← Сияса и кади

Сияса и кади · id 18159

الطرق الحكمية في السياسة الشرعية - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (1 013 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

ابنها" وهذا هو الحق (١)، فإن الإقرار إذا كان لعلة اطلع عليها الحاكم لم يلتفت إليه أبدًا (٢). ولذلك ألغينا إقرار المريض مرض (٣) الموت بمال لوارثه؛ لانعقاد سبب التهمة، واعتمادًا على قرينة الحال في قصده تخصيصه. ومن تراجم قضاة السنة والحديث على هذا الحديث ترجمة أبي عبد الرحمن النسائي في "سننه" (٤) قال: "التوسعة للحاكم في أن يقول للشيء الذي لا يفعله: أفعل كذا، ليستبين به الحق". ثم ترجم عليه ترجمة أخرى أحسن من هذه، فقال: "الحكم بخلاف ما يعترف به المحكوم عليه، إذا تبين للحاكم أن الحق غير ما اعترف به" (٥) فهكذا يكون الفهم عن الله ورسوله. ثم ترجم عليه ترجمة أخرى فقال: "نقض الحاكم ما حكم به غيره ممن هو مثله، أو أجل منه" (٦). فهذه ثلاث قواعد.

стр. 107

ورابعة: وهي ما نحن فيه، وهي الحكم بالقرائن وشواهد الحال. وخامسة: وهي أنه لم يجعل الولد لهما، كما يقوله أبو حنيفة (١). فهذه خمس سنن في هذا الحديث. ومن ذلك: قول الشاهد الذي ذكر الله شهادته، ولم ينكر (٢) عليه، بل لم يعبه (٣) بل حكاها مقررًا لها، فقال تعالى: ﴿وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٥) قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٢٦) وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٧) فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (٢٨)﴾ [يوسف: ٢٥ - ٢٨] فتوصل بقدِّ القميص إلى معرفة (٤) الصادق منهما من الكاذب. وهذا لَوث (٥) في أحد المتنازعين، يبين به أولاهما بالحق (٦). وقد ذكر الله سبحانه اللوث في دعوى المال في قصة شهادة أهل

стр. 108

الذمة على المسلمين في الوصية في السفر، وأمر بالحكم بموجبه (١). وحكم النبي ﷺ بموجب اللوث في القسامة، وجوز للمدعين أن يحلفوا خمسين يمينًا، ويستحقون (٢) دم القتيل (٣). فهذا لوث في الدماء، والذي في سورة المائدة (٤) لوث في الأموال، والذي في سورة يوسف (٥) لوث في الدعوى في العرض ونحوه (٦). وقد حكم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ والصحابة معه ﵃ برجم المرأة إذا (٧) ظهر بها الحبل، ولا زوج لها ولا سيد (٨). وذهب إليه مالك (٩) وأحمد (١٠) - في أصح روايتيه (١١) -

стр. 109

اعتمادًا على القرينة الظاهرة. وحكم عمر (١) وابن مسعود (٢) ﵄ ولا يعرف لهما مخالف من الصحابة (٣) - بوجوب الحد برائحة الخمر من فيّ الرجل (٤)، أو قَيْئِه له، اعتمادًا على القرينة الظاهرة (٥). ولم يزل الأئمة والخلفاء يحكمون بالقطع إذا وجد المال المسروق مع المتهم (٦)، وهذه القرينة أقوى من البينة والإقرار، فإنهما خبران يتطرق إليهما الصدق والكذب، ووجود المال معه نص صريح لا يتطرق إليه شبهة، وهل يشك أحد رأى قتيلًا يتشحط في دمه، وآخر قائم على رأسه بالسكين: أنه قتله؟ ولا سيما إذا عرف بعداوته (٧)،

стр. 110

ولهذا جوز جمهور العلماء لولي القتيل أن يحلف خمسين يمينًا: أن ذلك الرجل قتله، ثم قال مالك (١) وأحمد (٢): يقتل به. وقال الشافعي: يقضى عليه بديته (٣). وكذلك إذا رأينا رجلًا مكشوف الرأس - وليس ذلك عادته - وآخر هارب قدامه بيده عمامة، وعلى رأسه عمامة: حكمنا له بالعمامة التي بيد الهارب قطعًا، ولا نحكم بها لصاحب اليد التي قطعنا وجزمنا بأنها يد ظالمة غاصبة بالقرينة الظاهرة التي هي أقوى بكثير من البينة والاعتراف (٤). وهل القضاء بالنكول (٥) إلا رجوع إلى مجرد القرينة الظاهرة، التي

стр. 111

علمنا بها (١) ظاهرًا أنه لولا صدق المدعي لدفع المدعى عليه دعواه باليمين؟ فلما نَكَلَ عنها كان نكوله قرينة ظاهرة، دالة على صدق المدعي، فقدمت (٢) على أصل براءة الذمة. وكثير من القرائن والأمارات أقوى من النكول، والحس شاهد بذلك، فكيف يسوغ تعطيل شهادتها؟ ومن ذلك: أن النبي ﷺ أمر الزبير أن يقرر عَمَّ حُيَىّ بن أخطب (٣) بالعذاب على إخراج المال الذي غَيَّبه، وادعى نفاده. فقال له: "العَهْدُ قَريبٌ، وَالمَالُ أَكْثر مِنْ ذَلِكَ" (٤) فهاتان قرينتان في غاية القوة: كثرة المال، وقصر المدة التي يُنفق كله فيها. وشرح ذلك: أنه ﷺ لما أجلى بني النضير من المدينة، على أن لهم ما حملت الإبل من أموالهم، غير الحلقة والسلاح، وكان لأبي الحُقَيق (٥) مال عظيم - بلغ مسك (٦) ثور من ذهب وحلي - فلما فتح رسول الله ﷺ

стр. 112

خيبر وكان بعضها عنوة (١) وبعضها صلحًا ففتح أحد جانبيها صلحًا، وتحصن (٢) أهل الجانب الآخر، فحصرهم رسول الله ﷺ أربعة عشر يومًا، فسألوه الصلح، وأرسل ابن أبي الحُقَيق إلى رسول الله ﷺ : أنزل فأكلمك، فقال رسول الله ﷺ : "نعم"، فنزل ابن أبي الحُقَيق فصالح رسول الله ﷺ على حَقْن دماء مَن في حصونهم من المقاتلة، وترك الذرية لهم (٣)، ويخرجون من خيبر وأرضها بذراريهم، ويُخَلُّون بين رسول الله ﷺ وبين ما كان لهم من مال وأرض، وعلى الصفراء والبيضاء (٤) والكُراع (٥) والحَلْقة (٦)، إلا ثوبًا على ظهر إنسان. فقال رسول الله ﷺ : "وَبَرِئَت مِنْكُم ذِمَّةُ اللهِ وَذِمَّةُ رَسُولِهِ إنْ كَتَمتُمُونِي شَيْئًا" فصالحوه على ذلك (٧). قال حماد بن سلمة: أخبرنا عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر: "أن رسول الله ﷺ قاتل أهل خيبر حتى ألجأهم إلى قصرهم، فغلبَ على الزرع والأرض والنخل، فصالحوه على أن يُجلوا منها،

стр. 113

ولهم ما حملت ركابُهم (١)، ولرسول الله ﷺ الصَّفْراءُ والبيضاءُ، واشترط (٢) عليهم "ألا يكتموا ولا يُغيِّبوا شيئًا، فإن فعلوا فلا ذِمَّةَ (٣) لهم ولا عهد" (٤) فَغَيَّبُوا مَسْكًا فيه مال وحُلي لحُييِّ بنِ أَخْطَب كان احتمله معه إلى خيبر، حين أُجليت النضيرُ، فقال رسول الله ﷺ لِعَمِّ حُيي بن أخطب: "ما فَعَلَ مَسْكُ حُيي الَّذي جَاءَ بِهِ (٥) مِنَ النَّضيرِ؟ " قال: أذهبته النفقات والحروب، قال: "العَهْدُ قَرِيبٌ، وَالمَالُ أَكْثَرُ من ذَلِكَ" فدفعه رسول الله ﷺ إلى الزبير، فمسَّه بعذاب، وقد كان قبل ذلك دخل خَرِبة، فقال: قد رأيت حُيَيًّا يطوف في خربة ها هنا. فذهبوا فطافوا، فوجدوا المَسْكَ في الخربة. فقتل رسول الله ﷺ ابني (٦) أبي الحُقَيق - وأحدهما زوج صفية - بالنَّكْثِ (٧) الَّذي نَكَثُوا" (٨).

стр. 114

ففي هذه السُنَّة الصحيحة: الاعتماد على شواهد الحال والأمارات الظاهرة، وعقوبة أهل التهم، وجواز الصلح على الشرط، وانتقاض العهد إذا خالفوا ما شرط (١) عليهم. وفيه من الحكم: إخزاء الله لأعدائه بأيديهم وسعيهم، وإلا فهو سبحانه قادر (٢) أن يُطلع رسوله (٣) على الكنز فيأخذه عنوة (٤)، ولكن كان في أخذه على هذه الحال من الحكم والفوائد، وإخزاء الكفرة بأيديهم ما فيه، والله أعلم. وفي بعض طرق هذه القصة أن ابن عم كنانة اعترف بالمال حين دفعه رسول الله ﷺ إلى الزبير فعذبه. وفي ذلك دليل على صحة إقرار المكره إذا ظهر معه (٥) المال (٦)،

стр. 115

وأنه إذا عوقب على أن يقر بالمال المسروق، فأقر به وظهر عنده: قطعت يده، وهذا هو الصواب بلا ريب، وليس هذا إقامة للحد (١) بالإقرار الذي أُكره عليه، ولكن بوجود المال المسروق معه الذي تُوصِّل إليه بالإقرار. فصل ومن ذلك: قول أمير المؤمنين علي ﵁ للظَّعِيْنة (٢) التي حملت كتاب حاطب بن أبي بلتعة فأنكرته. فقال لها: "لتُخْرجنَّ الكتَابَ أو لنُجَرِّدَنَّكِ" فلما رأت الجِدّ أخرجته من عقاصها (٣) (٤). وعلى هذا: إذا ادعى الخصم الفلس، وأنه لا شيء معه ، فقال المدعي للحاكم: المال معه. وسأل تفتيشه، وجب على الحاكم إجابته إلى ذلك، ليصل صاحب الحق إلى حقه (٥).

стр. 116

وقد كان الأسرى من قريظة يدعون عدم البلوغ، فكان الصحابة يكشفون عن مؤتزرهم (١) بأمر رسول الله ﷺ (٢)، فيعلمون بذلك البالغ من غيره. وأنت تعلم في مسألة الهارب وفي يده عمامة وعلى رأسه أخرى، وآخر حاسر الرأس خلفه علمًا ضروريًّا أن العمامة له، وأنه لا نسبة لظهور صدق صاحب اليد إلى هذا العلم بوجه من الوجوه. فكيف تقدم اليد - التي غايتها أن تفيد ظنًّا ما (٣) عند عدم المعارض - على هذا العلم الضروري اليقيني، وينسب ذلك إلى الشريعة؟. فصل ومن ذلك: أن النبي ﷺ أمر الملتقط أن يدفع

стр. 117

اللقطة (١) إلى واصفها (٢)، وأمره أن يعرف عِفاصها ووِعاءها وَوِكاءها (٣) لذلك (٤). فجعل وصفه لها قائمًا مقام البينة (٥)، بل ربما يكون وصفه لها (٦) أظهر وأصدق من البينة (٧).

стр. 118

وقد سئل الإمام أحمد عن المستأجر ومالك الدار إذا تنازعا دفينًا في الدار ، فكل واحد منهما يدعي أنه له؟ فقال: من وصفه منهما فهو له (١). وهذا من كمال فقهه وفهمه ﵁. وسئل عن البلد (٢) يستولي عليه الكفار، ثم يفتحه المسلمون، فتوجد فيه أبواب (٣) مكتوب عليها كتابة المسلمين أنها وقف: أنه يحكم بذلك، لقوة هذه الأمارة وظهورها (٤). فصل وكذلك: اللقيط (٥) إذا تداعاه اثنان، ووصف أحدهما علامة (٦) خفية بجسده ، حكم له به عند الجمهور (٧).

стр. 119

فصل ومن ذلك: حُكْم رسول الله ﷺ وخلفائه من بعده ﵃ بالقافة (١)، وجعلها دليلًا من أدلة ثبوت النسب، وليس ها هنا (٢) إلا مجرد الأمارات والعلامات. قال بعض الفقهاء: ومن العجب إنكار لحوق النسب بالقافة التي اعتبرها رسول الله ﷺ ، وعمل بها الصحابة من بعده، وحكم به عمر بن الخطاب ﵁ (٣)، وإلحاق النسب (٤) في مسألة من تزوج بأقصى المغرب امرأة بأقصى المشرق، وبينهما مسافة سنين، ثم جاءت (٥) بعد العقد بأكثر من ستة أشهر بولد (٦)، أو تزوجها، ثم قال عقيب العقد: هي طالق ثلاثًا، ثم أتت بولد: أنه (٧) يكون ابنه لأنها فراش (٨). وأعجب من ذلك: أنها تصير فراشًا بهذا العقد بمجرده. ولو

стр. 120

كانت له سرية يطؤها ليلًا ونهارًا، فأتت بولد لم يلحقه نسبه؛ لأنها ليست فراشًا له، ولا يلحقه حتى يدعيه (١)، فيلحقه بالدعوى لا بالفراش (٢)!!. وقد تقدم استشهاد ابن عقيل باللوث في (٣) القسامة (٤). وهو من أحسن الاستشهاد فإنه اعتماد على ظاهر الأمارات المغلبة على الظن صدق المدعي. فيجوز له أن يحلف بناءً على ذلك، ويجوز للحاكم - بل يجب عليه - أن يثبت له حق القصاص أو الدية، مع علمه أنه لم ير ولم (٥) يشهد، فإذا كان هذا في الدماء المبني أمرها على الحظر والاحتياط، فكيف بغيرها؟ ومن ذلك اللعان (٦) فإنا نحكم بقتل المرأة، أو بحبسها إذا نكلت

стр. 121

عن اللعان (١)، والصحيح: أنا نحدها. وهو مذهب الشافعي (٢) ﵀، وهو الذي دل عليه القرآن في قوله تعالى: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ﴾ [النور: ٨] والعذاب ها هنا: هو العذاب المذكور في أول السورة، في قوله تعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٢] فأضافه أولًا، وعرفه باللام ثانيًا، وهو عذاب واحد. والمقصود أن نكول المرأة من أقوى الأمارات على صدق الزوج، فقام لعانه ونكولها مقام الشهود. فصل ومن ذلك أن ابني عفراء (٣) لما تداعيا قتل أبي جهل، فقال ﷺ :

стр. 122

"هل مَسَحْتُمَا سَيْفَيْكُمَا؟ " قالا: لا، قال: "فأَرِيَانِي سَيْفَيْكُمَا". فلما نظر فيهما، قال لأحدهما: "هذا قَتَلَهُ" (١). وقضى له بسلبه. وهذا من أحسن الأحكام، وأحقها بالاتباع (٢)، فالدم في النصل شاهد عجيب. وبالجملة: ف البينة اسم لكل ما يبين الحق ويظهره (٣) ومَنْ خَصها بالشاهدين، أو الأربعة، أو الشاهد، لم يوف مسماها حقه. ولم تأت البينة قط في القرآن مرادًا بها الشاهدان، وإنما أتت مرادًا بها الحجة والدليل والبرهان، مفردة ومجموعة. وكذلك قول النبي ﷺ : "البَيِّنَةُ على المُدَّعِي" (٤)

стр. 123

المراد به: أن عليه بيان (١) ما يصحح دعواه ليحكم له، والشاهدان من البينة. ولا ريب أن غيرها من أنواع البينة قد يكون أقوى منها، كدلالة (٢) الحال على صدق المدعي، فإنها أقوى من دلالة إخبار الشاهد، والبينة والدلالة والحجة والبرهان والآية والتبصرة والعلامة والأمارة: متقاربة في المعنى. وقد روى ابن ماجه وغيره عن جابر بن عبد الله قال: "أردت السفر إلى خيبر، فأتيت النبي ﷺ ، فقلت له: إني أردت (٣) الخروج إلى خيبر، فقال: "إذا أَتَيْتَ وَكِيلي فَخُذْ منه خَمْسَةَ عَشَرَ وَسْقًا (٤)، فإذا

стр. 124

طلب منك آية، فَضَعْ يَدَكَ على تَرْقُوتِهِ" (١) فهذا اعتماد في الدفع إلى الطالب على مجرد العلامة، وإقامة لها مقام الشاهد. فالشارع لم يلغ القرائن والأمارات ودلائل (٢) الأحوال، بل من استقرأ الشرع في مصادره وموارده وجده شاهدًا لها بالاعتبار، مرتبًا عليها الأحكام. وقول أبي الوفاء ابن عقيل: "ليس هذا فراسة"، فيقال: ولا محذور في تسميته فراسة، فهي فراسة صادقة (٣). وقد مدح الله سبحانه الفراسة وأهلها في مواضع من كتابه، فقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ (٧٥)﴾ [الحجر: ٧٥]. وهم المتفرسون (٤) الآخذون بالسِّيما، وهي العلامة، يقال: تفرست فيك كيت وكيت وتوسمته. وقال تعالى:

стр. 125

﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾ [محمد: ٣٠]. وقال تعالى: ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾ [البقرة: ٢٧٣]. وفي "جامع الترمذي" مرفوعًا: "اتَّقُوا فِرَاسَةَ المُؤْمِنِ، فإنه يَنْظُرُ بِنُورِ اللهِ، ثُم قَرَأ ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ (٧٥)﴾ [الحجر: ٧٥] " (١).

стр. 126

فصل وقال ابن عقيل في "الفنون" (١): جرى في جواز العمل في السلطنة بالسياسة الشرعية: أنه هو الحزم، ولا يخلو من القول به إمام. فقال شافعي: لا سياسة إلا ما وافق الشرع. فقال ابن عقيل: السياسة ما كان فعلًا يكون معه الناس أقرب إلى الصلاح، وأبعد عن الفساد (٢)، وإن لم يضعه الرسول ﷺ ، ولا نزل به وحي. فإن أردت بقولك: "إلا ما وافق الشرع" أي لم يخالف ما نطق به الشرع: فصحيح. وإن أردت: لا سياسة إلا ما نطق به الشرع، فغلط، وتغليط للصحابة. فقد جرى من الخلفاء الراشدين من القتل والتمثيل ما لا يجحده عالم بالسنن، ولو لم يكن إلا تحريق المصاحف (٣)، فإنه كان رأيًا اعتمدوا فيه على مصلحة الأمة، وتحريق علي ﵁ الزنادقة (٤) في الأخاديد فقال:

стр. 127

إني إذا شاهدت أمرًا منكرا (١) ... أججت ناري ودعوت قنبرا (٢) ونفي عمر بن الخطاب ﵁ لنصر بن حجاج. ا. هـ (٣). وهذا موضع مَزَلَّة أقدام، ومضلة أفهام، وهو مقام ضنك، ومعترك صعب، فرط فيه طائفة، فعطلوا (٤) الحدود، وضيعوا الحقوق، وجرَّءوا أهل الفجور على الفساد، وجعلوا الشريعة قاصرة لا تقوم بمصالح العباد، محتاجة إلى غيرها، وسدوا على نفوسهم طرقًا صحيحة من طرق معرفة الحق والتنفيذ له، وعطلوها (٥) مع علمهم وعلم غيرهم قطعًا أنها (٦) حق مطابق للواقع، ظنًّا منهم منافاتها لقواعد الشرع.

стр. 128

ولعمر الله إنها لم تناف ما جاء به الرسول ﷺ وإن نافت ما فهموه من شريعته باجتهادهم، والذي أوجب لهم ذلك: نوع تقصير في معرفة الشريعة، وتقصير في معرفة الواقع، وتنزيل أحدهما على الآخر، فلما رأى ولاة الأمور ذلك، وأن الناس لا يستقيم لهم أمرهم إلا بأمر وراء ما فهمه هؤلاء من الشريعة، أحدثوا من أوضاع سياستهم شرًّا طويلًا، وفسادًا عريضًا، فتفاقم الأمر، وتعذر استدراكه، وعَزّ على العالمين بحقائق الشرع تخليص النفوس من ذلك، واستنقاذها من تلك المهالك. وأفرطت طائفة أخرى قابلت هذه الطائفة، فسوغت من ذلك ما ينافي حكم الله ورسوله، وكلا الطائفتين أتيت من تقصيرها في معرفة ما بعث الله به رسوله، وأنزل به كتبه، فإن الله سبحانه أرسل رسله، وأنزل كتبه (١)، ليقوم الناس بالقسط، وهو العدل الذي قامت به الأرض والسماوات، فإذا ظهرت أمارات العدل وأسفر وجهه بأي طريق كان، فثم شرع الله ودينه، والله سبحانه أعلم وأحكم وأعدل أن يخص طرق العدل وأماراته وأعلامه بشيء، ثم ينفي ما هو أظهر منها وأقوى دلالة وأبين أمارة، فلا يجعله منها، ولا يحكم عند وجودها وقيامها بموجبها، بل قد بين سبحانه بما شرعه من الطرق، أن مقصوده إقامةُ العدل بين عباده، وقيامُ الناس بالقسط، فأي طريق استخرج بها العدل والقسط فهي من الدين، وليست مخالفة له. فلا يقال: إن السياسة العادلة مخالفة لما نطق به الشرع، بل هي موافقة لما جاء به، بل هي جزء من أجزائه، ونحن نسميها سياسة تبعًا

стр. 129

لمصطلحهم (١)، وإنما هي عدل الله ورسوله، ظهر بهذه الأمارات والعلامات. فقد حبس رسول الله ﷺ في تهمة (٢)، وعاقب في تهمة (٣)، لما ظهرت أمارات الريبة على المتهم، فمن (٤) أطلق كل متهم وحلَّفه وخلى سبيله - مع علمه باشتهاره بالفساد في الأرض، وكثرة سرقاته، وقال: لا آخذه إلا بشاهدي عدل - فقوله مخالف للسياسة الشرعية. وقد منع النبي ﷺ الغال (٥) من الغنيمة سهمه، وحرق متاعه هو وخلفاؤه من بعده (٦).

стр. 130

ومنع القاتل من السلب (١) لما أساء شافعه على أمير السرية (٢) (٣)، فعاقب المشفوع له عقوبة للشفيع (٤). وعزم على تحريق بيوت تاركي الجمعة (٥) والجماعة (٦). وأضعف الغرم على سارق ما لا قطع فيه، وشرع فيه جلدات (٧)؛ نكالًا وتأديبًا. وأضعف الغرم على كاتم الضالة عن

стр. 131

صاحبها (١). وقال في تارك الزكاة: "إنا آخذوها منه وشطر ماله، عزمة من عزمات ربنا" (٢). وأمر بكسر دنان (٣) الخمر (٤).

стр. 132

وأمر بكسر القدور التي طبخ فيه اللحم الحرام، ثم نسخ عنهم الكسر، وأمرهم بالغسل (١). وأمر عبد الله بن عمرو بتحريق الثوبين المعصفرين (٢)، فسجرهما (٣) في التنور (٤). وأمر المرأة التي لعنت ناقتها أن تخلي سبيلها (٥). وأمر بقتل شارب الخمر بعد الثالثة أو الرابعة (٦)، ولم ينسخ ذلك، ولم يجعله حدًّا (٧) لا بد منه، بل هو بحسب المصلحة إلى رأي

стр. 133

الإمام (١)، ولذلك (٢) زاد عمر ﵁ في الحد أربعين (٣) ونفى فيها (٤). وأمر النبي ﷺ بقتل الذي كان يتهم بأم ولده (٥)، فلما تبين أنه

стр. 134

خصي تركه (١). وأمر بإمساك اليهودي الذي أومأت الجارية (٢) برأسها أنه رضخه (٣) بين حجرين فأُخذ فأقرَّ فرضخ رأسه (٤). وهذا يدل على جواز أخذ المتهم إذا قامت قرينة التهمة. والظاهر: أنه لم تقم عليه بينة، ولا أقر اختيارًا منه للقتل، وإنما هدد أو ضرب فأقر (٥). وكذلك العرنيّون فعل بهم ما فعل بناءً على شاهد الحال ولم يطلب بينة بما فعلوا (٦)، ولا وقف الأمر على إقرارهم (٧).

стр. 135

فصل وسلك أصحابه وخلفاؤه من بعده (١) ما هو معروف لمن طلبه. فمن ذلك: أن أبا بكر الصديق ﵁ حرَّق اللوطية (٢)، وأذاقهم حر النار في الدنيا قبل الآخرة. وكذلك قال أصحابنا: إذا رأى الإمام تحريق اللوطي فله ذلك (٣). فإن خالد بن الوليد ﵁ كتب إلى أبي بكر الصديق ﵁ "أنه (٤) وجد في بعض ضواحي العرب رجلًا يُنكح كما تنكح المرأة" فاستشار الصديق ﵁ أصحاب رسول الله ﷺ وفيهم علي بن أبي طالب ﵁، وكان أشدهم قولًا، فقال: "إن هذا الذنب لم تعص به أمة من

стр. 136

الأمم إلا واحدة، فصنع الله بهم ما قد (١) علمتم، أرى أن يحرقوا بالنار، فأجمع رأي أصحاب رسول الله ﷺ على أن يحرقوا بالنار (٢). فكتب أبو بكر الصديق إلى خالد ﵄ أن يحرقوا فحرقهم" (٣). ثم حرقهم عبد الله بن الزبير في خلافته (٤). ثم حرقهم هشام بن عبد الملك (٥). وحرق عمر بن الخطاب ﵁ حانوت الخمار بما فيه (٦). وحرق قرية يباع فيها الخمر (٧).

стр. 137

وحرق قصر سعد بن أبي وقاص لما احتجب في قصره (١) عن الرعية. فذكر الإمام أحمد ﵁ في مسائل ابنه صالح (٢): أنه دعا محمد بن مسلمة فقال: "اذهب إلى سعد بالكوفة، فحرّق عليه قصره، ولا تحدثن حدثًا حتى تأتيني" فذهب محمد إلى الكوفة، فاشترى من نبطي (٣) حزمة حطب (٤)، وشرط عليه حملها إلى قصر سعد، فلما وصل إليه ألقى الحزمة فيه، وأضرم فيها النار، فخرج سعد، فقال: "ما هذا؟ " قال: "عزمة أمير المؤمنين" فتركه حتى احترق. ثم انصرف إلى المدينة، فعرض عليه سعد نفقة، فأبى أن يقبلها، فلما قدم على عمر قال له: "هلّا قبلت نفقته؟ " فقال: "إنك قلت لا تحدثن حدثًا حتى تأتيني" (٥). وحلق عمر رأس نصر بن حجاج، ونفاه من المدينة لتشبيب النساء به (٦). وضرب صَبيغ بن عِسْل التميمي على رأسه، لما سأل عما لا يعنيه (٧).

стр. 138

وصادر عماله، فأخذ شطر أموالهم لما اكتسبوها بجاه العمل (١)، واختلط ما يختصون به بذلك، فجعل أموالهم بينهم وبين المسلمين شطرين. وألزم الصحابة أن يُقلُّوا الحديث عن رسول الله ﷺ لما اشتغلوا به عن القرآن (٢)، سياسة منه، إلى غير ذلك من سياسته (٣) التي ساس بها الأمة ﵁.

стр. 139

قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: ومن ذلك إلزامه للمطلق ثلاثًا واحدة بالطلاق، وهو يعلم أنها واحدة، ولكن لما أكثر الناس منه رأى عقوبتهم بإلزامهم به، ووافقه على ذلك رعيته من الصحابة، وقد أشار هو إلى ذلك، فقال: "إن الناس قد استعجلوا في شيء كانت لهم فيه أناة، فلو أنا أمضيناه عليهم؟ " (١) فأمضاه عليهم ليقلوا منه، فإنهم إذا علموا أن أحدهم إذا أوقع الثلاث جملة واحدة وقعت عليه (٢)، وأنه لا سبيل له إلى المرأة: أمسك عن ذلك. فكان الإلزام به عقوبة منه لمصلحة رآها، ولم يكن يخفى عليه أن الثلاث كانت في زمن النبي ﷺ وأبي بكر (٣) كانت تجعل واحدة، بل مضى على ذلك صدر من خلافته، حتى أكثر الناس من ذلك، وهو اتخاذ لآيات الله هزوًا. كما في "المسند" و"النسائي" وغيرهما من حديث محمود بن لبيد: "أن رجلًا طلق امرأته ثلاثًا، على عهد رسول الله ﷺ فبلغ ذلك رسول الله ﷺ ، فقال: "أَيُلْعَبُ بكِتَابِ اللهِ وأَنا بَيْنَ أَظْهُركُمْ؟ " فقال رجل: ألا أضرب عنقه يا رسول الله؟ " (٤) فلما أكثر الناس من ذلك

стр. 140

عاقبهم به. ثم إنه ندم على ذلك قبل موته، كما ذكره الإسماعيلي (١) في "مسند عمر" (٢). فقلت لشيخنا: فهلا تبعت عمر في إلزامهم به عقوبة، فإن جمع الثلاث محرم (٣) عندك؟ فقال: أكثر الناس اليوم لا يعلمون أن ذلك محرم (٤)، ولا سيما (٥) والشافعي يراه جائزًا (٦)، فكيف يعاقب الجاهل بالتحريم (٧).

стр. 141

قال: وأيضًا فإن عمر ألزمهم بذلك، وسد عليهم باب التحليل، وأما هؤلاء: فيلزمونهم بالثلاث، وكثير منهم يفتح لهم باب التحليل، فإنه لا بد للرجل من امرأته، فإذا علم أنها لا ترجع إليه إلا بالتحليل سعى في ذلك. والصحابة لم يكونوا يسوغون ذلك، فحصلت مصلحة الامتناع من الجمع من غير وقوع مفسدة التحليل بينهم (١). قال: ولو علم عمر أن الناس يتتايعون في التحليل لرأى أن إقرارهم على ما كان عليه الأمر في زمن رسول الله ﷺ ، وأبي بكر، وصدر من خلافته أولى. وبسط شيخنا الكلام في ذلك بسطًا طويلًا (٢). قال: ومن ذلك منعه بيع (٣) أمهات الأولاد (٤)، وإنما كان رأيًا منه رآه للأمة، وإلا فقد بِعْنَ في حياة رسول الله ﷺ ، ومدة خلافة

стр. 142

الصديق (١)، ولهذا عزم علي بن أبي طالب على بيعهن، وقال: "إن عدم البيع كان رأيًا اتفق عليه هو وعمر"، فقال له قاضيه عبيدة السلماني: "يا أمير المؤمنين، رأيك ورأي عمر في الجماعة أحب إلينا من رأيك وحدك" (٢)، فقال: "اقضوا كما (٣) كنتم تقضون، فإني أكره الخلاف" (٤). فلو كان عنده نص من رسول الله ﷺ بتحريم بيعهن لم

стр. 143

يضف ذلك إلى رأيه ورأي عمر، ولم يقل: "إني رأيت أن يُبَعْن". فصل ومن ذلك: اختياره للناس الإفراد بالحج، ليعتمروا في غير أشهر الحج، فلا يزال البيت الحرام مقصودًا (١)، فظن بعض الناس أنه نهى عن المتعة، وأنه أوجب الإفراد. وتنازع في ذلك ابن عباس وابن (٢) الزبير (٣)، وأكثر الناس على ابن عباس في ذلك، وهو يحتج عليهم بالأحاديث الصحيحة الصريحة. فلما أكثروا عليه في ذلك قال: "يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء؛ أقول لكم: قال رسول الله ﷺ . وتقولون: قال أبو بكر وعمر؟! " (٤) وكذلك ابنه عبد الله كانوا إذا

стр. 144

احتجوا عليه بأبيه يقول: "إن عمر لم يرد ما تقولون" فإذا أكثروا عليه قال: "أفرسول الله ﷺ أحق أن تتبعوا (١)، أم عمر؟ " (٢). والمقصود: أن هذا وأمثاله سياسة جزئية بحسب المصلحة، يختلف باختلاف الأزمنة، فظنها من ظنها شرائع عامة لازمة للأمة إلى يوم القيامة، ولكلٍّ عذرٌ وأجرٌ. ومن اجتهد في طاعة الله ورسوله فهو دائر بين الأجر والأجرين. وهذه السياسة التي ساسوا بها الأمة وأضعافها هي من تأويل القرآن والسنة. ولكن: هل هي من الشرائع الكلية التي لا تتغير بتغير الأزمنة، أم من السياسات الجزئية التابعة للمصالح، فيتقيد بها زمانًا ومكانًا؟ ومن ذلك: جمع عثمان ﵁ الناس على حرف واحد من الأحرف السبعة (٣) التي أطلق لهم رسول الله ﷺ القراءة بها، لما كان ذلك مصلحة. فلما خاف الصحابة ﵃ على الأمة

стр. 145

أن يختلفوا في القرآن، ورأوا أن جمعهم على حرف واحد أسلم، وأبعد من وقوع الاختلاف: فعلوا ذلك، ومنعوا الناس من القراءة بغيرها (١). وهذا كما لو كان للناس عدة طرق إلى البيت، وكان سلوكهم في تلك الطرق يوقعهم في التفرق والتشتت، ويطمع فيهم العدو، فرأى الإمام جمعهم على طريق واحد، وترك (٢) بقية الطرق: جاز ذلك، ولم يكن فيه إبطال لكون تلك الطرق موصلة إلى المقصود، وإن كان فيه (٣) نهي عن سلوكها لمصلحة الأمة. ومن ذلك تحريق علي ﵁ (٤) الزنادقة الرافضة، وهو يعلم سنة رسول الله ﷺ في قتل الكافر، ولكن لما رأى أمرًا عظيمًا جعل عقوبته من أعظم العقوبات؛ ليزجر الناس عن مثله. ولذلك قال: لما رأيت الأمر أمرًا منكرا ... أججت ناري ودعوت قنبرا (٥) وقنبر غلامه. وهذا الذي ذكرناه، جميع الفقهاء يقولون به في الجملة، وإن تنازعوا في كثير من موارده (٦). فكلهم يقول بجواز (٧) وطء الرجل
следующие страницы →