← История

История · id 18147

كنز الدرر وجامع الغرر

ابن الدواداري

Полный текст (4 323 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

أوّلا. وأكثر القبط تزعم أنّه صا بن مرقويس، وهو أخو الشاد الملك، ليس ولده. فملك وهنّأه الناس بالملك، فوعدهم بالإحسان إليهم والنظر في حالهم. وسكن مدينة. . .، وأظهر العدل والإحسان، وعمل العجائب، وقرّب العلماء والكهنة ونفى الملهبيّين، (١٠٥) ونصب العقاب الذي كان أبوه عمله، وشرّف هيكله. وعمل في منف مرآة يرا منها الأوقات التي تخصب فيها بلده، والأوقات التي فيها تجدب. وبنا بداخل الواحات مدينة عظيمة، يقال لها: طرطورة. وجعل فيها من العجائب ما يضيق حصره. وصنع خلف الجبل المقطّم صنما يقال له: صنم الحيلة. وكان كلّ من تعذّر عليه أمرا يأتيه فيبخّره ببخوره، فيبيّن له أمره. ويقال: إنّه الذي بنا المدينة النحاس التي وقع عليها موسى بن نصير في زمان بني أميّة لمّا قلّد المغرب، فلمّا دخل مصر أخذ على الواح الأقصى بالنجوم. وقد كان وقع عندهم علم منها، فأقام سبعة أيّام في مهامه ورمال وصحاري بين سمت الغرب والجنوب. وظهرت لهم مدينة فيها حصن، وأسوارها من نحاس وأبوابها كذلك. فأقصد إليها الرجال ليقفوا على ما فيها، وتسوّروا بالحيلة العظيمة على سورها لمّا أعيا فتح أبوابها. فكان من على على سورها ورآها صفّق بيديه وأهوى بنفسه إليه، ثمّ لم

стр. 597

يعود له خبر، فهلك خلق من الرجال على هذه الصورة. فلمّا أعياه أمرها، تركها ومضى. ولم يسمع أنّ أحدا غير موسى بن نصير وقع بها، لا من قبله ولا من بعده. وهذا الأمر ذكر وشهر، فلا ينبغي أن ينكر. وكان القوم ذو استطاعة وقدرة على سائر الأعمال العجيبة. وكان الغالب على مدنهم التي كانوا يبنونها بالغرب من الواحات، قوّة تسليط الرمل. فكان كلّ ملك يقوم، لا بدّ أن يصنع عملا لدفع الرمل عن تلك المدن التي بنيت، وإنّ في هذا الوقت أكثرها تحت آكام من الرمل الغالب عليها، والله أعلم. وقرأت في مجموع أنّ قوما من فلاّحين الواحات الخارجة، تغلّب عليهم عاملهم، وعنّف بهم، فهربوا ودخلوا في صحراء الغرب، وحملوا معهم زادا، إلى أن تصلح أمورهم ويعودوا. فكانوا على يوم وبعض آخر، فلجؤوا إلى جبل، فوجدوه غير أهل، فدخلوا تحت شعابه. فوجدوا مساكن طيّبة، وأشجار باسقة، (١٠٦) وأنهر متفجّرة، وأرض لم يروا أطيب منها، ولا أللد نسيم، وبها قوم يسكنونها ويزرعون ويرفعون. فخاطبوهم، فلم يعرفون بكلامهم، فأتوهم برجال عندهم، ففهموا كلامهم وقالوا: يا قوم، نحن أيضا كنّا مثلكم فلاحون، خارجا عن هذه الأرض،

стр. 598

جار علينا العمّال، فدخلنا هذه الأرض، وجميع من بها يزرعون ويرفعون، ولا لهم من يظلمهم بخراج، ولا يعرفون لهم مالك. فإن شئتم تكونوا عنها، فعلى الرحب والسعة. فعزموا تلك الناس أن يعودوا ويأخذوا أهلهم وأولادهم ويرجعوا يسكنون عندهم. فلمّا عادوا بأهاليهم وأولادهم ومواشيهم، فأقاموا مدّة أيّام يطلبون تلك الأرض، فلم يجدونها وضلّوا عن الطريق، ولا تاتا لهم الوصول إليها، فعادوا إلى بلادهم، وقد ندموا على مفارقة تلك الأرض. ولم يزالوا يهذون بما عاينوا وبما رأوا منها. وقيل أيضا عن آخرين ضلّوا في الطريق بالغرب من هذه النواحي، فوقفوا على مدينة كثيرة الناس والمواشي والنخل والشجر والأمياه، فأضافوهم وأكلوا عندهم وشربوا، وأباتوهم في معصرة خمر عندهم، فسكروا من خمرهم، وناموا، فلم ينتبهوا إلى طلوع الشمس، فوجدوا أنفسهم في مدينة خراب، ليس بها أحد ولا عامر. فارتاعوا لذلك، وخرجوا على وجوههم كالهاربين. وساروا يومهم على غير سمت طريق، حتّى قرب المساء. فظهرت لهم مدينة عظيمة، أكبر من الأولى وأعمر، وأكثر أهلا ودوابا ونخلا وشجرا. وأنسوا بهم وأخبروهم بخبر المدينة الأولى، فجعلوا يعجبون منهم ويضّاحكون، وإذا لبعض أهل تلك المدينة، وليمة، فانطلقوا بهم معهم إليها، وأكلوا من أفخر طعام تلك الوليمة،

стр. 599

وشربوا من نبيذهم، وغنّوهم بأصناف الملاهي، وسألوهم، فأخبروهم أنّهم ضالّون عن الطريق. فقالوا لهم: الطريق بين أيديكم، ليس ببعيد منكم؛ فإن أحببتكم <أن> تتوجّهوا نفّذنا معكم من يدلّكم، وإن أحببتم الإقامة عندنا، فعلى الرحب والسعة. فسرّوا (١٠٧) بقولهم سرورا كثيرا، وأجمعوا على المقام عندهم، لما رأوا من كثرة الخير عندهم وأجمع من كان له أهل أو ولد أن يتوجّه فيحضر بأهله وولده ويأتوا عندهم على أحسن مبيت وأهناه. فلمّا كان من الغد، انتبهوا فوجدوا أنفسهم في مدينة ليس فيها أنيس، وقد تشعتث حصنها ودورها، إلاّ أنّ حولها نخلا، وقد تساقط ثمره وانكدس حولها. قالوا: فلحقنا من الخوف ما لحقنا بالأمس وأزيد؛ وخرجوا منها هاربين متوجّمين مفكّرين فيما عاينّاه من أهلها. وإنّا لنجد بقيّة رائحة الشراب معنا، ومعاني الخمار فينا ظاهر. فلم نزل نسير يومنا أجمع، وليس بنا جوع ولا عطش، حتّى إذا كان المساء، وافينا راعيا يرعا غنما، فسألناه عن العمارة والطريق، فأوقفنا عليه. وإذا بنقّار من المطر، فشربنا منه وبتنا عليه. فإذا نحن في خلاف موضعنا الذي كنّا فيه، وإذا بالعمارة والناس. وما سرنا إلاّ بعض يومنا حتّى دخلنا مدينة الأشمونين بالصعيد. فكنّا نحدّث الناس، ولا يقبلوا منا، ومنهم من يصدّق ويتعجّب لذلك. وهذه مدائن القوم الداخلة؛ ربّما غلب على سكّانها الجنّ. ومنها ما هو مستتر عن العيون، والله أعلم.

стр. 600

ولنعود إلى <ما> ساقه التاريخ من <ما> يفيد <عن> ملوك مصر، إن شاء الله تعالى. ثمّ تملّك تدارس الملك. وكان تدارس الملك جبّارا محنّكا، ذو بطش وقوة ومعرفة بالأمور. فأظهر العدل، وساس الأمور أحسن سياسة، وأقام الهياكل، وزبر العلوم، وبنا غربيّ مدينة منف بنيانا عظيما للزّهرة، من لازورد محكم مذهّب، وصورة سواري زبرجد أخضر. وكان الصورة امرأة لها ظفيرتان في ذهب أسود مصنوع مدبّر في رجليها خلخالان من حجر أحمر شفّاف ونعلان من ذهب إبريز في يدها قضيب مرجان مكلّل، وهي تشير بسبّابتها كالمسلّمة على من في الهيكل. وصنع من الصور والتماثيل ما فاق به على من تقدّمه من آبائه وجدوده. وكانت هذه الصورة يستشفى بها من كلّ داء يعرض. (١٠٨) وفرش الهيكل بحشيشة الزهرة، يبدّلونها في كلّ سبعة أيّام، وقرّب إليها القرابين من الضأن والمعز والوحش والطير. وكان في قبّة الهيكل صورة رجل راكب على فرس له جناحان وبيده حربة، في سنانها رأس إنسان

стр. 601

معلّق. واستمرّ هذا الهيكل إلى زمان بخت نصر الفارسيّ، وهو الذي هدمه، والله أعلم. وقيل: إنّ تدارس <هو> الذي حفر خليج سنحار، وارتفع خراج مصر على يديه: ألف ألف وخمسون ألف دينارا. وقصده بعض عمالقة الشام فخرج إليه واستباحه ودخل فلسطين، فقتل منها خلقا كثيرا وسبى بعض حكمائها وأسكنهم مصر. وهو الذي غزا السودان وقتل منهم مقتلة عظيمة، وتبعهم إلى أرض الفيلة، وكانوا في زهاء ألف ألف مقاتل. وعمّر مكان وصل منارا، وزبر عليها اسمه وظهوره على السودان. ولمّا عاد إلى مصر رأى رؤيا يدلّ بها على موته، فعمل لنفسه ناؤوسا ونقل إليه شيئا كثيرا من الأموال والجواهر وأصنام الكواكب، وزبر عليه اسمه، وجعل عليه موانع تحفظه، وعهد إلى ابنه ماليك. وكان ماليك ولده عاقلا أديبا كريما حسن الوجه، مخالفا لأمّه ولأهل ملكه في عبادة الكواكب والبقر، وكان موحّدا على دين قبطيم ومصريم وكانت القبط تذمّه لذلك. وكان سببه ما ذكره المسعوديّ في روايته: أنّه رأى، فيما يرا النائم،

стр. 602

كأنّه أتاه رجلان، ولهما أجنحة، فاختطفاه وحملاه إلى الفلك السابع. فأوقفاه بين يدي شيخ أسود اللون، أبيض الرأس واللحية، فقال: هل تعرفني؟ فدخلته فزعة الحداثة، وكان سنّه نيّفا وثلاثين سنة، فقال: ما أعرفك. فقال: أنا فورس-يعني: رجلا. فقال: قد عرفتك؛ أنت إلهي. فقال: إنّي لست بإلهك ولا إله أحد من الناس، وأنا مربوب مثلك، وإلهي وإلهك الذي خلق السموات والأرض، وخلقني وخلقك. فقال: فأين هو؟ فقال: في العلوّ الأعلى، (١٠٩) لا تراه العيون، ولا يحويه مكان، ولا تدركه الأوهام، حيّ لا ينام، وهو جعلنا سببا لتدبير العالم الأرضيّ. فقال الملك: فبماذا تأمرني أن أفعل؟ قال: تضمر في نفسك ربوبيّته علينا وعلى الخلق الجميع، وتخلص في وحدانيّته، وتعترف بأزليّته. ثمّ أمر تلك الرجلين فأنزلاني، فانتبهت مذعورا وأنا على فراشي. فدعي برأس الكهنة، وقصّ عليه ذلك. فقال: قد نهاك أن تتّخذ الأصنام معبودا، فإنّها <لا> تضرّ ولا تنفع. فقال: من أعبد أيّها الحكيم الفاضل؟ قال: الذي دلّك عليه، وهو الذي خلق السموات والأرض والكواكب والفلك، الذي هم به، والأرض ومن عليها. فعاد ذلك الملك إذا حضر إلى بيت الأصنام، انحرف عن الصنم، ونوى سجوده لخالق السموات والأرض، وخالق الكواكب السبع. ثمّ إن الله تعالى أيّده بملائكة تعضده وتحرسه وترشده إلى مصالح أحواله. وكان يأتيه في نومه من يرشده إلى سائر مصالح ملكه.

стр. 603

وأمر الناس باتّخاذ الفارة من الجندل. وجيّش الجيوش، وصنع الفلك في البحر، ولقي جموع البربر، فقتلهم وهزمهم واستأصل أكرهم، وبلغ إلى إفريقيا وإلى ناحية الأندلس، ووقع بصاحب إفرنجة، فحاربه شهرا، ثمّ طلب صلحه، وأهدا إليه هدايا عظيمة <تليق> بملك عظيم، حتّى رجع عنه. ووصل بالأمم المتّصلة بالبحر الأخضر، ودخل في طاعته أكثرها. ووصل إلى أمّة لهم أنياب بارزة من أفواههم، وحوافر كالخيل، وقرون في رؤوسهم، فقالتهم وهزمهم إلى التخوم المظلمة. والقبط تذكر: أنّه رأى سبعين أعجوبة من مخلوقات الله، ، ممّا يطول الشرح في وصفهم، فأضربت عنهم للاختصار، إذ القصد: سياقة التاريخ، ملك بعد ملك من ملوك مصر، منذ بدء الدنيا وإلا آخر ما يقف عليه وعنده هذا المختصر، إن شاء الله تعالى، بمعونة الله وحسن توفيقه. وأقام ماليك هذا مؤمنا بالله تعالى، لا يشرك به غيره، بريئا من عبادة الكواكب وللأصنام والبقر، لا يعبد إلاّ الله وحده، لا شريك له، موقنا

стр. 604

بالبعث والنشور والحساب، (١١٠) والقصاص والممات، كتب صحيفة بخطّ يده، وأمر أن تكون في ناؤوسه، فيها مكتوب: ها ناؤوس ماليك، ملك مصر؛ مات مؤمنا بالله خالق السموات والأرض، لا يعبد غيره، بريئا من الأصنام وعبادتها، موقنا بالبعث والحساب والمجازاة على الأعمال، عاش أربع مائة سنة وثلاثين سنة ومات على ذلك؛ فمن أحبّ النجاة فليدن بما دان به. وأوصى أن لا يدفن معه في ناؤوسه أحدا من أهل بيته. وقد كان كنز كنوزا عظيمة، وزبر عليها ألاّ يخرجها إلاّ أمّة النبيّ المبعوث في آخر الزمان. فمن وقع منها بشيء فإنّه سيكون له منها نصيبا، حسبما زبره هذا الملك. ثمّ إنّه استخلف ابنه جريبا. وكان جريبا هذا ليّنا سهل الخلق. ولم يمت أبوه حتّى شرح له دين التوحيد بالله، ، وأمره أن يدين به، ونهاه عن عبادة الأصنام. وكان معه في حياته على ذلك، ثمّ رجع عنه إلى دينهم بعد وفاته. وكان سبب رجوعه إلى ذلك أنّه هوي بنت أحد الكهّان، وهو كان الرمم، فنقلته إلى دينها لغلبة الهوى عليه ودرك الشقاوة. وأمرت بتجديد الهياكل، وشدّدت في عبادة الأصنام.

стр. 605

ثمّ إنّ هذا الملك غزا بلاد الهند بسبب فيه كلام كثير ليس به فائدة، فأضربت عنه لذلك. وبلغ سرنديب، وأوقع بأهلها، وكسب جواهرا عظيمة، وحمل معه حكيما منهم. وبلغ جزيرة بين الهند والصين، فرأى قوما طوال جدّا، سمر يجرّون شعورهم جرّا. وأقام في سفره سبع عشر سنة، ورجع بعدما يئس منه أهل مصر. وكان قد استخلف ولده كلكن، فوجده مستمرّا على أحسن ما تركه، فسرّ بذلك. وجدّد عشرة هياكل، وزاد في ذلك. وحمل معه من تلك البلاد أشياء يطول تعدادها من الأموال والجواهر وذخائر الملوك الذين قهرهم واستأصل ممالكهم. ثمّ أقام سنينا وغزا <بعدها> ممالك الشام إلى أن وصل في الشرق إلى أولاد يافث بن نوح. وملك بعد ذلك خمسمائة وسبعين (١١١) سنة، وعمل لنفسه في صحراء الغرب ناؤوسا، وبنا إلى جانبه مدينة برفود. وصنع فيها من العجائب والحكم، وادّخر فيها جميع ما أحضره معه من الأموال والجواهر والأمتعة والأواني والآلات، ممّا يحيّر السامع في بعضه، وممّا لو شرحته لكان كراريسا بذاتها، فأضربت عنه لكثرته. وأقام بتلك المدينة إلى أن هلك، وابنه المذكور على المملكة بمنف. فلمّا هلك أبوه، ضمّد جسده بالموميا والكافور والمرّ، وجعل في تابوت من ذهب، وحمل إلى ناؤوسه. ودفن معه أموال كثيرة وجوهر

стр. 606

نفيس، ما لا يعدّ ولا يحدّ، ومصاحف الحكمة، ومصاحف زبر فيها سيرته وغزواته وحروبه وشدّة قوّته وبطشه، وإقامته في مملكته، ومدّة حياته إلى حين وفاته. وجلس بالملك ولده كلكن، وعقد التاج على رأسه بعد موت أبيه بالإسكندريّة، وأقام بها شهرا، ثمّ رجع إلى مدينة منف. وكان حكيما فاضلا كاهنا عالما، وعظّم العلماء من الكهنة والحكماء، وألزم أصحاب علم الكيمياء بعمل ذلك. فخزن أموالا عظيمة، لا يحصيها إلاّ الله تعالى. وهو أوّل من أظهر عملها بمصر بعد أولئك الملوك الأوّل؛ فإنّ أبوه وجدّه وغيره ممّن تقدّمه، كانوا منعوا عملها، أبطلوها جملة كافية، خوفا <من> أن تنتقل عنهم إلى ملوك غيرهم. فعملها كلكن هذا، واجتهد في كثرة عملها، حتّى لم يكن أكثر من الذهب في أيّامه بمصر. ويحكي عنه القبطيّين أنّهم أظهر في زمانه حكما لا يعرفونها، مما يذهل العقول، حتّى إنّهم يسمّونه حكيم الملوك. وغلب جميع الكهنة في كهانتهم وعلومهم، وكان يعرّفهم بالمغيّب عنهم فيما سيأتي، فخافوه خوفا شديدا. وكان في أيّامه نمرود إبراهيم، صلوات الله عليه. ويقال: إنّه لمّا اتّصل بنمرود خيره وسحره وحكمته، استزاره. وكان نمرود جبّارا مشوّه الخلق، يسكن العراق من الأرض. وكان الله تعالى آتاه قوّة وقدرة وبطشا، فغلب على كثير من الأرض.

стр. 607

فتقول القبط، فيما يزيدون (١١٢) في تعظيمه: إنّ النّمرود لمّا استزاره وجّه إليه أن يلقاه منفردا من أهله وحشمه بموضع كذا. وكان ملتقاه له بأصناف السحر. فلمّا التقاه النمرود، أقبل كلكن الملك على أربعة أفراس تحمله، ذوات أجنحة، وقد أحاط به هالة من نور كالنار، وحوله مشوّهة هائلة المنظر، من رآهم لا يملك نفسه فرقا، وهو متوشّح بتنّين محتزم ببعضه، والتنّين فاغر فاه، وبيد الملك قضيب آس أخضر، كلّما رفع التنّين رأسه ضربه بذلك القضيب. فلمّا رآه النمرود في هذه الصورة، هاله أمره وأعظمه، فخاطبه وهو كبير الوجل منه، واعترف بجليل قدره وعظيم حكمته، وسأله أن يكون له ظهيرا. وتقول القبط: إنّ كلكن كان أعظم الملوك من بعد البودشير، ثمّ إنّه استتر عنهم مدّة، حتّى توهّموا أنّه هلك لكثرة جولانه في سائر بقاع الأرض، حتّى طمع الملوك المجاورة له في ملكه. فقصده ملك من ملوك الغرب، يقال له: ساروم بن بيدوم في جيش عظيم، وأقبل من نحو وادي هيت. وبلغ أهل مصر ذلك، فخافوا خوفا شديدا لغيبة كلكن عنهم، وليس لهم ملك يرجعون إلى تدبيره. فلم يشعر ذلك الجيش العظيم إلاّ وقد ركبتهم غمامة حمراء شديدة الحرارة، وغشيتهم حتّى عادوا لا يعلمون أين يتوجّهون. ونشف جميع ما كان معهم من ماء، وزاد بهم الحرارة، فهلكوا بأجمعهم مع سائر دوابّهم.

стр. 608

وظهر كلكن بمصر، وعرّفهم أنّه أهلك عدوّهم، من غير أن يعينهم لقتال ولا حرب. وأمرهم بالخروج إليهم ليعرفوا حقيقة أمرهم. فخرجوا، فوجدوهم أموات بأجمعهم ودوابّهم في قاع واحد. فعرف الناس له ذلك وهابوه سائر الملوك وهابته الكهنة هيبة لم تهب قبله ملكا قطّ. وصوّروا صورته في جميع الهياكل. وملكهم زمانا طويلا، وبنا في آخر عمره هيكلا لزحل من صوّان أسود، في ناحية (١١٣) الغرب. وجعل له عيدا، وجعل فيه ناؤوسا، وحمل إليه من الأموال والجواهر ما أحبّ واختار. وزبره بالطّلّسمات والموانع القاطعة. ثمّ غاب عنهم، فلم يقفوا له على موته. وأوصا إلى أخيه ماليا. وكان ماليا كثير الأكل والشرب، متفرّدا بالرفاهية، غير ناظر في شيء من الحكمة. وجعل أمر الناس إلى وزير له، فكانت هيبة أيّامه لهيبة أخيه كلكن. وتقديرهم أنّه لم يمت، وإنّما ذكر له موته لينظر ما تجري عليهم من الأحوال. وكان ماليا معجب بالنساء، فكان له ثمانون امرأة. ثمّ اتّخذ امرأة من بنات ملوك منف وكانت عاقلة سديدة الرأي، وكان بها معجبا. وكان له بنون وبنات، وكان أكبر بنيه يقال له: طوطيس، وكان يستجهل أباه، فأعمل الحيلة في قتله، وحملته على ذلك زوجة أبيه وجماعة من نسائه

стр. 609

ووزرائه. فقحم عليه في رواقه وهو سكران فقتله، وقتل امرأة إلى جانبه وصلبها. وجلس طوطيس. والملك طوطيس كان جبّارا، شديد البأس مهيبا، فدخلوا عليه أرباب الدولة وهنؤوه ودعوا له. فأمرهم بالإقبال على مصالحهم وأوعدهم بالإحسان إليهم. والقبط تزعم أنّه أوّل الفراعنة بمصر، وهو فرعون إبراهيم الخليل، صلوات الله عليه وسلم. وقالوا: الفراعنة سبعة، طوطيس هذا أوّلهم. ثمّ تذاكروا الناس ما فعله بأبيه وصلبه للمرأة، فاستقبحوا ذلك وأنكروه، كونهم لم يعهدوا أحدا من قبله قتل أباه ولا شهّر بامرأة قطّ، فلمّا بلغه ذلك أمر بالامرأة فأنزلها ودفنها. ثمّ إنّه استخفّ بأمر الهياكل والكهنة. وكان من خبر إبراهيم، صلوات الله عليه وسلم، ما سيأتي ذكره عند ذكر إبراهيم، ﵇، مع ذكر الأنبياء، صلوات الله عليهم أجمعين. وإنّما قصدنا بسوق ذكر ملوك مصر على التوالي، إذ شرطنا يقتضي أن لا تخرج من حديث إلى ما سواه حتّى ينتهي ما قبله، ليكون ذلك سياقه. (١١٤) ثمّ إنّ هذا الملك طوطيس أكثر القتل حتّى قتل قراباته وأهل بيته وبني عمه وخدمه ونسائه وكثيرا من الكهنة والحكماء. وكان حريصا

стр. 610

على الولد، فلم يرزق غير ابنته حوريا، وكانت عاقلة لبيبة فطنة حكيمة، وكانت تأخذ على يده كثيرا وتمنعه من سفك الدماء. وأبغضته وأبغضه الناس: الخاصّ والعامّ. فلمّا رأت أمره كذلك، خافت على زوال ملكهم، فسمّته في طعامه فهلك. وكان مدّة ملكه سبعون سنة. واختلفوا في أمر الملك، فقالوا: لا نملّك علينا أحدا من أهل بيته. وأرادوا تمليك بعض ولد بني أتريب، فقام بعض الوزراء ودعا إلى تملّك ابنته حوريا، ووصف عقلها وحكمتها وصنيعها في أبيها ولما كانت تنكره عليه من أمواله، فرضوا القوم بها فتمّ لها الأمر. وملكت حوريا ابنة طوطيس، وجلست على سرير الملك، وأوعدت الناس حسنا، وأخذت في جمع الأموال وحفضتها، وعمارة المواضع والأماكن، وقدّمت الكهنة والحكماء ورؤساء السحرة ورفعت من أقدارهم. وصار من لم يرض بأمرها إلى مدينة أتريب، وملّكوا عليهم رجلا من ولد أتريب يقال له: أنداحس. فعقد على رأسه تاجا، وتلفّف إليه جماعة من ولد عمّه وأهل بيته. وكبر سلطانه، فسيّرت إليه جيشا، فلم يكن لهم به طاقة. فدعاها إلى نفسه وخطبها، وذكر لها أنّ الممالك لا تقوم بالنساء، وخوّفها أنّ يزول ملكها. فعملت صنيعا وأمرت أن يحضروا الناس على

стр. 611

منازلهم، فحضروا وأكلوا وشربوا وبذلت لهم الأموال، وعرّفتهم ما جرا من ذلك الرجل انداحس وخطبته لها. فبعض صوّب الرأي وبعض امتنع، وقالوا: لا نولّي علينا غيرها، لمعرفتنا بعقلها، وهي وارثة الملك. ووثبوا على قوم ممّن خالفها وقتلوهم، وخرجوا في جيش كثيف، فلقوا جيش انداحس فهزموه، وقتلوا كثيرا من أصحابه. فهرب إلى أرض الشام، وبها الكنعانيّين من ولد عمليق، فاستغاث (١١٥) بملكهم، وأخبره خبره، وضمن له فتح مصر، فجهّزه في جيش عظيم. فلمّا بلغ أهل مصر ذلك، اجتمعوا بأسرهم إلى حوريا، ففتحت خزائن أبيها وفرّقت أكثرها، وقوّت أمر السحرة والكهنة، وأوعدتهم بالإحسان العظيم إليهم. وكان على ذلك الجيش الذي يصحبه انداحس قائدا عظيما قدره عند الملك ابن عمليق. فبعثت إليه حوريا تعرّفه رغبتها في تزويجه، لأنّها لا تختار أحدا من أهل بيتها. وكان اسم القائد حمرون. وإن هو قتل انداحس تزوّجته، وسلّمت إليه ملك مصر. فلمّا بلغ القائد ذلك، فرح به، وأسمّ انداحس بسمّ سيّرته إليه، فقتله. فسيّرت إليه: إنّه لا يجوز أن أتزوّجك، حتّى تظهر في بلدي قوة

стр. 612

حكمتك، وتبني لي مدينة عجيبة-وكان افتخارهم حينئذ بالبناء العظيم وإقامة الأعلام وعمل العجائب-وقالت: انتقل من موضع أنت به إلى غربيّ بلدي، فثمّ <لنا> آثار كثيرة، فاقتف بتلك الأعمال الغريبة. ففعل ذلك، وبنا مدينة بصحراء الغرب يقال لها: اندوبة حمرون، وجرا إليها من النيل نهرا عجيبا وغرس حولها غروسا كثيرة. وكانت تمدّه بالأموال وتكاتب صاحبه عنه وهو لا يعلم. فلمّا فرغ منها، قالت: ابن لنا مدينة أخرى كانت لأوائلنا وقد خربت. فامض على إصلاحها، حتّى أنتقل إليها سريعا، وأبعد عن أهل مملكتي وأكون أنا وأنت بها. وكانت هذه المدينة الإسكندرية وكانت قد خربت. قلت: وقد رأيت أنّ أهل التاريخ لا يذكرون شيئا من أمر انداحس ولا هذا حمرون. ويقولون: إنّ الذي قصدها كان الوليد بن دومغ العمليقيّ، وهو ثاني الفراعنة بمصر، وإن كان سبب قصده مصر لعلّة اعتلّها. فوجّه من ينظر له مكانا يصلح لعلّته، فوصفت له مصر، فأتاها في جيش كثيف، وهو الذي خطب حوريا لنفسه وإنّها اشترطت عليه بني

стр. 613

المدينة. ولمّا (١١٦) انتهت المدينة، وأنفذ جميع ما كان معه من الأموال على بنائها-وهي الإسكندريّة الثانية-بعد ما رحلت عنها الصادية وخربت. وكان كلّما بناها خرجت دوابّ من البحر فيهدمونها. فأقام على ذلك مدّة طويلة وهو لا يوري نفسه عجزا. وكانت حوريا قد نفذت إليه في حملت أقامتها له بألف رأس من المعزى اللبون، تستعمل ألبانها في مطبخه. فكانت مع راع له يثق به. فكان ذلك الراعي يطوف بها ويرعاها هنالك. وكان إذا أراد <أن> ينصرف بها وقت العشاء، خرجت إليه من البحر جارية حسناء، تشوّق نفسها إليه. فإذا كلّمها شرّطت عليه أن تصارعه، فإن صرعها كانت له، وإن صرعته أخذت من تلك المعزى رأسين. وكانت على طول الأيّام تصرعه وتأخذ الغنم، حتّى أخذت أكثر من نصفها، وتغيّر باقها لتعلّق الراعي بحبّ الجارية وشغله عن رعيتها. فمرّ به صاحبها، فسأله عن حاله، وكيف نقص غنمه، وهزالها. فخبّره بخبره وخبر الغنم والجارية خوفا من سطوته. فقال: أيّ وقت تخرج إليك؟ فقال: قرب المساء. فلبس الملك ثياب الراعي، وتولّى

стр. 614

رعايته إلى المساء، وإذا بالجارية خرجت وكلّمته واشترطت عليه، فرضي وصارعها، فصرعها وقبض عليها فشدها كتافا. فقالت له: إن كان لا بدّ من أخذي فسلّمني إلا صاحبي الأوّل، فإنّه ألطف بي منك، وقد عذّبته مدّة طويلة. فردّها إليه. فقال: سلها عن البنيان الذي نبنيه، من يقتلعه وما الحيلة فيه؟ قالت: نعم، تعملون توابيت من زجاج كثيف ولهم أغطية، وتجعلون فيها قوما حذّاق بالصنعة في التصوير، وتجعلون معهم صحفا وما ينقشون به، وزادا يكفيهم أيّاما، وتدعونهم في الماء بحبال مشدودة إليكم، وألقونهم في البحر. فإنّهم ينظرون تلك الصور التي تخرج وتهدّم البناء، فيصنعون كهيئتهم، واعملوا لهم أشباها من صفر ومن الحجارة والرصاص، وانصبوها قدّام ما تبنونه (١١٧) من جانب البحر. فإنّ تلك الدوابّ إذا خرجت ورأت صورها، هربت. فعرّف الراعي صاحبه بذلك، ففعله وتمّ أمر البنيان. وقال قوم من أصحاب التاريخ: إنّ صاحب البنيان هذا، والتي جرت له هذه الحكاية، هو جيرون المؤتفكيّ، كان قصدهم قبل الوليد، وإنّما الوليد قصدهم وأتاهم بعد حوريا، وقهرهم وملك مصر. وذكروا أنّ الأموال التي كانت مع جيرون المؤتفكي نفدت جميعها في عمارة هذه المدينة حسبما تقدّم من الشرح في ذلك.

стр. 615

وقيل: إنّ جيرون-وقيل: بل هو حمرون المقدّم ذكره، وقيل: بل هو الوليد بن دومغ-وجد ملعبا مستديرا وحوله تسعة عمد، على رأس كلّ واحد تمثال. فقرّب لكلّ واحد تمثال. فقرّب لكلّ تمثال ثورا سمينا، وألطخ العمد التي تحتهم بدم الثور، وبخّره بشعرة من ذنبه وشيء من نحاتة فقرونه وأظلافه. وقال له: هذا قربانك، فأطلق لي ما عندك فظهر له لوح من صفر منقوش عليه: إذا أنت فعلت ذلك، فقس من جهة كلّ تمثال مائة ذراع من الجهة التي هو متوجّه إليها، واحفر. وليكن ذلك في اجتلاء القمر واستقامة زحل. فإنّك تنتهي بعد خمسين ذراعا إلى بلاطة عظيمة، فألطخها بمرارة ذلك الثور الذي قرّبته لذلك التمثال، واقلعها. فإنّك تنزل منها إلى سرب طوله خمسون ذراعا، في آخره خزانة مقفلة، ومفتاح القفل تحت عتبة الباب. فخذه وألطخ الباب ببقيّة مرارة ذلك الثور ودمه، وبخّر بنحاتة قرونه وأظلافه وشعره، وادخل الباب، فإنّه يستقبلك صنم في عنقه لوح صفر معلّق، مكتوب فيه جميع ما في الخزانة من مال وجواهر وتمثال وآنية وأعجوبة. فخذ ما شئت، ولا تعرض ميّتا تجده ولا ما عليه. وكذلك فافعل بكلّ عمود منهم وتمثاله. وهؤلاء خزائن نواويس سبعة من (١١٨) الملوك وكنوزهم. فلمّا سمع ذلك وامتثله، فوجد ما لا يدرك وصفه،

стр. 616

ووجد من العجائب شيئا كثيرا، فتمّ بناء الإسكندريّة من ذلك المال. فلمّا بلغ حوريا ذلك ساءها؛ وإنّما أرادت إتعابه في غير بلوغ قصده، وإهلاكه بالحيلة عليه. وذكر أنّه وجد فيما وجد من العجائب بهذه الخزائن: درج ذهب مختوم، فيه مكحلة زبرجد، فيها ذرور أخضر، ومعها عروق جوهر أحمر. من اكتحل من ذلك الذّرور وكان أشيب، عاد شابّا واسودّ شعره ولحيته وأضاء بصره حتّى يدرك النظر إلى أصناف الروحانيّات. ووجدوا تمثال نمس من ذهب إذا ظهر من صندوقه تعتّمت الدنيا وأمطرت. وكذلك غراب من حجر أسود إذا سئل عن شيء صوّت وأجاب عنه. وقيل: إنّه كان في كلّ خزانة عشر أعجوبات. فلمّا فرغ من بناء المدينة، وجّه إلى حوريا يعلمها بذلك ويحثّها على الحضور إليه. فأنفذت إليه فرشا فاخرة وأواني عجيبة، وقالت: افرش هؤلاء الفرش وجهزت هذه الآنية وسير إليّ بثلث جيشك إلى ثلث الطريق والثلث الآخر في نصف الطريق، ليكونا من ورائي لحفض خزائني ومملكتي حتّى أحضر إليك. فإنّي أوافيك في جواريّ، فلا تدع عندك من أحتشم منه. ففعل ذلك. ولمّا لقيها ثلث جيشه، قدّمت إليه الطعامات المفتخرة

стр. 617

وسمّتهم فيه، فماتوا عن آخرهم، وكذلك فعلت بالثّلث الثاني. ثمّ قدمت إليه وحضرت عنده، فلمّا جلس معها نفخت في وجهه فبهت، ورشّت عليه ماء كان معها، مشحونا بالسحر، فارتعدت مفاصله، ثمّ قالت: من ظنّ أنّه يغلب النساء، فقد كذبته نفسه. ثمّ أفصدت عروقه وأسالت دمه، وقالت: دم الملوك شفاء. ثمّ هلك، فأخذت رأسه فوجّهت به إلى قصرها، فنصبته على شرافته، ونقلت سائر تلك الأموال والجواهر (١١٩) وبنت منار الإسكندريّة، وزبرت عليه اسمها واسمه وما فعلته معه، وتاريخ ذلك. وصنعت في المنار مرآة تنتظر سائر الجزائر البحريّة عند حركة أهلها، فتكون على حذر من الأعداء. قلت: وهذه المنار كانت بها هذه المرآة إلى قريب من هذا العهد، وربّما ذكر أنّ بعض الإفرنج تحيّل حتّى كسرها، ورمى بنفسه من أعلا المنار إلى البحر فهلك. وهذا مشهور لا ينكر. ولمّا انتقل خبرها إلى الملوك هابوها واحترموها وهادوها. وعملت بمصر عجائب كثيرة، وبنت على آخر ناحية النوبة حصن وقنطرة يجري ماء النيل من تحتها. ثمّ اعتلّت حوريا، فاجتمع إليها أهل مملكتها، وسألوها أن تقلّد

стр. 618

الملك من تراه-ولم يكن من ولد أبيها أحدا ذكرا. فقلّدت عليهم ابنة عمّها دليقة ابنة ماموم. فكانت هذه دليقة عذراء عاقلة رزينة. وأخذت لها المواثيق على أهل مملكتها بالسمع والطاعة لها، وأوقفتها على كنوزها. وأمرت <إذا ماتت> أن يضمد جسدها بالكافور والموميا والمرّ، كما كانوا يفعلون بأجساد ملوكهم. ونقلت إلى مدينة بنتها في صحراء الغرب، وجعلت لها بها ناؤوسا، ونقلت إليه أصنام الكواكب وزيّنته بأحسن زينة، ونصبت له قومه يخدمون ذلك الناؤوس، وزبرته بالأسماء والطّلّسمات، بعدما أودعته من الأموال والجواهر والأمتعة ما لا يقع عليه قياس ولا حدّ. ثمّ جلست دليقة ابنة ماموم على سرير الملك، وأجمعت الكلمة عليها، وأحسنت إلى الناس، ووضعت عنهم خراج سنتهم هاتيك. ثمّ ظهر عليها رايمين المويسيّ يطلبها بثأر خاله انداحس، واستنصر بملك العمالقة. فوجّه معه قائدا من قوّاده في جيش كثيف، وأخرجت إليه دليقة بعض قوّادها. فالتقوا بالعريش، وفعلت سحرة الفريقين العجائب من

стр. 619

التخاييل (١٢٠) الهائلة والعجائب الغريبة والأصوات المفزعة، وأقاموا كذلك يتكافئون الحرب ويتراجعون عدّة أشهر، وهلك منهم عالم عظيم من الناس. ثمّ إنّهم هزموا أصحاب دليقة الملكة، وأتوا إلى منف. وصار أصحاب رايمين في آثارهم، ومضت دليقة في جميع جيوشها إلى ناحية الصعيد ونزلت الأشمونين واستعانت بالكهنة وجمعت الجيوش ووقعت الحرب بينهم، ثمّ انهزموا أصحاب رايمين وخرجوا عن منيف وتبعوهم. وقد كان معهم ساحر من أهل قفط، فأحال بينهم وبين عسكر دليقة بالنيران ومشاهيبها. ولما زاد الأمر بين الفريقين، اتفقا على أن يجعلوا البلاد بينهما نصفين بالسويّة، وأجاب كلّ منهما إلى الصلح. ثمّ إنّ دليقة أخرجت الأموال والذخائر، واستخدمت الجيوش وحاربت رايمين، فأقاما في الحروب ثلاثة أشهر. ثمّ ظهر رايمين عليها وهزمها إلى ناحية قوص وتمكّن من المملكة بمصر. فلمّا ظهر لها الغلوبة أسمّت نفسها فهلكت. واستقرّ رايمين بالملك وتجبّر وقتل الجيش الذي كان قد أتا معه من جهة الوليد بن دومغ. فلمّا بلغ الوليد ذلك سيّر من قبله غلام له يقال له:

стр. 620

عون. فافتتح مصر وقتل رايمين وأكثر أعوانه-ومولاه لا يعلم بذلك. وظنّ الوليد أن عونا هلك من سحرة مصر. فسار الوليد بنفسه، فتلقّاه غلامه عون، وعرّفه أنّه ملك مصر، وما كان سبب تأخّره إلاّ لإصلاح أمورها. فقبل قوله ودخل مصر. ذكر الوليد بن دومغ، أوّل الفراعنة بمصر هذا عند أكثر أهل العلم بتاريخ مصر أنّه أوّل الفراعنة بمصر، فاستباح أهلها وأخذ أموالها وأخذ جماعة من كهنتهم وحكمائهم، وسنح له أن يخرج ليقف على مصبّ النيل ويغزوا من بناحيته من الأمم. فأقام (١٢١) ثلاث سنين يتجهّز ويستعدّ لخروجه ولما يحتاج إليه. واستخلف عونا على مصر وخرج في جيش كثيف، فلم يمرّ بأمّة إلاّ أبادها. فيقال: إنّه أقام في سفرته عدّة سنين كثيرة. ومرّ على أرض الذهب، وفيها قضبان نابتة، وهي آخر بلد علوة. ولم يزل الوليد في سيره إلى أن بلغ البطيحة التي يصبّ منها ماء النيل، من التماثيل التي تخرج من سفح جبل القمر. ثمّ سار حتّى بلغ هيكل الشمس، فدخله. ويقال: إنّه خوطب فيه بخبر، أضربت عنه. وبلغ جبل القمر؛ وإنّما سمّي

стр. 621

جبل القمر لأنّ القمر لا يطلع عليه، لأنّه خارج عن خط الاستواء. ونظر إلى النيل تخرج من سفحه، من تلك التماثيل المذكورة، فيمرّ في طرائق، ويصير إلى فم النيل المنهّر له، ثمّ يجوز خطّ الاستواء، فيجري في نهر النيل، وتمدّ منه عين أخرى من ناحية مكرام الهند. وتلك العين أيضا من جبل القمر، وفيه قول قد قدّمناه في الجزء الأوّل. ويذكر عن الوليد أنّه رأى القصر النحاس الذي فيه التماثيل التي صنعها هرمس الأوّل الذي ذكرناه، وأنّ النيل يخرج من حلوق تلك التماثيل الذهب، وهم ستّة وثلاثين تمثالا، ثمّ يصبّ إلى بطيحة قد دبّرت بتدبير تلك الأمم القديمة. وإنّ صلاح جريان النيل أصله من هذه التماثيل، وقد أجري إلى تلك البطيحة، مع ما نهر من فم النيل، مصبّات من عدّة برك، كمجاري السيول. وبتلك البرك أمياة محتبسة محضّرة، فإذا كان أوان الأمطار مطرت في تلك البرك والأودية، فتفيض وتجري في تلك المصبّات وترمي إلى تلك البطيحة، معما نهر من فم النيل، مع طول المسافة إلى إقليم الحبشة. ولا يزال يجري إلى أن ينتهي في فصل الصيف إلى الديار المصريّة، في الوقت المحتاج فيه إلى زيادته، لانتفاع الأراضي التي تركها ويرويها. فيكون مدّة جريانه من مبدأ تلك البرك إلى أن يصل إلى الديار المصريّة: ثلاثة شهور وزيادة. (١٢٢) وكذلك مدّة الأمطار في فصل الشتاء بتلك الأراضي، وهي

стр. 622

أيضا مدّة الزيادة في الديار المصريّة، لاتّصال إمداد السيول من تلك الأودية والبرك. فزيادة النيل تكون لكثرة الأمطار في تلك السنة، ونقصانه لقلّتها. وكثرة الأمطار من رحمة الله، ، على عباده. وقال أيضا: إنّ هرمس أحكم هذه التماثيل وجعلها ستّة وثلاثين تمثالا. وحكّم لكلّ تمثال ذراع من الماء في الزيادة، وأن تكون زيادة النيل من مبداه ستّة وثلاثين ذراعا وإلى منتهاه ثمانية عشر ذراعا، لتدرك بهذا التقدير منفعة الريّ في البلاد، والأراضي المجاورة له، من مبداه إلى أن يصبّ في البحر الروميّ المالح، ويفترق عند آخره فرقتين: أحدهما ذات تعريجة تنتهي إلى فم رشيد وتصبّ في المالح، والأخرى في الاستقامة إلى فم دمياط وتصبّ في المالح. وقال جدع بن سنان الحميريّ، صاحب هذا النقل: وإنّ بالنيل سبعة آلاف تعريجة من مبداه إلى منتهاه، وذلك من حكم الله تعالى التي لا تدرك لها غاية. وفائدة هذه التعاريج لمسك زيادة النيل، ليحصل الانتفاع بمسكه. إذ لو كان غير ذي تعاريج لما ظهرت فيه زيادة، لانصبابه في المالح. وعادت الأراضي تنتفع بزيادته، غير أنّه لم يكن يروي سائرها. فأمر الوليد أن تحفر في الأراضي التي لا يركبها النيل آبار، وتروى على أعناق الأبقار، فحفرت. واستمرت الديار المصريّة كذلك إلى أيّام الإسكندر المقدونيّ وأرسطاطاليس الحكيم، فصنع بفم دمياط سدّا محكوما غائصا في الماء كهيئة اللاهون بالبحر اليوسفيّ. فعاد يمسك ما كان يصبّ في المالح، وتتراكم الزيادة بالنيل فيطف ويروي سائر تلك الأراضي التي تروى

стр. 623

بالقادوس من الآبار المعينة، وأغنى عن ذلك. وجعل في ذلك السدّ خرقا ليصرف منه ما زاد عن منفعة البلاد، خوفا من الغرق. قلت: وقد صوّرت صورة النيل حسبما رأيتها في ذلك التاريخ مصوّرة: (١٢٣) <رسم لصورة جبل القمر وصفة التماثيل التي تصبّ إلى البطيحة والمسار إلى أن يصل إلى فم رشيد وفم دمياط ومن ثمّ إلى البحر، انظر هنا ص ١٧٩>. (١٢٤) قال جدع بن سنان: قال القبطيّون من أهل مصر. ولمّا بنا الإسكندر هذا السدّ بفم دمياط، قصد به ثلاث منافع، أحدها: منع المالح أن يغلب على الحلو، لانتفاع الناس بالحلو دون المالح. والثاني: ما ظهر من الانتفاع بالنيل لركوبه سائر الأراضي التي كانت تروى من الآبار المعينة، كما ذكرنا. قال: وكان جلّ قصده منع مراكب العدوّ من دخولها النيل. فعاد هذا السدّ كالقفل للديار المصريّة من تطرّق الأعداء. قال: ثمّ جدّد للماء مقياسا عند حلوان، كما نذكر من خبره، وكيف هدمه الماء على طول مرور الدهر عليه. وهذا المقياس الآن <هو> عاشر مقياس بني للنيل المبارك، وسنذكر ذلك في موضعه اللائق به، إن شاء الله تعالى. ولهذا المقياس عمد في وسط فسقيّة، مقسوم بأصابع مقدّرة على أذرع إلى حدّ اثني عشر ذراع، مقسوما بثمانية وعشرين إصبعا. ومن حدّ الاثني عشر ذراعا إلى حيث تنتهي الزيادة، مقسوما بأربعة وعشرين إصبعا؛ والذراعان متساويان. فما الحكمة من ذلك؟ ولقد سألت جماعة من مشايخ العصر عن ذلك، فلم أجد عنده شيء من صحّته. ولذلك سألت ابن أبي الردّاد، الذي هو وأباه وأجداده متوارثون قياس هذا النيل من تاريخ ما يأتي ذكره عند

стр. 624

ذكرنا لهم، عندما بنا هذا المقياس المتوكّل، جعفر بن المعتصم بن الرّشيد، كما نذكر، وكان ذلك بحضرة القاضي المرحوم فخر الدين، ناظر الجيوش المنصورة، ﵀، ونحن عنده بسطح الجامع النّاصريّ بمصر المحروسة، ولم يجبني بما يقارب، خصوصا إن يكن القصد بعينه، وكان بحضور جماعة من المشاهير بالدّيار المصريّة، فبحثوا في ذلك، فلم يقعوا منه على شيء، ولعلّها من الحكم العويصة. وقال قوم من <أهل> الأثر: إنّ هذه الأنهار الأربعة: سيحون وجيحون والفرات والنيل، تخرج من أصل واحد، وقد تقدّم ذكرها. وقيل: إنّها تخرج من قبّة (١٢٥) في أرض الذهب، من وراء البحر المظلم. وقيل: إنّهم من الجنّة، وأن القبّة من زبرجد. ويذكر أنّ رجلا من ولد العيص بن إسحاق بن إبراهيم، ﵉، وصل إلى القبّة، وقطع البحر المظلم، يقال له: جابر، وله خبر طويل. ذكر ذلك: أبو صالح، كاتب اللّيث بن سعد، من المحدّثين. وقال آخرون: تنقسم هذه الأنهار على اثنين وسبعين فرقة للأمم المقدّم ذكرها.

стр. 625

وقال آخرون: هذه الأنهار تخرج من أنهار تتكاتف وتذيبها الحرارة، فتسيل إلى هذه الأنهار وتسقي من عليها، لما يريد الله تعالى من تدبير خلقه. أخبار الوليد بن دومغ قالوا: إنّ الوليد بن عمليق لمّا بلغ إلى جبل القمر رأى جبلا عاليا، فأعمل الحيلة إلى أن صعد عليه ليرا ما خلفه، فأشرف على البحر الأسود الزّفتيّ المنتن، ونظر إلى النيل يجري عليه كالأنهار الرقاق، وأنّه أتته من تلك النواحي روائح منتنة حتّى أهلكت كثير من أصحابه، فأسرع النزول بعد أن كاد يهلك. وذكروا قوما أنّهم لم يروا هناك شمسا ولا قمرا إلاّ نورا لا يعلمون ما هو. وزعموا أنّ الوليد أقام في غيبته هذه سبعين سنة وأنّ عونا غلامه، بعد مضيّ سبع سنين من مسير الوليد، ادّعا الملك، وأنكر أن يكون غلاما للوليد، وأنّه أخوه من دومغ، ووثب على الناس وغلب عليهم بالسّحر. فإنّهم أطاعوه، واستباح نساءهم، ولم يترك امرأة من نساء ملوك مصر حتّى نكحها، ولا مالا إلاّ أخذه وبقتل صاحبه. وكان مع ذلك يكرّم الهياكل

стр. 626

ويعظّم الكهنة، وأطاف به من السحرة ما لم يطوفوا بغيره لكثرة إكرامه لهم وتعظيمه إيّاهم. ثمّ إنّه رأى في منامه كأنّ الوليد بن دومغ قد عاد، وهو قائم بين يديه، وهو يقول له: من أمرك أن تتسمّى بالملك، وأن تنكح نساء الملوك، وأخذ الأموال لغير (١٢٦) واجب؟ ثمّ أمر به أن يضع في قدر قد ملئت زيتا قد غلى عليه حتّى طار لهبه. فأتا طائرا في صورة عقاب فاختطفه من بين يديه وحلّق به في الجوّ حتّى جعله فوق أعلا جبل، وأنّه سقط من الجبل إلى واد فيه كمأة مشنبة. فانتبه مذعورا، وقد كان في فعله ذلك كلّما ذكر الوليد وعودته وخطر بقلبه، يكاد عقله أن يطير فرقا منه، لما يعلمه من فضاضته وقوّة بطشه. فاختلا ببعض من يثق به من السّحرة الكبار، وأظهره على سرّه، وقصّ عليه رؤياه. فقال الساحر: إنّ هذا العقاب روحانيّ قد أوراك صفته، وإنّك إذا عبدته خلّصك من جميع ما يضرّك. قال عون: أشهد لقد قال لي العقاب وأنا أسمع: اعرف لي هذا المقام ولا تنسه. فقالوا: قد نبّهك على مصلحتك. فصنع تمثال عقاب من ذهب، وجعل عينيه من جوهرتين، وكلّله بأنواع اليواقيت، وعمل له هيكلا لطيفا، وأرخى عليه الستور <من> الديباج الملوّن، وأقبل أولئك على سحره وقربانه إلى أن نطق لهم. فأقام

стр. 627

عونا على عبادته ودعا الناس إلى ذلك، فأجابوه من خوفهم من شرّه. فلمّا مضا لذلك مدّة أمره العقاب أن يبتني له مدينة يحول إليها وتكون له معقلا وحرزا من كلّ أحد. فأمر عند ذلك بكلّ صانع بمصر وأن ينظروا له مكان بالصحارى ويطلبوا له أرضا سهلة صعبة، ذات طرق وعرة، وتكون قريبة من مغيض الماء، وهي التي ابتناها يوسف، ﵇، بعد ما صارت مغيض ماء، وهي الفيّوم. فلمّا خرجوا أصحابه ووجدوا هذه الأرض، أمرهم ببنائها وأخرج إليهم سائر ما يحتاجون إليه. وأخرج السحرة ليكون في معونتهم الروحانيّين الذين في طاعتهم. وأقام يحمل إليهم الزاد على العجل شهورا على الطريق من وراء الأهرام، وهي التي يقصدها أصحاب المطالب، وتسمّى بطريق العبيد. وذلك (١٢٧) كون أنّ عبيد عون كانوا يحملون على العجل الزاد للصنّاع في هذه الطريق، فسمّيت بهم. فلمّا تكامل بنائها، حفروا بها بئرا وجعلوا فيه بيوتا وجعلوا في تلك البيوت تمثال خنزير من نحاس بأخلاط ممنوعة، ونصبوه وجعلوا وجهه في شرقيّة. وأخذوا خنزيرا فذبحوه ولطّخوا وجهه بدمه، وبخّروه بشعره. وأخذوا أشياء من شعره وعظامه ودمه ولحمه ومرارته، فجعلوه في جوف ذلك الخنزير التمثال ونقشوا عليه آيات زحل. ثمّ شقّوا في البئر أخدودا،

стр. 628

وكان ذلك بطالع زحل واستقامته وسلامته من المضادّين له وهو في شرفه. ثمّ شقّوا ذلك الأخدود من أربعة أوجه: شرق وغرب وجنوب وشمال. ومدّوا تلك الأخاديد إلى حيطان المدينة، وعملوا على أفواهها مسارب تجلب الرياح إليها. ثمّ سدّوها وعملوا عليها قبّة على عمد مرتفعة، وجعلوا حول القبّة تماثيل فرسان من نحاس، بأيديهم حراب ووجوهم مقابلة لتلك الأبواب. وجعلوا أساس المدينة من حجر أسود وفوقه أحمر وفوقه أصفر وفوقه أخضر وأعلا الجميع أبيض، مبنيّة كلّها بالرصاص المصبوب بين الحجارة، وقلوبها أعمدة من حديد، على ترتيب بناء الأهرام، وجعل طول حصنها ثمانين ذراعا. ونصّب على كلّ باب من أبوابها في أعلا الحصن تمثال عقاب كبير من صفر وأخلاط، مجوّف ناشر الجناحين. وعمل كلّ ركن صورة فارس بيده حربة، متوجّه إلى الباب. وقرّب لذلك العقاب عقبانا ذكورا ولطّخه بدمائهم واجتلب الرياح إلى أبواب التماثيل. فكانت الرياح إذا دخلتها سمعت لها أصواتا شديدة، ولا يسمعها أحد إلاّ هالته. وصفحدها بعفارت تمنع الداخل إليها إلاّ أن يكون من أهلها. ونصب ذلك العقاب الذي كان يتعبّد له تحت قبّته التي صنعها له في وسط المدينة على قاعدة لها أربعة أركان، (١٢٨) في كلّ ركن منها وجه شيطان. وجعلها على عمود تدور. وكان العقاب يدور إلى كلّ جهة من الأربع الجهات ويقيم في كلّ جهة ربع السنة. وصنع له أربعة أعياد، عدد دوراته في السنة. ولمّا فرغ من ذلك كلّه حمل إليها سائر أمواله وذخائره وما كان في خزائن الملوك من الذخائر

стр. 629

النفيسة، وحوّل إليها كبار السحرة والكهنة وسائر أصحاب الصنائع والتجارات وأرباب الزراعات، وقسّم لهم مساكن بحيث لا تختلط طائفة مع غيرها. وعقد على تلك الجسور قناطر يمشي عليها الداخل إلى المدينة. وجعل الماء يدور حول الرّبض وعلها أعلاما وحرسا. ثمّ أمر فغرست من وراء تلك المدينة النخيل والأشجار من سائر الأصناف. وجعل من وراء ذلك مزارع الغلاّت من سائر الحبوب. وكان يرتفع منها كلّ سنة ما يكفيه لعشر سنين. كلّ ذلك خوفا من الوليد بن دومغ. وبين هذه المدينة وبين مدينة منف ثلاثة أيّام. وعاد يخرج إليها ويقيم بها الأيّام ثمّ يعود إلى منف. فلمّا تمّ لعون ذلك اطمأنّ قلبه وسكتت نفسه، إلى أن وافا الوليد إلى ناحية النّوبة، وورد على عون كتابا يأمره <فيه> أن ينفّذ إليه الأزواد وينصف له الأسواق. فوجّه ذلك كلّه في المراكب وعلى الظّهر. ثمّ حول جميع عياله ومن اصطفاه من بنات ملوك مصر وكبرائها إلى المدينة المذكورة، حتّى إذا قرب دخول الوليد إلى مصر تحوّل إلى المدينة وتحصّن بها وخلّف الوليد من بعده خليفة يلقاه ويكون بين يديه. ودخل الوليد مصر فتلقّاه أهلها وشكوا إليه ما لا قوة من عون وما حلّ بهم منه. قال: فأين عون؟ قالوا: فرّ عون. فاستقرّ هذا الاسم بعد ذلك لمن يلي ملك مصر.

стр. 630

ثمّ إنّ الوليد نفّذ إليه جيشا كبيرا، فلم يقدروا عليه بحيلة ولا بكثرة لتحصّنه في (١٢٩) تلك المدينة. ثمّ نفّذ إليه يقول: متى لم تحضر وظفرت بك قطعت من لحمك وأطعمتك. فورد جوابه يقول: ما على الملك منّي مؤنة وأنا عبد من عبيد الملك، وأنا في هذا المكان أردّ من يرد عليه من الأعداء من جهة الغرب، ولا أقدر على المسير إليه خوفا من سطوته ولسوء اعتمادي في غيبته. فليقرّ بي في هذا المكان كأحد عمّاله وأوجّه إليه ما يلزمني من خراج أرضيّ التي أستنبطها. ووجّه إليه بأموالا كثيرة وجواهر نفيسة وترفّق له، فكفّ عنه. واستقرّ الوليد بمصر واستعبد أهلها وأباح حرمتهم وأولادهم وأموالهم مائة وعشرين سنة. وكان ابنه نهراوس، وهو الريّان صاحب يوسف، ﵇، ينكر عليه فعله. فاتّفق مع أهل المملكة فسمّوه في طعامه فهلك. ولمّا مات عمل له ناؤوسا بقرب الأهرام ودفن به كعادة الملوك الأول. وقيل: بل دفن في هرم النّواويس، والله أعلم. < ذكر نهراوس > ثمّ ملك ابنه نهراوس. وهذا نهراوس هو الريّان بن الوليد بن دومغ، وهو فرعون يوسف، ﵇. فجلس على سرير الملك، وكان عظيم الخلق جميل الوجه، عاقلا متمكّنا. فتكلّم ومنّا الناس وضمن لهم الإحسان وأسقط عنهم الخراج مدّة ثلاث سنين. فحبّوه الناس

стр. 631

وأثنوا عليه بخير. وأمر بفتح الخزائن وفرّق ما فيها من الأموال على الخاصّ والعامّ. وتمكّنت منه رائحة الصبا فملّك على البلاد رجلا من أهل بيته يقال له: اطغين، وهو الذي يسمّونه أهل الأثر: العزيز. وكان من أولاد الوزراء، عاقلا أديبا لبيبا، حسن الرأي كثير النزاهة، مستعمل للعدل والعمارة. وأمر أن ينصّب في قصر الملك سريرا من فضّة ويجلس عليه ويغدو أو يروح إلى باب الملك ويخرج إلى أعماله. وجمع الوزراء والكتّاب بين يديه. فكفا نهراوس جميع أموره وخلا بنفسه، لما هو فيه من لذّته، وعاد معتكفا (١٣٠) على لهوه منعّما في لذّاته، لا ينظر في شيء من أمور ملكه. فأقام كذلك حينا من الدهر والبلد عامر كثير الخير، بحسن تدبير العزيز. وقيل: إنّه انتهى الخراج في وقته: تسع وتسعون ألف ألف ألف دينار، فجعلها. فما كان له ولأهل بيته ومائدته حمل إليه، وما كان في أرزاق جيوشه والكهنة والفلاسفة وأصحاب الجوامك صرف إليهم، ومهما فضل أرصد لمصالح الأراضي ونوائب الزمان.

стр. 632

وبنا لنهراوس مجالس الزجاج الملوّن وجرّوا حولها الماء يدور، وأرسلت فيه الأسماك من أنواع الجواهر والبلّور. وكان إذا وقع الشمس عليها أرسلت من شعاعها نورا يخطف بالأبصار. وعملت له ثلاثمائة وستّين مجلسا متنزّها بعدد أيّام السنة، كلّ مجلس لا يشبه الآخر، مكمّل بسائر فروشه والالاته وأوانيه، من حوله بستان قد جمع سائر أصناف الفواكه وسائر الأطيار المطربة. فكان ينتقل كلّ يوم في مجلس منهم، إلاّ أوّل السنة يعود لأوّل مجلس. فلمّا اتّصل ذلك بملوك النواحي واشتغاله بما ذكرناه، قصده رجل من العمالقة يقال له: علكن بن شموم؛ وكان يكنا أبا قابوس. فسار قاصدا إلى مصر في جيوش كثيفة حتّى نزل على حدودها. فأنفذ إليه العزيز جيشا وجعل عليه قائدا يقال له: فوناس. فأقام يحاربه ثلاث سنين. فظفر العمليقيّ به فقتله ودخل مصر وهدم أعمالها وأعلامها ومصانع كثيرة. وتمكّن طمعه في ملك مصر واتّصل خبره بأهل البلد فأعظموه وأكبروه واجتمعوا إلى قصر الملك وجعلوا يصيحون، فسمعهم، فسأل عن خبرهم، فأخبروه بخبر العمليقيّ وما فعله.

стр. 633

وتزعم القبط أنّه سمع نوح الجنّ وبكاءها على أهل مصر، ويذكرون أبوه في نواحهم عليه، فارتاع لذلك. فعرض جيشه وأصلح أمره وخرج للعمليقيّ في ستّمائة ألف مقاتل. فالتقوا (١٣١) من وراء الأجراف، فاقتتلوا قتالا شديدا. ثمّ انهزم العمليقيّ واتّبعه نهراوش إلى حدود الشام، وقتل عامّة أصحابه. ودخل بلاده وأفسد زروعه وأشجاره. ونصب علما على المكان الذي وطئته خيله وزبر عليه: إنّي لمن تجاوز هذا المكان بالمرصاد. لمّا فعل ذلك هابته الملوك ولاطفوه وعظّموه. وقيل: إنّه بلغ الموصل وصرف عن أهل الشام خراجا، وبنا على العريش مدينة لطيفة وشحنها بالرجال. ثمّ رجع إلى مصر، فحشد جنوده من جميع الأعمال واستعدّ لغزو ملوك الغرب. فخرج في تسع مائة ألف مقاتل خارجا عن الأتباع. واتّصل خبره بالملوك، فمنهم من تنحّى عن طريقه ومنهم من دخل تحت طاعته. ومرّ بأرض البربر، فأخذ كثيرا منهم. ووجّه قائدا له-يقال له: مريطس-في سفن؛ فركب من ناحية أرض البربر، فقتل منهم، وصالحه

стр. 634

بعضهم، وحملوا إليه من الأموال ما لا يعدّ كثرة. ثمّ مضى إلى إفريقية وقرطبة، فصالحوه أهلها وأهدوا له أموالا ولطف وهدايا. ومرّ حتّى بلغ مصبّ البحر الأخضر إلى بحر الروم، وهو موضع الأصنام النحاس. فأقام هناك <صنما> وزبر عليها اسمه وتاريخ الوقت الذي وصل فيه. وضرب على أهل تلك النواحي خراجا. ثمّ عدل إلى ناحية الأرض الكبيرة، وسار إلى إفرنجة والأندلس. فخرج ملكها وحاربه أيّاما وقتل من أصحابه خلقا كثيرا، وصالحه بعد ذلك ودخل تحت طاعته. وقرّر عليه ذهب مضروب يحمل في كلّ عام إليه، وعلى أن لا يغزو مصر، ويمنع من رام ذلك ممّن يجوز به، وانصرف عنه راجعا. وسار مشرقا، يشقّ بلاد البربر. فلم يصل إلى مكان إلاّ خرجوا إليه وتلقّوه ومشوا بين يديه. ثمّ أخذ ناحية الجنوب، ومرّ بناحية الكرمابيّين، وحاربوه وقتل منهم خلقا كثيرا. ووصل في الجنوب إلى مكان لم يصله ملك غيره. وتعجّبوا أهل تلك الديار منه، ودخلوا في طاعته. وسأل منهم: هل ركبت هذا البحر أحد قطّ (١٣٢) فقالوا: ما يستطيع أحدا أن يركبه. وأنّه تظلّله غمامة فلا

стр. 635

يرونه أيّاما. وأتوا للملك بهدايا وفواكه، أكثرها الموز، وحجارة سوداء فإذا وضعت في الماء عادت بيضاء، وحجارة بشبه السّمك، إذا كسرت كانت حجارة وإذا وضعت في الماء يوما وليلة عادت سمكا طريّا من أحسن سمك يكون. ثمّ تركهم وسار على أمم السودان حتّى بلغ الزمزم الذين يأكلون الناس من بني آدم. فخرجوا إليه عراة بأيديهم حرابا من حديد. وخرج ملكهم على دابّة عظيمة ذات قوائم ستّة وقرون معقّقة. وكان جسيما بالغ الطول الغاية، أحمر العيون. فظفر نهراوش بهم، فانهزموا إلى جبل ذات أوغار، فلم يتهيّأ اتّباعهم. وجاوزهم إلى قوم على خلق القرود، لهم أجنحة خفاف يثبون بها من غير ريش. ومرّ على البحر المظلم، فغشيتهم منه غمامة حتّى لا عادوا يرون بعضهم بعضا. فرجع شماليا حتّى انتهى إلى جبل عظيم. ورآا فيه تماثيل من الحجر من حجر أحمر، يومئ بيده أن ارجعوا. وعلى صدره مزبورا: ما ورائي مسلك ولا خلق ولا عالم. فعرّج إلى القصر النحاس فلم يصل
следующие страницы →