← История

История · id 18147

كنز الدرر وجامع الغرر

ابن الدواداري

Полный текст (4 323 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

يكن تبقّى إلاّ العبيد والأجراء والأكّارين وسقّاط الناس. فلم تطق النّساء الصبر على الرجال، فعادت كلّ امرأة منهنّ تعتق عبدها وتتزوّج به. وكذلك أخذن الأجراء من الناس والسّوقة وما أشبه ذلك من سواد الناس. وأشرطوا عليهم أنّهم لا يتحدّثون في أمر من سائر الأمور إلاّ عن رأي النساء. وكان قد ملكتهم دلوكة ابنة زبّا. وكان ثمّ ساحرة يقال لها: قدورة، وكانت السّحرة تعظّمها وتقدّمها في علمهم وسحرهم. فبعثت إليها الملكة دلوكة بنت زبّا تقول لها: قد احتجنا إلى سحرك، وفزعنا إليك، ولا نأمن أن يطمع فينا الرجال من الملوك لأنّا نساء، فاعملي لنا شيئا نغلب به من قصدنا من الملوك المجاورة لنا، فقد كان فرعون يحتاج إليك، وقد ذهب أكابرنا وبقي أقلّنا. فامتثلت الساحرة أمر دلوكة، وعملت برباتين من حجارة، في وسط منف، وجعلت لها أربعة أوجه إلى الأربع نواحي. وصوّرت في كلّ وجه صور الخيل والبغال والحصير والإبل والسّفن والرجال، بطالع اختارته لذلك. ثمّ قالت: قد عملت لكم عملا يهلك به كلّمن أرادكم بسوء أو قصدكم من جميع هذه الأربع جهات التي لا نوتا إلى منها برّا وبحرا، وهذا ممّا يغنيكم عن الحرب ويقطع طمع من يقصدكم. فإنّهم إن كانوا في البرّ على خيل أو بغال أو سائر الدواب بأصنافها، أو سفن أو رجّالة من أيّ جهة

стр. 772

تحرّكوا من الجهات الأربع، فإنّ هذه الصّور تختلج. فما فعلتم أنتم في هذه الصّور صار بتلك الدّوابّ مثل ذلك. إن شئتم قطع أرجلهم أو قلع أعينهم أو فسادهم هلاكا، كان ذلك. (٢١٦) فلمّا بلغ الملوك المجاورة لمصر أنّ أمرهم صار إلى النساء، طمعوا فيهنّ وتوجّهوا إليهنّ. فلمّا دنوا من عمل مصر تحركت تلك الصور التي في البربا. فطفقوا لا يفعلون بتلك الصور شيئا من الشرّ، إلاّ وفعل بتلك الأقوام من الأعداء مثله. وانتشر ذلك عنهم وهابوهم الملوك، وقطعوا البأس والطمع منهم. وصار أمر مصر إلى النساء؛ وملكت دلوكة ابنة زبّا عشرون سنة، تدبّر أمور الناس أحسن تدبير، حتّى بلغ صبيّ من أبناء أكابرهم وأشرافهم، يقال له: دركون بن بلوطس، فملكهم أربعين سنة، ثمّ استخلف ولده بودريس بن دركون، فملكهم عشرين سنة. ثمّ استخلف أخاه. . . بن دركون، فلم يمكث إلاّ ثلاث سنين. وهلك ولم يترك ولدا. فاستخلف ابن أخيه. . . بن بودريش، فملكهم تسع عشرة سنة. ثمّ استخلف. . . بن مرينا فتجبّر وطغا وسفك الدم وأظهر الفاحشة، فأعظموا ذلك وأجمعوا على خلعه. فخلعوه وقتلوه بعد أن ملكهم إحدى عشر سنة. وبايعوا رجلا من أشرافهم يقال له: بلوطس بن مناكيل، فملكهم أربعين سنة، ثمّ هلك.

стр. 773

واستخلف ابنه. . . بن بلوطس، فملكهم خمس عشرة سنة، ثمّ هلك. واستخلف أخاه مناكيل بن بلوطس بن مناكيل، فملكهم مائة وعشرون سنة، ثمّ هلك. واستخلف ابنه. . . بن مناكيل، فملكهم مائة سنة وعشرة سنين، وهو الأعرج الذي سبا ملك بيت المقدّس، وقوم <به> إلى مصر. وقيل: بل اسمه نوله. وكان قد تمكّن في البلاد وبلغ مبلغا لم يبلغه أحدا ممّن كان قبله بعد فرعون. وطغا وتمرّد، فقتله الله تعالى: صرعته دابّته، فدقّت عنقه، فهلك. قيل: إنّ المخلوع الذي خلعته أهل مصر هو هذا نوله. وسبب ذلك أنّه دعا الوزراء والأكابر من أهل الدولة (٢١٧) ومن كان يجري عليه الملوك قبله الأرزاق والجوائز-وكأنّه استكثر ذلك-فقال: إنّي أريد <أن> أسألكم عن أشياء، إن أخبرتوني عنها زدت في أرزاقكم وكنتم لذلك مستحقّين، وإن لم تخبروني بها ضربت رقابكم، فإن لا فائدة، فبكم. فقالوا: ليسأل الملك عمّا شاء. فقال: أخبروني، ما يعمل الإله العظيم صاحب هذه البنية العظيمة في كلّ يوم؟ وكم عدد نجوم السماء؟ وكم مقدار دوران الشمس في كلّ يوم على التّحقيق؟ وماذا يستحقّ دوران الفلك على ابن آدم؟ فاستأجلوه، فأجّلهم شهرا. فكانوا يخرجون كلّ يوم إلى خارج المدينة، فيقفون على الطرقات ويسألون سائر من يلقونه، ثمّ يعودوا ولا بلغوا غرسا.

стр. 774

وكان صاحب قرموس ينظر في كلّ يوم إليهم، فأتاهم ذات يوم، فسألهم عن أمرهم، فأخبروه. فقال: عندي علم ذلك، فأجّلوني إلى غد. وكان للقرموسيّ ابنة ذات عقل وأدب. فلمّا أتا إليها أبوها عشيّة يومه، قصّ عليها ذلك وقال: إنّي وعدت القوم إلى غد، ثقة منّي بعقلك يا بنيّة. فقالت له: افعل كيت وكيت. فلمّا كان من الغد وجد القوم في انتظاره. فقال: طيبوا نفسا، فعندي ما تريدون، إلاّ أنّ لي قرموسا لا أسطتيع <أن> أعطّله. فليقعد رجل منكم يقد تنّوره وأنا أمضي معكم لقضي شغلكم. وألبسوني من أثوابكم <وأعطوني> دابّة من دوابّكم لمركوبي. ففعلوا ذلك. وكان في المدينة رجلا من أولاد ملوكهم قد ساءت حالته، فأتاه القرموسيّ، وسأله القيام بملك أبيه وطلبه. فقال: ليس بتهيّأ لي ذلك حتّى يخرج هذا من مدينة منف-يريد بقوله الملك نوله. فقال القرموسيّ: أنا أخرجه لك وجميع حاشيته. وجمع لذلك الفتى مالا من كبار الدولة. ثمّ أقبل القرموسيّ حتّى دخل على نوله الملك، فأخبره أنّ عنده علم ما يسأله عنه. فقال: أخبرني كم عدد نجوم السماء؟ فأخرج (٢١٨) القرموسيّ جرابا، كانت ابنته قد أمرته به، محشوّا رملا، فنشره بين يدي الملك، وقال: هذا بعدد نجوم السماء. وإن كنت تشكّ في ذلك فأمر من يعدّها ويقابل بينها. وكان حضوره بين يديه حين غربت الشمس، فقال

стр. 775

الملك: فكم مقدار دوران الشمس في كلّ يوم على التحقيق؟ قال: مقدار هذه الساعة من نهار الغد. قال: فماذا يصنع الإله العظيم في كلّ يوم؟ فقال: ليركب الملك وجميع حاشيته ونظهر إلى خارج مدينة منف حتّى أريك صنع الإله العظيم، وما يستحقّ دوران الفلك على ابن آدم. قال: فركب نوله الملك، ولم يزل بجميع خاصّته حتّى أوقفه القرموسيّ على قرموسه، وإحدى وزرائه يقد في تنّوره. فقال القرموسيّ: أيّها الملك، هذا صنع الإله العظيم، إنّ هذا أحد وزرائك بالأمس وها هو اليوم يقد قرموسي، وأنا صاحب القرموس عليّ ثيابه وراكب دابّته محادثا الملك. فهو في كلّ يوم يذلّ قوما ويعزّ قوما ويمت قوما ويحيي قوما. وأمّا ما يستحقّ دوران الفلك على ابن آدم، فإنّه قد دار عليك وعزلك عن ملكك، وملّك فلان بن فلان مكانك، وقد جلس على سرير ملكك وقد أغلق عليك باب مدينة منف. فرجع مبادرا، فإذا مدينة منف قد أغلقت. ووثبوا مع الغلام على نوله الملك حتّى خلعوه. فوسوس بعد ذلك نولة، وكان يقعد على طرق مدينة منف ويهذي. فلذلك إنّ القبط قولهم إذا كلّم أحدهم بما لا يريد، يقول: سنحتك من نوله، يريد: أي وسوستك كوسوسة نوله، فعاد مثلا. وقيل: بل تولّى الملك بعد نوله ولده مرنيوس بن نوله، فملكهم تسعين سنة ثمّ هلك. واستخلف ولده اينانس بن مرنيوس، فملكهم ستّين سنة ثمّ هلك. فاستخلف أخاه لغاس بن مرنيوس.

стр. 776

وكان كلما انخرب شيئا من البربا لن يجدون من يقوم بإصلاحه إلاّ تلك العجوز وولدها وولد ولدها. وكانوا أهل (٢١٩) بيت، لا يعرف ذلك غيرهم، فانقطعوا. وانهدم من البرباء موضعا في زمان ايناس بن مرنيوس، فلم يقدر أحدا على إصلاحه ومعرفة علمه. وانقطع ما كان يقهرون به الناس، واستقرّوا كغيرهم، إلاّ أنّ الجمع كثير والمال ياسر. ذكر بخت نصّر وسنة دخوله مصر وسبي بني إسرائيل قلت: ثمّ توفي لغاس بن مرنيوس واستخلف ابنه قومين بن لغاس، فملكهم ستّين سنة. فلمّا كان بختنصّر، ودخل بيت المقدّس، حسبما تقدّم من الكلام، قال: حدثنا عليّ بن الحسن بن خلف بن وزير، قال: ثنا أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد الحكم، قال: ثنا. . . بن موسى وغيره عن ظهور بختنصّر على مصر، أنّه لمّا ظهر على بني إسرائيل وسباهم وخرج إلى أرض بابل، أقام إرميا على إيليا، ينوح ويبكي وهي خراب. فاجتمع إلى إرميا بقايا من بني إسرائيل، وكانوا متفرّقين، حتّى بلغهم مقامه بإيليا، فقال لهم إرميا:

стр. 777

أقيموا بنا في أرضنا، تستغفرون الله وتتوبون إليه، فلعلّه يتوب عليكم ويخلّصكم من ظفر عدوّكم البختنصّر. فقالوا: إنّا نخاف أن يسمع بنا بختنصّر فيبعث إلينا، ونحن في شرذمة قليلة. ولكنّا نذهب إلى ملك مصر فنستجير به وندخل في ذمّته. فقال إرميا: ذمّة الله خير وأوفى الذّمم لكم، ولكنّي أخافكم. فانطلقوا أولئك النفر من بني إسرائيل إلى قومين الملك يومئذ بمصر، فاعتصموا به، لما يعلمون من منعته، وشكوا إليه شأنهم. فقال: أنتم في ذمّتي. فأرسل إليه بختنصّر: إنّ لي قبلك عبيدا أبقوا منّي، فابعث بهم إليّ. فكتب إليه قومين: ما هم عبيدك، وهم أهل بيت النبوّة والكتاب وأبناء الأحرار؛ اعتديت عليهم وظلمتهم. فحلف بختنصّر: لأغزونّك ما لم تبعثهم والجا جميعا. وأوحى الله تعالى إلى إرميا: إنّي مظهر بختنصّر على ملك مصر الذي اتّخذوه حرزا لهم من دوني؛ وإنّهم لو أطاعوك وأمرك، ثمّ أطبقت عليهم السماء والأرض، لجعلت لهم مخرجا. وإنّي أقسم (٢٢٠) بعزّتي، لأعلّمهم أنّهم ليس لهم محتصر ولا ملجأ إلاّ طاعتي واتّباع أمري. فلمّا سمع إرميا ذلك، رحمهم وبادر إليهم، فقال: إن لم تطيعوني أسركم بختنصّر وقتلكم؛ وآية ذلك أنّي رأيت موضع سريره الذي يضعه بعدما يظفر بمصر ويملكها. ثمّ قذف حجارة، قذفها من أربعة أركان، في المواضع التي يضع فيها بختنصّر سريره. وقال: ستقع كلّ قائمة من قوائم سريره على حجر منها. فاختلفوا عليه بني إسرائيل. فسار بختنصّر إلى قومين بن لغاس ملك مصر فقاتله سنة، ثمّ ظفّر

стр. 778

الله تعالى بختنصّر بمصر فقتل قومين. وقيل: بل اسمه قومس بن لغاس. وسبا جميع أهل مصر، وقتل من قتل. فلمّا أراد قتل من أسر من بني إسرائيل وأهل مصر، وضع له سرير في الموضع الذي وصف إرميا. ووضعت كلّ قائمة من سريره على حجر من تلك الحجارة التي دفنها إرميا. وقدم الأسارى، فأتا معهم إرميا. فقال له بختنصّر: ألا أراك مع أعدائي بعد أن أمّنتك وأكرمتك؟ فقال له إرميا: إنّما جئتهم وأخبرتهم خبرك؛ ومصداق قولي أنّي وضعت لهم علامة ذلك تحت سريرك، وهي أربعة حجارة دفنتها تحت أربع قوائم سريرك الذي أنت جالس عليه. فرفع سريره، فوجد ما قال إرميا حقّا. فقال بختنصّر لإرميا: لو نعلم أنّ فيهم خيرا لوهبتهم لك. ثمّ أمر بقتلهم، فقتلوا؛ وأخرب مدائن مصر وقراها وسبا جميع أهلها ولم يترك بها أحدا، حتّى بقيت أربعين سنة خرابا ليس فيها ساكن؛ يجري نيلها ويذهب ولا ينتفع به. فأقام إرميا بمصر، واتّخذ له بها زرعا يعيش به أربعين سنة. فأوحى الله إليه: إنّ لك عن الزرع والمقام بمصر شغلا، فكيف تشغلك أرض وأنت تعلم سخطي على قومك؟ فالحق بإيليا حتّى تبلّغ كتابي أجله. فخرج منها أرميا حتّى أتا (٢٢١) بيت المقدّس. ثمّ إنّ بختنصّر ردّ أهل مصر إليها بعد أربعين سنة، فعمّروها، فعادت مصر مقهورة بعد القهر. قال: حدّثنا عليّ بن الحسن، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا عبد الله بن عبد الحكم وأبو الأسود، قالا: ثنا ابن لهيعة عن. . . عن عبد

стр. 779

الرحمن بن غنم الأشعريّ، أنّه قدم من الشام إلى عبد الله بن عمرو بن العاص، فقال له عبد الله بن عمرو: ما أقدمك على بلادي؟ قال: أنت. قال: لماذا؟ قال: كنت تحدّثنا أنّ مصر أسرع الأرضين خرابا؛ ثمّ أريك قد اتّخذت فيها الرّباع وبنيت فيها القصور واطمأننت فيها. قال: إنّ مصر قد أوفت خرابها: حطّمها بختنصّر فلم يدع فيها إلاّ السّباع والضّباع؛ وقد مضى فيها الخراب. فهي اليوم أطيب الأرضين ترابا، وأبعده خرابا؛ ولم يزل فيها بركة، ما دام في شيء بركة. قال: حدّثنا عليّ، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: وحدّثني اللّيث بن سعد، قال: يزعم بعض مشايخ أهل مصر أنّ الذي كان يعمل به لمصر على عهد ملوكها أنّهم كانوا يقرّون القرا في أيدي أهلها: كلّ قرية بكراء معلوم، لا ينقّص عليهم إلاّ في كلّ أربع سنين من أجل الظّمأ. فإذا مضت أربع سنين نقّص ذلك وعدّل تعديلا جديدا، ثمّ يزداد على من يحتمل الزيادة. وكان إذا جني الخراج وجمع، يكون للملك ذلك الربع خالصا لنفسه، والربع الثاني لجنده ولمن يتقوّى به على حربه، والربع الثالث في مصلحة الأرض وما يحتاج إليه من جسورها وعمارة ترعها وحفر خلجها وبناء قناطرها ولقوّة مزارعين أرضها. والرّبع الرابع يخرج من خراج كلّ قرية، فيدفن في أرضها لنائبة تنوب تلك القرية أو جائحة تنزل بتلك الناحية. وكلّ قرية فيها مكان مبنيّ مجبّص مدبّر لدفن ذلك المال فيها، وهي كنوز فرعون التي يتحدّث الناس بها، أنّها (٢٢٢)

стр. 780

ستظهر فيتطلّبها الذين يتتبّعون الكنوز، والله أعلم. قال: أخبرنا عليّ، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: وحدّثني أبو الأسود نصر بن عبد الجبّار <عن> عبد الله بن عمرو، قال: ثنا ابن لهيعة، قال: خرج وردان من عند مسلمة بن مخلّد-وهو أمير على مصر-فمرّ على عبد الله بن عمرو بن العاص مستعجلا، فناداه عبد الله بن يزيد: يا با عبيد، قال: أرسلني الأمير مسلمة، أن آتي له من يحفر عن كنز فرعون. قال: فارجع إليه، وأدّه منّي السلام، وقل له: إنّ كنز فرعون ليس لك ولا لأصحابك؛ إنّما هو للحبشة. إنّهم يأتون في سفنهم يريدون الفسطاط، فيسيرون حتّى ينزلوا منفا، فيظهر لهم كنز فرعون، فيأخذون منه ما يشاؤون، فيقولون: ما إن نبتغي غنيمة أفضل من هذه. فيرجعون، ويخرج المسلمون في آثارهم، فيدركونهم. فيقتلون وينهزمون ويأسرهم المسلمون، حتّى إنّ الحبش لتباع بالكساء. قال: حدّثنا عثمان بن صالح وغيره، قال: ظهرت الروم وفارس على سائر الملوك الذين في الأرض. فقابلت الروم أهل مصر ثلاث سنين، يحاصرونهم ويصابرونهم القتال في البرّ والبحر. فلمّا رأى ذلك أهل مصر، صالحوا الروم على أن يدفعوا لهم شيئا معلوم منهم في كلّ عام، على أن يمنعوهم، ويكونوا في ذمّتهم. ثمّ ظهرت الفرس؛ فلمّا غلبوا الروم على الشام، رغبوا في مصر وطمعوا فيها. فامّتنع أهل مصر، وأعانتهم الروم وقامت دونهم. وألحّت عليهم الفرس. فلمّا خشوا ظهورهم عليهم، صالحوا فارسا، على أن يكون

стр. 781

ما صالحوا به الروم، بين الروم وفارس. فرضيت فارس بذلك، وكذلك الروم، حتّى ظهرت فارس على الروم. وأقامت مصر بين الروم وفارس نصفين سبع سنين. ثمّ استجاشت الروم على فارس وألحت بالقتال والردّ، حتّى ظهروا عليهم، (٢٢٣) وخرّبوا مصانعهم أجمع، وديارهم التي بالشام ومصر. وكان ذلك في عهد سيّدنا رسول الله ﷺ ، قبل وفاته وبعد ظهور الإسلام. فصارت الشام ومصر كلّها صلحا للروم، وخالصا لهم، ليس لفارس فيه شيئا، إلى حين فتحها عمرو بن العاص في خلافة عمر بن الخطّاب، ﵁، كما سيأتي ذكر ذلك في ذكر سنة عشرين، إن شاء الله. قال: حدّثنا عليّ، قال: ثنا اللّيث بن سعد عن عقيل بن خالد عن ابن شهاب، وقال: كان المشركون يجادلون المسلمون بمكّة قبل الفتح، فيقولون: الروم أهل كتاب، وقد غلبتهم المجوس؛ وأنتم تزعمون أنّكم ستغلبون بالكتاب الذي معكم، الذي أنزل على نبيّكم. فستغلبكم كما غلب فارس الروم. فأنزل الله : ﴿الم غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾. قال ابن شهاب: وأخبرني عبد الله بن عتبة بن مسعود أنّه قال: لمّا أنزلت هاتان الآياتان، ناظر أبو بكر، ﵁، بعض المشركين، قبل أن يحرّم ذلك على شيء، أن لن تغلب الروم فارس في سبع سنين. فقال رسول الله ﷺ : «لم فعلت؟ فكلّما دون العشر: بضع». وكان ظهور فارس

стр. 782

على الروم سبع سنين. ثمّ أظهر الله الروم على فارس زمان الحديبيّة. ففرح المسلمون بنصر أهل الكتاب. قال: عن عثمان بن صالح عن اللّيث بن سعد: وكان الفرس قد أسّست بناء الحصن الذي يقال له: باب الليون، وهو الحصن الذي بفسطاط مصر اليوم. فلمّا انكشف جموع فارس عن الروم وأخرجتهم الروم من الشام، أتمّت الروم بناء ذلك الحصن وأقامت به إلى حين المسلم. (٢٢٤) قال: أخبرنا عليّ، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سعيد بن. . . عن ابن وهب، قال: ثنا ابن لهيعة، قال: يقال: فارس والروم قريش العجم. ذكر سبب انكشاف فارس عن الروم قال: حدّثنا عبد الرحمن، قال: وكان سبب انكشاف فارس عن الروم كما حدّثني عبد الله بن صالح عن ابن زياد عن معاوية بن يحيى الصدفيّ، قال: حدّثني الزّهريّ، قال: حدّثني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، أنّ ابن عبّاس أخبره، أنّه سمع عمر بن الخطّاب، ﵁، يسأل الهرمزان، عظيم الأهواز، عن الذي كان سبب انكشاف فارس عن الروم، فقال له الهرمزان: كان كسرى بعث شهرزبان ومعه جنود فارس قبل الشام ومصر، وحرس عامه حصون الروم. وطال زمانه بالشام ومصر، وملك الأرض. فطفق كسرى يستبطئه ويكتب إليه: إنّك لو أردت أن تفتح مدينة الروم،

стр. 783

فتحتها، ولكنّك قد رضيت مكانك وأردت طول السّلطان. وكتب إلى عظيم من عظماء الفرس يأمره أن يقتل شهرزبان ويتولّى أمر الجند. فكتب إليه ذلك العظيم يذكر أنّ شهرزبان جاهد ناصح، وأنّه أبلى بالحرب منه. قال: فكتب إليه كسرى يعزم عليه ليقتله. فكتب إليه أيضا يراجعه ويقول: ليس لك عبد مثله، وإنّك لو تعلم ما يداري من مكايدة الروم، عذرته. فكتب إليه كسرى يعزم عليه أيضا بقتله. فراجعه فيه. فغضب كسرى وكتب إلى شهرزبان يعزم عليه بقتل ذلك العظيم. فأرسل شهرزبان إلى ذلك العظيم، فأحضره وأقرأه الكتاب. فقال له: راجع فيّ. فقال: قد علمت أنّ كسرى لا يراجع، وقد علمت حسن صحابتي إيّاك؛ ولكن، جاءني ما لم أستطع دفعه. فقال له ذاك العظيم: ولا تمهلني حتّى أرجع (٢٢٥) إلى أهلي فأرا رأيي فيهم، وأعهد إليهم عهدي. قال: بلى، ذلك إليك. فانطلق ذلك العظيم حتّى أتا أهله. فأخذ صحائف كسرى إليه الثلاث، فجعلها في كمّه. ثمّ جاء حتّى دخل على شهرزبان، فدفع إليه الصحيفة الأولى. فقرأها، فقال له: أنت خير منّي. ثمّ دفع إليه الثانية. فقرأها، فنزل عن مجلسه، وقال له: احتكم فيّ. فأبا أن يفعل، فدفع إليه الصحيفة الثالثة. فما تمّ قراءتها حتّى نهض قائما ووقف بين يدي ذلك العظيم، وقال: أقسم بمعبودي لأجمعنّ المكر لكسرى. وكاتب هرقل، ملك الروم، فذكر له أنّ كسرى قد أفسد فارس. وذكر عدّة مساوئ لكسرى، كان يعلمها ويخفها لصحبته إيّاه. وسأله أن يلقاه بمكان يحكمان الأمر فيه، ويتعاهدان فيه، ثمّ يكفّ عنه جنود فارس، ويخلي بينه وبين المسير إليه.

стр. 784

فلمّا وصل كتاب شهرزبان إلى هرقل، ادعى رهطا من عظماء الروم، وقال: اجلسوا؛ أنا اليوم أحزم الناس أو أعجز الناس. قد أتاني ما لا تحتسبوه، وسأعرضه عليكم، فأشيروا عليّ فيه. ثمّ قرأ كتاب شهرزبان. فاختلفوا عليه في الرأي؛ فقال بعضهم: هذا تحرّش من جهة كسرى. وقال بعضهم: أراد هذا العبد أن يلقاك، وخاف من كسرى. فليستغث، ثمّ لا نبالي ما لقي. قال هرقل: إنّ هذا الرأي ليس حيث ذهبتم إليه؛ إنّه ما طابت نفس كسرى إن فشيتم هذا الذي أجد في كتاب شهرزبان. وما كان شهرزبان ليكتب إليّ بهذا وهو ظاهر على عامّة ملكي إلاّ من أمر حدث بينه وبين كسرى. وإنّي والله لا ألقينّه. فكتب إليه هرقل: قد بلغني كتابك، وفهمت الذي ذكرت، وإنّي سأوافيك. فموعدك موضع كذا وكذا. فاخرج معك بأربعة آلاف من أصحابك، فإنّي خارج بمثلهم. فإذا بلغت مكان كذا وكذا فضع ممّن معك بخمس مائة، فإنّي واضع مكان كذا وكذا مثلهم. ثمّ ضع بمكان كذا وكذا مثلهم، فإنّي فاعل (٢٢٦) كذلك، حتّى نلتقي أنا وأنت في خمس مائة خمس مائة. وبعث هرقل الرّسل من عنده إلى شهرزبان ومعهم عيون. فإن فعل شهرزبان ما ذكره له هرقل، كان. وإن أبا عجّلوا بإنفاذ العيون يعرّفوه، فيرا برأيه. ففعلوا ذلك. وفعل شهرزبان جميع ما أمره به هرقل حتّى التقيا بالموضع المعيّن بينهما، ومع هرقل أربعة آلاف ومع شهرزبان خمس مائة. فلمّا رآهم شهرزبان، أرسل إليه: أغدرت؟ فقال هرقل: لم أغدر، ولكنّي

стр. 785

أخذت بالحزم، وخشيتك. ثمّ أمر هرقل بقبّة من الديباج، فضربت له بين الصفّين. فنزل هرقل، فدخلها، ودخل معه بترجمان. وأقبل شهرزبان حتّى دخل عليه، فانتهى بينهما الترجمان حتّى أحكما أمرهما، واستوثق كلّ منهما من صاحبه بالعهود والمواثيق. فخرج هرقل وأمر، وأشار إلى الشهرزبان بأن يقتل التّرجمان لكي يخفا ما كان بينهما. فقتله شهرزبان. ثمّ تأخّر شهرزبان عن كسرى بالجيوش، وصار هرقل إلى كسرى حتّى أغار عليه ومن بقي معه. وكان ذلك أوّل هلكة كسرى. ووفى هرقل لشهرزبان ما أعطاه من ترك الأرض التي لفارس، وانكشف حين أفسد أرض فارس على كسرى فقتلت فارس كسرى ولحق شهرزبان بفارس والجنود، والله أعلم. ذكر ملوك العرب وأصولها وفروعها وبطونها قلت: قد أتينا، بحمد الله تعالى، بذكر سائر ملوك الأرض من لدن آدم، ﵇، وإلى عهد النبيّ ﷺ ، من ولد يافث، وهو أبو سائر هؤلاء الملوك الأعجميّة. ونتلوا ذلك بذكر سائر ملوك العرب، ليكون الكلام سياقة وتوطئة إلى مبعث سيّد المرسلين، وخاتم النّبيّين، وخير العالمين، محمّد الأمين صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين. ذكر ملوك اللّخميّين وهم ملوك الحيرة، عرب العراق (٢٢٧) هؤلاء ملوك العرب اللّخميّين، ملوك العراق، أهل الحيرة. فأوّلهم مالك بن فهم الأزديّ. ثمّ ملك جذيمة الأبرش بن مالك اللّخميّ

стр. 786

ستّون سنة. ثمّ ملك عمرو بن عديّ مائة وثمنية عشرة سنة. ثمّ ملك امرؤ القيس بن عمرو بن عديّ مائة وأربعة وعشرة سنة. ثمّ ملك عمرو بن امرؤ القيس. . . ثلاثون سنة. ثمّ ملك أوس بن فلان خمس سنين. ثمّ امرؤ القيس الثاني خمس وعشرون سنة. ثمّ النّعمان بن امرؤ القيس ثلاثون سنة. ثمّ ملك المنذر بن النّعمان أربع وأربعون سنة. ثمّ الأسود بن المنذر بن النّعمان عشرون سنة. ثمّ المنذر بن المنذر بن النّعمان سبع سنين. ثمّ النّعمان بن الأسود أربع سنين. ثمّ ملك أبو يعفر بن علقمة ثلاث سنين. ثمّ ملك امرؤ القيس بن النّعمان سبع عشرة سنة. ثمّ ملك المنذر بن امرؤ القيس تسع وأربعون سنة. ثمّ ملك الحارث بن عمرو بن حجر الكنديّ. ثمّ ملك المنذر بن امرؤ القيس ثانيا. ثمّ ملك عمرو بن المنذر بن امرء القيس ستّة عشر سنة. ثمّ ملك قابوس بن المنذر أربع سنين. ثمّ رجع ملك الحيرة إلى الفرس. فملك فسهير الفارسيّ سنة واحدة. ثمّ عاد

стр. 787

النّعمان ابن المنذر، وهو أخو قابوس بن المنذر، اثنتي وعشرين سنة. ثمّ ملك إياس ابن قبيصة سبع سنين. ثمّ تولّى الحيرة من قبل الفرس زاديه الفارسيّ سبع عشرة سنة. ثمّ كان المنذر بن النّعمان ثمانية أشهر. هؤلاء عدّة ملوك الحيرة من اللّخميّين، من بني النّصر، ملوك عرب العراق ومن اندرج معهم. وذكر أنّه لمّا حدث سيل العرم عبرت عرب اليمن من مدينة مأرب إلى الشام والعراق. وكانت تنوخ، وهم في حيّ من الأزد، ممّن تمزّق إلى العراق. فاتّفق ورود مالك بن فهم من بني النّصر بن الأزد في جمهور الأزد. وورود ملك بن فهم أيضا في جمهور من قضاعة، لمّا خلت قضاعة من تهامة إلى البحرين. فقال ملك بن فهم (٢٢٨) الأزديّ لمالك بن فهم القضاعيّ: نقيم بالبحرين ونتحالف على من سوانا. فتحالفوا، فسمّوا تنوخا، وذلك في أيّام ملوك الطوائف. وأمّا جذيمة بن مالك الأبرش فكان ثاقب الرأي، بعيد المغار، شديد النّكاية، ذا حزم ونجدة، غزا بالجيوش، وشنّ الغارات على قبائل العرب. وكان به برص، فأكبرت العرب أن تفوه به، فسمّته الأبرش تارة، وتارة الوضّاح لذلك. واستولى من السّواد على ما بين أرض الحيرة إلى الفرات، وغزا في آخر عمره الشام، فقتل عمرو بن الضّرب بن أذينة العمليقيّ، والد

стр. 788

الزّبّاء، فاستثأرت له على أخذ الثأر. وفي أذينة يقول الشاعر (من المتقارب): أزال أذينة عن ملكه ... وأخرج من حصنه ذا يزن وستأتي هذه الأبيات في موضعها، إن شاء الله تعالى. ثمّ ورث الملك بعده ابن أخته عمرو بن عديّ، وأمّه رقاش بنت مالك بن فهم، أخت جذيمة، وهو الذي استهوته الجنّ. ويقال: إنّه جدّ الأكراد، حسبما نسوقه في موضعه، إن شاء الله تعالى. وعمرو هو أوّل من اتّخذ الحيرة منزلا من ملوك العرب، وهو أوّل ملك تعدّه الحيريّون في كتبهم من ملوك عرب العراق، وهم آل نصر. وكان سيّدا في سلطانه، منفردا بملكه، يغزوا المغازي، ويصيب المغانم، وتجبى إليه الأموال، وتفد عليه الوفود، ولا يدين لملوك الطوائف، حتّى ظهر أمر أردشير بن بابك، وضبط ملك العراق، وقهر كلّ من كان في مناوأته، حتّى حملهم على ما أراد. وأمّا امرؤ القيس، ولده، فيقال: امرؤ القيس البداويّ الأوّل، وأمّه ماوية بنت عمرو، أخت عمرو بن كعب الأزديّ. وأمّا أوس بن قلام، فهو ابن قطنبا بن حمير العمليقيّ، ملك في زمن أردشير. ثمّ ملك بعده ابنه النّعمان الأعور السائح، وهو باني الخورنق

стр. 789

والسّدير، وفارس حليمة، وأمّه شقيقة بنت أبي ربيعة بن ذهل بن شيبان (٢٢٩) بن ثعلب وأخو الشّقيقة لأبيها عمرو المزدلف. وأخو النّعمان لأمّه حسّان بن زهير اللّخميّ، ملك في زمن يزدجرد ابن شابور، وكان أشدّ ملوك العرب نكاية في الأعداء، وأبعدهم مغارا. وغزا الشام مرارا كثيرة وملك الفرس يمدّه بالجيوش من تنوخ ومن الفرس. وكان ضابطا لملكه، حازما صارما. واجتمع عنده من المال والرقيق والسلاح والخول ما لم يملكه غيره من ملوك الحيرة. والحيرة يومئذ ساحل الفرات، لأنّ الفرات حينئذ كانت تدنوا من أطراف البرّ حتّى تصل إلى النّجف. فعلا مجلسه بالخورنق يوما، ورأى النّجف وما يليه من البساتين والنّخل والجنان والأنهار، وممّا يلي المغرب وعلى الفرات ممّا يلي المشرق، فأعجبه ذلك لما رأى من الخضرة والنّور والأزهار والأنهار الجارية ورعي الإبل ولقاط الكمأة وصيد الضباء والأرانب، وما في الفرات من الملاّحين والغوّاصين والصيّادين، وفي الحيرة من الأموال والخول، ومن يموج فيها من رعيّته، ففكّر في نفسه: أيّ ملك هذا، وإنّي لتاركه غد لغيري. فبعث إلى حجّابه ونحّاهم عن بابه. فلمّا جنّه الليل التحف بكساء وخرج، فلم ير بعدها. وفيه يقول الشاعر (من الخفيف): وتفكّر ربّ الخورنق إذ ... أشرف يوما والهدى تفكير

стр. 790

سرّه ما رأى وكثرة ما يملك ... والبحر معرضا والسّدير فارعوى قلبه وقال: فما ... غبطة حيّ إلى الممات يصير وأمّا امرؤ القيس بن النّعمان بن امرئ القيس، فهو الذي غزا بكرا، وكانوا أنصار لبني آكل المرّار، فهزمهم. وهو أيضا باني الحصن الذي يقال له: الصّنّين، على يدي البنّاء الذي يقال له: سنمّار الرّوميّ: وفي الحصن أيضا يقول الشاعر (من الخفيف): ليت شعري متى تحثّ بي ... النّاقة نحو العذيب والصّنّين وهو قاتل سنمّار الروميّ وباني قصره. وأمّا المنذر بن امرئ القيس، فهو المنذر (٢٣٠) ابن ماء السّماء، وماء السّماء أمّه، واسمها ماوية بنت عوف بن جشم بن هلال بن ربيعة بن زيد مناة بن عامر الضّحيان بن الخزرج بن تيم الله بن النّمر بن قاسط، ويقال: هي ربعة أخت كليب. ثمّ انتقل الملك من لخم إلى كندة لسببان، أحدهما: إغضاء قباذ عن الملك وإهماله القيام بواجب السياسة. وكان والده فيروز غزا الهياطلة، وهم سكّان طرفة من أطراف خراسان، ومعه ولده قباذ، فقتل فيروز وأسر

стр. 791

قباد. فقصدهم جند الفرس حتّى خلّصوا قباذ من الأسر. فلمّا خلّص وتقرّر ملكه، ترك القتل والقتال، وانتشرت الزّندقة فيهم. وكان الداعي إليها مزدك بن باسداد بن موبد موبدان، فجمع إليه الضعفى ووعدهم الملك، فضعف ملك العرب. فإنّ مادّة ملك العرب إنّما كانت من الفرس. فلمّا مات قباد وملك ابنه أنوشروان العادل، سار بسيرة مضادّة لسيرة أبيه، فاصطلم الزنادقة وأبادهم قتلا وأسرا حتّى قوي ملكه، وردّ المنذر بن النّعمان إلى ملكه. والسبب الثاني: أنّ امرء القيس كان يغزوا قبائل ربيعة، فبلى فيهم، ومنهم أصاب ماء السماء، وكانت تحت أبي حوط. وأهمل الحزم في إحدى غزواته، فنادت به بنو بكر بن وائل، فهزموا رجاله وأسروه. أسره سلمة بن مرّة بن همّام، وأطلقه بعد أن أخذ منه الفداء. وبقيت العداوة في نفوس بكر بن وائل. وقيل: إنّ أمّ قباد كانت منهم. فأرسلت بكر إلى الحارث فملّكوه. ثمّ ملك قابوس بن المنذر. ويقال: إنّه تملّك؛ وإنّما سمّي ملك لأنّ أباه وأخاه كانا ملكين. وكان فيه لين، فسمّي: فتنة العروس. فقتله رجل من يشكر، وسلبه. ثمّ تملّك فشهرب الفارسيّ. ثمّ تملّك المنذر بن المنذر، أخو عمرو بن هند. ثمّ تملّك النّعمان بن المنذر، وهو أبو قابوس، وهو قاتل

стр. 792

عبيد بن الأبرص، الشاعر، في يوم بؤسه، كما يأتي خبره عند ذكر عبيد بن الأبرص، إن شاء الله تعالى. وقاتل عديّ بن زيد (٢٣١)، وكان صاحب النّابغة الذّبيانيّ، وسيأتي خبره أيضا. وزعموا أنّه فارق عبادة الأوثان ودخل في النصرانيّة. وكان سبب تنصّره عديّ بن زيد، حسبما يأتي أيضا، إن شاء الله تعالى. وكان ملكه في زمن هرمز بن أنوشروان سبع سنين وثمانية أشهر، وفي زمن أبرويز أربع عشرة سنة وأربعة أشهر. ثمّ قتله أبرويز تحت أرجل الفيلة، وأمّه سلمى بنت وائل بن عطيّة الصّائغ، من أهل فدك. ثمّ انقطع الملك عن لخم. فجميع ملوك آل النّصر ومن استخلف في زمانهم من الفرس وغيرهم، حسبما سقناه وبيّنّاه أوّلا بالحيرة خمس وعشرون ملكا، في مدّة ستّمائة وأربع وعشرين سنة، تنقص شهرا واحدا. والخارج عنهم ستّة نفر، وهم: أوس والحارث وأبو يعفر وإياس الطّائيّ وفشهرب الفارسيّ، وصاحبه زادية، والله، ، أعلم. ذكر ملوك العرب من آل جفنة هؤلاء ملوك آل جفنة، وهم الغسّانيّون، ملوك عرب الشّام. فأوّلهم جفنة بن عمرو، ملك خمس وأربعون سنة. ثمّ ملك عمرو بن جفنة خمس سنين. ثمّ ملك ثعلبة بن عمرو سبع عشرة سنة. ثمّ ملك الحارث بن ثعلبة

стр. 793

عشرون سنة. ثمّ ملك جبلة بن الحارث عشر سنين. ثمّ ملك المنذر بن الحارث ثلاث سنين. ثمّ ملك النّعمان بن الحارث خمس عشرة سنة ونصف. ثمّ ملك المنذر بن الحارث ثلاث عشرة سنة. ثمّ ملك جبلة بن الحارث أربع وثلاثون سنة. ثمّ ملك الأيهم بن الحارث ثلاث سنين مجرّدة. ثمّ ملك عمرو بن الحارث ستّ وعشرون سنة وشهران. ثمّ ملك جفنة بن المنذر ثلاثين سنة. ثمّ ملك النّعمان بن المنذر سنة واحدة مجرّدا. ثمّ ملك النّعمان بن عمرو سبع وعشرون سنة. ثمّ ملك جبلة بن النّعمان ستّة عشرة سنة. ثمّ ملك النّعمان بن الأيهم إحدى وعشرون سنة. ثمّ ملك الحارث بن الأيهم اثنان وعشرون سنة وخمسة أشهر. ثمّ ملك النّعمان بن الحارث ثمان عشرة سنة. ثمّ ملك المنذر بن النّعمان تسع عشرة سنة. ثم ملك عمرو بن النّعمان ثلاث وثلاثون سنة وأربعة أشهر. ثمّ ملك (٢٣٢) حجر بن النّعمان اثنتا عشر سنة. ثمّ ملك الحارث بن حجر ستّة وعشرون سنة. ثمّ ملك جبلة بن الحارث سبع عشرة سنة وشهر. ثمّ ملك الحارث ابن جبلة إحدى وعشرون سنة. ثمّ ملك النّعمان بن الحارث سبع وثلاثون سنة وثلاثة أشهر. ثمّ ملك الأيهم بن جبلة سبعة وعشرون سنة وشهرين. ثمّ

стр. 794

ملك المنذر بن جبلة ثلاث عشرة سنة فقط. ثمّ ملك شراحيل بن جبلة عشر سنين وشهرين. ثمّ ملك جبلة بن الحارث أربع سنين. ثمّ ملك جبلة بن الأيهم ثلاث سنين. [ثمّ ملك] وهو آخرهم. فجملة الملوك منهم اثنان وثلاثون ملكا في مدّة ستّمائة سنة فقط وأربعة أشهر. [ثمّ قتلة أبرويز]. فهؤلاء ملوك غسّان، المعروفون بآل جفنة، وكانوا عمّال القياصرة من ملوك الرّوم على عرب الشام، كما كان آل نصر عمّال الأكاسرة على عرب العراق. فأوّل من ملك منهم جفنة بن عمرو. ولمّا ملك جفنة قتل ملوك قضاعة، وكانوا يدّعون الشجاعة. ودانت لهم قضاعة. وهو باني جلّق والرّبوة. وولده عمرو بن جفنة فهو الذي بنا دير هناد ودير أيّوب. وإنّما سمّيا باسمي من كان على عمارتهما. وبنا عدّة ديارات غيرها. وأمّا جبلة بن الحارث، وهو الخامس منهم، فهو باني القناطر. وأمّا الحارث بن جبلة، فكانت أمّه تدعى ذات القرطين بنت عمرو بن جفنة. وكان يسكن البلقاء، وبنا بها الحفير وعدّة مصانع هناك.

стр. 795

وأمّا جفنة بن المنذر بن الحارث، فهو الذي يسمّى محرّقا، وبه سمّيت آل محرّق، وكان أحرق الحيرة. وأمّا الحارث بن جبلة، فهو ابن أبي شمر، وهو الخامس بعد العشرين من ملوكهم، وهو الذي أوقع ببني كنانة. وأمّا النّعمان بن الحارث، ولقبه قطام، وهو باني ما أشرف على الغور الأقصى، وبكاه النّابغة الذّبيانيّ، فقال (من الطويل): بكى الحارث الجولان من بعد ربّه ... وحوران منه خاشع متضائل وأمّا الأيهم بن جبلة بن الحارث، فهو صاحب تدمر وقصر أريكة. وأما جبلة بن الأيهم، فهو آخرهم، وهو الذي أسلم في أيّام عمر بن الخطّاب، ﵁، ثمّ عاد فلحق بالروم وتنصّر؛ وحديثه مشهور، والله أعلم. (٢٣٣) ذكر التّبابعة من حمير ملوك اليمن هؤلاء ملوك حمير ملوك اليمن المعروفون بالتّبابعة. فأوّلهم حمير بن كهلان، ملك مائة وخمسون سنة. ثمّ ملك الحارث بن قيس مائة وخمس

стр. 796

وعشرون سنة. ثمّ ملك أبرهة بن الحارث مائة وثلاثة وثمانون سنة. ثمّ ملك إفريقيس بن أبرهة مائة وأربع وستّون سنة. ثمّ ملك العبد ذو الأذعار مائة وخمس وعشرون سنة. ثمّ ملك هدّاد بن شراحيل خمس وسبعون سنة. ثمّ ملك بلقيس بنت هدّاد، ملكت عشرون سنة. ثمّ ملك ناشر ينعم بن شراحيل خمس وثمانون سنة. ثمّ ملك شمر يرعش سبع وثلاثون سنة. ثمّ ملك أبو مالك الحميريّ خمس وخمسون سنة. ثمّ ملك الأقرن بن أبي مالك ثلاث وعشرون سنة. ثمّ ملك ذو جيشان سبعون سنة على قول. ثمّ ملك تبّع بن الأقرن مائة وثلاث وستّون سنة محرّرا. ثمّ ملك كلى كرب خمس وثلاثون سنة. ثمّ ملك أسعد أبو كرب مائة وعشرون سنة. ثمّ ملك حسّان بن تبّع الأكبر سبعون سنة مع الأحلاف. ثمّ ملك عمرو بن أسعد ثلاث وستّون سنة. ثمّ عبد كلال بن مثوب أربع وسبعون سنة. <ثمّ

стр. 797

ملك> تبّع بن حسّان ثمان وتسعون سنة. ثمّ ملك مرثد بن عبد كلال إحدى وأربعون سنة. ثمّ ملك وليعة بن مرثد سبع وثلاثون سنة. ثمّ ملك أبرهة بن الصّبّاح خمس وعشرون سنة. ثمّ ملك حسّان بن عمرو سبع وخمسون سنة على قول. ثمّ ملك ذو شناتر سبع وعشرون سنة. ثمّ ملك ذو نواس عشرون سنة. ثمّ ملك ذو جدن ثمان وستّون سنة. ثمّ ملك أبرهة الحبشيّ عشرون سنة. ثمّ ملك يكسوم بن أبرهة سبع عشرة سنة. ثمّ ملك مسروق بن أبرهة اثنتا عشرة سنة. قال عبد الملك بن هشام صاحب كتاب: التّيجان، المعتني بذكر التّبابعة من ملوك حمير (٢٣٤): إنّ يعرب بن قحطان أوّل من نطق بالعربيّة. وكان سار إلى اليمن فاستوطنها. واليمانيّون كلّهم من ولده. وهو أوّل من حيّاه ولده بتحيّة الملوك. فقال له: أنعم صباحا وأبيت اللّعن. وولد ليعرب يشجب، وولد ليشجب سبأ، واسمه عبد شمس. وإنّما سمّي سبأ لأنّه سبا بقومه في مخاليف اليمن وشؤونها، وتتبّع بقايا عاد، فلم يدع

стр. 798

منهم أحد إلاّ سباه. هكذا قال عبد الملك بن هشام، ووافقه على ذلك ابن دأب. وقال ابن دأب: وقد كانت العرب العاربة عدّة قبائل، منها: عاد وثمود وعمليق وطسم وجديس ووبار وأميم وقحطان وحاتم. وكانت هذه القبائل كلّها تؤرّخ لآدم حتّى بادوا جميعا. وقد كان آخرهم في زمن ازدوان وأردشير والدي ملوك ساسان. وقيل: إن كان ملك اليمن في زمن منوشجهر، شمر بن الأملوك، ثمّ جرى ابنه على منواله في طاعة ملوك فارس، وهو باني مدينة صنعاء باليمن. وفي زمن كيقباذ عقدت بنو قحطان ملك اليمن لعبد شمس بن يشجب بن يعرب بن قحطان. وملك بعده ولده حمير فبقي ملكا حتّى مات هرما. ويقال: إنّه ملك مائة وخمسون سنة، وتوارث ولده الملك بعده، ولم يعد ملكهم اليمن حتّى مضت قرون. وصار الملك إلى الحارث الرّايش، وهو تبّع الأوّل. وممّن ملك اليمن قبل الرّايش ملكان: ملك بحضرموت وملك بسبأ. ولم يجتمع اليمانيّون عليهم حتّى ملك الرّايش، فاجتمعوا عليه، وهو

стр. 799

الحارث بن قيس بن صيفي بن سبأ الأصغر الحميريّ. وسمّي رايشا لأنّه أوّل من غزا وأصاب الغنائم وأدخلها اليمن، فارتاشت حمير من أيّامه. وذكر أنّ بين هذا الرّايش وبين حمير خمسة عشر أبا. وفي زمنه مات لقمان بن عاد، المعمّر، صاحب لبد والنّسور. وكان أقصى أثر ملك الرّايش في أوّل غزواته الهند ثمّ غزا التّرك بعد ذلك بأذربيجان، فقتل وسبا. وملك بعده أبرهة، ذو المنار، سمّي بذلك (٢٣٥) لأنّه نصب المنار على طرقه في غزواته، ليهتدي بها في رجوعه. ثمّ ملك شمر إفريقيس بن أبرهة فغزا أرض المغرب لقصد البربر، وهو باني إفريقية، وهي مشتقّة من لقبه. وبلغ في مغازه ذلك أقصى البلاد ونهاية العمارة. وملك بعده أخوه العبد ذو الأذعار بن أبرهة. وكان غزا في حياة أخيه بلاد النّسانس. ثمّ ملك تبّع بن شراحيل. ثمّ ملكت بلقيس، ثمّ انتقلت إلى فلسطين بعد تلك المدّة التي قدّمنا ذكرها. وذكر حمزة أنّ بلقيس هي بانية سدّ العرم، والصحيح ما قاله عبد الملك بن هشام إنّ ذلك إنّما بناه لقمان بن عاد، ولكنّ بلقيس رمّمت فيه أماكن قد كان الدّهر غيّرها. ثمّ بقي ذلك السدّ حتّى هدمه سيل العرم،

стр. 800

وذلك قبل الإسلام بنحو أربع مائة سنة؛ هكذا قال حمزة الإصفهانيّ في عدّة أماكن من كتابه. وأنّ ملوك آل جفنة ممّن تمزّقوا خوفا من سيل العرم، حسبما سقناه من ذكرهم. وذكر أنّ مدّتهم ستّمائة سنة وأربع وعشرون سنة، وهم آل نصر، ملوك آل جفنة، ملوك عرب العراق المقدّم ذكرهم. وأمّا ناشر ينعم، عمّ بلقيس، فإنّه سمّي بذلك لانتشار نعمه على الناس، وردّ الملك على ما كان عليه بعد زواله. وأمّا شمر يرعش بن شمر إفريقيس، إنّما سمّي بذلك لارتعاش كان بيده. وأصحاب أخبار اليمن تفرط في ذكره ومدح آثاره، وتزعم أنّه هو المسمّى في القرآن العظيم بذي القرنين، وأنّ هذا اللّقب له خاصّة دون الإسكندر الرّوميّ. لكن الإسكندر لمّا انتبه بعد معازاه شمر يرعش غلط رواة الأخبار في صدر الإسلام، فحلّوه بهذا اللّقب، واستدلّوا أن لفظة: ذو، عربيّة، لا روميّة، وهي مبدأ ألقاب ملوك حمير، لا غيرهم، مثل: ذو نواس، وذو كلاع، وذو يزن، وذو منار، وذو ثعلبان، وذو حبّان. وإنّما سمّوا ذا القرنين لذؤابتين كانا ينوسان على ظهره. وقيل: إنّ شمر يرعش هذا، بلغ في بعض غزواته المشرق، فدوّخ بلاد خراسان (٢٣٦) وهدم سور مدينة الصّغد، فقيل للمدينة بعده: شمركند، أي شمر خرّب، بلغتهم، ثمّ عرّبت فقيل: سمرقند. ووجد في صعد لشمر هذا كتابة بالحميريّة، يقول: بسم الإله، هذا ما بناه شمر يرعش

стр. 801

لسيّده الشّمس. وقال بعض المؤرّخين: إنّ شمر هذا كان في زمن كشتاسب. وقيل: بل كان متقدّما عليه، والله أعلم. وأمّا ذو جيشان بن الأقرن، فهو الذي أوقع بطسم وجديس باليمامة، قبل ملك الإسكندر، وقد كان بعمان واليمامة والبحرين فئام كثير من طسم وجديس وغيرهم، وكانوا سبع قبائل، منهم كانت مثل ربيعة ومضر، وقد تقدّمت أسماؤهم، فانقرضوا كلّهم، إلاّ بقايا من طسم وجديس، غبروا إلى زمان ذي جيشان، فأبادهم. وأمّا أسعد أبو كرب فكان شديد الوطأة، كثير الغزو، فملّته حمير، وثقل عليهم لما كان يأخذهم به من كثرة الإنتزاح عن أهاليهم في غزواته. فسألوا ولده حسّان بن تبّع أن يملكهم ويساعدهم على قتله. فقتلوه ثمّ ندموا. واختلفوا فيمن يملّكوه عليهم. ثمّ اضطرّوا حتّى ملّكوا عليهم ابنه حسّان، فملّكوه. قال المؤرّخون من اليمانيّين: إنّ هذا هو المعنى في القرآن الكريم بتبّع، وأنّه لم يذمّ، وإنّما ذمّ قومه. قلت: وكما كان في الفرس ملوك يقال لهم: ملوك الطوائف، أوّلهم الإسكندر، فكذلك كان في اليمن ملوك الطوائف أوّلهم الإسكندر، يقال لهم: الأقيال. وكما خرج أردشير بن بابك على ملوك الطوائف بالفرس، كذلك خرج أسعد أبو كرب هذا على ملوك الطوائف باليمن.

стр. 802

وإنّ الإسكندر فعل في اليمن بتفريق الممالك على عدّة ملوك كما فعل في بلاد فارس. ولمّا ملك أسعد لم يزل يتتبّع قتلة أبيه حتّى قتلهم، فكرهوه لكثرة سفكه الدماء. فأتوا إلى أخيه عمرو بن تبّع، فبايعوه على قتله وتمليكه بعده، ما خلا رجلا من أشرافهم يقال له: ذو رعين، فإنّه نهاه عن قتل أخيه وحذّره سوء العاقبة لقطعه رحمه، فلم يقبل منه، وقتل أخاه. فلمّا تملّك اضطربت عليه يده مع سائر بدنه (٢٣٧) وتواترت أسقامه وعلله، فكان أبدا على فراشه. فإذا رام البروز ركب النّعش، وحمل على أكتاف الرجال، فسمّي موثبان، وذا الأعواد؛ وقيل: ذي الأعوان، وإنّما قلب الشاعر النون دال لضرورة الشعر، وهو قول الأسود ابن يعفر في ذلك (من الكامل): ولقد علمت لو أنّ علمي نافعي ... أنّ السّبيل سبيل ذي الأعواد وذكر بعض الإخباريّين أنّ ملك ذي الأعواد كان في زمن شابور بن أردشير. وأمّا عبد كلال فإنّه كان على دين المسيح. وأمّا تبّع بن حسّان، فهو تبّع الأصغر، لأنّه آخر التّبابعة، وهو الذي ملك الحارث بن عمرو وآكل المرار على معدّ. وهو صاحب مكّة والمدينة. وقيل: إنّه أوّل من كسا البيت. ولمّا انصرف إلى اليمن، تبع الحبرين من اليهود، ودعى الناس إلى ذلك، ومن هناك كانت اليهود باليمن. وهو الذي عقد الحلف بين اليمن وربيعة. وأمّا مرثد بن عبد كلال، فهو أخو تبّع، وبعده تفرّق ملك حمير.

стр. 803

وأمّا أبرهة بن الصّبّاح، فكان عالما جوادا. وكان يكرم المعدّيّين لعلمه أنّ الملك يصير إلى معدّ ويستقرّ في قريش. وقيل: إنّه كان في زمن شابور ذي الأكتاف. وكان الملك بعده إلى الصّبّاح بن أبرهة بن الصّبّاح، في زمن يزدجرد بن بهرام جور، وإنّهما ملكا في عصر واحد خمس عشر سنة. وأمّا ذو شناتر، فلم يكن من أهل بيت الملك، وكان فظّا، غليظ القلب، قتّالا، لا يسمع <أنّه> قد نشأ من أولاد الأقيال ولدا جميلا إلاّ احضره ونكحه. وكانت السّنّة فيهم أنّه: لا يملك من نكح. فكان قصده أن لا يتطاول إلى الملك أحدا من غير أهل بيته. وقيل: إنّه وجّه إلى غلام منهم يقال له: ذو نواس، لذؤابتين كانا ينوسان على كتفه. فدخل عليه، وفي ما بين ثيابه سكّين مخبّأة. فلمّا دنا منه للفاحشة، شقّ بطنه واحتزّ رأسه، فكان سببا لأن ملّكوه عليهم، حيث أراح الناس من شرّه. ثمّ (٢٣٨) ملك بعدهم أربعة نفر من الحبشة، ثمّ ثمانية نفر من الفرس، ثمّ انتقل الحكم إلى قريش. وليس يكاد يكون أسقم ولا أنحل من تاريخ ملوك حمير. قال حمزة: وكانت مدّة ملك الحبشة اثنتين وسبعين سنة. ملك أرباط من ذلك عشرين سنة، وملك أبرهة، ويقال له: الأشرم، ثلاثا وعشرين سنة، وهو سائق الفيل الذي صار كيده في تضليل، وقصد هدم الكعبة

стр. 804

المعظّمة. وفي ملكه كان مولد سيّدنا رسول الله ﷺ ، بعد قدوم الفيل مكّة ببضع وخمسين ليلة. وملك يكسوم وله سبع عشرة سنة. وملك مسروق أخوه، ابن أبرهة، اثني عشرة سنة. وفي زمن مسروق ساءت سيرة الحبشة، وتفاقم الأمر في ذلك. فخرج سيف بن ذي يزن مستغيثا بكسرى، ملك الفرس. فكان من أمره ما هو مشهورا بين الناس، في إنفاذه معه جيش من الفرس، فقهر بهم الحبشة. وملك سيف بن ذي يزن اليمن نيابة عن ملك فارس. وقد قيل في مقدار غلبة الحبشة على مدن اليمن غير ما تقدّم. قلت: إنّ صحّ الحديث عن ابن عبّاس، ﵁، في وفود عبد المطّلب على سيف بن ذي يزن مهنّئا له بملك اليمن، وأنّه لمّا عرّفه بنفسه أكرمه دون رفقته، وبشّره بظهور رسول الله ﷺ ، فإنّ المدّة بين مولد سيّدنا رسول الله ﷺ ، وبين وفاة جدّه عبد المطّلب لم تزد على ثمان سنين. ولا شكّ في مولد سيّدنا رسول الله ﷺ ، أنّه كان عام الفيل، بإجماع الرّواة. فكيف اتّسع ذلك الزمان لملك يكسوم ومسروق، ونفد أمرهما تسع وعشرون سنة؟. . . من ذلك أن حمزة عدّ لملك ذي نواس عشرين سنة ولذي جدن ثمانيا وأربعين سنة، مع أنّ ذا نواس انهزم بين يدي الحبشة. . وقال حمزة: كان قدوم وهرز اليمن بعد حرب الفجار بعشرين سنة،

стр. 805

وقبل بنيان الكعبة بخمس سنين، والرسول ﷺ ، إذ ذاك ثلاثون سنة. وأقام سيف بن ذي يزن (٢٣٩) ملكا على اليمن من قبل كسرى أنوشروان ومعه وهرز الفارسيّ. وكان قد اتّخذ من بقايا الحبشة خدما، فخلوا به يوما في متصيّد له فزرقوه بحرابهم فقتلوهم، وهربوا في رؤوس الجبال. وانقضى ملك حمير، وصارت اليمن بأيدي عمّال ملوك الفرس، وهم: وهرز، ثمّ ملك بعده وليسجان ثمّ ملك بعده حرزادشهر. ثم ملك ابن وليسجان. ثمّ ملك مروزان. ثمّ ملك ابنه خرخسره. ثمّ ملك باذان بن ساسان. ثمّ ملك دادويه، وكانت أمّه أخت باذان. وباذان هو الذي كاتب أبرويز كسرى في أمر سيّدنا رسول الله ﷺ ، على ما تقدّم فيه الكلام. ثمّ كان تملّك من الفرس جماعة على مواضع متفرّقة من أرض اليمن وهم ثمانية نفر مرازبة،. . . سخت تملّك على أرض كندة وحضرموت. ثمّ تملّك على ما كان بيد سخت، وطال مكثه بالريف وبنى عدّة أبنية، ومن ذاك القصر المقول فيه (من الكامل): أهل الخورنق والسّدير وبارق ... والقصر ذي الشّرفات من سبداد

стр. 806

وهذا اسمه: سبدان، وإنّما الشّاعر قلب النّون أيضا دالا لضرورة الشعر. ثمّ الهامرز بن أدركون، وهو قائد الجيش يوم ذي قار، وهو إحدى أيّام وقائع العرب، وكانت للعرب على الفرس، وهو أوّل يوم انتصرت فيه العرب على الفرس، وقد جاء فيه الحديث. وكان هذا الهامرز من جملة قوّاد كسرى أبرويز. ثمّ وفنابرز بن مكهان كان متولّيا على الريف من البادية، من حدّ الحيرة إلى البحرين. ثمّ ساسان بن روزبه، وكان ملكا على التغلبيّة ومضر وعمان واليمامة ويثرب من جهة ملوك الفرس قديما. وتولّى بعده روزبه بن ساسان. ثمّ تولّى أنوش ناد بن حشنشبنده. ثمّ تولّى المكعبر ناحية من المغرب من أرض العرب، واسمه داد فروز بن حشنشفان، وهو صاحب الثّغر. وكان ولايته البحرين وعمان إلى اليمامة وإلى اليمن، والله أعلم. ذكر ملوك كندة بحكم التلخيص (٢٤٠) قد قدّمنا القول بأنّ تبّع، لمّا أقبل يطلب العراق، تزل بأرض معدّ واستعمل عليهم حجر، آكل المرّار، ابن عمّ معاوية. وملك بعده الحارث بن عمرو بن حجر، كما أوردنا ذلك أوّلا. ولمّا ملك المنذر ابن ماء السّماء المرّة الثانية، هرب الحارث وتبعه خيل المنذر، فأدركوا أحد

стр. 807

بنيه فقتلواه، ونجى الحارث هاربا، فوقع ببني كلب فقتلوه. واختلف ولده بعده على الرئاسة حتّى قتلوا بعضهم بعضا. ثمّ تتبّع المنذر سائر بقيّتهم حتّى أفناهم. فلمّا زال الملك عنهم، صارت الرئاسة في بني جبلة بن عديّ بن ربيعة، حتّى تولى قيس بن معدي كرب، وعلى عهده قام الإسلام، أقامه الله إلى يوم الأزل، حتّى صار الأشعث بن قيس-وهو الذي أتا سيّدنا رسول الله ﷺ ، في سبعين نفر من أشراف كندة، فأسلموا، والله أعلم. ذكر وقائع العرب وحروبها في أيّامها المشهورة قد انتهى الكلام في ذكر سائر ملوك الأمم من العجم والعرب وأصولهم وفروعهم ومددهم ووفياتهم، بعون الله تعالى وحسن توفيقه وبركة إلهامه. وقد قصدنا أن نتلوا ذلك بذكر شجعان الجاهليّة وأيّام وقائع العرب المذكورة، مع الفصحاء من شعرائهم المشهورة، ونذكر كلّ شاعر من فحلاء الجاهليّة، ونطرّز ذلك بشيء من مختار شعره، مع نبذة لطيفة من ذكره، ليكون هذا التاريخ جامعا بين الزّهرة والخضرة، مؤلّفا كتأليف ابن كردان الحضرة، موفّقا لذلك، إن شاء الله تعالى. ذكر كليب ومهلهل ابنا ربيعة، وهو حرب البسوس المذكور أجمعت الرّواة من أهل الجزيرة بوقائع العرب وأيّام حروبهم؛ منهم

стр. 808

أبي عبيدة، قال: قال أبو برزة القيسيّ، وهو من ولد عمرو بن مرثد: إنّ كليبا كان قد عزّ وساد في ربيعة، وبغا بغيا شديدا. وكان هو الذي ينزلهم منازلهم، ويرحّلهم. وبلغ من عزّه وبغيه أن اتّخذ جرو كلب، فكان إذا نزل منزلا فيه كلآء (٢٤١)، قذف بذلك الجرو فيه، فلا يرعى أحد ذلك الكلآء إلاّ بإذنه. وكان يفعل ذلك بحياض الماء، فلا يرد الماء أحد إلاّ بإذنه أو من آذن بحرب. فضرب به المثل في العزّ، فقيل: أعزّ من حمى كليب. وكان يحمي الصّيد، فيقول: صيدنا ناحية كذا وكذا، وهو في جواري. فلا يصيد

стр. 809

أحد منه. وكان لا يمرّ به أحد إذا جلس: لا راجل ولا راكب. ولا يخشى في مجلسه غيره، حتّى قتله جسّاس بن مرّة. وكان لمرّة بن ذهل بن شيبان بن ثعلب عشرة بنين، جسّاس أصغرهم. وكانت أختهم عند كليب تسمّى جليلة. وأمّا مقاتل وفراس، قالا: إنّ أمّ جسّاس هيلة بنت منقذ بن سليمان ابن كعب بن عمرو بن سعد بن زيد مناة بن تميم ثمّ خلف عليها سعد بن ضبيعة بن قيس بن تعلبة بعد مرّة بن ذهل بن شيبان فولدت له مالكا وعوفا وتعلبة. قال فراس بن خندق البسوسيّ: فهي أمّنا وخالة جسّاس. قلت: هكذا نقلته من كتاب الأغاني الكبير الجامع، لأبي الفرج الإصفهانيّ، وهو كلام متناقض. فإنّه روى أوّلا أنّها أمّ جسّاس، ثمّ قال: هي أمّنا وخالة جسّاس. والذي تبيّنته أنّ الغلط من ناسخ الكتاب، ليس من أبي الفرج. فإنّ الرجل كان أوحد أهل زمانه وفريد عصره وأوانه. وعلى الجملة: إنّ اسم أمّ جسّاس هيلة بنت منقذ، والبسوس خالته، والله أعلم.

стр. 810

قال أبو برزة: اسمها بسوسة، وهي التي يقال لها: أشأم من البسوس. فضرب بشؤمها المثل. فنزلت على ابن أختها جسّاس، وكانت جارة لبني مرّة، ومعها ابن لها، ومعهما ناقة خوّارة من نعم بني سعد، ومع الناقة فصيل لها. وروى الأخفش قال: قال أبو برزة: وكان كليب قبل ذلك قال لصاحبته، أخت جسّاس: هل تعلمين على الأرض حرما أعزّ منّي ذمّة؟ فكستت. ثمّ أعاد عليها الثانية، فكستت. فألحّ عليها، (٢٤٢) فقالت: نعم أخي جسّاس وندمانه، ابن عمّه، عمرو المزدلف، ابن أبي ربيعة بن ذهل ابن شيبان. قال مقاتل: إنّ امرأة كليب، أخت جسّاس، بينا هي تغسل رأس كليب وتمشطه، إذ قال لها: من أعزّ وائل؟ فسكتت. فأعاد عليها وألحّ. فلمّا أكثر، قالت: أخواي: همّام وجسّاس، فنزع رأسه من يدها وأخذ القوس فرمى فصيل ناقة البسوس، خالة جسّاس، وجارة بني مرّة، فقتله. فأغمضوا على ذلك. ثمّ لقي كليب ابن البسوس، فقال: ما فعل فصيل ناقتكم؟ قال: قتلته وأخليت لنا لبن أمّه. فبلغهم ذلك، فأغمضوا عليه أيضا. ثمّ إنّ كليبا أعاد على امرأته، فقال: من أعزّ وائل؟ فقالت: أخواي همّام وجسّاس. فأسرّها في نفسه حتّى مرّت به إبل جسّاس. فرأى الناقة،
следующие страницы →