← История

История · id 18147

كنز الدرر وجامع الغرر

ابن الدواداري

Полный текст (4 323 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

ويملّكه ممالكه. أمّا إذا أذن في الإجابة، فليعلم الحاضرون من حفظة الدين وحفظ الملك، أنّ رعيّة الملك مريدون تقوى عقله لا تقوى أعضائه، ومحروسون بمضاء جنانه لا بمضاء سيفه، ومثمرون بعظم همّته ولطافة فطنته وكرم سجيّته، لا بضخامة جسمه وتقدّم مولده. ومن كان جزءا من شاهان شاه أردشير فحسبه؛ ثمّ سكت. فقال أردشير: بل أنت أيّها الولد كلّ نفوسنا، لا جزء منها. فخرّ الحاضورن وشابور سجّدا. ولم يبق من الجماعة إلاّ من اعترف بفضله وإصطلاحه للملك. فبذلوا المواثيق من أنفسهم على الانقياد له. قلت: قد تقدّم تفسير موبدان موبد ومن يليه من أرباب دولة الفرس، وبقي قول شابور داعيا لأبيه، أعطاه الربّ عمر كيومرث وكلشاه، وقد تقدّم الكلام أنّ كيومرث هو أوّل ملوك الطبقة الأولى من الفرس. ومعنى كلشاه: ملك الطير، يريدون أنّه ملك الأرض كلّها. ويزعمون أنّه عمّر ألف سنة وخمس مائة سنة، والله أعلم.

стр. 737

وزعم الفرس أنّ شابور ذا الأكتاف، لمّا هلك ترك ابنه شابور بن شابور صغيرا. واختلف مدبّروا ملكه في من يملّكونه. فمال قوم إلى أن يملّكوا شابور بن شابور هذا، لما يرجونه من أخذه سنّة آبائه. ومال الأكثرون إلى أن ملّكوا عليهم أردشير بن هرمز لكفايته، وقالوا: إنّا قد بلونا طمع من يجاورنا من الملوك والأعراب في بلادنا، حين ولّينا شابور جنينا، فلا يعود يملك علينا من لا كفاية له. وغلبوا على الأمر، فولّوا أردشير بن هرمز. ولمّا بلغ شابور بن شابور أنّهم عدلوا عنه بالملك لصغر سنّة، قال أربع كلمات في أربع أوقات شتّى، فحفظن منه. الأولى أنّه قال: ليس من العدل أن يدفع الولد من ميراث أبيه. الثانية أنّه قال: ما عذر قوم ورّثوا الجنين وحرموا الوليد. (١٩٦) يعني أنّهم ملّكوا والده وهو جنين في بطن أمّه، وعقدوا التاج على بطنها، وصرفوا عنه الملك، وهو موجود مولود. الثالثة أنّه قال: لو علم رعيّتنا أنّ الملك كالنّار، لا يمنعها صغرها من عظم التأثير، لما اجترؤوا علينا. الرابعة أنّه قال: إن عاد إلينا حقّنا

стр. 738

يوما، لأذقنا رعيّتنا المعتدين علينا من حلاوة العفو وبرد الإحسان أضعاف ما أذاقونا من مرارة البغي وحرّ الإساءة، أخذا بالفضل وشكرا للربّ. فملك أردشير بن هرمز أربع سنين ثمّ هلك. فعطفوا على شابور بن شابور فملّكوه. ولم يردّهم عنه صغر سنّة لما كان نمي إليهم عنه من الخصائص الكرام. فأوسعهم صفحا وعدلا وطولا، ولم تطل أيّامه. وممّا حفظ عنه حين ملّكوه، أنّه حمد الله على صنعه له، وردّ حقّه إليه. ثمّ قال: إن كان لكم عندنا قضاء بالحقّ وأخذا بالعدل وقولا بالصدق ونظرا بالعطف وسماعا بالحلم وسياسة بالحزم، فإنّا نستثيب بحمد الله من أقلع عن الإساءة ثواب المحسنين، فأحسنوا بنا الظنّ في يومنا، واصرفوا إلينا الأمر في غدنا، وأديموا الرغبة إلى الربّ في معونتنا على طاعته فيكم، والسلام. تزعم الفرس أنّه لمّا ولد يزدجرد بن بهرام الأكبر ولده بهرام جور، أخبره منجّموه بقوّة ميلاده وسعادة جدّه وعظم شأنه ومصير الملك إليه. وأنّه نشى غريبا بين أمّة ذات همم عالية وأحساب زاكية، وأنّه تناول ملكه

стр. 739

من بين ظهرانيهم. فأجال يزدجرد فكرته في الأمم المجاورة له والنائية عنه، فوقع اختياره على العرب. فاستدعى النّعمان بن امرئ القيس اللّخميّ فأحسن إليه وملّكه على العرب وسلّم إليه ولده بهرام جور وجعل إليه حضانته وأمره أن يسير به إلى بلاده. فانطلق به النّعمان بعد أن اختار له أربع (١٩٧) نسوة ذوات أعراق سنيّة، وأبدان زكيّة، وألوان وضيّة، وأخلاق رضيّة، وأذهان ذكيّة، ونفوس أ؟؟؟، امرأتين من العرب وامرأتين من الفرس وأحسنّ القيام عليهنّ، فارضعنه أربع سنين، ثمّ فصلنه. فلمّا استكمل خمس سنين قال للنّعمان: أحضرني من يصلح منّي بأدبه وعلمه. فقال النّعمان: يا بنيّ، أنت صغير السنّ عن ذلك، وإذا بلغت من السنّ ما تطيق فيه المعلّم أحضرتك من يتولّى ذلك منك. فقال له بهرام: أنا-كما قلت-صغير السنّ، ولكنّ عقلي عقل محنّك. أما تعلم أيّها الرجل أنّ كلّما يتقدّم في طلبه قبل وقته، ينال في وقته؟ وما يطلب في وقته ينال في غير وقته؟ وما يفرّط في طلبه يفوت، فما ينال؟ وإنّي لولد

стр. 740

الملك، والملك بإذن الله صائر إليّ. وأولى ما طلبه الملوك صالح العمل <فإنّه> لأزين لهم ولملكهم وبه يقؤون، فعجّل عليّ بمطلوبي منك، أيّها الرجل البارّ. قال: هذا حكيته عن بهرام جور عن ابن ظفر. وقال ابن ظفر: إنّه أثبتها في كتابه من المقالة التي أودعها محمّد بن جرير الطبريّ في كتابه، ونقلها عنها بإسناد صحيح من روايته. والقصد بذكر هذا براءة العهد، إذ كانت النفوس تأبى أكثرها تصديق هذا الحكم إلى ابن خمس سنين، ولن ينكر ذلك من وقف على خصّيصى عقول الملوك ومن طبعه الله على الرئاسة وفطره على سموّ الهمّة وأهّله لسياسة الخلق، فهو بما ذكرناه جدير. وقال: ولمّا سمع النّعمان مقالته، بعث من فوره إلى يزدجرد يسأله أن يرسل إليه رهطا من فقهاء الفرس وحكمائهم ومعلّمي خطّهم، ففعل. وضمّ إليه أولي أدب من حكماء العرب، وألزمه رجلا من عقلاء العرب ودهاتهم، يقال له: حلس، وكان بصيرا بأيّام العرب ووقائعها. ورتّب لكلّ طائفة من أهل تعليمه وقتا من النهار يفيدونه فيه ما عندهم، وأمرهم بالجدّ فيما يراد

стр. 741

منهم. فصادفوا منه لقنا فطنا متأنّيا (١٩٨) لما يريدونه منه. فلمّا بلغ من العمر اثنتي عشرة سنة استفاد جميع ما عند معلّميه كلّهم وفاقهم وأربى عليهم، حتّى اعترفوا بفضله وتقدّمه في علومهم. فأثابهم النّعمان وصرفهم عنه إلاّ حلسا، فإنّه ألزمه إيّاه لما كان اجتمع فيه من أشتات المعارف. وأرسل النّعمان إلى يزدجرد يسأله أن يبعث إليه رجالا يعلّمونه الفروسيّة والرّماية وما يحتاج إليه <في> المحاربة، ففعل. وأفادوا بهرام ما عندهم من ذلك في ثلاثة أعوام. ثمّ قدم به النّعمان على أبيه وقد برعت خصاله، وله من السنّ خمسة عشر عاما. وهو أوّل من أخذ الملك بقوّة البدن وشجاعة النفس، وله من ذلك كلام مطوّل يقوم بجزء من الكتب، فأضربت عنه. لكن نظرت إلى خبرين عجيبين أثبتوها له أرباب التاريخ. فمن شغفي بهما أثبتهما أيضا في هذا التاريخ، إذ الشرط أن نحن لا نذكر في هذا الكتاب إلاّ السمين دون الغثّ. < ذكر الخبر الأوّل عن بهرام جور > الأوّل: أنّه لمّا استقرّ الملك له وأقرّ عيون رعيّته بلطف سيرته وحسن نظره وبركة سياسته وعموم رأفته، احتجب عنهم ووسّط بينه وبينهم أفضل وزرائه، ولبث بذلك برهة حتّى ألفت الرّعيّة احتجابه، ثمّ خرج عن بلاده

стр. 742

متنكّرا، ودخل بلاد الهند وطوّف في ممالكها، ونقّب عن همم ملوكها. وبينا هو في حضرة فيروز، عظيم أراكنة الهند، وقد دهمه عدوّ له، كان يواصل غزوه، حتّى بلغ في هضمه في أن يسلبه ملكه. فاضطرب فيروز لمقدمه، وظهر الجور عليه، ولم يجد بدّا من الاستعداد له والبروز إليه، لمدافعته. فقصد بهرام باب الملك فيروز، واستأذن عليه فأذن له. فلمّا وقف بين يديه جعل فيروز يتأمّله، فرأى صورة جميلة وقامة مديدة ومنظرا بهيّا. فقرّبه وسأل عن نفسه، فزعم له بهرام أنّه إسوار من أساورة الفرس، أحدث في بلاده حدثا فخاف ملكه، فهرب منه. وسأله (١٩٩) فيروز عمّا يريد، فأخبره أنّه يريد أن يكون في جملة أتباعه، وأخبره أنّ عنده من الكفاية والغنى ما لا يكاد يوجد عند غيره. وقال له فيما خاطبه به: أيّها الملك، ليصغر عندك خطب عدوّك هذا، وقلّدني حربة أكفك أمره بقوّة الله، . فدخلت فيروز له هيبة، وأحضر رؤساء جنده، فأمرهم بطاعته والتّدبير بأمره في تلك الحروب. ولمّا غشيهم العدوّ خرحوا إليه، فصفّهم بهرام وقال لهم: لست أريد منكم إلاّ حماية ظهري، وأن تتقدّموا إذا رأيتم العدوّ وقد تأخّروا عن مصافّهم، فتقدّموا أنتم بمقدار تأخّرهم، وإذا رأيتموهم قد شوّشوا وتزلزلوا

стр. 743

فاحملوا عليهم جميعا. ثمّ تقدّم بهرام فارسا دارعا متقلّدا سيفا وبيده قوس. وكانت الهند لا تحسن الرماية وأكثرهم رجالة. فحمل عليهم حملة قتل فيها جماعة منهم، ثمّ فرّ، واتّبعه جماعة من فرسانهم، فجعل يرميهم وهو مدبر، فلا يسقط له سهم إلاّ في رجل منهم، فينفذ السّهم منه. فارتدّوا عنه وكرّ عليهم. ففعل بهم أشدّ من فعلته الأولى وقد أدهشهم. فجعل يضرب الرجل فيقطعه نصفين، ويقتلع الفارس فيذبحه بالسيف على قربوس سرجه، ثمّ يضرب به فارسا آخر فيرديه عن فرسه وربّما قتله. فلمّا أثخن فيهم اتّبعوه ففرّ منهم وقتل من تبعه منهم بسهامه. ثمّ كرّ عليهم فخالطهم وجعل يتناول الرجلين منهم بيديه ويضرب أحدهما بالآخر فيقتلهما، ثمّ يضرب بهما الصفّ، فذعروا منه وتصايحوا بينهم: هرميد هرميد، يعني اسم السّلطان بلغتهم، ونكصوا على أعقابهم، وتشوّشت صفوفهم عن مصافّهم. فلمّا رأى ذلك فيروز، أمر جيوشه بالحملة، فحملوا بأسرهم. فانهزم عدوّهم واستباحوه، ولم ينج منهم إلاّ القليل. ولمّا عاد فيروز إلى دار ملكه قرير العين بما تهيّأ له من الظّفر،

стр. 744

(٢٠٠) أحضر بهرام فأجلسه معه على سريره وأطعمه بيده من ورق التّنبل وسقاه بيده كأسا، وقال له: احتكم، فإنّك لا تسألني شيئا إلا أعطيتك إيّاه. فقال بهرام: إنّي أريد أيّها الملك أن تعطيني بعض بلادك إقطاعا. وذكر له بلدين، وهما: الدّيبل ومكران. فأنعم له بذلك فيروز، وكتب له بهما كتابا أشهد فيه على نفسه. ولبث بهرام بعد ذلك عنده أيّاما حتّى أنس به. ثمّ تسلّل فعاد إلى ملكه، وبعث إليه فيروز بهديّة ولا يعلمه أنّه كان ذلك. فأنفذ إليه بهرام كتاب الإقطاع مع رسوله. فلمّا انتهى الرسول إلى فيروز ووقف على باطن القصّة، قال: بحقّ وعدل حكم الربّ لشاهان شاه في ملك أبيه، وأمضى له الإقطاع، وأكرم رسوله، وبعث إليه بكتاب عنوانه: إلى شاهان شاه، ابرار شهر شاه بهرام، من أخيه المعترف بفضله، ملك الحكمة، فيروز. وأصحب رسله هديّة عظيمة الشأن. وكان بعد ذلك ينفذ إليه في كلّ عام خراج الدّيبل ومكران. أمّا قوله: شاهان شاه أي ملك الملوك؛ وقوله: ابرار شهر شاه أي جبّار الجبابرة. وفي بعض لغتهم أيضا: شهر شاه أي ملك السباع، والله أعلم.

стр. 745

ذكر الخبر الثاني عن بهرام جور ما ذكر أنّ خافان ملك التّرك ذكرت عنده قوّة بهرام جور وشجاعته، فحسده حسدا شديدا. وكان لخاقان وزيران، فذكر ذلك لأفضلهما، وسأله التّدبير في هلاك بهرام جور غيلة. فقال له الوزير: إن كتم الملك هذا عن كلّ أحد بلغت له مراده فيه. فوعده كتمانه. ثمّ لبث مدّة وسأل الوزير عمّا منعه، فماطله مدّة أخرى. فلمّا رأى الوزير أنّ خاقان غير مقلع عن مطالبته بذلك، قال له: أيّها الملك، ما لي حيلة فيما كلّفتنيه، وإنّما علّلتك بالتّسويف رجاء أن يزول من نفسك. فإذا لم يكن قد زال فاندب إليه غيري. فغضب (٢٠١) خاقان عليه، وأحضر وزيره الآخر، فأطلعه على الأمر-وكانت فيه شره-فتكفّل لخاقان بما أراد منه، وندب له فاتكا من فتّاك التّرك لا مثل له عندهم في قوّة النفس والبدن، وضمن له إن ظفر ببهرام ورجع سالما أن يقدّمه على الجيوش، وإن هلك دون ذلك أن يشرّف ولده تشريفا يبقى على الدّهر. فضمن له الفاتك ما أحبّ منه من الفتك ببهرام. وأعطاه مالا كثيرا وجهّزه. فاستصحب ذلك الفاتك أخاه وانطلقا حتّى أتيا إلى حضرة بهرام. فاتّجه للفاتك من الحيلة أن يظهر أنّه عبدا لأخيه، ويبيعه أخوه من بعض خدم بهرام. فلم يزل أخوه يتلطّف إلى أن أباعه من حافظ قصر الملك

стр. 746

بهرام، الموكّل بحراسته ليلا. فجعل ذلك الفاتك يتحبّب إلى مشتريه بنصح الخدمة واحتمال المشقّة وحفظ المال حتّى نفق عنده واختصّ به. ثمّ إنّ الحافظ لقصر بهرام تخلّف عن الحراسة لمرض ناله، فأمر الفاتك بانتيابه عنه. وكانت خزائن سلاح بهرام العامّة الخارجة عن قصره بأزاء القصر. فألقى فيها الفاتك النار، ونيط بالحرّاس عن المبادرة إلى إطفائها، حتّى اشتدّ عملها في الخزائن، فارتفعت الضجّة. فخرج بهرام على فرس له، ولا سلاح معه. فدنا منه الفاتك ومعه خنجر قد سقي سمّا قد أخفاه، فرآه بهرام في ضوء النار، فتفرّس فيه الشرّ. فجمع نفسه على ظهر الفرس ثمّ وثب. فإذا هو على الفاتك والفاتك تحته صريعا، فضمّه ضمّة فاستسلم وأظهر الخنجر من بين أثوابه. فانتزعه منه بهرام، وجمع يديه جميعا في يده ليسرى، وانطلق به يقوده حتّى أدخله القصر. فخلّى عنه، وسأله عن أمره، فصدقه الحديث. فقال بهرام: أمّا أنت، فلك ذمّتنا على نفسك أن تكفّ عنّا ونحسن إليك، إذ كنت فيما قصدته طالبا لمرضاة ملك حرّضك على ذلك، وهو مالك عنقك. (٢٠٢) فلم يكن لك إلاّ قضاء

стр. 747

حقّه وطاعته، ونحن نشحّ على نفسك إذ يسمح بها ملكك، ونحفظ منها ما أضاعه، ولنا أرب في حبسك مكرّما مدّة، ثمّ نطلقك ونحسن إليك، فادللنا على أخيك ليكون معك. فدلّه عليه. فأرسل من أتا به، فسجنهما معا في قصره، وأمرهما أن لا يتفوّها بشيء من أمرهما، وإن نطقا به فقد أحلاّ دمهما وبرئت ذمّته منهما. وكان قد رفع إليه بعض عيونه أنّ رجلا من أهل الخراج، له بنت لم يسمع بامرأة تشبهها في حسن الخلق وعظيم الخصائص: طولها ستّة أذرع، وشعرها ينسحب على مواطئ قدمها، وكأنّما كسى جلدها قشور الدّرّ، متناسبة الخلق، بديعة التركيب، دقيقة التّخليط، لا يستطيع من نظر إلى عضو من أعضائها أن يصرف نظره عنه، إلاّ بمجاهدة النفس؛ إذا قابلت عيناها عيني ذي لبّ اضطرب قلبه اضطرابا شديدا، فلا يسكن حتّى يضمّها إلى صدره ويرشف من ريقها، أو تحتجب عنه؛ إذا وجد المحزون ريحها ذهل عن حزنه. فشرهت نفس بهرام إليها.

стр. 748

ثمّ إنّه أقنع نفسه بالأنفة، وتنزّه أن تكون عنده ابنة رجل من رعيّته قد عرفها الناس. فصرف نفسه عنها، ونهى أن تذكر له، ومنع أبيها من إنكاحها، وأمره بحفظها حتّى إذا حدث على بهرام من خاقان ما ذكرنا. فأرسل إلى ذلك العامل، فأمره أن يضيّق على والد تلك الجارية في المطالبة بالخراج ويحمله منه ما لا يطيق، ويضطرّه إلى بيع ابنته-وهذا شيء تفعله أهل الخراج من عامّة الفرس، يبيعون أولادهم ويؤدّوا ما عليهم من الخراج، وصارت لهم بذلك سنّة وعادة. قال ابن ظفر: ولقد حدّثني من أثق به أنّه رأى رجلا هنديّا ينهى؟؟؟ <دوابّه> راجلا يحمل ابنه على كتفه إلى السوق، فباعه من رجل يبيع الأرزّ. فأنزل الصبيّ عن كتفه، فسلّمه إلى ذلك الرجل وشرا بثمنه أرزّا واحتمله على دوابّ وذهب ليؤتي خراجه. ولم يبال الأب (٢٠٣) بفراق الابن، ولا الابن بفراق الأب، وكأنّما كان على أبيه صخرة على كتفه، فألقاها وذهب.

стр. 749

والمقصود من هذه الحكاية، ذكر ما كان من الرجل وابنه من قلّة الاكتراث بالأمر، وإلاّ، فبيعهم أولادهم ما لا خفاء به. ثمّ إنّ بهرام أحضر رجلا من بطانته، كان داهية مفكرا خبيثا لطيف الحيلة. فندبه للمكيدة بخاقان، وفتح له باب المكر به، وأعطاه من الذهب والفضّة ونفائس ذخائر الملوك ما ظنّ أنّه سيحتاج إلى مثلها. وأمره أن يتزيّا بزيّ التّجّار وينطلق إلى والد الجارية فيشتريها منه، ويستعين بها على ما ندبه له، على ما سنذكره بعد ذلك. فانطلق الرجل فاشترى الجارية من أبيها بوزنها ذهبا، ثمّ قصد بها بلاد الترك، حتّى انتهى إلى حضرة خاقان. واعتمد ذلك الوزير الذي كان تولّى المكيدة وضمن لخاقان ما أراده من هلاك بهرام. فخصّه بالهدايا وتنفّق عنده بالتّحف، ولازمه إلى أن خفّ على قلبه واشتدّ أنسه به. فمكث عنده عاما، فمازحه ممازحة لطيفة، ثمّ قال له يوما: إنّي أحببت الوزير حبّا ما أحببته أحدا قطّ، ولي عام أنازع نفسي في إتحافه

стр. 750

بتحفة لم يظفر بمثلها أحد قطّ. فكانت نفسي تغلبني وتدعوني إلى الاستئثار بها. فلمّا غلبت أهوائي وانقادت نفسي إلى إيثارك، قصدت أطالع علم الوزير بذلك. فسأله الوزير عن ذلك. فوصف له الجارية. فما تمالك أن سمع وصفها إلى أن أمر بتعجيل إحضارها. فأحضره إيّاها. فلمّا وقع بصره عليها، لم يملك نفسه أن وثب إليها فعانقها وقبّلها ورشفها. ثمّ أقبل على سيّدها، فقال له: احتكم. فقال له: حكمي مودّتك والحظوة عندك. فقال الوزير: هذا مبذول لك، ذلك مع هذا من المال ما شئت. قال: لا حاجة لي في المال. وانطلق من فوره فلقي بعض خدم خاقان-وقد كان تقرّب إليه أيضا قبل ذلك بنفائس الهدايا-فذكر له أنّ عنده (٢٠٤) نصيحة يخاف فوات الفرصة فيها. فاستأذن له على خاقان. فلمّا مثل بين يديه، سأله عن نصيحته، فقال: إنّي قصدت الملك بتحفة لا تصلح إلاّ له. فعرضتها على الوزير ليوصلها إلى الملك، فتعدّى واستأثر بها، وبذل لي مالا عظيما على كتمان ذلك، فلم أقبله. فسأله عن التّحفة ما هي، فأخبره بأمر الجارية، ووصفها له. فأرسل خاقان رجالا من ثقاته وأمرهم بالهجوم على الوزير، وحفظ الحال الذي يشاهدونه والإتّيان به وبالجارية محجوبة. فعادوا إلى خاقان

стр. 751

بالوزير وبالجارية، وأخبروه أنّهم وجدوها مجرّدة بين يديه وهو يتأمّلها. فسأل الجارية، هل نال منها شيئا؟ فقالت: عانقني وضمّني وقبّلني ورشفني وجرّدني فتأمّلني. فأمر بالوزير فقلعت عيناه وقطع لسانه وشفتاه ويداه. وخلا خاقان بالجارية وقد شغف بها. فسألها: أبكر أنت أم ثيّب؟ فقالت: بكر عذراء. فلم يملك نفسه أن افتضّها مكانه. ولمّا نزع عنها، انتزعت قناعا نفيسا كان على رأسها، فمسحت به الملك. فأحسّ بذكره تنمّلا. ثمّ ابتدأ فيه نفخة وتغيّر لونه. فبادر إلى موسى فخمّ ذكره خوفا على نفسه، ولتحقّقه أنّه مسموم. وأمر بالجارية فنحت عنه. وأحضر من عالجه وداواه. فطلب مولى الجارية أشدّ الطلب، فلم يعلم له خبرا. ثمّ إنّه أحضر الجارية فسألها عن نفسها وبلدها، فصدقته. وسألها عن مولاها، فلم تعرفه. غير أنّها ذكرت أنّه تاجر اشتراها من أبيها بوزنها ذهبا.

стр. 752

وسألها عن القناع الذي مسحته به، فذكرت له أنّ مولاها كساها إيّاه، وأنّه ذكر لها قبل ذلك أنّها تصير إلى الملك، وأنّ الملوك إذا غشي أحدهم المرأة، فعليها-من خدمتها له-أن تمسح ذكره بقناع رأسها مكرّمة له. فمتى لم تفعل ذلك فقد تعرّضت لسخط الملك. فعلم خاقان أنّ الجارية مخدوعة (٢٠٥) وأن لا ذنب لها، مع ما خامره من الإعجاب بها، فاستبقاها، وخفي عنه الوجه الذي دهي منه. ولمّا رجع صاحب بهرام وأعلمه بما تمّ له من الكيد على خاقان، أحضر بهرام ذلك الفاتك التركيّ وأخاه وأحسن إليهما وسرّحهما إلى خاقان، وأصحبهما كتابا إليه قال فيه: إنّ الحسد والبغي أورداه وأوردا وزيره-وزير السّوء-بوارد النّدم؛ وقد كنّا قبل ذلك-أيّها الملك-ننزلك منازل الأخوّة؛ فلمّا علمنا سوء رأيك فينا وخبث نيّتك لنا، حسدا منك لنا من غير جرم سبق منّا إليك، أردنا بك ما أردته بنا، فقضى الله لنا عليك بنجاح سعينا وخيبة سعيك، لمّا اطّلع الله تعالى على فساد نيّتك وصلاح نيّتنا. وقد كان وزيرك الصالح قضى حقّك ونظر لك نظرا، حجبك الحسد والبغي عن تأمّل صلاحه. وإذا بقّى الله على نفسك فلسنا نعرض لك بسوء

стр. 753

ما ألزمت حسن النظر لنفسك بمسالمتنا، والسلام. فلمّا انتهى إليه الكتاب عرف وجه الأمر، فتنجّز وتجهّز لغزو الفرس وجمع من الجيوش ما لم يجتمع مثله لملك. وبلغ ذلك بهرام، فانتخب له ذوي البأس والنجدة من الفرس، فلقيه بهم. فلم تغن عن خاقان جيوشه، وفضحه بهرام واستباح عسكره. وهذا كان سبب حرب التّرك للفرس، والله أعلم. قلت: قد تقدّم الكلام في أنّ الفرس ملّكوا شابور، ذو الأكتاف، وهو في بطن أمّه. ولم نشرح الحال في ذلك. فاقتضى الحال أن نذكر من ذلك طرفا منه يردّ تشوّق النفس عن مطلوبها لذلك. < ذكر شابور ذي الأكتاف > زعم الفرس أنّ شابور، ذا الأكتاف، عزي إليه الملك وهو في بطن أمّه جنينا. وذلك أنّ أباه هرمز كان حسن السيرة فيهم، عدل القضيّة بينهم، متحنّنا عليهم. فلمّا هلك ولم يخلّف ولدا ينهض بأمور الملك، شقّ عليهم ذلك. فدخل على نسائه موبدان موبد، فقال: هل تحسّ منكم امرأة بحمل؟ فذكرت إحداهنّ أنّها تحسّ حملا. فقال لها: إنّ المرأة تفطن

стр. 754

(٢٠٦) لكون جنينها ذكرا أو أنثى. فقالت المرأة: إنّي أرى من نضارة لوني، وخفّة حملي، وقوّة حركة الجنين في بطني، وميله إلى شقّي الأيمن ما يدلّني على أنّه ذكر. فبشّر موبدان موبد أهل المملكة بذلك وأحضر التّاج، فعقده على بطن أمّه-تلك المرأة الحامل-وأخذ على الرعيّة مواثيق الطاعة لجنينها، وجعلوا ينتظرون ما يكون منها، إلى أن ولدت ذكرا سويّ البنية، جميل الصورة مفحم الخلق، تامّ القامة، فسمّي شابور. فجدّد له عقد الطاعة، وأخذ الوزراء في تدبير المملكة وتنفيذ الأمور وسدّ الثغور. واحتذوا أمثال سيرة هرمز، إلاّ أنّ أمرهم ضعف، لعدم تدبير الرأس الضابط. وطمع في مملكتهم من جاورهم من الأمم، وعادوا ينتقصونهم من أطرافهم. وافتتحت الأعراب ما يلي بلادهم منها، فعاثوا، ولم يكن عند الوزراء دفع ذلك. ولمّا بلغ شابور من السنين ستّ سنين نام

стр. 755

نهارا، فأيقظه ضجّة الناس. فقال لمن حضره من خدمه: ما هذه الضجّة؟ فقيل له: هذه أصوات الناس على الجسر، يستوقف بعضهم بعضا لكثرتهم وازدحامهم، ويضجّ المقبل منهم بالمدبر. فقال شابور: أيّ شيء يدعوا إلى تكلّفهم هذه المشقّة؟ ليعقد لهم جسرا آخر، يكون أحد الجسرين للذاهبين والآخر للجائين. فنما ذلك إلى أهل المملكة، فعظم سرورهم به، وتباشروا بجودة فطنته لمصلحة رعيّته، ورأفته <بها>. وكان الوزراء بعد ذلك يعرضوا عليه بعض الأمور ليندرج في السياسة، ويتدرّب على النّظر للرّعيّة. ومن عجيب ما حكي عنه، أنّ رجلا من الأساورة غضب لأمر ناله، فضمّ إلى نفسه جماعة من الفسّاد، فكان يقطع بهم السّبل. وطلب أشدّ طلب، فلم يظفر به. ثمّ إنّه أتا مستسلما، فعرضت على شابور قصّته.

стр. 756

فقال: يعفى عنه ويحسن إليه. فقيل له: إنّا لو قتلناه ليزدجر من يتشرّف إلى مثل (٢٠٧) فعله من المفسدين. فقال: بئس الرأي هذا؛ إنّ الجاني إذا يئس من العفو أصرّ على الجناية، وإذا طمع في العفو أسرع المراجعة. وقال يوما لخواصّه من حواضنه: إذا كنتنّ عندي فلا تنظر إحداكنّ إلى الأخرى، ولا تتحدّث معها إلاّ فيما أمرتنّ به من مراعاة أحوالي والمساررة بحضرتي ما دمتنّ بين يديّ. وذكر أنّ موبدان موبد دخل إليه يوما، فقال له: أيّها الملك، عشت الدهر وملكت الأقاليم السبعة. إنّ العقل عقلان: عقل مولود وعقل مستفاد. وإنّ الربّ قد أفاض على الملك المولود من العقل ما لا أفاضه على غيره. والعقل المستفاد إنّما ينال بصحبة الحكماء، وإنّ الموسومين بخدمة الملك من الفلاسفة شكوا إعراضا وسآمة من الملك. فقال شابور: الحمد لواهب العقل المولود، وأمّا السآمة فلم تكن منّا، وأمّا الإعراض

стр. 757

فإنّهم قصّروا لنا في بعض المحاضرة بحكم السنّ، فنبّهناهم على غلطهم ببعض الإعراض. ولذلك ظنّوا سآمتنا، ولسنا لها. فسجد موبدان موبد وخرج من عنده. فأمر أن يكتب في هيكل الحكمة: إنّ الملوك متميّزة بعقولها وأخلاقها عن مشاكلة من سواها من الناس. فمن نصحها بغير ما يلائمها وقصّر عن توفيتها ما يجب لأقدارها، عطب. قيل: ولم يزل أهل مملكته يتعرّفون منه سموّ الهمّة، ولطف الفطنة، وسعة الصّدر، واستنباط المصالح، واعتماد العدل، إلى أن بلغ سنّة ستّة عشر سنة. فأمر أن ينتخب له ألف فارس من الأساورة، ذوي القوّة والنّجدة والبأس، وأن تزاح عللهم، وتبسط آمالهم. فامتثل أمره. فجعلهم خاصّته. وخرج في عشرة آلاف من جيوشه إلى الأعراب الذين كانوا أعاثوا في أطراف مملكته، فأوقع بهم، فنال منهم، وأوغل في آثارهم طلبا، وغوّر مياههم وخلع أكتافهم، فسمّي: ذو الأكتاف. ولم يتعرّض لشيء من

стр. 758

أموالهم وسلبهم. ثمّ (٢٠٨) نازعته نفسه إلى دخول أرض الروم متنكّرا، ليرا قوّتهم، ويطّلع على عورات ثغورهم، ويخبر كنه هممهم، لما كان يؤمّله من غزوهم. فأمر من كان معه من الأساورة والجيوش بالرجوع إلى أرضهم، واستصحب وزيرا كان أفضل وزرائه، فدخل معه أرض الروم متنكّرا. وقد ذكر خبره ابن ظفر في كتابه المسمّى بسلوان المطاع، ما يغني عن استيعاب جملته ها هنا، وذكر مسيره إلى بلاد الروم وتطوافه، وقبض ملك الروم عليه، بدلالة المتفرّسين، وسجنه في تمثال بقرة، وخروج ملك الروم بجيوشه إلى بلاد فارس وشابور معه مسجونا في ذلك التمثال، وما دبّره وزير شابور في صحبته لوزير ملك الروم، وما جرى بينهما من المحاورات، وسعيه في خلاصه، وعوده إلى بلاد ملكه، وتدبيره في القبض على قيصر ملك الروم وظفره به، واستبقائه إيّاه، وأخذه بصلاح جميع ما أفسده من بلاده. وهذه الواقعة أيضا أثبتّها بجملتها في كتابي المسمّى بأعيان الأمثال وأمثال الأعيان في المحاضرة الملوكيّة، إذ هو مشتمل على اثنتي عشر محاضرة. وهو كتاب نفيس، يحتوي على زبد أخبار العالم، ألّفته قبل وضعي لهذا التاريخ. فلذلك لم أذكر في هذا التاريخ شيء ممّا أثبتّه في ذلك الكتاب، حفظا منّا لبهجة مطالع ذلك الكتاب، وتوقّيا لما أودعنا فيه في كلّ فصل وباب.

стр. 759

ذكر ملوك البطالسة، وهم اليونانيّون فأوّلهم بطليموس بن ناريب. كان خليفة الإسكندر، أقام في الملك أربعون سنة، على رأي الجماعة. ثمّ ملك بطليموس بن لعوس محبّ الأب ثمان وثلاثون سنة. ثمّ ملك لطليموس الصّانع ستّة وعشرون سنة. ثمّ ملك بطليموس محبّ الأب الثاني سبع عشرة سنة. ثمّ ملك بطليموس، صاحب علم النّجوم، أربع وعشرون سنة. ثمّ ملك (٢٠٩) بطليموس محبّ الأب الثالث خمسة وثمانون سنة. ثمّ ملك بطليموس الصانع الثاني سبع وعشرون سنة. ثمّ ملك بطليموس المخلص سبع عشرة سنة. ثمّ ملك بطليموس الإسكندريّ عشرون سنة. ثمّ ملك بطليموس الحديديّ ثمانين سنة. ثمّ ملك بطليموس الحربال ثمانون سنة. ثمّ ملك بطليموس الخبيث

стр. 760

ثلاثون سنة. ثمّ ملكت قلوقطرا اثنان وعشرون، فهو آخر الملوك اليونانيّون بعد الإسكندر. وكان اليونانيّون يؤرخوا من وقت خروج يونان بن يوش عن أرض بابل إلى المغرب. فبقوا على ذلك الزمان الطويل حتّى ظهر الإسكندر وغلب على الملوك وتقدّم على أهل زمانه، فعادوا يؤرّخوا من أوّل السنة السابعة والعشرين من عمره، وهي أوّل السابعة من ملكه، حين خرج من بلاد مقدونيه، وهي المسمّاة: مدينة الحكماء. ومات وله من العمر اثنان وثلاثون سنة، واستمرّ تاريخه. قال أبو معشر المنجّم في كتاب الألوف: إنّ فيلبس أحد ملوك يونان -وكان ينزل مقدونيه-جعل اليونانيّون أوّل سني ملكه تاريخا للروم كلّها. والروم تفصل سني فيلبس ثلاثة أقسام: فمن أوّل سنة منها إلى تمام مائتين وأربع وتسعين سنة يسمّونها: سني اليونان. لأنّ اليونانيّين كانوا ملوكهم، وكانوا اثني عشر ملكا، أوّلهم فيلبس ويتلوه الإسكندر، وبعد الإسكندر تسعة ملوك، يلقّب كلّ واحد منهم: بطليموس. وهذا الاسم مشتقّ من الحرب. ويمتاز كلّ واحد منهم عن أصحابه باسم آخر، حسبما سقناه قبل هذا الكلام. وانتهى الملك بعد التاسع إلى امرأة يقال لها: قلوقطرا. وقد كان بعد هؤلاء الاثني عشر من العلماء وذوي الأقدار من

стр. 761

تسمّى ببطليموس، وإنّ لم يكن من الملوك. ومنهم بطليموس واضع المجسطي. وبعد ذلك بثلاثمائة سنة وثلاثة عشرة سنة يسمّونها سني أغسطس، لأنّه كانت أوّل ملوكهم. فتمّت المدّة بذلك ستّمائة سنة (٢١٠) وسبع سنين. ثمّ بعد ذلك إلى زماننا هذا، يسمّونه سنيّ دقلطيانوس، لأنّ الملك انتقل إليه وثبت في عقبه. هذا كلام أبو معشر. قلت: وهذا يكون فيه مخالفة لما ساقه حمزة الإصفهانيّ في تاريخه. فإنّ عددهم زاد عن التسعة، ولأنّ أحدهم هو صاحب علم النجوم على ما في كتاب حمزة. ونحن نعلم أنّ أصحاب النّجامة أقوم بالتاريخ، وهو واضع المجسطي، وقد كان حول الخمس من المائة والخامسة من تاريخ الإسكندر، وهذا هو الوقت الذي اعتمد عليه بطليموس من ذلك في ذكر أماكن الكواكب الثابتة. لكن ذكرت الملوك ومددهم كما وجدته في تاريخ حمزة. وقد يحتمل أن يكون بطليموس آخر عالم بأحكام النجوم، مع أنّ كثيرا من الناس يقولون: إنّ بطليموس صاحب المربّعة غير بطليموس صاحب المجسطي. ثمّ قالوا: إنّ بطليموس محبّ الأب غزا بني إسرائيل وسباهم، وبقيوا عنده مدّة، ثمّ أطلقهم وحباهم لبنة ذهب، وأمرهم بتعليقها في سقف البيت المقدّس. وكان ملك الشام في زمانه أرطاخوس، باني أنطاكية، وكان ينزلها. فقصد بطليموس هذا محبّ الأب، فهزمه. وأمّا بطليموس الصانع الثاني فإنّه تأهّب لغزو أنطاخوس، فاتّصل به

стр. 762

خبر موته فاستولى على الشام وصار ملك الشام لليونانيّين. وأمّا بطليموس محبّ الأب الثاني، وقيل: بل محبّ الأم، ففي أيّامه تأهّب الإسكندارس بطليموس لغزو الشام وارتجاع ملكه، فقتله اليونانيّون. <وأمّا> برلرقطرا المرأة فكان لها غراما بجمع الكتب التي للحكماء، مثل كتب أبقراط وأفلاطن وأرسطاطاليس وغيرهم. وكانت مولعة بحبّ الحكمة، والله أعلم. ذكر ملوك رومية، وهم المعروفون بالقياصرة هؤلاء ملوك رومية المعروفون بالقياصرة: فأوّلهم يوليوس؛ ملك سبع سنين. ثمّ ملك أغسطس قيصر ستّ وخمسون سنة. <ثمّ ملك> طادس قيصر اثنان وعشرون سنة. (٢١١) ثمّ ملك طباوس عاسر قيصر أربع سنين. ثمّ ملك قلوديس قيصر أربع عشرة سنة. ثمّ ملك نيرون قيصر أربع وعشرون سنة. <ثمّ ملك> طاطس واستسيانوس القيصران ثلاث عشر سنة. ثمّ ملك دومطيانس قيصر خمس عشر سنة. <ثمّ ملك> طرايانس قيصر تسع عشر. ثمّ ملك أدريانس قيصر إحدى وعشرين سنة.

стр. 763

<ثمّ ملك> أنطونس قيصر ثلاث وعشرون سنة. ثمّ ملك مرقس قيصر تسع عشرة سنة. <ثمّ ملك> قومودس قيصر ثلاث عشر سنة. ثمّ ملك سويرس قيصر ثمان عشرة سنة. <ثمّ ملك> أنطونيوس قيصر سبع سنين. ثمّ ملك أنطونس الثاني قيصر أربع سنين، وفي زمنه كان جالينوس الحكيم. ثمّ ملك الإسكندر، وهو العاجز ثلاث سنين. <ثمّ ملك> مكس قيصر ستّ سنين، فيها خلاف. ثمّ ملك غرديانس قيصر ستّ سنين؛ متّفق عليه. <ثمّ ملك> فيلقس قيصر سنتان. ثمّ ملك دحيوس قيصر خمس عشرة سنة. <ثمّ ملك> غلس سنة واحدة. ثمّ ملك قلوديس قيصر ستّ سنين؛ محقّق. <ثمّ ملك> أوسبليس قيصر سبع سنين ونصف. ثمّ ملك ابروبس تسع عشرة سنة. <ثمّ ملك> دقلطيانوس قيصر خمس سنين. ثمّ ملك قرويقيس قيصر عشرون سنة. <ثمّ ملك> دقلطيانوس قيصر ثلاث سنين.

стр. 764

قال حمزة الإصفهانيّ: هؤلاء ملوك رومية. وقد كانت الروم غلبت على يونان بعد قلوقطرا المرأة، فملك قوم يقال لهم: بنو صوفر. وزعم اليهود أن صوفر هو ابن نصر بن عيصو بن إسحاق، والروم واليونان ينكرون ذلك. وقال حمزة: قد أخذت شيئا من تاريخ الروم مفصّلة عن رجل كان فرّاشا لأحمد بن عبد العزيزر بن دلف. وأصبت أيضا كتابا صنّفه بعض قضاة بغداد يسمّى: وكيع، أودعه من تواريخ الروم قطعة جيّدة إلى سنة إحدى وثلاثمائة هجريّة. قلت: وقد اخترت من بين هذين النّقلين ما أوردته من أسماء هؤلاء الملوك ومددهم، ولعلّه قريب من الصحيح. والعمدة في ذلك على ناقلها في الأصل. (٢١٢) وكذلك إن تصحّف علينا شيء من أسماء الملوك، فإنّ هذه أسماء أعجميّة، ونحن فقد نقلناها من كتاب حمزة، وأكثرها بغير نقط، فوضعناها على ما هي عليه. والتّصحيف، فقد دخل على الكبار من المحدّثين، وتصحّف عليهم حتّى في القرار العظيم، والحدث الكريم. فلا لوم على من تصحّف عليه اسم أعجميّ ليس له مجرى على ألسنة الرّواة. ولست أقول ذلك إلاّ لإقامة عذري فيه، وبالله المستعان. قال حمزة: ثمّ إنّ أغسطس، وهو ثاني ملوكهم، وهو الذي تسمّى قيصر في بداية الحال. ومعنى قيصر: شقّ عنه. وذلك أنّ أمّه توفّيت وهو

стр. 765

يتحرّك في بطنها، فشقّ بطنها وأخرج. ولمّا ملك غزا الإسكندريّة، ونقل ما احتوت عليه من مال وسلاح إلى رومية. وفي السنة الثانية والأربعين من ملكه ولد عيسى، ﵇. وأمّا طادس ففي أيّامه رفع عيسى، ﵇. ولبث في الملك بعد رفع المسيح ثلاث سنين. وأمّا قلوديس فإنّه أوّل ملك سنّ قتل النصارى من عبّاد الأصنام. وأما نيرون فإنّه قتل سمعون وبولص. وأمّا طاطالس وشريكه، فإنّ اليهود عصوهما، فغزيا البيت المقدّس. وأمّا دومطيانس، فلتسع سنين من حكمه نفى يوحنّا. وأمّا أدريانس، فإنّه أخرب ما كان بقي من البيت المقدّس. وأمّا ديقيوس فإنّه أخذ في قتل النّصارى، فأتى على خلق كثير منهم، ومنه هرب أصحاب الكهف. وفي أخبار النّصارى أن الله أنشرهم بعد موتهم ثلاثمائة سنة وتسع سنين. وأمّا دقلطيانوس ومقسيميانس، فإنّهما كانا ينزلان مقمودية، وهي دون الخليج، على سير ميلا من القسطنطينيّة. وكانا يطلبان النصارى في بلاد الروم، ويأتيان عليهم قتلا وأسرا، والله أعلم.

стр. 766

ذكر ملوك القسطنطينيّة بحكم الاختلاف أمّا ملوك القسطنطينيّة على رواية حمزة عن أحمد بن عبد العزيز بن دلف، (٢١٣) فأوّلهم قسطنطين المظفّر، ابن هيلاني؛ ملك إحدى وثلاثون سنة. وعلى رأي وكيع البغداديّ قسطنطين بن هرقل <وملك> سبع عشرة سنة. ثمّ ملك قسطنطين بن قسطنطين؛ رأي حمزة: أربع وعشرين سنة. ورأي وكيع: هرقل بن هرقل، <وملك> عشرة سنين. ثمّ ملك على رأي حمزة بلينوس ابن أخي قسطنطين سنتان ونصف. وعلى رأي وكيع البغداديّ لاوي ويقال: اليون، ثلاث سنين. ثمّ ملك اوالس بن نوحالة؛ رأي حمزة: أربع عشرة سنة. رأي وكيع: طبارس ملك سبع سنين. ثمّ ملك تيدوسيس الأصغر، على رأي حمزة: اثنان وأربعون سنة، وعلى رأي وكيع اسطينوس، وهو معاصر عمر بن عبد العزيز، ستّ سنين.

стр. 767

ثمّ ملك لوفانس وامرأته <على> قول حمزة سبع سنين. قول وكيع البغداديّ: اسطانيوس، ستّ سنين. ثمّ ملك اليون الأكبر؛ قول حمزة: ست عشرة سنة. قول وكيع: تدوس، سنتين. ثمّ ملكت ابنة اليون الأكبر سنة واحدة <على> قول حمزة. قول وكيع: لاوي؛ وفي أيّامه كانت أوّل دولة بني العباس، أقام خمسة وعشرون سنة وثلاثة أشهر. ثمّ ملك رسدالاوهاي سبع عشرة سنة <على> قول حمزة. وقول وكيع: ليون بن قسطنطين <حكم> خمس سنين. ثم ملك نسطاس، وكان من أوسط الناس؛ على رأي حمزة: سبع وعشرون سنة. ورأي وكيع: قسطنطين بن لاوي، <ملك> عشر سنين إلاّ شهرين. ثمّ ملك لوطانس تسع سنين، رأي حمزة. ورأي وكيع: قسطنطين ستّ سنين وسبعة أشهر. ثم ملك لوطسيانس؛ رأي حمزة: تسع وثلاثون سنة. ورأي وكيع: أرينه التي أخذت

стр. 768

الملك من أبيها، <حكمت> خمس سنين. ثمّ ملك لوطينس ابن أخي لوطسيانس ثلاث عشر سنة برأي حمزة. ورأي وكيع: نقفور معاصر الرّشيد، <ملك> ثمان سنين. ثمّ ملك طبارينس أربع سنين؛ ورأي وكيع: استيراد بن نقفور شهرين. ثمّ ملك موريقس عشر سنين برأي حمزة. ورأي وكيع: ميخائيل بن برقيل سبع سنين وخمسة أشهر. ثمّ ملك فوقاس ثمان سنين <على> رأي حمزة. ورأي وكيع: برقيل بن ميخائيل اثنين وعشرين سنة-معاصر المأمون. ثم ملك (٢١٤) هرقل وابنه أحد وثلاثون سنة على رأي حمزة، ورأي وكيع: ميخائيل بن برقيل ثمان وعشرين سنة. قلت: وإلى ها هنا وقف الروايتين، فوقفنا عند ذلك. قال حمزة الإصفهانيّ: هؤلاء أوّل طبقة ملوك القسطنطينيّة، وأوّلهم قسطنطين ابن هيلاني، وقد تقدّم فيه الكلام قبل ذلك. وأمّا يوليانس ابن أخي قسطنطين، فإنّه فارق النصرانيّة وعاود عبادة

стр. 769

الأصنام. وغزا العراق في زمن شابور، فقتل بالعراق، وملّك شابور على الروم رجلا نصرانيّا يقال له: يونيانس، فردّ الروم إلى دينهم. وأمّا مندوسيس، فإنّه لعن نسطورس البطريق، أحد الأساقفة، وإليه تنسب النّسطوريّة من النّصارى. وأمّا ربيل فكان من بلاد الأرميناق، وكان يرى رأي اليعقوبيّة. وأمّا نسطاس فكان من أوسط الناس، وكان يرى رأي اليعقوبيّة أيضا. وبنى عدّة مدن، منها عمورية. ولمّا حفر أساسها وجد فيه مالا كثيرا، فوفى بالنّفقة على عمارتها وزاد، فبنى بالزيادة كنائس وديارات. وأمّا يوسطانس فهو بأني كنيسة الرّها، ذات البناء العجيب. وأمّا طباريس فإنّه عني بالقصور التي كان ينزلها ملوك الروم، فألبس بعضها ذهبا وبعضها فضّة. وأمّا موريقس فإنّ ملوك الفرس غلبته على عدّة مدن. وهو الذي أنجد كسرى أبرويز، وأخذته له الحميّة الملوكيّة، في خبر طويل. ثمّ إنّه اتّفق مع شهريزاد بعد ذلك، وكشف الفرس. وقام رجل يقال له: هرقل،

стр. 770

بعد هلك أبرويز. ثمّ كان ملك أردشير بن شيرويه. ثمّ وردت العرب الشام، فكان آخر عهد الروم به. قال حمزة: فكان مدّة هؤلاء الملوك ثلاثمائة وخمس وسبعون سنة ونصف سنة، ملك فيها سبعة عشر ملكا. فيكون قد ملك بعد الإسكندر إلى سنة الهجرة النبويّة ثمانية وخمسون ملكا من الروم، والله، أعلم. ذكر من ملك مصر من ملوك بعدما غرّق الله تعالى فرعون (٢١٥) قال: حدّثنا عليّ بن الحسن، قال: ثنا عبد الرحمن. قال: ثنا عبد الله بن صالح عن ابن لهيعة عن بكر بن سوادة وبكر بن عمرو الخولانيّ، يرفعان الحديث إلى عبد الله بن عمر، ﵄، قال: لمّا غرّق الله تعالى فرعون وجنوده عادت نساء أهل مصر بغير أزواج، ولم

стр. 771

يكن تبقّى إلاّ العبيد والأجراء والأكّارين وسقّاط الناس. فلم تطق النّساء الصبر على الرجال، فعادت كلّ امرأة منهنّ تعتق عبدها وتتزوّج به. وكذلك أخذن الأجراء من الناس والسّوقة وما أشبه ذلك من سواد الناس. وأشرطوا عليهم أنّهم لا يتحدّثون في أمر من سائر الأمور إلاّ عن رأي النساء. وكان قد ملكتهم دلوكة ابنة زبّا. وكان ثمّ ساحرة يقال لها: قدورة، وكانت السّحرة تعظّمها وتقدّمها في علمهم وسحرهم. فبعثت إليها الملكة دلوكة بنت زبّا تقول لها: قد احتجنا إلى سحرك، وفزعنا إليك، ولا نأمن أن يطمع فينا الرجال من الملوك لأنّا نساء، فاعملي لنا شيئا نغلب به من قصدنا من الملوك المجاورة لنا، فقد كان فرعون يحتاج إليك، وقد ذهب أكابرنا وبقي أقلّنا. فامتثلت الساحرة أمر دلوكة، وعملت برباتين من حجارة، في وسط منف، وجعلت لها أربعة أوجه إلى الأربع نواحي. وصوّرت في كلّ وجه صور الخيل والبغال والحصير والإبل والسّفن والرجال، بطالع اختارته لذلك. ثمّ قالت: قد عملت لكم عملا يهلك به كلّمن أرادكم بسوء أو قصدكم من جميع هذه الأربع جهات التي لا نوتا إلى منها برّا وبحرا، وهذا ممّا يغنيكم عن الحرب ويقطع طمع من يقصدكم. فإنّهم إن كانوا في البرّ على خيل أو بغال أو سائر الدواب بأصنافها، أو سفن أو رجّالة من أيّ جهة

стр. 772

تحرّكوا من الجهات الأربع، فإنّ هذه الصّور تختلج. فما فعلتم أنتم في هذه الصّور صار بتلك الدّوابّ مثل ذلك. إن شئتم قطع أرجلهم أو قلع أعينهم أو فسادهم هلاكا، كان ذلك. (٢١٦) فلمّا بلغ الملوك المجاورة لمصر أنّ أمرهم صار إلى النساء، طمعوا فيهنّ وتوجّهوا إليهنّ. فلمّا دنوا من عمل مصر تحركت تلك الصور التي في البربا. فطفقوا لا يفعلون بتلك الصور شيئا من الشرّ، إلاّ وفعل بتلك الأقوام من الأعداء مثله. وانتشر ذلك عنهم وهابوهم الملوك، وقطعوا البأس والطمع منهم. وصار أمر مصر إلى النساء؛ وملكت دلوكة ابنة زبّا عشرون سنة، تدبّر أمور الناس أحسن تدبير، حتّى بلغ صبيّ من أبناء أكابرهم وأشرافهم، يقال له: دركون بن بلوطس، فملكهم أربعين سنة، ثمّ استخلف ولده بودريس بن دركون، فملكهم عشرين سنة. ثمّ استخلف أخاه. . . بن دركون، فلم يمكث إلاّ ثلاث سنين. وهلك ولم يترك ولدا. فاستخلف ابن أخيه. . . بن بودريش، فملكهم تسع عشرة سنة. ثمّ استخلف. . . بن مرينا فتجبّر وطغا وسفك الدم وأظهر الفاحشة، فأعظموا ذلك وأجمعوا على خلعه. فخلعوه وقتلوه بعد أن ملكهم إحدى عشر سنة. وبايعوا رجلا من أشرافهم يقال له: بلوطس بن مناكيل، فملكهم أربعين سنة، ثمّ هلك.

стр. 773

واستخلف ابنه. . . بن بلوطس، فملكهم خمس عشرة سنة، ثمّ هلك. واستخلف أخاه مناكيل بن بلوطس بن مناكيل، فملكهم مائة وعشرون سنة، ثمّ هلك. واستخلف ابنه. . . بن مناكيل، فملكهم مائة سنة وعشرة سنين، وهو الأعرج الذي سبا ملك بيت المقدّس، وقوم <به> إلى مصر. وقيل: بل اسمه نوله. وكان قد تمكّن في البلاد وبلغ مبلغا لم يبلغه أحدا ممّن كان قبله بعد فرعون. وطغا وتمرّد، فقتله الله تعالى: صرعته دابّته، فدقّت عنقه، فهلك. قيل: إنّ المخلوع الذي خلعته أهل مصر هو هذا نوله. وسبب ذلك أنّه دعا الوزراء والأكابر من أهل الدولة (٢١٧) ومن كان يجري عليه الملوك قبله الأرزاق والجوائز-وكأنّه استكثر ذلك-فقال: إنّي أريد <أن> أسألكم عن أشياء، إن أخبرتوني عنها زدت في أرزاقكم وكنتم لذلك مستحقّين، وإن لم تخبروني بها ضربت رقابكم، فإن لا فائدة، فبكم. فقالوا: ليسأل الملك عمّا شاء. فقال: أخبروني، ما يعمل الإله العظيم صاحب هذه البنية العظيمة في كلّ يوم؟ وكم عدد نجوم السماء؟ وكم مقدار دوران الشمس في كلّ يوم على التّحقيق؟ وماذا يستحقّ دوران الفلك على ابن آدم؟ فاستأجلوه، فأجّلهم شهرا. فكانوا يخرجون كلّ يوم إلى خارج المدينة، فيقفون على الطرقات ويسألون سائر من يلقونه، ثمّ يعودوا ولا بلغوا غرسا.

стр. 774

وكان صاحب قرموس ينظر في كلّ يوم إليهم، فأتاهم ذات يوم، فسألهم عن أمرهم، فأخبروه. فقال: عندي علم ذلك، فأجّلوني إلى غد. وكان للقرموسيّ ابنة ذات عقل وأدب. فلمّا أتا إليها أبوها عشيّة يومه، قصّ عليها ذلك وقال: إنّي وعدت القوم إلى غد، ثقة منّي بعقلك يا بنيّة. فقالت له: افعل كيت وكيت. فلمّا كان من الغد وجد القوم في انتظاره. فقال: طيبوا نفسا، فعندي ما تريدون، إلاّ أنّ لي قرموسا لا أسطتيع <أن> أعطّله. فليقعد رجل منكم يقد تنّوره وأنا أمضي معكم لقضي شغلكم. وألبسوني من أثوابكم <وأعطوني> دابّة من دوابّكم لمركوبي. ففعلوا ذلك. وكان في المدينة رجلا من أولاد ملوكهم قد ساءت حالته، فأتاه القرموسيّ، وسأله القيام بملك أبيه وطلبه. فقال: ليس بتهيّأ لي ذلك حتّى يخرج هذا من مدينة منف-يريد بقوله الملك نوله. فقال القرموسيّ: أنا أخرجه لك وجميع حاشيته. وجمع لذلك الفتى مالا من كبار الدولة. ثمّ أقبل القرموسيّ حتّى دخل على نوله الملك، فأخبره أنّ عنده علم ما يسأله عنه. فقال: أخبرني كم عدد نجوم السماء؟ فأخرج (٢١٨) القرموسيّ جرابا، كانت ابنته قد أمرته به، محشوّا رملا، فنشره بين يدي الملك، وقال: هذا بعدد نجوم السماء. وإن كنت تشكّ في ذلك فأمر من يعدّها ويقابل بينها. وكان حضوره بين يديه حين غربت الشمس، فقال

стр. 775

الملك: فكم مقدار دوران الشمس في كلّ يوم على التحقيق؟ قال: مقدار هذه الساعة من نهار الغد. قال: فماذا يصنع الإله العظيم في كلّ يوم؟ فقال: ليركب الملك وجميع حاشيته ونظهر إلى خارج مدينة منف حتّى أريك صنع الإله العظيم، وما يستحقّ دوران الفلك على ابن آدم. قال: فركب نوله الملك، ولم يزل بجميع خاصّته حتّى أوقفه القرموسيّ على قرموسه، وإحدى وزرائه يقد في تنّوره. فقال القرموسيّ: أيّها الملك، هذا صنع الإله العظيم، إنّ هذا أحد وزرائك بالأمس وها هو اليوم يقد قرموسي، وأنا صاحب القرموس عليّ ثيابه وراكب دابّته محادثا الملك. فهو في كلّ يوم يذلّ قوما ويعزّ قوما ويمت قوما ويحيي قوما. وأمّا ما يستحقّ دوران الفلك على ابن آدم، فإنّه قد دار عليك وعزلك عن ملكك، وملّك فلان بن فلان مكانك، وقد جلس على سرير ملكك وقد أغلق عليك باب مدينة منف. فرجع مبادرا، فإذا مدينة منف قد أغلقت. ووثبوا مع الغلام على نوله الملك حتّى خلعوه. فوسوس بعد ذلك نولة، وكان يقعد على طرق مدينة منف ويهذي. فلذلك إنّ القبط قولهم إذا كلّم أحدهم بما لا يريد، يقول: سنحتك من نوله، يريد: أي وسوستك كوسوسة نوله، فعاد مثلا. وقيل: بل تولّى الملك بعد نوله ولده مرنيوس بن نوله، فملكهم تسعين سنة ثمّ هلك. واستخلف ولده اينانس بن مرنيوس، فملكهم ستّين سنة ثمّ هلك. فاستخلف أخاه لغاس بن مرنيوس.
следующие страницы →