← История

История · id 18147

كنز الدرر وجامع الغرر

ابن الدواداري

Полный текст (4 323 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

وهذا اسمه: سبدان، وإنّما الشّاعر قلب النّون أيضا دالا لضرورة الشعر. ثمّ الهامرز بن أدركون، وهو قائد الجيش يوم ذي قار، وهو إحدى أيّام وقائع العرب، وكانت للعرب على الفرس، وهو أوّل يوم انتصرت فيه العرب على الفرس، وقد جاء فيه الحديث. وكان هذا الهامرز من جملة قوّاد كسرى أبرويز. ثمّ وفنابرز بن مكهان كان متولّيا على الريف من البادية، من حدّ الحيرة إلى البحرين. ثمّ ساسان بن روزبه، وكان ملكا على التغلبيّة ومضر وعمان واليمامة ويثرب من جهة ملوك الفرس قديما. وتولّى بعده روزبه بن ساسان. ثمّ تولّى أنوش ناد بن حشنشبنده. ثمّ تولّى المكعبر ناحية من المغرب من أرض العرب، واسمه داد فروز بن حشنشفان، وهو صاحب الثّغر. وكان ولايته البحرين وعمان إلى اليمامة وإلى اليمن، والله أعلم. ذكر ملوك كندة بحكم التلخيص (٢٤٠) قد قدّمنا القول بأنّ تبّع، لمّا أقبل يطلب العراق، تزل بأرض معدّ واستعمل عليهم حجر، آكل المرّار، ابن عمّ معاوية. وملك بعده الحارث بن عمرو بن حجر، كما أوردنا ذلك أوّلا. ولمّا ملك المنذر ابن ماء السّماء المرّة الثانية، هرب الحارث وتبعه خيل المنذر، فأدركوا أحد

стр. 807

بنيه فقتلواه، ونجى الحارث هاربا، فوقع ببني كلب فقتلوه. واختلف ولده بعده على الرئاسة حتّى قتلوا بعضهم بعضا. ثمّ تتبّع المنذر سائر بقيّتهم حتّى أفناهم. فلمّا زال الملك عنهم، صارت الرئاسة في بني جبلة بن عديّ بن ربيعة، حتّى تولى قيس بن معدي كرب، وعلى عهده قام الإسلام، أقامه الله إلى يوم الأزل، حتّى صار الأشعث بن قيس-وهو الذي أتا سيّدنا رسول الله ﷺ ، في سبعين نفر من أشراف كندة، فأسلموا، والله أعلم. ذكر وقائع العرب وحروبها في أيّامها المشهورة قد انتهى الكلام في ذكر سائر ملوك الأمم من العجم والعرب وأصولهم وفروعهم ومددهم ووفياتهم، بعون الله تعالى وحسن توفيقه وبركة إلهامه. وقد قصدنا أن نتلوا ذلك بذكر شجعان الجاهليّة وأيّام وقائع العرب المذكورة، مع الفصحاء من شعرائهم المشهورة، ونذكر كلّ شاعر من فحلاء الجاهليّة، ونطرّز ذلك بشيء من مختار شعره، مع نبذة لطيفة من ذكره، ليكون هذا التاريخ جامعا بين الزّهرة والخضرة، مؤلّفا كتأليف ابن كردان الحضرة، موفّقا لذلك، إن شاء الله تعالى. ذكر كليب ومهلهل ابنا ربيعة، وهو حرب البسوس المذكور أجمعت الرّواة من أهل الجزيرة بوقائع العرب وأيّام حروبهم؛ منهم

стр. 808

أبي عبيدة، قال: قال أبو برزة القيسيّ، وهو من ولد عمرو بن مرثد: إنّ كليبا كان قد عزّ وساد في ربيعة، وبغا بغيا شديدا. وكان هو الذي ينزلهم منازلهم، ويرحّلهم. وبلغ من عزّه وبغيه أن اتّخذ جرو كلب، فكان إذا نزل منزلا فيه كلآء (٢٤١)، قذف بذلك الجرو فيه، فلا يرعى أحد ذلك الكلآء إلاّ بإذنه. وكان يفعل ذلك بحياض الماء، فلا يرد الماء أحد إلاّ بإذنه أو من آذن بحرب. فضرب به المثل في العزّ، فقيل: أعزّ من حمى كليب. وكان يحمي الصّيد، فيقول: صيدنا ناحية كذا وكذا، وهو في جواري. فلا يصيد

стр. 809

أحد منه. وكان لا يمرّ به أحد إذا جلس: لا راجل ولا راكب. ولا يخشى في مجلسه غيره، حتّى قتله جسّاس بن مرّة. وكان لمرّة بن ذهل بن شيبان بن ثعلب عشرة بنين، جسّاس أصغرهم. وكانت أختهم عند كليب تسمّى جليلة. وأمّا مقاتل وفراس، قالا: إنّ أمّ جسّاس هيلة بنت منقذ بن سليمان ابن كعب بن عمرو بن سعد بن زيد مناة بن تميم ثمّ خلف عليها سعد بن ضبيعة بن قيس بن تعلبة بعد مرّة بن ذهل بن شيبان فولدت له مالكا وعوفا وتعلبة. قال فراس بن خندق البسوسيّ: فهي أمّنا وخالة جسّاس. قلت: هكذا نقلته من كتاب الأغاني الكبير الجامع، لأبي الفرج الإصفهانيّ، وهو كلام متناقض. فإنّه روى أوّلا أنّها أمّ جسّاس، ثمّ قال: هي أمّنا وخالة جسّاس. والذي تبيّنته أنّ الغلط من ناسخ الكتاب، ليس من أبي الفرج. فإنّ الرجل كان أوحد أهل زمانه وفريد عصره وأوانه. وعلى الجملة: إنّ اسم أمّ جسّاس هيلة بنت منقذ، والبسوس خالته، والله أعلم.

стр. 810

قال أبو برزة: اسمها بسوسة، وهي التي يقال لها: أشأم من البسوس. فضرب بشؤمها المثل. فنزلت على ابن أختها جسّاس، وكانت جارة لبني مرّة، ومعها ابن لها، ومعهما ناقة خوّارة من نعم بني سعد، ومع الناقة فصيل لها. وروى الأخفش قال: قال أبو برزة: وكان كليب قبل ذلك قال لصاحبته، أخت جسّاس: هل تعلمين على الأرض حرما أعزّ منّي ذمّة؟ فكستت. ثمّ أعاد عليها الثانية، فكستت. فألحّ عليها، (٢٤٢) فقالت: نعم أخي جسّاس وندمانه، ابن عمّه، عمرو المزدلف، ابن أبي ربيعة بن ذهل ابن شيبان. قال مقاتل: إنّ امرأة كليب، أخت جسّاس، بينا هي تغسل رأس كليب وتمشطه، إذ قال لها: من أعزّ وائل؟ فسكتت. فأعاد عليها وألحّ. فلمّا أكثر، قالت: أخواي: همّام وجسّاس، فنزع رأسه من يدها وأخذ القوس فرمى فصيل ناقة البسوس، خالة جسّاس، وجارة بني مرّة، فقتله. فأغمضوا على ذلك. ثمّ لقي كليب ابن البسوس، فقال: ما فعل فصيل ناقتكم؟ قال: قتلته وأخليت لنا لبن أمّه. فبلغهم ذلك، فأغمضوا عليه أيضا. ثمّ إنّ كليبا أعاد على امرأته، فقال: من أعزّ وائل؟ فقالت: أخواي همّام وجسّاس. فأسرّها في نفسه حتّى مرّت به إبل جسّاس. فرأى الناقة،

стр. 811

فأنكرها. فقال: ما هذه الناقة؟ قالوا: لخالة جسّاس. قال: وبلغ من أمر جسّاس ابن السّعديّة من أن يجير عليّ بعيرا بغير إذني؟ ارم ضرعها يا غلام. فرمى ضرعها، فاختلط دمها بلبنها. ثمّ إنّ بكر بن وائل مرّوا على نهي يقال له: شبيث، فنفاهم كليب عنه، عنه، وقال: لا يذوقون منه قطرة. ثمّ مروّوا على نهي آخر يقال له: الأحصّ، فنفاهم عنه أيضا. ثمّ مرّوا على بطن الجريب فمنعهم إيّاه. فمضوا حتّى نزلوا في طارفة وهم يتهافتون عطشا. فمرّ عليهم جسّاس، فخاطبوه في ذلك. فمرّ على كليب وهو واقف على غدير الذّنائب، فقال: طردت أهلنا عن الماء حتّى عادوا يتهافتون عطشا. فقال كليب: ما منعناهم من ماء إلاّ ونحن له شاغلون. فقال جسّاس: هذا كفعلك بناقة الخالة. فقال: وقد ذكرتها؟ أما إنّي لو وجدتها في غير بعير إبل مرّة، لاستحللتها- يعني الإبل كلّها. قال: فعطف عليه جسّاس فرسه وصوّب إليه عوده، ولم يكن مع كليب سلاح يمانع به، ولا ظنّه يجسر عليه. فطعنه بالرمح فأنفذ حضنيه. فلمّا تداءمه الموت (٢٤٣)، قال: يا جسّاس، اسقني من الماء. قال: ما عقلت استسقاءك الماء منذ ولدتك أمّك، إلاّ ساعتك هذه. وقال أبو برزة: فعطف عليه المزدلف عمرو بن أبي ربيعة، فاحتز رأسه.

стр. 812

وأمّا رواية مقاتل، فزعم أنّ <عمرو بن> الحارث بن ذهل بن شيبان هو الذي طعن كليبا، وفيه يقول مهلهل (من الوافر): فتيل ما قتيل المرء عمرو ... وجسّاس بن مرّة ذو ضرير قيل: ومقتل كليب بالذّنائب، عن يسار فلجة، مصعدا إلى مكّة، شرّفها الله تعالى. وقبره في الذّنائب، وفيه يقول مهلهل (من الوافر): ولو نشر المقابر عن كليب ... فتخبر بالذّنائب أيّ زير قال أبو برزة: فلمّا قتله أمال يده بالفرس حتّى انتهى إلى أهله. قال: تقول أخت جسّاس حين رأته لأبيها: مرّة يا بتاه، أرى جسّاسا خارجا ركبتاه. قال: فو الله ما خرجت رجلاه إلاّ لأمر عظيم. فلمّا جاء، قال: ما وراءك يا جسّاس؟ قال: ورائي قد طعنت طعنة لتسفكنّ منها من شيوخ وائل دما، أربعين عاما، قال: أقتلت كليبا؟ قال: نعم. قال: وددت أنّك وأخوتك كنتم متّم قبل هذا. ما لي إلى أن تشاءم بي أبناء وائل. وزعم مقاتل أن جسّاسا قال لأخيه نضلة بن مرّة، وكان يقال له: عضد الحمار (من الوافر):

стр. 813

أراني قد جنيت عليك حربا ... تغصّ الشّيخ بالماء القراح مذكّرة متى ما يصح عنها ... فتى نشبت بآخر غير صاح تنكّل عن ذئاب الغيّ قوما ... وتدعوا آخرين إلى الصّلاح فأجابه نضلة يقول (من الوافر): فإن تك قد جنيت عليّ حربا ... فلا وان ولا رثّ السّلاح وقال مقاتل: إنّ همّام بن مرّة، كان أخا لمهلهل، وكان عاقده ألاّ يكتمه شيئا. (٢٤٤) فكانا جالسين على شراب بينهما. فمرّ بهما جسّاس يركض به فرسه، مخرج فخذيه. فقال همّام: إنّ له لأمرا؛ والله ما رأيته كاشفا فخذيه في ركض قطّ. فلم يلبث إلاّ أن جاءته أمة، فسارّته أنّ جسّاسا قتل كليبا، ومضت. فقال له مهلهل: بما أخبرتك به العجوز؟

стр. 814

فقال: أخبرتني أنّ أخي قتل أخاك. قال: هو أضيق إست من ذلك. ثمّ تحمّل القوم وغدا مهلهل في الخيل. وقال المفضّل في خبره: فلمّا قتل كليب، قالت بنو تغلب بعضهم لبعض: لا تعجلوا على إخوتكم بكر، حتّى تعذروا بينكم وبينهم. ثمّ انطلق رهط من أشرافهم وذوي أسنانهم حتّى أتوا مرّة بن ذهل، أبو جسّاس. فعظّموا ما بينهم وبينه. وقالوا: اختر منّا خصالا. إمّا أن تدفع إلينا جسّاسا، فنقتله بصاحبنا، فلم يظلم من قتل قاتله. وإمّا <أن>، تدفع إلينا همّاما، وإمّا <أن> تفيدنا من نفسك. فسكت، وقد حضرته وجوه <بني> بكر ابن وائل، فقالوا: تكلّم غير مخذول. فقال: أمّا جسّاس، فإنّه غلام حديث السنّ، ركب رأسه، فهرب حين فعل ما فعل، فلا علم لي به. وأمّا همّام، فأبوا عشرة وأخو عشرة، ولو دفعته إليكم لضجّ بنوه في وجهي وقالوا: دفعت أبانا يقتل بجريرة غيره. وأمّا أنا، فما أتعّجل الموت، وهل تزيد الخيل إلاّ أن تجول عليّ جولة، فأكون أوّل قتيل. ولكن هل لكم في غير ذلك؟ هؤلاء بنيّ، فدونكم أحدهم فاقتلوه به، وإن شئتم فلكم ألف ناقة تضمّها لكم بكر بن وائل. فغضبوا وقالوا: إنّا لم نأتك لترد بنيك الأصغرين في كليب، وهو هو؛ ولا تسومنا اللّبن وفي

стр. 815

أموال تغلب الغنا. وتفرّقوا ووقعت الحرب. وكلّم في ذلك الحارث بن عباد، فقال: لا ناقة لي في هذا ولا جمل. (٢٤٥) وهو أوجل من قالها، فأرسلها مثلا. واتّفقت الرّواة جميعا أن كانت حروبهم أربعين سنة، كما جرى على لسان جسّاس عند قوله لأبيه. منها خمس وقعات مزاحفات متعدّدة. وكان تكون بينهم مغاورات، وكان الرجل يلقى الرجل والرجلين ونحو ذلك. وكان أوّل تلك الأيّام يوم عنيزة، وهو عند فلجة، فتكافؤوا فيه: لا لبكر ولا لتغلب، وتصديق ذلك قول مهلهل (من الوافر): كأنّا غدوة وبني أبينا ... بجنب عنيزة رحيا مدير فلولا الرّيح أسمع أهل حجر ... صليل البيض تقرع بالذّكور ثمّ تفرّقوا، فغبروا زمانا، ثمّ التقوا يوم واردات، فكانت لتغلب على بكر، فقتلوا بكرا أشدّ القتل، وقتلوا بجيرا بن عباد. فذلك قول مهلهل (من الوافر):

стр. 816

وإنّي قد تركت بواردات ... بجيرا في دم مثل البعير هتكت به بيوت بني عباد ... وبعض الغشم أشفى للصّدور قال أبو برزة: ثمّ انصرفوا يوم واردات، ثمّ التقوا يوم بطن السّرو، وهو يوم القصيبات، وربما قال: القصيبة. وكانت لتغلب على بكر أيضا، حتّى ظنت بكر أن سيقتلونها. وقتلوا يومئذ همّام بن مرّة. ثمّ التقوا يوم قضة، وهو يوم التّحالق، ويوم الثّنيّة، ويوم الفصيل: كانت لبكر على تغلب. فكان من حديث مقتل همّام بن مرّة ما زعم مقاتل، أنّ همّام بن مرّة لم يزل قائد بكر حتّى قتل يوم القصيبات. وكان قد وجد غلاما مطروحا، فالتقطه وربّاه وسمّاه: ناشرة، وكان عنده لقيطا. فلمّا شب الغلام، إذا به من بني تغلب. فلمّا التقوا يوم القصيبات جعل همّام يقاتل أشدّ قتال، فإذا عطش رجع إلى قربة فشرب ونضح عليه منها، بعدما يضع سلاحه. فوجد ناشر من همّام غفلة، فشدّ عليه بالعنزة (٢٤٦) ققتله، ولحق بقومه بني تغلب. ففي ذلك يقول مرّة، أبي جسّاس (من الطويل):

стр. 817

لقد عيّل بالأقوام طعنة ناشره ... أناشر لا زالت يمينك آشره ثمّ قتل ناشرة رجل من بني يشكر. وأمّا خبر مقتل بجير، ابن أخي الحارث بن عباد، يوم واردات، قال: كان أوّل فارس لقي مهلهلا بجير، ابن أخي الحارث بن عباد. فقال المهلهل: من خالك يا غلام؟ وبوّأ نحوه الرّمح، فقال له امرؤ القيس بن أبان التّغلبيّ، وكان يلي مقدّمة تغلب في حربهم: مهلا يا مهلهل، فإنّ عمّ هذا وأهل بيته قد اعتزلونا فلم يدخلوا في شيء ممّا نكره. والله لإن قتلته، ليقتلنّ به رجل لا يسل عن نسبه. فلم يلتفت مهلهل إلى قوله، بل شدّ عليه فقتله، وقال: بؤ بشسع نعل كليب. فقال الغلام، وهو في حياض الموت: إن رضيت بهذا بنو ثعلبة، رضيت به. فلمّا بلغ الحارث بن عباد قتل بجير -وقيل: إنّه ولده ولم يكن ابن أخيه؛ رواية أبو برزة-فقال الحارث: نعم الغلام، <غلام> أصلح بين بني وائل، أراد أن يكون بكليب. فلمّا سمعوا قول الحارث، قالوا له: إنّ مهلهلا لمّا قتله قال: بؤ بشسع نعل كليب، وقال (من الرجز): كلّ قتيل في كليب حلاّم ... حتّى ينال القتل آل همّام فغضب الحارث عند ذلك ونادى بالرّحيل، وقال (من الخفيف): قرّبا مربط النّعامة منّي ... لقحت حرب وائل عن حيال

стр. 818

لا بجير أغنى قتيلا ولا رهط ... كليب تزاجروا عن ضلال لم أكن من جناتها، علم الله ... وإنّي بحرّها اليوم صال قال مقاتل: فكان حكم بكر بعدها للحارث بن عباد، وكان الرئيس الفند. وكان فارسها جحدر، وكان شاعرها سعد بن مالك بن ضبيعة. (٢٤٧) قال مقاتل أيضا: فجدّ الحارث بن عباد في قتال تغلب. فلمّا كان يومهم على تغلب أسر الحارث بن عباد مهلهل، بعد ما أمر الناس، وهو لا يعرفه. فقال له: دلّني على مهلهل ولك دمك. قال: ولي ذمّتك وذمّة أمّك؟ قال: نعم، ذلك لك. قال: فأنا مهلهل. قال: فدلّني على كفء لبجير ابني. قال: لا أعلمه إلاّ امرء القيس بن أبان. فجزّ ناصيته، وقصد امرئ القيس فقتله. وقال الحارث في ذلك (من الخفيف): لهف نفسي على عديّ ولم أعرف ... عديّا إذ أمكنتني اليدان طلّ من طلّ في الحروب ولم أو ... تر بجيرا أبأته ابن أبان فارس يضرب الكتيبة بالسّيف ... وتسموا أمامه العينان قال جحدر: إنّ مهلهلا قال: لا والله، أو يعهد لي غيرك. قال

стр. 819

الحارث: اختر من شئت. قال مهلهل: <أختار> الشيخ القاعد، عوف ابن محلّم. قال الحارث: يا عوف، أجره. قال: لا، حتّى يداري بظلّي. فأمره، فقعد خلفه. وقال حينئذ: أنا مهلهل. وفي هذه الوقعة قتل عمرو وعامر. قتلهما جحدر، وذلك في حومة الجولان؛ شدّ على عامر فاعتوره عمرو، فطعن عمرا بعالية الرمح، وطعن عامرا بسافلته، فقتلهما جميعا. قال مقاتل: فلمّا رجع مهلهل بعد الوقعة والأسر إلى أهله، جعل النساء والولدان يستخبرونه: تسل المرأة عن خليلها وابنها وأخيها، والغلام عن أخيه وأبيه وذويه وأقاربه. فقال مهلهل (من الخفيف): ليس مثلي يخبّر النّاس عن آ ... بائهم قتّلوا وينسا القتالا لم أرم عرصة الكتيبة حتّى ... انتعل الورد من دماء نعالا عرفته رماح بكر فما يأ ... خذن إلاّ لباته والقذالا (٢٤٨) غلبونا ولا محالة يوما ... يقلب الدّهر ذاك حالا فحالا ثمّ خرج حتّى لحق بأرض اليمن، في حديث طويل. وقال عامر بن عبد الملك: لم يكن بينهم من قتلى تعدّ وتذكر إلاّ

стр. 820

ثمانية نفر: من بني بكر أربعة ومن بني تغلب مثلهنّ، عدّدهم مهلهل في شعره، وهي قصيدته التي منها وأوّلها (من الوافر): أليلتنا بذي حسم أنيري ... إذا أنت انقضيت فلا تحوري فإن أك بالذّنائب طال ليلي ... فقد أبكي من اللّيل القصيري فلو نبش المقابر عن كليب ... فيعلم بالذّنائب أيّ زير بيوم الشّعثمين أقرّ عينا ... وكيف لقاء من تحت القبور وإنّي قد تركت بواردات ... بجيرا في دم مثل العبير هتكت به بيوت بني عباد ... وبعض الغشم أشفى للصّدور على أن ليس يوفي من كليب ... إذا برزت مخبّأة الخدور وهمّام بن مرّة قد تركنا ... عليه القشعمان من النّسور ينوء بصدره والرّمح فيه ... ويخلجه خدبّ كالبعير ولولا الرّيح أسمع أهل حجر ... صليل البيض تقرع بالذّكور وهي طويلة، ذكر فيها أربعة من بكر بن وائل. وقصيدته الأخرى التي أوّلها يقول (من الخفيف):

стр. 821

طفلة ما ابنة المجلّل بيضا ... ء لعوب لذيذة في العناق وفيها يعدّد أسماء ثمانية من تغلب: ما أرجّي في العيش بعد نداما ... ي أراهم سقوا بكأس حلاق بعد عمرو وعامر وحييّ ... وربيع الصّدوف وابني عناق (٢٤٩) وامرئ القيس ميّت يوم أودى ... ثمّ خلّى عليّ ذات العراقي وكليب شمّ الفوارس إذ حمّ ... رماه الكماة بالإيفاق إنّ تحت الأحجار حزما وعزما ... وخصيما ألدّ مرّ المذاق حيّة في الوجار أربد لا ينفع ... منها السّليم نفثه راق قال أبو عبيدة: اسم مهلهل: عديّ؛ وقال <يعقوب> بن السّكّيت: بل اسمه: امرؤ القيس بن ربيعة بن الحارث بن زهير بن جشم

стр. 822

ابن يشكر بن حبيب بن عمر بن عمرو بن غنم بن تغلب. وإنّما سمّى مهلهلا لطيب كان فيه، وكان أحد من غنّي من العرب شعره. وروي أنّه أوّل من قصّد القصائد، وقال الغزل، فقيل: قد هلهل الشّعر، أي قد أرقّه. وهو أوّل من كذب في شعره، وهو خال امرئ القيس ابن حجر الكنديّ الشاعر المذكور، وسيأتي ذكره بعد ذكر أيّام العرب وفرسانها، إن شاء الله تعالى. وكان مهلهل ذا خنث ولين، وكان كثير المحادثة للنساء، وكان كليب يسمّيه زير النساء، فذاك قوله (من الوافر): ولو نبش المقابر عن كليب ... فيعلم بالذّنائب أيّ زير وقال ابن الأعرابيّ عن المفضّل الضّبّيّ وأبي عبيدة، قالا جميعا: إنّ آخر من قتل في حرب بكر بن وائل وتغلب بن وائل: جسّاس بن مرّة بن ذهل بن شيبان، قاتل كليب بن ربيعةأو كانت أخته تسمّى جليلة تحت كليب، حسبما تقدّم من الكلام في ذلك. ولمّا قتله جسّاس كانت جليلة حامل، فرجعت إلى أهلها، ووقعت الحرب، وكان بين الفريقين ما كان، ثمّ صاروا إلى الموادعة بعدما كادت القبيلتان أن تتفانيا. فولدت أخت

стр. 823

جسّاس غلاما فسمّته (٢٥٠) الهجرس، وربّاه جسّاس وأحسن تربيته، وكان لا يعرف له أبا غيره، فزوّجه ابنته. فبينا هو ذات يوم، إذ وقع بينه وبين رجل من بكر بن وائل كلام، فأربى الغلام على البكريّ في غليظ القول، فقال البكريّ: ما أنت بمنتة حتّى نلحقك بأبيك. فأمسك عنه، ودخل على أمّه كئيبا. فسألت عمّا به، فأخبرها الخبر. فلمّا أوى إلى فراشه ونام إلى جنب زوجته، ابنة جسّاس، وضع أنفه بين ثدييها، فتنفّس تنفّسة تنفّط ما بين ثدييها من حرارتها. فقامت الجارية فزعة قد داخلها رعدة حتّى دخلت على أبيها جسّاس. فقال: أخبارك يا بنيّه؟ فقصّت عليه قصّة الهجرس. فقال جسّاس: ثائر، وربّ الكعبة! وبات على مثل الوضم حتّى أصبح. فأرسل إلى الهجرس، فأتاه، فقال: إنّما أنت ولدي، ومنّي بالمكان الذي علمت، وقد زوّجتك ابنتي وحكّمتك في نعمتي، وقد كانت الحرب في أبيك زمانا حتّى كدنا نتفانا عن آخرنا، واصطلحنا وتحاجزنا، وقد رأيت أن تدخل فيما دخل فيه الناس من الصلح، وأن تنطلق معي حتّى نأخذ عليك العهد مثلما أخذ علينا وعلى قومنا. فقال الهجرس: أنا فاعل، ولكنّ مثلي لا يأتي قومه إلا بلأمته وفرسه، فحمله جّساس على فرس، وأعطاه لأمة ودرعا، وخرجا حتّى أتيا جماعة من قومهما، فتقدّم جسّاس وقال: نعمتم صباحا

стр. 824

من وجوه. ثمّ إنّه قصّ وذكر لهم ما كانوا فيه من البلاء، وما صاروا فيه من العافية بعد تلك الحرب المتواترة والدماء المهروقة. (٢٥١) ثمّ قال: وهذا ابن أختي قد جاء ليدخل فيما دخلتم فيه، ويعقد مثلما عقدتم. قال: فلمّا أقر بالدم وقاموا إلى العقد، أخذ الهجرس بوسط رمحه، ثمّ قال: وفرسي وأذنيه، ورمحي وسنّيه وسيفي وغراريه، لا يترك الرجل قاتل أبيه وهو ينظر إليه. ثمّ طعن جسّاسا فأنفذ منه سنانه إلى أوّل كعب فيه، وتركه ولحق بقومه. وكان آخر قتيل قتل في بكر، والله أعلم. قال ابن القطاميّ، قال: لمّا قتل جسّاس كليبا، وكانت مجلّلة- وقيل: جليلة-بنت مرّة، أخت جسّاس، تحت كليب، اجتمع نساء الحيّ للمأتم، فقلن لأخت كليب، وهي السّماوة: رحّلي جليلة بنت مرّة، أخت قاتل أخيك، عن مأتمنا، فإنّ قيامها فيه شماتة وعار علينا عند العرب. فقالت لها أخت كليب، وهي السّماوة: يا جليلة، اخرجي عن مأتمنا، فأنت أخت واترنا، وشقيقة قاتلنا، ووقوفك معنا شماتة بنا، وعار علينا. ولو كانت النساء يؤخذن بالرّجال لما تركتك تجري ردتك. فخرجت جليلة وهي تجرّ أعطافها، فلقيها أبوها مرّة بن ذهل، فقال: ما وراءك يا جليلة؟ فقالت: ثكل العدد، وخزن الأبد، وفقد خليل، وقتل أخ عمّا قليل، وبين

стр. 825

ذين غرس الأحقاد وتفتّت الأكباد. فقال لها: أويكفّ عن ذلك كرم الصّفح، وإغلاء الدّيات؟ فقالت: أمنيّة مخدوع وربّ الكعبة! إنّك لتعلم أنّ تغلب لا تدع لك دم ربّها، ولا من يزيد يزيل عنها في الحروب كروبها. (٢٥٢) قال: ولمّا رحلت جليلة عن الأحياء، قالت السّماوة، أخت كليب: رحلة المتعدّي وفراق الشامت. ويل غدا لآل مرّة، من الكرّة بعد الكرّة، إذا صحبتهم أوائل الخيل، بالثّبور والويل. فبلغ قولها جليلة، فقالت: واحزناه! وكيف تشمت الحرّة بهتك سترها، وترقّب وترها، ثمّ أنشأت تقول (من الرمل): يابنة الأقوام إن شئت فلا ... تعجلي باللّوم حتّى تسألي فإذا أنت تبيّنت الّذي ... يوجب اللّوم فلومي واعذلي إن تكن أخت امرئ ليمت على ... شفق منها عليه فافعلي جلّ عندي فعل جسّاس فوا ... حسرتا عمّا انجلت أو تنجلي فعل جسّاس على وجدي به ... قاطع ظهري ومدن أجلي لو بعين فقئت عيني سوى ... أختها فانفقأت لم أحفل

стр. 826

تحمل العين قذى العين كما ... تحمل الأمّ أذى ما تعتلي يا قتيلا قوّض الدّهر به ... سقف بيتي جميعا من عل هدم البيت الّذي استحدثته ... وانثنى في هدم بيتي الأوّل خصّني قتل كليب بلظى ... من ورائي ولظى مستقبلي ليس من يبكي ليوميه كمن ... إنّما يبكي ليوم ينجلي يشتفي المدرك بالثّأر وفي ... دركي ثأري ثكل المثكل ليته كان دما فاحتلبوا ... دررا منه دمي من أكحلي إنّني قاتلة مقتولة ... ولعلّ الله أن يرتاح لي قلت: وقول هذه من القصائد المشهورة، ومن المراثي المذكورة، ممّا قاربت فيه رثي الخنساء وشعر ليلى الأخيليّة، وسيأتي ذكرهما، إن شاء الله تعالى، في موضعه.

стр. 827

(٢٥٣) ذكر حرب عبس وبنو عامر والسبب فيه قال الأصمعيّ وأبو عبيدة، كلاّ يروي عن أيّام العرب ووقائعها وحروبها: إنّه لمّا قتل الملك زهير بن جذيمة، ملك بني عبس-وقتله خالد بن جعفر العامريّ، لمّا رجعا من الحجّ، بسبب ما وقع بينهما من الكلام في البيت الحرام. وكان سبب ذلك، أنّ النّعمان بن المنذر، لمّا خطب المتجرّدة بنت الملك زهير وسيّرها إليه مع أخيها شأس بن الملك زهير، وعاد من حضرة النّعمان بن المنذر، ولم يتبعه غير عبد واحد يسوق ناقة قد أوقرت طيبا وعبيرا إلى بني عبس من جهة النّعمان. فمر شأس بن زهير على أحياء بني عامر ليلا، ولم يعلموا به، فاجتاز بصيّاد قد نصب حبائله للوحش، فلمّا مرّ على تلك الحبائل شأس، نفر الوحش الذي كان تجمّع لذلك الصيّاد، فحصل منه كلاما عبثا في حقّ شأس. فقال شأس، لعزّة نفس الملك وشجاعة القلب: والله يا قرنان، لولا أنّك ضعيف الحال، ولا يقتلك فجرة، لكنت مكّنت هذا الحسام من رأسك. فاجتذب الصيّاد

стр. 828

نبلة من كنانته ورمى شأس على حسّ كلامه فلن تخطئ قلبه، فانجدل صريعا، وهرب العبد الذي كان معه إلى بني عبس. وقام الصيّاد فوجد شأس يخور في دمه وقد قضى نحبه. ونظر إلى مركبه وما عليه من الحلّى الفاخر، فعلم أنّه من بيت ملك، فندم على ما فعل. ثمّ إنّه نزع ما كان عليه، وحفر له حفيرة ودفنه فيها. وقاد الناقة، وعاد إلى أهله، فأخفا ذلك الطيب في حفيرة في الخباء، وكذلك سائر سلبه، ونحر الناقة، وأخفى حميع أثره. ووصل ذلك العبد إلى أحياء بني عبس، ونعى شأسا، وأخبرهم أنّه قتل في أرض بني عامر. فركب أبوه الملك زهير في أبطال بني عبس، في أربعة آلاف فارس، وأتا إلى منازل (٢٥٤) بني عامر، وكان خالد بن جعفر، سيّد بني عامر وملكها، غائب عند الأسود، أخو النّعمان بن المنذر، بأرض الحيرة فلمّا شعروا بني عامر بقدوم الملك زهير في بني عبس، خرج إليه كبار العشيرة ومشايخها، يقدمهم عامر بن مالك، المعروف بملاعب الأسنّة، وتلقّوه بالإجلال والتعظيم، وسألوه النزول عندهم ليضيّفوه، فأبا ذلك، وعرّفهم أنّه لم يأت إلاّ في طلب دم ولده شأس، وقصّ عليهم القصّة. فحلفوا له بالأيمان العظيمة التي كانت تحلف بها العرب في ذلك الوقت، أنّه لم يكن عندهم من ذلك علم ولا خبر:

стр. 829

وها نحن بين يديك، إن بانت علينا بيّنة ذلك وعلمت حقيقته، فهذه دمانا وأموالنا وحريمنا لك وبين يديك. فانخدع لذلك الملك زهير، وعاد طالبا لأهله، ولم يأثر شيئا من السرّ. وأقام هو وأولاده في أسوء الأحوال. وكان هذا الملك زهير أبو عشرة وأخو عشرة وخال عشرة. وكان ولده الأكبر يسمّى قيسا، وكان ذو خبرة ونظر ورأي، حتّى كانت العرب تسمّيه: قيس الرأي. فقال لأبيه: أنا أظهر لك حقيقة هذا الأمر. وكانت تلك السنة سنة مجدبة على العرب، حتّى نشف الضرع ويبس اللحم. فأخذ راحلتين وأوسقهما دقيقا وسمنا وشحما، وطلب عجوز من عقلاء الحلّة تسمّى: ماهرة. وقال: يا خالة، تأخذي هذه الراحلتين مع هذين العبدين وتتوصّلي إلى ديار بني عامر وتزعمي أنّك من أرض اليمن، وأن لكي بنت، وهي على وجه عرس، وتقصدي مشترى طيبا جيّدا، فلعلّ تعلمي بحال أخي شأس من الأحياء. ففعلت ذلك، وتوصلت إلى أحياء بني عامر. ودارت على مشترى طيبا جيّدا، حتّى وقعت ببيت ذلك الصيّاد، ولم يكن حاضرا، وقد أعوز أهله ما يموّنهم لغيبته، فاستخبرتها زوجة الصيّاد عن (٢٥٥) حالها، فأخبرتها بما أوصاها به قيس، وتلطّفت في القضيّة، حتّى أظهرت لها ذلك

стр. 830

الطّيب الذي كان بصحبة شأس، وقصّته. فتبالهت العجوز وقالت: وا عجباه من هذا الأمر! ومن ترى يكون بني عبس أو بني عامر، وإنّما أنا امرأة من ضواحي اليمن. فلمّا قضت شغلها وعادت فقصّت الحال على قيس، عند ذلك حمي الملك زهير، واستعدّ لقتال بني عامر وحضّر إليه. وسباهم وقتل منهم مقتلة عظيمة، وتحصّنوا منه في رؤوس الجبال، وعاد إلى أهله. هذا كلّه جرا، وخالد بن جعفر غائبا عن أهله. فلمّا أتاهم أخبروه بما فعل بهم الملك زهير بن جذيمة. فقال: وا ذلاّه! يجري عليّ وعلى عشيرتي من ابن جذيمة هذا، من غير جرم منّا إليهم، وا عاراه من العرب! وكان شهر رجب قد دخل، وكانت العرب لا تحمل فيه سلاح، ولا تتعرّض فيه لقتال. وإنّ الملك زهير ألزم نفسه أنّه لا يعود إلى أهله حتّى يقلع شأفة بني عامر. وطلب البيت الحرام، هو وبنيه وإخوته وبني أخته. وقصد خالد أيضا البيت الحرام، وإنّهما تلاقيا في الطّواف، وحصل بينهما منازعة وكلام. فرفع خالد يديه إلى السماء وقال: اللهمّ، ربّ هذا البيت الحرام، وزمزم والمقام، وهذا الرّكن اليمان، طلبت منك النّصرة والإعانة على هذا الباغي علينا، زهير بن جذيمة. وكان الملك زهير كبير النفس شديد التجبّر، فقال: اللهمّ إنّي ما أطلب منك نصرة على أنذال بني عامر، وإنّما أنا آخذ ثأري بقوّة ساعدي وحدّ سيفي. قال: فقالت العرب عند ذلك القول: خذل زهير، وربّ الكعبة! وافترقا على ذلك. وخرج خالد من فوره وترصّد لزهير في عودته، وكان قد بقي أيّام قلائل من شهر رجب. فلمّا عاد الملك زهير، ونزل في طريقه. (٢٥٦) فقال له ولده قيس: يابه، ارحل بنا من قرب ديار الأعداء،

стр. 831

وألحق بنا أهلنا ما دام قد بقيت هذه الأيّام اليسيرة من هذا الشهر. قال خالد: والله ما فارقنا إلاّ وقد توجّه إلى أهله يجمع علينا بني عامر وغنيّ وكلاب. فقال الملك زهير: أوقد ذلّيت يا قيس من أنذال العرب؟ وحقّ من قد أتينا من بيته، لا برحت من هذه المنزلة أو تمضي الأيّام الحرام وأبصر ما في قدرة الأسّ: خالد بن جعفر. قال: فعلم أنّ أجله قد اقترب، فتركه ولم يعاوده. وكان لمّا قال هذا القول، دخل قيس على أمّه تماضر وعرّفها أنّ أبوه مقتول لا محالة. وكان زهير شديد السّطوة والحرمة، لا يعاود في كلام. وكان لتماضر أخ، وهو خال أولاد الملك زهير، وكان الملك زهير قد نفاه عن حيّ عبس في حديث طويل، وكان نازل في بني عامر. وإنّ خالد، لمّا رجع إلى دياره استصرخ بقومه، فأجابوه في ثلاثة آلاف فارس. ففرّق كلّ ألف على محجّة من الطرق، خوفا لا يفوته الملك زهير. وجعل على الألف الواحدة ملاعب الأسنّة، وعلى الآخرة الأخوص، أخوه، وبقي هو في ألف. ونزل قريب من المحجّة الكبيرة، لعلمه بجبروت الملك زهير، وأنّه لا يستأشن منهم بشأن، وأنّه لا يأخذ على تلك المحجّة. فقال لقومه: يا قوم، من يتوجّه ويكشف لنا بالمناهل وإن كان زهير على العين،

стр. 832

ويأتيني بالخبر اليقين؟ فقالوا: والله يا خالد، ما لها إلاّ خال بنية. فطلبه واستوثق منه ونفّذه. فلم يزل يسير حتّى نزل بزهير والأولاد ومعهم أخته تماضر. فسلّم عليهم. فقال له زهير: ما الذي أتا بك يا مذلول؟ فقال: والله جئت مسلّم على أختي وناصح لكم. فقال: وما نصيحتك؟ فقال: إنّ خالد بن جعفر قد جمع عليكم قبائل بني عامر وغنيّ وكلاب، وهو (٢٥٧) قادم بهم عليكم يحطّمكم في دياركم عن قريب. وأبا أن يقول: إنّهم بالقرب منكم وقد نفّدوني لكشف أخباركم، لما كان في نفسه من الملك زهير. وكان لمّا نفّده خالد قد اشترط عليه أنّه إن ظفر بهم لا يكن له غريم إلاّ الملك زهير وحده، ولا يسبي أخته ولا يتعرّض لأحد من أولادها، واستوثق منه بذلك. فلمّا قال للملك زهير هذا الكلام قال له: يا مذلول! أوتخيفني من كلام بني عامر وغنيّ وكلاب؟ وحقّ البيت الحرام، وما عليه من الأصنام العظام، لأخرّبنّ ديار بني عامر إلى آخر الأبد، ولأجعلنّها عبرة لمن اعتبر، وفكرة لمن افتكر. قم من حيث أتيت، لا أمّ لك! فنهض وهو مكسور القلب. فلمّا عوّل على ركوب راحلته، قال قيس: يابه، بحقّ الإله العظيم، وبربّ زمزم والحطيم، قد خالفتني في الأوّل فلا تخالفني في الثاني، ودعني أفعل ما أراه. فقال: دونك وما تختار. فنهض قيس ومسك خاله وأوثقه كتاف، وقال: وحقّ الربّ القديم، ما جئت أنت إلى تكشف أحوالنا

стр. 833

لأعدائنا، ولا عدت السّبيل إلاّ عند أهلنا. وكان ذلك اليوم قد هلّ شهر شعبان وهم عازمين على المسير من الغد إلى الدّيار. فلمّا نظرت أمّه تماضر إلى أخيها مشدود لطمت خدّها وقالت: وا ذلاّه منك يا قيس! تفعل بخالك فعال الأعداء؟ فقال أبوه: أطلقه يا بنيّ، لأجل أمّك فقال قيس: وحقّ فالق الأصباح، ومنشئ الرياح، لا أطلقته أو آخذ عليه المواثيق المغلّظة: لا يذكرنا لأحد من الناس، ولا يدلّ علينا الأعداء. فقال أمّه: افعل لهم هذا يا أخي. فحلف بالأيمان الماكرة على ذلك. ثمّ إنّ أخته زوّدته بشيء من الزاد، وجلبت له في سكوته ناقة لبون. وعاد من فوره إلى بني عامر. فلمّا رأوه، قال له خالد: ما وراءك؟ فلم يجبه، حتّى أتا إلى شجرة، فقال (٢٥٨): يا شجرة، أنت في الأجناس، لست من الناس، قد وردت العين، ورأيت الشّين، وزوّدت الطّرموس واللّبن، من تلك المنازل والدّمن، فإن كان بعد حليب، فالقوم عن قريب. فلمّا سمعت العرب كلامه، قالوا: قد جنّ، وربّ الكعبة. فقال خالد: إن صدق حزري فقد لقي القوم وحلّفوه أن لا يذكرهم لأحد من الناس، فهو لذلك يخاطب الشجرة. عليّ بالشّكوة. فلمّا أحضرت، وجدوها حليبا بفوّارها. فصاح في قومه، ولم يزالوا حتّى لحقوا بالملك زهير ضحى، وهو سائرا إلى دياره، فأدركه خالد بن جعفر، وجرى بينهما من الحرب ما يبلبل الخواطر، ويذهل النّواظر. وكان الملك زهير أشجع

стр. 834

وأصبر، وفي أبواب الحرب أخبر. لكنّه خذل بتجبّره، وبقوله عند البيت الحرام ذلك المقال. فانتصر عليه خالد، وقتل الملك زهير، وتفرّقت بنو عامر عن بنيه بشرط خالهم في ذلك، وأدركوه بنوه وهو في آخر نفس، فأوصى بملك بني عبس لقيس ولده، ودفن في مكانه. وأتوا بنوه ينعوه في بني عبس، وقام العزاء عندهم أيّام. ثمّ إنّ قيس ولده جمع القبائل والعشائر والحلفاء والأصحاب وتوجّه لبني عامر، يقدمهم عنتر بن شدّاد العبسيّ. وكذلك جمع خالد من قدر عليه من العربان، وكانوا أضعاف بني عبس في العدد. لكن كانوا بنو عبس أشدّ وأصبر، بحاميتهم عنتر. فإنّه كان أعجوبة الزمان، في موقف الطّعان، فكسروا بنو عامر كسرة عظيمة، وقتلوا منهم مقتلة عامّة، حتّى تحصّنوا منهم بروس الجبال، واستأسروا خالد بن جعفر، وأرادوا قتله بالملك زهير. فوجدوا <أنّه> قد أسر منهم مالك بن الملك زهير وعمارة بن زياد، أبو الرّبيع بن زياد. وقد تحصّنوا بني عامر في أماكن حصينة، فتفادوا بينهم بالأسرى، وأخذوا على خالد العهود بإطلاق الأسيرين: مالك وعمارة. فلمّا وصل خالد إلى قومه أراد أن يطلق مالك وعمارة،٢٥٩) فلم يوافقوه أصحابه حتّى أخذوا عليهم المواثيق أن يرحلوا أصحابهم عنهم

стр. 835

ويهادنوهم بقيّة ذلك العام، واستوثقوا منهم بذلك، وأطلقوهم. فلمّا وصلوا إلى قومهم عرّفوهم ذلك فرحلوا عنهم وتهادنوا بقيّة ذلك العام، بعدما كادت بني عامر تقتل عن آخرها. ثمّ كان بينهم بعد ذلك حروب ومغايرات يطول تعدادها. وآخر الأمر أن خالد توجّه إلى النّعمان وطلب الصلح مع بني عبس، فإنّ النّعمان كان ملك العرب كلّها من قبل كسرى. وكان الحارث بن ظالم المرّيّ أيضا في خدمة النّعمان، وقد عرفه ملك الحروب التي جرت بين العربان. ولمّا وصل خالد بن جعفر استجار بالأسود بن المنذر، أخي النّعمان، فقرّبه لأخيه وعرّفه أنّه يريد الصلح، فإنّ العرب كادت أن تتفانا بين القبيلتين. فأنعم له في ذلك وأبرّ له في حواره مع الحارث بن ظالم المرّيّ. فلمّا عرف الحارث أنّ النّعمان يقصد بصلح بين بني عبس وبني عامر، لحقه الحنق، لأنّه كان من فرسان العرب المدلورة، وشجعانهم المشهورة. وكان خبيث الباطن، لا يبقي على عدوّ ولا صاحب. وكان له ببني فزارة صلة. وكانوا بنو فزارة وبنو عبس بطن واحد حتّى وقع بينهما الحرب في سباق الخيل، وهو حرب داحس المشهور، كما يأتي ماته في موضعه، إن شاء الله تعالى. فاغتال الحارث بن ظالم لخالد بن جعفر وهو سكران نائم، وضربه بالسيف الذي كان يسمّيه ذو الحيّات، فقدّه نصفين. ثمّ إنّه افكر أنّ النّعمان يطلبه،. . كونه قتل خالد وهو في حرمه وذمامه،

стр. 836

وعلم أنّه مقتول لا محالة. وكان للنّعمان ولد صغير، وكان عند أخت الحارث. فإنّها كانت ربّته وهو في حضانتها، وكان من غير المتجرّدة بنت زهير. فأتا الحارث إلى أخته وقصّ عليها ما فعل. فاستعظمته وقالت: وماذا عوّلت أن تفعل؟ فقال: تعطيني ولد النّعمان، آخذه (٢٦٠) وأضعه على كفّيّ وأدخل به على النّعمان، مع سفارة المتجرّدة لي في ذلك، فإنّني قتلت قاتل أباها، فينصلح الحال في ذلك. فظنّت أخته أنّ ذلك صحيح منه. فأخذ الطفل على كتفه وخرج به من باب مدينة الحيرة أوّل ما فتح، وصاح: يا أهل الحيرة، أنا الحارث بن ظالم المرّيّ، قد قتلت خالد بن جعفر في حرم النّعمان، وهذا ولد النّعمان أنا قاتله أيضا، فإن قتلني النّعمان أكون قد أخذت منه ثأري قبل موتي بقتل ولده هذا. ثمّ حذف ذلك الطفل والتقاه بسيفه في الهوى فقدّه أي قطعه قطعتين، وصاح وهجّ على وجهه. فتبعوه الناس وقد جرّدوا وراءه سيوفهم، وطلبوه من كلّ مكان. فلمّا علم أنّه مأخوذ خاف على سيفه المسمّى بذي الحيّات أن يملكه غيره من بعده، فضرب به صخرة ليكسره، فقدّها ذلك السّيف نصفين. فلمّا رأوا القوم الذي كانوا خلفه يتبعونه، تلك الضربة في الصخرة، لم يتبعه بعدها أحد، وكانت سبب نجاته. ثمّ إنّه بعد ذلك توصّل إلى بني عبس، واستجار بقيس ابن الملك زهير وعنتر بن شدّاد. فأجاراه من النّعمان، لمّا علم قيس أنّه قتل خالد بن جعفر وأخذ بثأر الملك زهير.

стр. 837

ثمّ جرت بعد ذلك بين بني عبس والملك النّعمان حروب يطول شرحها، فأضربت عنها لنخرج عن الغرض المطلوب، وإنّما نذكر من كلّ شيء لمعة كافية، أو بدعة شافية، ليكون هذا التاريخ مشحونا بكلّ نبذة لطيفة، وزبدة خفيفة، وبالله أستعين، فإنّه خير معين. هذا ذكر حرب داحس والغبراء المشهورة من أيّام حروب العرب ولمّا خلا وجه قيس بن الملك زهير من قتال بني عامر، وقتل غرماءه، وأخذ ثأره بأوفى نصيب، بلغه أنّ في بني رياح مهر لرجل يسمّى جياش بن عوف، ما ربّت العرب مثله من أوّل الزّمان وإلى ذلك اليوم، فتعلّق <به>. (٢٦١) وكان هذا المهر أعجوبة لمن تعجّب، ما ربّت مثله العرب، أعلا الخيل نسب وحسب، لأنّ أباه كانت العرب تسمّيه: العقاب، وأمّه حجرة، يقال لها: جلوة. وكانت تفوت الأبصار لسرعتها، وتملك القلوب عند خطرتها. وبهذه الحجرة والحصان كانت تفتخر بنو رياح على سائر العربان. وكان الحصان لرجل يقال له: ماجد، والحجرة لرجل يقال له: كريم بن وهّاب. وإنّ الحصان أغبر مع ابنة ماجد إلى الغدير يشرب،

стр. 838

والحجرة قائمة على جنب الغدير. فأدلى الحصان وحمحم ولعب بأربعته وسحب مقوده من بنت ماجد الرّياحي، فضحكوا صبيان الحيّ منه، فاستحيت البنت عند ذلك وأطلقت رسنه من يدها، ودخلت إلى بعض المضارب من شدّة الخجل. وكانت الحجرة طالب. فوثبها الحصان. ولمّا نزل عنها أخذته الجويرية وسارت به إلى مضربهم. ولمّا رآه أبوها ونظر إلى عينيه عرف أنّه قد فقر. فاغتاض لذلك، وسأل من ابنته فأخبرته الحال، فخرج إلى وسط الحيّ ونادى بآل رياح: يال رياح! فأتوا إليه شيوخ الحلّة، فعرّفهم ذلك وقال: والله متى لم يدعوني أفعل ما أريد، دسست على الحجرة من قبلها، وتثور بيننا الحرب وسفك الدماء. فقالوا: وما الذي تريد تفعل؟ قال: أتوني بالحجرة وشدّوها بين يديّ حتى أغسل حياها. فأتوه بالحجرة. فقام إليها وشمّر ساعديه، ثمّ غسل يديه بالماء وضمّدها بالتّراب، وأدخل يده في حيا الحجرة وجرف كلّما كان فيها، ثمّ تركها. فما حال الحول حتّى ولدت هذا المهر، فسمّاه كريم: داحس، لأجل ما دحسه صاحب الحصان في أمه جلوة وجاء أحسن وأرتب وأجمع من أبيه عقاب. ثمّ إنّه جاز يوم على ماجد وراء أمّه. فنهض، فأخذه، وقال: يا

стр. 839

للعرب! هذا مهري وابن حصاني، وأنا أحقّ به منه. وبلغ الخبر (٢٦٢) لكريم بن وهّاب، صاحب المهر. فجمع سادات العشيرة، ثمّ أتا بهم إليه. فعنّفوه، وقالوا: قد فعلت في النّوبة الأوله بحجرته ما فعلت، وحكّمك ولم يشاققك، واليوم تريد تغصبه ما له! فقال: لا تطيلوا الخطاب، فوحقّ الإله القديم ما أعطيه إيّاه إلاّ أن تقاتلوني عليه وتأخذوه منّي غصبا. فلمّا سمع صاحبه ذلك، قال: يا ابن العمّ، لعن الله من يغصبك على ملك الأرض. اشهدوا عليّ أنّ المهر مهره والحجرة أيضا هبة منّي إليه، حتّى لا أفرّق بينهما. ثمّ انصرف عنه وترك له المهر وأمّه. فاستحسنوا العرب منه ذلك، واستحى ماجد من كرم ابن عمّه عليه وإفضاله. فأعاد المهر والحجرة ومعهما قطعة من إبله. ثمّ إنّ المهر خرج بدعة الزّمان، زائد الصفات، وكان يسابق سائر الخيول. وإذا أراد صاحبه يسابق أحد، يقول لخصمه: اسبقني رمي نبلة. فيقدم عليه ثمّ يطلق عنانه فيدركه ويسبقه، حتّى شاع خبره في سائر أحياء العرب. فلمّا بلغ قيس بن زهير، هام به وشغف. ثمّ أنفذ إلى صاحبه كريم برسول يسأله شراءه، وبدل له ما شاء من الأموال والنّياق والخيل والذهب

стр. 840

والفضّة، فأبا، وقال: والله لو سيّر ابن زهير بطلله بعته منّي بأمتعته، لكن ساومني معه، هذا لا كان أبدا. فلمّا ردّ الرسول بالخيبة، أغار عليهم الملك قيس في بني عبس، وأخذ الأموال وسبا العيال، وقتل الرجال. وكان المهر مقيّد، فوثب عليه عبد لصاحبه وحرّكه، فعاد يجمز جمزا كجمزات الغزال. فلمّا رآه قيس حرّك عليه فلم يلحق منه الغبار، فصاح على العبد، وقال: قف يا مولّد العرب، ولك الذّمام، حتّى تسمع منّي كلام. فوقف ثمّ نزل وفكّ قيده وقال: قل يا مولاي. فقال: بعني هذا المهر بمهما شئت. فقال: أبيعك. فهو بسائر الغنيمة. (٢٦٢) فقال: وحقّ ذمّة العرب، شريته منك بما قلت. فلمّا تأكّد بينهما الحال، نزل العبد عن داحس وسلّمه رسنه، وأعاد قيس سائر الغنيمة، وعاد به إلى أهله وهو لا يكاد يصدّق بحصول الجواد. ثمّ إنّ قيس ما عاد يفارق داحس وغويه كما يغوى الرجل المرأة الحسناء. ووصل خبره إلى بني فزارة، وكان بين قيس بن زهير ملك بني عبس وبين حذيفة بن بدر، رئيس بني فزارة، تقاولات وتنافس، حتّى ألجأ الحال بهم إلى الرّهان في سباق الخيل، وأوقعوا بينهما الرّهن على مائة ناقة، بعد مشاجرات كثيرة أضربت عنها لطولها. وكان لحذيفة بن بدر الفزاريّ حجرة يقال لها: الغبراء. وكان مطنّ بها، فحصل بينهما الرهان على سباق داحس والغبراء. واتّفق رأيهم أن يكون السباق من مائة رمية بالنّبل، والذي يقيس: إياس بن منصور. وكان إياس بن منصور قد اختاره قيس لأنّه كان من الرّماة المشهورة الذي يضرب بها الأمثال. واتّفقوا على الضّمار أربعين يوما. هذا

стр. 841

جرا وكلا من مشايخ العشيرتين كاره لهذا الأمر، وعلموا أنّ هذا السّباق يثور بينهما أحقاد قديمة ودفائن باطنة. فدخلوا في إبطال ذلك، فامتنع حذيفة بن بدر، فإنّه كان معجب برأيه، كثير الصّلف، عظيم الرأي في نفسه. فلمّا رأى قيس امتناعه عن تأخير السباق صمّم أيضا هو على ذلك، على كره منه، فإنّه كان حسن العقل والتدبير، مليح الرأي والمشورة. ولمّا لجّ حذيفة في ذلك، قال له إياس بن منصور هذا القصيد (من المتقارب مع بعض الخلل في الوزن): حذيفة ما فيك من هجنة ... وما في طهارة قيس من دنس فدع عنك قيس، فقيس له ... عفا جنح أخذه بالنّفس (٢٦٤) ولا سيّما داحس في الرّهان ... إذا شاطروا ذائبا حبس جواد إذا ثار الغبار ... رأيت حوافره كالقبس فلمّا سمع حذيفة مقال إياس، قال: أنا ما أرجع عن رهاني بهذا الكلام وأمثاله. وكان لحذيفة أخ يقال له: حمل، وكان عاقلا محنّكا عارف بتصاريف الزّمان وحوادث الأيّام، فتوسّط بينهما أن يتركا هذا الأمر، وركب إلى قيس ابن زهير، وقال (من الكامل): يا قيس لا تغضب حذيفة إنّه ... طلب اللّجاج وفعله ميشوم

стр. 842

يا قيس إنّ مع اللّجاج جزأة ... فيها الوبال وفرعها مذموم إنّي أخاف على أخي من شوءمه ... تلقا كما لقي الفتى مكتوم جارا أخاه على المعالي فانثنى ... وهو الشّقيّ وأنفه مرغوم ماذا تريد من امرئ في نفسه ... حنقا وحنقه محتوم إنّ الّذي يبغي حذيفة منكم ... والرّاقصات إلى منّى مفهوم فلمّا سمع قيس هذه الأبيات، قال: يا حمل، ليس منّي مخالفة؛ إن رجع أخاك عن الرهان اشهد عليّ أنّي راجع. فعاد إلى أخيه، فأعيته فيه الحيلة، وهو لا يزداد إلاّ فضاضة. وكان الذي يعصي أمر حذيفة، وقصده إثارة الفتن، وقلع آثار بني عبس، <هو> سنان، زوج أخت الحارث بن ظالم، التي كان عندها ابن الملك النّعمان وأخذه الحارث منها وقتله، كما تقدّم من الكلام. فطلب النّعمان لهذا سنان، وألزمه بإحضار الحارث بن ظالم. ونفّذه إلى بني عبس بطلب الحارث. فامتنعوا عليه في ذلك، كونهم أجاروا الحارث، كونه أخذ بثأر الملك زهير، وقتل خالد بن جعفر في حرم النّعمان. فلمّا ياس سنان من بني العبس، وأنّهم لا يسلّموه الحارث، نزل (٢٦٥) ببني فزارة، وعاد يشلي الفتن ويثير الحروب، وكان داهية من دواهي العرب، فكان يعصي رأي حذيفة من الاتّفاق. قال في ذلك (من الخفيف):

стр. 843

قد كرهت السّباق خوفا من البغي ... وخصمي على الرّهان مقيم قلت للمر: يا حذيفة دعنا ... واستمع من أخيك فهو حكيم فبغا واستطال لمّا رآني ... مستقيل طاهر والبغي شوم وحقّرني لمّا رأى الحلم منّي ... وادّعا أنّني جبان غشيم وأنا، والّذي له البيت والرّكن ... جميعا وزمزما والحطيم لي عزم يغلّ حادثة الدّهر ... إذا كان أمرها محتوم برجال تلتقي صدور العوالي ... بقلوب قد خالفتها الحسوم يا بني بدر، وله الأمر والنّهي ... للبرايا، نعيمها لا يدوم والّذي قد يضحك اليوم عزّ ... فوقه طائر الهلاك يحوم وكان حمل قد عنا بهذا البيت الاخر: سنان، لمّا علم أنّه الذي يشعب رأس أخوه حذيفة. فلمّا انتهت الأيّام التي للضّمار، وعزما على السباق، وعادت العرب تموج في الحلبين وتقايض بعضها بعضا، ووقعت بينهما الرهانات، واجتمعت فرسان القبيلتين على غدير ذات الأصاد. وأحضروا إياس بن منصور، الرامي، فأعطى ظهره للغدير، واستقبل مهبّ الهوى، وأرما سهمه مائة غلوة، فانتهى إلى المكان المعروف بينهما. هذا والاتبا والمشايخ حولهم. وانتخب كلّ واحد لفرسه فارس يعتقد عليه. وأتت سادات بني

стр. 844

ذبيان وشجّعان بني غطفان، لأنّهم الجميع في أرض واحدة، ومنهم أنساب متّصلة. وكان الملك قيس قد أوصى عنتر بن شدّاد أن يقيم (٢٦٦) في الأحياء لعله بشجاعته وقوّة نفسه، وأنّه لا يحمل الضّيم. فخاف من إثارة الفتنة إذا كان حاضر ورأى ما لا يعجبه ولا يصبر عليه. فلم يقدر عنتر على التخلّف في الخيام، وخشي على قيس وإخوته، أولاد الملك زهير. قال: فبينما الخيل على عزم الإطلاق، وإذا بعنتر قد طلع كالأسد الواثب الأروع، وبيده سيفه وهو إلى نحو الفريقين قد أسرع، وعيناه كالجمر، وقد تطاير منها الشّرر. ولا زال حتّى توسّط الجمع، ونادى: يا معشر العربان، وسادات ذبيان، وشجعان غطفان، من بني معدّ بن عدنان، ما بينكم إلاّ من يعلم أنّني صنيعة الملك زهير بن جذيمة، أبو هذا الملك قيس، وهو الذي الحقني بالنّسب، وترك لي منزلة وحسب. ولكن ما هنّأه الزمان حتّى كنت أملّكه ملك كسرى أنوشروان، بسيفي وهذا السّنان، وطرقته طوارق الحدثان. وقد خلّف هذا الملك الكبير، والسيّد الأثير، ورضيه أن يكون خليفة على عشيرته وإخوته، وهو كما علمتم ما فيه من الحلم والإنصاف، وأنا عبده وملك يده، معزّ لمن والاه، ومذلّ لمن عاداه. والآن فالأمر قد انتهى، ولا بقا إلاّ إطلاق الخيل والنصر، من فالق الإصباح، ومهبّ الرياح. وأنا أقسم وحقّ البيت الحرام، والرّكن والمقام،

стр. 845

والمشاعر العظام، لإن تعدّا حذيفة وظلم، لأسقيته كأس النّقم، ولأجعلنّ بني فزارة حديثا يروى بين الأمم. فأنتم سادات العربان، وملوك الزمان، فلا ترضوا بغير العدل والإنصاف، وكونوا على من يقصد الخلاف. . . . كثر الكلام، وعادت الناس كلّ يتحدّث بهوا نفسه. . . . انتخب حذيفة للغبراء فارس من بني ذبيان، يقال له: مالك بن فعلون، وانتخب قيس لداحس رجل من بني عبس، يقال (٢٦٧) له: مالك بن غالب. ولما صار كلّ واحد على متن جواده، أقبل قيس على صاحبه وأوصاه بخصائله الذي يعرفها من جواده، وأشار إليه يقول (من الرجز): لا ترسلنّ له العنان كلّه ... وإن عراه عرق وهلّه إمسح بساقيك وأحسن سلّه ... إنّك إن لم تنعشه تملّه . . . حذيفة فعال قيس، فتشبّه به، ودنا من صاحبه وأوصاه بفرسه، وألقا إليه يقول (من الرجز): لا ترسلنّ لها العنان كلّها ... وإن علاها عرق وبلّها فامسح بساقيك وأحسن سلّها ... إنّك إن تعنّفها تملّها قال: فتلعثم عنتر وتلوّى حتّى صرّ من تحته الأدم، وقال: سبق وحقّ
следующие страницы →