← История

История · id 18147

كنز الدرر وجامع الغرر

ابن الدواداري

Полный текст (4 323 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

ولعلّ الفاضل، قارئ هذا التاريخ، إذا انتهى في قراءته، صدّق زعم العبد فيما ادّعاه، وإلى الله الرغبة والتوسّل أن يسدّد أقوالنا وأفعالنا، ويختم بالصّالحات أعمالنا، إنّه بالإجابة جدير ﴿وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. ذكر الطّبقة الأولى لملوك الفرس هؤلاء أوّل طبقة ملوك فارس المسمّيون بالفيشداديّة. فأوّلهم كيومرث، أقام، على رأي بهرام، ثلاثون سنة، وعلى رأي حمزة الأصفهانيّ، أربعون سنة. ثمّ أقامت الناس لا ملك لهم ولا رئيس يرجعون إليه إلى تملّك فيشداني وسهنج (١٧٥)، على رأي بهرام، مائة سنة وأربع وأربعون سنة وثمانية أشهر، بحكم التحرير. ثمّ ملك بيشهنج، على رأي بهرام أربعون سنة؛ برأي حمزة أيضا أربعون سنة. ثمّ ملك طهومرت بن ونوبجهان بن هوبلد بن أوسهنج؛ رأي بهرام ثلاثون سنة، وكذلك حمزة ثلاثون سنة. ثمّ ملك أخوه الجم بن ونربجهان ستّمائة سنة وستّة عشر سنة

стр. 702

على رأي بهرام، ورأي حمزة سبعمائة سنة وستّة عشر سنة. ثمّ ملك بيوراسب ألف سنة، متّفق عليه. ثمّ ملك أفريدون بن أثفيان خمسمائة سنة، متّفق عليه. ثمّ ملك منوشجهر مائة وعشرون سنة، برأي بهرام، منها لقراسيان التركيّ اثنا عشر سنة داخلة في جملة ملك منوشجهر؛ ورأي حمزة: مائة وعشرون سنة كاملة لمنوشجهر. ثم ملك افراسياب برأي بهرام اثنا عشر سنة في مدة أيّام ملك منوشجهر، ورأي حمزة: اثنتا عشر سنة خارجة عن مائة وعشرين سنة ملك منوشجهر. ثمّ ملك زاب بن طهماسف ثلاث سنين؛ متّفق عليه. ثمّ ملك كرشاسف ستّ سنين، برأي بهرام؛ ورأي حمزة الإصبهانيّ سبع سنين. وعدّة هؤلاء الملوك، وهم الطبقة الأولى، تسعة نفر، مدّت ملكهم على رأي بهرام بن بردانشاه، موبد كورة شابور من بلد فارس، ألفان سنة وخمس مائة سنة وأربعون سنة. وأمّا رأي حمزة الإصفهانيّ، صاحب تاريخ إصفهان، ألفان وأربع مائة سنة وسبعون سنة. قال الموبد بهرام في كتابه: إنّي جمعت بين سبعة وعشرين نسخة من

стр. 703

الكتاب المسمّى: خداه اه؟؟؟، حتّى أصلحت منه تواريخ ملوك فارس من لدن كهومرت والد البشر وإلى أن زال الملك عنهم وانتقل إلى العرب. فكان مدّة هؤلاء الملوك الأول ما قدّمناه، وباقي الملوك على ما يأتي عند ذكرهم، إن شاء الله تعالى. فأوّل من يعتبر له الملك من هذه الطبقة وشهنج ولقبه فيشداد، وإليه ينسبون هؤلاء التسعة، فيقال: الفيشداديّة. ومعنى ذلك: (١٧٦) أوّل حاكم في الملك. وعقد له في إصطخر؛ وهو الذي استخرج الحديد وعمل بعض أدوات الصنّاع وبعض الأسلحة، وأمر الناس بقتل السباع الضارية. وقيل: إنّه هو أوّل من حمل السلاح، وهو الذي بنا مدينة بابل. وقيل: بل الذي بناها طهرمرت. ويقال: إنّه بنا كردينداد، وهي أحد المدن السبعة. قال حمزة: لعل الصواب في اسمها: كرداباد. وبنا بإصفهان مدينتين عظيمتين، أحدهما مهرين و <الثانية> سارويه. فأمّا مهرين فإنّه غلبه عليها وساوبخت، وأمّا سارويه فإنّه أحاط بها بعد

стр. 704

ألوف سنين سور مدينة حي، وأثرها باق. وقيل: في زمانه حدث عبادة الأصنام. وكان أصل ذلك أنّ أناسا أصابهم ثكل بأحبّائهم، فاتّخذوا تماثيل يتسلّون بها بالنظر إليها على صور أحبّائهم. وامتدّت بهم الأزمان حتّى زيّن لهم عبادتها. وفي زمانه حدث الصوم. وأمّا أخوه جم، ويلقب: جم شيد؛ ومعنى شيد: النّيّر، ولذلك تسمّى الشمس خرشيد. ويزعمون أنّه كان يصطنع من وجهه نور. وله آثار كثيرة مذكورة. ومن بديع ما أحدث قنطرة عقدها على دجلة فعبرت دهرا طويلا حتّى هدمها الإسكندر. وأمّا سوارسب فهو ابن أوبداسف بن وسكان بن ساسره. وأمّا أفريدون فإنّه الذي انتزع الملك من الضحّاك، وتسمّيه العرب: السفّاك، لما كان عليه من الفساد وسفك الدماء، فأراح الناس منه. وقيل: إنه هو الذي سجنه بجبل دنبا. وقيل: إنّه إلى الآن حيّ، وهو مسجون بهذا الجبل، حتّى زعموا قوما أنّه هو الدّجال الذي يخرج آخر الزمان، والله أعلم.

стр. 705

وأمّا منوشجهر فهو من ولد أبرح بن أفريدن، وهو الذي نهر الفرات ونهر مكران-وهو أعظم من الفرات-وشقّ من الفرات أنهارا كبارا. وفي زمنه تغلّب قراشيان التركيّ وأزعج منوشجهر عن سريره وأحجره في غياض طبرستان. وبقي قراشيان اثنا عشر سنة وهدم أكثر المعاقل والأبنية الحسان، والله أعلم. (١٧٧) ذكر الطبقة الثانية من ملوك الفرس وهم الكيسانيّة هذه الطبقة الثانية من ملوك فارس وعددهم أيضا تسعة نفر، ومدّتهم، على ما يراه بهرام الموبد، سبع مائة سنة وثماني عشرة سنة، وعلى ما يراه حمزة الإصفهانيّ، سبع مائة سنة وأربع وستّين سنة. فأوّلهم كيقباد، وإنّه لمّا ملك، أخذ الناس بعمارة الأراضي وإذا العشر من غلاّتها وصرفه في أرزاق الجند ودفع العدوّ وسدّ الثغور. وكان إصفهان مذكورة على كورة واحدة مثل الراي، فزاد فيها كورة أخرى وسمّاها استان، وهي التي فيها الرّساتيق المجاورة إلى عمل قم. ملك

стр. 706

كيقباد على رأي بهرام مائة سنة، وعلى رأي حمزة مائة وستّ وعشرون سنة. ثمّ ملك بعده كيكاوس. وقد رفع بهرام الموبد نسبه، فقال: كيكاوس بن كياقوه بن كيقباد. وكان نزل بلخ. <و> ملك مائة وخمسون سنة؛ متّفق عليه. ثمّ ملك بعده كيخسرو ستّون سنة، على ما يراه بهرام. وقال الإصفهانيّ: ثمانون سنة. وكانت مدّة كيقباد أيضا في ملكه، على رأي بهرام، مائة سنة، ووافقه الإصفهانيّ على ذلك. وكانت مدّة كيكاوس في الملك مائة وخمسون سنة؛ متّفق عليه من كلاهما. ثمّ ملك بعد كيخسرو كيهراسف مائة وعشرون سنة؛ متّفق على ذلك. وأمّا كيخسرو فإنّ الفرس تزعم أنّه كان نبيّا، وأنّه انتهى إليه في زمانه أنّ نبيّا ظهر بجبل كوشيد-وهو جبل أحمر فيما بين أوّل إصبهان وآخر فارس-وأنّه قد عظمت نكايته. فسار إليه كيخسرو بنفسه في خاصّيّته

стр. 707

وانتصب له بنفسه حتّى قتله. ونصب في جانب الجبل المنار المعروفة بمنار كوشيد. وقيل: إنّ سليمان بن داود، ﵇، كان في زمنه. وأمّا كيهراسف، فإنّه كان خليفة كيخسرو على مملكته، وهو ابن عمّه. فإنّ كيهراسف بن كياوحان بن كيمش بن كبقين. وهو أوّل من وضع ديوان الجند وجعل للأساورة الأساور، وهم المسمّيون: المرازبة. فلمّا سوّرهم وحلاّهم بالأسورة الذهب، سمّوا: الأساورة. ووضع لهم سورا؟؟؟ في محلّته. (١٧٨) وهو أوّل من اتّخذ السرادقات. وفي سنة ستّين من ملكه توجّه بختنصّر إلى أرض المغرب، فغزا فلسطين وأخرب مدينة أورشليم، وسبا بها اليهود، وجعلهم خدما لأهل مملكته، وصرّفهم في المهن. ثمّ ملك بعد كيهراسف كشتاسف. فأقام هذا كشتاسف في الملك مائة وعشرين سنة؛ متّفق عليه. ولمّا تمّ لكشتاسف في ملكه ثلاثين سنة، وكمل عمره خمسين سنة، أتاه زرادشت الأذربيجانيّ بكتاب الآيسا، وهو

стр. 708

الشايورقان، وعرض عليه المجوسيّة ودعاه إلى دينها، فقبله. وهو أوّل من مجّس من ملوك فارس. ثمّ ملك بعده أردشير مائة سنة واثنا عشرة سنة؛ متّفق عليه. وهذا أردشير الذي يقال له: بهمن بن اسفندباد؛ وكان يسمّى الطويل الباع. ويقال: إنّه بلغ في غزواته رومية، وأنّه غزا من ناحية الجنوب <ذابولستان>. وتزعم اليهود أنّ بهمن بلغتهم وفي كتب أحبارهم هو كورش، وهو الذي أذن للسّبي من بني إسرائيل الذين كانوا بالأصفاد بالعود إلى مدينة أورشليم، وأذن لهم في بناء البيت المقدّس. وإنّ هذه المدّة الّتي بين هذا وبين الإسكندر الروميّ تقصر قصورا بيّنا عن المدّتين اللّتين ادّعاهما اليهود والنّصارى من وقت رجوع السّبي إلى ظهور ذلك الملك، فلذلك يعرض الفساد في التواريخ، وهو فساد من بين التاريخين الفارسيّ والإسرائيليّ، من وقت ظهور الخليل، ﵇، وإلى ثلاثين سنة من ملك أفريدون الملك من الطبقة الأولى من ملوك فارس، والله أعلم. ثمّ ملك بعد أردشير هذا. . . ثلاثون سنة، متّفق على ذلك. ثمّ ملك بعده دارا بن بهمن اثنا عشر سنة؛ متّفق عليه. ثمّ ملك بعده دارا بن

стр. 709

دارا أربع عشر سنة؛ متّفق عليه، وهو الذي قتله الإسكندر الروميّ حسب ما يأتي من ذكره، والله، ، أعلم. ملحق من الأصل وإنّ كي أردشير لمّا دنت وفاته، كانت زوجته حاملة منه بدارا، وهو دارا بن بهمن، فأسند الملك إليها وهلك. فقامت بالأمر أحسن قيام، وسيّرت جيشا من جيوشها <إلى> الروم فسبوا سبيا، فيهم عملة حذّاق. فأمرت ببناء مصانع إصطخر، وهي ثلاثة: أحدها بجانب إصطخر، وثانيها على المدرجة الأخيرة إلى كورة دارا الجرد، وثالثها على المدرجة النافذة إلى طريق خراسان وأنشأت بإصفهان، مدينة لطيفة، مجيدة البناء، تسمّى المثمرة، وهي ما أخرب الإسكندر، <وسمّتها حمهين>. <وأمّا> دارا ولدها فهو أوّل ملك وضع سكك البريد، ورسم فيها بإقامة دوابّ مجدّمة الأذناب فسمّيت: برثه ذنب. ثمّ عرّبوا الكلمة وحذفوا منها ما نقل، فقالوا: بريد. وبنا بالكورة الأخرى <من بلد فارس مدينة وسماها دارا بجرد التي أنشأها دارا فسمّى الكورة باسمه وكانت تسمّى قبل ذلك استان فركان، وهو أعلم>.

стр. 710

ذكر الطبقة الثالثة من ملوك الفرس (١٧٩) هؤلاء الطبقة الثالثة من الملوك فأوّلهم الإسكندر ذو القرنين؛ مدّة ملكه أربع عشرة سنة، رأي حمزة. اسكا بن اسكان اثني وخمسون سنة، شابور بن اشك أربع وعشرين سنة، جودر بن شابور خمسون سنة، <ثمّ ملك ابن أخيه ونحن> بن بلاس أحد وعشرين سنة، <ثمّ ملك> جودر الأصغر ابن ونحن بن بلاس تسع عشر سنة <ثمّ ملك> نرسي بن ونحن أخو جودر الأصغر ثلاثون سنة، <ثمّ ملك> هرمز بن بلاس بن شابور سبع عشر سنة، <ثمّ ملك> فيروز بن هرمز اثنتا عشر سنة، <ثمّ ملك> خسرو بن فيروز أربعون سنة، <ثمّ ملك أخوه> بلاس بن فيروز، مع اختلاف فيه، أربع وعشرين سنة، وقيل: مروان اردوان بن بلاس خمسون سنة، هذا رأي حمزة، ولم أر لغيره في ذلك قول.

стр. 711

وهؤلاء هم الطبعة الثالثة من الملوك، ويعرفون بالأشغانيّة وهم ملوك الطوائف، وأوّلهم الإسكندر الروميّ المقدونيّ. وذلك أن كانت أرض المغرب تحمل الإتاوة إلى ملوك فارس. فلمّا ملك الإسكندر، نفذ دارا بن دارا يطلب منه الإتاوة على جري العادة. فقال الإسكندر لرسوله: قل له: إنّ الدجاجة التي كانت تبيض إلى الآن انقطع البيض عنها. فكان ذلك سبب الحرب بينهما. ثمّ خرج الإسكندر وقصد دارا بن دارا وناصبه الحرب. فغدر بدارا بعض حماة ظهره ورماه بسهم فقتله تقرّبا للإسكندر، وقيل غير ذلك، ما ذكره ابن ظفر، صاحب كتاب نجباء الأبناء، وكتاب سلوان المطاع، فإنّه قال: إنّ الإسكندر قتل دارا بن دارا بيده مبارزة في ميدان الحرب. وعلى الجملة انضاف ملك فارس إلى الإسكندر وتزوّج بابنته. وقال حمزة الإصفهانيّ: وإنّ الإسكندر أسرف في إهراق الدماء واجتمع في عسكره من وجوه فارس وأشرافها سبعة آلاف أسير مقرّنين في الأصفاد، يدعوا بهم كلّ يوم فيقتل أحد وعشرين نفرا، ثمّ يردّ الباقي. وجعل يطوف البلاد، فوصل الهند والصان (١٨٠) وأطاعه ملوك تلك الأقاليم.

стр. 712

وقال القضاعيّ: بلغ الظّلمات وسار فيها ثمانية عشر يوما يطلب عين الخلد، ثمّ قفل راجعا نحو العراق، فمات بشهرزور قبل وصوله إلى بابل، وكان قد جعلها تلّ تراب. ولمّا مات حمل في تابوت من ذهب إلى أمّه بالإسكندريّة. وكان عمره ستّا وثلاثين سنة ومدّة ملكه أربع عشرة سنة. ولمّا وصل إلى مقصده وحصل على غرضه من قتل الأشراف وذوي الأقدار من الملوك، كتب إلى أرسطوطاليس يقول: إنّي قد قدرت على جميع من في الشرق بقتلي ملوكهم وتخريبي معاقلهم، وقد خشيت أن يظافروا بعدي على قصد بلاد المغرب، فهممت أن ألحق بأولاد الملوك والرؤساء بمن قتلت من آبائهم، حتّى لا يبقى طالب لهم، فما الرأي؟ فكتب إليه يقول: إن أنت قتلت أبناء الملوك أفضى الملك إلى السّفّل والسّقّاط؛ وهؤلاء إن ملكوا قدروا، وإذا قدروا جاروا وطغوا وظلموا، أفكان الذي يخشى من مغزاهم أفضع؟ ولكن الرأي أن تجمع أبناء الملوك، فتملّك كلّ واحد منهم إقليما محدّدا وكورة واحدة، فإنّهم ليتنافسوا فيما بينهم ولا تجتمع لهم كلمة، وتتولد بينهم العداوة على ما بأيديهم من الأعمال، ويمنعهم ذلك من التفرّغ والقصد عن ما بعد عنهم. قال: فكان هذا سبب قسمة الإسكندر ممالك الشرق على ملوك الطوائف.

стр. 713

ونقل من بلدانهم علم النجوم والفلسفة والطبّ والحراثة، بعد أن حوّلها إلى اللسان اليونانيّ والقبطيّ. وقيل <عن الإسكندر> إنّه قال لأرسطوطاليس: ضع لي كتابا في السياسة أنتفع به. فوضع له كتابا. فقال: إنّ الحروب شغلتني عن استيعاب مطالعته، فلو اختصرته بكلمات يسهل حفضها عليّ. فاختصره في سبع كلمات، جعل كلّ كلمة آخرها أوّل الأخرى، وجعلها كالدائرة، وهي هذه: العالم بستان سياجه الملّة؛ الملّة شريعة يقوم بها الملك؛ الملك راع يعضده الجيش؛ الجيش أعوان جمعهم المال؛ المال رزق تجمعه الرعيّة؛ الرعيّة عبيد يسترقّهم العدل؛ العدل (١٨١) مألوف، به قوام العالم. وقيل له: لم تعظّم معلّمك أكثر من أبيك؟ فقال-وهو في سنّ طفولته: لأنّ أبي سبب حياتي الفانية، ومعلّمي سبب حياتي الباقية. وقيل: إنّه هو هذا المذكور في القرآن، وأصله من أهل قرية بقرب الإسكندريّة تعرف بلوبية. وفي تسمية ذي القرنين عدّة أقوال، الأوّل: أنّه رأى في منامه أنّه أخذ بقرني الشمس فسمّي بذلك. الثاني: أنّه بلغ قرني الأرض، وقيل: غير ذلك، والله أعلم. وأمّا ذوي القرنين الأكبر، فيقال: إنّه أوّل القياصرة وهو من ولد سام بن نوح. وقيل: بل من أولاد يافث. ويقال: إنّه لقي إبراهيم، ﵇، وطاف البلاد والخضر على مقدّمته، وهو الذي سدّ على يأجوج ومأجوج، حسبما تقدّم من الكلام أوّل هذا الكتاب، وأنّه حكم

стр. 714

لإبراهيم، ﵇، ببئر كان احتفرها لماشيته ونازعه فيها أهل الأردنّ. هذا ما رواه الطّبريّ. وروى ابن عبّاس، ﵁، أنّ اسمه: عبد الله ابن الضحّاك. وفي تسميته ذي القرنين أيضا أقوال، أحدها ما رواه ابن عبّاس عن النبيّ ﷺ ، قال: «لم يكن نبيّا، لكن كان عبدا صالحا، بعثه الله إلى قومه فضربوه على قرنه فقتلوه، ثمّ أحياه الله تعالى وبعثه إلى قومه فضربوه في قرنه الآخر فقتلوه، فسمّى بذلك». وقيل: إنّه كان له شبه القرنين. وقيل: إنّه كانت صفحتي رأسه من نحاس. وقيل: إنّه بلغ قطري الأرض، وكان موته ببابل. وروي أنّه قيل له: إنّك لا تموت إلاّ على أرض من حديد وسماء من خشب. وكان يدفن كنوز كلّ إقليم في أرضه. فبلغ بابل وفرغ من دفن كنوزه، فرعف حتّى سقط عن جواده، فبسطت تحته درع من حديد، فأحرقته الشمس، فأظلّوه بترس من خشب. فلمّا نظر ذلك علم أنّه ميّت، والله أعلم. ولمّا مات الإسكندر حصلت البلاد في أيدي ملوك الطوائف. فرفعوا ما بينهم الحرب والنحارات. فكان الواحد منهم إنّما يغلب صاحبه بعويص المسائل. (١٨٢) وكان أحد ملوك الطوائف مجاورا لأعمال الروم، فلقى عسكر الروم مجتمعا، فقتل ملكهم واستباح عسكرهم وانصرف إلى العراق بالسبايا. فكانت هذه العداوة سببا لإخراج الروم ذخائرها وأموالها وإنفاقها على بناء مدينة حصينة تنقل إليها دار الملك من رومية، لقرب دار الملك من بلاد سلطان فارس. فوقع اختيارهم على رقعة أرض القسطنطينة، فبنوا

стр. 715

بها الأبنية ونقلوا الملك إليها، وملكهم إذ ذاك: قسطنطين ابن هيلاني، وقد تقدّم ذكره. وهكذا غزا حودراس بن أشك بني إسرائيل بالشام، فأخرب مدينتهم أورشليم، ووضع السّيف فيها، فأسرف في قتل اليهود، وسبى منهم السبي العظيم، وكان ذلك بعقب قتل يحيى، ﵇. وقد كان غزاهم قبل ذلك طيطوس ملك رومية، بعد ارتفاع المسيح. فقتل وسبى؛ هذا نقل كلام حمزة، وهذه الطبقة الثالثة من الملوك، وهم ملوك الطوائف، حسبما تقدّم من أسمائهم ومددهم. وقال غير حمزة من المؤرخّين: كانت مدّة ملوك الطوائف إلى حين تغلب أردشير بن بابك على سائر الممالك، مائتي سنة وستّين سنة. ولم تزل مملكة فارس متفرّقة إلى الطبقة الرابعة، كما يأتي ذكر ذلك يتلوا هذا الكلام، إن شاء الله تعالى. ذكر ملوك الطبقة الرابعة من الفرس وهم الساسانيّة هذه الطبقة الرابعة من ملوك الفرس المتّصلة بالإسلام. فأوّلهم أردشير بن بابك، منذ خلص له لأمر ثمان عشرة سنة-رأي بهرام الموبد؛

стр. 716

وما يراه الكسرويّ: عشرون سنة إلاّ شهر واحد؛ وما يراه حمزة الإصفهانيّ: أربعة عشر سنة ونصف، ثمّ ملك شابور بن أردشير-عن رأي بهرام الموبد ثلاثين سنة؛ الكسرويّ اثنان وثلاثون سنة؛ حمزة: ثلاثون سنة وشهر واحد. ثمّ ملك هرمز بن شابور-عن رأي بهرام سنتان؛ الكسرويّ: سنة وعشرة أشهر (١٨٣) بموافقة حمزة. ثمّ ملك بهرام بن هرمز-برأي بهرام-ثلاث سنين؛ حمزة والكسرويّ: تسع سنين وأربعة أشهر. ثمّ ملك بهرام بن هرمز بن هرمز بن شابور برأي بهرام الموبد: سبع عشرة سنة؛ وكذلك وافق حمزة. وقال الكسرويّ: ثلاثة وعشرين سنة. ثمّ ملك بهرام بن بهرام بن هرمز-برأي بهرام-أربعون سنة وأربعة أشهر؛ حمزة والكسرويّ: ثلاث عشرة سنة. ثمّ ملك نرسه بن بهرام بن بهرام بن هرمز؛ رأي بهرام الموبد: تسع سنين؛ حمزة والكسرويّ: سبع سنين. <ثمّ ملك> هرمز بن نرسه بن بهرام بن بهرام بن هرمز؛ رأي بهرام الموبد: سبع سنين؛ الكسرويّ: تسع سنين وثلاث أشهر؛ حمزة: ثلاث عشرة سنة <ثمّ ملك> شابور بن هرمز بن نرسه بن بهرام اثنان وسبعون سنة بالاتّفاق من الثلاث رواة. <ثمّ ملك> أردشير بن هرمز بن نرسه بن بهرام أربع سنين؛ متّفق عليه. <ثمّ ملك> شابور بن شابور بن هرمز بن هرمز بن نرسه خمسون سنة؛ رأي بهرام موبد؛ رأي حمزة: خمسون وأربعة أشهر؛ رأي الكسرويّ: اثنان وثمانون سنة. <ثمّ ملك> بهرام بن شابور بن هرمز بن نرسه برأي بهرام: إحدى عشر سنة؛ الكسرويّ وحمزة: اثنا عشر سنة. <ثمّ ملك> يزدجرد بن بهرام بن شابور بن هرمز؛ لم أجد له مدّة من الثلاث رواة، لكن استثنا حمزة وقال: أظنّ أنّه أقام اثنان وثلاثون سنة. <ثمّ ملك> يزدجرد بن يزدجرد بن بهرام بن شابور؛ رأي بهرام:

стр. 717

إحدى وعشرين سنة وخمسة أشهر؛ الكسرويّ وحمزة: اثنان وعشرين سنة. <ثمّ ملك> بهرام جور بن يزدجرد بن يزدجرد برأي بهرام عشرون سنة إلاّ اثني عشر يوما؛ الكسرويّ وحمزة: ثلاث وعشرون سنة. <ثمّ ملك> يزدجرد بن بهرام جور بن يزدجرد بن يزدجرد برأي بهرام الموبد أربع عشرة سنة وأربع شهور؛ الكسرويّ ثمان عشرة سنة وخمس شهور، وكذلك رأي حمزة. <ثمّ ملك> بهرام بن يزدجرد بن بهرام جور. لم أجد من ذكر مدّته غير الكسرويّ، فقال: ستّ وعشرون سنة وشهر واحد. <ثمّ ملك> فيروز بن يزدجرد بن بهرام جور؛ (١٨٤) رأي بهرام: سبع عشرة سنة؛ الكسرويّ: تسع وعشرون سنة؛ حمزة: سبع وعشرون سنة. <ثمّ ملك> بلاش بن فيروز بن يزدجرد بن بهرام جور؛ رأي بهرام: أربع سنين؛ الكسرويّ وحمزة: ثلاث سنين. <ثمّ ملك> قباد بن فيروز بن يزدجرد بن بهرام جور؛ رأي بهرام الموبد: أحد وأربعون سنة؛ الكسرويّ: ثمان وستّون سنة؛ حمزة: ثلاث وأربعون سنة. <ثمّ ملك> كسرى أنوشروان بن قباد بن فيروز بن يزدجرد بن بهرام جور برأي بهرام الموبد ثمان وأربعون سنة؛ برأي الكسرويّ سبعة وأربعون <سنة> وسبعة أشهر؛ رأي حمزة: سبع وأربعون سنة وسبعة أشهر. <ثمّ ملك> هرمز بن أنوشروان بن قباد بن فيروز برأي بهرام اثنتي عشر سنة؛ برأي الكسرويّ ثلاث وعشرون سنة؛ برأي حمزة إحدى عشر سنة وسبعة أشهر وعشر أيّام. <ثمّ ملك> كسرى أبرويز بن هرمز بن أنوشروان ثمان وثلاثون سنة بالاتّفاق. <ثمّ ملك> كسرى قباد بن أبرويز ابن هرمز بن أنوشروان ثمان شهور بالاتّفاق. <ثمّ ملك> أردشير بن شيرويه. الملقب كوجك؛ رأي بهرام: سبع سنين ونصف؛ الكسرويّ

стр. 718

وحمزة: سنة واحدة. شهربراز، ويلقب حرمان، لم يذكره بهرام ولا حمزة. وقال الكسرويّ: ثمانية وعشرون يوما. <ثمّ ملكت> بوران بنت كسرى فيروز برأي بهرام سنة وأربع شهور؛ الكسرويّ وحمزة: سنة وأيّام. <ثمّ ملك> حشنشبنده؛ رأي بهرام: أيّام؛ <رأي> الكسرويّ وحمزة: شهران. <ثمّ ملك> خسره، ويلقب كوتاه، برأي الكسرويّ فقط عشرة أشهر. <ثمّ ملك> كسرى فيروز؛ رأي الكسرويّ: فقط شهرين. <ثمّ ملكت> ارزميدخت بنت كسرى أبرويز؛ رأي بهرام: ستّة أشهر؛ <رأي> الكسرويّ أربعة أشهر؛ حمزة: سنة وأربعة أشهر. <ثمّ ملك> فروخ بن خسره، <و> يلقّب الطفل، برأي بهرام سنة واحدة؛ رأي الكسرويّ وحمزة: شهر واحد. <ثمّ ملك> يزدجرد بن شهريار بن أبرويز بن هرمز عشرون سنة؛ متّفق عليه. وهو آخر ملوك فارس، الذي افتحت الإسلام بلاد فارس في أيّامه، والله أعلم. ذكر نبذ من أخبارهم وبعد أن ذكرنا أسماءهم ومددهم فلنتبع ذلك بشيء من طرف

стр. 719

أخبارهم ونبذ (١٨٥) من تذكارهم، ممّا انتقيته من تاريخ حمزة الإصفهانيّ، صاحب تاريخ إصفهان، وشيء من تاريخ الكسرويّ وألّفت بينهما كلام مختصر يتلوا بعضه بعضا، ما يليق بهذا المكان، وبالله المستعان. هؤلاء الملوك المذكورون هم الطبقة الرابعة من ملوك فارس، وهم الساسانيّة. فأوّلهم أردشير بن بابك، حسبما تقدّم. ولمّا ملك، تغلّب أوّلا على إصطخر. وتقوّى بملك إصطخر على جماعة من ملوك فارس، وذلك أنّه نظر أوّلا في أمور الملك، فرأى كثرة عدد من حوله من الملوك وضيق رقعتهم وقلّة خطرهم وثقل مؤنهم وكلفهم على رعاياهم، مع اتّفاقهم على دين واحد. وهؤلاء هم ملوك الطوائف الذين ذكرناهم. فعلم أردشير أنّه لم يجمعهم دين واحد إلاّ بألفة سابقة. فأنكر الخلاف العارض في ممالكهم، وسأل العلماء بحضرته عن ذلك، فعرّفوه أنّ أسلاف ملوكهم ما زال منتظما على سلطان واحد تجتمع الرعايا على طاعته وتنتهي إلى مواسمه، إلى أن انتهى الملك إلى دارا بن دارا، فوافق من رعيّته نفارا عنه وكراهة لدولته. وصادفه خروج الإسكندر الروميّ، وناصبه الحرب، فغدر بدارا خاصّته، فكان من حديث الإسكندر ما تقدّم. فعلم أردشير عند سماعه هذا الكلام أنّه لا سبيل إلى بسط العدل في الرعايا وضبطهم بفنون السياسة حتّى يكون ملكهم واحد، فيكون هو المؤلّف بينهم والباعث لأهوائهم على ما فيه صلاح شؤونهم. فأعمل فكرته فيما يعتمد،

стр. 720

واتّفقت مساعدة من الأقدار، فلم يزل يدأب حتّى أذلّ وأزال ملوك الطوائف عن مملكتهم، واستبدّ بمفرده واستولى عليها، وقتل جميع ملوك الطوائف، وكانوا تسعين ملكا. ومكث في الحروب ثلاثين سنة. وذكر أنّه وجد على نبط العراق ملكا يقال له: أزدوان، وعلى نبط الشام ملكا يقال له: بابا، وكلّ واحد منهما يقاتل (١٨٦) صاحبه على ملكه. فتوافقا على حرب أردشير. فكان أردشير يقاتل بابا يوما، وأزدوان يوما. فكان يقوى على أزدوان ويضعف عن بابا يوما. فرأى من المصلحة مصالحة بابا ليكفّ عنه. فصالحه وتفرغ لأزدوان. فلم يلبث إلاّ يسيرا حتّى قتله واستولى على ما كان بيده. فعندها بايعه بابا، فسمع له وأطاع. فضبط أردشير الملك، وقهر من كان مناوئا له، حتّى عمل برعاياه على ما أراد. وبنى أردشير عدّة مدن، منها أردشير حره، وهي مدينة قوم. ورايا دونه أردشير، وهذا اسم لمدينتين بالعراق وكرمان. فالتي بالعراق هي أحد المدن السبع على غربيّ دجلة، وقد عرّب اسمها. فقيل: بهرشير. والتي بكرمان عرّب اسمها على وضع آخر، فقيل: بردشير وبهرسير،

стр. 721

وهي على شاطئ دجلة بأرض ميسان، ويسميها البصريّون: فرات ميسان. وأما داردشير فهي مدينة على شاطئ دجلة تسمّى كرخ ميسان، وأرام هرمز أردشير، وهي إحدى مدن طبرستان، وهي مزاردشير وهو اسم لمدينتين اختطّها وسمّى كلّ واحدة منها باسم مركّب من اسمه واسم الله تعالى. وأمّا الواحدة فغلب عليها من الأسماء: حان واحمن، وإذا عرّب ذلك قيل: سوق الأهواز. و <أمّا> الأخرى فغلب عليها اسم آخر، فقيل: نهرشير، وأخربها العرب لمّا وردوا خوزستان ونود وأردشير، وهو أحد مدن الموصل. وبنى أردشير أيضا مدينة سمّاها: بني، لأنّ أردشير بنى سورها على جثث أهلها، فإنّهم عصوا أمره، فجعل سورها سافا بناء من لبن وسافا جثثا. وبنى مدن أخر يطول شرحها، فاختصرتها. وأمّا هرمز، وهو الملك الثالث، فكان شبيها بجدّه أردشير في الصورة والقدّ. وهو ابن شابور، وسيأتي ذكر أبيه شابور في موضعه، إن

стр. 722

شاء الله تعالى. وكان هرمز كامل الصورة، ضعيف الرأي ولا أصيلا، وأمّه هي المشهرة بكردراد. وأمّا ولده بهرام فهو الذي ظفر بماني، داعية الزنادقة بعد استتاره وهربه سنتين. فجمع عليه العلماء حتّى ناظروه وألزموه (١٨٧) الحجّة على رؤوس الملأ، ثمّ أمر به فقتل، وسلخ جلده، وحشاه تبنا، وعلّق على أحدى الأبواب جندي شابور. وأمّا بهرام جور فسيأتي لمعا من أخباره في موضعه، إن شاء الله. وأمّا بهرام بن بهرام جور، ويقال له: بهرام <بن> بهرامان، وكان ملقّبا بسكار شاه. والسبب في هذا اللقب وما يجري مجراه، أنّ الملك من ملوك فارس، كان إذا ولى عهد أحد بنيه أو أخوته، لقّبه شيئا يعرف به، فيدعى بذلك اللقب طول حياته في مدّة ولاية أبيه كان أو أخيه. فإذا عاد الملك إليه سمّي حينئذ: شاهنشاه. وعلى هذا أجري أمر بهرام الملقّب بكرمان شاه. وكان أنوشروان يلقّب في حياة أبيه بفرشحاد شاه، وهو الملك

стр. 723

على طبرستان. لأنّ بفرا اسم للجبل، وسحار اسم للسهل، وكرا اسم للتّلال والهضاب، وشكار اسم لسجستان؛ فركّب من هذه الأسماء ألقاب بعض الملوك. وكذلك كلّ من تلى منهم مكانا في حياة الملوك في ذلك الوقت، تركّب من اسم ذلك المكان الذي يليه، ويضاف إليه اسم شاه، فيستقرّ ذلك. وأمّا شابور بن هرمز، تاسع الملوك، فهو ذو الأكتاف. سمّي بذلك لأنّه لمّا غزا العرب فكان يثقب أكتافهم ويجمع بين كتفي شخصين بحلقة ثمّ يتركهما. فسمّته العرب: ذو الأكتاف، والفرس تسميّة شابور هو سا، وهو اسم الكتف بالفارسيّ. وذكر أنّ أباه مات وهو جنين، فعقد التاج على بطن أمّه. ومن أخباره أنّه دخل إلى بلاد الروم متنكّرا وحضر بعض كنائسهم، فعرفوه وأسروه. وقد ذكر قصّته ابن ظفر في كتابه المسمّى بسلوان المطاع، فتركته لكونه مشهور في أيدي الناس. ومدّة ملكه اثنان وأربعون سنة باتّفاق الجماعة، منها تكون سنة كان مقيما فيها بجندي شابور من أوّل بلاده، ثمّ تحول إلى المدائن، فأقام بها بقيّة عمره.

стр. 724

وقيل: إنّه لمّا ظفر بملك الروم ألزمه أن يعيد جميع ما أخربه من الطين واللّبن وبالجصّ والآجرّ. لا جرم أنّ سور مدينة جندي شابور بعضه بالآجر والجصّ وبعضه بالطين واللبن. (١٨٨) وفي زمانه كان ادرياد الذي أذيب النحاس على صدره. وبنى عدّة مدن، منها برزخ شابور وإيوان حرة شابور وهي في السوس. وبنى مدينة أخرى إلى جانبها. وإنّ إحدى هتين المدينتين خرج أهلها عن أمره فأرسل الفيلة حتّى داسها، وجاء بسبي من الروم فأنزلهم بها. وأمّا أردشير بن هرمز، وهو عاشر الملوك، فإنّه ملك أربع سنين، متّفقا عليه، حتّى أدرك ابن أخيه شابور وخرج عن حدّ الطفوليّة، وسيأتي خبره بعد ذلك، إن شاء الله تعالى. قال موسى بن عيسى الكسرويّ: إن هذا الذي عقد التاج على بطن أمّه. وليس كذلك، بل أبيه شابور. وأمّا بهرام بن شابور، وهو الثاني عشر من ملوكهم، فإنّه كان ملتهيا بنفسه، ولم يقرأ شيء من أحوالهم في طول أيّامه ولا نظر في مظلمة ولا

стр. 725

قرأ قصة. ولمّا مات وجدت الكتب الواردة عليه من الكور بختومها، لم تفضّ. وأمّا يزدجرد ولده، الثالث عشر، فإنّ الكسرويّ تفرّد بذكره. ووصل غيره يزدجرد الأثيم، وهو الرابع عشر، ببهرام. قال الكسرويّ: أمّا القول في ملوك بني ساسان، فلعلها لإهمال النّقلة، ولعلّهم أتوا في ذلك من أجل تشابه الأسماء. فمن ذلك يزدجرد الأثيم، فإنّه كان ذا سياسة مرضية وأمانة وديانة. وبلغ من وفائه وأمانته أنّ أحد الملوك من الروم في زمانه حضرته الوفاة وله ابن صغير، فأوصى إلى هذا-يزدجرد الأثيم-أن ينفذ إليه من رجال مملكته خليفة يقوم بأمر الملك إلى حين صلاح ولده، ففعل ذلك، وردّ ملك أبوه على ذلك اليتيم بعد صلاحه، فسمّي يزدجرد الأثيم. وأمّا يزدجرد بن يزدجرد، وهو الرابع عشر عند الكسرويّ، والثالث عشر عند غيره. وكان كثير الظّلم والعسف. وأمّا ابنه بهرام جور فكانت له آثار عظيمة في الهند والترك والروم، وسيأتي ذكره ونبذ من أخباره في موضعه، إن شاء الله تعالى. وكان قد أمر الناس أنّهم لا يستمرّون في أشغالهم وعمل صنائعهم إلاّ إلى نصف النهار، ثمّ يبطلون. ونها أنهم لا يشربون بغير طرب.

стр. 726

(١٨٩) وأمّا يزدجرد بن بهرام جور-على رأي الكسرويّ، وقال غيره فيروز بن يزدجرد-فقد بنى بأرض الهند، مدينة وسمّاها: رام فيروز، وأخرى سمّاها: روشن فيروز، وبنى أخرى بناحية جرجان، وأخرى بناحية أذربيجان، وابتنى حائطا وراء النهرين. وأمّا ولده بلاش بن فيروز، فمن آثاره مدينتان، بنى أحدهما بساباط المدائن، وسمّاها: بلاش بابروي، والأخرى بجانب حلوان، وسمّاها: بلاشقر. وأمّا قباد بن فيروز، ويعرف بالزّنديق، ويسمّى: سك راي، وتولّى مرّتين. أمّا أوّل مرّة فمكث فيها سنتين، وهرب لمّا خلع، عندما خلط في الدين. ولأجل ذلك سمّي زنديقا. وملك أخوه مدّة ثمّ أعيد قباد، فملك بقيّة المدّة التي تقدّم ذكرها أوّلا. وكان جاماسف بن فيروز متقدّما في صناعة النّجوم من الأحكام، وله في ذلك كتاب تقدّم فيه الأخبار عن أحوال كثير من الملوك والأنبياء، لكنّ أهل التاريخ أسقطوا اسمه لأنّ ولايته في مدّة فتنة مزدك، فأدرجوها في مدّة ملك أخيه قباد.

стр. 727

وبنى قباد مدن عدّة منها مدينة بين حلوان وشهرزور، وهي إيران شاد كواذ، وأخرى بين جزجان وإيرشهر، لم أقف على اسمها. وأمّا ولده أنوشروان كسرى، ويسمّى: الملك العادل، فإنّه سار أحسن السّير وأعدلها. وبنى عدّة مدن، منها مدينة دخلت في أعداد المدن السبع، وهي المسمّاة رومية المدائن، واسمها بالفارسية: أيدنوا حسره، ومعنى ذلك الاسم إذا عرّب: خير من أنطاكية. وأمّا كسرى أبرويز بن هرمز فإنّه حصل في داره ثلاثة آلاف حرّة واثنا عشر ألف أمة برسم الخدمة وأصناف الملاهي. وكان على حرسه ستّة آلاف رجل، وفي إصطبله ثمان آلاف وخمس مائة دابّة برسم ركابه لنفسه، سوى ما للخاصّة والحشم، وتسع مائة وخمسون فيلا، واثني عشر ألف بغل لحمل الأثقال، وعشرين ألفا من البخاني. وسخط على النّعمان بن المنذر فاقتلعه من البادية ورمى به تحت

стр. 728

أرجل الفيلة، واستباح أمواله وأهله وولده، وأمر أن يباعوا بأوكس الأثمان. (١٩٠) وفي زمانه بعث سيّدنا رسول الله ﷺ . وكتب بادان، وهو عامل أبرويز على العرب، إلى أبرويز يقول له: إنّه قد نجم بجبال تهامة داعية خفيّ أمره، قليل أشياعه، يزعم أنّه نبيّ، وبربرته العرب، ونصبت له الحرب، إلاّ اليسير ممّن أجابه وتبعه. فكتب إليه كسرى أبرويز: اذهب إليه واتني برأسه. وإنّ رسول الله ﷺ ، علم بذلك، فكتب إلى بادان، أن «اعلم أنّ الله ربّي وعدني أن يقتل كسرى في يوم كذا وكذا». فتربّص بادان حتّى ينظر ما يكون من أمر رسول الله ﷺ . فقتل أبرويز في الوقت الذي عيّنه رسول الله ﷺ ؛ قتله ولده قباد. وكان أبرويز يلقّب بالملك العزيز. وأمّا قباد، ولقبه شيرويه، فإنّه بعد أن قتل أباه أبرويز أحسّ من إخوته نبوّ عنه، فقتل ثمانية عشر أخا كانوا له، وعدّة من أبنائهم. فلا جرم اضطّروا عند فقد الرجال مع قصر مدّة شيرويه. فإنّه قيل: لم يعش بعد قتل أبيه إلى ستّة أشهر حتّى ملّكوا ولده أردشير بن شيرويه <و> كان طفلا، ولقبه كجك أو كوجك. ولمّا بلغ شهريزان، صاحب ثغر المغرب، أنّهم ملّكوا صبيّا أقبل حتّى دخل عليه داره فقتله. وتملّك-على زعم موسى بن عيسى الكسرويّ

стр. 729

-هذا شهريزان، بعد قتل الصبيّ شهرا وثمانية أيّام؛ ويسمّى جرهان. قال ابن قتيبة: ملك جرهان اثني وعشرون يوما، ثمّ قتلته المرة وتملّكت بعده. فإنّهم اضطرّوا إلى تمليك النساء لعدم النسل من الرجال، لأجل ما أفاهم شيرويه. وهذه بوران دخت بنت أبرويز، وتلقّب بالسّعيدة، وأمّها مريم بنت هرقل ملك الروم، وهي التي ردّت خشبة الصليب على الجاثليق. ووصل إلى النبيّ ﷺ ، خبر تلك بوران، فقال: «لن يفلح قوم تملكهم امرأة». ثمّ ملك بعد بوران هذه حشنشبنده، وبعض الناس تسمّيه: فيروز حشنشبنده، وليس (١٩١) من عنصر الملك. وملك بعد خسره، على ما زعم الكسرويّ أيضا، ولقّب كوتاه. ويقال: هو خسره بن قباد بن هرمز بن أنوشروان. قال ابن قتيبة: هو خسره بن قباد، ولد بأرض التّرك، ومدّة ملكه ثلاث شهور. ثمّ تولى الملك فيروز بن بهرام حسيس المسمّى حرشده. عدّه

стр. 730

الكسرويّ وأسقط غيره. ووصل ولاية بوران بنت كسرى أبرويز إلى حشنشبنده، ولا فصل بينهما. ثمّ تولى الطفل الملقب فروخ خسره. وقال بعض المؤرّخين: إنّه تولّى يوما واحدا. ثمّ تولّى بعده يزدجرد بن شهريار بن كسرى أبرويز، ويلقّب بالملك الأخير. وكان قد خلص من القتل على يد مرضعته، أخفته من شيرويه واحتالت له حتّى أخرجته من المدائن، وسيّرته إلى بعض الأطراف حتّى كبر. ولمّا تولّى لم يزل في حروب متوالية إلى أن قتل بمرو في أيّام خلافة الإمام عثمان بن عفّان، ﵁، سنة إحدى وثلاثين من الهجرة. ولمّا انتقل يزدجرد من العراق، بعد أن أقام بالمدائن ثمان سنين على الضعف، أخرج ما قدر عليه من الذخائر مع نسائه وولده وحشمه. فكان فيمن أخرج معه ألف طبّاخ وألف حوسيان وألف فهّاد وبازيار. وخرج معه خرداد بن حرهر، أخو رستم صاحب القادسيّة، حتّى أورده إصفهان ثمّ كرمان ثمّ مرو،. وسلّمه إلى ماهويه، مرزبان مرو. وركب إليه، وكتب عليه سجلاّ بتسلّمه الملك منه. ورجع خرداد إلى أذربيجان.

стр. 731

وإنّ ملك الهياطلة قصد حرب يزدجرد فمالأه ماهويه على قتله. فأولاد ماهويه إلى اليوم يسمّون بمرو ونواحيها: خداه كشان، لذلك. وقال بهرام الموبد: إنّ الطبقة الرابعة من الملوك من بني ساسان ثمانية وعشرين ملكا، وإنّ مدّتهم أربع مائة سنة وستّ وخمسون سنة وشهران غير أيّام، وذلك خارج عن ثلاثين سنة كانت مدّة حرب أردشير مع ملوك الطوائف. فتكون (١٩٢) جميع المدّة من بداية التناسل من عهد كيمورث-على زعمهم أنّه آدم أبو البشر-وإلى آخر الملوك الساسانيّة، وهي الطبقة الرابعة حسبما سقناه: أربعة آلاف سنة وأربع مائة سنة وعشرة سنين تنقص شهرين وعشرة أيّام، ملك فيها ستّة وستّون ملكا-هذا رأي بهرام الموبد. وقال موسى بن عيسى الكسرويّ: إنّي بحثت عن تاريخ ملوك الفرس الذين تملّكوا بعد الإسكندر، وهم الأشغانيّة والساسانيّة، وقابلت ذلك بتاريخ الإسكندر، وهو تاريخ صحيح مضبوط. وقد صحّ أنّ أوّل المحرّم سنة إحدى للهجرة، وكان موافقا لخامس عشر تمّوز سنة ثلاث وثلاثين وسبع مائة لذي القرنين. فزدت على ذلك لما بين ابتداء الهجرة وانقضاء دولتهم بهلاك يزدجرد ملكهم، أربع سنين، فبلغ ذلك تسع مائة وثلاثة

стр. 732

وسبعون سنة، تقصر قريبا من شهرين ونصف. وإنّي خطّطت عن ذلك لمدّة ملك الأشغانين مائتين وستّ وستّين سنة. فبقي مقدار ملك ملوك بني ساسان من أوّل ملك أردشير بن بابك إلى آخر هلاك يزدجرد سبع مائة سنة وسبع وستّين سنة إلاّ شهرين ونصف. هذه حكاية كلام الكسرويّ، نقله عن حمزة. وهذا كلام كما يرى من الفساد والخبط، وهذا تفاوت كبير بين قول بهرام الموبد وبين قول الكسرويّ على قول حمزة الإصفهانيّ. فإنّه يقول: جميع ملوك الفرس ستّون ملكا في مدّة أربعة آلاف سنة واثنين وسبعين سنة إلاّ أحد وأربعين يوما، منها بني ساسان أربع مائة سنة وثمانون سنة تنقص لأربعين يوما. قلت: وهذا تفاوت كبير واختلاف بيّن، والله أعلم بالصواب. وقد انتهى ما اخترته من كلام الإصفهانيّ والكسرويّ. وقد وقفت على نبذ لطاف لابن ظفر، صاحب كتاب: نجباء الأبناء وسلوان المطاع، تختصّ بهؤلاء الملوك، والزبد من (١٩٣) سيرهم، من طريق الاختصار. وزعم الفرس أنّ أردشير بن بابك-وهو أوّل ملوك هذه الطبقة الأخيرة، وهي الطبقة الرابعة من ملوكهم، حسبما سقّناه بعون الله تعالى- لمّا قهر ملوك الطوائف وجمع كلمة الفرس على سبيل واحد ومدّ أسباب

стр. 733

المصالح وحسم أطماع الأعداء، مرض مرضا شديدا، فجزع لمرضه خاصّته ورعيّته. فبينا هو نائم إذ سمع ضجّة عظيمة قد طبّقت الجوّ، فسأل عن ذلك، فقيل له: هذه ضجّة رعيّة الملك، اجتمعوا يدعون له بالسلامة وتعجيل العافية. فأمر بإحضار موبدان موبد، وهو حافظ دين حفظة الدين، وإحضار الموابدة، وهم حفظة الدين، وإحضار الهرامزة، وهم خلفاء الموابدة، وإحضار الاصفهيد، وهو حافظ عدّة الجيش، وهو أمير الأمراء، وإحضار المرازبة، وهم قوّام الثّغور وأمراء الجيوش، الواحد منهم مرزبان، وهم يكونون أربعة، كانوا لا يفارقون حضرة الملك، وهم خلفاء من قبلهم على الجيوش في أطراف إقليم بابل من جهاته الأربع، يحرسون الممالك من الأمم المجاورة لها. فلمّا حضروا أدخلوا على الملك أردشير في مجلسه، وقد سدل بينه وبينهم حجاب. وقام المتكلّم عن أردشير، فقال لهم: إنّكم من الملك بمرأى ومسمع. وإنّه سمع ضجّة فسأل عنها، فأخبر أنّها أصوات رعيّته، تدعو الله له. <فسأل>: أفحقّ هذا؟ فقال موبدان موبد: حقّ ما قيل للملك شاهان شاه، وإن نفوس رعيّته لتسمح بأموالها وأولادها فدية له، و <هو> أهل ذلك ومستحقّه منها.

стр. 734

فتكلّم أردشير بصوت ضعيف خافت، فشكر الله تعالى على ذلك، ثمّ قال: إنّ الانحلال والدثور لمحرّمتان على عالم التركيب، وإن نهلك فبعد أن أعدنا الملك الذي كان غرب إلى مشرقه، والدين الذي كان هرم إلى شبابه؛ ثمّ هذا ولدنا شابور قد علمنا عناية مقبض (١٩٤) العقل منه وقوّة إمداده له، وإن شئتم فاختبروه-وكان شابور إذ ذاك ابن ثمان سنين- وسكت أردشير. فنكّس القوم رؤوسهم وصمتوا. فقال أردشير: ليقل الموبدان موبد بالصّدق الذي هو أهله. فقال الموبدان موبد: قد علم شاهان شاه، وكلّنا له الفداء، أنّ جماعة من المتغلّبين، قد كانوا ركبوا الأسرّة وحملوا التّيجان، ونظروا بالنّفع والضّرّ، ونطقوا بالحياة والموت، ثمّ تركوا ذلك كلّه، لا لزهد فيه، ولكن لأنّ شاهان شاه اضطرّهم إلى تركه، وتيجانهم بعد في خزائنهم، وأسرّتهم في مجالسهم، وسيوفهم على عواتقهم، وأعوانهم نصب أعينهم. ولسنا نأمن إذا علموا أنّ هذه المملكة التي هي لمالك الأقاليم كالواسطة

стр. 735

للعقد وقد صارت إلى صبيّ، أن ينيبوا على أسرّتهم ويضعوا تيجانهم على رؤوسهم، والخصم حاضر، والكلم يدمى، والعهد بالشباب قريب، فيعود الملك على غروبه، والدّين إلى هرمه. ومع هذا، فعبيد شاهان شاه مفوّضون إلى اختياره وراضون بحكمه. فقال أردشير: ليحضر ولدنا شابور. فأحضر شابور في محفّة من العود الرّطب مصفّحة بالذهب. فوضعت المحفّة بباب المجلس. ومثل شابور قائما على قدميه. ثمّ سجد في المحفّة، ثمّ قام فخرج منها، فخطا خطوة واحدة وثبت مكانه. فرفع الحجاب عن أردشير وأمر شابور بالدخول. فسجد ثمّ قام فاقترب من سرير والده، وقال أردشير مخاطبا لموبد موبدان: أيّها الفاضل المخصوص من الربّ بحفظ الدين الذي هو قوام العالم، اذكر لولدنا شابور ما ذكرته لنا. فأعاد موبدان موبد كلامه. ثمّ قال أردشير: ليجب ولدنا شابور لما سمع، بما عنده فيه. فقال شابور: لشاهان شاه المدح الخالد خلود النهار والليل، بعد حمد الربّ المخصوص بالعبادة، (١٩٥) ليعطى شاهان شاه عمر كيومرث،

стр. 736

ويملّكه ممالكه. أمّا إذا أذن في الإجابة، فليعلم الحاضرون من حفظة الدين وحفظ الملك، أنّ رعيّة الملك مريدون تقوى عقله لا تقوى أعضائه، ومحروسون بمضاء جنانه لا بمضاء سيفه، ومثمرون بعظم همّته ولطافة فطنته وكرم سجيّته، لا بضخامة جسمه وتقدّم مولده. ومن كان جزءا من شاهان شاه أردشير فحسبه؛ ثمّ سكت. فقال أردشير: بل أنت أيّها الولد كلّ نفوسنا، لا جزء منها. فخرّ الحاضورن وشابور سجّدا. ولم يبق من الجماعة إلاّ من اعترف بفضله وإصطلاحه للملك. فبذلوا المواثيق من أنفسهم على الانقياد له. قلت: قد تقدّم تفسير موبدان موبد ومن يليه من أرباب دولة الفرس، وبقي قول شابور داعيا لأبيه، أعطاه الربّ عمر كيومرث وكلشاه، وقد تقدّم الكلام أنّ كيومرث هو أوّل ملوك الطبقة الأولى من الفرس. ومعنى كلشاه: ملك الطير، يريدون أنّه ملك الأرض كلّها. ويزعمون أنّه عمّر ألف سنة وخمس مائة سنة، والله أعلم.

стр. 737

وزعم الفرس أنّ شابور ذا الأكتاف، لمّا هلك ترك ابنه شابور بن شابور صغيرا. واختلف مدبّروا ملكه في من يملّكونه. فمال قوم إلى أن يملّكوا شابور بن شابور هذا، لما يرجونه من أخذه سنّة آبائه. ومال الأكثرون إلى أن ملّكوا عليهم أردشير بن هرمز لكفايته، وقالوا: إنّا قد بلونا طمع من يجاورنا من الملوك والأعراب في بلادنا، حين ولّينا شابور جنينا، فلا يعود يملك علينا من لا كفاية له. وغلبوا على الأمر، فولّوا أردشير بن هرمز. ولمّا بلغ شابور بن شابور أنّهم عدلوا عنه بالملك لصغر سنّة، قال أربع كلمات في أربع أوقات شتّى، فحفظن منه. الأولى أنّه قال: ليس من العدل أن يدفع الولد من ميراث أبيه. الثانية أنّه قال: ما عذر قوم ورّثوا الجنين وحرموا الوليد. (١٩٦) يعني أنّهم ملّكوا والده وهو جنين في بطن أمّه، وعقدوا التاج على بطنها، وصرفوا عنه الملك، وهو موجود مولود. الثالثة أنّه قال: لو علم رعيّتنا أنّ الملك كالنّار، لا يمنعها صغرها من عظم التأثير، لما اجترؤوا علينا. الرابعة أنّه قال: إن عاد إلينا حقّنا

стр. 738

يوما، لأذقنا رعيّتنا المعتدين علينا من حلاوة العفو وبرد الإحسان أضعاف ما أذاقونا من مرارة البغي وحرّ الإساءة، أخذا بالفضل وشكرا للربّ. فملك أردشير بن هرمز أربع سنين ثمّ هلك. فعطفوا على شابور بن شابور فملّكوه. ولم يردّهم عنه صغر سنّة لما كان نمي إليهم عنه من الخصائص الكرام. فأوسعهم صفحا وعدلا وطولا، ولم تطل أيّامه. وممّا حفظ عنه حين ملّكوه، أنّه حمد الله على صنعه له، وردّ حقّه إليه. ثمّ قال: إن كان لكم عندنا قضاء بالحقّ وأخذا بالعدل وقولا بالصدق ونظرا بالعطف وسماعا بالحلم وسياسة بالحزم، فإنّا نستثيب بحمد الله من أقلع عن الإساءة ثواب المحسنين، فأحسنوا بنا الظنّ في يومنا، واصرفوا إلينا الأمر في غدنا، وأديموا الرغبة إلى الربّ في معونتنا على طاعته فيكم، والسلام. تزعم الفرس أنّه لمّا ولد يزدجرد بن بهرام الأكبر ولده بهرام جور، أخبره منجّموه بقوّة ميلاده وسعادة جدّه وعظم شأنه ومصير الملك إليه. وأنّه نشى غريبا بين أمّة ذات همم عالية وأحساب زاكية، وأنّه تناول ملكه

стр. 739

من بين ظهرانيهم. فأجال يزدجرد فكرته في الأمم المجاورة له والنائية عنه، فوقع اختياره على العرب. فاستدعى النّعمان بن امرئ القيس اللّخميّ فأحسن إليه وملّكه على العرب وسلّم إليه ولده بهرام جور وجعل إليه حضانته وأمره أن يسير به إلى بلاده. فانطلق به النّعمان بعد أن اختار له أربع (١٩٧) نسوة ذوات أعراق سنيّة، وأبدان زكيّة، وألوان وضيّة، وأخلاق رضيّة، وأذهان ذكيّة، ونفوس أ؟؟؟، امرأتين من العرب وامرأتين من الفرس وأحسنّ القيام عليهنّ، فارضعنه أربع سنين، ثمّ فصلنه. فلمّا استكمل خمس سنين قال للنّعمان: أحضرني من يصلح منّي بأدبه وعلمه. فقال النّعمان: يا بنيّ، أنت صغير السنّ عن ذلك، وإذا بلغت من السنّ ما تطيق فيه المعلّم أحضرتك من يتولّى ذلك منك. فقال له بهرام: أنا-كما قلت-صغير السنّ، ولكنّ عقلي عقل محنّك. أما تعلم أيّها الرجل أنّ كلّما يتقدّم في طلبه قبل وقته، ينال في وقته؟ وما يطلب في وقته ينال في غير وقته؟ وما يفرّط في طلبه يفوت، فما ينال؟ وإنّي لولد

стр. 740

الملك، والملك بإذن الله صائر إليّ. وأولى ما طلبه الملوك صالح العمل <فإنّه> لأزين لهم ولملكهم وبه يقؤون، فعجّل عليّ بمطلوبي منك، أيّها الرجل البارّ. قال: هذا حكيته عن بهرام جور عن ابن ظفر. وقال ابن ظفر: إنّه أثبتها في كتابه من المقالة التي أودعها محمّد بن جرير الطبريّ في كتابه، ونقلها عنها بإسناد صحيح من روايته. والقصد بذكر هذا براءة العهد، إذ كانت النفوس تأبى أكثرها تصديق هذا الحكم إلى ابن خمس سنين، ولن ينكر ذلك من وقف على خصّيصى عقول الملوك ومن طبعه الله على الرئاسة وفطره على سموّ الهمّة وأهّله لسياسة الخلق، فهو بما ذكرناه جدير. وقال: ولمّا سمع النّعمان مقالته، بعث من فوره إلى يزدجرد يسأله أن يرسل إليه رهطا من فقهاء الفرس وحكمائهم ومعلّمي خطّهم، ففعل. وضمّ إليه أولي أدب من حكماء العرب، وألزمه رجلا من عقلاء العرب ودهاتهم، يقال له: حلس، وكان بصيرا بأيّام العرب ووقائعها. ورتّب لكلّ طائفة من أهل تعليمه وقتا من النهار يفيدونه فيه ما عندهم، وأمرهم بالجدّ فيما يراد
следующие страницы →