Полный текст (4 323 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.
стр. 631
وأثنوا عليه بخير. وأمر بفتح الخزائن وفرّق ما فيها من الأموال على الخاصّ والعامّ. وتمكّنت منه رائحة الصبا فملّك على البلاد رجلا من أهل بيته يقال له: اطغين، وهو الذي يسمّونه أهل الأثر: العزيز. وكان من أولاد الوزراء، عاقلا أديبا لبيبا، حسن الرأي كثير النزاهة، مستعمل للعدل والعمارة. وأمر أن ينصّب في قصر الملك سريرا من فضّة ويجلس عليه ويغدو أو يروح إلى باب الملك ويخرج إلى أعماله. وجمع الوزراء والكتّاب بين يديه. فكفا نهراوس جميع أموره وخلا بنفسه، لما هو فيه من لذّته، وعاد معتكفا (١٣٠) على لهوه منعّما في لذّاته، لا ينظر في شيء من أمور ملكه. فأقام كذلك حينا من الدهر والبلد عامر كثير الخير، بحسن تدبير العزيز.
وقيل: إنّه انتهى الخراج في وقته: تسع وتسعون ألف ألف ألف دينار، فجعلها. فما كان له ولأهل بيته ومائدته حمل إليه، وما كان في أرزاق جيوشه والكهنة والفلاسفة وأصحاب الجوامك صرف إليهم، ومهما فضل أرصد لمصالح الأراضي ونوائب الزمان.
стр. 632
وبنا لنهراوس مجالس الزجاج الملوّن وجرّوا حولها الماء يدور، وأرسلت فيه الأسماك من أنواع الجواهر والبلّور. وكان إذا وقع الشمس عليها أرسلت من شعاعها نورا يخطف بالأبصار. وعملت له ثلاثمائة وستّين مجلسا متنزّها بعدد أيّام السنة، كلّ مجلس لا يشبه الآخر، مكمّل بسائر فروشه والالاته وأوانيه، من حوله بستان قد جمع سائر أصناف الفواكه وسائر الأطيار المطربة. فكان ينتقل كلّ يوم في مجلس منهم، إلاّ أوّل السنة يعود لأوّل مجلس.
فلمّا اتّصل ذلك بملوك النواحي واشتغاله بما ذكرناه، قصده رجل من العمالقة يقال له: علكن بن شموم؛ وكان يكنا أبا قابوس. فسار قاصدا إلى مصر في جيوش كثيفة حتّى نزل على حدودها. فأنفذ إليه العزيز جيشا وجعل عليه قائدا يقال له: فوناس. فأقام يحاربه ثلاث سنين. فظفر العمليقيّ به فقتله ودخل مصر وهدم أعمالها وأعلامها ومصانع كثيرة.
وتمكّن طمعه في ملك مصر واتّصل خبره بأهل البلد فأعظموه وأكبروه واجتمعوا إلى قصر الملك وجعلوا يصيحون، فسمعهم، فسأل عن خبرهم، فأخبروه بخبر العمليقيّ وما فعله.
стр. 633
وتزعم القبط أنّه سمع نوح الجنّ وبكاءها على أهل مصر، ويذكرون أبوه في نواحهم عليه، فارتاع لذلك. فعرض جيشه وأصلح أمره وخرج للعمليقيّ في ستّمائة ألف مقاتل. فالتقوا (١٣١) من وراء الأجراف، فاقتتلوا قتالا شديدا. ثمّ انهزم العمليقيّ واتّبعه نهراوش إلى حدود الشام، وقتل عامّة أصحابه. ودخل بلاده وأفسد زروعه وأشجاره. ونصب علما على المكان الذي وطئته خيله وزبر عليه: إنّي لمن تجاوز هذا المكان بالمرصاد. لمّا فعل ذلك هابته الملوك ولاطفوه وعظّموه.
وقيل: إنّه بلغ الموصل وصرف عن أهل الشام خراجا، وبنا على العريش مدينة لطيفة وشحنها بالرجال.
ثمّ رجع إلى مصر، فحشد جنوده من جميع الأعمال واستعدّ لغزو ملوك الغرب. فخرج في تسع مائة ألف مقاتل خارجا عن الأتباع. واتّصل خبره بالملوك، فمنهم من تنحّى عن طريقه ومنهم من دخل تحت طاعته.
ومرّ بأرض البربر، فأخذ كثيرا منهم. ووجّه قائدا له-يقال له:
مريطس-في سفن؛ فركب من ناحية أرض البربر، فقتل منهم، وصالحه
стр. 634
بعضهم، وحملوا إليه من الأموال ما لا يعدّ كثرة. ثمّ مضى إلى إفريقية وقرطبة، فصالحوه أهلها وأهدوا له أموالا ولطف وهدايا. ومرّ حتّى بلغ مصبّ البحر الأخضر إلى بحر الروم، وهو موضع الأصنام النحاس. فأقام هناك <صنما> وزبر عليها اسمه وتاريخ الوقت الذي وصل فيه. وضرب على أهل تلك النواحي خراجا.
ثمّ عدل إلى ناحية الأرض الكبيرة، وسار إلى إفرنجة والأندلس.
فخرج ملكها وحاربه أيّاما وقتل من أصحابه خلقا كثيرا، وصالحه بعد ذلك ودخل تحت طاعته. وقرّر عليه ذهب مضروب يحمل في كلّ عام إليه، وعلى أن لا يغزو مصر، ويمنع من رام ذلك ممّن يجوز به، وانصرف عنه راجعا.
وسار مشرقا، يشقّ بلاد البربر. فلم يصل إلى مكان إلاّ خرجوا إليه وتلقّوه ومشوا بين يديه. ثمّ أخذ ناحية الجنوب، ومرّ بناحية الكرمابيّين، وحاربوه وقتل منهم خلقا كثيرا.
ووصل في الجنوب إلى مكان لم يصله ملك غيره. وتعجّبوا أهل تلك الديار منه، ودخلوا في طاعته. وسأل منهم: هل ركبت هذا البحر أحد قطّ (١٣٢) فقالوا: ما يستطيع أحدا أن يركبه. وأنّه تظلّله غمامة فلا
стр. 635
يرونه أيّاما. وأتوا للملك بهدايا وفواكه، أكثرها الموز، وحجارة سوداء فإذا وضعت في الماء عادت بيضاء، وحجارة بشبه السّمك، إذا كسرت كانت حجارة وإذا وضعت في الماء يوما وليلة عادت سمكا طريّا من أحسن سمك يكون.
ثمّ تركهم وسار على أمم السودان حتّى بلغ الزمزم الذين يأكلون الناس من بني آدم. فخرجوا إليه عراة بأيديهم حرابا من حديد. وخرج ملكهم على دابّة عظيمة ذات قوائم ستّة وقرون معقّقة. وكان جسيما بالغ الطول الغاية، أحمر العيون. فظفر نهراوش بهم، فانهزموا إلى جبل ذات أوغار، فلم يتهيّأ اتّباعهم. وجاوزهم إلى قوم على خلق القرود، لهم أجنحة خفاف يثبون بها من غير ريش.
ومرّ على البحر المظلم، فغشيتهم منه غمامة حتّى لا عادوا يرون بعضهم بعضا. فرجع شماليا حتّى انتهى إلى جبل عظيم. ورآا فيه تماثيل من الحجر من حجر أحمر، يومئ بيده أن ارجعوا. وعلى صدره مزبورا: ما ورائي مسلك ولا خلق ولا عالم. فعرّج إلى القصر النحاس فلم يصل
стр. 636
إليه. ومضى حتّى وصل الوادي المظلم، فكان يسمعون منه جلبة عظيمة، ولا يرون شيئا لشدّة الظلمة.
ثمّ سار حتّى انتهى إلى وادي الرّمّان، فوجدوا <أنّ> كلّ شجرة تضلّ مائة فارس تحمل رمّانا، كلّ رمّانة تفرط كيلا كاملا، لم يروا أحسن من طعمه ولا أحلا. ورأى به أصناما وعليها مزبور أسماء الملوك الذين وصلوا إلى هناك من قبله. فأقام عليها صنما وزبر عليه اسمه. ثمّ توصّل إلى البحر المظلم من ذلك الجانب، فسمع به جلبة وصياحا هائلا يجزع من يسمعه. ووجد على شاطئه آجاما ودجالا، فخرج في شجعان من قومه حتّى أشرف على السباع المقرّنة الأنوف، وبعضها يزأر على بعض. كلّ أسد منهم (١٣٣) كالنحتيّ العظيم ويأكل بعضهم بعضا، فعلم أن لا مذهب له من ورائهم.
فرجع وغزا وادي الرّمل، ومرّ بأرض العقارب، فكان كلّ عقرب كاللّجأة البحريّة. فهلك بعض أصحابه منهم، ودفعوا عن أنفسهم بالرّقا حتّى جاوزوهنّ.
стр. 637
وسار حتّى انتها إلى أرض ساوقة، وهي الحيّة العظيمة التي لا يعلم لها ابتداء من العمر وطول الدهر. فهجموا عليها وهم لا يعرفونها، وظنّوا أنّها قطعة جبل في تلك الوطاه، حتّى تحرّكت وخرج من مناخرها مشاهب نيران، فأهلكت خلقا عظيما من عسكره، وخرجوا من تلك الأرض وهم لا يصدّقون بالنّجاة منها، وتعوّذوا منها بالرّقا الذي يعرفونه وإلاّ كانت أهلكتهم عن آخرهم.
وذكر القبط أنّه منعها بعد ذلك هذا الملك من الحركة بسحره وقيّدها في مكانها. وذكروا أنّ تقدير ما يحويها من الأرض ستّة أميال، وأنّه لم يكن لها غذاء إلاّ من تلك السباع، وقد ركّب الله تعالى فيها خاصّيّة تجتذب بها من البحر والبرّ ما شاءت لقوتها، وأنّ هذا الملك كان سبب هلاكها بسحره.
ثمّ سار إلى مدينة الكند، وهي مدينة الحكماء. فلمّا رأوه تهاربوا إلى أعلى جبل عندهم في أماكن حصينة. فأقام عليها أيّاما لا يقدر على الصعود إليهم وكادوا يهلكون عطشا. فنزل إليهم من الجبل رجل حكيم يقال له:
مندويس. وكان أكبرهم، وقد لبس شعره جسده. فقال للملك: أين تريد أيّها المغرور، المحدود له في الأجل، المرزوق فوق الكفاية؟ أتعبت
стр. 638
نفسك وجيشك، وأنت مطلوب بهم. هل لا قنعت بما تملكه، وأتّكلت على خالقك، وأرحت نفسك من بعد العناء والغرر بهذا الخلق؟ فعجب نهراوس من قوله وسأله عن الماء فدلّه عليه ونما له عن موضعهم، فقال:
موضع لا يصل إليه أحد ولا بلغة قبلك أحد حتّى تبلغه أنت. قال: فما معاشكم وقوتكم؟ (١٣٤) قال: من أصول نبات الشجر ممّا تنبت الأرض.
قال: فمن أين تشربون؟ قال: من نقار من ماء الأمطار والثلوج. قال: فهل تحتاجون إلى مال أتركه عندكم؟ قال: إنّما يريد المال أهل البذخ. ونحن فلا نستعمل منه شيء وعندنا ما لو رأيته لحقّرت ما عندك. قال: أرنيه.
فانطلق بنفر من أصحابه إلى أرض في سفح جبل فيها قضبان الذهب نابتة، وأتى بهم إلى واد على حافّتيه حجارة الزبرجد والفيروزج والياقوت العظيم القدر. فأمر أصحابه أن يحملوا من كبار تلك الأحجار.
ثمّ سأله نهراوش على الطريق، فدلّ بهم وعاد. فلم يمرّ على أمّة إلاّ وتلقّونه حتّى وصل إلى أرض النوبة. ثمّ سار إلى منف. فلم يبق أحدا من أهل ديار مصر حتّى خرج إليه، وتلقّونه بأصناف الطّيب والرّياحين. وكان العزيز قد بنا له عدّة مجالس من الزجاج الملوّن وفرشه بأنواع الفرش.
стр. 639
وعرض جيشه فنفد منه سبعين ألفا، وقد كان خرج في ألف ألف عيال. ولمّا سمع الملوك به وبقوّة عزمه هابوه وخافوا شدّة بأسه، فهادوه وتلطّفوا في إصلاح شأنهم معه.
وقيل: إنّ خراج مصر بلغ في أيّامه تسعة وتسعين ألف ألف ألف.
وهذا فرعون يوسف، ﵇، وسيأتي خبره معه، عند ذكر يوسف، ﵇، إن شاء الله تعالى. وفي أيّامه ابتنا يوسف، ﵇، مدينة الفيّوم، كما يأتي بيانه في موضعه.
< ذكر دريوش >
ولمّا مات نهراوش استخلف ولده دريوش. وهذا دريوش تسميّه أهل الأثر من العلماء: داروم بن الرّيّان. وإنّما وجدت اسمه: دريوش بن نهراوش في هذا الكتاب القبطيّ الذي ذكرته، وجميع هذا الكلام فهو منه بعدما أصلحت منه ألفاظا أدرتها إلى العربيّة بعقلي، ولعلّها الصواب، والله أعلم.
وداروم هذا هو الفرعون الرابع بمصر، ولمّا ملك خالف سنّة أبيه.
وكان يوسف، ﵇، خليفة، أمره الرّيّان بذلك. وكان يشدّد ويطلب سنّة (١٣٥) العدل، وكان ربّما وافقه حينا، وربّما نقض أمره حينا.
стр. 640
وطهر في وقته معدن فضّة على ثلاث أمثال من النيل وأثار منه شيء كبير. وعمل منه صنما على اسم القمر، لأنّ طالعه كان السّرطان، ونصبه على قصر الرخام الذي كان أبوه بناه في شرقيّ النيل مع عدّة أصنام أخر.
وعمل للصنم الكبير عيدا في كلّ سنة، وهو إذا حلّ القمر السرطان.
وكان كلّما أراد <أن> يضرّ بالناس بحال منعه يوسف، ﵇، ودفعه عنه، إلى أن مات يوسف، ﵇، في أيّامه، وله من العمر ثلاث وعشرون ومائة سنة. فأمر داروم أن يكفّن في ثياب الملوك، وجعل في تابوت من رخام، ودفن في الجانب الغربيّ <من النيل>، فأخصب ونقص <الجانب> الشرقيّ. فنقل إلى الشرقيّ، فأخصب ونقص الغربيّ. فاتّفقوا أن يجعلوه في الغربيّ عاما وفي الشرقيّ عاما. ثمّ حدث لهم رأيا أن يجعلوا له حلقا وثاقا، ويشدّوا التابوت بحبال من حديد من جانبي النّيل ويلقوه في النيل. ففعلوا ذلك، فأخصبت الجانبين.
وإنّه وزر بعده بلاطيش الكاهن، فوافق الملك على أخذ أموال الناس، فبلغ من ذلك مبلغا عظيما.
وعمل الوادي المنحوت بين جبلين في الناحية الغربيّة من النيل، وكنز الأموال، فلا يوصل إليها بحيلة. وجع لذلك صقالة من ذلك الوادي إلى الحيّ، وجعل له بابا يصل إليه ويدخل إليه، وترى الأموال موضوعة مكشوفة مضروبة في كلّ مثقال من المائة إلى عشرة مثاقيل عليها صورة
стр. 641
الملك. وفي الوجه الآخر اسمه وتاريخ وقته. فإن التمس أحدا منها شيئا انطبق عليه الباب، فلم يقدر على الخروج حتّى يردّ ما أخذه. وقيل: إنّه إلى الآن كذلك.
ثمّ زاد أمره في التجبّر حتّى اقتلع نساء الناس منهم غصبا. واجتمع الناس على خلعه، وامتنعوا الناس من عمل سائر الصنائع حتّى الزراعات والغروس، فخاف الوزير من إفساد (١٣٦) أمور المملكة. فدخل إليه وأشار عليه أن يردّ إلى الناس نساءهم ويتودّد لهم، فأبا عليه وهمّ بالخروج عليهم في خاصّته، وقال: إنّما هم عبيدي. فلم يزل يرفق به حتّى رجع.
ثمّ إنّ أهل الصعيد حشدوا عليه وحاربوه، فخرج عليهم وأهلك منهم خلق كثير. وعاونته امرأة أبيه بسحرها وأظهرت من أنواع السحر ما أضعف أبصارهم، وغشيهم ما لا طاقة لهم به. ثمّ قتل عالما كثيرا منهم، وصلب على غربيّ النيل. ورجع إلى ما كان عليه من الظلم وأخذ الأموال والنّساء وسفك الدماء واستخدام الأشراف من القبط والإسرائيليّين.
وكان قد صنع له قصرا من خشب مضبّب بالفضّة والذهب. وجعله في النيل يركب فيه مع وجوه خواصّه. فأراد أن يعدوا من العدوة الأخرى، وكان زمان قوّة نيل مصر، فلم يوافقه القصر بالسرعة لثقله. فركب زورق
стр. 642
وركبت معه الساحرة معمن اختاره من خواصّه. ولمّا توسّط النيل هاج عليه البحر بالرياح، فاقلبه ذلك الزورق فغرق هو ومن معه، وأصبح الناس شاكّين في أمره، لا يعلمون ما نزل به، إلى أن وجدت جثّته طافية، وعرف بخاتمه وبجوهر كان متقلّدا به، فحمل إلى ناؤوسه في غربيّ النيل، وقدّم الوزير ولده مقاريوس.
< ذكر مقاريوس >
وجلس مقاريوس على سرير الملك وهو صبيّا، وبايع له الجيش على كره منهم، ثمّ أوعدهم الخير فرضوا به. ويسميّه أهل الأثر: معدان. وهو خامس الفراعنة بمصر. وكان في زمانه طوفان أضرّ ببعض البلاد فكرهه بعض الناس واستاشموا به.
وكبر بنو يوسف، ﵇، وعابوا الأصنام وباينوها. وهلك أيضا وزير أبوه فاستوزر كاهنا يقال له: املاده. فلمّا رأى فعل الإسرائيليّين أنكره، وأشار أن يفردوا بناحية من البلد ولا يختلطوا مع القبطيّين. فقطعوا لهم موضعا في قبليّ منف، اجتمعوا إليه وعملوا لأنفسهم متعبّدا. (١٣٧) وكانوا يتلون صحف إبراهيم، ﵇. وإنّ رجلا من القبط رأى امرأة
стр. 643
من الإسرائيليّين فهويها وطلبها من قومها ليزوّجوه بها، فأبوا ذلك. فعظم على القبط ذلك واجتمعوا إلى الوزير وقالوا: إنّ هؤلاء الإسرائيليّين يعيبونا ولا يرضونا. فقال الوزير: قد علمتم ما كان من إكرام طوطيس الوزير لهم من قبلي ونهراوش الملك، ووقفتم على بركة يوسف، ﵇، حتّى جعلتم قبره وسط النيل، فأخصب جانباه. فلا تخوضوا في شيء ممّا يكرهون.
وكان ملوك الكنعانيّين على الشام، وامتنع أهلها أن يؤدّوا ما كان مقرّر عليهم. فأنكر أهل مصر ذلك، وشكوا للوزير، فعرف الملك، فقال:
إن تجاوزوا حدود أرضنا غزوناهم، وإنّما نحن في غناء عمّا في أيديهم.
وكان هذا الملك كثير التعبّد في الهيكل مواضبا على العبادة. وتقول القبط: إنّه كان-فيما يزعمون-ذات يوم قائما في هيكل زحل، وكان قد أجهد نفسه في التعبّد له، فغشّاه نور، وتراا له رجل وخاطبه وقال له: قد جعلتك ربّا على أهل بلدك، وحبوتك بالقدرة عليهم. فعظم عند نفسه.
قلت: وهذا جميعه كان من فعل الشيطان بهم، إن صحّ ذلك عنهم، لما يريده الله تعالى من شقائهم. فنعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
فأمر الناس أن يسمّونه ربّا، ولم يرجع ينظر في شيء من أمر الملك، وجعل أمر الملك لولده اقسامين.
стр. 644
< ذكر اقسامين >
وجلس اقسامين على السرير وجعل عليه تاج أبيه، وأقام القاطريّون، وجعل لكلّ أحد مرتبة على ما كانوا عليه قديما. وقسم الكور على ما كانت عليها، وأمر بالعمارات وإظهار الصنائع. ووسّع على الناس في أرزاقهم، فعظم في أعين الناس وأحبّوه. وزاد في تنضيف الهياكل وقرابينها. فقدّروا الناس من الكهنة أنّ ذلك جميعه عن رأي أبيه له.
واحتجب أبوه عن الناس؛ وهو الذي تسميّه أهل الأثر: كاشم بن معدان، وهو الفرعون السادس من فراعنة مصر. (١٣٨) وهو كاشم بن معدان بن داروم بن الريّان بن الوليد بن دومغ. هذا عن أهل الأثر في تسمية هؤلاء الفراعنة.
وأمّا ما وجدته في هذا الكتاب القبطيّ فأسماؤهم: اقسابين بن مقاريوش بن أدريوش بن فهراوش بن ايمين-وهو الوليد بن دومغ؛ ليس كان يدعى بفرعون، وإنّما حدث هذا الاسم عن غلامه، حسبما تقدّم من الكلام.
قال القبط: وعمل هذا اقسامين الملك من العجائب ما يطول الشرح في تعدادها، وأقام أعلاما كثيرة حول منف. وجعلها أساطين يمشى من بعضها إلى بعض إلى رفوده التي بداخل الواحات. وصنع كرة من فضّة
стр. 645
كهيئة كورة الفلك، ونقش عليها صور الكواكب الثابتة ودهنها بالدهن الصينيّ وركّبها على منار في وسط منف. وصنع في هيكل أبيه روحانيّ زحل من ذهب أسود مدبّر. وعمل في وقته الميزان الذي يعتبر الناس قيّما، وكفّتاه من ذهب وعلاّقتاه من فضّة، وكان معلّقا في هيكل الشمس.
وكتب على إحدى كفّتيه: حقّ، واالغرى: باطل. وتحته فصوص قد نقش عليها اسم كلّ شيء <من الكواكب>. فيدخل الظالم والمظلوم، ويأخذ كلّ أحد منهما فصّا من تلك الفصوص، ويسمّي عليه ما يريد، ويجعلا <ن> في كفّتي الميزان، فتثقل كفّة الظالم وتخفّ كفّة المظلوم.
وكذلك من أراد سفرا أو فصامرا فيأتي ويجعل خيرته ويذكرها على فصّين ويضعها في كفّتي ذلك الميزان، فيظهر له خيرته في ما يرومه. ولم يزل هذا الميزان بمصر إلى أيّام بخت نصر، فاقتلعه وحمله إلى بابل وجعله في بيت من بيوت الميزان.
< ذكر ظلما بن فرمس >
ثمّ إنّ هذا الملك مات ولم يعقّب، واستخلف على الناس رجلا من أهل المملكة يقال له: ظلما بن فرمس. وكان شجاعا كاهنا حكيما داهية متصرّفا في كلّ فنّ. وكانت نفسه تنازعه الملك في حال تملك اقسامين، فلمّا مات اقسامين أوصا له بذلك. (١٣٩) وهذا هو فرعون موسى، عليه
стр. 646
السلام. وأهل الأثر يسمّونه: الوليد بن مصعب. وإنّما وجدت اسمه في هذا الكتاب: ظلما.
وكان قد رأى في كهانته أنّه سيكون جدبا في زمانه وغرقا لقومه.
فأمر ببناء المعاقل واستعمل ما استعمله نهرواش الملك في زمانه. وبنا بناحية رفوده والصعيد ملاعب ومصانع. وشكى القبط إليه رجال الإسرائيليّين، فقال: هم لكم عبيد. فكان إذا أراد القبطيّ حاجة سخّر الإسرائيليّ، فلا يقدر <أن> يمتنع عليه، وإن ضرب الإسرائيليّ القبطيّ قتل. وكان أوّل من أذلّ الإسرائيليّين ظلما هذا.
وكان، فيما حكي عنه، قصيرا جدّا، طويل اللحية، أشهل العينين أزرقهما، صغير العين اليسرى، في جبهته شامة سوداء، وأنّه كان أعرج.
وزعم قوم أنّه من الكنعانيّين. وقال قوم: بل <هو> من القبط. والذي وجدته في هذا الكتاب القبطيّ أنّه من القبط، من أهل بيت المملكة.
والدليل على أنّه منهم ميله إليهم واستعباد الإسرائيليّين لهم ونكاحه فيهم.
وذكر قوم أنّه دخل منف على حمار أتان عليها نطرون. وكانوا بعد موت اقسامين اختلفوا فيمن يلي الملك عليهم. وكون اقسامين لم يعقّب، فرضوا بأيّ من طلع عليهم. فطلع عليهم هذا ظلما على أتان، قد جلب عليها أطرونا، فلمّا راه ملّكوه عليهم. وهذا كلام ضعيف، لأنّ القوم أدهى
стр. 647
وأعلم من أن يملّكوا عليهم من هذا سبيله، وإنّما أوردت جميع الاختلاف في أمره.
وكان أوّل ما تملّك اضطرب الناس عليه، فساسهم أحسن سياسة، ودبّر أحوالهم أتمّ تدبير، فرجعوا لطاعته. واستخلف هامان وزيره. وقيل:
إنّه كان ابن خالته؛ هكذا رأيت في الكتاب القبطيّ، ولم أر أحدا ذكر ذلك.
وأثار بعض الكنوز، وعمل في مصر أعمال كثيرة، وعمل العمائر الهائلة، وحفر <خليج> السردوس. وقيل: إنّ تعاريجه إنّما كانت أهل البلاد يبذلوا له الأموال حتّى يجرّه على نواحيهم، (١٤٠) فاجتمع له من ذلك مال كثير. فلمّا بلغه من وزيره ذلك، أمره أن يردّ كلّ مال إلى أهله، ففعل ذلك. وبلغ الخراج في زمانه تسعة وتسعون ألف ألف دينار. وكان ينزل الناس على مراتبهم. وهو أوّل من عرّف العرفاء على الناس.
وكان ممّن يصحبه من الإسرائيليّين رجل يقال له: عمرون، وهو عمران أبو موسى، ﵇. فجعله حارسا على قصره ومتولّي حفظه وحامل مفاتيحه، وإليه فتحه وغلقه. وكان أنّه رأى في كهانته أنّه يجري هلاكه على يدي مولود من الإسرائيليّين، فمنعهم المناكح ثلاث سنين،
стр. 648
لأنّه رأى أنّ ذلك المولود يكون في تلك المدّة، وأنّ امرأة عمرون أتته في بعض الليالي بشيء قد أصلحته له، فواقعها، فحملت بموسى، ﵇.
وكان أنّه رأى أنّ المولود قد ولد-أو سيلد. فشرع يذبح المولودين من الذكور لبني إسرائيل، ولم يتعرّض لعمرين حارس قصره، إلى أن ولدت <زوجته> موسى، ﵇. والقبط تسميّة وهسيس؛ هكذا وجدت في الكتاب القبطيّ. وإلى ها هنا انتهى ما نقلته منه. وأخّرت منه كلاما في ذكر إبراهيم ويوسف وموسى، صلوات الله عليهم أجمعين، آتي به معما يليق معه من الكلام في قصصهم مع الفراعنة عند ذكرهم، إن شاء الله تعالى.
ولنبتدئ بذكر بقيّة الأنبياء، صلوات الله عليهم،
بعد نوح ﵇
قلت: قد أتيت بعون الله تعالى وحسن توفيقه بجميع ما اشترطته في ذكر ما قدّمته في هذا التاريخ من غريب الكلام وحسنه، ما لعلّه ما جمع في تاريخ غيره. ومع ذلك فإنّي معترف بالتقصير، واللسان القصير. وليس الاعتماد إلاّ على إسبال ذيل الفتوّة من كلّ واقف عليه، وأسأله سؤال متضرّع إليه، أن يدعو لي بالمسامحة فيما اقترفت، فإنّني عبد بالخطاء قد اعترفت. ولا يبخل عليّ بما قد سألته فيه، وبعض هذا السؤال لكلّ ذي بصيرة يكفيه.
стр. 649
(١٤١) والآن فقد تقدّم الكلام من بدء الأشياء كلّها إلى حين أولاد نوح، ﵇، وتلونا ذلك بذكر مصر وكهّانها وملوكها وفراعنتها وعجائبها، يتلو بعضه بعضا. فإنّي وجدت كثيرا ممّن يقف على التواريخ تشمأز نفسه من الواقعة أو الحكاية إذا ساقها صاحب التاريخ، وأفصلها قبل إحكام تمامها، وينتقل إلا ما سواها في غير وقتها. فاشترطت على نفسي أنّني لا أذكر كلاما قد استفتحت فيه وأتركه إلاّ حتّى أنهيه.
فلمّا ذكرنا بدء الكائنات أنهينا فيها الكلام حدّ الطاقة، وتلونا ذلك بخلق الأمم قبل آدم، ﵇، على السياقة. ثمّ أتبعنا ذلك بخلق آدم وبنيه، وذرّيّته ومن يليه، إلى الطوفان، ومن كان فيهم من الملوك والكهّان. ثمّ ذكرنا أولاد نوح، ﵇، وملوك مصر إلى آخر الكلام.
ووقفنا عند فرعون في زمن موسى، صلوات الله عليه، كونه آخر فراعنة مصر ومنتهاهم إليه. ولنبتدئ الآن بذكر الأنبياء والمرسلين، صلوات الله عليهم أجمعين. نستفتح الكلام، ب ذكر هود، ﵇ .
ذكر هود، ﵇
روي عن ابن مسعود ﵁، أنّ هودا، ﵇، اسمه عابر، وإليه ينسب العبرانيّون. وفي كتاب الجمهرة: إنّه عابر بن شالح بن
стр. 650
أرفخشد. وروى محمّد بن سلاّم في تاريخه أنّه ولد بعد مضيّ ستّمائة سنة وسبع وستّين سنة من عمر نوح، ﵉. وقال المسعوديّ: إنّه ولد بعد وفاة نوح بثلاثمائة سنة. وقيل: إنّه هود بن عبد الله بن رباح بن الحلود بن عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح، بعثه الله تعالى إلى حيّ من ولد إرم بن سام، وهم عاد بن عوص بن إرم، وهم عاد الأولى، فكذّبوه ولم يستجيبوا له، فأهلكهم الله بالريح العقيم، وهي التي لا تلقح الشجر، (١٤٢) استمرّت ﴿عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيّامٍ حُسُوماً﴾. وقيل: لم تخرج الريح قطّ إلاّ بمكيال إلاّ ذلك اليوم، فإنّها عتت على الخزنة فغلبتهم. فلمّا هلكوا بأجمعهم، بعث الله طيرا أسودا فنقلهم إلى البحر، ﴿فَأَصْبَحُوا لا يُرى إِلاّ مَساكِنُهُمْ﴾.
وكان هود، ﵇، أشبه ولد آدم بآدم، ﵇، خلا يوسف، ﵇. ولمّا هلك قومه، لحق هو ومن آمن معه بمكّة، شرّفها الله تعالى. فلم يزل بها حتّى مات وله من العمر مائة وخمسين سنة، وقيل: أكثر. وقبره بحضرموت؛ روي ذلك عن عليّ بن أبي طالب، كرّم الله وجهه.
стр. 651
ذكر صالح، ﵇
هو صالح بن عبيد بن آسف بن إرم بن سام بن نوح، بعثه الله إلى قومه، وهم ثمود بن حاش بن إرم. وكانت مساكنهم الحجر بين وادي القرا والشام. قال وهب بن منبّه: بعثه الله حين راهق الحلم. وكان يمشي حافيا ولا يتّخذ حذاء. وقال ابن مسعود: بعث وله أربعون سنة؛ ولم يبعث نبيّ إلاّ بعد الأربعين.
وكانت أتته ناقة خرجت من هضبة من الأرض يتبعها فصيل لها.
فكانت تتفجّج لهم، فيحلبون منها ريّهم، وتشرب ذلك اليوم جميع مياههم، وهم يشربون الماء في اليوم الثاني ولا تأتهم. فلمّا طال عليهم أمرها ملّوها. فاجتمع تسعة رهط من شرّارهم على عقرها. فخرجوا إليها فعقروها.
وقيل: إنّ رجلا منهم كان اسمه قدار، وكانت له قينة فاشتهت عليه وهم يشربون الخمر، من لحم الناقة التي هي آية صالح. فخرج في تسعة نفر من قومه، وكان أحمر أزرق، فعقروا الناقة، وأتا لقينته. فكان كلّما
стр. 652
شوى من لحمها وأراد أكله، وجدوه حجرا صمّا. فلمّا علم صالح بذلك، وعدهم الله تعالى بالعذاب (١٤٣) بعد ثلاث. فأصبحوا في اليوم <الأوّل> -وكان يوم خميس-ووجوههم مصفرّة؛ وأصبحوا في اليوم الثاني ووجوههم محمرّة، وفي اليوم الثالث مسودّة. وصبّحهم العذاب الأحد، فأتتهم صيحة من السماء، فماتوا وهلكوا جميعا.
ولحق صالح ومن آمن معه بمكّة، ومات بها وله من العمر مائة وثمانين سنة. وقيل: أقلّ من ذلك. وإنّ قبورهم بين دار الندوة والحجر.
وقيل: عمّر صالح مائتي وثمانون سنة، والله أعلم.
ذكر إبراهيم الخليل، صلوات الله عليه
إبراهيم، خليل الله، بن آزر، وهو تارخ بن ناحور بن ساروع بن قالع بن عابر، وهو هود بن شالح بن سوساح بن أرفخشد، وسنوصله بآدم، ﵇، عند ذكر سيّدنا ونبيّنا محمّد ﷺ .
стр. 653
ولد إبراهيم، صلوات الله عليه، ببابل. وكان مولده في زمن نمرود ابن كنعان بن كوش بن حام، مع اختلاف في نسب نمرود. وكان لنمرود ملك المشارق. ولمّا بلغ إبراهيم ثلاثين سنة ألقاه نمرود في النار، فنجّاه الله تعالى منها وجعلها ﴿بَرْداً وَسَلاماً﴾، بعد أن احتبسه ثلاث عشر سنة.
ولمّا كان لإبراهيم، ﵇، سبعين سنة خرج ومعه ابن أخيه لوط وابنة عمّه سارة-وهي زوجته-إلى الشام، فوجدوا بها الجوع. فساروا إلى مصر وبها فرعون يقال له: سنان. هذا عن أهل الأثر، أن اسم فرعون إبراهيم يقال له: سنان. وسيأتي الكلام من ذلك الكتاب القبطيّ، بعد ما ننهي ما جاء عن أهل الأثر. أقاموا بمصر ثلاثة أشهر، ورجعوا إلى الشام، وقد أهدى فرعون مصر لسارة هاجر، فتولّوا السّبع من أرض فلسطين.
وفارقه لوط وسكن سدوم.
ثمّ تحوّل إبراهيم، ﵇، فنزل الرّملة. وارتحل فنزل إيليا.
فلمّا بلغ إبراهيم، ﵇، خمسا وثمانين سنة، فوهبت سارة (١٤٤) له جاريتها هاجر، فولدت له إسماعيل، ﵇، ولإبراهيم من العمر حين ولد له إسماعيل ستّة وثمانين سنة، واختتن وله تسع وتسعون سنة.
وقيل: اختتن بالقدوم، وهي قرية من قرا كنعان، لا ما يذهب إليه الناس أنّها الآلة التي كالفأس. وختن أيضا إسماعيل.
ثمّ ولدت له سارة إسحاق، ﵇، وله مائة سنة، وأنزل الله
стр. 654
عليه عشر صحائف. وولد لإسحاق يعقوب، ﵉، والعيص تؤما بعد مضيّ مائة وستّين سنة لإبراهيم. ومات، صلوات الله عليه، وله من العمر مائة وخمس وسبعون سنة. وماتت سارة ولها من العمر مائة وسبع وعشرون سنة. وكان وفاتها قبل وفاة إبراهيم، بعد مضيّ سبع وثلاثين سنة من عمر ولدها إسحاق. ودفنها في مزرعة جيرون من الشام.
. . . أوّل من شاب. وذلك أنّه كان إسحاق على شبهه لا يفرق بينهما المتأمّل الحاذق، فوسمه الله تعالى بالشّيب حتّى تميّز به عنه. وروي أنّه لمّا رأى الشيب، راعه، قال: يا ربّ، ماذا؟ فأوحى الله، ، إليه: إنّ هذا وقاري. فقال: اللهمّ زدني وقارا. فأصبح أبيض اللّحية والرأس. وما أحسن قول بعض البلغاء في هذا المعنى، وهو: سبحان من بيّض القار وسمّاه الوقار.
هذا عن أهل الأثر، أنّ اسم فرعون إبراهيم كان اسمه سنان وسيأتي الكلام عن ذلك.
(من الطويل، مع خلل في الوزن):
رأين الغواني الشّيب لاح بعارضي ... فأعرضن عنّي بالخدود النّواظر
وكنّ إذا ما أبصرنني أو سمعن بي ... سعين فرفعن اللّواء بالمحاجر
لإن حجبت عنّي خدود نواظر ... نظرن بأحداق المها والجآذر
стр. 655
فإنّي من قوم كرام أعزّة ... لأقدامهم صيغت رؤوس المنابر
وقال الطّبريّ: إنّ من هبوط آدم، ﵇، إلى إبراهيم، (١٤٥) ﵇، ثلاثة آلاف سنة وثلاثمائة سنة وسبعا وثلاثين سنة. فتكون إلى حين وفاته ثلاثة آلاف سنة وخمس مائة سنة واثنتا عشر سنة، والله أعلم.
وأمّا قصّة إبراهيم، صلوات الله عليه، مع طوطيس ملك مصر، ممّا تظمنه ذلك الكتاب القبطيّ، فإنّه قال: إنّ أبراهام لمّا خاف على نفسه وزوجته من قومه ونمرود الكنعانيّ، فإنّه كان من أهل قرية من القرا العراقيّة، تسمّى: لوذاها؛ وكانت هذه القرية في خاصّ ملك نمرود الكنعانيّ؛ فخرج طالبا للشام. فلمّا نزل بارمنيدا-وهي الغوطة-خشي أيضا لا يلحقوه هنالك، <وذلك ل> كون حكم نمرود نافذا إلى هناك.
فتوصّل إلى مصر، وبها أحد الفراعنة يسمّى طوطيس، أبو حوريا الكاهنة.
فوصل إليه الخبر من البوّابين أن قد دخل إلى المدينة رجل من شرق الأرض ومعه امرأة لم يرا مثلها. وذكر أنّ حسن يوسف كان جزءا منها.
فأمر الملك بإحضاره، وسأله عن خبره، فقال: رجل قاصد لديارك. وخبّره
стр. 656
عن بلده، وكتم أمره مع نمرود. فقال: وما تكون هذه المرأة منك؟ قال:
أختي. فقال: أحضرها لأراها. فامتنع. ثمّ لم يمكنه المخالفة لغربته في مصر، وعلم أنّ الإله لا يفضحه في أهله ولا يسؤه. فقال لسارة: توجّهي معي إلى الملك فقد طلبك ليراك. قالت: وما يفعل بي الملك؟ إنّي أخشاه على نفسي. فقال: إنّ إلاهنا يمنعه منك. فقامت على كره منها.
فلمّا دخلت إليه، ونظر منها منظرا أراعه، فافتنته بحسنها. فأمر بإخراج إبراهيم. فخرج، وهو لا يكاد <. . .> خوفا عليها منه. وندم على قوله: هي أختي. وتمنّى أنّه لم يدخل مصر. فقال: يا ربّ، لا تفضحني في أهلي. فكشف الله تعالى له عن الملك وسارة حتّى عاد ينظر إليهما. ثمّ إنّ الملك راودها عن نفسها فامتنعت عليه. فذهب يمدّ يده إليها، فقالت: إنّك (١٤٦) إن وضعت يدك عليّ أهلكت نفسك، لأنّ لي ربّا يمنعني منك. فلم يلتفت إلى قولها ومدّ يده إليها، فجفّت يده وبقي حائرا. فقال لها: أزيلي عنّي ما قد أصابني. فقالت: على أن لا تعود إلى مثل ما فعلت. قال: نعم. فدعت إلى الله تعالى، فزال عنه. فلمّا وثق بالصحّة، منّاها وعاودها، فامتنعت وقالت: قد علمت ما نزل بك. ثمّ مدّ يده إليها، فجفّت، واضطربت عليه عصبه. فاستغاث بها، وأقسم بآلهته، أنّها إن أزالت عنه ذلك لا يعاودها فيما تكره. فسألت الله، ، فزال عنه، ورجع إلى صحّته. فقال لها: إنّ لكما لربّا عظيما لا يظيعكما. ثمّ إنّه أعظم قدرها وسألها عن إبراهيم، فقالت: هو بعلي وأنا زوجته وابنة عمّه.
стр. 657
قال: فإنّه يقول: إنّك أخته. قالت: صدق؛ أنا أخته في الدين، وكلّ من كان على ديننا فهو أخ لنا. قال: نعم الدين دينكم. ووجّهها إلى إبراهيم بعدما أنفذها لابنته حوريا. فأضافتها أحسن ضيافة، ووهبت لها هاجر لخدمتها. وكان هاجر ابنة ملك عين شمس، وأغار عليهم هذا الملك، وأخذها، وكانت عنده بمنزلة ابنته حوريا. فلم تجد حوريا عندها أعزّ من هاجر، فأهدتها لسارة، ووهبت لها مالا وجوهرا. فقالت سارة لإبراهيم، فأمرها أن تردّ ذلك المال والجوهر، فردّته.
وذكرت <حوريا> ذلك لأبيها. فتعجّب منه، وقال: إنّ هؤلاء لكرام من أهل بيت طاهر. فتحايل الملك في برّهما بكلّ حيلة، حتّى صنع لهما سلاّ وجعل فيه حلوا ومأكولا وجعل المال والجوهر في أسفل السلّ، وقال: ليكون هذا برسم زوّادتكما. فقبلاه على أنّه مأكولا؛ وخرج إبراهيم، ﵇. فلمّا أبعدوا وأمعنوا في السير، أخرجت سارة بعض السلال، فوجدوا فيه ذلك المال. فحفر منه البئر التي جعلها للسبيل، وفرّق بعضه في وجوه البرّ. وكان يضيف كلّ من مرّ به حتّى كنّي أبا الضيفان. (١٤٧) وادّخرت منه سارة لولد كان لها قبل إسحاق، ﵇.
وعاش طوطيس الملك إلى أن وجّهت إليه هاجر من مكّة تعرّفه أنّها في مكان جدب وتستعينه. فأمر بحفر نهر في شرقيّ مصر، بسفح الجبل، حتّى انتهى إلى مرفأ السفن في البحر المالح. وكان يحمل إليها الحنطة وأضاف الغلّة، فتصل إلى جدّة وتحمل من هناك على الظهر. فأحيت بلد الحجاز بعدما كان قحط.
стр. 658
وذكر أنّها سيّرت إليه من الحجاز تذكر له ولادتها، فسرّ بذلك، ووجّه إليها ذهبا وجوهرا لتتّخذ منه زينة لولدها. فحلّت الكعبة ببعضه، وهي أوّل من حلّت الكعبة بالذهب والجوهر ممّا أهداه لها ملك مصر.
قيل: إنّه أكثر من إنفاذه إليها حتّى سمّته العرب: الصادق. وربّما وجدت كثير من أهل الأثر يذكرون أنّ اسم ملك مصر الذي أهدا هاجر لسارة <هو> صادق، وهذا أصله.
ثمّ إنّ طوطيس هذا سأل إبراهيم، ﵇، أن يبارك له في بلده، فدعا بالبركة لمصر. وعرّفه إبراهيم أنّ ولده سيملكونها ويصير أمرها إليهم قرنا بعد قرن إلى آخر الزمان، والله أعلم.
ذكر لوط، ﵇
وأمّا لوط فهو ابن أخي إبراهيم، ﵉. وقيل: بل ابن أخته. وهو لوط بن هاران، بعثه الله تعالى إلى أهل سدوم. وكان هؤلاء القوم يأتون الذّكران، وما سبقهم بها أحد من العالمين. وقيل: إنّما تعلّموا اللّواط من الحمير. فإنّ الذكر يركب الذكر من الحمير.
وذكر الجاحظ في كتاب الحيوان أيضا، أن هذه خاصّيّة في الحمير.
стр. 659
كما أنّ الحمام من الطير، تركب الأنثى للأنثى. ومن ذلك علمت النساء ذلك. وقيل: إنّ أوّل من فعل ذلك من العرب هند بنت النّعمان، كما يأتي بيان ذلك في موضعه، إن شاء الله تعالى.
فلمّا كذّبوا لوطا، ﵇، قومه، ولم ينتهوا عمّا كانوا يعملون، كما أخبر الله تعالى عنهم في كتابه العزيز. (١٤٨) فبعث الله عليهم جبريل، ﵇، فاختلع أرضهم من سبع أرضين، فجعلها مقلوبة بعد ما بلغ بها سماء الدنيا. وسمع أهل سماء الدنيا نياح كلابهم وأصوات ديوكهم. ثمّ قلبها عليهم فدمّرهم جميعا. وذلك قوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوى﴾.
وكان ذلك بعد مضيّ تسع وتسعين سنة من عمر إبراهيم، ﵇، وكانوا خمس قرا. وهم ضبعة وضعوة وعمرة ودوما وسدوم، وهي مدينتهم العظما. ونجّا الله تعالى لوطا وأهله، إلاّ امرأته، فإنّها هلكت، كما أخبر الله تعالى، والله أعلم.
ذكر إسماعيل، ﵇
هو إسماعيل بن إبراهيم، ﵉. ويروي جماعة من الصحابة والتابعين، رضوان الله عليهم: أنّ الذبيح <هو> إسماعيل.
стр. 660
منهم ابن عمر وابن عبّاس بلا خلاف في قولهما: وأنّه فدي بكبش من الجنّة قد رعا فيها أربعين خريفا، وأنّ الإسلام جاء ورأس الكبش معلّق بقرونه في ميزاب الكعبة الحرام. وهو أوّل من تكلّم بالعربيّة بعد يعرب بن قحطان، على خلاف فيه. وكذلك يقال: إنّه أوّل من ركب الخيل، وكانت وحوشا لا تركب. وولد لإسماعيل اثنا عشر رجلا من الجرهميّة. وبعثه الله نبيّا إلى العماليق وإلى قبائل اليمن. ولمّا حضرته الوفاة أوصى إلى أخيه إسحاق، وكان عمره يومئذ مائة وسبعا وثلاثين سنة. ودفن في الحجر إلى جانب قبر أمّه هاجر، والله أعلم.
وأمّا إسحاق بن إبراهيم، مرويّ عن ابن مسعود وأبي هريرة، ﵄، أنّ الذبيح هو إسحاق، وهو قول جماعة من التابعين، وأنّه عرض على الذبح وعمره سبع سنين. ولمّا علمت سارة ما أريد بابنها إسحاق، بطنت يومين وماتت في الثالث. وقيل: أمر بذبحه وهو ابن ستّ وعشرين سنة، (١٤٩) وهو الأشهر.
ولمّا بلغ إسحاق، ﵇، ستّين سنة ولد له العيص ويعقوب، وكانا تؤمين. فولد العيص الروم، وقد تقدّم الكلام في ذلك. وولد يعقوب، ﵇، الأسباط. ومات إسحاق وله مائة وثمانون سنة، وكان ضريرا. وكان وفاته في السنة التي ظهر فيها يوسف، ﵇، بمصر واستوزره العزيز. ودفن <إسحاق> عند قبر أبيه، والله أعلم.
ذكر يعقوب، ﵇
هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، ﵈. وولد الأسباط
стр. 661
وهم اثنا عشر ذكرا. ومرويّ أنّ الأنبياء جميعهم من ولده، اللهمّ إلاّ أحد عشر، وهم: نوح وهود وصالح ولوط وإبراهيم وأيّوب وشعيب وإسماعيل وإسحاق ويعقوب نفسو محمّد، صلّى الله عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين. وتوفّي يعقوب بمصر وله من العمر مائة سنة وسبع وأربعون سنة، وحمله يوسف، ﵇، ودفنه عند قبر أبيه إسحاق. ولم تزل النبوّة والملك متّصلين بالشام ونواحيها في ولد إسرائيل بن إسحاق، إلا أن أزال الحكم عنهم بخت نصر الفارسيّ، ثمّ الروم من بعده. وكان آخر أنبياء بني إسرائيل يحيى وزكريّا وعيسى، ﵈.
ذكر يوسف، ﵇
أمّا يوسف، ﵇، فهو أعرق الأنبياء أصلا، ولسيّدنا محمّد ﷺ ، الشرف الرفيع والجمال البديع. فإنّ يوسف صديق الله، ابن يعقوب إسرائيل الله، ابن إسحاق ذبيح الله، ابن إبراهيم خليل الله. ولا يوجد نبيّ ابن نبيّ ابن نبيّ ابن نبيّ، أربعة على نسق سواه. . . إنّه لمّا بلغ سبع عشرة سنة رأى الشمس والقمر وإحدى عشر كوكبا، له ساجدين. فقصّ (١٥٠) رؤياه على أبيه، فحسده إخوته، فوضعوه في غيابه <في> الجبّ، وابتيع من أهل مصر. وقد تمثّل به بعض الشعراء فقال (من الطويل):
أقول وقد ضاقت بأحزانها نفسي ... لإن بعت يا مولاي ودّي بالوكس
لقد بيع بعض الأنبياء عليهم ... صلاة إله النّاس بالثّمن البخس
стр. 662
واشتراه قائدا من قياد فرعون مصر. فمكث عنده مدّة، ثمّ كان من أمره مع امرأة العزيز ما يأتي ذكره، وسجن. وكان من رؤيا فرعون ما كان، ثمّ أطلقه واستوزره. وصاحبه الرّيّان بن الوليد، ويقال: إنّه آمن به. ومات فرعون ويوسف حيّ. وولي بعده قابوس بن مصعب وكان كافرا. هذا ما روي عن أهل الأثر.
وأمّا ما وجدته من قصّته في هذا الكتاب القبطيّ، فإنّه قال: وإنّ في زمان نهراوش الملك دخل إلى مصر غلام قد ألبس ثوب الجمال من أهل الشام، احتوا عليه إخوته وباعوه. وكانت القوافل تأتي من الشام وتفرش بالموقف. فأوقف الغلام، ونودي عليه، وهو يوسف بن يعقوب، فبلغ وزنه ذهبا وورقا. فاشتراه طغين العزيز وزير نهراوش الملك ليهديه إلى الملك. فلمّا أتا به منزله، رأته امرأته زاريخا، وهي زليخا، وهي ابنة عمّ العزيز، قالت: اتركه لنا نربّيه، ففعل. فهويته، وكانت تكتم ذلك عليه، حتّى غلبها هواها. فجاءت وتزيّنت له وعرّفته أنّها تحبّه، وإن وافقها على ما تريد منه، حبته بمال عظيم، واصطفته لنفسها. فامتنع من ذلك. ورأت أن تقبّله؛ ولم تزل تعاركه وهو يمتنع عليها إلى أن أتا زوجها العزيز ورآه وهو هارب منها. وكان العزيز عنّينا لا ينال النساء. فجعل يوسف يعتذر إليه. وقالت <زليخا>: كنت نائمة، فأتاني وراودني عن نفسي. ففطن العزيز وعلم أنّ الأمر منها. فقال ليوسف: دع اعتذارك، وأعرض عنه.
والتفت (١٥١) إليها فقال لها: استغفري لذنبك.
стр. 663
كلّ هذا الكلام بالقبطيّ، وهذا معناه لمّا جلبته إلى العربيّة.
وقد كان خبر الغلام اتّصل بالملك نهراوش. فسأل العزيز عنه فأنكره منه ومنعه من الخروج من قصره. وكان نهراوش قد عاود الاعتكاف على اللذّات و <سلّم> إلى العزيز الملك وتدبير الرعيّة.
ولمّا اتّصل خبر زليخا ويوسف بنساء من أصحاب الملك، فعيّروها بذلك. فأحضرت جماعة منهنّ، وعملت لهنّ وليمة وشرابا، وجلست في مجلس قد فرشته بأنواع الديباج في إيوان عظيم، وأمرت المواشط بتزين يوسف، <﵇>، وإخراجه من المجلس على تلك النّسوة، بعدما أخذ الشراب منهنّ. فأخرجنه بعدما زيّنّه بأتمّ زينة، وجعلن عليه الثياب المنسوجة بالذهب على ثوب من الديباج الأحمر، وسرّحن ذوائبه، والتبر من خلفه ومن قدّامه. ودفنّ إليه مذبّة ذهب وشعرها أخضر، وكانت قد قدّمت لكلّ واحدة منهنّ أترجّة، وبيدها سكّينا يقطع بها. فلمّا خرج يوسف عليهنّ في تلك الزينة-وكان محاذيا للشمس-فأشرق المجلس وجميع ما فيه من جمال يوسف وقوّة نور وجهه، حتّى كاد يخطف بأبصارهنّ ذلك النور.
وأقبل يوسف والمذبّة في يده حتّى وقف على رأسها وعاد يذبّ عنها. وعادت تخاطب النّسوة، وهنّ لا يعين لكلامها، بل <كنّ> شاخصات ليوسف. فقالت: ما لكنّ اشتغلتنّ عن مخاطبتي بالنظر إلى عبدي. فقلن لها: ليس هذا من الإنس، وإنّما هذا روحانيّ عظيم قد ظهر
стр. 664
بهذا الزيّ العظيم. ولم يبق منهنّ واحدة إلاّ وسلب قلبها وحاضت في وقتها وأنزلت الشهوة من محبّته. فقالت لهنّ زليخا: هذا عبدي الذي لمتنّني عليه وعبتنّني فيه. فقلن لها: ما ينبغي لأحد أن يلومك بعد هذا.
ومن لامك فقد ظلمك، فدونكه. فقالت: قد فعلت وخاطبته فأبا عليّ.
فخاطبنه لي أنتنّ، لعسى <أن> يعطيكنّ رضا. فعادت (١٥٢) كلّ واحدة منهنّ تعرض نفسها عليه وتدعوه إليها وهو يمتنع. فإذا يئست منه لنفسها، خطبته لزليخا، وهو لا يرا ذلك أبدا. فلمّا رأين ذلك أجمعن على أخذه غصبا. فقالت مرة العزيز: لا يجوز هذا. ولكن، إن لم يفعل ما آمره به لأمنعنّه جميع اللذّات ولأسجننّه. فاختار السجن ومنع اللذّات. ثمّ أمرت بنزع ثيابه وألبسته الصوف وسألت زوجها أن يسجنه لتزول عنها التّهمة به.
فمال إلى قولها وسجنه. وأقام في السجن سبع سنين.
ورأى الملك في منامه كأن آتيا أتاه، فقال: إنّ فلانا وفلانا قد عزما على قتلك، يريد صاحبي طعامه وشرابه. فأمر بهما إلى السجن، بعدما اعترف الواحد، والآخر أنكر ذلك. وكان اسم صاحب الطعام كاسان وصاحب الشراب مرطيس. وكان يوسف يعرف بأهل السجن ويعدهم الفرج: وإن ذلك الفتيان رأيا رؤيا، فقصّاها على يوسف ففسّرها لهما. ولما خرجا من السجن وجدا ما قاله يوسف لهما قد أتا. فقتل أحدهما وقرّب الآخر إلى ما كان عليه من مرتبته.
стр. 665
فلمّا رأى الملك الرؤيا، وهي سبع بقرات يأكلن السنابل من الزرع، عرّفه الساقي خبر يوسف، ومضى إليه إلى السجن، ففسّرها له. فقال الملك: ائتوني به. فقال يوسف: لا أخرج، أو يكشف أمر النّسوة اللّواتي من أجلهنّ حبست. فلمّا بلغ <الخبر> زليخا اعترفت بالحقّ.
وقيل: إنّ مولودا نطق في المهد ببراءة يوسف، فأخرج وغسل من درن السجن وألبس ما يجب أن يدخل به على الملوك. فلمّا رآه الملك امتلأ قلبه من حبّه وإيثاره. وسأله عن الرؤيا. ففسّرها له وأخبره أمر الغلاء الواقع، فقال الملك: وكيف الخلاص في ذلك؟ قال يوسف: إن فوّظتني أمر ملكك كفيتك هذا الهمّ، فإني عليم به. فأمر الملك، فخلع عليه وتوّج، وأمر أن يكون مكان العزيز بمصر.
(١٥٣) وعن أهل الأثر فيما اختلفوا فيه، في مدّة فراقه من أبيه. قال بعض الرّواة: إنّه أبيع وله من العمر سبع عشرة سنة، وأقام في الرّقّ ثلاث عشرة سنة، واستوزر وله ثلاثون سنة، وأقام بعد ذلك تسع سنين. واجتمع بأبيه، فكان مدّة الفراق اثنتين وعشرين سنة، وكان معه أبوه سبع عشرة سنة.
وقال سلمان الفارسيّ: كان مدّة فراقهما أربعون سنة. وقال الحسن البصريّ: ثمانون سنة. وقال ابن إسحاق: ثماني عشرة سنة. وإنّهم قالوا:
مات يوسف، ﵇، وله مائة وعشر سنين.
стр. 666
وكان يعقوب وأهل بيته يوم دخلوا مصر سبعون رجلا وامرأة. وخرج من مصر بني إسرائيل مع موسى، ﵇، وعدّتهم يومئذ ستّمائة ألف مقاتل. وبين دخول يعقوب مصر وأهل بيته وبين خروج موسى، ﵇، ببني إسرائيل أربع مائة سنة وستّ وثلاثون سنة.
وذكر أنّ موسى، ﵇، حمل معه تابوت يوسف، ﵇، حين خرج ببني إسرائيل، وأنّه دفنه عند آبائه وأجداده، والله أعلم.
وكان-كما صحّ-يعقوب، ﵇، مبجّلا عند الملك نهراوش. وقيل: إنّه آمن به، وكان يخفي ذلك من أرباب دولته. وأشار عليه الكاهن قسمين بقتله وقتل ذرّيّته، وقال: هذا الذي يكون خراب بلدك على يديه ويدي ذرّيّته. فقال الملك: فإذا كان الأمر كما زعمت، كيف لنا بقتله وقتل ذرّيّته؟
فلمّا وشوا بيوسف عند الملك، بعد موت يعقوب، وقالوا: إنّ يوسف قد كبر ولا عاد له رأي يدبّر به الملك. فاستمحنه الملك في بناية
стр. 667
الفيّوم-وكانت مغايض الماء لإقليم مصر-فعمّرها في مدّة أربعة أشهر.
وقيل: إنّ جبريل، ﵇، هندسه في عمارتها، وعمل الأهون، وأتقن عمارتها. (١٥٤) وفي رواية أخرى، في مدّة تسعين يوما، بالمعونة الآليّة والمساعدة الربّانيّة. فلمّا نزل الملك ورأى حسن إتقانها، سأل: في كم كان إنجازها؟ فقيل: في تسعين يوما. فقال: بل في ألف يوم. فسمّيت الفيّوم لقول الملك وتعجّبه في سرعة بنائها، وزاد يوسف عنده أضعاف ما كان، حتّى قبضه الله إليه، والله أعلم.
ذكر أيّوب، ﵇
كان أيّوب، ﵇، رجلا من الروم. وهو أيّوب بن أموص بن رازح بن عيصو بن إسحاق. وكانت زوجته إيليا، وهي التي يسمّيها أهل الأثر رحمة، من ولد يعقوب بن إسحاق. وقيل: بل بنت إفرايم بن يوسف بن يعقوب. وكانت أمّ أيّوب، ﵇، بنت لوط، ﵇، وأنّه أقام معافا ثمانين سنة، وابتلاه الله تعالى سبع سنين، فيما ذكر الحسن البصريّ. . . . الطبريّ: إنّ عمره ثلاثا وتسعين سنة. . . غيره: عاش مائتي سنة وعشر سنين. وكان نبيّا في عهد يعقوب، ﵉.
وبعث الله بعده ابنه بشر بن أيّوب، وسمّاه ذو الكفل. وكان مقيما
стр. 668
بالشام. ومات وله خمس وسبعون سنة مع الاختلاف فيه.
قيل لأيّوب: ما أشدّ ما مرّ بك من البلاء؟ فقال: شماتة الأعداء.
وكان مسكنه بأرض حوران، والله أعلم.
ذكر شعيب، ﵇
كان شعيب من أولاد مدين، أرسله الله لأصحاب الأيكة، فكذّبوه.
فأرسل الله تعالى عليهم سحابة فأظلّتهم فاستلذّوا بها وببردها، واجتمعوا بأسرهم تحتها، فعادت نارا وأحرقتهم جميعا. وأهلكهم الله تعالى بتكذيبهم إيّاه.
وهو حمو موسى، ﵇، زوج ابنته صفرا. وقيل: إنّه عاش أربع مائة سنة. وعن رسول الله ﷺ ، أنّه قال: «شعيب خطيب الأنبياء، لحسن مراجعته (١٥٥) لقومه، لمّا أن كذّبوه، حتّى أهلكهم الله تعالى.
ذكر الخضر، ﵇
قيل: إنّه كان على مقدّمة ذي القرنين الأكبر الذي كان أيّام إبراهيم الخليل، صلوات الله عليه، وبلغ معه نهر الحياة. فشرب منه وهو لا يعلم، فخلد. وهو حيّ إلى الآن؛ هذا قول الطبريّ. ويروي بعضهم: أنّه ولد بعد
стр. 669
ما كان من أمر إبراهيم الخليل ما كان، واتّبعه وهاجر معه. وقيل: هو صاحب موسى بن عمران الذي لقيه عند مجمع البحرين؛ هذا حكم الشّرع المطهّر. وقال ابن إسحاق: إنّ الله تعالى بعث الخضر، ﵇، بعد شعيا. وكان من سبط هارون، ﵇. وقيل: إنّ الذي بعثه الله بعد شعيا أرميا، وهو الصحيح.
وعن عبد الله بن شوذب: الخضر من ولد فارس، وإلياس، ﵇، من بني إسرائيل، يلتقيان في كلّ عام بالموسم على عرفات.
وزعم أهل التوراة-وهم البعض منهم-أنّ موسى الذي لقي الخضر، ﵇، هو موسى بن منسّا بن يوسف. وكان نبيّا قبل موسى بن عمران.
والأوّل أصحّ، والله أعلم.
ذكر موسى وهارون، ﵉
هو موسى، ﵇، بن عمران بن يصهر بن لاوي بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل، ﵇، وهارون أخوه لأبيه وأمّه، واسم أمّهما ياخية، وقيل: يوخايد. قال ابن إسحاق: اسمها نجيب.
وكان ملك مصر تتوارثه الفراعنة، وكان قابوس صاحب يوسف، الثاني من الريّان، قد مات، وقام مكانه أخوه الوليد بن مصعب وكان عاتيا
стр. 670
جبّارا كثير الإساءة لبني إسرائيل. وكانت الفراعنة قد استعبدوهم، فأخبره الكهنة: إنّه سيظهر مولود (١٥٦) يكون زوال ملكك على يده. فكان يقتل الذّكران سنة، ويستحييهم سنة. فولد هارون في السنة التي ستحيا فيها الغلمان.
ثمّ ولد موسى بعده بثلاث سنين، في السنة التي يذبح فيها الغلمان.
فجعلته أمّه في تابوت وقذفته في البحر بإلهام من الله، . فصار إلى زوجة فرعون، وربّي في دار فرعون. فلمّا بلغ إحدى وأربعين سنة وقتل القبطيّ، خرج إلى مدين خائفا يترقّب. فأقام بمدين تسعة وثلاثين سنة، ثمّ سار بزوجته إلى مصر، وهي صفرا بنت شعيب، وقيل: اسمها صفور.
فلمّا أراد <أن> يقتبس من تلك النار التي ظهرت له، فكلّمه الله تعالى بطور سيناء، وأيّده بالمعجزات، وبعثه رسولا إلى فرعون مع أخيه هارون. فأقام بمصر أحد عشر شهرا، ثمّ خرج ببني إسرائيل، واتّبعه فرعون، وغرّقه الله تعالى في بحر القلزم. وصار موسى وهارون وبنو إسرائيل بالتّيه أربعين سنة، وخسف الله بقارون في التّيه. ومات هارون في التّيه وله مائة وسبع عشرة سنة، وقيل: مائة وثلاث وعشرون سنة. ومات موسى، ﵇، أيضا في التّيه وله مائة وعشرون سنة، بعد أن استخلف يوشع بن نون، ﵇.
قلت: هذا النّقل عن محمّد بن سلاّم القضاعيّ، عن أهل الأثر.
وأمّا ما وجدته في هذا الكتاب القبطيّ، فأنا أذكره أيضا، بعد ما تقدّم من الكلام فيه عند ذكر فرعون موسى وأصله، والاختلاف في فرعون،
следующие страницы →