← История

История · id 18147

كنز الدرر وجامع الغرر

ابن الدواداري

Полный текст (4 323 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

قالوا: النّابغة. فقال: هو أشعركم. ففضّله في ثلاث مواضع: روى خلف بن محرز أنّه سمع أهل البادية من بني سعد يروون بيت النابغة للزّبرقان بن بدر السّعديّ، وهو (من البسيط): تعدوا الذّئاب على من لا كلاب له ... وتتّقي مربض المستنفر الحامي وإنهم رووا للنّابغة الذّبيانيّ هذا البيت، وهو (من البسيط): تلك المكارم لا قعبان من لبن ... شيبا بماء فعادا بعد أبوالا وقيل إنّه لأميّة بن أبي الصّلت. ومثل هذا الاختلاف قول امرئ القيس (من الطويل): وقوف بها صحبي عليّ مطيّهم ... يقولون لا تهلك أسا وتجمّل وقول طرفة بن العبد أيضا (٣١٢، من الطويل): وقوف بها صحبي عليّ مطيّهم ... يقولون لا تهلك أسا وتجلّد

стр. 912

ومن مليح قول النّابغة في النّعمان بن المنذر (من الطويل): ألم ترا أنّ الله أعطاك سورة ... ترى كلّ ملك دونها يتذبذب كأنّك شمس والملوك كواكب ... إذا طلعت لم يبد منهنّ كوكب قلت: وهذه الأبيات من جملة قصيدة كان النّابغة قد نفذها للنّعمان بن المنذر يعتذر إليه فيها عن شيء بلغه بسبب المتجرّدة بنت زهير، امرأة النّعمان، وسنذكر خبر ذلك بعد ذكر بقيّة هذه الأبيات من جملة قصيدة طويلة، منها يقول: حلفت فلم أترك لنفسي ريبة ... وليس وراء الله للمرء مذهب لئن كنت قد بلّغت عنّي خيانة ... لمبلغك الواشي أغشّ وأكذب ولكنّني كنت امرءا لي جانب ... من الأرض فيه مستزاد ومذهب ومنها يقول: ملوك وإخوان إذا ما أتيتهم ... أحكّم في أموالهم وأقرّب ومنها يقول:

стр. 913

كفعلك في قوم أراك اصطنعتهم ... فلم ترهم في شكر ذلك أذنبوا فلا تتركنّي بالوعيد كأنّني ... إلى النّاس مطليّ به القار أجرب أتاني أبيت اللّعن أنّك لمتني ... وتلك الّتي أهتمّ منها وأنصب ولست بمستبق أخا لا تلمّه ... على شعث أيّ الرّجال المهذّب فإن أك مظلوما فعبد ظلمته ... وإن تك ذا عتبى فمثلك يعتب (٣١٣) وأمّا حديث المتجرّدة فهي زوجة النّعمان بن المنذر ابن ماء السّماء، وكانت من أحسن الناس وجها، وكان يهواها. وقيل: إنّها كانت زوجة أبيه، المنذر بن النّعمان، فتزوّجها بعد موت أبيه، بشريعة الهوى وغلب المقدرة. قلت: هذا كلام السّلطان، الملك المنصور، ناصر الدّنيا والدين، أبا المعالي محمّد بن الملك المظفّر تقيّ الدين عمر <بن> شاهنشاه بن أيّوب، صاحب حماة يومئذ، كان-رحمه الله تعالى وبرّد؟؟؟ ضريحه وسائر ملوك المسلمين-ساق هذا الحديث في كتابه المسمّى بدرر الآداب ومحاسن ذوي الألباب، في باب: طبقات الشعراء. وهو لعمري من الكتب النفيسة الجامعة لمحاسن الأدب، يدل على أنّه ﵀، من الملوك الأكابر المطّلعين على أخبار الناس وتواريخهم. فالذي أقوله: إنّ هذا النّكاح كان جائزا في أيّام الجاهليّة ولا زال مستمرا حتّى جاء الإسلام، وسمّي: نكاح المقت، وبيان ذلك يأتي في

стр. 914

موضعه عند ذكر الأعياص من قريش ونسبهم، إن شاء الله تعالى. وكان النّابغة الذّبيانيّ والمنخّل اليشكريّ في منادمة النّعمان بن المنذر، وكان النّابغة مليحا عفيفا والمنخّل اليشكريّ قبيحا فاسقا. وكانت المتجرّدة تهوى المنخّل لفسقه. وكان النّعمان مكرّما للنّابغة مبجّلا له دون المنخّل. فحسده على منزلته وقربه المنخّل اليشكريّ وخاف أن تنظره المتجرّدة فتهواه لجماله وقربه من النّعمان وتتركه. فعمل الحيلة في إبعاده عن النّعمان أو قتله. واتّفق أنّ النّعمان قال للنّابغة: امدح لي المتجرّدة واذكر جميع محاسنها. ففعل هذه الأبيات الّتي أوّلها يقول (٣١٤، من الكامل): أمن آل ميّة رائح أو مغتدي ... عجلان ذا زاد وغير مزوّد إلى أن وصل في صفتها شيئا فشيئا إلى قوله: وإذا طعنت طعنت في مستهدف ... رابي المجسّة بالعبير مقرمد وإذا نزعت نزعت عن مستحصف ... نزع الحزوّر بالرّشاء المحصد فتخيّل النّعمان من قوله، وقال له النّعمان: كيف رأيت يا منخّل؟ فقال: لو لم يعاين لم يذكر. فتغيّر النّعمان على النّابغة. وبلغ النّابغة قول المنخّل، فعلم أنّه مقتول إن قعد، فهرب إلى اليمن وقال: يكون المنخّل الخائن وأنا الأمين، وأنسب دونه إلى الخيانة وقد عمل على قتلي.

стр. 915

ثمّ إنّه نفّذ إلى النّعمان القصيدة العينيّة التي منها يقول (من الطويل): أتاني أبيت اللّعن أنّك لمتني ... وتلك الّتي تستكّ منها المسامع فبتّ كأنّي ساورتني ضئيلة ... من الرّقش في أنيابها السّمّ ناقع لعمري وما عمري عليّ بهيّن ... لقد نطقت بطلا عليّ الأقارع أقارع عوفا لا أحاول غيرها ... وجوه قرود تبتغي من تجادع أتاك امرؤ مستعلن لي بغضه ... ولم يأت بالحقّ الّذي هو ناصع أتاك بقول لم أكن لأقوله ... ولو كبلت من ساعديّ الجوامع حلفت فلم أترك لنفسك ريبة ... وهل يأثمن ذو أمّة وهو طائع ومنها يقول: وحمّلتني ذنب امرئ وتركته ... كذي العرّ يكوى غيره وهو راتع

стр. 916

ومنها يقول: فإنّك كاللّيل الّذي هو مدركي ... وإن خلت أنّ المنتأى عنك واسع (٣١٥) خطاطيف حجن من حبال متينة ... تمدّ بها أيد إليك نوازع أتوعد عبدا لم يخنك أمانة ... وتترك عبدا ظالما وهو ضالع وأنت ربيع ينعش النّاس سيبه ... وسيف أعيرته المنيّة قاطع أبى الله إلاّ عدله ووفائه ... ولا النّكر معروف ولا العرف ضائع ولمّا وصلته الأبيات ووقف عليها، علم النّعمان أنّ المنخّل <وهو> الخائن دون النابغة، فقال: يا منخّل، اخلفني في أهلي حتّى أمضي أتصيّد وأعود. قال: نعم، وخرج النّعمان بزعمه للصّيد، ثمّ عاد إلى بيته ليلا فوجد المنخّل والمتجرّدة يشربان الخمر وساقيها في وسطه، وهما قد أمنا ممّن يتجسّس عليهما لغيبة النّعمان. فلمّا رآهما على ذلك هجم عليهما وقال: يا منخّل، ألست القائل: إنّ النّابغة لو لم يعاين لم يقل؟ أنشدني قولك: إن كنت عاذلتي فسيرى (من مجزوء الكامل). إن كنت عاذلتي فسيري ... نحو العراق ولا تحوري

стр. 917

لا تسألي عن جلّ ما ... لي واسألي كرمي وخيري ولقد دخلت على الفتا ... ة الخدر في اليوم المطير ودفعتها فتدافعت ... مشي القطاة إلى الغدير ولثمتها فتنفّست ... كتنفّس الظّبي الغرير ونأت وقالت يا منخّل ... ما بجسمك من حروري ما شفّ جسمي غير حبّك ... فاهدي عنّي وسيري وأحبّها وتحبّني ... ويحبّ ناقتها بعيري فقال النّعمان: صدقت! لو لم تتحاببا لما كنتما كذي. ثمّ قتلهما جميعا، وكتب إلى النّابغة وأعلمه بذلك وأعاده بالقسم أنّه (٣١٦) آمن منه مبرّأ ممّا اتّهم به. فعاد إليه النّابغة، فكان أحبّ الناس إليه وأوفرهم حظّا عنده. ومن مليح شعر النّابغة قوله (من الطويل): كليني لهمّ يا أميمة ناصب ... وليل أقضّيه بطيء الكواكب

стр. 918

وصدر لراع اللّيل عازب همّه ... تضاعف فيه الهمّ من كلّ جانب تقاعس حتّى قلت ليس بمنقض ... وليس الّذي يرعى النّجوم بآئب عليّ نعم ونعمة بعد نعمة ... لوالده ليست بذات عقارب ومنها يقول: إذا ما غزوا بالجيش حلّق فوقهم ... عصائب طير تهتدي بعصائب جوانح قد أيقنّ أنّ قبيله ... إذا ما التقى الجمعان أوّل غالب وقد جاء في قول النّابغة إقواء في قصيدته التي أوّلها: أمن آل ميّة رائح أو مغتدي، فإنّ قافيتها جميعها مكسورة إلاّ بيت واحد، وهو قوله (من الكامل): زعم البوارح أنّ رحلتنا غدا ... وبذاك خبّرنا الغراب الأسود والإقواء أحد العيوب المستعملة في الشّعر. وقد استشهد بهذا البيت جماعة من العروضيّين. فقيل: إنّه لمّا قدم يثرب قيل له: أقويت. فلم يعرفه. فألقوا الأبيات على لسان قينة فغنّت بها ومدّت في القوافي، فانتبه لها، فأصلحها لوقته، فقال:

стр. 919

زعم البوارح أنّ رحلتنا غدا ... وبذاك تنعاب الغداف الأسود قال أبو عبيدة: وقد أقوا بعده جماعة من الشعراء المفلقين. والإقواء هو اختلاف إعراب القوافي. وقال: هو مأخوذ من أقوى المنزل، إذا خلا من أهله. فلمّا خلا من قافية أخيه، قيل: أقوا، أي خلا. (٣١٧) وقد قرأت لجماعة من العروضيّين مثل الخليل بن أحمد- وهو أوّل من اقترح العروض-والأخفش والتّبريزيّ وغيرهم، فذكروا أن الإقواء استنبط من فتل الحبل، كون فتله يمنة ويسرة، فاختلف في برمه وقوي بذلك، فسمّي: الإقواء. وعلى الجملة فإنّه من عيوب الشعر المستعملة. وكذلك الإيطاء، وهو تكرار الكلمة الواحدة في القافية، فإن كانت أحد الكلمتين اسم والأخرى فعل فليس بإيطاء. وهو أيضا مأخوذ من إيطاء البعير إذا وطئ برجله مكان يده في مكان واحد فيقال: آطأ البعير. وعيوب الشعر المستعملة ستّة، قد ذكروها أهل صناعة الشعر في كتبهم، فلا حاجة إلى إثباتها ها هنا، والله أعلم. ذكر زهير بن أبي سلمى وطرفا من شعره هو زهير بن أبي سلمى بن سعيد بن رياح. وقد قدّموا زهيرا على

стр. 920

الشعراء بأنّه كان أحسنهم شعرا وأبعدهم <من> سخف وأجمعهم للكثير من المعاني في قليل من اللفظ وأشدهم مبالعة في المدح وأكثرهم أمثالا في شعره. قال ابن الأعرابيّ: كان لزهير من الشعر ما لم يكن لغيره؛ كان أبوه شاعرا وخاله شاعرا وأخته شاعرة وابناه شاعرين. قلت: أمّا أعرق الشعراء في الشعر فهم آل أبي حفصة الإسلاميّون؛ نبغ منهم عشرة يتوارثون الشعر: كابر عن كابر. ولا زال أعرق الشعراء آل حسّان بن ثابت، فإنّهم كانوا ستّة نفر متوارثون الشعر، حتّى جاء آل أبي حفصة فأفضلوهم بأربعة، كلّ منهم قال الشعر ومدح الخلفاء والملوك وأخذوا الجوائز السّنيّة. وقد شرحت هذا الكلام في كتابيّ: (٣١٨) أحدهما المسمّى بحدائق الأحداق ودقائق الحذّاق، الموسوم باسم القاضي المرحوم علاء الدّين بن الأثير، رحم الله روحه وبرّد ضريحه، والآخر المسمّى بذخائر الأخاير، والموسوم باسم القاضي المرحوم فخر الدين، ناظر الجيوش المنصورة، تغمّده الله برحمته وأسكنه أعلا الدّرجات في جنّته، ممّا يغني <عن> إعادة الكلام في هذا التاريخ المختصر، خوفا أن أكون قد أطيت في كتبي وتأليفي قياسا على عيوب الشّعر. وروي، قال: قال عبد الملك بن مروان: ما ضرّ من مدح بما مدح

стр. 921

به زهير آل أبي حارثة أن لا يمتدحوا بغيره، وهو حيث يقول (من الطويل): على مكثريهم حقّ من يعتريهم ... وعند المقلّين السّماحة والبذل وإن جئت ألفيت حول بيوتهم ... مجالس قد يشفى بأحلامها الجهل وقال عمر بن الخطّاب، ﵁، لبعض ولد هرم بن سنان: أنشدني بعض مديح زهير من أبيك. فأنشده. فقال: إنّه كان ليحسن فيكم القول. فقال: ونحن والله كنّا نحسن له العطيّة. فقال عمر: ذهب ما أعطيتموه وبقي ما أعطاكم. وقال محمّد بن سلاّم: سألت يونس النّحويّ: من أشعر الناس؟ قال: لا أومئ إلى رجل بعينه، ولكنّي أقول: امرؤ القيس إذا غضب، والنّابغة إذا رهب، وزهير إذا رغب، والأعشى إذا طرب. وعن عيسى بن زيد قال: قال ابن عبّاس، ﵁، قال عمر بن الخطّاب، ﵁: أنشدني لأشعر الناس. قلت: من هو يا أمير المؤمنين؟ قال: زهير. قلت: <وبم صار كذلك؟ > ثمّ قال: كان لا يعاظل بين القوافي ولا يتّبع حوشيّ الكلام.

стр. 922

ومن مليح شعره قوله (من الطويل): سئمت تكاليف الخباة ومن يعش ... ثمانين حولا لا أبا لك يسأم (٣١٩) وأعلم ما في اليوم والأمس قبله ... ولكنّني عن علم ما في غد عمي ومن يجعل المعروف من دون عرضه ... يفره ومن لم يتّق الشّتم يشتم ومن لم يذد عن حوضه بحسامه ... يهدّم ومن لم يظلم النّاس يظلم ومنها يقول: ومن يوف لم يذمم ومن يعص قلبه ... إلى مطمئنّ البرّ لا يتجمجم ومن يك ذا فضل فيبخل بفضله ... على قومه يستغن عنه ويذمم ومن هاب أسباب المنايا ينلنه ... ولو نال أسباب السّماء بسلّم ومن يغترب يحسب عدوّا صديقه ... ومن لا يكرّم نفسه لا يكرّم ومن لم يغمض عينه عن أمور كثيرة ... يظرّس بأنياب ويكوى بمنسم

стр. 923

ومن قوله من قصيدة يمدح فيها هرم بن سنان (من البسيط): إنّ البخيل ملوم حيث كان ... ولكنّ الجواد على علاّته هرم هو الجواد الّذي يعطيك نائله ... عفوا ويظلم أحيانا فيظّلم وممّا قدّمه عند علماء الشعر قوله (من البسيط): قد جعل المبتغون الخير من هرم ... السّائلون إلى أبوابه طرقا من يلق يوما على علاّته هرما ... يلق السّماحة منه والنّدا خلقا أشمّ أبيض فيّاض يفكّك عن ... أيدي العناة وعن أعناقها الرّبقا وليس مانع ذي قربى وذي رحم ... يوما ولا معدما من خابط ورقا ومنها يقول: وإنّ أشعر بيتا أنت قائله ... بيت يقال إذا ما أنشدته صدقا لو نال حيّ من الدّنيا بمكرمة ... أفق السّماء لنالت كفّه الأفقا وله من القصيدة التي أوّلها يقول (من الطويل):

стр. 924

(٣٢٠) ضحى القلب عن سلمى وأقصر باطله ... وعرّي بأفراس الصّبى ورواحله ومنها يقول: أخي ثقة لا تهلك الخمر ماله ... ولكنّه قد يهلك المال نائله تراه إذا ما جئته متهلّلا ... كأنّك معطيه الّذي أنت سائله وقوله أيضا (من الوافر): لقد طالبتها ولكلّ شيء ... إذا طالت لجاجته انتهاء وقوله أيضا (من الوافر): فقرّي في ديارك إنّ قوما ... متى يدعوا ديارهم يهونا ذكر طرفة بن العبد، جاهليّ قال أبو عبيدة: اتّفقت العرب على أنّ أشعر الشعراء طرفة بن العبد ابن ركاب وبعده الحارث بن حلّزة وعمرو بن كلثوم.

стр. 925

وقال أبو عمرو: لم أجد أحدا قال الشعر حدثا وأجاد فيه على حداثة سنّه إلاّ طرفة بن العبد، فإنّه قال الشعر وهو ابن عشرين سنة. وقيل: قاله ولم يبلغ العشرين. وقيل لأبي عمرو: ما الذي يصحّح عندك حداثته؟ قال: لم أره ذكر الشّيب ولا نعاه، ولا بكى على الشباب ولا رثاه، ولا كثر شعره على أفواه الرّواة. قيل: وأخرج لسانه يوما-وكان أسود كأنّه لسان ظبي-فأخذه بيده ثمّ أومى إلى عنقه فقال: ويل لهذه ممّا يجني عليه هذا، يعني لسانه على عنقه، فكان كما قال، قتله المعكبر بالبحرين بكتاب عمرو بن هند. قلت: وطرفة أحد الذين ضرّهم شعرهم، وهم جماعة، منهم شديف وطرفة هذا. ومثل المتنبّي من المتأخّرين وغيرهم سقتهم في كتابي المسمّى (٣٢١) بحدائق الأحداق، المقدّم ذكره، ما يغني عن تكرار القول فيهم. وطرفة وخاله المتلمّس كانا ينادمان عمرو بن هند، فنقم عليهما في أمر يأتي ذكره، إن شاء الله تعالى، فأنفذهما بكتابين على أيديهما إلى المعكبر بالبحرين فيه قتلهما. فأمّا المتلمّس فإنه فضّ كتابه وقرأه لتأخير أجله. وأمّا طرفة فتمّ على وجهه، فقتل. وسنذكر من ذلك طرفا عند ذكر المتلمّس، إن شاء الله تعالى. ومن مليح شعر طرفة البيت السائر من القصيدة الّتي أوّلها (من الطويل): لخولة أطلال ببرقة ثهمد

стр. 926

ومنها البيت: ستبدي لك الأيّام ما كنت جاهلا ... ويأتيك بالأخبار من لم تزوّد ومن مليح شعره قوله أيضا (من المديد): للفتى عقل يعيش به ... حيث تهدي ساقه قدمه ومن ذلك قوله أيضا (من الطويل): رأيت سعودا من سعود كثيرة ... فلم أر سعدا مثل سعد بن مالك ومن أحسن ما قال (من الطويل): وأعلم علما ليس بالظّنّ أنّه ... إذا ذلّ مولى المرء فهو ذليل ومن جيّد قوله (من الطويل): أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا ... حنانيك بعض الشّرّ أهون من بعض ذكر علقمة بن عبدة الفحل، جاهليّ قيل: إنّما سمّي علقمة الفحل لأنّه خلف على امرأة امرئ القيس لمّا حكمت له على امرئ القيس بأنّه أشعر منه، فطلّقها فأخذها علقمة بن عبدة.

стр. 927

ومن شعر علقمة الشائع الأبيات الّتي أوّلها (من الطويل): (٣٢٢) طحا بك قلب في الحسان طروب إلى أن يقول: فإن تسألوني بالنّساء فإنّني ... عليم بأدواء النّساء طبيب إذا شاب رأس المرء أو قلّ ماله ... فليس له من ودّهنّ نصيب يردن ثراء المال أين علمنه ... لهنّ وشرح عندهنّ عجيب ومن مليح شعره القصيدة الّتي أوّلها يقول (من البسيط): هل ما علمت وما استودعت مكتوم ... أم حبلها إذ نأتك اليوم مصروم إلى أن يقول فيها: والحمد لا يشترى إلاّ له ثمن ... ممّا تظنّ به الأقوام معلوم والجود ما فيه للمال مهلكة ... والبخل يبقي لأهله ومذموم ومطعم الغنم يوم الغنم مطعمه ... أنّى توجّه والمحروم محروم

стр. 928

ومن تعرّض للغربان يزجرها ... على سلامته لا بدّ مشتوم وكلّ حصن وإن دامت سلامته ... على دعائمه لا بدّ مهدوم قلت: ومن ها هنا أخذ كعب بن زهير فقال (من الطويل): كلّ ابن أنثى وإن طالت سلامته ... يوما على آلة حدباء محمول ذكر المتلمّس وبعض أخباره وطرف من أشعاره، جاهليّ هو جرير بن عبد الله وقيل: عبد الاّت، جاهليّ. قال أبو عمرو: والمتلمّس هو خال طرفة بن العبد، ولقّب المتلمّس لقوله (من الطويل): هذا أوان العرض حتّى ذبابه ... زنابيره والأزرق المتلمّس

стр. 929

قيل: وكانت أمّه من بني يشكر، فقال عمرو بن هند للحارث اليشكريّ: ممّن المتلمّس؟ فقال: هو منوط فينا، وأحيانا تزعم أمّه أنّه من بني ضبعة بن ربيعة، وهو ساقط عندنا. فبلغ ذلك المتلمّس، فقال (من الطويل): يعيّرني أمّي رجال ولا أرى ... أخا كرم إلاّ بأن يتكرّما ومن كان ذا عرض كريم ولم يصن ... له حسبا كان اللّئيم المذمّما ولو غير إخواني أراد بنقصي ... جعلت له فوق العرانين ميسما وما كنت إلاّ مثل قاطع كفّه ... بكفّ له أخرى فأصبح أجذما يداه أصابت هذه حتف هذه ... فلم تجد الأخرى عليها مقدّما لهذي الحكم قبل اليوم ما تفرع العصا ... وما علّم الإنسان إلاّ ليعلما ذو الحكم الذي عناه هو أكثم بن صيفيّ، وكان حكما من حكّام العرب، ولمّا أسنّ أحسّ بتغيّر عقله، فقالت له ابنته في ذلك، فقال لها: إذا حضر عندي الخصوم وعلمت منّي ما تدّعينه من حكمي فاقرعي المجنّ

стр. 930

بالعصا. فكانت تفعل ذلك فيتدارك ويتلافى حكمه. وله قضايا ونوادر مشهورة ليس هنا مكانها. وأمّا السبب في قتل طرفة بن العبد فكان قد هجا عمرو بن هند، ثمّ مدحه. فحقد عليه وأراد قتله. فكره أن يقتله بمحضر بكر بن وائل، وخاف أن يهجوه المتلمّس لأنّه خاله، فكتب لطرفة وللمتلمّس إلى المعكبر، عامله على البحرين، كتابين بقتلهما جميعا. وقال لهما: اذهبا اقتضاء صلاتكما من هناك. فأمّا المتلمّس فدفع صحيفته إلى غلام من أهل الحيرة، فقرأها عليه، فوجد فيها الشّرّ، فنبذها في النّهر، وقال لطرفة: فكّ صحيفتك، ففيها والله ما في صحيفتي. فأبا، وقال: ما كان ليجسر عليّ. ومضى، فقتل، والله أعلم. ذكر الأعشى، جاهليّ هو ميمون بن قيس ابن أسد بن ربيعة، ويكنى أبا نصر. وكان يقال لأبيه: قتيل الجوع. وسمّي بذلك لأنّه دخل غارا ليستظلّ به من (٣٢٤) الهاجرة، فوقعت صخرة من الجبل فسدّت الصغار، فمات جوعا. وهو أحد الأعلام من شعراء الجاهليّة وفحولها.

стр. 931

وعن المدائنيّ، قال: أجمع الرواة على أنّ ما لأحد من الشعراء ما للأعشى من التصرّف في فنون الشعر. وقال: هو أوّل من سأل بشعره، ويسمّى: صنّاجة العرب. قيل: ولم يكن له مع جودة شعره بيت نادر يمثّل به، كأبيات أصحابه امرئ القيس والنّابغة وزهير. وقال المدائنيّ: قصد الأعشى الوفود على النّبيّ ﷺ ، وقد مدحه بقصيدة أوّلها يقول (من الطويل): ألم تغتمض عيناك ليلة أرمدا ... وبتّ كما بات السّليم مسهّدا وساق منها ما وصل إلينا بعد ذكر تمام الخبر، فبلغ الخبر قريشا، فرصدوه على طريقه وقالوا: هذا صنّاجة العرب، ما مدح أحدا قطّ إلاّ ورفع من قدره وسما من شأنه. فلمّا ورد عليهم قالوا: يا أبا نصر، أين تريد؟ قال: أريد صاحبكم هذا لأسلم على يديه. قالوا: إنّه يحرّم الطّيّبين: الزنا والخمر. فقال: أمّا الزنا، فقد تركني قبل ما تركته، وأمّا الخمر فقد خلّفت وراي صبابة، وإنّي لأرجع فأمتنع بها أو منها وأعود. وقيل: إنّ أبا سفيان بن حرب قال: يا معشر قريش، هذا الأعشى والله لإن أتا محمّدا واتّبعه ليضرمنّ عليكم نيران العرب بشعره، فاجمعوا له شيئا وادفعوا به. فجمعوا له مائة بعير. فقبلها ورجع طالبا أهله، فرمى به بعيره، فدقّ رقبته، فخابت سفرته، وخسرت صفقته. قلت: وهذا أحقّ بأن تسمّيه العرب: الضائع، لا رفيق امرئ القيس.

стр. 932

وأمّا تمام الأبيات فهذه (٣٢٥): وما ذاك من عشق النّساء وإنّما ... تناسيت قبل اليوم خلّة مهددا كهولا وشبّانا رزئت وثروة ... فلله هذا الدّهر كيف تردّدا وما زلت أبغي المال مذ كنت يافع ... وليدا وكهلا حين شبت وأمردا وأبتذل العيش المراء قبل يعتلي ... مسافة ما بين النّجير فصرخدا ألا أيّهذا السّائلي أين يمّمت ... فإنّ لها في أهل يثرب موعدا واليت لا أرثي لها من كلالة ... ولا من وجى حتّى تزور محمّدا نبيّ يرى ما لا ترون وذكره ... لعمري غار في البلاد وأنجدا له صدقات ما تغبّ ونائل ... وليس عطاء اليوم مانعه غدا أجدك لم تسمع وصاة محمّد ... نبيّ الإله حيث أوصى وأشهدا إذا أنت لم ترحل بزاد من التّقى ... ولاقيت بعد اليوم من قد تردّدا

стр. 933

ندمت على أن لا تكون كمثله ... فترصد للأمر الّذي كان أرصدا فإيّاك والميتات لا تأكلنّها ... ولا تأخذا سهما حديدا ليقصدا وذا النّصب والمنصوب لا تنسكنّه ... ولا تعبد الأوثان والله فاعبدا وذا الرّحم القربى فلا تقطعنّها ... لعاقبة ولا الأسير المقيّدا وسبّح على حين العشيّات والضّحى ... ولا تحمد الشّيطان والله فاحمدا وهي قصيدة طويلة، وهذا ما حضرنا منها جهد المحفوظ. ومن قول الأعشى أيضا (من البسيط): ودّع هريرة إنّ الرّكب مرتحل ... وهل تطيق وداعا أيّها الرّجل غرّاء فرعاء مصقول عوارضها ... تمشي الهوينا كما يمشي الوجي الوحل كأنّ مشيتها من بيت جارتها ... مرّ السّحابة لا ريث ولا عجل ليست كمن يكره الجيران طلعتها ... ولا تراها لسرّ الجار تختتل (٣٢٦) وروي أن هذه الأبيات أنشدت بحضرة رسول الله ﷺ ، فقال: إن كانت بهذه الصفة فما يطيق وداعها.

стр. 934

وللأعشى من قصيدة هذا أوّلها (من المتقارب): لعمرك ما طول هذا الزّمن ... على المرء إلاّ عناء معنّ يظلّ رجيما لريب المنون ... وللسّقم في جسمه والحزن وما إن أرى الموت فيما خلا ... يغادر من سارح أو يفن أزال أذينة عن ملكه ... وأخرج من حصنه ذا يزن وخان الزّمان أبا مالك ... وأيّ امرئ لم يخنه الزّمن وزار الملوك فأفناهم ... ونحن بإثر الّذي قد طعن ولكنّ ربّي كفى غربتي ... بحمد المليك فقد بلّغن أخي ثقة عال كعبه ... جزيل العطايا قليل المنن طويل النّجاد رفيع العما ... د سهل المباءات رحب العطن كريم شمائله من بني ... معاوية الأكرمين السّنن فإن تتبعوا أمره ترشدوا ... وإن تسألوا ماله لا يظنّ

стр. 935

يطوف العفاة بأبوابه ... كطوف النّصارى ببيت الوثن ومن مليح شعره في الغزل (من السريع): عهدي بها في الحيّ قد سربلت ... هيفاء مثل المهرة الضّامر قد نهد الثّد على صدرها ... في مشرق ذي صبح نائر لو أسندت ميتا إلى نحرها ... عاش ولم ينقل إلى حافر حتّى يقول النّاس ممّا رأوا ... يا عجبا للميّت النّاشر ومن شعره أيضا (٣٢٧، من البسيط). كن كالسّموأل إذ سار الهمام به ... في جحفل كسواد اللّيل جرّار بالأبلق الفرد من تيماء منزله ... حصن حصين وجار غير غدّار فشكّ غير كثير وقال له: ... اقتل أسيرك إنّي مانع جار وسبب هذه الأبيات أن امرأ القيس لمّا عبر بالسّموأل بن عادياء اليهوديّ وهو في حصنه الأبلق الفرد، متوجّها إلى قيصر، ملك الرّوم، كما

стр. 936

تقدّم من خبره، أودع السّموأل ثقله وكراعه، فبلغ الحارث بن أبي شمر الغسّاني، وهو الحارث الأكبر، فبعث يطلب من السموّل وديعة امرء القيس، فأبى عليه. وكان للسموأل ولد خارج الحصن يتصيّد، فقطع عليه الحارث الطريق فأخذه ونزل على السموأل وقال: تعطيني وديعة امرئ القيس وإلاّ قتلت ولدك صبرا وأنت تنظر. فقال أنظرني. ثمّ نفذ إليه يقول: الولد منه العوض، والغدر لا يغسله عنّي شيئا، فاصطنع ما شئت أن تصنع. فقتل ولده صبرا بمرأى من أبيه من أعلا حصنه. فلذلك قول الأعشى: فشكّ غير كثير ثمّ قال له ... اقتل أسيرك إنّي مانع جار وضرب المثل بحسن وفائه. وقيل: أنشد بحضرة عمر بن الخطّاب، ﵁، هذين البيتين في السموأل، فقال عمر: وددت أنّهما عشرة أبيات على هذا النّسق، لشدّة إعجابه بهما. قلت: والسموأل هذا صاحب القصيدة الّتي أبنتها في كتابي المسمّى بحدائق الأحداق ودقائق الحذّاق في باب الافتخار، أوّلها يقول (من الطويل): إذا المرء لم يدنس من اللّؤم عرضه ... فكلّ رداء يرتديه جميل منها يقول: تعيّرنا أنّا قليل عديدنا ... فقلت لها إنّ الكرام قليل

стр. 937

(٣٢٨) وما ضرّنا أنّا قليل وجارنا ... عزيز وجار الأكثرين ذليل ولا عيب فينا غير أنّ سيوفنا ... بها من قراع الدّارعين فلول وهذا البيت بعينه في شعر الأعشى أيضا ولا مغيّر فيه غير القافية، وهو: ولا عيب فيهم غير أنّ سيوفهم ... بهنّ فلول من قراع الكتائب قلت: ومن نقد البيتين وجد بيت السّموأل أتمّ، لقوله: من قراع الدّارعين؛ فإنّ الفلول لا تكن في السيوف إلاّ من مقارعة كلّ ذي درع، الكتائب: تجمع الدارعين وغيرهم. ولعلّ هذا كما وقع في نفسي، والله أعلم. ذكر عبيد بن الأبرص، جاهليّ هو عبيد بن الأبرص، من بني أسد بن خزيمة، وهو الذي ساقته رجلاه إلى حتفه. قتله النّعمان بن المنذر في يوم بؤسه. . . ذلك أنّ النّعمان بن المنذر كان له في كلّ سنة يومان، سمّى أحدهما يوم نعيم والآخر يوم بؤس، فأوّل من يطلع عليه يوم نعيمه يمنيه ما يحبّ فيعطيه أمنيته. وقيل: بل ينعم عليه بمائة من الإبل موقورة من كلّ خير. وأوّل من يطلع عليه يوم بؤسه يأمر به فيذبح لوقته، ولو كان ولده. فاتّفق لحين عبيد ابن الأبرص أنّه أشرف عليه يوم بؤسه، فقال: هلاّ كان الذّبح لغيرك يا عبيد؟ فقال: أرسل حائر رجلاه. فأرسلها مثلا.

стр. 938

ثمّ قال له النّعمان: أنشدني قبل مفارقة الدّنيا، فقد كان شعرك يعجبني. فقال عبيد: حال الجريض دون القريض. فأرسلها مثلا. فقال النّعمان: أسمعني ويحك! فقال: المنايا على الحوايا. فأرسلها مثلا. فقال بعض القوم:. . . أمك! أنشد الملك. فقال عبيد: نام الخليّ عن بكاء الشّجيّ. فأرسلها مثلا. فقال النّعمان: قد أمللتني فأرحني قبل أن آمر بك. فقال عبيد: من عزّ بزّ. فأرسلها مثلا. فقال النّعمان: أنشدني «أقفر من أهله ملحوب». (٣٢٩) فقال عبيد (من البسيط): أقفر من أهله عبيد ... فاليوم لا مبدي ولا يعيد

стр. 939

عنّت له <عنّة> ركود ... وحان منها له ورود فقال له النّعمان: إنّه لا بدّ من الموت! ولو أنّ المنذر عرض لي يوم بؤسي لذبحته. فاختر: إن شئت من الأكحل، وإن شئت من الأبجل وإن شئت من الوريد، فخبّرني أيّهم تريد؟ فقال عبيد: ثلاث خصال عواد، واردها شرّ وراد، وحاديها شرّ حاد، ومعادها شرّ معاد، ولا خير لمرتاد، فإن كنت ولا بدّ قاتلي فاسقني الخمر، حتّى إذا ماتت لها مفاصلي، وذهلت لها ذواهلي، فشأنك وما تريد. فأمر له النّعمان بحاجته، حتّى أخذت منه وطابت نفسه، دعا به النّعمان ليقتله، فأنشأ يقول عند ذلك (من الطويل): وخيّرني ذو البؤس في يوم بأسه ... خصالا أرى في كلّها الموت قد برق كما خيّرت عاد من الدّهر مرّة ... سحائب ما فيها لذي خيرة أنق سحائب ريح لم توكّل ببلدة ... فتتركها إلاّ كما ليلة الطّلق ثمّ أمر به ففصد حتّى مات. قيل: ولم يزل النّعمان على هذه السّنّة حتّى مرّ به رجل من طيء يقال له حنظلة بن عفراء في يوم بؤسه، فلمّا همّ بقتله، قال: أبيت اللّعن، والله إنّي أتيتك زائرا، ولأهلي من خيرك مائرا، فلا تكن ميرتهم منك قتلي! فقال النّعمان: لا بدّ من ذلك. فسألني حاجة أقضيها لك. قال: تؤجّلني سنة أرجع فيها إلى أهلى، وأوصي بما أريد، ثمّ أصير إليك تنفّذ فيّ حكمك. قال: ومن يكفلك حتّى تعود؟

стр. 940

قال: فنظر في وجوه جلسائه، ثمّ أشار إلى رجل يقال له: شريك (٣٣٠) بن عمرو. فقال: هذا يكفيني. فوثب شريك وقال: أبيت اللّعن! دمي بدمه إلى أن يعود. قال: فأطلقه النّعمان ومضى في شأنه. فلمّا كان في قابل جلس النّعمان في مجلسه حنظلة، فأبطأ عليه وتقوّض النهار، فأمر النّعمان بشريك، فتقدّم للقتل، فلمّا همّ بذبحه، وإذا براكب قد طلع، فتأمّلوه القوم، فإذا هو حنظلة قد أقبل متكفّنا متحنّطا، ومعه نادبة تندبه، وقد قامت نادبة شريك تندبه، فلمّا رآه النّعمان على تلك الحالة عجب من حسن وفائهما وكرمهما، وأطلقهما جميعا، وقال: لا كنتما أكثر وفاء ولا كرما منّي! وأنعم عليهما إنعاما ظاهرا، وأبطل تلك السّنّة منذ ذلك اليوم. ومن جيّد شعر عبيد بن الأبرص قوله (من البسيط): طاف الخيال علينا ليلة الوادي ... من أمّ عمرو ولم يلمم بميعاد إنّي اهتديت لركب طال حبسهم ... في سبسب بين دكداك وأعقاد إذهب إليك فإنّي من بني أسد ... أهل القيان وأهل الجود والنّادي لا أعرفنّك قبل الموت تندبني ... وفي حياتي ما زوّدتني زاد فانظر إلى ظلّ ملك أنت تاركه ... هل ينفعنّك يوما نغمة الحادي

стр. 941

ألخير أبقى وإن طال الزّمان به ... والشّرّ أخبث ما أوعيت من زاد قلت: وهذا الشاعر دخل عليه في هذه الأبيات الإيطاء، فإنّه قد تكرّر قوله: زاد، في موضعين من شعره، وهو من فحول الشعراء. ذكر لبيد بن ربيعة وطرف من أخباره هو لبيد بن ربيعة بن مالك بن جعفر بن كلاب، ويكنى أبا عقيل، أحد شعراء الجاهليّة المعدودين فيهم، وأدرك الإسلام، فهو من (٣٣١) طبقة المخضرمين. فإنّه أسلم، وقدم على سيّدنا رسول الله ﷺ ، وهاجر، وحسن إسلامه، وعاش مائة وخمسين سنة، ونزل الكوفة على زمن عمر بن الخطّاب، ﵁، فأقام بها إلى أن مات، رحمة الله عليه. وروى الأصمعيّ، قال: وفد عامر بن مالك، عمّ لبيد بن ربيعة، في رهط من بني جعفر بن كلاب، ومعهم لبيد، وهو يوم ذاك صبيّ، على النّعمان بن المنذر، فوجدوا عنده الرّبيع بن زياد العبسيّ، وكان نديما للنّعمان، وكان بينه وبين الجعفريّين وقفة وهناة. فلمّا دخل الجعفريّون على النّعمان، أقبل عليهم، وأمضى حوائجهم، وخرجوا من عنده مسرورون بفعله. فخلا به الرّبيع وذمّهم عنده ووقع فيهم، فتغيّر النّعمان لذلك. ثمّ دخلوا عليه يوما آخر فرأوا منه جفاء. فخرجوا من عنده غضابا، ولبيد متخلّف في رحالهم يحرس متاعهم ويرعى إبله لطفوليّته وصباه.

стр. 942

فأتاهم ليلهم يتذاكرون أمر الرّبيع، فسألهم عن أمرهم، فكتموه. فقال: والله لا عدت حفظت لكم متاعا ولا رعيت لكم بعيرا أو تخبروني شأنكم معه وما بدا منه. وكانت أمّ لبيد ربيبة في حجر الرّبيع بن زياد، فقالوا: قد غلبنا على النّعمان، وصدّ وجهه عنّا. فقال لبيد: اجمعوا غدا بيني وبينه بحضرة النّعمان حتّى أزجره عنكم بقول مؤلم لا يلتفت النّعمان بعده إليه أبدا. فقالوا: وهل عندك شيء؟ قال: نعم. قالوا: فإنّا نبلوك. قال: بماذا؟ قالوا: تشتم لنا هذه البقلة-وكان بين أيديهم بقلة دقيقة القضبان، قليلة الورق، لاصقة عروقها بالأرض-فقال لبيد (٣٣٢): هي التي لا تذكي نارا، ولا تؤهّل دارا، ولا تسرّ جارا؛ عودها ضئيل، وفرعها دليل، وخيرها قليل؛ أقبح البقول مرعا، وأقصرها فرعا، وأشدّها قلعا؛ بلدها شاسع، وآكلها جائع، والمقيم عليها قانع؛ فالقوا بي أخي عبس، أصدّه عنكم بتعس ونكس. فقالوا: أنت له. فلمّا أصبحوا حلقوا رأسه وتركوا ذؤابته وألبسوه حلّة وغدوا به معهم، فأدخلوا على النّعمان فوجدوه يتغدّا ومعه الرّبيع بن زياد يؤاكله، والدار مملوءة بالوفود. فقال لبيد، ورفع صوته وعلاّه (من الرجز): مهلا أبيت اللّعن لا تأكل معه ... إنّ استه من برص ملمّعه ما زال يفتي فيها إصبعه

стр. 943

يدخلها حتّى يواري أشجعه ... كأنّما يطلب شيئا ضيّعه طويلة فلخّصتها، قال: فرفع يده من الطعام النّعمان، وقال: خبّثت والله يا غلام عليّ طعامي؛ ما رأيت كاليوم قطّ. فأقبل الربيع على النّعمان فقال: كذب والله ابن الحمقى، ولقد فعلت بأمّه كذا وكذا. فقال لبيد: مثلك من فعل ذلك بربيبة حجره والقريبة من أهله. ثمّ قضى النّعمان حوائج الجعفريّين من وقته، وأصرفهم مكرّمين. ومضى الرّبيع إلى منزله وكتب إلى النّعمان يقول: إنّي قد علمت أنّه قد وقع في نفسك ما قاله ابن الحمقاء، وإنّي لست خارجا حتّى تبعث إليّ من يجرّدني فيعلم أنّي لست كما قال. فأرسل إليه النّعمان يقول: إنّك لست قادرا على ردّ ما زلّت به الألسن، فالحق بأهلك وخذ ما رسم (٣٣٣) لك، وكتب إليه يقول (من البسيط): شرّد برحلك عنّي حيث شئت ولا ... تكثر عليّ ودع عنك الأباطيلا قد قيل ذلك فإن حقّا وإن كذبا ... فما اعتذارك من شرّ إذا قيلا وقال أبو عبيدة: لم يقل لبيد في الإسلام إلاّ بيتا واحدا (من البسيط): ألحمد لله إذ لم يأتني أجلي ... حتّى تسربلت للإسلام سربالا

стр. 944

وقال: كان لبيد من أجواد العرب، وكان قد آلا على نفسه في الجاهليّة ألاّ تهبّ صبا إلاّ نحر وطعم، وكان له جفنتان يغدوا بهما ويروح في كلّ يوم على ناد قومه، فأنفق جميع ماله على هذه الصّفة. فلمّا كان الوليد بن عقبة على الكوفة من قبل عثمان بن عفّان، ﵁، فهبّت الصبا يوما والوليد على المنبر يخطب بالناس، فقال في أثنى كلامه: إنّ أخاكم لبيد بن ربيعة نذر في الجاهليّة ألاّ تهبّ صبا إلاّ نحر وطعم، وهذا يوم من أيّامه، فأعينوه، وأنا أوّل من فعل. ثمّ نزل فأرسل إلى لبيد مائة بكرة برعاتها، وكتب إليه يقول (من الوافر): أرى الجزّار يشحذ شفرتيه ... إذا هبّت رياح أبي عقيل أشمّ الأنف أبيض جعفريّ ... طويل الباع كالسّيف الصّقيل وفى ابن الجعفريّ بما لديه ... على العلاّت والمال القليل بنحر الكوم إن سحبت عليه ... ذيول صبا تجاوب كالأصيل قال: فلمّا بلغ هديّته وأبياته لبيدا قال: أما والله لولا أنّني آليت أن لا

стр. 945

أقول شعرا ولا أصنعه في الإسلام لأجبته. فقالت ابنته: أفا أجيبه يابه؟ فقال: أجيبيه، فلعمري لقد عشت (٣٣٤) زمانا ولا أعياني جوابا قطّ. فقالت (من الوافر): إذا هبّت رياح أبي عقيل ... دعونا عند هبّتها الوليدا أشمّ الأنف أروع عبشميّا ... أعان على مروءته لبيدا بأمثال الهضاب كأنّ ركبا ... عليها من بني حام قعودا أبا وهب جزاك الله خيرا ... نحرناها وأطعمنا الثّريدا فعد إنّ الكريم له معاد ... وظنّي يا بن أروى أن تعودا فقال لها لبيد: والله لقد أحسنت يا بنيّة، إلاّ أنّك سألتيه ثانيا. فقالت: يابه، إنه ملك، والملوك لا يستحيى من سؤالهم. فقال: وأنت يا بنيّة في هذا الكلام أشعر. وقيل: إنّ أصدق بيتا قالته العرب (من الطويل): ألا كلّ شيء ما خلا الله باطل ... وكلّ نعيم لا محالة زائل ومنها يقول:

стр. 946

وكلّ النّاس سوف تدخل بينهم ... دويهة تصفرّ منها الأنامل وكلّ امرئ يوما سيعلم سعيه ... إذا كشفت عند الإله المحاصل ومن مليح الشعر قصيدة لبيد التي منها (من الطويل): يقول الفتى إنّي سأفعل داكم ... وما للفتى علم بما الله صانع وما المال والأهلون إلاّ ودائع ... ولا بدّ يوما أن تردّ الودائع وما النّاس إلاّ عاملان فعامل ... يتبّر بما يبني وآخر رافع فمنهم سعيدا آخذا بنصيبه ... ومنهم شقيّ بالمعيشة قانع ومنها يقول: أخبّر أخبار القرون الّتي مضت ... أدبّ كأنّي كلّما فمت راكع فأصبحت مثل السّيف أخلق غمده ... تقادم عهد القتر والنّصل قاطع (٣٣٥)

стр. 947

أعاذل ما يدريك إلاّ تظنّيا ... إذا رحل السّفّار من هو راجع تبكي على إثر الشّباب الّذي مضى ... ألا إنّ إخوان الشّباب الرّعارع أتجزع ممّا أحدث الدّهر بالفتى ... فأيّ كريم لم تصبه القوارع مضى ما مضى منّي وفيّ بقيّة ... كأنّي سيف ناجل الأثر ساطع لعمري ما تدري الضّوارب بالحصا ... ولا زاجرات الطّير ما الله صانع ذكر عمرو بن كلثوم، جاهليّ هو عمرو بن كلثوم، صاحب القصيدة المعلّقة، إحدى السبع معلّقات، جاهليّ، وقصيدته هذه التي فيها يفتخر على بكر بن وائل ويتوعّد عمرو بن هند بسبب قتله لطرفة بن العبد. وقد أثبتّها بجملتها في كتابي: حدائق الأحداق في باب الافتخار، ولا بدّ ما نذكر منها ها هنا أبياتا وهي (من الوافر):

стр. 948

ألا هبّي بصحنك وانذرينا ... ولا تنسي خمور الأندرينا ألا يا عمرو لا تعجل علينا ... وأنظرنا نخبّرك اليقينا متى ننقل إلى قوم رحانا ... يكونوا في اللّقاء لنا طحينا كأنّ سيوفنا منّا ومنهم ... خضبن بأرجوان أو طلينا بفتيان يرون القتل فخرا ... وشيب في الحروب مجرّبينا لنا الدّنيا ومن أضحى عليها ... ونبطش حين نبطش قادرينا إذا ما الملك سام النّاس خسفا ... أبينا أن يقرّ الخسف فينا إذا بلغ الفطام لنا وليدا ... تخرّ له الجبابر ساجدينا ونحن الحاكمون إذا أطعنا ... ونحن العازمون إذا عصينا ونحن التّاركون لما سخطنا ... ونحن الآخذون لما رضينا ونحن الشّاربون الماء صفوا ... وشرب القوم كدرا وطينا

стр. 949

(٣٣٦) ذكر المرقّشان: الأكبر والأصغر، جاهليّين الأكبر اسمه عمرو بن سعيد، والأصغر اسمه عمرو بن حرملة، وهو عمّ طرفة بن العبد. وقد كان المرقّشان ومهلهل وامرؤ القيس وعلقمة الفحل وعمرو بن قميئة وطرفة بن العبد والمتلمّس جميعهم متعاصرون. وشهد المرقّش الأصغر حرب بكر وتغلب ابنا وائل. والمرقّش الأكبر الذي <يقول> (من السريع): ليس على طول الحياة ندم ... ومن وراء المرء ما ليس يعلم البشر منك والوجوه دنا ... نير وأطراف الأكفّ عنم فالدّار وحش والرّسوم كما ... رقّش في ظهر الأديم قلم قالوا: وبهذا البيت سمّي المرقّش. ومن مليح قول المرقّش الأصغر (من الطويل):

стр. 950

وما قهوة كالمسك صهباء ريحها ... تعلّ على النّاجود طورا وتقدح بأطيب من فيها إذا جئت طارقا ... من اللّيل بل فوها ألذّ وأفصح وكان المرقّش الأصغر أشعر من المرقّش الأكبر، باتّفاق الرّواة، والله أعلم. ذكر الأسود بن يعفر الدّارميّ، جاهليّ قال الأصمعيّ: قدم رجل من أهل البصرة من بني دارم إلى سوّار بن عبد الله القاضي ليقيم عنده شهادة، فصادفه يتمثّل بقول الأسود بن يعفر حيث يقول (من الكامل): ولقد علمت لو أنّ علمي نافعي ... أنّ السّبيل سبيل ذي الأعواد ماذا أؤمّل بعد آل محرّق ... درست منازلهم وبعد إياد أهل الخورنق والسّدير وبارق ... والقصر ذي الشّرفات من سنداد جرت الرّياح على محلّ ديارهم ... فكأنّهم كانوا على ميعاد
следующие страницы →