذا الملك وهذه القبّة، وصفة الوصول
стр. 584
إليها. فتوصّلوا، واستدلّوا بما في كتبهم حتّى قربوا من تلك القبّة، فكانوا على مقدار خمسين ذراعا، فرأوا من أمرها ما هالهم، ووجدوا تلك الخيّالة والصواعق تأتيهم كالبرق الخاطف، والقبّة أيضا تدور كدوران تلك الخيّالة.
وذكروا أنّهم شاهدوا وجه الملك في قدر ذراع ونصف ولحيته تلعب بها الريح كالمدية الطويلة، وطول بدنه على السرير قدر عشرة أذرع وزيادة، وأنّهم رأوا بها عجائب كثيرة، أضربت عنها لما فيها من طول.
وذكروا أنّ الوصول إليها: (٩٨) أن يذبح لها ديكا أبيضا أفرق، ويبخّر بريشة من جهة الريح الواصل إلى القبّة، حتّى يصل البخور إليها، وتكون الكواكب النيّرة على مثل ما كانت عليه وقت نصبها واجتماعها في البروج.
وذاك أن يكون زحل والمشتري والمرّيخ في برج واحد، والشمس والقمر في برج واحد، والزهرة وعطارد في برج واحد. ويتكلّم على البخور بكلام الكهنة سبع مرّات، فحينئذ تبّطل تلك الحركات ثلثي ساعة، فيأخذ في تلك المدّة ما شاء، ولا يقف حتّى ينتهي الثلاثين، <وإلاّ> فيهلك.
стр. 585
وإنّ تلك الأقوام لم يتّفق لهم هذا الاتّفاق من الرصد، وإنّهم أقاموا بناحية قفط سبع سنين يرصدوا فلم يتّفق، غير أنّهم كانوا يأتوا في كلّ حين وينظروا القبّة حسبما تقدّم. ثمّ إنّهم خاطروا بأنفسهم، وكان معهم شخصا وولده من أهل قفط، فأمّا الشيخ، فإنّه جسر مع القوم، وأمّا الفتى فإنّه تأخّر. فذكر ذلك الفتا أنّه كان ينظر لتلك الأقوام، وكانوا ستّة نفر، وهم يتقطعوا بتلك الأسياف، حتّى عادوا كالعهن المنقوش، ولا عاد رأى لهم خبرا، فعاد إلى ناحية قفط مذعورا، وخبّر بما شاهده.
شدّات: وملك شدّات بن عديم، بعد أبيه عديم المذكور، وهو الذي بنا الأهرام الدهشوريّة من الحجارة التي قطعت في زمان أبيه.
وأمّا من أنكر أنّ العادية دخلوا مصر، أنّهم غلطوا باسم شدّات هذا، فقالوا: شدّاد بن عاد، لكثرة ما تجري ألسنتهم عليه، وإلاّ فما قدم أحدا من آل عاد مصر، ولا قدر أحدا من الملوك على الدخول إلى مصر، ولا قوي على أهلها، غير بخت نصر الفارسيّ.
стр. 586
وقد وجدت في هذا الكتاب القبطيّ يقول، وإن كان كلاما لا يصوغه الشرع، ولا نصدّقه نحن، فإنّنا نقوله بطريق التعجّب في ما أوردوه الأوائل في كتبهم: إنّ البودشير بن قفطويم لمّا أجهد نفسه في عبادة الأنوار العالية وعرف روحانيّاتها <وقد صارت فيه>، تهذّبت نفسه، واستغنى جسده عن الطعام والشراب، فلمّا تأمّن ذاك، واشتاقت إليه الأنوار (٩٩) واشتاق إليها، رفعته إلى محلّها الأعلى، ودبّرته من شرور الأرض المؤلمة لأهلها، وجعلته نورا ساميا في نورها، يتصرّف بتصرّفها. فطوباه من كاهن عرفت له كهانته، وأكرم به ملكا نال بغيته.
وقد كانت هؤلاء الأمم كلّهم على التوحيد والمعرفة بالربوبيّة لإله السماء، وإنّما كانوا يقولون: إنّ مدحنا بهذه الكواكب المدبّرات، لا يضرّ خالقها ولا ينقصه في ملكه، وإنّما نعظّمها لتقرّبنا منه، كما قال الهند والجهلة من العرب، كما أخبر الله، ، عنهم في كتابه العزيز: ﴿إِلاّ لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللهِ زُلْفى﴾.
وعمل شدّات في مدّة ملكه أعمالا كثيرة ممّا فاق بها على من تقدّمه، وممّا يطول الشرح في ذكرها، ومن جملتها المدائن التي بالغرب، وعجائبها، وعمل الصنم الذي له إحليل بيده، ما أتاه معقود أو عاجز عن الباه فتمسّح به إلاّ زال عنه ما يشكوه، وكذاك صنع الصورتين الملتصقتين لكثرة التناسل.
стр. 587
وهو أوّل من أحبّ الصيد وأخذ الجوارح من الطير، وولّد الكلاب السلاق من الذئاب والكلاب الأهليّة. وعمل البيطرة وجميع ما تعالج به الدوابّ. وعمل الأعمال الكثيرة، التي لا تدرك لها غاية. وعمل طلسم التماسيح، ومنعها من الوصول إلى مصر.
ويحكى: أنّه عمل لمصر أربعون أعجوبة من الغرائب العجيبة. وأقام سبعين سنة ملكا. وخرج في صيد له، فكب به جواده في وهدة فقتله.
وفي هذا الكتاب القبطيّ: أنّ شدّات هذا أخذ بعض خدمه، وقد غضب عليه، فألقاه من أعلا جبل إلى أسفله فتقطّع جسده، فندم على ذلك من فعله، ورأى أنّه سيصيبه مثل ذلك، فكان يتوقّى أن يعلو مكانا مرتفعا.
وأوصى إن أصابه شيئا من ذلك أن يجعل ناؤوسه في المكان الذي يلحقه به، ويزبر عليه: ليس ينبغي لذي قدرة أن يخرج عن الواجب، ولا يفعل ما لا يجوز له فعله، وهذا ناؤوس شدّات بن عديم بن قفطويم، عمل ما لا يحلّ، فكوفئ عليه بمثله.
ولمّا هلك زبر ذلك على ناؤوسه ودفن في صفح جبل، مكان كبا به جواده، وجعل معه من الأموال (١٠٠) والجواهر والتماثيل وأصناف الحكم، وعاش أربع مائة سنة وأربعين سنة، وأوصى بالملك لولده منقاوس.
стр. 588
ولمّا ملك منقاوس الملك، قام مقام أبوه فيما كان يفعله، وأظهر مصاحف الحكمة. وقيل: إنّه أوّل من صنع الحمّام. وأمّا أهل الأثر فيقولون: إنّ سليمان بن داود، ﵇، أوّل من صنع الحمّام، وهو الأصحّ. وكان كثير النّكاح، فاتّخذ مائتي امرأة من بنات أعمامه وبنات الكهنة، وعمل عند كلّ امرأة عجيبة من عجائبه.
وقيل: إنّه الذي بنا مدينة منف لبناته، وكانوا ثلاثون بنتا، فسمّيت باسم عدّة ثلاثين.
وعمل في السنة أحد عشر عيدا، في كلّ عيد من الأعمال ما يصلح فيه توافقا لبرج ذلك الشهر. وكان يطعم الناس في مدّة تلك الأعياد سائر أصناف الأطعمة الملوكيّة، ويوسع عليهم. ففرح الناس به، ورأوا معه ما لم يروا مع غيره. وفتح عليه في أيّامه بعدّة معادن من ذهب وفضّة. وألزم أصحاب عمل الكيمياء العمل، فكانوا لا يفترون. واجتمعت عنده أموالا جمّة. فدعا أخ له، فقال: قد ترا كثرة هذا الذهب والجوهر، وما عملناه من التماثيل، الذي تحصل لغيرنا، ولست آمن أن تسمع بنا الملوك فيغزونا، ونقع في الحروب بسببه، فتوجّه به، وأمعن في أرض الغرب، ثمّ انظر مكانا حريزا، فأحرزه به وأخفي أثره، وعلّم المكان بعلامات تقفوها إذا احتجنا إليه، وكذلك طرقه.
стр. 589
وذكروا أهل الأثر من العلماء بأحوال ملوك مصر أنّه حمل معه اثنا عشر ألف عجلة، منها من الجوهر النفيس ثلاثمائة عجلة، وسائرها ذهب إبريز، من صفائح وتماثيل وصور وعجائب مصنوعة من ذهب عسجد.
فسار في الجنوب يوما، ثم أخذ مغرّبا اليم الثاني وبعض الثالث، وانتهى إلى جبل منيف أسود، ليس له مصعد، بين جبال مستديرة. فجعل تحت ذلك الجبل أسرابا ومغائر، ودفن فيها جميع (١٠١) ذلك، وزبر عليها، ورجع. فمكث بعد ذلك أربع سنين، وبعث كلّ سنة عجلة عظيمة، فتدفن هناك. وهو الذي صنع امرأة في مدينة منف مبتسمة، فلا يراها أحد وبه همّ إلاّ أفرج عنه ما يجده في ساعته، ونسي همّه. فكان الناس يأتونها ويطوفون بها، ثمّ عبدوها بعد ذاك.
وهو الذي صنع تمثالان روحانيّان من صفر مذهّب، لا يمرّ بهما زان ولا زانية إلى كشف بيده عن عورته، فيعلم أنّه زان. فارتدع الناس في أيّامه عن الزناء، ولا زال كذلك إلا أيام. . . الملك، وذلك أن بعض نسائه كانت تحبّ الزنا، وخشيت من الفضيحة من جهة تلك التمثالين. فدقّقت الحيلة مع زوجها الملك في حديث طويل، حتّى اقتلع تلك التماثيل من مواضعها، ونصبها في قصره، وظنّ أنّهما يفعلا ذلك في المكان الذي نصبا
стр. 590
به، فبطل فعلهما بذلك، وحصل لها ما كانت تقصده.
وهذه الأشياء إنّما كانت تعمل على رصد الكواكب ومطالعها وأوقات سعودها.
ثمّ إنّ منقاوس الملك بنا هيكلا للسحرة على رأس الجبل القصير.
وقدم عليه رجل منهم يقال له: مسيس، فكانوا لا يطلقون المراكب المقلعة إلاّ بضريبة يأخذونها من أهله. وأقام ملكا أحد وسبعين سنة، ومات من طاعون أصابه، وقيل: بل سمّ في طعامه. وعمل له ناؤوسا في صحراء الغرب، وقيل: في غربيّ قوص، ودفن معه شيء عظيم، ممّا لا يعدّ ولا يحدّ، ممّا زاد عمّن تقدّمه من الملوك، واستخلف ولده مناوش الملك.
وكان مناوش ملكا جبّارا، ويطلب الحكمة كأبيه وأجداده. وكان كلّ واحد من ملوكهم يجهد في أن يعمل في أيّامه عملا لا سبق إليه من أصناف العجائب والصنائع.
وهذا الملك أوّل من أظهر عبادة البقر في أهل مصر. وكان السبب في ذلك أنّه اعتلّ علّة، يئس منها الحياة، وأنّه رأى في منامه صورة روحانيّ عظيم يخاطبه ويقول له: إنّه لا يخرجك من علّتك هذه إلاّ عبادة البقرة، لأنّ
стр. 591
الطالع كان في وقت (١٠٢) حلول برج الثور. ففعل ذلك، وأمر أن يأتي بثور حسن أبلق اللون، كامل الصورة في الحسن، وعمل له مجلسا في قصره، وعمل عليه قبّة عظيمة، مصفّحة بذهب إبريز، وعاد يبخّره ويطيّبه. ووكّل به سادنان لخدمته، وعاد يعبده سرّا من أهل مملكته، فبرئ من علّته، وعاد في أحسن أحواله.
وقيل: إنّه كان في علّته لا يقدر على ركوب على الدواب، وكان يجلس في قبّة وتجره البقر بالعجل، فنظر إلى ثور حسن، من الذي كان يجرّونه، أبلقا، حسن التركيب، فأعجب به. فأمر بنزعه، وأن يجرّ من يديه إلى كلّ موضع، إعجابا به. وجعل عليه من الحليّ والحلل الدماج الملوكيّ المفصّل بالجوهر في شريط <من> الذهب الإبريز.
فلمّا كان في بعض الأيّام، وقد خلا به في موضع متنزّه، والثور قائم بين يديه، إذ خاطبه الثور وقال: لو عبدتني كفيتك جميع ما تريده، وعافيتك من علّتك هذه، وتكفّلت بجميع مصالح ملكك، وأزلت عنك سائر عللك وأمراضك. فأمر عند ذاك أن يغسل الثور ويطيّب ويدخل الهيكل، وعبده. فأقام ذلك الثور على ذلك الحال مدّة، ثمّ عاد آية: لا
стр. 592
يروث ولا يبول ولا يأكل إلاّ أطراف ورق الشجر، في كلّ شهر مرّة.
وافتتن الناس، وصار ذلك أصلا لعبادة البقر.
وبنا هذا الملك المدينة التي يقال <لها>: ديماس، وأقام عجائب كثيرة، وكنز فيها كنوزا عدّة. ويقال: إنّ قوما جازوا بها من نواحي الغرب، وقد أضلّوا الطريق، فسمعوا بها فريق الجنّ، ورأوا صور نيرانهم.
وأمّا ذلك الثور، فقد ذكره صاحب الكتاب القبطيّ، فقال: ولمّا مضى للناس مدّة على عبادة ذلك الثور، أمرهم أن يعملوا صورة من ذهب مجوّفة، ويؤخذ من رأسه شعرات، ومن ذنبه ومن ثخانة فروته وأظلافه، ويجعل في ذلك التمثال. وعرّفهم أنّه لاحق بعالمه، فيجعلوا جسده في حرز من حجارة المرمر، ويجعل في ذلك الهيكل، وينصب ذلك التمثال عليه، ويكون ذلك وزحل في شرفه، والشمس مسعودة تنظر إليه من تثليث، والقمر (١٠٣) زائد، وينقش على ذلك التمثال صور الكواكب
стр. 593
السبعة. ففعلوا ذلك، وعملت الصورة من ذهب، وكلّلت بأنواع الجواهر، وجعلوا عينيه من عنبر أسود، وبياضه من جوهر شفّاف. وحرزوا جسد الثور في حرز من مرمر، في الأوقات التي ذكرها لهم، ونصبوهما في الهيكل، وأوقدت عليه الشموع ليلا ونهارا، وبخّر بأنواع الطيب، ونذرت إليه النذور، وقرّبت إليه القرابين، وقصده الناس من سائر الآفاق، من جميع أعمال مصر.
وأقام مناوش ملكا تسعا وثلاثين سنة، وهلك بالعلّة التي كان أصيب بها أوّلا. وأوصا بالملك إلى ابنه مرنيس.
فملك مرنيس الملك عشرة سنين، وكان ضعيفا منهوك البدن. فلم يبن بنيانا، ولا نصب علما ولا منارا. ثمّ هلك بعد هذه المدّة، وأوصى إلى ابنه.
وقيل: إنّ هذا الملك لم يعقب، وأن الملك عاد من هذا البيت إلى ولد أشمن بن قبطيم؛ ووجدت مكان اسمه بياضا، فلم أعلمه. وقيل: إنّ هذا الملك أقام دهرا طويلا، وأنّه أوّل من صنع الدّرياقات من لحوم الأفاعي، وأنّه أوّل من أمر بالنيروز في مصر. وكان الناس يقيمون سبعة
стр. 594
أيّام، لا يصنعون صنعة ولا يفتحون لمعيشة. وكان هذا الملك يكفيهم في هذه المدّة سائر ما يحتاجون إليه من أكل وشرب. وكان يزعم أنّ هذه السبعة أيّام خدمة للسبع كواكب. وإذا انقضت أخلع على سائر الناس أجمعين، وغيّر جميع لباسهم على أقدار منازلهم ومراتبهم عنده.
وفي زمانه بنيت البهنسا. وكانت له زوجة مغري يحبّها تسمّى بهاء النساء؛ فبنا هذه المدينة لها، وسمّيت باسمها. وأقام بها أسطوانات، وجعل فوقها مجلسا من زجاج أصفر محكم، وعليه قبّة من ذهب إبريز، فكانت الشمس إذا طلعت ألقت القبّة شعاعها على المدينة، فتكون المدينة كلّها صفراء.
ويقال: إنّه ملك ثمان مائة وثلاثين سنة، ودفن في إحدى الأهرام الصغار القبليّة، ودفن معه من المال (١٠٤) والجوهر والعجائب شيء كثير.
ويقال: إنّ هذا الملك بنا في شرقيّ الصحراء مدينتين ونسبهما إلى هرمس، أي: عطارد. وجعل فيهما من العجائب ما يطول شرحه، أضربت عنه لطوله.
وقرأت في تاريخ عتيق أنّ رجلا أتا عبد العزيز بن مروان، وهو أميرا
стр. 595
بمصر، فعرّفه أنّه تاه في صحراء الشرق، وأنّه وقع بمدينة خراب وأنّه وجد فيها شجرة تحمل كلّ صنف من أصناف الفاكهة، وأنّه أكل منها وتزوّد، وأتا معه بشيء من فاكهة لم تكن في أوانها. فقال له رجل من قبط مصر:
هذه إحدى مدينتي هرمس، وفيها كنوز عظيمة. فوجّه عبد العزيز صحبة ذلك الرجل أقواما وزادا وماء، وأقاموا يطوفون تلك الصحارى شهرا كاملا، فما وقعوا لها على أثر.
ولمّا هلك هذا الملك قام بالأمر بعده ولده الشاد. وولي الشاد الملك وهو غلام وله من العمر خمسة وأربعين سنة. وكان جبّارا معجبا طمّاع العين، فافتتن بامرأة من نساء أبيه، وانكشف أمره معها. وكان أكثر همّه اللهو واللعب، وجعل تدبير ملكه إلى وزير كان له، واشتغل بلهوه.
ورفض العلوم والهياكل والنظر في مصالح الناس. وصنع له قصور من خشب مموّهة بالذهب، وجعلها على أطراف النيل، وكان يتنزّه عليها.
وولّد من الشجر والفواكه شيء كثير. وأنفد أكثر الأموال والذخائر جوائز لأرباب اللهو. وكان الخاصّة به متسلّطون على أموال الناس وحريمهم.
وقتل من الناس خلقا كثيرا في شرح طويل، فاحتالوا عليه حتّى سمّوه في طعامه، فهلك وهو ابن مائة وعشرين سنة، وكان ملكه خمسة وسبعين سنة.
وأوصى بالملك بعده لولده صا، وهذا الاسم على اسم عمّ جدّه
стр. 596
أوّلا. وأكثر القبط تزعم أنّه صا بن مرقويس، وهو أخو الشاد الملك، ليس ولده. فملك وهنّأه الناس بالملك، فوعدهم بالإحسان إليهم والنظر في حالهم. وسكن مدينة. . .، وأظهر العدل والإحسان، وعمل العجائب، وقرّب العلماء والكهنة ونفى الملهبيّين، (١٠٥) ونصب العقاب الذي كان أبوه عمله، وشرّف هيكله. وعمل في منف مرآة يرا منها الأوقات التي تخصب فيها بلده، والأوقات التي فيها تجدب. وبنا بداخل الواحات مدينة عظيمة، يقال لها: طرطورة. وجعل فيها من العجائب ما يضيق حصره. وصنع خلف الجبل المقطّم صنما يقال له: صنم الحيلة.
وكان كلّ من تعذّر عليه أمرا يأتيه فيبخّره ببخوره، فيبيّن له أمره.
ويقال: إنّه الذي بنا المدينة النحاس التي وقع عليها موسى بن نصير في زمان بني أميّة لمّا قلّد المغرب، فلمّا دخل مصر أخذ على الواح الأقصى بالنجوم. وقد كان وقع عندهم علم منها، فأقام سبعة أيّام في مهامه ورمال وصحاري بين سمت الغرب والجنوب. وظهرت لهم مدينة فيها حصن، وأسوارها من نحاس وأبوابها كذلك. فأقصد إليها الرجال ليقفوا على ما فيها، وتسوّروا بالحيلة العظيمة على سورها لمّا أعيا فتح أبوابها.
فكان من على على سورها ورآها صفّق بيديه وأهوى بنفسه إليه، ثمّ لم
стр. 597
يعود له خبر، فهلك خلق من الرجال على هذه الصورة. فلمّا أعياه أمرها، تركها ومضى.
ولم يسمع أنّ أحدا غير موسى بن نصير وقع بها، لا من قبله ولا من بعده. وهذا الأمر ذكر وشهر، فلا ينبغي أن ينكر. وكان القوم ذو استطاعة وقدرة على سائر الأعمال العجيبة.
وكان الغالب على مدنهم التي كانوا يبنونها بالغرب من الواحات، قوّة تسليط الرمل. فكان كلّ ملك يقوم، لا بدّ أن يصنع عملا لدفع الرمل عن تلك المدن التي بنيت، وإنّ في هذا الوقت أكثرها تحت آكام من الرمل الغالب عليها، والله أعلم.
وقرأت في مجموع أنّ قوما من فلاّحين الواحات الخارجة، تغلّب عليهم عاملهم، وعنّف بهم، فهربوا ودخلوا في صحراء الغرب، وحملوا معهم زادا، إلى أن تصلح أمورهم ويعودوا. فكانوا على يوم وبعض آخر، فلجؤوا إلى جبل، فوجدوه غير أهل، فدخلوا تحت شعابه.
فوجدوا مساكن طيّبة، وأشجار باسقة، (١٠٦) وأنهر متفجّرة، وأرض لم يروا أطيب منها، ولا أللد نسيم، وبها قوم يسكنونها ويزرعون ويرفعون.
فخاطبوهم، فلم يعرفون بكلامهم، فأتوهم برجال عندهم، ففهموا كلامهم وقالوا: يا قوم، نحن أيضا كنّا مثلكم فلاحون، خارجا عن هذه الأرض،
стр. 598
جار علينا العمّال، فدخلنا هذه الأرض، وجميع من بها يزرعون ويرفعون، ولا لهم من يظلمهم بخراج، ولا يعرفون لهم مالك. فإن شئتم تكونوا عنها، فعلى الرحب والسعة. فعزموا تلك الناس أن يعودوا ويأخذوا أهلهم وأولادهم ويرجعوا يسكنون عندهم.
فلمّا عادوا بأهاليهم وأولادهم ومواشيهم، فأقاموا مدّة أيّام يطلبون تلك الأرض، فلم يجدونها وضلّوا عن الطريق، ولا تاتا لهم الوصول إليها، فعادوا إلى بلادهم، وقد ندموا على مفارقة تلك الأرض. ولم يزالوا يهذون بما عاينوا وبما رأوا منها.
وقيل أيضا عن آخرين ضلّوا في الطريق بالغرب من هذه النواحي، فوقفوا على مدينة كثيرة الناس والمواشي والنخل والشجر والأمياه، فأضافوهم وأكلوا عندهم وشربوا، وأباتوهم في معصرة خمر عندهم، فسكروا من خمرهم، وناموا، فلم ينتبهوا إلى طلوع الشمس، فوجدوا أنفسهم في مدينة خراب، ليس بها أحد ولا عامر. فارتاعوا لذلك، وخرجوا على وجوههم كالهاربين. وساروا يومهم على غير سمت طريق، حتّى قرب المساء. فظهرت لهم مدينة عظيمة، أكبر من الأولى وأعمر، وأكثر أهلا ودوابا ونخلا وشجرا. وأنسوا بهم وأخبروهم بخبر المدينة الأولى، فجعلوا يعجبون منهم ويضّاحكون، وإذا لبعض أهل تلك المدينة، وليمة، فانطلقوا بهم معهم إليها، وأكلوا من أفخر طعام تلك الوليمة،
стр. 599
وشربوا من نبيذهم، وغنّوهم بأصناف الملاهي، وسألوهم، فأخبروهم أنّهم ضالّون عن الطريق. فقالوا لهم: الطريق بين أيديكم، ليس ببعيد منكم؛ فإن أحببتكم <أن> تتوجّهوا نفّذنا معكم من يدلّكم، وإن أحببتم الإقامة عندنا، فعلى الرحب والسعة. فسرّوا (١٠٧) بقولهم سرورا كثيرا، وأجمعوا على المقام عندهم، لما رأوا من كثرة الخير عندهم وأجمع من كان له أهل أو ولد أن يتوجّه فيحضر بأهله وولده ويأتوا عندهم على أحسن مبيت وأهناه.
فلمّا كان من الغد، انتبهوا فوجدوا أنفسهم في مدينة ليس فيها أنيس، وقد تشعتث حصنها ودورها، إلاّ أنّ حولها نخلا، وقد تساقط ثمره وانكدس حولها. قالوا: فلحقنا من الخوف ما لحقنا بالأمس وأزيد؛ وخرجوا منها هاربين متوجّمين مفكّرين فيما عاينّاه من أهلها. وإنّا لنجد بقيّة رائحة الشراب معنا، ومعاني الخمار فينا ظاهر. فلم نزل نسير يومنا أجمع، وليس بنا جوع ولا عطش، حتّى إذا كان المساء، وافينا راعيا يرعا غنما، فسألناه عن العمارة والطريق، فأوقفنا عليه. وإذا بنقّار من المطر، فشربنا منه وبتنا عليه. فإذا نحن في خلاف موضعنا الذي كنّا فيه، وإذا بالعمارة والناس. وما سرنا إلاّ بعض يومنا حتّى دخلنا مدينة الأشمونين بالصعيد. فكنّا نحدّث الناس، ولا يقبلوا منا، ومنهم من يصدّق ويتعجّب لذلك.
وهذه مدائن القوم الداخلة؛ ربّما غلب على سكّانها الجنّ. ومنها ما هو مستتر عن العيون، والله أعلم.
стр. 600
ولنعود إلى <ما> ساقه التاريخ من <ما> يفيد <عن> ملوك مصر، إن شاء الله تعالى.
ثمّ تملّك تدارس الملك. وكان تدارس الملك جبّارا محنّكا، ذو بطش وقوة ومعرفة بالأمور. فأظهر العدل، وساس الأمور أحسن سياسة، وأقام الهياكل، وزبر العلوم، وبنا غربيّ مدينة منف بنيانا عظيما للزّهرة، من لازورد محكم مذهّب، وصورة سواري زبرجد أخضر. وكان الصورة امرأة لها ظفيرتان في ذهب أسود مصنوع مدبّر في رجليها خلخالان من حجر أحمر شفّاف ونعلان من ذهب إبريز في يدها قضيب مرجان مكلّل، وهي تشير بسبّابتها كالمسلّمة على من في الهيكل.
وصنع من الصور والتماثيل ما فاق به على من تقدّمه من آبائه وجدوده. وكانت هذه الصورة يستشفى بها من كلّ داء يعرض. (١٠٨) وفرش الهيكل بحشيشة الزهرة، يبدّلونها في كلّ سبعة أيّام، وقرّب إليها القرابين من الضأن والمعز والوحش والطير. وكان في قبّة الهيكل صورة رجل راكب على فرس له جناحان وبيده حربة، في سنانها رأس إنسان
следующие страницы →