Полный текст (4 323 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.
стр. 876
صاحبي شرائنا في دعة ... فحسامي في يدي ما يثلما
وحياتي، لو بدا الموت له ... ورأى صورته ما انهزما
فقال حاتم: ثمّ سقنا الغنيمة إلى المكان الذي ترافقنا فيه، والكلب لا يفارقنا. فعندها قسّم النّياق والغنيمة أثلاث، وأنا أنظر إلى ما يفعل.
وقال: يا فتى، أيّهم اخترت فهو سهمك، فخذه واطلب أهلك. فقلت:
والله يا مولاي إذا عدنا إلى الإنصاف فما أستحقّ من هذه الغنيمة حبة واحدة؛ وقد رأيتك قسّمتها ثلاث، فمن هو ثالثنا؟ فقال، وقد تبسّم: هذا الكلب. فقلت: وما يفعل الكلب بنوق وجمال؟ فقال: يفعل بها ما يريد، لأنّه صار رفيقنا وساعدنا في ردّ العانة <من> الوحش علينا، وأكل من زادنا، على أنّني ما أدعه ضايع وإنّما خذ قسمك واذهب إلى أهلك، وأنا كذلك، فمن تبعه الكلب يتسلّم قسمه، يفعل فيه معه بمروته.
فلمّا سمعت ذلك تعجّبت كلّ العجب، وداخلني والله من فعله الطرب. فلمّا توجّه كلّ أحد بقسمه تبعني الكلب. فقال: يا فتى، خذ قسم الكلب إليك. فأضفته إلى قسمي. ولمّا بعدنا عاد إليّ يركض، فقلت: والله لقد ندم على ما فعل وعاد يأخذ غنيمته. فتنحّيت عنها وقلت: ها أنت وغنيمتك، باركت لها (٢٨٩) الأصنام. فقال: دع يا فتى هذا الخاطر عنك، ولا تنسبني إلى البخل وقلّة الإنصاف. فو الله ما عدت إليك إلاّ حتّى أسألك عن اسمك ونسبك، فقد عاد بيننا صحبة وحرمة وذمام، ولا علمت اسمك، وكذا أنت من كرمك ما سألتني عن ذلك. فأمّا أنا فاسمي عطّاف
стр. 877
ابن قابض الطريّ، فأنت؟ فقلت: أنا حاتم بن سعد الطائيّ. فما هو إلاّ أن سمع باسمي حتّى ترجّل عن جواده وقال: اعذرني يا سيّد طيء من التقصير، لأنّ لي سنين أسمع بك وبما شيّدته من الكرم، وكنت أودّ على لقاك وأجتهد أن أتّبع مساعيك. ثمّ عاد إلى سهمه فأخلطه بسهمي، وقال:
يا حاتم، لا تردّه عليّ؛ فوحقّ اللاّت والعزّى أنجز نفسي بحسامي، وإن رأيت أن تعود معي إلى أهلي حتّى أزيدك من مالي ألف ناقة تستعين بها على معروفك. قال: فشكرته وأتيت إلى أهلي بكّل تلك الغنيمة.
ذكر أيضا حاتم من وجه آخر
قال ابن الأعرابيّ: كان حاتم من شعراء الجاهليّة. وكان جوادا يشبه جوده شعره، ويصدق قوله فعله. وكان حيث ما نزل عرفت منزلته بحومان الطّير على منازله، لكثرة خيره وذبائحه. وكان ممّن يأتيه من الشعراء الحطيئة وبشر بن أبي خازم وغيرهم. وكان يكنى أبا عديّ وأبا سفّانة.
وأدرك عديّ وسفّانة الإسلام فأسلما.
روي أنّ سفّانة، ابنة حاتم، حضرت بين يدي سيّدنا رسول الله ﷺ ، فقالت: يا محمّد، هلك الوالد، وغاب الواجد. فإن رأيت أن تخلّي عنّي
стр. 878
ولا تشمّت بي الأعداء من أحياء العرب، فإنّ أبي كان سيّد قومه؛ كان يفكّ العاني ويحمي الديار ويفرّج عن المكروب ويطعم الطعام، ويفشي السلام، ولم يطلب إليه أحد قطّ حاجة إلا قضاها. أنا ابنة (٢٩٠) حاتم الطائيّ.
فقال سيّدنا رسول الله ﷺ ، يا جارية، هذه صفة المؤمن؛ لو كان أبوك إسلاميّا لترحّمنا عليه. «خلّوا عنها، فإنّ أباها كان يحبّ مكارم الأخلاق».
وذكر أنّ سفّانة كانت أجود نساء العرب.
وقيل: إنّ النّعمان بن المنذر جلس يوما فقال لحاجبه: انظر من بالباب. فنظر ثمّ عاد، فقال: بالباب حاتم طيء وأوس بن لام. فقال النّعمان: ما رأيت كاليوم قطّ، ورد عليّ شريفا العرب-أو قال: العراق- وليس في بيت المال ما يرضيهما. ثمّ قال لحاجبه: ائذن لحاتم من حيث لا يعلم أوس. فدخل حاتم. فقال له النّعمان، بعدما أجلسه وآنسه: أيّما أشرف أنت أم أوس؟ قال: أوس أشرف منّي. قال: كيف؟ قال: لقول الشاعر (من الوافر):
فما وطئ الحصا مثل ابن سعدي ... ولا لبس النّعال ولا احتذاها
إذا ما المكرمات ذكرن يوما ... فقصّر مبتغوها عن مداها
وإن ضاقت يد المثرين عنها ... سما أوس إليها فاحتواها
فعزله النّعمان ناحية، ثمّ أمر بإحضار أوس. فلمّا جلس واستأنس، قال له النّعمان: أيّما أشرف أنت أم حاتم. فقال: حاتم أشرف منّي. قال:
وكيف؟ قال (من الوافر):
أرى نفسي تتوق إلى أمور ... يقصّر دون مبلغهنّ مالي
فنفسي لا تطاوعني لبخل ... ومالي لا يبلّغني فعالي
стр. 879
فقال النّعمان: والله إنّكما لشريفان. ثمّ أمر لهما بجميع ما في بيت ماله، واعتذر لهما بالتقصير.
وذكر أنّه كان في بعض البادية راكبا جواده وقد انقطع عن قومه.
فخرج عليه فارسا من متحرّمة العرب، فتطاردا، (٢٩١) وطال بينهما المجال، فانكسر عود الفارس المنازع لحاتم واستظهر عليه حاتم. فبسط الفارس إليه بيده، وقال: هبني عودك. فأعطاه العود. فما هو إلاّ أن صار في يده، فصمّم على حاتم وشدّ عليه فلم يكن له منه غير الفرار، وكان جواد حاتم سابقا، فلم يدركه حتّى لحق بقومه. فقصّ عليهم ذلك، فلاموه على إعطائه عوده. فقال: ما كنت بالّذي امتنع من بسط يده لسؤالي. قيل:
فكان في ذلك تلاف نفسك فقال: قد كفيت ووفيت.
ذكر عنترة العبسيّ من وجه آخر
قال ابن الأعرابيّ: هو من فحول شعراء الجاهليّة المشهورة، ومن عظماء شجعانها المعدودة.
قال أبو عمرو: روي أنّ النبيّ ﷺ ، قال: «ما وصف إليّ عربيّ قطّ فأحببت أن أراه إلاّ عنترة».
وقال إلهيثم بن عديّ: قيل لعنترة: أنت أشجع العرب وأشدّها، فبم نلت ذلك؟ قال: كنت أقدم إذا رأيت الإقدام غنما، وأحجم إذا رأيت الإحجام حزما، ولا أدخل موضعا إلاّ أرى لي منه مخرجا.
ومن مليح شعره القصيدة المشهورة التي أوّلها يقول (من الكامل):
стр. 880
يا دار عبلة بالجواء تكلّمي ... عمي صباحا دار عبلة واسلمي
وهي من السّبع معلّقات، إلى أن يأتي فيها إلى قوله:
أثني عليه بما علمت فإنّني ... سهل مخالقتي إذا لم أظلم
فإذا ظلمت فإنّ ظلمي باسل ... مرّ مذاقته كطعم العلقم
وإذا سكرت فإنّني مستهلك ... مالي وعرضي وافر لم يكلم
وإذا صحوت فما أقصّر عن ندا ... وكما عرفت شمائلي وتكرّمي
هلاّ سألت الخيل يابنة مالك ... إن كنت جاهلة بما لم تعلمي
(٢٩٢)
يخبرك من شهد الوقائع أنّني ... اغشى الوغى وأعفّ عند المغنم
ومن مليح شعره قوله أيضا (من الكامل):
بكرت تخوّفني الحتوف كأنّني ... أصبحت عن غرض الحتوف بمعزل
فأجبتها: إنّ المنيّة منهل ... لا بدّ أن أسقى بذاك المنهل
إنّ المنيّة لو تمثّل مثّلت ... مثلي إذا نزلوا بضيق المنزل
стр. 881
والخيل ساهمة الوجوه كأنّما ... تسقى فوارسها نقيع الحنظلي
وقد قيل: إنّ أشجع بيتا قاله العرب بيتي عنترة، الأوّل (من الكامل):
وأنا المنيّة في المواطن كلّها ... والطّعن منّي سابق الآجال
والثاني قوله (من الكامل):
إذ تتّقون بي الأسنّة لم أجم ... عنها ولكنّي تضايق مقدم
قلت: ولهذين البيتين حكاية جرت بحضرة عبد الملك بن مروان، تأتي في موضعها اللائق بها، إن شاء الله تعالى.
ذكر عروة بن الورد العبسيّ، جاهليّ
قال ابن الأعرابيّ: هو عروة بن الورد بن زيد بن عود بن زيد، بنسب متّصل إلى عبس بن بغيض بن ريث بن غطفان بن سعد بن عيلان بن مضر ابن نزار، شاعر من شعراء الجاهليّة، وفارس من فرسانها، وصعلوك من صعاليكها، ومن المعدودين المقدّمين من أجوادها. وكان يلقّب: عروة
стр. 882
الصعاليك، لجمعه إيّاهم وقيامه بأمورهم إذا أخفقوا في غزواتهم ولم يكن لهم معاش ولا مغزى. وقيل: إنّما سمّي عروة الصّعاليك لقوله (من الطويل):
لحى الله صعلوكا إذا جنّ ليله ... مضى في المساس آلفا كلّ مجزر
(٢٩٣):
يعدّ الغنى من دهره كلّ ليلة ... إذا ما قراها من صديق وميسّر
ولله صعلوك صفيحة وجهه ... كضوء الشّهاب القابس المتنوّر
وعن ابن شبّة قال: بلغني أن معاوية بن أبي سفيان قال: لو كان لعروة بن الورد ولد لأحببت أن أصل حبلى بحبله وأتزوّج إليه.
وعن عبد الله بن مسلم، قال: قال عبد الملك: ما يسرّني أنّ أحدا من العرب ولدني إلاّ عروة بن الورد، لقوله (من الطويل):
إنّي امرؤ عافي إنائي شركة ... وأنت امرؤ عافي إنائك واحد
стр. 883
أتهزأ منّي أن سمنت وأن ترى ... بجسمي مسّ الحقّ والحقّ جاهد
أفرّق جسمي في جسوم كثيرة ... وأحسوا قراح الماء والماء بارد
وعن ابن شبّة قال: قال عمر بن الخطّاب، ﵁، للحطيئة:
كيف كنتم في حربكم؟ قال: كنّا ألف حازم. قال: وكيف؟ قال: كان فينا قيس بن زهير وكان حازما وكنّا لا نعصيه، ونقدم بقدوم عنترة، وننقاد لأمر الرّبيع بن زياد، ونأتمّ بشعر عروة بن الورد. قال: صدقت.
وعن ابن شبّة أيضا أنّه قال: إنّ عبد الملك بن مروان قال: من زعم أنّ حاتما أسمح الناس فقد ظلم عروة بن الورد.
وروى معن بن عيسى قال: سمعت عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، ﵇، يقول لمعلّم ولده: لا تروّهم قصيدة عروة بن الورد التي يقول فيها (من الوافر):
دعيني للغنا أسعى فإنّي ... رأيت النّاس شرّهم الفقير
فإنّ ذلك ممّا يدعوهم للاغتراب عن أوطانهم.
وعن أبي عمرو الشّيبانيّ أنّ عروة بن الورد أصاب امرأة من كنانة بكر ابن وائل، يقال لها: سلمى، وتكنى: أمّ وهب، فأعتقها وأتّخذها لنفسه.
فمكثت عنده بضع عشرة سنة، (٢٩٤) وولدت له أولادا وهو لا يشكّ أنّها
стр. 884
أرغب الناس فيه، وهي تقول: لو حججت <بي> فأمرّ على أهلي وأراهم. فحجّ بها، فأتى مكة ثمّ أتى المدينة، وكان يخالط أهل يثرب من بني النّضير، فيقرضونه إذا احتاج ويبايعهم إذا غنم. وكان قومها يخالطون بني النّضير، فأتوهم وهو عندهم. فقالت <لهم> سلمى: إنّه خارج بي قبل أن يخرج الشهر الحرام، فتعالوا إليه وأخبروه أنّكم تستحيون أن تكون منكم امرأة معروفة النّسب صحيحة الحسب سبيّة، وافتدوني منه وأوعدوه أن تعيدوني إليه زواجا، فإنّه لا يرى أنّي أحبّ مفارقته ولا أختار عليه أحد. فأتوه فأسقوه الخمر. فلمّا ثمل قالوا له: فادنا بصاحبتنا، فإنّها وسط النّسب فينا، وإنّ علينا سبّة في أن تكون سبيّة، فإذا صارت إلينا وأردت معاودتها، فاخطبها، فإنّا ننكحك إيّاها. فقال: ذاك إليكم، ولكن لي الشّرط فيها تخيّروها لي ولكم، ودعوني اللّيلة أتمتّع بها، وأفادي بها غدا. فلمّا كان الغد جاؤوه، فامتنع من فداها، فقالوا له: قد فاديتها منذ البارحة، وشهد عليه بذلك جماعة ممّن حضر، فلم يقدر على الامتناع، وفاداها. فلمّا وقع ذلك خيّروها، فاختارت أهلها. ثمّ أقبلت عليه فقالت:
يا عروة، أما إنّي أقول الحقّ، والله لا أعرف امرأة من العرب ألقت سترها على بعل خير منك، وأغضّ طرفا، وأقلّ فحشا، وأجود يدا، وأحمى لحقيقة، وإنّك والله ما علمت لضحوك مقبلا كسوب مدبرا، خفيف على متن الفرس، ثقيل على متن العدوّ، طويل العماد، كثير الرّماد، راضي
стр. 885
الأهل والجانب؛ وما مرّ عليّ يوما كنت عندك فيه إلاّ الموت أحبّ إليّ من الحياة بين قومك، لأنّي لم أكن أشاء أن أسمع امرأة من (٢٩٥) قومك تقول: قالت أمة عروة: كذا وكذا، إلاّ سمعته. وو الله لا أنظر في وجه غطفانيّة أبدا ما حييت! فارجع راشدا واستوص ببنيك خيرا. ثمّ فارقته، فقال عروة في ذلك قصيدته التي يقول فيها: سقوني الخمرة ثمّ تكنّفوني.
وأوّلها يقول (من الوافر):
أرقت وصحبتي بمضيق عمق ... لبرق من تهامة مستطير
سقى سلمى وأين ديار سلمى ... إذا كانت مجاورة السّرير
إذا حلّت بأرض بني عليّ ... وأهلي بين إمّرة وكير
ذكرت منازلا من أمّ وهب ... إلى الإصباح آثر ذي أثير
وأحدث معهد من أمّ وهب ... محلّ الحيّ أسفل ذي النّقير
بائسة الحديث رضاب منها ... بعيد النّوم كالعنب العصير
стр. 886
قال ثمّ نزوّج سلمى رجل من بني عمّها، وقال لها يوما: يا سلمى، أثني عليّ كما أثنيت على عروة-وقد كان قولها في عروة شهر وعلم- فقالت: لا تكلّفني لذلك، فإنّي إن قلت الحقّ غضبت، ولا واللاّت والعزّى لا أكذب. فقال: عزمت عليك لتأتيني في مجلس قومي، فلتثنين عليّ بما تعلمين منّي. وخرج وجلس في نادي القوم، وأقبلت، فرماها الناس بأبصارهم. فوقفت وقالت: أنعموا صباحا! إنّ هذا عزم عليّ أن أثني عليه بما أعلم منه، وكلّفني ذلك. ثمّ أقبلت عليه فقالت: والله إنّ شملتك لألتحاف، وإنّ شربك لاستفاف، وإنّك لتنام ليلة تخاف، وتشبع ليلة تضاف، ولا ترضي الأهل والأجانب. ثمّ ولّت. فلامه قومه، وقالوا: ما أغناك عن هذا منها!
وعن ابن الأعرابيّ عن أبي فقعس قال: كان عروة إذا انتاب الناس سنة شديدة تركوا في دارهم المريض (٢٩٦) والكبير والضعيف، فكان عروة يجمع هؤلاء من دون الناس في الشدّة، ثم يحفر لهم الأسراب ويكنف لهم الكنف ويكسبهم ويطعمهم، ومن قوي منهم خرج به معه فأغار، وجعل لأصحابه الباقين في ذلك نصيبا، حتّى إذا أخصبت الناس وألبنوا وذهبت الشّدّة من السنة ألحق كلّ إنسان بأهله بنصيبه ممّا يحصل
стр. 887
له، فربّما أتى الإنسان إلى أهله وقد أثرى بعد الفقر. فلذلك سمّي: عروة الصعاليك.
روى ابن الأعرابيّ أنّ عروة ضاقت حاله في بعض السنين ولم يجد ما يموّن به أصحابه الضعفاء، فقال (من الطويل):
لعلّ ارتيادي في البلاد وبغيتي ... وشدّي حيازيم المطيّة بالرّحل
سيدفعني يوما إلى ربّ هجمة ... يدافع عنها بالحقوق وبالبخل
وقيل: إنّ الله قيّض له ناقتين دهماوتين وهو مع قوم من الضعفاء، وفي شتاء شديد، وقد غلب عن قوتهم وحملهم، فنحر لهم إحداهما وحمل متاعهم على الأخرى، وجعل ينتقل بهم من مكان إلى مكان، وكان بين النّقرة والرندة، فنزل بهم ماء بينهما يقال له: ملوان. ثمّ إنّ الله تعالى قيّض له رجلا صاحب مائة من الإبل قد فرّ بها من حقوقها، وذلك أوّل ما ألبن الناس. فقتله وأخذ إبله وامرأته، وكانت من أحسن النساء وأجملهنّ. فأتى بالإبل أصحاب الكنيف، فحلبها لهم وحملهم عليها، حتّى إذا دنوا من عشائرهم أقبل يقسم الإبل. ثمّ أخذ مثل نصيب أحدهم، فقالوا: لا، والله لا نرضى حتّى تجعل المرأة نصيبا أيضا، فمن وقعت بسهمه أخذها. فعظم عليه، وجعل يهمّ أن يحمل عليهم فيقتلهم
стр. 888
وينتزع الإبل منهم، ثمّ يذكر أنّهم صنيعته. فأفكر طويلا (٢٩٧) ثمّ أجابهم إلى أن يردّ عليهم نصيبه من الإبل إلاّ راحلة يحمل عليها المرأة حتّى يلحق بأهله، فأبوا عليه أيضا. فانتدب رجل منهم فجعل له راحلة من نصيبه، فقال عروة في ذلك (من الطويل):
ألا إنّ أصحاب الكنيف وجدتهم ... كما النّاس لمّا أمرعوا وتموّلوا
وإنّي لمدفوع أليّ ولاهم ... بماوان إذ تمشي وإذ تتململ
وإنّي وإيّاهم كذي الأمّ أذهبت ... له ماء عينيها تفدّي وتحملوا
وباتت بحدّ المرفقين كلاهما ... توحوح ممّا نالها وتولول
تخيّر من أمرين ليسا بغبطة ... هو الثّكل إلاّ أنّها قد تتحمّل
قال أبو الفرج الإصفهانيّ في كتاب الأغانيّ: نسخت من كتاب أحمد ابن القاسم بن يوسف، قال: حدّثني جرير قطن أنّ ثمامة بن الوليد دخل على المنصور، ثاني خلفاء بني العباس أيّام خلافته، فقال: يا ثمامة، أتحفظ حديث ابن عمّك عروة الصعاليك ابن الورد العبسيّ؟ قال: أيّ
стр. 889
حديثه يا أمير المؤمنين؟ فقد كان له من الحديث كثير! قال: حديثه مع الهذليّ الذي استلّ فرسه. قال: ما يحضرني ذلك يا أمير المؤمنين. فقال المنصور: نعم، خرج عروة بن الورد حتّى دنا من منازل هذيل، وكان منها على ميلين، وقد جاع. وإذا هو بأرنب، فرماها فأصماها، ثمّ أورى نارا فشواها وأكلها ودفن النار على مقدار نصف عوده، وقد ذهب أكثر الليل وغارت النجوم، ثمّ أتى سرحة فصعدها وتخوف الطّلب. فلمّا تغيّب فيها إذا الخيل قد جاءت وفيهم رجل على فرس، فجاء حتّى ركز عوده في موضع النار، وقال: لقد رأيت النار ها هنا. فنزل رجل منهم فحفر قدر ذراع فلم يجد شيئا. فركب القوم ومروا على الرجل يلومونه (٢٩٨) ويعنّفونه ويعيبون أمره ويقولون: عنّيتنا في مثل هذه اللّيلة القرّة وزعمت لنا شيئا كذبت فيه. فقال: ما كذبت، ولقد رأيت النار موضع ركزت رمحي.
فقالوا: ما رأيت شيئا، ولكنّ تحذلقك وتداهيك، وهو الذي يحملك على هذا. ولم يزالوا به حتّى رجع عن قوله، وعادوا، وتبعهم عروة وسبقهم إلى الأحياء، فكمن في كسر بيت، وجاء الرجل ذاك بعينه وقد كان قبل عوده قد خالفه إلى زوجته عبد أسود، فأتاها العبد بعلبة فيها لبن، فقال:
اشربي. فقالت: لا، أو تبدأ أنت. فبدأ الأسود، فشرب. فلمّا جاء الرجل قالت له: لعن الله حدسك وصلفك! عنّيت القوم في هذه الليلة على غير
стр. 890
شيء. ثمّ دعا بالعلبة ليشرب، فقال حين ذهب ليشرب: ريح رجل وربّ الكعبة! فقالت المرأة: وهذه أخرى! وأيّ ريح رجل في إنائك غير ريحك؟ ثمّ صاحت. فجاء قومها فأخبرتهم خبره، فقالت: يتّهمني ويظنّ بي.
فأقبلوا عليه باللّوم والتّعنيف حتّى رجع. فقال عروة: وهذه ثانية. ثمّ أوى الرجل إلى فراشه ووثب عروة إلى الفرس وهو يريد أن يذهب به، فضرب الفرس بيده وحمحم وتحرّك، فرجع عروة إلى موضعه، ووثب الرجل فقال: ما كنت تكذّبني قبل اليوم، فما لك؟ فأقبلت المرأة عليه لوما وعذلا. قال: فصنع بالفرس كذلك ثلاثا والرجل يثب ثمّ يعود والمرة تلومه وتزيد في تعنيفه. فلمّا ضجر من كثرة تعنيفها له قال: لا أقوم اللّيلة ولو أخذ! فأتاه عروة، فصار في متنه وخرج ركضا. وركب الرجل فرسا عنده وجعل يقول: الحقي فإنّك من نسله. قال: فلمّا انقطع من البيوت قال عروة: أيّها الرّجل قف! فإنّك لو تعرفني لم تقدم عليّ. قال: كن عروة (٢٩٩) بن الورد؟ فقال: أنا هو، وقد رأيت منك عجبا، فأخبرني به وأردّ فرسك إليك. قال: وما هو؟ قال: جئت مع قومك حتّى ركزت رمحك في موضع كنت قد شويت فيه أرنبا، ولم تخطئ مكان النار، فثنوك عن ذلك فانثنيت، وقد صدقت. ثمّ اتّبعتك حتّى سبقتك إلى منزلك وأتيت وشممت ريح رجل في إنائك، وقد كان زوجتك قد آثرت بذلك عبدك الأسود،
стр. 891
وأظنّ بينهما ما لا تحبّ، فقلت: ريح رجل؛ فلم تزل بك حتّى انثنيت أيضا. ثمّ خرجت إلى فرسك فأردته، فخرجت إليه ثمّ خرجت ثمّ خرجت، ثمّ انثنيت أيضا. فرأيتك في هذه الخصال أكمل الناس، ولكنّك تنثني وترجع. قال: فضحك الرجل ثمّ قال: أمّا ما رأيت من صرامتي وقوة فطنتي فمن قبل أعمامي هذيل؛ وأمّا انثنائي وكعاعتي فلأخوالي السوء، وهم بطن من خزاعة؛ والمرأة الذي رأيت عندي امرأة منهم، وأنا لاحق بقومي وخارج عن أخوالي ومخلّ سبيل المرأة. ولولا ما رأيت من كعاعتي لم يقو على مناوأتي أحد من العرب. فقال عروة: خذ الآن فرسك راشدا.
قال: ما كنت لآخذه منك، ولو كان غيرك ما راح به، ولكن عندي من نسله الغنى عنه، فخذه مجعول بعده. فقال ثمامة: إنّ له عندنا أحاديث كثيرة، ما سمعنا بأطراف منها يا أمير المؤمنين. وتمّت أخبار عروة ملخّصا.
ذكر دريد بن الصّمّة والخنساء بنت عمر بن الشّريد السّلميّ
قال أبو عمرو: وإنّ دريد بن الصّمّة أدرك الإسلام فلم يسلم. وكان
стр. 892
فارس جشم، وكان شيخ العرب في الجاهليّة يرجعون لرأيه، (٣٠٠) وكان مظفّرا ميمونا أين توجّه وقصد، وكان قد جمع مالك بن عوف هوازن وأخرجت بنو جشم معها دريدا، وكان يومئذ شيخا كبيرا فقتل في تلك الوقعة.
وعن يونس يقول: أفضل بيت قالته العرب في الصّبر على النوائب بيت دريد بن الصّمّة، وهو (من الطويل):
قليل التّشكّي للمصيبات حافظ ... من اليوم أعقاب الأحاديث في غد
وروي أن دريدا مرّ بالخنساء بنت عمرو بن الشّريد وهي تهنأ بعيرا لها، ثمّ نضّت عنها ثيابها فاغتسلت ودريد ينظر إليها وهي لا تشعر به فأعجبته، فانصرف وهو يقول (من الكامل):
حيّوا تماضر وابلغوا صحبي ... وقفوا فإنّ وقوفكم حسبي
أخناس قد هام الفؤاد بكم ... وأصابه تبل من الحبّ
متبذّلا تبدو محاسنه ... يضع الهناة مواضع الثّقب
стр. 893
قال: فلمّا أصبح غدا إلى قومها يخطبها، فقال له أبوها: حبّا وكرامة يا با مرّة! إنّك الكريم الذي لا يطعن في حسبه، والسّيّد الذي لا ترد حاجته، والفحل الذي لا يقرع أنفه، ولكن لهذه الامرأة من نفسها ما ليس لغيرها، وأنا ذاكرك لها. ثمّ دخل أبوها إليها فقال: أي بنيّة! أتاك فارس هوازن وسيّد جشم وشيخ العرب، دريد بن الصّمّة، يخطبك. فقالت:
أنظرني يا به أشاور نفسي. ثمّ بعثت خلف دريد وليدة لها وقالت: انظري دريدا إذا بال يقعر أم يبعثر، وعودي. فاتّبعته وعادت إليها، فقالت: وجدته قد ساح على وجه الأرض من غير أن يأثر بها، فأمسكت. وعاود دريد أباها، فعاودها فقالت: يا به، إنّي تاركة بني عمّي مثل عوالي الرّماح وناكحة شيخا من جشم مماته (٣٠١) اليوم أو غد. فخرج أبوها إليه وقال:
قد امتنعت، ولعلّ تجيب بعدها.
وقالت الخنساء تعرّض بذمّ دريد من قصيدة (من الوافر):
أتخطبني هبلت على دريد ... وقد أطردت سيّد آل بدر
فلمّا بلغ شعرها دريدا اشتد ذلك عليه وقال يهجوها (من الوافر):
стр. 894
وقاك الله يابنة آل عمرو ... من الفتيان أمثالي ونفسي
ولا تلدي ولا ينكحك مثلي ... إذا ما ليلة طرقت بنحس
قلت: الخنساء، فهي تماضر ابنة عمرو بن الشّريد السّلميّ، وفي سلم شرف كثير يأتي ذكر ذلك عند ذكر النّابغة. وأمّا إحسانها في شعرها فمعروف، ووفائها لصخر أخيها موصوف.
ويروى أنّها دخلت على بعض أزواج النّبيّ ﷺ ، وعليها صدار من شعر، فقالت لها: يا خنساء، قتل أخوك صخر في الجاهليّة وأنت متسليّة عليه في الإسلام. فقالت: كان لي زوج متلاف، فأتيت أخي ثلاث مرّات فشاطرني ماله، ثمّ أعطاني في الرابعة كرائم إبله، فلامته امرأته سلمى، فسمعته يقول (من الرجز):
والله لا أمنعها خيارها ... ولو هلكت قدّدت خمارها
واتّخذت من شعر صدارها
فنذرت أن لا أنزعه حتّى ألحق به.
ومن شعرها تقول (من المتقارب):
стр. 895
رفيع العماد طويل النّجا ... د ساد عشيرته أمردا
يحمل للقوم ما عالهم ... وإن كان أصغرهم مولدا
ومن مليح شعرها (من المتقارب):
تعرّفني الدّهر نهشا ووخزا ... وأوجعني الدّهر قرعا وغمزا
وأفنى رجالي فبادوا معا ... وغودر قلبي بهم مستفزّا
(٣٠٢)
وكنّا قديما حمى نتّقى ... إذا النّاس إذ ذاك من عزّ بزّا
وخيل تكردس بالدّارعين ... وتحت العجاجة يجمزن جمزا
جززنا نواصي فرسانهم ... وكانوا يظنّون أن لن تجزّا
ونلبس في الحرب نسج الحديد ... ونسحب في السّلم خزّا وبزّا
ومن ظنّ ممّن يلاقي الحروب ... بأن لا يصاب فقد ظنّ عجزا
ذكر بقيّة ما أثبتناه من خبرها عند ذكر النّابغة، إن شاء الله.
ذكر ذو الإصبع العدوانيّ، جاهليّ
هو حرثان بن الحارث بن محرّث بن ثعلبة، بنسب متّصل إلى عدوان
стр. 896
ابن سعد بن قيس بن عيلان بن مضر بن نزار، وقبيلته عدوان بطن من جديلة. وهو شجاع من شجعان الجاهليّة وشاعر من شعرائها القدماء، وله حروب ووقائع وغارات كثيرة مشهورة في أيّام وقائع العرب.
وروى الأصمعيّ قال: نزلوا عدوان قديما على ماء فأحصوا سبعين ألف غلام أعزل سوى من كان مختونا لكثرة عددهم، ثمّ وقع بأسهم بينهم حتّى تفانوا، فقال ذو الإصبع في ذلك (من الهزج):
عذير الحيّ من عدوا ... ن كانوا حيّة الأرض
بغى بعضهم بعضا ... فلم يبقوا على بعض
فقد صاروا أحاديثا ... برفع القول والخفض
ومنهم كانت السّادا ... ت والموفون بالقرض
ومنهم من يجيز النّا ... س بالسّنّة والفرض
ومنهم حكم يقضي ... فلا ينقض ما يقضي
стр. 897
(٣٠٣) قوله: فمنهم حكم يقضي، فإنّه عنى: عامر بن الظّرب العدوانيّ وكان حكما للعرب تحتكم إليه.
قال أبو عمرو: وكان سبب تفرّق عدوان وقتال بعضهم بعضا حتّى تفانوا، أنّ بني ناج بن يشكر بن عدوان أغاروا على بني عوف بن سعد بن ظرب بن عمرو بن عباد بن يشكر بن عدوان، ونذرت بهم بني عوف فاقتتلوا، فقتلت بنو ناج من بني عوف ثمانية نفر فيهم عمير بن مالك، سيّد بني عوف، وقتلت بنو عوف من بني ناج رجلا يقال له: سنان بن جابر، وتفرّقوا على حرب. وكان الذي أصابوه من بني وائلة بن عمرو بن عباد، وكان سيّدا، فاصطلح القوم على الدّيات بينهم واجتمع على ذلك سائر الناس، وأبى مرّ بن جابر أن يقبل في أخيه سنان بن جابر دية، واعتزل هو وبنو أبيه ومن أطاعهم ومالأهم، وبايعه على ذلك كرب بن جبلة، أحد بني عبس بن ناج، فمشى إليه الناس-وفيهم ذي الإصبع-وسألوه قبول الدّية، وقال: قد قتل منّا ثمانية نفر، وفيهم سيّد وشريف: عمير بن مالك، فقبلنا الدّية وأخمدنا جمرها، وقتل منكم رجل واحد، فأقبلوا ديته. فأبا مرّ بن جابر. وأقاموا على الحرب، فكان ذلك مبدأ حربهم حتّى تفانوا وتقطّعوا.
فقال ذو الإصبع في ذلك (من الطويل):
стр. 898
فيا بؤس للأيّام والدّهر هالك ... وصرف اللّيالي يختلفن كذلك
أبعد بني ناج وسعيك فيهم ... فلا تتبعن عينيك من كان هالكا
إذا قلت معروفا لأصلح بينهم ... يقول مرير لا تحاول ذلك
فأضحوا كظهر العود جبّ سنامه ... تحوم عليه الطّير أحدب باركا
فإن تك عدوان بن عوف تفرّقت ... فقد غيّبت دهرا ملوكا هنالكا
(٣٠٤) وهي قصيدة طويلة وقد لخّصتها للاختصار.
قال أبو عمرو الشّيبانيّ: وفي مرّ بن جابر يقول ذو الإصبع من قصيدة طويلة أوّلها (من البسيط):
يا من لقلب شديد الهمّ محزون ... أمسى تذكّر ريّا أمّ هرون
أمسى تذكّرها من بعد ما شحطت ... والدّهر ذو علطة حينا وذو لين
ومنها يقول:
стр. 899
لي ابن عّم على ما كان <من> خلق ... مخالف لي فأقليه ويقليني
فإن ترد عرض الدّنيا بمنقصتي ... فإنّ ذلك ممّا ليس يشجيني
ولا يرى فيّ غبر الصّبر منقصة ... وما سواه فإنّ الله يكفيني
لولا أباصر قربى ليس يحفظها ... ورهبة الله ممّن لا يعاديني
إذا بريتك بريا لا انجبار له ... إنّي رأيتك لا تنفكّ تبريني
إنّ الّذي يقبض الدّنيا ويبسطها ... إن كان أغناك عنّي سوف يغنيني
ومنها يقول:
كلّ امرئ صائر يوما لشيمته ... وإن تخلّق أخلاقا إلى حين
قال أبو عمرو: ومن قوله لأمامة ابنته، وقد رأته لمّا أسنّ نهظ فسقط وتوكّأ على العصا، فبكت، فقال (من الكامل):
جزعت أمامة أن مشيت على العصا ... وتذكّرت إذ نحن بلا لقيان
فلقلّ ما رام الإله بكيده ... إرما وهذا الحيّ من عدوان
بعد الكرامة والفضيلة والنّهى ... طاف الزّمان عليهم بأوان
стр. 900
وتفرّقوا فتقطّعت أشلاؤهم ... وتبدّدوا فرقا بكلّ مكان
ومنها يقول:
لا تعجبنّ أمام من حدث عدا ... فالدّهر غيّرنا مع الحدثان
(٣٠٥) ذكر تأبّط شرّا وطرفا من خبره
هو ثابت بن جابر ويكنى أبا زهير ويلقب تأبّط شرّ، وسبب ذلك ما ذكره ابن الأعرابيّ أنّ أمّه قالت له يوما وهو صغير: ألا ترى إلى غلمان الحيّ يجنون لأهلهم الكمأة فيروّحون بها؟ قال: أعطيني جرابي حتّى أمضي فأجني لك الكمأة. فأعطته، ومضى فملأه أفاعي وأتى به متأبّطا به، فألقاه بين يديها ففتحته فخرجن منه الأفاعي يسعين في الخباء. فوثبت وخرجت صارخة. فقالوا لها نساء الحيّ: ماذا أتاك به ثابت متأبّطا؟ فقالت:
شرّا. فلزمه هذا اللّقب.
وكان تأبّط شرّا أعدى ذي ساقين وذي كعبين مشا على الأرض.
وكان إذا جاع لم تقم له قائمة، وكان إذا نظر إلى الظّباء فيتنقّى على نظرة أسمنها ثمّ يعدوا خلفه فلا يعود حتّى يأخذه فيذبحه بسيفه ويشويه ويأكله.
стр. 901
ولقي يوما رجلا من ثقيف يقال له: أبو وهب، وكان أهوجا وعليه حلّة جيّدة. فقال: يا ثابت، بم تغلب الناس، وأنت كما أرى ضئيلا دميما؟ قال: باسمي أنا! أقول ساعة ألقا رجلا: أنا تأبّط شرّا! فينخلع قلبه حتّى أنال منه ما أريد. فقال له الثّقفيّ: فهل لك أن تبيعني اسمك؟ قال: بماذا؟ قال: بهذه الحلّة، ولك كنيتي. قال: فعلت. فأخذ حلّته. فقال أبو وهب:
ولي اسمك؟ فقال: نعم، امضي. ثم انصرف تأبّط شرّا وقال (من الطويل):
ألا هل أتى الحسناء أنّ خليلها ... تأبّط شرّا وقد كنّيت أبا وهب
فهبه تسمّى أسماء وسمّاني اسمه ... فأين له صبري على معظم الخطب
وأين له بأس كبأسي وصورتي ... وأين له في كلّ جارحة قلبي
قال ابن الأعرابيّ أيضا: إنّما سمّي تأبّط شرّا لأنّه لقي الغول التي تزعم (٣٠٦) العرب، فقتلها وقطع رأسها ورجع إلى أهله متأبّطا بذلك، وهو قوله (من الوافر):
ألا مخبرا فتيان فهم ... بما لاقيت عند رحا بطان
بأنّي قد لقيت الغول تهوي ... بشهب كالصّحيفة صحصحان
стр. 902
فقلت لها كلانا نضو أرض ... أخو سفر فخلّي لي مكاني
فشدّت شدّة نحوي وأهوى ... لها كفّي بمصقول يماني
فأضربها بلا دهش فخرّت ... صريعا لليدين وللجران
فقالت عد فقلت لها رويدا ... مكانك إنّني ثبت الجنان
فلم أنفكّ متّكئا لديها ... لأنظر مصبحا ماذا أتاني
إذا عينان في رأس قبيح ... كرأس الضّبع مشقوق اللّسان
وساقا مخدج وسراة كلب ... وثوب من عباة أو سدان
وتقول العرب: إنّ الغول ما رآه أحد إلاّ انخلع قلبه فرقا منه، وأنّه من ثنّى عليه الضّرب عادت كما كانت حيّية، ولهم في ذكره أقوال كثيرة، والله أعلم.
ذكر الفحول من شعراء الجاهليّة ولمعا من شعرهم
قلت: إنّما قدّمت هؤلاء الجماعة لكونهم جمعوا بين طرفي الشّجاعة والبراعة، فوجب تقديمهم على غيرهم من الشعراء المفلقين الفحول الجاهليّة الأوّلين. ومن ها هنا نبدأ بذكر من وصلت القدرة إلى إثباته وتحصيله، ونورد نبذا من أخباره وأشعاره وفصوله، ولا طمع في إحصاء جملتهم أبدا، إذ لا يعلمهم إلاّ من أحصاهم عددا.
стр. 903
ذكر امرئ القيس بن حجر
هو امرؤ القيس بن حجر <بن الحارث> بن عمرو، وأمّه فاطمة بنت ربيعة بن الحارث بن زهير، وهي أخت كليب ومهلهل (٣٠٧) ابني ربيعة التّغلبيّ.
قيل: كان أبوه قد طرده لمّا قال الشعر، وكان قد سفك في أحياء العرب، وكان قد استمال لصوصا وصعاليكا من صعاليك العرب، يغير بهم. فلمّا بلغ امرأ القيس موت أبيه-وكان جالسا في مجلس شربه- قال: ضيّعني صغيرا، وحملني الثأر كبيرا؛ اليوم خمر وغدا أمر، فسيّرها مثلا. ثمّ جمع بكر بن وائل وغيرهم وخرج يريد بني أسد، فأوقع ببني كنانة فقتلهم.
ثمّ إنّ أصحابه اختلفوا عليه، فخرج إلى الروم، وطال تردّده بالجبلى وأعوزته النّصرة على بني أسد، فسما إلى قيصر، ملك الروم، واستصحب
стр. 904
معه عمرو بن قميّة بن سعد بن صعصعة، وكان قد جاوز التسعين، وذلك قوله (من الطويل):
كأنّي وقد جاوزت تسعين حجّة ... خلعت بها عنّي عذار لجامي
وهو الذي يخاطبه امرؤ القيس في قصيدته التي منها يقول (من الطويل:):
بكى صاحبي لمّا رأى الدّرب دونه ... وأيقن أنّا لاحقان بقيصرا
فقلت له لا تبك عيناك أنت ... نحاول ملكا أو نموت فنعذرا
ثمّ مات عمرو في سفرته تلك، فسمّته العرب: الضائع.
ودخل امرؤ القيس على قيصر فقبله وأكرمه ورفع من شأنه وكان له عنده مزيّة، فاندسّ رجل يقال له الطمّاح من بني أسد-وكان امرؤ القيس قد قتل أباه وأخاه-حتّى أتا بلاد الروم، فأقام مستخفيا مدّة. ثمّ إنّ قيصر ضمّ إلى امرئ القيس جيشا كبيرا ونفّذه لأعدائه.
فلمّا فصل عنه، ظهر الطمّاح وتوصّل إلى قيصر، فقال له: إنّ امرأ
стр. 905
القيس رجل عاهر، وانصرف عنك بالجيش، وذكر أنّه يهوى ابنتك وأنّه قال فيها شعرا كثيرا أشهرها في بلاد العرب.
ومن رواية أخرى أنّ امرأ القيس (٣٠٨) لمّا قدم على قيصر هويته ابنته-وكان جميلا من الرجال-فصار إليها، وهو قوله في ذلك (من الطويل):
فقلت يمين الله أبرح قادعدا ... ولو قطعوا رأسي لديك وأوصالي
وهي قصيدة طويلة فأضربت عن جملتها للاختصار.
وقيل: إنّ الطّمّاح اختلقها على لسانه ووشى به إلى الملك قيصر، فكره أن يقتله بحضرته فأتبعه رجلا ومعه خلعة مسمومة، وكتب إليه: إنّني قد سيّرت إليك بحلّتي التي ألبسها للزينة ليعرف بذلك فضل منزلتك عندي. فلمّا قرأ الكتاب سرّه ذلك وقام في وقته ولبسها، فقرّح جسده، فلذلك يسمّى بذات القروح؛ وقال في ذلك (من الطويل):
لقد طمح الطّمّاح من بعد أرضه ... فألبسني من دائه ما تلبّسا
فلو أنّها نفسا تموت احتسبتها ... ولكنّها نفسا تساقط أنفسا
وكان يحمل في محفّة، ثمّ نزلوا به إلى جنب جبل يقال له: عسيب،
стр. 906
إلى جنب قبر لبعض بنات الروم، فسأل عنه فأخبروه، فقال في ذلك (من الطويل):
أجارتنا إنّا غريبان ها هنا ... وكلّ غريب للغريب نسيب
وأوّلها يقول:
أجارتنا إنّ الخطوب تنوب ... وإنّي مقيم ما أقام عسيب
ثمّ مات، فدفنوه إلى جانب القبر. وممّا يستحسن من تشابيهه قوله (من الطويل):
كأنّ قلوب الطّير رطبا ويابسا ... لدى وكرها العتّاب والحشف البالي
نظرت إليها والنّجوم كأنّها ... مصابيح رهبان تشبّ لقفّال
ومن جيد شعره قصيده المشهور التي أوّلها (من الطويل):
قفا نبك من ذكرا حبيب ومنزل ... بسقط اللّوى بين الرّبوع فحومل
(٣٠٩) فأضربت عن إثباتها لاشتهارها في أيدي الناس. ومن جيّد شعره (من المتقارب):
برهرهة رخصة رودة ... كخرعوبة البانة المنفطر
стр. 907
فتور القيام قطيع الكلا ... م تفترّ عن ذي غروب خضر
كأنّ المدام وصوب الغمام ... وريح الخزامي ونشر القطر
يعلّ به برد أنيابها ... إذا غرّد الطّائر المستحر
قلت: ما وصف أحد الثّغر فأجاد وأحسن كلّ الإحسان بإجماع الرواة كالنّابغة الذّبيانيّ في قوله (من الكامل):
تجلوا بقادمتي حمامة أيكة ... بردا أشفّ لثاته بالإثمد
كالأقحوان غداة غبّ سمائه ... جفّت أعاليه وأسفله ند
ولهذين البيتين شرح حسن، إذا أثبت يزيد على نصف كرّاس ولا يوفيهما حقّهما في شرحهما، فأضربت عن شرحهما للاختصار ومن شعر امرئ القيس قوله (من الوافر):
فبعض اللّوم عاذلتي فإنّي ... ستكفيني التّجارب وانتسابي
إلى عرق الثّرى وشجت عروقي ... وهذا الموت يسلبني شبابي
وقد طوّقت في الآفاق حتّى ... رضيت من الغنيمة بالإياب
ذكر النّابغة الذّبيانيّ ولمعا من أخباره وأشعاره
النّابغة جاهليّ اسمه زياد بن معاوية ويكنى أبا أمامة ولقّب بالنّابغة لقوله (من الوافر):
стр. 908
وقد نبغت لهم منّا شؤون
وهو أحد الأشراف الذين حطّ من قديرهم الشعر وغضّ منهم القريض. وكان ذا رئاسة في قومه وشرف وتسوّد، فلمّا قال الشعر غلب عليه ونسب إليه.
قلت: ولله <درّ> القائل: الشعر يحطّ من قدر الكامل كما يرفع من قدر الجاهل، وقول الآخر: الشعر نقيصة (٣١٠) الكامل وحكمة الناقص.
وقول الآخر: الشعر يضع من قدر الشريف كما يرفع من قدر السّخيف.
روى الأصمعيّ: كان يضرب للنّابغة قبّة من أدم بسوق عكاظ فتأتيه الشعراء فتعرض عليه أشعارهم، فأنشدته الخنساء يوما بمحضر حسّان بن ثابت الأنصاريّ تقول (من البسيط):
فإنّ صخرا لمولانا وسيّدنا ... وإنّ صخرا إذا يشتو لنحّار
وإنّ صخرا لتأتمّ الهداة به ... كأنّه علم في رأسه نار
فقال: والله لولا أنّ أبا بصير أنشدني آنفا لقلت: إنّك أشعر الإنس والجن. فقام حسّان بن ثابت فقال: والله لأنا أشعر منك ومن أبيك. فقال له النابغة: يا ابن أخي، أنت لا تحسن <أن> تقول (من الطويل):
стр. 909
فإنّك الّذي هو مدركي ... وإن خلت أنّ المنتأى عنك واسع
خطاطيف تحجزن في حبال متينة ... تمدّ بها أيد إليك نوازع
فسكت عند ذلك حسّان.
وأبا النصير الذي عناه النابغة هو عمر بن عبد العزيز مولى لبني إسحاق، وكان شاعرا مفلقا.
قلت: ساق الحصريّ، صاحب كتاب زهر الآداب، أنّ الخنساء بنت عمرو بن الشّريد السّلمي وأخويها صخر ومعاوية، وكان أبوهما يقف بهما في الموسم فيقول: أنا أبو خيري مضر، فمن عيّب فليغيّر، فلا يغيّر عليه أحد. فكان يقول: من أتا بمثلهما من قبيلة فله حكمه! فتقرّ له العرب بذلك.
وأدركت الخنساء أيّام عمر بن الخطّاب، ﵁، وأحضرها قومها إليه، فقالوا: هذه الخنساء قد قرحت مآقيها في الجاهليّة والإسلام، فلو نهيتها رجونا أن تنته. فقال لها عمر، ﵁: إتّق الله يا خنساء، وأيقني بالموت. فقالت: إنّي لموقنة بالموت (٣١١) وأبكي خيري مضر:
صخر ومعاوية. قال: أتبكيهما وقد صارا فحمتي في النار؟ قالت: ذلك
стр. 910
أشدّ لبكائي عليهما يا عمر. قال: فكأنّه رقّ لها، فقال: خلّوا عن عجوزكم، لا أبا لكم! نام الخليّ عن بكاء الشّجيّ. وفي سليم شرف كثير ليس هذا مكان ذكره.
قال أبو عبيدة: كان النابغة الذّبيانيّ أوضح شعراء الجاهليّة كلاما وأقلّهم سقطا وحشوا وأجودهم مقاطع وأحسنهم مطالع، ولشعره ديباجة ليست لغيره. إن شئت قلت: ليس بشعر مؤلّف، من تأتّيه ولينه، وإن شئت: هو صخر لو رديت به الجبال لأزالها.
وروي عن عمر بن الخطّاب، ﵁، أنّه قال ذات يوم: أيّ شعراكم يقول (من الطويل):
فلست بمستبق أخا لا تلمّه ... على شعث أيّ الرّجال المهذّب
قالوا: النابغة. قال: هو أشعر شعراكم. ثمّ قال يوم آخر: أي شعراكم يقول (من الوافر):
فألفيت الأمانة لا تخنها ... كذلك كان يوم لا تخون
قالوا: النابغة. قال: هو أشعر شعراكم. ثمّ قال يوم آخر: أي شعراكم يقول (من الطويل):
حلفت فلم أترك لنفسي ريبة ... وليس وراء الله للمرء مذهب
стр. 911
قالوا: النّابغة. فقال: هو أشعركم. ففضّله في ثلاث مواضع:
روى خلف بن محرز أنّه سمع أهل البادية من بني سعد يروون بيت النابغة للزّبرقان بن بدر السّعديّ، وهو (من البسيط):
تعدوا الذّئاب على من لا كلاب له ... وتتّقي مربض المستنفر الحامي
وإنهم رووا للنّابغة الذّبيانيّ هذا البيت، وهو (من البسيط):
تلك المكارم لا قعبان من لبن ... شيبا بماء فعادا بعد أبوالا
وقيل إنّه لأميّة بن أبي الصّلت. ومثل هذا الاختلاف قول امرئ القيس (من الطويل):
وقوف بها صحبي عليّ مطيّهم ... يقولون لا تهلك أسا وتجمّل
وقول طرفة بن العبد أيضا (٣١٢، من الطويل):
وقوف بها صحبي عليّ مطيّهم ... يقولون لا تهلك أسا وتجلّد
стр. 912
ومن مليح قول النّابغة في النّعمان بن المنذر (من الطويل):
ألم ترا أنّ الله أعطاك سورة ... ترى كلّ ملك دونها يتذبذب
كأنّك شمس والملوك كواكب ... إذا طلعت لم يبد منهنّ كوكب
قلت: وهذه الأبيات من جملة قصيدة كان النّابغة قد نفذها للنّعمان بن المنذر يعتذر إليه فيها عن شيء بلغه بسبب المتجرّدة بنت زهير، امرأة النّعمان، وسنذكر خبر ذلك بعد ذكر بقيّة هذه الأبيات من جملة قصيدة طويلة، منها يقول:
حلفت فلم أترك لنفسي ريبة ... وليس وراء الله للمرء مذهب
لئن كنت قد بلّغت عنّي خيانة ... لمبلغك الواشي أغشّ وأكذب
ولكنّني كنت امرءا لي جانب ... من الأرض فيه مستزاد ومذهب
ومنها يقول:
ملوك وإخوان إذا ما أتيتهم ... أحكّم في أموالهم وأقرّب
ومنها يقول:
стр. 913
كفعلك في قوم أراك اصطنعتهم ... فلم ترهم في شكر ذلك أذنبوا
فلا تتركنّي بالوعيد كأنّني ... إلى النّاس مطليّ به القار أجرب
أتاني أبيت اللّعن أنّك لمتني ... وتلك الّتي أهتمّ منها وأنصب
ولست بمستبق أخا لا تلمّه ... على شعث أيّ الرّجال المهذّب
فإن أك مظلوما فعبد ظلمته ... وإن تك ذا عتبى فمثلك يعتب
(٣١٣) وأمّا حديث المتجرّدة فهي زوجة النّعمان بن المنذر ابن ماء السّماء، وكانت من أحسن الناس وجها، وكان يهواها. وقيل: إنّها كانت زوجة أبيه، المنذر بن النّعمان، فتزوّجها بعد موت أبيه، بشريعة الهوى وغلب المقدرة.
قلت: هذا كلام السّلطان، الملك المنصور، ناصر الدّنيا والدين، أبا المعالي محمّد بن الملك المظفّر تقيّ الدين عمر <بن> شاهنشاه بن أيّوب، صاحب حماة يومئذ، كان-رحمه الله تعالى وبرّد؟؟؟ ضريحه وسائر ملوك المسلمين-ساق هذا الحديث في كتابه المسمّى بدرر الآداب ومحاسن ذوي الألباب، في باب: طبقات الشعراء. وهو لعمري من الكتب النفيسة الجامعة لمحاسن الأدب، يدل على أنّه ﵀، من الملوك الأكابر المطّلعين على أخبار الناس وتواريخهم.
فالذي أقوله: إنّ هذا النّكاح كان جائزا في أيّام الجاهليّة ولا زال مستمرا حتّى جاء الإسلام، وسمّي: نكاح المقت، وبيان ذلك يأتي في
стр. 914
موضعه عند ذكر الأعياص من قريش ونسبهم، إن شاء الله تعالى.
وكان النّابغة الذّبيانيّ والمنخّل اليشكريّ في منادمة النّعمان بن المنذر، وكان النّابغة مليحا عفيفا والمنخّل اليشكريّ قبيحا فاسقا. وكانت المتجرّدة تهوى المنخّل لفسقه. وكان النّعمان مكرّما للنّابغة مبجّلا له دون المنخّل. فحسده على منزلته وقربه المنخّل اليشكريّ وخاف أن تنظره المتجرّدة فتهواه لجماله وقربه من النّعمان وتتركه. فعمل الحيلة في إبعاده عن النّعمان أو قتله.
واتّفق أنّ النّعمان قال للنّابغة: امدح لي المتجرّدة واذكر جميع محاسنها. ففعل هذه الأبيات الّتي أوّلها يقول (٣١٤، من الكامل):
أمن آل ميّة رائح أو مغتدي ... عجلان ذا زاد وغير مزوّد
إلى أن وصل في صفتها شيئا فشيئا إلى قوله:
وإذا طعنت طعنت في مستهدف ... رابي المجسّة بالعبير مقرمد
وإذا نزعت نزعت عن مستحصف ... نزع الحزوّر بالرّشاء المحصد
فتخيّل النّعمان من قوله، وقال له النّعمان: كيف رأيت يا منخّل؟ فقال: لو لم يعاين لم يذكر. فتغيّر النّعمان على النّابغة. وبلغ النّابغة قول المنخّل، فعلم أنّه مقتول إن قعد، فهرب إلى اليمن وقال: يكون المنخّل الخائن وأنا الأمين، وأنسب دونه إلى الخيانة وقد عمل على قتلي.
стр. 915
ثمّ إنّه نفّذ إلى النّعمان القصيدة العينيّة التي منها يقول (من الطويل):
أتاني أبيت اللّعن أنّك لمتني ... وتلك الّتي تستكّ منها المسامع
فبتّ كأنّي ساورتني ضئيلة ... من الرّقش في أنيابها السّمّ ناقع
لعمري وما عمري عليّ بهيّن ... لقد نطقت بطلا عليّ الأقارع
أقارع عوفا لا أحاول غيرها ... وجوه قرود تبتغي من تجادع
أتاك امرؤ مستعلن لي بغضه ... ولم يأت بالحقّ الّذي هو ناصع
أتاك بقول لم أكن لأقوله ... ولو كبلت من ساعديّ الجوامع
حلفت فلم أترك لنفسك ريبة ... وهل يأثمن ذو أمّة وهو طائع
ومنها يقول:
وحمّلتني ذنب امرئ وتركته ... كذي العرّ يكوى غيره وهو راتع
следующие страницы →