Полный текст (4 323 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.
стр. 666
وكان يعقوب وأهل بيته يوم دخلوا مصر سبعون رجلا وامرأة. وخرج من مصر بني إسرائيل مع موسى، ﵇، وعدّتهم يومئذ ستّمائة ألف مقاتل. وبين دخول يعقوب مصر وأهل بيته وبين خروج موسى، ﵇، ببني إسرائيل أربع مائة سنة وستّ وثلاثون سنة.
وذكر أنّ موسى، ﵇، حمل معه تابوت يوسف، ﵇، حين خرج ببني إسرائيل، وأنّه دفنه عند آبائه وأجداده، والله أعلم.
وكان-كما صحّ-يعقوب، ﵇، مبجّلا عند الملك نهراوش. وقيل: إنّه آمن به، وكان يخفي ذلك من أرباب دولته. وأشار عليه الكاهن قسمين بقتله وقتل ذرّيّته، وقال: هذا الذي يكون خراب بلدك على يديه ويدي ذرّيّته. فقال الملك: فإذا كان الأمر كما زعمت، كيف لنا بقتله وقتل ذرّيّته؟
فلمّا وشوا بيوسف عند الملك، بعد موت يعقوب، وقالوا: إنّ يوسف قد كبر ولا عاد له رأي يدبّر به الملك. فاستمحنه الملك في بناية
стр. 667
الفيّوم-وكانت مغايض الماء لإقليم مصر-فعمّرها في مدّة أربعة أشهر.
وقيل: إنّ جبريل، ﵇، هندسه في عمارتها، وعمل الأهون، وأتقن عمارتها. (١٥٤) وفي رواية أخرى، في مدّة تسعين يوما، بالمعونة الآليّة والمساعدة الربّانيّة. فلمّا نزل الملك ورأى حسن إتقانها، سأل: في كم كان إنجازها؟ فقيل: في تسعين يوما. فقال: بل في ألف يوم. فسمّيت الفيّوم لقول الملك وتعجّبه في سرعة بنائها، وزاد يوسف عنده أضعاف ما كان، حتّى قبضه الله إليه، والله أعلم.
ذكر أيّوب، ﵇
كان أيّوب، ﵇، رجلا من الروم. وهو أيّوب بن أموص بن رازح بن عيصو بن إسحاق. وكانت زوجته إيليا، وهي التي يسمّيها أهل الأثر رحمة، من ولد يعقوب بن إسحاق. وقيل: بل بنت إفرايم بن يوسف بن يعقوب. وكانت أمّ أيّوب، ﵇، بنت لوط، ﵇، وأنّه أقام معافا ثمانين سنة، وابتلاه الله تعالى سبع سنين، فيما ذكر الحسن البصريّ. . . . الطبريّ: إنّ عمره ثلاثا وتسعين سنة. . . غيره: عاش مائتي سنة وعشر سنين. وكان نبيّا في عهد يعقوب، ﵉.
وبعث الله بعده ابنه بشر بن أيّوب، وسمّاه ذو الكفل. وكان مقيما
стр. 668
بالشام. ومات وله خمس وسبعون سنة مع الاختلاف فيه.
قيل لأيّوب: ما أشدّ ما مرّ بك من البلاء؟ فقال: شماتة الأعداء.
وكان مسكنه بأرض حوران، والله أعلم.
ذكر شعيب، ﵇
كان شعيب من أولاد مدين، أرسله الله لأصحاب الأيكة، فكذّبوه.
فأرسل الله تعالى عليهم سحابة فأظلّتهم فاستلذّوا بها وببردها، واجتمعوا بأسرهم تحتها، فعادت نارا وأحرقتهم جميعا. وأهلكهم الله تعالى بتكذيبهم إيّاه.
وهو حمو موسى، ﵇، زوج ابنته صفرا. وقيل: إنّه عاش أربع مائة سنة. وعن رسول الله ﷺ ، أنّه قال: «شعيب خطيب الأنبياء، لحسن مراجعته (١٥٥) لقومه، لمّا أن كذّبوه، حتّى أهلكهم الله تعالى.
ذكر الخضر، ﵇
قيل: إنّه كان على مقدّمة ذي القرنين الأكبر الذي كان أيّام إبراهيم الخليل، صلوات الله عليه، وبلغ معه نهر الحياة. فشرب منه وهو لا يعلم، فخلد. وهو حيّ إلى الآن؛ هذا قول الطبريّ. ويروي بعضهم: أنّه ولد بعد
стр. 669
ما كان من أمر إبراهيم الخليل ما كان، واتّبعه وهاجر معه. وقيل: هو صاحب موسى بن عمران الذي لقيه عند مجمع البحرين؛ هذا حكم الشّرع المطهّر. وقال ابن إسحاق: إنّ الله تعالى بعث الخضر، ﵇، بعد شعيا. وكان من سبط هارون، ﵇. وقيل: إنّ الذي بعثه الله بعد شعيا أرميا، وهو الصحيح.
وعن عبد الله بن شوذب: الخضر من ولد فارس، وإلياس، ﵇، من بني إسرائيل، يلتقيان في كلّ عام بالموسم على عرفات.
وزعم أهل التوراة-وهم البعض منهم-أنّ موسى الذي لقي الخضر، ﵇، هو موسى بن منسّا بن يوسف. وكان نبيّا قبل موسى بن عمران.
والأوّل أصحّ، والله أعلم.
ذكر موسى وهارون، ﵉
هو موسى، ﵇، بن عمران بن يصهر بن لاوي بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل، ﵇، وهارون أخوه لأبيه وأمّه، واسم أمّهما ياخية، وقيل: يوخايد. قال ابن إسحاق: اسمها نجيب.
وكان ملك مصر تتوارثه الفراعنة، وكان قابوس صاحب يوسف، الثاني من الريّان، قد مات، وقام مكانه أخوه الوليد بن مصعب وكان عاتيا
стр. 670
جبّارا كثير الإساءة لبني إسرائيل. وكانت الفراعنة قد استعبدوهم، فأخبره الكهنة: إنّه سيظهر مولود (١٥٦) يكون زوال ملكك على يده. فكان يقتل الذّكران سنة، ويستحييهم سنة. فولد هارون في السنة التي ستحيا فيها الغلمان.
ثمّ ولد موسى بعده بثلاث سنين، في السنة التي يذبح فيها الغلمان.
فجعلته أمّه في تابوت وقذفته في البحر بإلهام من الله، . فصار إلى زوجة فرعون، وربّي في دار فرعون. فلمّا بلغ إحدى وأربعين سنة وقتل القبطيّ، خرج إلى مدين خائفا يترقّب. فأقام بمدين تسعة وثلاثين سنة، ثمّ سار بزوجته إلى مصر، وهي صفرا بنت شعيب، وقيل: اسمها صفور.
فلمّا أراد <أن> يقتبس من تلك النار التي ظهرت له، فكلّمه الله تعالى بطور سيناء، وأيّده بالمعجزات، وبعثه رسولا إلى فرعون مع أخيه هارون. فأقام بمصر أحد عشر شهرا، ثمّ خرج ببني إسرائيل، واتّبعه فرعون، وغرّقه الله تعالى في بحر القلزم. وصار موسى وهارون وبنو إسرائيل بالتّيه أربعين سنة، وخسف الله بقارون في التّيه. ومات هارون في التّيه وله مائة وسبع عشرة سنة، وقيل: مائة وثلاث وعشرون سنة. ومات موسى، ﵇، أيضا في التّيه وله مائة وعشرون سنة، بعد أن استخلف يوشع بن نون، ﵇.
قلت: هذا النّقل عن محمّد بن سلاّم القضاعيّ، عن أهل الأثر.
وأمّا ما وجدته في هذا الكتاب القبطيّ، فأنا أذكره أيضا، بعد ما تقدّم من الكلام فيه عند ذكر فرعون موسى وأصله، والاختلاف في فرعون،
стр. 671
وبدء موسى، ﵇، وأنّه ابن عمرون، حارس قصر الملك، ما يغني عن إعادته ها هنا.
فلمّا كان من أمر موسى ما كان، وتربّى في قصر، وكبر وشبّ، وردّ إليه فرعون كثيرا من أمره، وجعله من قوّاده، وكانت له سطوة. ثمّ وجّهه لغزو الكنعانيّين، وقد كانوا عاثوا في أطراف مصر. فخرج في جيش كثيف، ورزقه الله تعالى (١٥٧) الظّفر بهم، وأسر خلقا منهم، ورجع سالما مؤيّدا. فسرّ به فرعون وامرأته. ثمّ إنّه تسلّط على القبط حتّى وشوا به إلى فرعون، وغيّروه عليه. وكان من الذي وشا به إلى فرعون رجلا من القبط من أهل بيت الملك، فوقع عليه موسى حتّى قتله. وكان يقرب من فرعون، وكان يسمّى إدريس. فلمّا قتله اختفى في المدينة خوفا من فرعون لأن يقتله به. وإنّ فرعون طلبه أشدّ طلب، فلم يقدر عليه.
ثمّ إنّ موسى خرج ذات يوم مختفيا، فلقي بعض أعوان ذلك الذي قتله. فاستغاث على موسى، فأراد موسى قتله، فاستغاث عليه. فخرج موسى خابقا، وخرّج خلفه الخيل ليلحقوا به، فكان بين أيديهم وهم لا ينظرونه. ولم يزل موسى حتّى لحق بمدين، وتزوّج ابنة فيروز، وهو شعيب، ﵇. وأقام عنده يرعا له غنمه تسع وعشرون سنة.
ثمّ أخذ أهله وعاد إلى مصر، فكلّمه تعالى، وأرسله إلى فرعون، وبعث معه أخيه هاران. فترك امرأته، وقد ولدت، بحالها، ومضى لأمر ربّه. فأرسل الله إليها ملكا بما يصلحها من آلة الولادة، وختن ابنها، وكانت
стр. 672
الغنم تغدوا من عندها وتروح إليها بغير راع. وحمل الملك الغلام حتّى أراه موسى وهو سائر إلى مصر. فقبّله، وتفل في فيه، وبارك عليه، وردّه إلى أمّه. ومرّ بها رجل من آل فيروز، فردّها إلى مدين، إلى أبيها.
ووصل موسى إلى مصر، فلقي أخاه هاران، فلم يعرفه لطول غيبته، وكان يغسل على شاطيء النيل. فاستضافه، فأضافه وأطعمه جلبانا قد ثرد فيه ثريدا. فتعارفا وسرّ بعضهما ببعض، وعرّفه أنّ الله تعالى أرسله ونبّأه وأمره أن يكون معه أخيه هارون، وجعله له عضدا.
ثمّ إنّهما غدوا إلى فرعون، وأقاما أيّاما، وعلى كلّ واحد منهما جبّة صوف، ومعه عصاه التي أخذها من شعيب (١٥٨) وهي إحدا معجزاته.
فأقاما أيّاما لا يصلان إلى فرعون، لشدّة حجّابه، إلى أن دخل عليه مضحكا له، فعرّفه <حالهما وقال:> إنّ بالباب رجلان يطلبان الإذن منك، ويزعمان أنّ إلاههما أرسلهما إليك. فأمر بإدخالهما. وخاطبه موسى وأراه آياته في العصا وآيته في يده وبياضها، وهما آيتان من تسع. وكان من أمر خطابه لهما: أنتما ساحران تريدان أن تخرجا أهل مدينتي عن طاعتي. وهمّ
стр. 673
بقتله، فأحماه الله تعالى منه، وشغله عنه. ورأى ظلما كان في صورة قد، أتت فمسحت على أعينهم، فعموا. ثمّ أمر قوما آخرين بقتلهما. فرأى نارا أتت عليهم فأحرقتهم، فازداد غيضا وحنقا. فقال له: من أين لك هذه النواميس العظام؟ أسحرة بلدي علّموك؟ أو تعلّمته بعد خروجك من عندنا؟ قال له: هذا ناموس ربّ السماء وليس من نواميس الأرض. قال: ومن صاحبه؟ قال: صاحب البنيان الأعلا. قال: بل تعلّمتهم من بلدي.
وأمر بجمع السّحرة والكهنة وأصحاب النّواميس، وقال: ارفعوا إليّ أعمالكم، فإني أرى نواميس هذا الساحر رفيعة جدّا. فعرضوا عليه أعمالهم، فسرّه ذلك. وأحضره وقال: قد وقعت على سحرك، وعندي من يربي عليك بأعظم منه.
وأوعدهم يوم الزينة، وهو يوم عيده الأعظم. وكان يخرجوا أصنام الكواكب مزيّنة بأنواع الملابس والحليّ. واتّفق: من غلب منهما تبعه الآخر. وكان جماعة من أهل البلد قد تبعوا موسى، ﵇، فقتلهم ظلما. وإنّه جمع بينه وبين سحرة مصر جميعا، وكانوا مائتي ألف وأربعين ألف ساحر.
فعملوا من الأعمال ما حيّروا به العيون، وصنعوا من الدّخن عدّة ما يقبلون به النظر. فمن ذلك ما يروا الوجوه ملوّنة ومشوّهة في الطول
стр. 674
والعرض، ومنها المقلوب جبهته إلى أسفل ولحيته إلى فوق، ومنها ما له قرون وخرطوم كالأفيلة (١٥٩) ومن مثل ذلك وأنظاره، وأجسام هائلات تصل إلى السحاب، وحيّات عظام بأجنحة تطير في الهواء وترجع بعضها إلى بعض، وأسود ضاريات مفتّحة الأفواه تملأ الأرض بزئيرها، وحيّات تخرج من أفواهها النار تكاد تحرق العالم، وأكثروا من ذلك التّخايل. ثمّ صنعوا دخانا يغشى أبصار الناس، فلا ينظر بعضهم بعضا. فلمّا رأى فرعون ذلك سرّه هو وجماعة من حضره، واغتمّ موسى، ﵇، وجماعة ممّن كان آمن معه، وكتم ما به خوفا من فتنة الناس بما رأوا. وكان للسّحرة اثنان وسبعون رئيسا من كبارهم.
وعندما رأى موسى ذلك وضاق به ذرعا، أتاه ملك من إله السماء العليّ الآعلاء، وقال: لا تخف، إنّك أنت الغالب. وادفع عصاك إلى العلوّ لترى عجبا. فسرّ بذلك موسى وأمن بعد الخوف. وطمع في إيمان فرعون. فأسرّ إلى عظماء السحرة، وقال: وأنتم، ماذا تفعلون إن قهرتكم؟ قالوا: نؤمن بك. فرآه فرعون وقد أسرّ لهم، فغاظه <ذلك> وأراد أن يبدرهم بالقتل، ثمّ مهّل على نفسه ليرى ما يكون من موسى.
هذا، والناس يهزؤون من موسى وأخيه هارون، وعليهما درّاعتان من صوف، وقد احتزما. ووضع موسى عصاه وسمّا باسم الربّ القديم، ربّ
стр. 675
موسى وإبراهيم، ثمّ لوّح بالعصاة وحلّق بها في الجوء. فرفعها الملك حتّى غابت عن العيون، ثمّ أقبلت في صورة ثعبان عظيم له عينان كالترسين العظيمين يتوقّدان، ويخرج من فيه ومنخريه مثل الحراب وهو يرتعد غضبا لله تعالى، ولا يقع من زنده شيء على أحد إلاّ برصه لوقته، وبرصت من ذلك بنت فرعون. والثعبان فاغر فاه-والقوم ينظرون-حتّى قرّب منهم فابتلع جمع ما عمله السحرة ومائتي مركبا مملوّة عصيّا وحبالا، وجميع ما كان فيها-وكانت المراكب في النهر الذي يتصّل إلى دار فرعون- (١٦٠) وعمدا كثيرة وحجارة، إلى ما هناك من عمائر فرعون.
وأقبل الثعبان إلى قصر الملك، وكان فرعون في قبّة إلى جانب القصر يشرف على عمل السحرة. فوضع الثعبان نابه تحت القصر وأراد أن يبتلع قصر فرعون، بكلّ ما فيه. فصاح فرعون عند ذلك، واستغاث بموسى، وقام هاربا. فرأوه أهل مملكته وهو يعرج، ولم يكن رأوه قبلها.
فتبسّم موسى، وزجر الثعبان عنه. فعطف على الناس ليبتلعهم، فسقط بعضهم على بعض. فمسكه موسى، ﵇، فعاد في يده عصا كما كان أوّلا.
وقد كان موسى أيضا ارتاع منها فقال له الملك الموكّل بها: لا ترتاع يا موسى، وأمسكها تعود عصا، على ما كانت عليه أوّلا. ففعل. فلمّا رأوا السحرة ذلك هالهم، و <لمّا> لم يروا للمراكب أثرا، ولا تلك العمد ولا
стр. 676
الحجارة، قالوا: ما هذا من عمل الآدميّين، وإنّما نصنع نحن تخاييل لا تغيب عن العيان إذا انتهى فعلنا، وهذا من فعل جبّار عنيد قدير على الأشياء. فقال موسى: أوفوا بعهدكم وإلاّ سلّطها عليكم، فتبتلعكم كما ابتعلت ما رأيتم، وتصيروا إلى النار بعدها. فآمن به السحرة وجاهروا فرعون بالمعصية عليه. فقال <فرعون>: قد علمت أنّكم واطيتموه عليّ وعلى ملكي، حسدا لي. وأمر، فقطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف، وصلبوا. فكانوا يرون أماكنهم في الجنّة قبل أن يموتوا. وجاهرته امرأته أيضا، ففعل بها مثل ذلك.
وإنّ الروحانيّ قال له: إنّك ربّ الأرض وقد استخلفتك فيها، فأنت ربّ كلّ شيء يسكنها من الخلق. فتجبّر وادّعا الربوبيّة وفعل ما فعل.
فلمّا علت آيات موسى، ﵇، من الطوفان على زروعهم والجراد والقمل والضفادع والدم. وكانت الإسرائيليّة تسقي القبطيّة من فيها ماء فيعود دما في فم القبطيّة، وتعض على (١٦١) الرغيف لتأكل منه، فتعض على ضفدع. وعاد القمل على أجسادهم وهم لا يكادون يقرّون من أكله لهم. وكلّما نزعوه زاد عليهم. وعادوا كلّما تحيّلوا في شيء يزرعونه يأكله الجراد. وهدم الماء بساتينهم ومنازلهم وتبيّن للناس أنّ فرعون عاجز عن إزالة ما نزل بهم، فضاق صدر فرعون لذلك، فرجع إلى مداراة موسى، ﵇، ووعده أن يستخلفه على ملكه. فأشار عليه هامان والكهّان أن: لا تفعل. وأمر الرعيّة أن يقتلوا موسى. فخرجوا إلى الموضع الذي هو
стр. 677
فيه، فأتت نار فأحرقتهم. ورأى فرعون أنّه أخذ برجليه ونكّص به على رأسه في حفيرة نار، وكان يستغيث ويقول: أنا مؤمن بموسى، فخلّوا عنه.
فقصّ على هامان وعرّفه ذلك، وقال: لم يبق بعد هذا شيء، أريد أن أومن بموسى. فقال له: هو الذي عمل لك الرؤيا ليهوّل عليك، فتريد أن تكون عبدا بعد إذ أنت ربّا، وتستخفّ بك الرعيّة، ويعود الحكم لموسى من دونك؟ قال: فتلطّف به ووعده أنّه يؤمن به. وكان يبعث إليه <سرّا> ويستنظره، فكلّما مرّ الأجل ولم يفعل، عظم البلاء عليهم.
فكان الناس قد خافوا موسى وهابوه، وكانوا يؤمنون به سرّا، فمن آمن به زال عنه الأذاء. فلمّا زاد الأمر على فرعون، أحضر موسى وقال له:
إن أجبتك، فما لي عندك؟ قال: أردّ شبابك وأضعّف عمرك وأومنك من جميع العلل والأعراض ومن زوال ملكك، وأعلي يدك على كلّ من ناوأك من الملوك، وأكثر نشاطك وأكلك وشربك. قال: إن فعلت فقد أنصفت، فأنظرني إلى الغد.
ثمّ شاور هامان فمنعه من ذلك. فقال له موسى: أطلق لي بني إسرائيل. فقال: إنّما تريد إخراجهم من بلدي لتكون عليهم ملكا، وأنا أنتفع بهم (١٦١ أ) وبخدمتهم، وإنّما هذا حسد منك لي. قال: فانتقل من ادّعائك الربوبيّة. قال: إذا، أنقص من أعين الناس. قال: فإنّ إلهي سيهلكك أنت وقومك وتصير أرواحكم إلى النار. قال: فإنّي أستعمل ذلك سرّا ولا أستعمله علانيّة، وأقرّب لإلهك قربانا عظيما. قال: لا يقبله منك
стр. 678
وأنت على هذا الحال، دون تركك ادّعاك وإقرارك بها ظاهرا. فوعده بتخلية بني إسرائيل من العبوديّة والإحسان إليهم.
ثمّ أزال عن بني إسرائيل الخدمة وحضر عيد لهم. فأمر موسى أن يستعيروا الإسرائيلات حليّ القبطيّات ليتزيّنّ به في عيدهم. ففعل نساء الإسرائيلين ذلك. وأكلوا معهم وشربوا وألقى <الله تعالى> على القبطيّين السّبات. فأمرهم موسى بالتّعدية إلى المشرق ليكون عيدهم هناك.
ثمّ سار بهم من <أوّل> الليل، وكانوا ستّمائة ألف ونيّف وأربعون ألفا.
وأخرجوا تابوت يوسف من النيل، دلّتهم عليه عجوز مؤمنة، فحملوها معهم ومضوا إلى ناحية بحر القلزم ليخفي آثارهم.
فلمّا كان في آخر الليل عرف <فرعون> خروجهم لمّا سقط الأصنام والأعلام. وكان موسى قد عرّف فرعون أنّ ذلك علامة هلاكه ومن معه. ثمّ أمر الناس بالتّعدية، وركب خلفهم تابعا لآثارهم. فلم يبق أحدا من أولاد الملوك ولا من أبنائهم إ <لاّ> وركب. فيقال: إنّه ركب في ألف ألف ونيّف. فلم يمرّوا على شيء من الأعلام والأصنام إلاّ وسقط.
ولم يزالوا مجدّين حتّى لحقوهم على معبر البحر. فقال موسى لهارون:
стр. 679
قف بالبحر وكنّه بأبي العبّاس ومره أن يكفّ عنّا موجه. وضربه بعصاه فانكشف أرضه ولحقه موسى ومعه بنو إسرائيل. فمشوا في وسط الماء وهو عن أيمانهم وأيسارهم. وجعل لكلّ سبط طريقا، وجعل فيه طاقات ليرا بعضهم بعضا.
فأقبل جبريل، ﵇، على فرس بلقاء فدخل قّدام (١٦١ ب) حصان فرعون. فطلبها الحصان وغلب على أمر فرعون. فعبر من خلفه، فلم يبق أحدا منهم في البرّ إلاّ وعبر لعبور فرعون. فلمّا توسّطوا البحر- وقد خرج موسى، ﵇، بجميع بني إسرائيل إلى الجانب الآخر- فأمر الله، ، البحر أن يأخذ فرعون وقومه.
فلمّا عاين فرعون الغرق قال: آمنت أنّه لا إله إلاّ الذي آمنت به بنو إسرائيل. وكان قوله غير صحيح النيّة، فألحمه جبريل، ﵇، بكفّ من حصاة البحر ضرب بها وجهه، فغرق الجميع، ومرّ بأرواحهم إلى النار.
وطرحهم البحر بعد هلاكهم إلى ذلك الجانب الذي به موسى وبنو إسرائيل. وألقي جسد فرعون حتّى رآه موسى وقومه وعرفوه. وانتقم الله، ، منهم ونجّا عباده المؤمنين، والحمد لله ربّ العالمين.
قلت: وسيأتي ذكر من ملك مصر من بعد فرعون موسى عند ذكر فتوح مصر في الإسلام، بكلام يتلوا هذا الكلام، سياقه إلى حين ولاية عمرو بن العاص سنة عشرين الهجريّة، إن شاء الله تعالى، بحول الله وقوّته
стр. 680
ومنّه وكرمه ورحمته.
وأجمع أهل التاريخ أنّ يعقوب، ﵇، دخل مصر في سبعين نفرا من أهل بيته، وأنّ بنيه خرجوا من مصر في سبع مائة ألف مقاتل، وأنّ بين مولد الخليل، ﵇، وبين خروج بني إسرائيل من مصر:
خمس مائة سنة وخمسين سنة. وقيل: خمس مائة سنة وخمس عشرة سنة.
وقد زعم كثير من العبريّين أنّ من مولد إبراهيم، ﵇، إلى دخول بني إسرائيل مصر: مائتان وسبعون سنة، وذلك بعد وفاة إسحاق ﵇، بعشر سنين.
وذكروا أنّ حزقيل، هو الذي أصاب قومه الطاعون، فخرجوا من ديارهم حذر الموت. فقال الله: موتوا. فماتوا، ثمّ أحياهم.
ولمّا مات حزقيل كثرت الأحداث في بني إسرائيل، وتركوا عهد الله وعبدوا الأوثان. فبعث الله إليهم (١٦٢) ابن العبرانيّ، فلم يطيعوه. فدعا الله عليهم فأقحطوا ثلاث سنين. فسألوه الدعاء بسؤال ذلك، ويرجعون عن معاصيهم، ففعل، ولم يرجعوا.
وكان لإلياس تلميذ يقال له: أليسع بن أخطوب، وقد عرفه البعض بابن العجوز، ودعا له إلياس فنبّئ بعده. وأقاموا كذاك يتوبون وقتا فيصلح
стр. 681
حالهم وينصرون على أعدائهم وتخصب بلادهم، ثمّ ينهمكون بالمعاصيّ وعبادة الأوثان وقتا فيسلّط الله عليهم أنواع البلاء من القحط تارة ومن الفناء تارة ومن تسليط الأعداء تارة، حتّى أنّ تابوت الميثاق انتزع من بين أيديهم وغلبوا عليه.
وكان أهل غزّة وعسقلان هم الذين انتزعوه منهم، وكانوا يتبرّكون به وشملتهم السّكينة عند حضوره.
ولم يزالوا كذاك أربع مائة سنة ومائة سنة، ما بين وفاة يوشع بن نون إلى أن عاد الملك والنّبوّة إليهم، حسبما أسوقه آخر ذكر الأنبياء، صلوات الله عليهم، من المدد.
ذكر أشمويل، ﵇، وداود، ﵇
أمّا أشمويل فإنّه كان أسنّ من داود مائتين وعشرين سنة؛ هكذا وجدت في كتاب القضاعي. وبعث الله إليهم طالوت ملكا، وردّ إليهم التابوت، وكان من خشب السمشار معمولا بالصّفر، مموّها بالذّهب.
стр. 682
وأمّا داود، ﵇، فهو ابن منسّى بن عبيد، من ولد يهوذا بن يعقوب. وقيل: هو داود بن منسّى بن عويلي بن يهوذا، والله أعلم.
وقال وهب بن منبّه: كان داود، ﵇، قصيرا، أزرق، قليل الشعر، طاهر القلب، فقيه ملكه-ملك طالوت ونبوّة شمويل. وأطاعه بني إسرائيل، وفتح لهم الفتوحات الكثيرة، وأنزل الله عليه الزّبور، وعلّمه صنعة الحديد، وأمر الجبال أن تسبّح معه، وأعطاه من حسن الصّوت ما لم يعطه أحدا من خلقه. واتّسع ملكه وكان له تسع وتسعون زوجة. ولمّا بلغ ثمان وخمسين سنة ابتلي بقصّة أوريّا، وتزوج زوجته، وولدت له سليمان، (١٦٣) ﵇، وبكا على خطيئته أربعين يوما، حتّى نبت العشب من دموعه، فتاب الله عليه.
وقيل: إنّه أخذ في بناء بيت المقدّس، ومات ولم يتهيّا بنايه. وعاش مائة سنة، وكان ملكه أربعون سنة. وشيّع جنازته أربعون ألف راهب؛ هذا
стр. 683
ما ساقه الطّبريّ، وذكر ذلك القضاعيّ. وذكر أن شيّع جنازته من سائر الناس أربعون ألف ألف ألف، ثلاث مرار.
وقيل: إنّ ملك طالوت كان أربعين سنة. وقد كان قبل داود وجالوت في صدر ملك طالوت، وفي هذا شيء من المناقضة، والله أعلم.
ذكر سليمان بن داود، ﵇
وأمّا سليمان بن داود، ﵇، <فلقد> أجمع الطّبريّ والقضاعيّ والمسعوديّ أنّه ملك بعد أبيه وله من العمر اثنتي عشر سنة.
وسخّر الله تعالى معه الإنس والجنّ والطّير والوحش والرّيح، وأتاه النّبوّة، إلاّ أنّ اليهود لا تعدّه من الأنبياء. وسخّر الله له الريح، فكان إذا أراد سفرا لغزو أمر فنصب له آلة من خشب وحمّل عليه جميع ما يريد من الناس والدوابّ وآلة الحرب، وعكف الطّير على رايته، وقام الإنس والجنّ في خدمته. ثمّ يأمر الريح العاصف فيدخل تحت الخشب فتحمله. فإذا استقرّ أمر الرحا تحمله غدوّها شهرا ورواحها شهرا، إلى حيث شاء. ولمّا مضى من ملكه أربع سنين بدأ ببناء بيت المقدّس، وفرغ منه في سبع سنين. ولمّا مضى من ملكه خمس وعشرين-وقيل: من عمره خمس وعشرين-سنة،
стр. 684
جاءته ملكة سبأ، وهي بلقيس. وكان من قصّته معها ما حكاه وقصّة <الله> في كتابه العزيز.
عن ابن عبّاس أنّ سليمان تزوّجها؛ وسليمان أوّل من اتّخذ الحمّام والرّحا والصّابون والنّورة. وكان على ساق بلقيس شعرات تستقبح وتستحسن، فأمر بعمل النّورة من أجله. وقد هجا بعض الشعراء قوما بالبخل فقال (من البسيط):
الخبز عندهم أيّام ميسرهم ... أعزّ من نورة أيّام بلقيس
(١٦٤) قال السّدّيّ: إنّ الشّيطان أخذ خاتم سليمان وجلس على كرسيّه أربعين يوما، وخرج سليمان هاربا على وجهه يستطعم الناس- فكانت هذه فتنته التي ذكرها الله تعالى، ثمّ ردّه الله إلى محلّ سلطانه، وذلك بعدما استطعم من الناس-فتصدّق عليه حوت سمك، فشقّ بطنه فوجد الخاتم في جوفه، فردّه الله إلى ملكه.
روي عن ابن عبّاس عن النبيّ ﷺ ، أنّه قال: «بينما <كان> سليمان يصلّي ذات يوم فرأى شجرة، قال لها: ما اسمك؟ قالت:
الخرّوب. قال: لأيّ شيء أنت؟ قالت: لخراب هذا البيت. فقال سليمان: اللهمّ غمّ على الجنّ موتي حتّى تعلم الإنس أنّهم لا يعلمون الغيب. ونحت من الخرّوب عصا وتوكّأ عليها حولا وهو ميّت والجنّ لا يعلمون. فأكلتها الأرضة، فسقط»، وكان جميع عمره اثنين وخمسين سنة.
стр. 685
< ذكر رحبعم >
وملك بعده ابنه رحبعم سبع سنين، وقيل: ثمان سنين. ثمّ اتّصل الملك بآل داود، واستمرّ من حين كمل بناء بيت المقدّس وإلى أن أخربه بختنصّر الفارسي وسبى بني إسرائيل-على الرأي اليونانيّ-أربع مائة سنة وإحدى وأربعين سنة ونصف وأيّام. وعلى ما يدّعيه العبريّون: أربع مائة سنة وعشرون سنة ونصف.
وعن القضاعيّ أنّ الملك استمرّ في آل داود أربع مائة سنة وثلاث وخمسين سنة، وهذا شديد الموافقة لزعم اليهود. فإنّ داود وسليمان سبق لهما في الملك قبل بناء بيت المقدّس أربعا وأربعون سنة.
وقال الإصفهانيّ: إنّ البيت المقدّس استمرّ معمورا أربع مائة سنة وعشرين سنة. وفي مكان آخر: إنّ الملك استمرّ في ولد سليمان وولد ولده حتّى أجلاهم بختنصّر عن أورشليم ثلاثمائة وستّا وثلاثين سنة ونصف؛ وتناقض هذا ظاهرا، والله أعلم.
стр. 686
ذكر أخبار آل داود . . .
وأمّا أخبار آل داود وملوكهم، فإنّ الملك الثالث بعد سليمان ﵇، (١٦٥) وهو آشا بن آشاش بن رحبعم بن سليمان بن داود كان رجلا صالحا، وكان أعرج من عرق الانسا. وإنّ أحربا بن يورام، وهو السادس بعد سليمان، قتل واستولت أمّه عثليا على الملك، وقتلت الداودين بأسرهم، ما عاد ابن ابنها يواش بن احربا-فإنها أهملته أو سهت عنه، وكان له من العمر سنة واحدة. فضمّه إليه يهربدع الهارونيّ وأخفى أمره، وربّاه حتّى صار له من العمر ثمان سنين. فبايعه الرؤساء والأجلاّء.
وقلت عثليا في دهليز البيت المقدّس.
ثمّ ملك أمصبا بن يواش، وكان ضعيفا. ثم ملك ميشا بن حزقيا، وهو الرابع عشر بعد سليمان، فإنّ ملك بابل أسره وحبسه في تمثال
стр. 687
نحاس، وأمر أن يوقد عليه، فتاب من عصيانه فأعانه الله وخلّصه ونجّاه.
وأمّا يوشا-وهو السادس عشر بعد سليمان-فإنّه كان أصلح الجماعة. وهو الذي أجار فتيان أهل مصر، فسباه ملك مصر، فمات هناك.
وأمّا يهوياخي بن يهوياقيم، فإنّ بختنصّر أجلاه-قبل خرابه البيت المقدّس-إلى بابل. ثمّ رفع شأنه في بابل بعد ذلك وأقطعه حظّه نهر الملك.
وأمّا صدقيا-وهو آخرهم-فإنّ بختنصّر استخلفه بعد أن استحلفه على الطاعة وأداء الخراج إليه، فأقام على ذلك برهة ثمّ مرق من الطاعة.
وكان ذلك سببا لأن قصدها بختنصّر واستأسره بعد أن أخرب بيت المقدّس، فلم يدع فيه حجرا على حجر. ثمّ أكحله، ومات في أسره، وصار ملك أورشليم لبختنصّر.
وقال القضاعيّ: لم يزل الملك في آل داود إلى صاحب شعيا. فقال ابن إسحاق: اسمه صديقه. وقال غيره: اسمه حزقيا. وإنّ شعيا نبيّ بعثه الله تعالى إلى صديقه ليبشّر بعيسى ومحمّد، صلّى الله عليهما. وإنّ سنحاريب، ملك بابل، قد سار يريد قتال صديقه. فكفاه الله أمره، وأوحى
стр. 688
إلى شعيا: قد أخّرت أمر صديقه خمس عشر سنة. وأمّا قول ابن اسحاق، فذكر أنّ بني إسرائيل ملّوا شعيا بعد موت صديقة، (١٦٦) فأرسل الله عليهم عدوّهم، فأفناهم وشرّدهم. قال ابن اسحاق: نشروه بالمنشار.
ولمّا عظمت أحداث بني إسرائيل وأكثروا من البدع ورغبوا عن البيت المقدّس، وصار عودهم سيحد ضران، فغزاهم بختنصّر، فتابوا إلى الله تعالى، فردّه عنهم أوّلا، ثمّ نكثوا وعادوا إلى ما كانوا عليه، وأكثروا من الأحداث. فأرسل الله إليهم أرميا، فأخبرهم بغضب الله عليهم، فضربوه وقيّدوه. فبعث الله إليهم بختنصّر، فقتل منهم وصلب وحرق وسبا الدراري وأخرب بيت المقدّس وحرثه، وأخرج أرميا إلى مصر، فأقام بها. ثمّ أمره الله تعالى بالعود إلى الشام، فسار حتّى أشرف على بيت المقدّس. فقال:
إنّا نحيي هذه المدينة بعد موتها. فأماته الله مائة عام، ثمّ بعثه بعد أن عمر بيت المقدّس.
قال ابن إسحاق: إنّ أرميا هو الخضر. وقال قتادة: الذي مرّ على قرية وهي خاوية على عروشها هو العزيز. وقال قوم: إنّ بختنصّر كان بعد قتل يحيى بن زكريّا، وأنّه وجد دمه يغلي على الأرض، فقتل عليه سبعين ألف فسكن الدم.
стр. 689
قلت: وفساد هذا القول ظاهر. وقد كان في جملة السّبي الذي حمله بختنصّر إلى العراق: دانيال والعزيز، ﵉. وإن بختنصّر رءا رؤيا هالته، فعبّرها له دانيال.
واتّفقوا على مدّة إقامة السّبي ببابل، فكان سبعين سنة، إلى أن ملك كورش الفارسيّ، واسمه في اللغة الفارسيّة: بهمن. فأذن لهم في العودة إلى أورشليم، وفي بناء بيت المقدّس. إلاّ أنّ الملك <كان> قد زال عنهم. وكانت المدّة منذ عود بني إسرائيل إلى أورشليم وإلى أوّل التاريخ اليونانيّ-الذي أوّله ظهور الإسكندر-أمّا على رأي اليونان فمائة وسبعون سنة، وأمّا على الرأي العبريّ فمائة وخمس وثمانون سنة.
ولمّا رجع بنو إسرائيل إلى أورشليم، أقام العزيز التوراة بعد دروسها، وإنّ بختنصّر كان أحرقها، فأملاها العزيز من حفظه. وقيل: إنّه كان (١٦٧) من زعمائهم، ولم يكن نبيّا.
قال العتبيّ: كان قد أكثر من المناجاة في القدر، فمحي اسمه من ديوان الأنبياء. وكان ذلك سببا لقول اليهود فيه: إنّه ابن الله-تعالى <الله> عمّا يقول المشركون. وزعم بعض اليهود أنّ عزره وهو العزيز، وأنّه دبّر بني إسرائيل هو وثلاثة نفر معه أربعين سنة، وأنّ من ولادة داود إلى موت العزيز: خمس مائة سنة وأربع وستّون سنة.
فكان عدّة ملوك آل داود من رحبعم بن سليمان إلى صاحب شعيا- وهو صديقة-عشرون ملك. والمتّفق عليه في مدّة ملكهم أربع مائة سنة
стр. 690
وثلاث وخمسون سنة، والله، ، أعلم.
ذكر يونس بن متّا، ﵇
أمّا يونس، ﵇، بعثه الله تعالى بعد <أن> التقمه الحوت، على قول. وقال وهب: إنّه قبلما التهمه الحوت؛ وهو المتّفق عليه. وإنّه أرسل إلى أهل مدينة نينوى-وقيل: هي الموصل-وأنّه في أوّل الأمر كذّبوه، فتوعّدهم بالعذاب، وخرج من بين أظهرهم. فلمّا رأى قومه إمارات العذاب ضجّوا وبكوا وتابوا إلى الله تعالى وآمنوا. فكشف الله، ، عنهم العذاب. وسأل عنهم يونس، فقيل: إنّهم لم يعذّبوا، ولم بعلم بما كان من توبتهم، ف ﴿ذَهَبَ مُغاضِباً﴾، كما أخبر الله تعالى عنه، خوفا أن يرجع إليهم. فقال له: كذبت. وركب دجلة، فكان من أمره ما قصّه الله تعالى في كتابه العزيز.
ذكر زكريّا، ﵇
وأمّا زكريّا، ﵇، فهو ابن حنّا من ولد سليمان بن داود، ويقال: زكريّا بن أدن. وكان هو وعمران، أبو مريم، قد تزوّجا أختين، إحداهما عند زكريّا، وهي أم يحيى، والأخرى عند عمران، وهي أم مريم.
ولمّا ولدت مريم، كفلها زكريّا لموت أبيها، وقيل: بل لضعف أبيها عن
стр. 691
كفالتها. ولمّا بلغ زكريّا الكبر، رزقه الله تعالى يحيى من زوجته، وكانت عاقرا لم تلد ولم ترزق ولدا سواه.
وولدت (١٦٨) مريم عيسى، ﵇، بعد ولادة يحيى بثلاث سنين، وقيل: ستّة أشهر. فاتّهموا بني إسرائيل زكريّا بمريم، وهمّوا به، فاختفى منهم في جوف شجرة، فنشروها بالمنشار وزكريّا في داخلها؛ هذا قول وهب. وقال ابن إسحاق: ذكر لي بعض أهل العلم أن زكريّا مات موتا سويّا. وأمّا يحيى، ﵇، فهو ابن خالة أمّ عيسى، ﵇، مريم. ويقال: ابن أختها. وكان حصورا لا يعرف النساء. وقيل: إنّ يحيى ﵇، صبغ عيسى، ﵇، أي عمّده، فإنّه غمسه في نهر الأردنّ. فيقال له: يحيى الصابغ. وقيل: إن ملكا من ملوك بني إسرائيل، شاور يحيى في تزويج امرأة، فقال: إنّها بغيّ. فاحتالت عليه المرأة حتّى قتله الملك، وبقي دمه يغلي على الأرض، وذلك بعد رفع المسيح، حتّى غزاهم ملك من ملوك بابل يقال له: حردوش. ويقال: بل غزاهم طيطوش
стр. 692
الروميّ وظهر عليهم، فرأى دم يحيى يغلي فقتل عليه سبعين ألف، فسكن.
وأخرب بيت المقدّس، والله أعلم.
ذكر عيسى ابن مريم، صلوات الله عليه
وأمّا عيسى، صلوات الله عليه، فإنّ مولده سحر يوم الأربعاء الخامس والعشرين من كانون الأوّل سنة ثلاثمائة من تاريخ الإسكندر اليونانيّ، ويقال: سنة تسع عشرة وثلاثمائة. وقيل: إنّ مريم، ﵍، حملت به ولها ثلاث عشرة سنة. وقال الحسن: حملت به تسع ساعات، ووضعته من يومها. وقال الجمهور من العلماء والمفسّرين وأهل الكتاب: حملت به تسعة أشهر، وكانت ولادته في بيت لحم. ولمّا مضت له ثمانية أيّام ختن على سنّة موسى، وسمّوه يسوع. ولحقت به أمّه مصر، وأقامت هناك اثنتي عشرة سنة. ثمّ عادت به إلى ناصرة، من جبل الجليل، ﵇. وأمّا اليهود نسبوه إلى رجل يقال له: يوسف النّجّار، من دار داود، كانت مريم مسمّاه.
وقال أبو هريرة، ﵁: وكانت مريم لها (١٦٩) ابن عمّ يقال له: يوسف. وكانت هي وإيّاه يليان خدمة كنيسة. وكانت مريم إذا نفذ مايها وماء يوسف، يأخذ كلّ واحد منهما قلّته وينطلق إلى المغارة التي فيها الماء ويعودا.
فلمّا كان اليوم الذي لقيها فيه جبريل، ﵇-قال: وكان ذلك اليوم أطول يوم في السنة وأشدّ حرّا-ونفد ماء مريم، فقالت ليوسف: أما ننطلق بنا إلى الماء؟ قال يوسف: إنّ عندي لفضلة. فأخذت
стр. 693
قلّتها وانطلقت حتّى دخلت المغارة، فوجدت جبريل، ﵇، عند المغارة، قد مثّله الله ﴿لَها بَشَراً سَوِيًّا﴾ فقال لها: إنّ الله، ﵎، قد أنفذني إليك ليهب ﴿لَكِ غُلاماً زَكِيًّا﴾. ﴿قالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾، وهي تحسبه رجل كان عندهم وكان اسمه تقيّا، وكان مشهورا بفسق. ف ﴿قالَ إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيًّا قالَتْ أَنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا قالَ كَذلِكِ قالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنّاسِ وَرَحْمَةً مِنّا وَكانَ أَمْراً مَقْضِيًّا﴾.
فلمّا سمعت ذلك استسلمت لأمر الله، فنفخ في جيبها ثمّ انصرف عنها. وملّت قلّتها وعادت. وكانت مريم لم يكن في أهل زمانها أحد أشدّ عبادة منها ولا أكثر اجتهادا. فكان أوّل من أنكر حمل مريم صاحبها يوسف. فإنّه لمّا رأى الذي بها عظم عليه ولم يدر ما يصنع. فكان إذا أراد أن يتّهمها، يذكر صلاحها وعبادتها وأنّها لم تغب عنه ساعة قطّ. وإذا أراد أن يبرّئها ينظر إلى الذي قد ظهر عليها. قال: فلمّا اشتدّ به الأمر-وهو يستحي من كلامها في ذلك-قال لها: يا مريم، إنّه قد وقع في نفسي منك أمرا، وقد نويت أن أكتمه في نفسي، فغلبني ذلك، وإنّ الكلام فيه شفاء للصدر. فقالت مريم: قل قولا جميلا. فقال: يا مريم، هل بنيت زرعا
стр. 694
بغير بذار؟ قالت: نعم. قال: فهل بنيت شجرا بغير غيث يصيبها؟ قالت:
نعم. ثمّ قالت: ألم تعلم أنّ الله، ، أنبت (١٧٠) الزرع يوم خلقه من غير بذر؟ وخلق آدم وحوّاء من غير ذكر ولا أنثى؟ قال: فلمّا قالت له ذلك، وقع في نفسه أنّ الذي بها من الله، ، وأنّه لا يسعه أن يسألها أكثر من ذلك.
قال: ثمّ تولّى خدمة المسجد وحده، وكفاها كلّ عمل كانت تعمله، لمّا رأى عجزها عن القيام بذلك. فلمّا دنا فقاسها، أوحى الله إليها أن اخرجي من أرض قومك، فإنّهم إن ظفروا بك عيّروك وقتلوا ولدك، وكانت أختها يومئذ حبلى وقد بشّرت بيحيى. فوضعته وهو ساجدا معترفا بعيسى، ﵉.
قال: ثمّ حملها يوسف إلى أرض مصر على حمار له، حتّى إذا كان بأرض مصر في منقطع أدرك مريم المخاض، فألجأها إلى أزاي حمار-أي إلى مذوذه-في أصل نخلة نخرة، وكان ذلك في زمان الشتاء، فاشتدّ بمريم المخاض، فالتجأت إلى النخلة فاحتظنتها، وأحاطت الملائكة بها قائمين صفوفا، محدّقين بها. فلمّا وضعت، حزنت. قيل لها: لا تخافي ولا ﴿تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا فَكُلِي وَاِشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً فَإِمّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾. ثمّ كان الرّطب يتساقط عليها رطبا حيّا من تلك النخلة النّخرة، في غير زمانه، آية من الله تعالى.
قال وهب: إنّه تكلّم في المهد ثلاث مرار، ثمّ لم يتكلّم حتّى بلغ حدّ الكلام. ولمّا بلغ ثلاثين سنة، جاءه الوحي. فكانت مدّة نبوّته ثلاث
стр. 695
سنين. وإنّ اليهود طلبوه، فدلّ عليه بعض الحواريّين، واسمه يودش، ويقال: يهوذا واريسي؛ ويقال: ابن العجوز. وارتشا من اليهود ثلاثين درهما. وألقى الله شبهة على الذي دلّ عليه، فأخذوه وصلبوه وقتلوه بعد أن بالغوا في تعذيبه. وصلبوا عن يمينه لصّا وعن شماله لصّا.
وزعم المؤرّخون أنّه حدث ذلك اليوم ظلمة عظيمة مزعجة، وكانت سبب تنصّل المسيح من أيديهم، وصعوده حيّا.
وزعم النّصارى (١٧١) أنّ تلك الظّلمة كانت بعد موته. وقيل: كان بعد سبع، ظهر لأمّه وقال: لم يصبني إلاّ خير. وأمرها أن تأتيه بالحواريّين، فبثّهم في الأرض ووصّاهم. ويقال: إنّ مريم عاشت بعده ستّ سنين.
وبعد عشرين سنة من رفعه سمّيت المؤمنون به نصارى. وكان أهل هذه التّسمية بأنطاكية. وبعد ذلك بثلاث عشرة سنة قتل بطرس وبولص تلميذاه؛ وقيل: جميع من كان في مملكة الروم من النصارى. ولم يزل الأمر كذلك إلى أن ملك قسطنطين ابن هيلاني، وذلك بعد رفع المسيح بمائتي وسبعين سنة.
وقسطنطين أوّل من فارق عبادة الأصنام وتنصّر. وكان سبب ذلك أنّه رأى في منامه كأنّ رماحا نزلت من السماء عليها صور صلبان، فجعل على رماحه مثل ذلك، وقاتل أعداء كانوا لم يزل له غالبون، فقهرهم وظفر بهم.
فندس في النّصرانيّة، وجمع ثلاثمائة وثمانية عشر أسقفا وأربعة بطارقة في
стр. 696
بيعة كان قد عملها، وتناظروا في مقالات النصارى، ووضعوا الشرائع بعد أن لم تكن، وقنّنوا القوانين، وأمر ببناء الكنائس.
وإنّ أمّه هيلاني خرجت إلى فلسطين لسبع سنين مضت من ملكه، فبنت كنائس الشام، ودخلت بيت المقدّس، فسألت عن خشبة الصّليب التي صلب عليها شبه المسيح، فقيل: إنّها كانت تحت ردم كبير. فدلّت عليها ونثرت الذهب على ذلك الردم حتّى عادت الناس يتناهبون التّراب، حتّى ظهرت وظفرت بها. ووسمت ليوم وجدتها عيدا سمّته عيد الصليب.
والخشبة هي: صليب الصّلبوت.
في السنة الحادية والعشرين من ملكه طبّق جميع ممالكه بالكنائس.
وكانت أمّه هيلاني قد سباها أبوه من الرّها، فلذلك تعرف بهيلاني الرهاويّة.
ويسمّى هذا قسطنطين المظفّر، ويقال: المطهّر، والله أعلم.
ذكر أهل القرية
قال وهب بن منبّه: كانوا ثلاث نفر بعثهم الله إلى أهل أنطاكية، واسم الرجل (١٧٢) الذي جاء من أقصى المدينة: حنين. وقال قتادة: هم ثلاثة من الحواريّين، بعثهم الله على لسان عيسى ابن مريم إلى أهل أنطاكية.
وكان الرجل الذي جاء من أقصى المدينة مجذوما، آمن بالرّسل وأيّد قولهم، فوطئوه أهل القرية بأقدامهم حتّى مات. وأهلك الله تعالى أهل تلك القرية بصيحة جاءتهم من السماء ﴿فَأَصْبَحُوا﴾ فيها ﴿جاثِمِينَ﴾.
стр. 697
ذكر ذو الكفل
أمّا ذو الكفل؛ قال العتبيّ: بعثه الله تعالى إلى ملك من ملوك بني إسرائيل، فدعاه إلى الإيمان وكفل له الجنّة، فآمن به، فسمّي ذو الكفل.
وقال مجاهد: تكفّل أليسع بنيط، فوفا لهم، ولم يكن نبيّا. وقيل: تكفّل بعمل رجل صالح، فكان يصلّي كلّ يوم مائة ركعة. وقال الطّبريّ: إنّه بشر بن أيّوب، ﵇.
< ذكر لقمان الحكيم >
وأمّا لقمان الحكيم، فإنّه لم يكن نبيّا عند أكثر المفسّرين والعلماء، لكنّه كان حكيما. وكان عبدا حبشيّا لرجل من بني إسرائيل فأعتقه. وكان خيّاطا معاصرا لداود، ﵇. وقال سعيد بن المسيّب: كان نبيّا، وقد كان في زمن عاد رجل يقال له: لقمان بن عاد، وهو أحد رجال الوفد الذين قدموا مكّة يستسقون لقومهم. وانفرد هو عن قومه من الوفد بالدعاء لنفسه بطول العمر، فأعطي عمر سبعة أنسر. وكان عمره يومئذ مائتا سنة، وهو صاحب لبد-وهو النّسر السابع-فعاش ألفي وسبعمائة سنة. وقيل:
أكثر. وقيل: أقلّ، والله أعلم.
стр. 698
<ذكر> أصحاب الرّسّ
وأمّا أصحاب الرّسّ اختلف فيهم. قال ابن عبّاس: هي قرية من قرى ثمود. وفي كلام قتادة ما يدلّ على أنّ أصحاب الرسّ هم أهل مدن أصحاب شعيب. وقال عكرمة: هم قوم قتلوا نبيّهم ورسّوه ببئر، أي دسّوه فيها من الرّسّ، والرّسّ عند العرب هي البئر التي لم تطيّن أو لم تطبّق.
وقال الطّبريّ: لا نعرف قوم كانت لهم قصّة بسبب حفيرة إلاّ أصحاب الأخدود، وقد اختلف (١٧٣) فيهم.
< ذكر أصحاب الأخدود >
وقال الرّبيع عن أنس: إنّ أصحاب الأخدود هم قوم اعتزلوا عن الناس في الفترة، وأنّ جبّارا من عبدة الأوثان أرسل إليهم وعرض عليهم الدخول في دينه وخيّرهم بين ذلك وبين إلقائهم في النار؛ فاختاروا الإلقاء في النار. فنجّى الله تعالى المؤمنين من الحريق بأن قبض أرواحهم قبل أن تمسّهم النار، وخرجت النار على شفير الأخدود فأحرقت الكفّار، وذلك قوله تعالى: ﴿فَلَهُمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذابُ الْحَرِيقِ﴾. وقال الطبريّ:
صاحب الأخدود ذو نواس، ملك اليمن، كان على دين اليهود. وقدم اليمن رجل كان على دين المسيح، فأعلن بذلك وكثر أتباعه. فجعل ذو نواس الملك يطلب من يقول بهذا الدين ويخدّ له في الأرض ويحرقهم حتّى أتى عليهم. فأنفذ الله النّجاشيّ بجيش عظيم فانهزم هو وأصحابه
стр. 699
واقتحم البحر فهلك. فكان ذلك سبب تملّك اليمن، والله أعلم.
< ذكر أصحاب الكهف >
أصحاب الكهف هم فتية من الرّوم كانوا على دين المسيح، وكان ملكهم كافر يعبد الأصنام. فدعاهم إلى عبادة صنمه فأبوا ﴿فَقالُوا رَبُّنا رَبُّ السَّماااتِ وَالْأَرْضِ﴾ وفرّوا معتزلين لأجل العبادة في كهف. ثمّ طلبوا، فقيل: إنّهم في كهف كذا وكذا. فأمر الملك، فبني عليهم على باب الكهف بناء يمنعهم الخروج. فأقاموا ثلاثمائة سنة وتسع سنين، وكانوا ﴿فِي فَجْوَةٍ﴾ من الكهف، بمتّسع منه، وكانوا في مقابله بني نعش، فلم تكن الشمس تصيبهم. وكانوا يقلبون في كلّ سنة مرّتين. وكانوا سبعة نفر وكلبهم قطمير.
وقد كانت قصّتهم كتبت في لوح من حجر أو رصاص، وهو الرّقيم، وجعل على باب الكهف؛ وقيل: في خزانة الملك. فلمّا أراد الله، ، أن يطلع الناس على أمرهم ﴿لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَأَنَّ السّاعَةَ﴾ آتية ﴿لا رَيْبَ فِيها﴾، وكان ذلك في زمان ملك على دين المسيح، أيقظهم الله تعالى وقد تساقط البناء الذي على باب الكهف. فتسالوا بينهم ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ قالُوا لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾، وأصابهم الجوع (١٧٤) فأرسلوا أحدهم يبتاع لهم طعاما ويأتيهم به. فلمّا دخل المدينة أنكر ما رأى وأنكروا عليه دراهمه، فقبضوا عليه وأتوا به الملك. وقيل له: أصبت كنزا؟
стр. 700
فأخبرهم بخبره. وكان خبرهم عند الملك في لوح في خزانته، فسار الملك معه حتّى دخل على أصحابه. فلمّا نظروا إليه، ضرب الله على آذانهم، فعادوا كما كانوا عليه، فبنى عليه مسجدا.
وقيل: إنّ هذا الكهف في بلاد الروم، بينه وبين طرسوس ثلاثة أيّام، بموضع يعرف بالحان. وقيل: إنّه بمكان يعرف بافلس في عدوة القسطنطينيّة.
وأمّا ابن قتيبة: إنّ أهل الكهف كانوا قبل المسيح وظهر أمرهم في الفترة، والله، ، أعلم.
ذكر سائر ملوك الأرض وأسمائهم
ومدد تملّكهم إلى آخر وقت
قلت: قد انتهى الكلام فيما اشترطناه من ذكر الأنبياء والمرسلين، صلوات الله عليهم أجمعين، حسبما وصلت إليه القدرة بمعونة الله تعالى وحسن توفيقه وبركة إلهامه. ونحن نتلوا ذلك بذكر سائر الملوك وطبقاتهم وأزمنتهم ومددهم وأديانهم، كلّ طبقة وما أتا بعدها من الملوك من أوّل وقت إلى حين مبعث سيّدنا ونبيّنا محمّد ﷺ . ولعمري إنّه قد جمع من الفنون ما لا جمعه تاريخ غيره. ولست أقول ذلك استكبارا ولا أدّعي، وإنّما جمع ذلك كثرة المطالعة لأخبار الناس، مع المبالغة في الاجتهاد.
فمن أكثر من شيء عرف به.
стр. 701
ولعلّ الفاضل، قارئ هذا التاريخ، إذا انتهى في قراءته، صدّق زعم العبد فيما ادّعاه، وإلى الله الرغبة والتوسّل أن يسدّد أقوالنا وأفعالنا، ويختم بالصّالحات أعمالنا، إنّه بالإجابة جدير ﴿وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
ذكر الطّبقة الأولى لملوك الفرس
هؤلاء أوّل طبقة ملوك فارس المسمّيون بالفيشداديّة. فأوّلهم كيومرث، أقام، على رأي بهرام، ثلاثون سنة، وعلى رأي حمزة الأصفهانيّ، أربعون سنة. ثمّ أقامت الناس لا ملك لهم ولا رئيس يرجعون إليه إلى تملّك فيشداني وسهنج (١٧٥)، على رأي بهرام، مائة سنة وأربع وأربعون سنة وثمانية أشهر، بحكم التحرير. ثمّ ملك بيشهنج، على رأي بهرام أربعون سنة؛ برأي حمزة أيضا أربعون سنة. ثمّ ملك طهومرت بن ونوبجهان بن هوبلد بن أوسهنج؛ رأي بهرام ثلاثون سنة، وكذلك حمزة ثلاثون سنة. ثمّ ملك أخوه الجم بن ونربجهان ستّمائة سنة وستّة عشر سنة
стр. 702
على رأي بهرام، ورأي حمزة سبعمائة سنة وستّة عشر سنة. ثمّ ملك بيوراسب ألف سنة، متّفق عليه. ثمّ ملك أفريدون بن أثفيان خمسمائة سنة، متّفق عليه. ثمّ ملك منوشجهر مائة وعشرون سنة، برأي بهرام، منها لقراسيان التركيّ اثنا عشر سنة داخلة في جملة ملك منوشجهر؛ ورأي حمزة: مائة وعشرون سنة كاملة لمنوشجهر. ثم ملك افراسياب برأي بهرام اثنا عشر سنة في مدة أيّام ملك منوشجهر، ورأي حمزة: اثنتا عشر سنة خارجة عن مائة وعشرين سنة ملك منوشجهر. ثمّ ملك زاب بن طهماسف ثلاث سنين؛ متّفق عليه. ثمّ ملك كرشاسف ستّ سنين، برأي بهرام؛ ورأي حمزة الإصبهانيّ سبع سنين.
وعدّة هؤلاء الملوك، وهم الطبقة الأولى، تسعة نفر، مدّت ملكهم على رأي بهرام بن بردانشاه، موبد كورة شابور من بلد فارس، ألفان سنة وخمس مائة سنة وأربعون سنة. وأمّا رأي حمزة الإصفهانيّ، صاحب تاريخ إصفهان، ألفان وأربع مائة سنة وسبعون سنة.
قال الموبد بهرام في كتابه: إنّي جمعت بين سبعة وعشرين نسخة من
стр. 703
الكتاب المسمّى: خداه اه؟؟؟، حتّى أصلحت منه تواريخ ملوك فارس من لدن كهومرت والد البشر وإلى أن زال الملك عنهم وانتقل إلى العرب. فكان مدّة هؤلاء الملوك الأول ما قدّمناه، وباقي الملوك على ما يأتي عند ذكرهم، إن شاء الله تعالى.
فأوّل من يعتبر له الملك من هذه الطبقة وشهنج ولقبه فيشداد، وإليه ينسبون هؤلاء التسعة، فيقال: الفيشداديّة. ومعنى ذلك: (١٧٦) أوّل حاكم في الملك. وعقد له في إصطخر؛ وهو الذي استخرج الحديد وعمل بعض أدوات الصنّاع وبعض الأسلحة، وأمر الناس بقتل السباع الضارية. وقيل: إنّه هو أوّل من حمل السلاح، وهو الذي بنا مدينة بابل. وقيل: بل الذي بناها طهرمرت. ويقال: إنّه بنا كردينداد، وهي أحد المدن السبعة. قال حمزة: لعل الصواب في اسمها: كرداباد.
وبنا بإصفهان مدينتين عظيمتين، أحدهما مهرين و <الثانية> سارويه.
فأمّا مهرين فإنّه غلبه عليها وساوبخت، وأمّا سارويه فإنّه أحاط بها بعد
стр. 704
ألوف سنين سور مدينة حي، وأثرها باق. وقيل: في زمانه حدث عبادة الأصنام. وكان أصل ذلك أنّ أناسا أصابهم ثكل بأحبّائهم، فاتّخذوا تماثيل يتسلّون بها بالنظر إليها على صور أحبّائهم. وامتدّت بهم الأزمان حتّى زيّن لهم عبادتها. وفي زمانه حدث الصوم.
وأمّا أخوه جم، ويلقب: جم شيد؛ ومعنى شيد: النّيّر، ولذلك تسمّى الشمس خرشيد. ويزعمون أنّه كان يصطنع من وجهه نور. وله آثار كثيرة مذكورة. ومن بديع ما أحدث قنطرة عقدها على دجلة فعبرت دهرا طويلا حتّى هدمها الإسكندر.
وأمّا سوارسب فهو ابن أوبداسف بن وسكان بن ساسره.
وأمّا أفريدون فإنّه الذي انتزع الملك من الضحّاك، وتسمّيه العرب:
السفّاك، لما كان عليه من الفساد وسفك الدماء، فأراح الناس منه. وقيل:
إنه هو الذي سجنه بجبل دنبا. وقيل: إنّه إلى الآن حيّ، وهو مسجون بهذا الجبل، حتّى زعموا قوما أنّه هو الدّجال الذي يخرج آخر الزمان، والله أعلم.
стр. 705
وأمّا منوشجهر فهو من ولد أبرح بن أفريدن، وهو الذي نهر الفرات ونهر مكران-وهو أعظم من الفرات-وشقّ من الفرات أنهارا كبارا. وفي زمنه تغلّب قراشيان التركيّ وأزعج منوشجهر عن سريره وأحجره في غياض طبرستان. وبقي قراشيان اثنا عشر سنة وهدم أكثر المعاقل والأبنية الحسان، والله أعلم.
(١٧٧) ذكر الطبقة الثانية من ملوك الفرس وهم الكيسانيّة
هذه الطبقة الثانية من ملوك فارس وعددهم أيضا تسعة نفر، ومدّتهم، على ما يراه بهرام الموبد، سبع مائة سنة وثماني عشرة سنة، وعلى ما يراه حمزة الإصفهانيّ، سبع مائة سنة وأربع وستّين سنة.
فأوّلهم كيقباد، وإنّه لمّا ملك، أخذ الناس بعمارة الأراضي وإذا العشر من غلاّتها وصرفه في أرزاق الجند ودفع العدوّ وسدّ الثغور. وكان إصفهان مذكورة على كورة واحدة مثل الراي، فزاد فيها كورة أخرى وسمّاها استان، وهي التي فيها الرّساتيق المجاورة إلى عمل قم. ملك
следующие страницы →