Полный текст (4 323 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.
стр. 841
جرا وكلا من مشايخ العشيرتين كاره لهذا الأمر، وعلموا أنّ هذا السّباق يثور بينهما أحقاد قديمة ودفائن باطنة. فدخلوا في إبطال ذلك، فامتنع حذيفة بن بدر، فإنّه كان معجب برأيه، كثير الصّلف، عظيم الرأي في نفسه. فلمّا رأى قيس امتناعه عن تأخير السباق صمّم أيضا هو على ذلك، على كره منه، فإنّه كان حسن العقل والتدبير، مليح الرأي والمشورة.
ولمّا لجّ حذيفة في ذلك، قال له إياس بن منصور هذا القصيد (من المتقارب مع بعض الخلل في الوزن):
حذيفة ما فيك من هجنة ... وما في طهارة قيس من دنس
فدع عنك قيس، فقيس له ... عفا جنح أخذه بالنّفس
(٢٦٤)
ولا سيّما داحس في الرّهان ... إذا شاطروا ذائبا حبس
جواد إذا ثار الغبار ... رأيت حوافره كالقبس
فلمّا سمع حذيفة مقال إياس، قال: أنا ما أرجع عن رهاني بهذا الكلام وأمثاله.
وكان لحذيفة أخ يقال له: حمل، وكان عاقلا محنّكا عارف بتصاريف الزّمان وحوادث الأيّام، فتوسّط بينهما أن يتركا هذا الأمر، وركب إلى قيس ابن زهير، وقال (من الكامل):
يا قيس لا تغضب حذيفة إنّه ... طلب اللّجاج وفعله ميشوم
стр. 842
يا قيس إنّ مع اللّجاج جزأة ... فيها الوبال وفرعها مذموم
إنّي أخاف على أخي من شوءمه ... تلقا كما لقي الفتى مكتوم
جارا أخاه على المعالي فانثنى ... وهو الشّقيّ وأنفه مرغوم
ماذا تريد من امرئ في نفسه ... حنقا وحنقه محتوم
إنّ الّذي يبغي حذيفة منكم ... والرّاقصات إلى منّى مفهوم
فلمّا سمع قيس هذه الأبيات، قال: يا حمل، ليس منّي مخالفة؛ إن رجع أخاك عن الرهان اشهد عليّ أنّي راجع. فعاد إلى أخيه، فأعيته فيه الحيلة، وهو لا يزداد إلاّ فضاضة.
وكان الذي يعصي أمر حذيفة، وقصده إثارة الفتن، وقلع آثار بني عبس، <هو> سنان، زوج أخت الحارث بن ظالم، التي كان عندها ابن الملك النّعمان وأخذه الحارث منها وقتله، كما تقدّم من الكلام. فطلب النّعمان لهذا سنان، وألزمه بإحضار الحارث بن ظالم. ونفّذه إلى بني عبس بطلب الحارث. فامتنعوا عليه في ذلك، كونهم أجاروا الحارث، كونه أخذ بثأر الملك زهير، وقتل خالد بن جعفر في حرم النّعمان. فلمّا ياس سنان من بني العبس، وأنّهم لا يسلّموه الحارث، نزل (٢٦٥) ببني فزارة، وعاد يشلي الفتن ويثير الحروب، وكان داهية من دواهي العرب، فكان يعصي رأي حذيفة من الاتّفاق. قال في ذلك (من الخفيف):
стр. 843
قد كرهت السّباق خوفا من البغي ... وخصمي على الرّهان مقيم
قلت للمر: يا حذيفة دعنا ... واستمع من أخيك فهو حكيم
فبغا واستطال لمّا رآني ... مستقيل طاهر والبغي شوم
وحقّرني لمّا رأى الحلم منّي ... وادّعا أنّني جبان غشيم
وأنا، والّذي له البيت والرّكن ... جميعا وزمزما والحطيم
لي عزم يغلّ حادثة الدّهر ... إذا كان أمرها محتوم
برجال تلتقي صدور العوالي ... بقلوب قد خالفتها الحسوم
يا بني بدر، وله الأمر والنّهي ... للبرايا، نعيمها لا يدوم
والّذي قد يضحك اليوم عزّ ... فوقه طائر الهلاك يحوم
وكان حمل قد عنا بهذا البيت الاخر: سنان، لمّا علم أنّه الذي يشعب رأس أخوه حذيفة.
فلمّا انتهت الأيّام التي للضّمار، وعزما على السباق، وعادت العرب تموج في الحلبين وتقايض بعضها بعضا، ووقعت بينهما الرهانات، واجتمعت فرسان القبيلتين على غدير ذات الأصاد. وأحضروا إياس بن منصور، الرامي، فأعطى ظهره للغدير، واستقبل مهبّ الهوى، وأرما سهمه مائة غلوة، فانتهى إلى المكان المعروف بينهما. هذا والاتبا والمشايخ حولهم. وانتخب كلّ واحد لفرسه فارس يعتقد عليه. وأتت سادات بني
стр. 844
ذبيان وشجّعان بني غطفان، لأنّهم الجميع في أرض واحدة، ومنهم أنساب متّصلة.
وكان الملك قيس قد أوصى عنتر بن شدّاد أن يقيم (٢٦٦) في الأحياء لعله بشجاعته وقوّة نفسه، وأنّه لا يحمل الضّيم. فخاف من إثارة الفتنة إذا كان حاضر ورأى ما لا يعجبه ولا يصبر عليه. فلم يقدر عنتر على التخلّف في الخيام، وخشي على قيس وإخوته، أولاد الملك زهير.
قال: فبينما الخيل على عزم الإطلاق، وإذا بعنتر قد طلع كالأسد الواثب الأروع، وبيده سيفه وهو إلى نحو الفريقين قد أسرع، وعيناه كالجمر، وقد تطاير منها الشّرر. ولا زال حتّى توسّط الجمع، ونادى: يا معشر العربان، وسادات ذبيان، وشجعان غطفان، من بني معدّ بن عدنان، ما بينكم إلاّ من يعلم أنّني صنيعة الملك زهير بن جذيمة، أبو هذا الملك قيس، وهو الذي الحقني بالنّسب، وترك لي منزلة وحسب. ولكن ما هنّأه الزمان حتّى كنت أملّكه ملك كسرى أنوشروان، بسيفي وهذا السّنان، وطرقته طوارق الحدثان. وقد خلّف هذا الملك الكبير، والسيّد الأثير، ورضيه أن يكون خليفة على عشيرته وإخوته، وهو كما علمتم ما فيه من الحلم والإنصاف، وأنا عبده وملك يده، معزّ لمن والاه، ومذلّ لمن عاداه. والآن فالأمر قد انتهى، ولا بقا إلاّ إطلاق الخيل والنصر، من فالق الإصباح، ومهبّ الرياح. وأنا أقسم وحقّ البيت الحرام، والرّكن والمقام،
стр. 845
والمشاعر العظام، لإن تعدّا حذيفة وظلم، لأسقيته كأس النّقم، ولأجعلنّ بني فزارة حديثا يروى بين الأمم. فأنتم سادات العربان، وملوك الزمان، فلا ترضوا بغير العدل والإنصاف، وكونوا على من يقصد الخلاف.
. . . كثر الكلام، وعادت الناس كلّ يتحدّث بهوا نفسه. . . .
انتخب حذيفة للغبراء فارس من بني ذبيان، يقال له: مالك بن فعلون، وانتخب قيس لداحس رجل من بني عبس، يقال (٢٦٧) له: مالك بن غالب. ولما صار كلّ واحد على متن جواده، أقبل قيس على صاحبه وأوصاه بخصائله الذي يعرفها من جواده، وأشار إليه يقول (من الرجز):
لا ترسلنّ له العنان كلّه ... وإن عراه عرق وهلّه
إمسح بساقيك وأحسن سلّه ... إنّك إن لم تنعشه تملّه
. . . حذيفة فعال قيس، فتشبّه به، ودنا من صاحبه وأوصاه بفرسه، وألقا إليه يقول (من الرجز):
لا ترسلنّ لها العنان كلّها ... وإن علاها عرق وبلّها
فامسح بساقيك وأحسن سلّها ... إنّك إن تعنّفها تملّها
قال: فتلعثم عنتر وتلوّى حتّى صرّ من تحته الأدم، وقال: سبق وحقّ
стр. 846
الكعبة أبا حجار، وأخذت جماله الأبكار، لأنّ كلامات العرب ما قلّت، ومعانيها ما استقلّت، ولكن، يا للعرب! في الشعر دليل على أنّ فرسك تتبع فرسه، كما أنّ نفسك تتبع نفسه، فاغتاض حذيفة من كلامه، وحلف أنّه لا أطلق جواده ذلك اليوم، فإنّه يقال بمقال عنتر. ورجعوا ذلك اليوم وقد أضمر الغدر في نفسه.
فلمّا رجعوا عن السباق ذلك اليوم، صاح بهم شيبوب، أخو عنتر، وقال: يا سادات العرب، وأهل الفضل والأدب، بحرمة جدّكم معدّ بن عدنان، اسمعوا منّي هذا الكلام. فانعطفوا عليه الفرسان، ودارت به الشّجعان، وقالوا: قل ما بذلك من المقال، لعلّ مقالك يكون صلاح الحال.
فقال: يا وجوه العرب، هؤلاء قبائل واحدة وبني عمّ، وقد جرى لهم هذه الملاحجة على السّباق، وأنا، وحقّ خالق الأشباح، ومركّب فيها الأرواح، أسبق الجوادين بسرعة الرّواح، وأفرّج الطوائف على هذه الأعصاب الملاح، لكن على شرط <أن> تكون هذه (٢٦٨) المائة ناقة لي إن سبقت.
فضحكوا أمراء العربان من مقاله، وضمنوا له، وقصدوا الفرجة.
ولمّا عاد شيبوب مع أخيه عنتر، لامه على قوله، فقال: يا ابن الأمّ، لي في مصالح عدّة، الأوله: أنّي أعرف من نفسي، أنّني أسبق الجوادين، وإذا رأت العرب فعلي شهدت لي بذلك، ولا عادت تطمع في لحوقي إذا أنا سرت قدّامهم في المعامع.
стр. 847
ثمّ إنّ حذيفة في تلك الليلة، أدعى بعبد من عبيده، يقال له: دامس، وقال له: يا دامس، ما خيّبتك إلاّ ألمها. وكان يعرف من شدّته أنّه أقوى من الصّخر وأجلد من الأسود. وأوصاه أنّه يكمن للخيل قرب المكان المعروف للسبق. فإذا رأى الغبراء فرسه سابق فلا يبيّن نفسه، وإن رأى داحس سابقها يخرج ويلطمه ويعيده إلى خلفه حتّى تلحقه الغبراء. فقال العبد: يا مولاي، ومن أين أعرف الغبراء من داحس وهما تحت العجاج؟ فأعطاه عدد حصا مجمّعة وعدّه على العبد، وقال: خذ هذا الحصا وارمه إلى الأرض واحدة واحدة عندما ترى الخيل قد أطلقوا، فإذا انتهت الحصا فإنّ الغبراء تأتيك على آخر العدد، وإن بقي شيء من الحصا ورأيت الفرس السابق فهو داحس، فاخرج إليه وافعل ما أمرتك به.
فلمّا كان عند الصباح علو الناس على رؤوس الروابي والشعاب، واجتمعوا الشيوخ والشباب، وأطلقت الأمناء الخيل عند ذهاب الليل، وصاحت عليها ركّابها، وضربت بالسّياط أجنابها، وتقدّمت الغبراء وتأخّر داحس، وصار الفزاريّ يقول للعبسيّ: سبقت يا أخا عبسي، فبشّر نفسك بالعكس وبالنّكسي. فقال العبسيّ: وأيم الله يا نذل فزارة، سوف ننظر من يقع في الخسارة. وصبر حتّى قطع الحجر وصاح على داحس فمدّ قوائمه مثل الإنسان (٢٦٩) إذا تمطّا، وطلب السهل والوطا، وطار حتّى عاد كأنّه
стр. 848
عقاب، بين تلك الرّوابي والعقاب، حتّى سبق الناظر، وخيّل لراكبه أنّه على الفلك الدائر، وترك الغبراء خلفه وهي لا تدرك له غبار، حتّى غاب عن النواظر والأبصار. وعاد العبسيّ يقول للفزاريّ: أنفذني في رسالة إلى بني بدر، وأوفي ما في عنقك من نذر. هذا، وشيبوب في عراض داحس مثل ريح الشمال، وكلّما رآه قد سبقه يهيم في الربا والآكام، كما يهيم ذكر النّعام، فسبق داحس وصار قدّامه برمية سهام. وما زال كذلك حتّى قارب الشّعب الذي فيه دامس العبد، وكان قد بقي من الحصا أكثر من النصف، ومدّ عينه فرأى داحس قد أقبل مثل البرق إذا خطف، والقطر إذا وكف. فلمّا صار بين يديه عارضه كالعفريت، ولطمه لطمة جبّار عنيد، أو شيطان مريد، على وجهه، فأداره إلى وراة، ومن عظم اللّطمة ارتعد وتتعتع، وكاد راكبه أن يقع. ونظر شيبوب إلى هذا الفعال، فسلّ خنجره ووثب على العبد في صدره، أطلع الخنجر من ظهره، فوقع بخور في دمه. ثمّ همّ أن يعود إلى داحس ويحسن فيه المداراة، وإذا بغبار الغبراء قد أقبل مثل الريح الهبوب، أو الماء إذا جرى من الأنبوب، فخاف لا يعود سبوق، ولا يأخذ لا جمال ولا نوق، فترك داحس ولعب برجليه وانطلق مثل البرق إذا برق، وأتت الغبراء في إثره، وأتا داحس في إثرها ودموعه جارية على خدّيه، وقد فتح منخريه. وجميع الطوايف قد ضجّت في إقبال شيبوب وعجبوا من خفّة ركبه وقوّة عصبه.
ولمّا أقبلت الغبراء من بعده، ارتفعت أصوات بني فزارة فرحا
стр. 849
بالسّبق، وما زالوا كذلك حتّى وصل داحس وفي وجهه أثرا لطمة قد أثّرت في صفحات خدّه، (٢٧٠) وأخبره راكبه بما جرا، فكادت مرارة قيس تنفطر حنقا، ودمدم عنتر وجرّد حسامه، وأراد أن يهجم على بني بدر، وتصايحت الفرسان، وزمجرت الأبطال، وسلّت السيوف، وغلت الدّماء، وانقلبت الدّنيا، ولا بقي إلاّ أن تحمل العرب بعضها على بعض. فدخلت المشايخ والسادات، وكشفت الرؤوس خوفا على البنين والبنات، ودخلوا بين الجموع، وردّوا الناس بالسؤال والخضوع. وما أمسا المساء حتّى اتّفقوا أن تكون المائة ناقة من مال بني فزارة لشيبوب لأجل سبقه، وخلا حذيفة اللّجاج في طلب المال، لأجل لطمة داحس، وعاد وفي قلبه نار لا تطفى، ولا سيّما لمّا سمع بقتل دامس عبده.
وأما قيس فإنّه رجع وفي فؤاده من أجل لطمة جواده حزازات، وعنتر يقول: أيّها الملك، وحقّ نعمك وصدقات أبوّتك لأفنينّ بني بدر، لأنّهم يطلبون الظّلم والغدر، ولا بقيت أظفر منهم بأحد إلا وسقيته كأس العطب.
وافترقوا، وكلاّ يعظّ كفوفه حنقا. وسيقت النوق إلى شيبوب، فنحر وأولم وأطعم وفرّق على الصعاليك من الطائفتين.
. . . كان بعد أيّام <أن> اجتمعت جهّال بني فزارة إلى حذيفة، وقالوا: كيف تركت رهنك يا با حجار، بالكلام الفشار؟ ولم يزالوا به معما فيه من الخفّة، حتّى أنفذ ولده ندبة، وكان يكنى أبا فراقة، وقال: اذهب
стр. 850
إلى قيس بن زهير وقل له: قال لك أبي: أنفذ إليه سبقه سرّا، وإلاّ آخذه منك جهرا وقهرا وفضحتك بين العربان تارة أخرى. وكان عند شيخ من عقلاء قومه، فقال: يا حذيفة، الله الله! إيّاك والبغي والرجوع إلى كلام الجهّال، وأنشأ يقول (من الرجز):
البغي سيفا يا أبا حجاري ... فتّاكة كطوارق الأسحاري
(٢٧١)
فاحفظ مضاربه إذا جرّدته ... وانصف ولا تلبس لباس العاري
واسأل خبيرا عن ثمود وأهله ... لمّا طغوا وبغوا على الأخيار
ناداهم تحت الظّلام فأصبحوا ... بين الطّلول شواخص الأبصار
فلمّا سمع حذيفة شعره لم يلتفت إليه، ولعب العجب والبغي في عطفيه، وقال لولده: سر لما أمرتك به!
فسار الصغير إلى بني قيس، فلم يجد قيسا حاضرا، فقالت له المدلّة: يا با فراقة! في أيّ شيء أتيت؟ قال أريد سبقنا وحقّنا. فقالت المدلّة: وأيّ حقّ عندنا؟ ارجع على عقبك واشكر ربّك الذي ما رآك قيس. فرجع ندبة إلى أبيه وأخبره الخبر. فغضب وقال: يا ويلك! رجعت بالذلّة من كلام المدلّة!
فلمّا رجع قيس إلى أبياته آخر النهار عرّفته زوجته، وكان ثملا من شرب العقار، فلعب الشرّ في جميع أعضائه. ثمّ قال: لعن الله أبوه! والله لو كنت حاظر ما تركته يعود ينظر أمّه أبدا.
فلمّا كان من الغد، إذا بندبة قد حضر ووقف وما سلّم، وقال: يا
стр. 851
قيس، يقول لك أبي: أوصله حقّه وأنت جليل، وإلاّ أخذه منك وأنت ذليل. فزاد غضب قيس، وقال: يا ويلك يا ابن اللحنا! ولمثلي يقال هذا المقال؟ وضربه بحربة كانت في يده قضى عليه. وكان عنتر جالس بين يديه، فشدّ ندابة على فرسه عرضا وهو قتيلا، وزعق على الجواد، فعاد به إلى بني فزارة. فلمّا رأوه، صاحت النّسوة وانقلب الحيّ بالصياح، وحرق حذيفة أثوابه، وعلا بكاه وانتحابه، وصار يدور بين البيوت ويصيح:
والتراب أبا فراقة! الثأر الثأر!
وركبت فرسان بني فزارة وأحلافها، وكذلك بني عيس، ووقعت العين على العين ولا بقي إلاّ اصطدام الخيل. فدخلت مشايخ القبيلتين مكشّفين الرّوس، حفاة الأرجل. ولم يزالوا كذلك حتّى تقرّر بينهم الحال، على أن قيس يقوم بدية (٢٧٢) ندبة بن حذيفة. وحمل المال، وانفصل الحال، وافترقوا عن مضض.
ثمّ إنّ حذيفة جمع إخوته واستشارهم في الغدر ببني عبس، فقال له أخوه حمل بن بدر: يا حذيفة، احذر البغي، ثمّ أنشأ يقول (من الطويل، مع خلل في الوزن):
وحقّ الّذي أرسى الجبال بلا حسبي ... لإن أنت لم تقبل فداء بني عبس
стр. 852
لتصطبحن كأسا مريرة ... من السّمهريّات المثقّفة الملس
أغرّك أن قالوا: حذيفة سيّد ... فكن سيّدا نفديك بالمال والنّفس
وخلّي جواد البغي لا تركبنّه ... فيرميك في بحر من التّعس والنّكس
نهيتك عن قيس وقيس نهيته ... ولكنّ خبرا المقدور بالسّعد والنّحس
حذيفة ترك الحرب عندي نصيحة ... ولا سيّما حرب الفوارس من عبس
ودعهم لنا حصنا إذا مالت العدا ... علينا صباحا بالمسوّمة الخرسي
وإن كان قيس غادر في فعاله ... فأنت الّذي علّمته الغدر بالأمس
فلمّا سمعت القبائل مقاله شكروه على ذلك، وألزموا حذيفة بأخذ الفداء. ولمّا أراد حذيفة العبور إلى منزله وجد زوجته قد حوّلت باب الخباء. وهذا كان عادة نسوان العرب إذا أرادوا طلاقهم من أزواجهنّ. ثمّ قالت: وحقّ اللاّت والعزّى وهبل الأعلا، لا كنت لي بعد هذا اليوم بعلا.
ورآها قد والاها شبه الجنون وهو تنشد وتقول (من الوافر):
أيقتل واحدي قيس وترضى ... بأموال ونوق سارحات
стр. 853
أما تخشى إذا قالوا الأعادي ... حذيفة قلبه قلب البنات
فدع ما قاله حمل بن بدر ... فكلّ مقدّر لا بدّ يأتي
وخذ ثأري بأطراف العوالي ... وبالبيض الحداد المرهفات
(٢٧٣)
وإلاّ خلّني أبكي نهاري ... وليلي بالدّموع الجاريات
لعلّ منيّتي تأتي سريعا ... وترميني سهام الحادثات
أحبّ إليّ من بعل جبان ... فإنّ حياته بئس الحياة
فوا أسفي على المقتول ظلما ... وقد أمسا طريحا في الفلات
ترى طير الأراك ينوح مثلي ... على أعلى الغصون المائلات
وهل يجد الحمام مثل وجدي ... إذا رميت بسهم من شتات
فيا يوم الرّهان فجعت فيه ... بشخص جاز حدّ الصّفات
فلا زال الصّباح عليك ليلا ... ووجه البدر مسودّ الجهات
ويا خيل السّباق سقيت سمّا ... مداف في المياه السّارحات
ولا زالت ظهورك مثقلات ... بأحمال الجبال الرّاسيات
فلمّا سمع حذيفة هذه الأبيات، بكى حتّى كاد يغمى عليه. وزادت به الأحزان والحسرات، وقال لزوجته: قري عينا، وطيبي قلبا! فإنّي قد جعلت على بني زهير الأرصاد والعيون، ولست بقانع منهم بمال، ولا نوق ولا جمال، ولا بدّ من أخذ ثأر ولدك من إحدى بني زهير، وإنّما هذا أمر
стр. 854
أخفيناه حتّى لا يشيع عنّا فيخرج عن أيدينا.
ومن ذلك العهد جعل له الأرصاد والعيون في بني عبس، حتّى كان عرس مالك بن زهير في بني غراب. وسار إلى بني غراب في أفراس قليلة من بني عبس، أمن من طوارق الحدثان، ونوائب الزمان. فلمّا كان في صبيحته قبل طلوع الشمس لم يشعر إلاّ بخيول بني فزارة يتقدّمهم حذيفة بن بدر. فخرج مالك من خباه في ثياب مصبّغات التي كان نائما بها مع عروسه. فلمّا دهمته الخيل لم يمهل إلى لبس عدّة حرب، فكبا به الفرس في بعض أطناب البيوت، فرماه على أمّ رأسه، وبادره حذيفة بن بدر فضربه على عاتقه، نزل (٢٧٤) السيف إلى معالقه، فخرّ صريعا. فلمّا رآه حذيفة جديلا ملقا، ألوى عنان فرسه وطلب دياره. وقام الصائح في بني غراب، وقتلت مع مالك ثلاث نفر من بني عبس ممّن كانوا أتوا معه في العرس.
وخرجت زوجة مالك بن زهير ووضعت رأسه في حجرها وقبّلت عوارضه وأنشدت (الوزن مضطرب وغير واضح):
أبكيك لا للنّعيم والأنس ... بل للمعالي والرّمح والفرس
أبكي على سيّد فجعت به ... أرملني يوم صبحة العرس
إذ خرّ ملقا فوق التّراب مجدّلا ... مضمّخ بالنّجيع منغمس
стр. 855
يا ليتني كنت قبل مصرعه ... شربت كأس الحمام في نفس
كلّ صباح يأتي من بعد طلعته ... تراه عيني في ظلمة الغلس
ثمّ كان بينهم بعد ذلك وقائع وحروب، شيّب الأطفال في المهود.
ثمّ إنّ عنتر ترصّد لبني فزارة حتّى ظفر بعشرة فوارس من بني فزارة، يقدمهم حمل بن بدر وعوف بن بدر، إخوة حذيفة بن بدر. فلمّا ظفر بهم،. قال لحمل بن بدر: انج بنفسك، فأنت أعقل قومك. ثمّ طعن عوف بن بدر، فأنفذ السّنان مع كعبين من الرّمح من ظهره، ثمّ كرّ على بقيّة الفزاريّين فقتلهم جميعا، وهو يقول: بالثأر خليلي مالك بن زهير.
. . . كان بينهم مداعات للحرب، فالتقوا على ماء يقال له: آرك، فأقاموا في الحرب خمسة أيّام، وكانت لعبس على فزارة، حتّى كادت فزارة تفنا بأجمعها. فخرجت مشايخ فزارة مكشّفين الروس، عراة الأجساد، مستغيثين بقيس حتّى رفع عنهم السيف، وأخذ برهائنهم وهم مائة وعشرين فتا من أولاد سادات فزارة.
وفعل عنتر في تلك الحروب ما يحيّر النّواظر، ويبلبل الخواطر.
وهذا هو حرب داحس المشهور والذي ضربت به الأمثال، بعد حرب البسوس المقدّم ذكره، والله أعلم.
стр. 856
(٢٧٥) ثمّ كان بينهم وقعة جبال الرّدم، واصطلحوا، وأقاموا مدة كانت بينهم فتنة الحصين بن ضمضم، وكان من وجوه بني فزارة، وهو ابن خالة حذيفة بن بدر. وإنّه ركب طالب الصيد، فمرّ بمراعي بني عبس، فرأى طالب أخو الربيع بن زياد تحت شجرة يشرب فضلة خمر كانت معه وهو مضطجع وقد رفع صوته يغنّي، وجماله ترعى حوله. فقال له الحصين الفزاريّ: ويلك يا ابن زياد! أمنت وطربت. فقال له طالب: وكيف يا حصين لا أطرب وسيوفنا حداد، ورماحنا مداد، والنّصر عاداتنا، مخيّم على أبياتنا؟! فلمّا سمع الحصين كلامه ثارت فيه الحميّة الجاهليّة وطعنه في حربته صلب العود فيه، وخلاّه ملقى ومضى إلى أهله، ودخل على حذيفة بن بدر فعرّفه، فاستجاد فعله. ومن يومه جمع حشوده وحلفاءه.
ثمّ إنّ بني عبس استجاشت. ثمّ كانت بينهم وقعة ذات الإصاد، وكانت لعبس على فزارة، وقتل عنترة الحصين بن ضمضم مبارزة. وكسروا بنو فزارة كسرة عظيمة لا انجبار لها، وتفرّقت عنها حلفاها وجموعها.
وعادوا بني عبس منصورون. فوجدوا الأحياء في صياح ونواح. فكشفوا عن ذلك، فوجدوا تماضر، أمّ قيس بن زهير، قد سباها حمل بن بدر، أخو حذيفة. ولمّا خافت الفضيحة رمت نفسها على صخرة فأخلطت
стр. 857
دماغها، وهي بين الإماء يندبونها. فلمّا عاينوا بنوها ذلك طلبوا آثار بني بدر بعدما كانوا قد عفوا عنهم. فلحقوهم على جفر الهباءة، وهو ماء قريب من ديارهم. وكان لحذيفة بن بدر ولد يقال له حصن، جميل الصورة، وكان أبوه لمّا نزل هو وإخوته على الماء، علموا أنّ بني عبس تدركهم هناك، وحقّقوا الموت. فقال لولده: هذا آخر العهد منك، ولا تغفل عن ثأر أبيك وأعمامك، فأنا أعلم أنّ قيس يبقي عليك بما أوصيك أن تفعله، وذلك إذا رأيت <أنّهم> قد أتوا علينا ولم يبق غيرك، فارتمي على أقدامه وقل له:
يا عمّ، لا تدع أحدا يقتلني غيرك. وامتدّ قدّامه على (٢٧٦) حفير الوادي.
فهو معه في الكلام، وإذا قد طلع عليهم خيول بني قيس، يتقدّمهم قيس بن زهير وإخوته وبني زياد، وعنتر بن شدّاد، في جماعة بني قراد، وقيس ينادي برفيع صوته: لبّيك لبّيك يا والدتاه، لبّيك لبّيك يا أخاه! ثمّ قال: يا بنو بدر، إلى كم هذا الجور والعناد والبغي؟! ها قد حلّت بكم النوائب، وعن قليل تندبكم النوادب. فصاح به حصن: يا عمّاه، هذا وقت المعروف يا طيّب اللّبن. فلطمه أبوه أرداه على قفاه، وقد استقتل. وقال:
يا بني زهير، دونكم وما تشاوا، فوحقّ ألاّت والعزّى، لو ظفرنا بكم ما أبقيناكم وإنّ أبقيتمونا، فاغتنموا فرصة الدّهر، ودعونا من المحاورة،
стр. 858
فوحقّ الكعبة الحرام، وهبل والمقام، لا دافعنا عن أنفسنا ولا جرّدنا سيف ولا أحدبنا سنان.
عندها ترجّل قرواش ابن عمّ قيس وفي يده حربة قاضية، فهزّها وضرب بها حذيفة في صدره أطلعها من خرزة ظهره. فلمّا مال، نزل الحارث بن زهير، وفي يده سيف أخيه مالك، فحزّ به رأسه وأخذه بيده ونادى: يا لثارات مالك بن زهير. ثمّ أنشأ يقول (من الوافر):
فلو نبش المقابر عن أخينا ... وعاين يومنا ذا لم نبالي
فليت الأرض تنقب عنه حتّى ... يعاين يومنا ويرا فعالي
تركنا بالهباة سراة بدر ... يمجّون المنايا بالعوالي
حذيفة والفتا حمل أخاه ... ومالك مع زيد مع بلال
تركناهم بأرض الجفر صرعا ... بأسياف مهنّدة صقال
قتلناهم وعزّ عليّ يوما ... تنالهم المنيّة بالمنال
سراة النّاس كانوا أين حلّوا ... وأسد الحرب في يوم المجال
بغوا والبغي يترك كلّ أرض ... قفار لا تعزّ على سؤال
فلمّا أبصر الرّبيع فعال الحارث، صاح: واحرباه يا طالب! ثمّ ترجّل إلى حمل (٢٧٧) بن بدر وطعنه صلب الرمح فيه وقطع رأسه، وأنشأ يقول
стр. 859
(من الوافر):
سقينا بالهباة سراة بدر ... كؤوس الموت من بيض وسمر
أدرناها عليهم مرهفات ... فمالوا بالغلاة بغير سكر
وكانوا أعظم المقلين جمعا ... وأقوى عزمة في كلّ أمر
ومنها يقول:
وفينا بالعهود لهم فخانوا ... وجازونا بإسراف وغدر
وغرّهم الزّمان فخادعونا ... وصرف الدّهر يخدع كلّ حرّي
ونحن الخاسرون بما فعلنا ... فوا أسفي على أولاد بدر
قطعت بقتل سيّدهم نباتي ... ولكنّي شفيت غليل صدري
وتقدّم عمرو بن الأسلع وقتل مالك بن بدر، وتتابعت الفرسان وأصحاب الثارات وقتلوا بقيّتهم حتّى امتزج الجفر بالدّماء. هذا وقيس يبكي حتّى بلّ بردته، ونزل عن جواده ينادي: وا حسرتاه عليكم يا بني الأعمام. ثمّ أنشأ يقول (من الخفيف، مع اضطراب في بعض الأبيات):
إنّ يوم الهباة أورثني الذّ ... لّ وأصبحت ظالما مظلوما
يوم قتلي سراة آل بدر .... . وكانوا للعالمين نجوما
فجعوني بمالك بن زهير ... فحملت الأسى له والهموما
стр. 860
فقتلت الجميع كيما لأطفي ... بدمائهم ناري فزدت سموما
ليتني كنت قبل فقد بني بد ... ر قتيلا أو قد فقدت النّعيما
لطموا داحس حذر السّبق ... لقد كان داحس مشوما
ظلمونا بفعلهم وظلمنا ... معشرا كان يومهم محتوما
فلمّا فرغ قيس من شعره، طلع إليه حصن بن حذيفة وارتما على أقدامه يقبّلهما ويبكي، وقد انخلع قلبه ممّا عاين في قومه، وكان صبيّا. ثمّ نادا: يا عمّاه، (٢٧٨) بدم أبيك زهير وأخيك مالك، إن كان قلبك بعد ما اشتفا، وقد عوّلت أن لا تبقي منّا أحدا، فاذبحني أنت بيدك لعلّ تشتفي كبدك. ثمّ سلّم إليه سيف أبيه حذيفة، وانضجع قدّامه على التراب. فلمّا عاينه قيس كذلك، صاح: واكرباه يا ابن الأخ! وضمّ حصن إلى صدره وصار يقبّله ويبكي ويقول: والله لو فعلت هذا الفعال قبل قتل أبيك وأعمامك ما كان نالهم هذا المنال، ولكن جرى عليهم حكم القضاء، وأنت المقدّم عليهم بعد أبيك. ثمّ عادوا إلى ديارهم وهم لا يغبّوا على طريق.
وهذا آخر ما وقعت عليه من أخبار حرب داحس، رواية الأصمعيّ، والله أعلم.
стр. 861
ذكر حاتم الطّائي ونبذ من أخباره
قال الأصمعيّ وأبو عبيدة: إنّه جرى بمجلس كسرى ذكر لحاتم الطائيّ، فسأل من النّعمان بن المنذر عنه، فقال: أيّها الملك! أجمع الناس أنّه لم يكن أحدا بلغ في الكرم ما فعله حاتم، حتّى بلغ به الأمر إلى بيع نفسه، وأقرى ضيوفه. فقال كسرى: وكيف كان ذلك؟ فقال: نعم أيّها الملك، هذا حاتم تعلّم الكرم من أمّه غنيّة بيت عفيف. وكان أبوها قد مات وخلّف لها أموالا جمّة لا تدرك، فأنفذت أكثرها في الجود على الناس. وإنّ إخوتها أزوجوها لرجل يقال له: سعد بن عبد الله الجلهميّ، واقتصدوا ذلك لعلمهم أنّه لم يكن في العرب أشحّ منه، وقالوا: هذا يضرب على يدها ولا يمكّنها من بذرقة مالها.
فلمّا ولدت حاتم، انتشأ أكرم أهل زمانه. وكانت أمّه تحسّن له ذلك وتقوّيه على مراده. ومات أبوه، ونفذ جميع ما كان لهما حتّى بلغ بهما الجهد إلى أن باتا بلا عشاء، ولم يكن عندهما ما يتقوّتاه، ونزل بهما أضيافا على ما كانوا يعلمون من حاتم. فدخل على أمّه وقال: ألا تري إلى أضيافنا؟ وكيف لا يملك شيئا من المدنيا. فقالت له أمّه: يا حاتم، خذ بيدي وأخرجني إلى القافلة، (٢٧٩) وقل: من يشتري هذه الخادم البازلة؟
стр. 862
وبعني بما تضيف به أضيافك الليلة، ولا تحزن على قلّة ما بيدك. فقال حاتم: معاذ الله يا أمّاه أن أبيعك وأنت امرأة ضعيفة عن ما يراد منك من الخدمة! وإنّما، وحقّ البيت الحرام، وزمزم والمقام، متى لم تفعلي أنتي بي هذا وتبيعيني بما تقري به هؤلاء القوم، وإلاّ قتلت نفسي بيدي. فلمّا تحقّقت من ذلك، قامت به إلى القافلة الواردين عليهما وأباعته بناقتين، ونحرتهما للأضياف.
ولمّا كان عند الصباح، توجّه حاتم مع مولاه الذي شراه، بعدما ودّع أمّه وأخته، وسار يسوق جمال مولاه ونياقه إلى دياره. ثمّ سلّم إليه مولاه سائر أمواله وجماله، وبقي على مثل ذلك ثلاث شهور. وفي الشهر الرابع نزل على سيّده رجل من طيء-وكان اسم مولاه لائم بن خارقة. فلمّا كان عند المساء جلس الطائيّ للعشاء، فرفع رأسه فرأى حاتم واقف من جملة العبيد في الخدمة، فعرفه، وما خفا عليه أحواله. فقال لمولاه: من اين لك هذا العبد النجيب البازل؟ فقال: هذا شريته من بني طيء بناقتين. واليوم، لو طلب منّي بعشرين ناقة ما بعته. لما بان لي منه من الأمانة وعدم الخيانة. فضحك الطائيّ من كلامه، وقال: يا أمير، لقد اشتريت عبدا ما عرفت له قيمة، ووقعت والله بالدّرّة اليتيمة. ولو عرفته ما كنت استخدمته، بل كنت خدمته وأكرمته. فلمّا سمع مولاه هذا الكلام، رفع يده عن الطعام، وقال: يا وجه العرب، ما معنى هذا المقال؟ فقال الطائيّ: والله ما بعبد ولا ابن أمة، ولكن ابن حرّة مكرّمة. هذا حاتم طيء الذي بلغ من الكرم ما لا بلغه أحدا من الخلق، وما أظنّه أباع نفسه إلاّ لقضيّة عجيبة
стр. 863
وأمور غريبة. قال: وكان هذا لائم سيّد مذكور بالسخاء والجود مع الحال المتّبع. فلمّا تذكر حاتم، مع ما تواردت عليه من أخباره، طاش عقله وقام على قدميه وأعتق (٢٨٠) حاتم وأجلسه وغيّر عليه أثوابه، وسأله عن سبب بيعه نفسه، فقصّ عليه حديثه وسببه. فعظم ذلك على لائم. ثمّ إنّه قطع ماله نصفين وشطره شطرين، وأعطى حاتم الشطر الواحد، فكان ألف ناقة وجمل، وخيل وإماء وعبيد، وقماش وأثاث بجملة كبيرة، وعاد إلى أهله.
وكانوا أهل الحيّ إذا سألوا من غنيّة أمّ حاتم عن ولدها، تقول: غدا يتكسّب. وكان لائم قد أعطى حاتم بعد ذلك مولّدتين وتخت قماش وطيب ومائة ناقة، وقال: أوصل هذا لأمّك، حقّ دلالتها عليك، لأنّها باعت بيع السّماح. فشكره حاتم على ذلك. ولمّا وصل إلى الحيّ خرجت بنو طيء إلى ملتقاه، وهم يظنوا أنّه كسب جميع ذلك.
فلمّا سمع كسرا ذلك، قال: ثمّ ماذا فعل حاتم بالمال؟ فقال: لم يصل إلى الحيّ حتّى فرّق أكثره على أهل الحيّ وفقراه وصعاليكه، وأبقى منه ما يسدّ به خلله ولإقامة رسمه لنزّاله وضيوفه. فقال كسرى: والله لا بدّ لي من امتحان هذا الرجل. وأمر بعض حجّابه أن يمضي إلى حاتم ويقول له: إنّ الملك كسرى قد احتاج إلى جمال يشيل عليها بعض أشغاله، وقد سيّرني الملك قاصدا. فامتثل الحاجب ذلك، ولم يزال حتّى قدم على
стр. 864
حاتم فاستنزله وأحسن ضيافته وقراه، وبلّغه الحاجب ذلك فقال: السّمع والطّاعة، والله للملك العادل بتّ الليلة على خير إلى غد. ولم يكن يملك حاتم غير ناقة واحدة يشيل عليها أمّه وأخته إذا انتقلت العرب من دار إلى دار.
فلمّا كان عند الصبح طلع حاتم على تلّ عال فصاح: يا لطيء! يا لطيء! فتبادروا إليه وجوه العشيرة وشيوخها. فقال: يا بني عمّي، الملك العادل قد نفّذ يطلب منّي ظهر يحمل عليه أشغاله، ولم يكن عند ابن عمّكم غير ناقة واحدة. فقالوا أبشر يا حاتم ببلوغ المنا! ثمّ جمعوا له عشرة آلاف جمل وسلّمها للحاجب واعتذر. وكان الحاجب لمّا وصل إلى أحياء طيء بلغته كلاب حاتم وعادوا يبصبصوا بأذنابهم ويدلّونهم على بيوت حاتم، لكثرة ترداد الأضياف.
(٢٨١) فلمّا عاد الحاجب بالجمال إلى كسرى وأخبره بما عاين وبما رأى استعظم كسرى أمره، وأمر أن توسق سائر تلك الرواحل من سائر الأصناف من خيرات العراق، ومن الثياب الديباج الملّونة، وأن توسق ناقة حاتم ذهب وفضّة ويعادوا إلى حاتم مع ثقة من جهة كسرى، ويأخذ خطّ حاتم بجميع ما وصل إليه. وأمره أن ينظر ما يفعل حاتم بتلك الأحمال المسيّرة إليه.
قال: فلمّا وصلت الجمال موسقة من تلك الأنعام صاح حاتم على أربابها، ففرقها بما عليها. كلّ من عرف جماله أعطاه <أيّاها> بما عليها، ولم يعلم ما هو. ولن يأخذ غير ناقته. فلمّا وصل بها إلى أبياته أتته
стр. 865
الفقراء والصعاليك من الحيّ، وقالوا: يا حاتم، نحن لم يكن لنا جمال ولا نوق نعيرك حتّى تردّها إلينا بأحمالها. فقال: على رسلكم. وفتح الغرائر التي كانت على ناقته وعاد يعطي من ذلك الذهب والفضّة حتّى فرّقها، ونفض الأعدال فوقع من أحدهما درهم واحد، فأخذه بيده وحلقه إلى خادمه طريفة، وقال: خذي، هذا سهمك. فقالت: يا مولاي، نحن لا تألفنا دراهم ولا ذهب، ولا تصاحبنا من دون العرب. فأنشأ عند ذلك يقول (من البسيط):
قالت طريفة: ما تبقا دراهمنا ... ولا لها عندنا عهد به نثق
تفرّ من عندنا والله يرزقنا ... ممّن سوانا ولسنا نحن نرتفق
ما يألف الدّرهم الطّاغي لصحبتنا ... إلاّ يمرّ علينا ثمّ ينطلق
إنّا إذا اجتمعت يوما دراهمنا ... ظلّت إلى طرق المعروف تستبق
قال أبو عبيدة: وكان حاتم بعد سير الرسول من عنده افتكر فعل كسرى، فقصد التوجّه للنّعمان ليعلم موجب ذلك. فتأهّب وسار طالب النّعمان بأرض الحيرة، فنزل على عرب يقال لهم: بني فهم. وكان فيهم امرأة برزة يقال لها: ماويّة ابنة الضّحّاك، ذات حسن وجمال وثروة ومال، قد خطبها (٢٨٢) سادات العرب، أهل المعالي والرّتب، وهي قد آلت على نفسها لا تزوّجت إلاّ من تختبره وتعلم صحّة حسبه وكرمه. وكانت لها
стр. 866
أبياتا خارجة عن الحلّة لأجل الضّيفان. فما زالت كذلك حتّى طرق ديارها حاتم ونزل في تلك الأبيات. فوجد بها ثلاث نفر من شعراء الجاهليّة، وهم: زهير بن أبي سلما والنّابغة الذّبيانيّ وأوس النّبيتيّ، وهم قد أتوا لخطبتها. فلمّا استقرّ بهم المكان أتتهم جارية مبرقعة وسلّمت عليهم بلسان فصيح، وقالت: مولاتي تسألكم: هل لكم من حاجة غير القرا؟ فقال لها زهير: نعم يا مولّدة العرب، نحن ثلاث أتينا في خطبة سيّدة العرب، وهذا القادم ما نعلم هل هو على ما نحن فيه أم لا. فسألته الجارية، فقال: أمّا أنا فعابر سبيل، وإن قسم لي ذلك كنت على الخيار فيه.
قال فلمّا ردّت الجارية قول الأقوام، أنفذت لكلّ واحد منهم جزور، وقالت: ليتحكّم كلّ واحد في جزوره بما يريد. فوثب كلّ واحد من خباه ونحر جزوره وكشطه وعرّاه من جلده، وأضرم النار وجلس يصنع له صنيعا. وعلمت ماويّة بذلك، فتنكّرت وغيّرت حلاها، وأتت في زيّ سائلة. فأوّل ما وقعت بمضرب أوس النّبيتيّ، واستطعمته فأعاطها زور المبرك، وهو أخس ما في البعير، فأخذته وعدلت إلى النّابغة، فاستعطمته فأعطاها مبرك الفخذين، وهو أيضا خسيسا في البعير، ثمّ أتت إلى زهير
стр. 867
فقطع لها كارع الجمل. وهذه الأشياء لا تعمل فيها النار ولا تنضجها.
فحملت الجميع وأتت إلى عند حاتم، فرأته وقد أكثر من إضرام النار، ونصب القدر لإصلاح الطعام. فلمّا رأته تعجبت من علوّ همّته، وسألته، فقال: على المعل يا سيّدة حتّى ينضج ما سوّيناه، ولعلّكي تعرفين من صعاليك الحيّ من تحضرينه للعشاء. فقالت: وراي أطفال لا يصبرون حتّى ينضج طعامك، بل أوصل لهم ممّا تنعم وأعود إليك بمن (٢٨٣) وجدته من صعاليك الحلّة. فأعطاها الملجا والحدش والعجز وحشى النحارك وقطعة كبيرة من السنام، وهذا ألذّ ما في الجزور، وقال لها: يا سيّدة، تردّدي إلينا ما دمنا هاهنا. فدعت له ماوية، وعادت وقد سلبها بطيّب كلامه. فلمّا وصلت إلى مضاربها سلّمت الجميع لجارتها، وقالت:
احتفظي به إلا نهار الغد.
ثمّ أمهلت ماويّة ساعة وقدحت همّتها أن أخرجت شيء من الطّيب وقسمته على عددهم، وقالت للخادم: اذهبي بهذا الطّيب لكلّ واحد ولا يعلم به رفيقه، وقولي له: يا مولاي، مولاتي تقول لك: تطيّب بهذا الطّيب، ولا تعلم أصحابك، فإنّها تنغّصت لك به دونهم لأجل مكانتك من قلبها. ففعلت ما أمرتها به، ودارت على القوم، فكان كلّ أحد يخفي ما وصل إليه إلاّ حاتم. فإنّه لمّا أتته بالطيب، وقالت له مثل ذلك، قال: هذا
стр. 868
والله هو البخل بعينه! كيف أتطيّب دون رفقتي؟ ثمّ قسّم الطيب على أربعة أقسام، وآثر كلّ أحد منهم بقسمه. فعادت الخادم وعرّفت مولاتها بذلك، فازدادت فيه رغبة.
ثمّ أمهلت قليل وأنفذت لكلّ واحد قصعة من فضّة وهي ملأ تمر العراق، وقالت: اذهبي بهذه القصاع إلى كلّ واحد على حدة، وقولي:
مولاتي قد تنغّصت لك بهذا التمر ليطيب به فمك من زفر اللّحم، فتنقّل به، ولكن ادفن نواه في الأرض لئلاّ ينظروه بقيّة رفقتك فيلومنها كيف خصّصتك بشيء دونهم. فجعلت الخادم تقصد واحد واحد وتقول له ما أوصتها به مولاتها، فتراهم يأكلون التمر، ثمّ يقوم <كلّ منهم> ويحفر بيده مثل الكلب ويدفن النوا. ولم يبق إلاّ حاتم، فإنّه لمّا قالت له ذلك تغير أحواله وتنمّر غيظا وقال لها: يا مولّدة العرب، ليس لي حاجة بتمرك على هذا الوجه؛ أتنسبني مولاتك إلا البخل وفعل اللئام؟ وأنشأ يقول (من الطويل):
أتحسبني ماوي الخير أنّني ... بخيل وكفّي بالعطا غير سامح
(٢٨٤)
وتطلب منّي أن أحيل طبائع ... من الجود قد كنّت عليها جوانحي
خذي ما أتيتي من طعامك واذهبي ... ولا تفضحيني بين غاد ورائح
ألا إنّ أكل التّمر يا ميّ طيّب و ... دفن النّوايا ميّ إحدى الفضائح
стр. 869
وكان اسم الخادم الذي أتته بالتمر: ميّ، فخاطبها بذلك الخطاب.
فلمّا سمعت الخادم ذلك خجلت، وقالت: يا سيّد الكرم، إنّما أنا رسول وليس عليّ ملام. وهذا التمر بين يديك، اصنع به ما أحببت. قال: فقسّم التمر أربعة أقسام، ودار على قومه، أي رفقاه. فعادت الجارية وأخبرت مولاتها بما عاينت وبما قال حاتم من الشّعر. فقالت ماويّة: أحسنت والله يا حاتم، وعلى مثلك كنت أدوّر.
فلمّا كان عند الصباح أخضرتهم إلى مضربها، وجلست لهم من وراء حجاب، وقالت: يا سادات العرب، ليقل كلّ منكم حاجته. فقالوا الثلاث النفر: نحن أتينا خطّاب، وهذا ما نعلم قصده-يعنون عن حاتم. فقال:
أمّا أنا، فعابر سبيل، طالب النّعمان بسبب كيت وكيت. فقالت: ليذكر لي كلّ واحد حسبه ونسبه وعيشته ومسكنه حتّى أدري أخباركم، وليكن الجواب منضوما لأعلم فصاحته من مقالته.
فابتدر النّابغة الذّبيانيّ وقال (من البسيط):
هل لا تسألي بني ذبيان ما حسبي ... عند الطّعان إذا ما احمرّت الحدق
وجالت الخيل مبتلا حوافرها ... بالماء يقطر عن لبّاتها العرق
стр. 870
وأطعن الفارس الحامي لحوزته ... بعالي الرّمح والهيجاء تحترق
ولي لسان إذا زرت الملوك به ... أمسا عليّ سحاب المال يندفق
والخلق تعلم أنّي لا أقاس بها ... حتّى تقاس بثوب الجدّة الخلق
فقالت: أنت رجل مدّعي بنفسك، متكسّب بلسانك.
ثمّ ابتدر أوس النّبيتيّ (٢٨٥، من الطويل):
أماويّ لم يخطبك من حيّ مدحج ... كأوس بن سلما أو كزيد وحاتم
فإن تطلبي زيد ففارس قومه ... إذا الحرب قامت أقعدت كلّ قائم
وإن تطلبي الطّائي فما مثله فتى ... يفاخره فينا ولا في الأعاجم
فتى لا يزال الدّهر أكبر همّه ... إغاثة ملهوف وفرحة قادم
يجود بما تحوي يداه طبيعة ... ولم يك عند المكرمات بنادم
وإن تطلبيني تظفري بمسدّد ... مكارمه تنسيك كلّ المكارم
стр. 871
ونحن أناس من أناس أفاضل ... لهم شرف فوق السّها والنّعائم
فلمّا فرغ قالت له ماويّة: أحسنت والله يا أوس، فإنّك لم تنفرد بدعواك، بل أجملت رفقاءك.
وكان زهير بن أبي سلما يسمع، فتأخّر. فقالت ماويّة: لم تأخّرت يا وجه العرب؟ فقال زهير: والله يا سيّدة لست من القوم، ولا من أمس ولا من اليوم، ولا قصدت سماع فصاحتك، مع كمال رجاحتك، فدونك إلى من هو في زواجك قاصد، وخاطبيهم واحد بعد واحده فلمّا يأست منه، استنطقت حاتم، فقال: يا سيّدة العرب، اعلمي أنّ للأمور أسباب، ولست كنت في شيء من هذا الحساب، والأرزاق، فهي بيد الخلاّق. وأنشأ يقول (من الطويل):
أماويّ طال التّفكّر والأمر ... قد قام لي فيما قلته عذر
أماويّ إنّ المال غاد ورائح ... ويبقى منه الأحاديث والذّكر
أماويّ إنّي لا أقول لسائل ... إذا جاء يوما: إنّ في حالنا عسر
стр. 872
إماويّ مال الأرض ما ينفع الفتى ... إذا نفسه ضاقت وضاق به الصّدر
أفكّ أسيرا ثمّ أقري نازلا ... وأحفظ عرضي منه هذا هو الفخر
وكلّ يقيني أنّني بعد مدّة ... أصير إلى قبر جوانبه قفر
ويرجع من خلفي الّذين أحبّهم ... يقولون قد أدما أناملنا الحفر
(٢٨٦)
أماويّ إن يصبح صداي بقفرة ... من الأرض لا مال لديّ ولا وفر
أرى أنّما أنفقت ليس بضائري ... وأنّ يدي ممّا بخلت به صفر
وقد علموا الأقوام لو أنّ حاتم ... أراد لجمع المال كان له ذخر
стр. 873
وما ضرّ جاري يا ابنة العمّ أنّه ... يجاورني أن لا يكون له ستر
وعينيّ عن جارات بيتي كليلة ... وفي الأذن منّي عن حديثهم وقر
ولا زادنا بغيا على ذي قرابة ... غنانا ولا أزرى بأحبابنا الفقر
قال: وكان حاتم ينشد وماويّة تتمايل طربا من وراء الحجاب. ثمّ أصرفت بقيّة الأقوام بعدما قدّمت لهم ما كانوا أعطوها من جزورهم، وجعلت قدّام كلّ واحد ما أعطاه. فعلموا القوم أنّها كانت تلك السائلة، فانصرفوا وقد كثر تأسّفهم. وتزوّجت ماويّة بحاتم واستقلّت معه إلى أهله وحمّلته في جميع أموالها ونعمها. وهذا من رواية أبو عبيدة والأصمعيّ.
وقيل لحاتم: هل رأيت أكرم منك؟ فقال: نعم؛ ليس لأحد أن يدلّ بنفسه، ولا يفتخر على أبناء جنسه، ولمن نزل الأرض ولادة، والخلق بينهم تفاوت وزيادة. فقيل له: فكيف كان ذاك؟ فقال: خرجت في بعض الكرّات أطلب المكتسب، فانتهى بي السير إلى مرج وغدير، ورأيت عليه رجل جالس وحصانه في يده ورمحه مركوز إلى جانبه وقدّامه زاد، وهو
стр. 874
يأكل. فلمّا رآني بادأني السلام وعزم: لتنزلنّ! فنزلت عن جوادي. فأجد قدامه من الزاد ما يكفي جماعة من الناس، فأكلنا. ولمّا اكتفينا نفض جميع ذلك الزاد على الرمل وركب وركبت. وسألني بعد ذلك عن توجّهي، فعرّفته. فقال: وأنا كذلك. فقلت: يا وجه قومه، لم نفضت المزود ونحن في هذه المفاوز، ونحن محتاجون إليه؟ فتبسّم وقال: لا تفكّر في رزق غد، فكلّ غد له رزق جديد، ما دام لك عمر مديد. ثمّ أنشأ يقول (٢٨٧ من الطويل):
رحلنا وخلّينا على الرّمل زادنا ... وللطّير في زاد الكرام نصيب
ورزق غدا يأتي غدا يسوقه ... إلى العبد جبّار عليه رقيب
فيا نفس لا تبقي على قوت ليلة ... فإنّ مرار الموت منك قريب
قال حاتم: ثمّ سرنا، فلمّا كان الغد فتح بيده مزودي وفرشه وأكلنا على جانب غدير. ثمّ إنّه نفض المزود على ذلك الغدير وعوّلنا على المسير، وإذا بكلب قد أقبل من صدر البيداء يطلب الغدير. فلمّا وصل ورأى الزاد فتقدّم وأكل حتّى اكتفى، وشرب من الغدير وترك باقي الزاد.
فقال لي رفيقي: ألا تنظر يا فتى إلا هذا الحيوان كيف أكل كفايته-ما لا كان له في حساب-وترك باقي الزاد ولا عن عليه ولا حمله؟! أيكون الكلب أقوى يقين منا؟ فقلت، وقد هالني أمره: لم تفعل إلاّ خيرا. ثمّ قطعنا البرّ حتّى تعالا النهار، واتّسع في وجهنا القفار، وبدا بنا الجوع،
стр. 875
وعمل فينا الخوى، فقلت في نفسي: ترى من أين يكون غذانا؟ وأنا، فقد هنيته أن أكلّمه في ذلك، فو الله لم أتمّ ما في نفسي حتّى انطلق الكلب في عرض البرّ حتّى ظننت أنّه قارب قومه، وإذا به قد ثوّر عانة من الوحش، وصار يردّها إلينا، حتّى تخيّل لنا أنّه يقول: دونكم وهذه العانة. فبادرنا إليها وأخذنا منها كفايتنا، ونزلنا وذبحنا وشوينا وأكلنا، نحن والكلب.
ولمّا كان من الغد أشرفنا على أحياء عرب، فرينا حلّة كبيرة، فسقنا منها ما قدرنا من النّياق والجمال، ولدغناها برؤوس الرماح، فمدّت خطاها قدّامنا، وبعدنا عن الأحياء، ونظرنا إلى خلفنا، وإذا بفرسان الحلّة يتسابقون إلينا، وطلع الغبار ورانا مثل قطع الليل، فعدنا نلتقي القوم.
فلمّا رآني رفيقي قد عزمت على لقاء القوم معه تبسّم في وجهي، وقال:
يا فتى، بحقّ الّلات والعزّى، قف في هذا المكان واحفظ الغنيمة أن تشرد، ودعني (٢٨٨) فإنّي إذا علمت أنّ مثلك خلفي قوي عزمي، وإذا رأيتني قد قهرت فاستعدني. قال: فوقفت مع الغنيمة أنظر فعاله ساعة، وإذا بالخيل الذي أقبلت إلينا قد ولّت، وهو في ظهورها يزعق زعقات الأبطال الذين لا تزيغهم كثرة الرجال، وقد سطح على الأرض منهم عدّة كثيرة ما بين قتيلا وجريحا، وعاد إليّ كأنّه الأسد الكاسر، وهو ينشد ويقول (من الرمل):
يا سنان الرّمح لا تشكوا الصّما ... فأنا اليوم أرويك دما
وأخلّي الوحش خلفي رتعا ... في رجال فارقوا أرض الحما
стр. 876
صاحبي شرائنا في دعة ... فحسامي في يدي ما يثلما
وحياتي، لو بدا الموت له ... ورأى صورته ما انهزما
فقال حاتم: ثمّ سقنا الغنيمة إلى المكان الذي ترافقنا فيه، والكلب لا يفارقنا. فعندها قسّم النّياق والغنيمة أثلاث، وأنا أنظر إلى ما يفعل.
وقال: يا فتى، أيّهم اخترت فهو سهمك، فخذه واطلب أهلك. فقلت:
والله يا مولاي إذا عدنا إلى الإنصاف فما أستحقّ من هذه الغنيمة حبة واحدة؛ وقد رأيتك قسّمتها ثلاث، فمن هو ثالثنا؟ فقال، وقد تبسّم: هذا الكلب. فقلت: وما يفعل الكلب بنوق وجمال؟ فقال: يفعل بها ما يريد، لأنّه صار رفيقنا وساعدنا في ردّ العانة <من> الوحش علينا، وأكل من زادنا، على أنّني ما أدعه ضايع وإنّما خذ قسمك واذهب إلى أهلك، وأنا كذلك، فمن تبعه الكلب يتسلّم قسمه، يفعل فيه معه بمروته.
فلمّا سمعت ذلك تعجّبت كلّ العجب، وداخلني والله من فعله الطرب. فلمّا توجّه كلّ أحد بقسمه تبعني الكلب. فقال: يا فتى، خذ قسم الكلب إليك. فأضفته إلى قسمي. ولمّا بعدنا عاد إليّ يركض، فقلت: والله لقد ندم على ما فعل وعاد يأخذ غنيمته. فتنحّيت عنها وقلت: ها أنت وغنيمتك، باركت لها (٢٨٩) الأصنام. فقال: دع يا فتى هذا الخاطر عنك، ولا تنسبني إلى البخل وقلّة الإنصاف. فو الله ما عدت إليك إلاّ حتّى أسألك عن اسمك ونسبك، فقد عاد بيننا صحبة وحرمة وذمام، ولا علمت اسمك، وكذا أنت من كرمك ما سألتني عن ذلك. فأمّا أنا فاسمي عطّاف
стр. 877
ابن قابض الطريّ، فأنت؟ فقلت: أنا حاتم بن سعد الطائيّ. فما هو إلاّ أن سمع باسمي حتّى ترجّل عن جواده وقال: اعذرني يا سيّد طيء من التقصير، لأنّ لي سنين أسمع بك وبما شيّدته من الكرم، وكنت أودّ على لقاك وأجتهد أن أتّبع مساعيك. ثمّ عاد إلى سهمه فأخلطه بسهمي، وقال:
يا حاتم، لا تردّه عليّ؛ فوحقّ اللاّت والعزّى أنجز نفسي بحسامي، وإن رأيت أن تعود معي إلى أهلي حتّى أزيدك من مالي ألف ناقة تستعين بها على معروفك. قال: فشكرته وأتيت إلى أهلي بكّل تلك الغنيمة.
ذكر أيضا حاتم من وجه آخر
قال ابن الأعرابيّ: كان حاتم من شعراء الجاهليّة. وكان جوادا يشبه جوده شعره، ويصدق قوله فعله. وكان حيث ما نزل عرفت منزلته بحومان الطّير على منازله، لكثرة خيره وذبائحه. وكان ممّن يأتيه من الشعراء الحطيئة وبشر بن أبي خازم وغيرهم. وكان يكنى أبا عديّ وأبا سفّانة.
وأدرك عديّ وسفّانة الإسلام فأسلما.
روي أنّ سفّانة، ابنة حاتم، حضرت بين يدي سيّدنا رسول الله ﷺ ، فقالت: يا محمّد، هلك الوالد، وغاب الواجد. فإن رأيت أن تخلّي عنّي
стр. 878
ولا تشمّت بي الأعداء من أحياء العرب، فإنّ أبي كان سيّد قومه؛ كان يفكّ العاني ويحمي الديار ويفرّج عن المكروب ويطعم الطعام، ويفشي السلام، ولم يطلب إليه أحد قطّ حاجة إلا قضاها. أنا ابنة (٢٩٠) حاتم الطائيّ.
فقال سيّدنا رسول الله ﷺ ، يا جارية، هذه صفة المؤمن؛ لو كان أبوك إسلاميّا لترحّمنا عليه. «خلّوا عنها، فإنّ أباها كان يحبّ مكارم الأخلاق».
وذكر أنّ سفّانة كانت أجود نساء العرب.
وقيل: إنّ النّعمان بن المنذر جلس يوما فقال لحاجبه: انظر من بالباب. فنظر ثمّ عاد، فقال: بالباب حاتم طيء وأوس بن لام. فقال النّعمان: ما رأيت كاليوم قطّ، ورد عليّ شريفا العرب-أو قال: العراق- وليس في بيت المال ما يرضيهما. ثمّ قال لحاجبه: ائذن لحاتم من حيث لا يعلم أوس. فدخل حاتم. فقال له النّعمان، بعدما أجلسه وآنسه: أيّما أشرف أنت أم أوس؟ قال: أوس أشرف منّي. قال: كيف؟ قال: لقول الشاعر (من الوافر):
فما وطئ الحصا مثل ابن سعدي ... ولا لبس النّعال ولا احتذاها
إذا ما المكرمات ذكرن يوما ... فقصّر مبتغوها عن مداها
وإن ضاقت يد المثرين عنها ... سما أوس إليها فاحتواها
فعزله النّعمان ناحية، ثمّ أمر بإحضار أوس. فلمّا جلس واستأنس، قال له النّعمان: أيّما أشرف أنت أم حاتم. فقال: حاتم أشرف منّي. قال:
وكيف؟ قال (من الوافر):
أرى نفسي تتوق إلى أمور ... يقصّر دون مبلغهنّ مالي
فنفسي لا تطاوعني لبخل ... ومالي لا يبلّغني فعالي
стр. 879
فقال النّعمان: والله إنّكما لشريفان. ثمّ أمر لهما بجميع ما في بيت ماله، واعتذر لهما بالتقصير.
وذكر أنّه كان في بعض البادية راكبا جواده وقد انقطع عن قومه.
فخرج عليه فارسا من متحرّمة العرب، فتطاردا، (٢٩١) وطال بينهما المجال، فانكسر عود الفارس المنازع لحاتم واستظهر عليه حاتم. فبسط الفارس إليه بيده، وقال: هبني عودك. فأعطاه العود. فما هو إلاّ أن صار في يده، فصمّم على حاتم وشدّ عليه فلم يكن له منه غير الفرار، وكان جواد حاتم سابقا، فلم يدركه حتّى لحق بقومه. فقصّ عليهم ذلك، فلاموه على إعطائه عوده. فقال: ما كنت بالّذي امتنع من بسط يده لسؤالي. قيل:
فكان في ذلك تلاف نفسك فقال: قد كفيت ووفيت.
ذكر عنترة العبسيّ من وجه آخر
قال ابن الأعرابيّ: هو من فحول شعراء الجاهليّة المشهورة، ومن عظماء شجعانها المعدودة.
قال أبو عمرو: روي أنّ النبيّ ﷺ ، قال: «ما وصف إليّ عربيّ قطّ فأحببت أن أراه إلاّ عنترة».
وقال إلهيثم بن عديّ: قيل لعنترة: أنت أشجع العرب وأشدّها، فبم نلت ذلك؟ قال: كنت أقدم إذا رأيت الإقدام غنما، وأحجم إذا رأيت الإحجام حزما، ولا أدخل موضعا إلاّ أرى لي منه مخرجا.
ومن مليح شعره القصيدة المشهورة التي أوّلها يقول (من الكامل):
стр. 880
يا دار عبلة بالجواء تكلّمي ... عمي صباحا دار عبلة واسلمي
وهي من السّبع معلّقات، إلى أن يأتي فيها إلى قوله:
أثني عليه بما علمت فإنّني ... سهل مخالقتي إذا لم أظلم
فإذا ظلمت فإنّ ظلمي باسل ... مرّ مذاقته كطعم العلقم
وإذا سكرت فإنّني مستهلك ... مالي وعرضي وافر لم يكلم
وإذا صحوت فما أقصّر عن ندا ... وكما عرفت شمائلي وتكرّمي
هلاّ سألت الخيل يابنة مالك ... إن كنت جاهلة بما لم تعلمي
(٢٩٢)
يخبرك من شهد الوقائع أنّني ... اغشى الوغى وأعفّ عند المغنم
ومن مليح شعره قوله أيضا (من الكامل):
بكرت تخوّفني الحتوف كأنّني ... أصبحت عن غرض الحتوف بمعزل
فأجبتها: إنّ المنيّة منهل ... لا بدّ أن أسقى بذاك المنهل
إنّ المنيّة لو تمثّل مثّلت ... مثلي إذا نزلوا بضيق المنزل
следующие страницы →