قال: وأيضًا فإن عمر ألزمهم بذلك، وسد عليهم باب التحليل، وأما هؤلاء: فيلزمونهم بالثلاث، وكثير منهم يفتح لهم باب التحليل، فإنه لا بد للرجل من امرأته، فإذا علم أنها لا ترجع إليه إلا بالتحليل سعى في ذلك. والصحابة لم يكونوا يسوغون ذلك، فحصلت مصلحة الامتناع من الجمع من غير وقوع مفسدة التحليل بينهم (١).
قال: ولو علم عمر أن الناس يتتايعون في التحليل لرأى أن إقرارهم على ما كان عليه الأمر في زمن رسول الله ﷺ ، وأبي بكر، وصدر من خلافته أولى. وبسط شيخنا الكلام في ذلك بسطًا طويلًا (٢).
قال: ومن ذلك منعه بيع (٣) أمهات الأولاد (٤)، وإنما كان رأيًا منه رآه للأمة، وإلا فقد بِعْنَ في حياة رسول الله ﷺ ، ومدة خلافة
стр. 142
الصديق (١)، ولهذا عزم علي بن أبي طالب على بيعهن، وقال: "إن عدم البيع كان رأيًا اتفق عليه هو وعمر"، فقال له قاضيه عبيدة السلماني: "يا أمير المؤمنين، رأيك ورأي عمر في الجماعة أحب إلينا من رأيك وحدك" (٢)، فقال: "اقضوا كما (٣) كنتم تقضون، فإني أكره الخلاف" (٤). فلو كان عنده نص من رسول الله ﷺ بتحريم بيعهن لم
стр. 143
يضف ذلك إلى رأيه ورأي عمر، ولم يقل: "إني رأيت أن يُبَعْن".
فصل
ومن ذلك: اختياره للناس الإفراد بالحج، ليعتمروا في غير أشهر الحج، فلا يزال البيت الحرام مقصودًا (١)، فظن بعض الناس أنه نهى عن المتعة، وأنه أوجب الإفراد. وتنازع في ذلك ابن عباس وابن (٢) الزبير (٣)، وأكثر الناس على ابن عباس في ذلك، وهو يحتج عليهم بالأحاديث الصحيحة الصريحة. فلما أكثروا عليه في ذلك قال: "يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء؛ أقول لكم: قال رسول الله ﷺ . وتقولون: قال أبو بكر وعمر؟! " (٤) وكذلك ابنه عبد الله كانوا إذا
стр. 144
احتجوا عليه بأبيه يقول: "إن عمر لم يرد ما تقولون" فإذا أكثروا عليه قال: "أفرسول الله ﷺ أحق أن تتبعوا (١)، أم عمر؟ " (٢).
والمقصود: أن هذا وأمثاله سياسة جزئية بحسب المصلحة، يختلف باختلاف الأزمنة، فظنها من ظنها شرائع عامة لازمة للأمة إلى يوم القيامة، ولكلٍّ عذرٌ وأجرٌ. ومن اجتهد في طاعة الله ورسوله فهو دائر بين الأجر والأجرين.
وهذه السياسة التي ساسوا بها الأمة وأضعافها هي من تأويل القرآن والسنة. ولكن: هل هي من الشرائع الكلية التي لا تتغير بتغير الأزمنة، أم من السياسات الجزئية التابعة للمصالح، فيتقيد بها زمانًا ومكانًا؟
ومن ذلك: جمع عثمان ﵁ الناس على حرف واحد من الأحرف السبعة (٣) التي أطلق لهم رسول الله ﷺ القراءة بها، لما كان ذلك مصلحة. فلما خاف الصحابة ﵃ على الأمة
стр. 145
أن يختلفوا في القرآن، ورأوا أن جمعهم على حرف واحد أسلم، وأبعد من وقوع الاختلاف: فعلوا ذلك، ومنعوا الناس من القراءة بغيرها (١). وهذا كما لو كان للناس عدة طرق إلى البيت، وكان سلوكهم في تلك الطرق يوقعهم في التفرق والتشتت، ويطمع فيهم العدو، فرأى الإمام جمعهم على طريق واحد، وترك (٢) بقية الطرق: جاز ذلك، ولم يكن فيه إبطال لكون تلك الطرق موصلة إلى المقصود، وإن كان فيه (٣) نهي عن سلوكها لمصلحة الأمة.
ومن ذلك تحريق علي ﵁ (٤) الزنادقة الرافضة، وهو يعلم سنة رسول الله ﷺ في قتل الكافر، ولكن لما رأى أمرًا عظيمًا جعل عقوبته من أعظم العقوبات؛ ليزجر الناس عن مثله. ولذلك قال:
لما رأيت الأمر أمرًا منكرا ... أججت ناري ودعوت قنبرا (٥)
وقنبر غلامه.
وهذا الذي ذكرناه، جميع الفقهاء يقولون به في الجملة، وإن تنازعوا في كثير من موارده (٦). فكلهم يقول بجواز (٧) وطء الرجل
стр. 146
المرأة إذا أهديت إليه ليلة الزفاف، وإن لم يشهد عنده عدلان من الرجال أن (١) هذه فلانة بنت فلان التي عقدت عليها، وإن لم يستنطق النساء أن هذه هي (٢) امرأته؛ اعتمادًا على القرينة الظاهرة القوية (٣) فنزَّلوا هذه القرينة القوية منزلة الشهادة (٤).
ومن ذلك: أن الناس - قديمًا وحديثًا - لم يزالوا يعتمدون على قول الصبيان المرسل معهم الهدايا، وأنها مبعوثة إليهم، فيقبلون أقوالهم، ويأكلون الطعام المرسل به، ويلبسون الثياب، ولو كانت أمة لم يمتنعوا من وطئها، ولم يسألوا إقامة (٥) البينة على ذلك؛ اكتفاء بالقرائن (٦) الظاهرة (٧).
ومن ذلك: أن الضيف يشرب (٨) من كوز صاحب البيت، ويتكئ
стр. 147
على وساده، ويقضي حاجته في مرحاضه من غير استئذان باللفظ له، ولا يعد في ذلك متصرفًا في ملكه بغير إذنه (١).
ومن ذلك: أنه يطرق عليه بابه، ويضرب حلقته بغير (٢) استئذانه، اعتمادًا على القرينة (٣) العرفية (٤).
ومن ذلك: أخذ ما يسقط من الإنسان مما لا تتبعه همته ، كالسوط والعصا والفلس والتمرة.
ومن ذلك: أخذ ما يبقى في القَراح (٥) والحائط من الثمار بعد تخلية أهله له وتسييبه (٦).
ومن ذلك: أخذ ما يسقط من الحب عند الحصاد ، ويسمى اللقاط (٧).
стр. 148
ومن ذلك: أخذ ما ينبذه الناس رغبة عنه من الطعام والخرق والخزف (١) ونحوه.
ومن ذلك: قول أهل المدينة (٢) - وهو الصواب (٣) - أنه لا يقبل قول المرأة: إن زوجها لم يكن ينفق عليها ولا (٤) يكسوها فيما مضى من الزمان؛ لتكذيب القرائن الظاهرة لها. وقولهم في ذلك هو الحق الذي ندين الله به، ولا نعتقد سواه، والعلم الحاصل بإنفاق الزوج وكسوته في الزمن الماضي؛ اعتمادًا على الأمارات الظاهرة أقوى من الظن الحاصل باستصحاب الأصل (٥) وبقاء ذلك في ذمته بأضعاف
стр. 149
مضاعفة.
فكيف يقدم هذا الظن الضعيف على ذلك العلم الذي يكاد بل (١) يبلغ القطع؟ فإن هذه الزوجة لم يكن ينزل عليها رزقها من السماء، كما كان ينزل على مريم بنت عمران (٢)، ولم تكن تُشاهد تخرج من منزلها تأتي بطعام وشراب، والزوج يشاهد (٣) في كل وقت داخلًا عليها بالطعام والشراب، فكيف يقال: "القول قولها" ويقدم ظن الاستصحاب على هذا العلم اليقيني؟
ومن ذلك: أن صاحب المنزل إذا قدم الطعام إلى الضيف ووضعه بين يديه، جاز له (٤) الإقدام على الأكل، وإن لم يأذن له لفظًا؛ اعتبارًا بدلالة الحال الجارية مجرى القطع (٥).
ومن ذلك: إذن النبي ﷺ للمار بثمر الغير أن يأكل من ثمره ولا
стр. 150
يحمل (١)؛ اكتفاء بشاهد الحال، حيث لم يجعل عليه حائطًا ولا ناطورًا (٢).
ومن ذلك: جواز قضاء الحاجة في الأقرحة والمزارع التي على الطرقات بحيث لا ينقطع منها المارة. وكذلك الصلاة فيها, ولا يكون ذلك غصبًا لها ولا تصرفًا ممنوعًا (٣).
ومن ذلك: الشرب من المصانع الموضوعة على الطرقات ، وإن لم يعلم الشارب إذن أربابها في ذلك لفظًا، اعتمادًا على دلالة الحال، ولكن لا يتوضأ منها؛ لأن العرف لا يقتضيه، ودلالة الحال لا تدل عليه، إلا أن يكون هناك شاهد حال يقتضي ذلك فلا بأس بالوضوء حينئذٍ (٤).
стр. 151
ومن ذلك: القضاء بالأجرة للغسَّال والخباز والطباخ والدقاق وصاحب الحمَّام والقيِّم، وإن لم يعقد معه عقد إجارة؛ اكتفاء بشاهد الحال ودلالته (١). ولو استوفى هذه المنافع ولم يعطهم شيئًا لعُدّ (٢) ظالمًا غاصبًا، مرتكبًا لما هو من القبائح المنكرة.
ومن ذلك: انعقاد التبايع في سائر الأعصار والأمصار بمجرد المعاطاة، من غير لفظ (٣)؛ اكتفاء بالقرائن والأمارات الدالة على التراضي، الذي هو شرط في صحة البيع.
ومن ذلك: جواز شهادة الشاهد على القتل الموجب للقصاص: أنه قتله عمدًا عدوانًا محضًا، وهو لم يقل: "قتله عمدًا" والعمدية صفة قائمة بالقلب، فجاز للشاهد أن يشهد بها، ويراق دم القاتل بشهادته؛ اكتفاء بالقرينة الظاهرة، فدلالة القرينة على التراضي بالبيع من غير لفظ أقوى (٤).
стр. 152
ومن ذلك: أنهم قالوا: يقبل قول الوصيَّ فيما ينفقه على اليتيم إذا ادعى ما يقتضيه العرف، فإذا ادعى أكثر من ذلك لم يقبل قوله (١).
وهكذا سائر من قلنا "القول (٢) قوله" إنما يقبل قوله إذا لم يكذبه شاهد الحال، فإن كذبه لم يقبل قوله، ولهذا يكذب المودع والمستأجر، إذا ادعيا أن الوديعة (٣) أو العين المستأجرة هلكت في الحريق، أو تحت الهدم، أو في نهب العيارين (٤) ونحوهم، لم يقبل قولهم إلا إذا تحققنا وجود هذه الأسباب (٥)، فأما إذا علمنا انتفاءها فإنا
стр. 153
نجزم بكذبهم، ولا يقبل قولهم. وهذا من أقوى الأدلة على أن القول قول الزوج في النفقة والكسوة لما مضى من الزمان؛ لعلمنا بكذب الزوجة في الإنكار، وكون الأصل معها مثل كون الأصل قبول قول الأمناء، إلا حيث يكذبهم الظاهر.
ومن ذلك: أنهم قالوا في تداعي العيب: هل كان (١) عند البائع أو حدث عند المشتري؟ أن القول قول من يدل الحال على صدقه (٢). فإن احتملت (٣) الحال صدقهما ففيها قولان، أظهرهما: أن القول قول البائع (٤)؛ لأن المشتري يدعي ما يسوّغ فسخ العقد بعد تمامه ولزومه، والبائع ينكره.
ومن ذلك: أن مالكًا وأصحابه منعوا سماع الدعوى التي لا تشبه الصدق، ولم يحلّفوا لها المدعى عليه (٥)؛ نظرًا إلى الأمارات والقرائن
стр. 154
الظاهرة (١).
ومن ذلك: أن أصحابنا وغيرهم من الفقهاء، جوَّزوا للرجل أن يلاعن امرأته، فيشهد عليها بالزنا مؤكدًا (٢) لشهادته باليمين، إذا رأى رجلًا يُعْرف بالفجور يدخل إليها ويخرج من عندها؛ نظرًا إلى الأمارات والقرائن الظاهرة (٣).
ومن ذلك: أن جمهور الفقهاء يقولون في تداعي الزوجين والصانعين (٤) لمتاع البيت والدكان: أن القول قول من يدل الحال على صدقه (٥). والصحيح في هذه المسألة: أنه لا عبرة باليد الحسية، بل
стр. 155
وجودها كعدمها. ولو اعتبرناها لاعتبرنا يد (١) الخاطف لعمامة غيره وعلى رأسه عمامة وآخر خلفه (٢) حاسر الرأس، ونحن نقطع بأن هذه يد ظالمة (٣) عادية، فلا اعتبار لها.
ومن ذلك: أن مالكًا ﵀، يجعل القول قول المرتهن (٤) في قدر الدين، ما لم يزد عن قيمة الرهن (٥)(٦). وقوله هو الراجح في
стр. 156
الدليل (١)؛ لأن الله سبحانه جعل الرهن بدلًا من الكتاب والشهود، فكأنه ناطق (٢) بقدر الحق، وإلا فلو كان القول قول الراهن لم يكن الرهن وثيقة، ولا جعل بدلًا من الكتاب (٣) والشاهد، فدلالة الحال تدل على أنه إنما يرهنه (٤) على قيمته أو ما يقاربها، وشاهد الحال يكذب (٥) الراهن إذا قال: رهنت عنده هذه الدار على درهم ونحوه، فلا يسمع قوله.
ومن ذلك: أنهم قالوا في الركاز (٦): إذا كانت (٧) عليه علامة المسلمين فهو لقطة، وإن كانت (٨) عليه علامة الكفار فهو ركاز (٩).
стр. 157
ومن ذلك: أنه إذا استأجر دابة، جاز له ضربها إذا حرنت في السير، وإن لم يستأذن مالكها (١).
ومن ذلك: أنه يجوز له إيداعها في الخان (٢)، إذا قدم بلدًا، وأراد المضي في حاجته، وإن لم يستأذن المؤجر في ذلك (٣).
ومن ذلك: إذن المستأجر للدار لأصحابه وأضيافه في الدخول والمبيت، وإن لم يتضمنهم عقد الإجارة (٤).
ومن ذلك: غسل الثوب الذي استأجره مدة معينة إذا اتسخ، وإن لم يستأذن (٥) المؤجر في ذلك (٦).
ومن ذلك: لو وَكَّلَ غائبًا في بيع سلعة ملك قبض ثمنها، وإن لم يأذن له في ذلك لفظًا (٧).
стр. 158
ومن ذلك - وإن نازع فيه من نازع (١) -: لو رأى موتًا بشاة غيره، أو حيوانه المأكول، فبادر بذبحه (٢) ليحفظ عليه ماليته كان محسنًا, ولا سبيل على محسن. ومن ضمنه فقد سد باب "الإحسان إلى الغير في حفظ ماله (٣).
ومن ذلك: لو رأى السيل يقصد الدار المؤجرة، فبادر وهدم الحائط ليخرج السيل ولا يهدم الدار كان محسنًا, ولا يضمن الحائط (٤).
ومن ذلك: لو وقع الحريق في الدار، فبادر وهدمها على النار، لئلا تسري لم يضمن (٥).
стр. 159
ومنها: لو رأى العدو يقصد مال غيره الغائب، فبادر وصالحه على بعضه كان محسنًا ولم يضمن (١).
ومن ذلك: لو وجد هديًا مشعرًا (٢) منحورًا, وليس عنده أحد، جاز له أن يأكل (٣) منه (٤).
ومنها: لو استأجر غلامًا، فوقعت الآكِلَةُ (٥) في طرف من أطرافه، بحيث لو لم يقطعه سرى إلى نفسه فقطعه، لم يضمنه (٦) لمالكه (٧).
ومنها: لو اشترى صُبْرَة (٨) طعام في دار رجل، أو خشبًا: فله أن يدخل داره من الدواب والرجال من يحوّل ذلك، وإن لم يأذن له المالك (٩).
стр. 160
وأضعاف أضعاف هذه المسائل، مما جرى العمل فيه على العرف (١) والعادة (٢)، ونزل ذلك منزلة النطق الصريح، اكتفاء بشاهد الحال عن صريح المقال.
والمقصود: أن الشريعة لا ترد حقًّا, ولا تكذب دليلًا، ولا تبطل أمارة صحيحة ، وقد أمر الله سبحانه بالتثبت والتبين (٣) في خبر الفاسق، ولم يأمر برده جملة (٤). فإن الكافر والفاسق قد يقوم على خبره شواهد الصدق، فيجب قبوله والعمل به، وقد استأجر النبي ﷺ في سفر الهجرة دليلًا مُشْرِكًا (٥) على دين قومه، فأمنه، ودفع إليه راحلته (٦). فلا يجوز لحاكم ولا لوالٍ رد الحق بعد ما تبين، وظهرت
стр. 161
أمارته لقول (١) أحد من الناس.
والمقصود أن " البينة" في الشرع: اسم لما يبين الحق ويظهره (٢)، وهي تارة تكون أربعة شهود (٣)، وتارة ثلاثة بالنص في بينة المفلس (٤)، وتارة (٥) شاهدين (٦)، وشاهدًا وامرأتين، وشاهدًا ويمين المدعي، وشاهدًا (٧) واحدًا (٨)، وامرأة واحدة (٩)، وتكون نكولًا ويمينًا (١٠)، أو خمسين يمينًا (١١)، أو أربعة أيمان (١٢)، وتكون شاهد الحال في الصور التي ذكرناها وغيرها. فقوله ﷺ : "البينة على
стр. 162
المُدَّعِي" أي عليه أن يظهر ما يبين صحة دعواه، فإذا ظهر صدقه بطريق من الطرق حكم له.
فصل
ولم يزل حذاق الحكام (١) والولاة يستخرجون الحقوق بالفراسة والأمارات، فإذا ظهرت لم يقدّموا عليها شهادة تخالفها ولا إقرارًا. وقد صرح الفقهاء كلهم بأن الحاكم إذا ارتاب بالشهود فرقهم (٢) وسألهم: كيف تحملوا الشهادة؟ وأين تحملوها؟ وذلك واجب عليه، متى عدل عنه أثم, وجار في الحكم. وكذلك إذا ارتاب بالدعوى سأل المدعي عن سبب الحق، وأين كان، ونظر في الحال: هل (٣) يقتضي صحة ذلك؟ وكذلك إذا ارتاب بمن القول قوله كالأمين (٤) والمدعى عليه وجب عليه أن يستكشف الحال، ويسأل عن القرائن التي تدل على صورة الحال.
وقلَّ حاكم أو وال اعتنى بذلك، وصار له فيه ملكة، إلا وعرف
стр. 163
المحق من المبطل، وأوصل الحقوق إلى أهلها.
فهذا عمر بن الخطاب ﵁، أتته امرأة فشكرت عنده زوجها وقالت: هو من خير أهل الدنيا، يقوم الليل حتى الصباح، ويصوم النهار حتى يمسي، ثم أدركها الحياء، فقال: "جزاك الله خيرًا فقد أحسنت الثناء". فلما ولت قال كعب بن سُور: يا أمير المؤمنين، لقد أبلغت إليك في الشكوى، فقال: وما اشتكت؟ قال: زوجَها. قال: عليَّ بهما. فقال لكعب: اقض بينهما، قال: أقضي وأنت شاهد؟ قال: إنك قد فطنت إلى ما لم أفطن له قال: إن الله تعالى يقول: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣] صم ثلاثة أيام، وأفطر عندها يومًا، وقم ثلاث ليال، وبت عندها ليلة، فقال عمر: "هذا أعجب إليَّ (١) من الأول" فبعثه قاضيًا لأهل البصرة (٢) فكان يقع له في الحكومة من الفراسة أمور عجيبة. وكذلك شريح في فراسته وفطنته.
قال الشعبي: شهدت شريحًا وجاءته امرأة - تخاصم رجلًا - فأرسلت عينيها وبكت. فقلت: يا أبا أمية، ما أظن هذه البائسة (٣) إلا مظلومة. فقال: يا شعبي، إن إخوة يوسف جاءوا أباهم عشاءً
стр. 164
يبكون (١).
وتقدم إلى إياس بن معاوية أربع نسوة، فقال إياس: أما إحداهن فحامل، والأخرى مرضع، والأخرى ثيب، والأخرى بكر. فنظروا فوجدوا الأمر كما قال. قالوا: وكيف عرفت؟ فقال: أما الحامل: فكانت تكلمني وترفع ثوبها عن بطنها، فعلمت أنها حامل، وأما المرضع: فكانت تضرب ثدييها. فعلمت أنها مرضع، وأما الثيب: فكانت تكلمني وعينها في عيني فعلمت أنها ثيب (٢)، وأما البكر: فكانت تكلمني وعينها في الأرض، فعلمت أنها بكر (٣).
وقال المدائني (٤) عن روح (٥): استودع رجل رجلًا من أبناء (٦)
стр. 165
الناس مالًا، ثم رجع فطلبه فجحده، فأتى إياسًا فأخبره. فقال له إياس: انصرف فاكتم أمرك، ولا تعلمه أنك أتيتني، ثم عُد إليَّ بعد يومين. فدعا إياس المُودعَ، فقال: قد حضر مال كثير، وأريد أن أسلمه إليك، أفحصين منزلك؟ قال: نعم. قال: فأَعِدَّ له موضعًا وحمالين. وعاد الرجل إلى إياس، فقال له انطلق إلى صاحبك فاطلب المال. فإن أعطاك فذاك، وإن جحدك فقل له: إني أخبر القاضي (١). فأتى الرجل صاحبه فقال: مالي، وإلا أتيت القاضي، وشكوت إليه، وأخبرته بأمري. فدفع إليه ماله. فرجع الرجل إلى إياس، فقال: قد أعطاني المال. وجاء الأمين إلى إياس لموعده (٢)، فزبره (٣) وانتهره، وقال: لا تقربني يا خائن (٤).
وقال يزيد بن هارون (٥) ﵀: تقلد القضاء بواسط رجل ثقة، فأودع رجل بعض شهوده كيسًا مختومًا، وذكر أن فيه ألف دينار. فلما طالت غيبة الرجل فتق الشاهد الكيس من أسفله وأخذ الدنانير،
стр. 166
وجعل مكانها دراهم، وأعاد الخياطة كما كانت. وجاء صاحبه، فطلب وديعته، فدفع إليه الكيس بختمه لم يتغير، فلما فتحه وشاهد الحال رجع إليه، وقال: إني أودعتك دنانير، والذي (١) دفعت إليَّ دراهم، فقال: هو كيسك بخاتمك فاستَعدى عليه القاضي، فأمر بإحضار المُودَع، فلما صارا بين يديه قال له القاضي: منذ كم أودعك هذا الكيس؟ فقال: منذ خمس عشرة سنة، فأخذ القاضي تلك الدراهم وقرأ سكتها، فإذا فيها ما قد ضرب (٢) من سنتين وثلاث، فأمره بدفع (٣) الدنانير إليه، وأسقطه ونادى عليه (٤).
واستودع رجل لغيره (٥) مالًا، فجحده، فرفعه إلى إياس، فسأله فأنكر، فقال للمدعي: أين دفعته (٦) إليه؟ فقال: في مكان في البرية، فقال: وما كان هناك، قال: شجرة، قال: اذهب إليها فلعلك دفنت المال عندها ونسيت، فتذْكُر إذا رأيت الشجرة، فمضى، وقال للخصم: اجلس حتى يرجع صاحبك، وإياس يقضي وينظر إليه ساعة بعد ساعة. ثم قال له: يا هذا، أترى صاحبك بلغ مكان الشجرة؟ قال: لا، قال: يا عدو الله، إنك خائن، قال: أقلني، قال: أقالك الله، فأمر
стр. 167
من يحتفظ به حتى جاء الرجل، فقال له إياس: اذهب معه فخذ حقك (١).
وجرى نظير هذه القضية (٢) لغيره من القضاة: ادعى عنده رجل أنه سَلَّمَ غريمًا له مالًا وديعة فأنكر، فقال له القاضي: أين سلمته إياه؟ قال: بمسجد ناء عن البلد. قال: اذهب فجئني منه (٣) بمصحف أحلفه عليه، فمضى، واعتقل القاضي الغريم (٤)، ثم قال له: أتراه بلغ المسجد؟ قال: لا. فألزمه بالمال (٥).
وكان القاضي أبو خازم (٦) له في ذلك العجب العُجاب، وكانوا ينكرون عليه، ثم يظهر الحق فيما يفعله (٧).
قال مُكرِّم بن أحمد (٨): كنت في مجلس القاضي أبي خازم فتقدم
стр. 168
رجل شيخ ومعه غلام حَدَثٌ، فادعى الشيخ عليه ألف دينار دينًا (١)، فقال: ما تقول؟ قال: نعم. فقال القاضي للشيخ: ما تشاء؟ قال: حبسه، قال: لا، فقال الشيخ: إن رأى القاضي أن يحبسه فهو أرجى لحصول مالي. فتفرس أبو خازم فيهما ساعة. ثم قال: تلازما حتى أنظر في أمركما في مجلس آخر، فقلت له: لم أخرت حبسه؟ فقال: ويحك، إني أعرف في أكثر الأحوال في وجوه الخصوم وجه المحق من المبطل، وقد صارت لي بذلك دربة (٢) لا تكاد تخطئُ، وقد وقع لي أن سماحة هذا بالإقرار عين كذبه (٣) ولعله ينكشف لي من أمرهما ما أكون معه على بصيرة، أما رأيت قلة تغاضبهما (٤) في المناكرة، وقلة اختلافهما، وسكون طباعهما مع عظم المال؟ وما جرت عادة الأحداث بفرط التورع حتى يُقِرَّ مثل هذا طوعًا عجلًا، منشرح الصدر على هذا المال، قال: فبينما (٥) نحن كذلك نتحدث إذ أتى الآذن يستأذن على القاضي لبعض التجار، فأذن له، فلما دخل قال: أصلح
стр. 169
الله القاضي، إني بليت بولد لي حدث يتلف كل مال يظفر به من مالي في القيان (١) عند فلان. فإذا منعته احتال بحيل تضطرني إلى التزام الغرم عنه (٢). وقد نصب اليوم صاحب القيان يطالب بألف دينار دينًا (٣) حالًّا، وبلغني أنه تقدم إلى القاضي ليقرَّ له فيحبسه (٤)، وأقع مع أمه (٥) فيما ينكد عيشنا إلى أن أقضي عنه، فلما سمعت بذلك بادرت إلى القاضي لأشرح له أمره، فتبسم القاضي، وقال (٦): كيف رأيت؟ فقلت: هذا من فضل الله على القاضي، فقال: عليَّ بالغلام والشيخ. فأرهب أبو خازم الشيخ، ووعظ الغلام. فأقرَّا، فأخذ الرجل ابنه وانصرفا (٧).
وقال أبو السائب (٨): كان ببلدنا رجل مستور الحال، فأحب القاضي قبول قوله، فسأل عنه فَزُكّي عنده سرًّا وجهرًا، فراسله في
стр. 170
حضوره مجلسه في إقامة شهادة (١)، وجلس القاضي وحضر الرجل، فلما أراد إقامة الشهادة لم يقبله القاضي، فسئل عن السبب؟ فقال: انكشف لي أنه مُراء، فلم يسعني قبول قوله، فقيل له: ومن أين علمت ذلك؟ قال: كان يدخل إليَّ في كل يوم فأعدّ خطاه من حيث تقع عيني عليه من الباب إلى مجلسي، فلما دعوته اليوم جاء، فعددت خطاه من ذلك المكان فإذا هي قد زادت ثلاثًا أو نحوها، فعلمت أنه متصنع (٢) فلم أقبله (٣).
وقال ابن قتيبة: شهد الفرزدق عند بعض القضاة، فقال: قد أجزنا شهادة أبي فراس وزِيْدُونا، فقيل له حين انصرف: إنه والله ما أجاز شهادتك (٤).
ولله فراسة إمامِ المتفرسين، وشيخ المتوسمين: عمر بن الخطاب ﵁ الذي لم تكن تخطئُ له فراسة، وكان يحكم بين الأمة بالفراسة المؤيدة بالوحي.
قال الليث بن سعد: أُتِيَ عمر بن الخطاب ﵁ يومًا بفتى أمرد، وقد وُجد قتيلًا ملقى على وجه الطريق، فسأل عمر عن أمره
стр. 171
واجتهد، فلم يقف له على خبر، فشق ذلك عليه، فقال: اللهم أظفرني بقاتله، حتى إذا كان على رأس الحول وُجد صبي مولود ملقى بموضع القتيل، فأتِيَ به عمر، فقال: ظفرت بدم القتيل إن شاء الله تعالى، فدفع الصبي إلى امرأة، وقال: قومي بشأنه، وخذي منا نفقته، وانظري من يأخذه منك (١)، فإذا وجدت امرأة تقبله وتضمه إلى صدرها فأعلميني بمكانها. فلما شبّ الصبي جاءت جارية، فقالت للمرأة: إن سيدتي بعثتني إليك لتبعثي بالصبي لتراه وترده إليك، قالت: نعم، اذهبي به إليها، وأنا معك. فذهبت بالصبي والمرأة معها، حتى دخلت على سيدتها، فلما أخذته فقبلته وضمته إليها (٢)، فإذا هي ابنة شيخ من الأنصار من أصحاب رسول الله ﷺ ، فأتت عمر فأخبرته، فاشتمل على سيفه، ثم أقبل إلى منزل المرأة، فوجد أباها متكئًا على باب داره، فقال: يا فلان، ما فعلت ابنتك فلانة؟ قال: جزاها الله خيرًا يا أمير المؤمنين، هي من أعرف الناس بحق الله وحق أبيها (٣)، مع حسن صلاتها وصيامها، والقيام بدينها. فقال عمر: قد أحببت أن أدخل إليها، فأزيدها رغبة في الخير، وأحثها عليه، فدخل أبوها، ودخل عمر معه. فأمر عمر (٤) من عندها فخرج، وبقي هو والمرأة في البيت، فكشف عمر عن السيف، وقال: اصدقيني (٥)، وإلا ضربت عنقك،
стр. 172
وكان لا يكذب. فقالت: على رسْلك، فوالله لأصدقن: إن عجوزًا كانت تدخل عليَّ فأتخذها أُمّا، وكانت تقوم من أمري كما تقوم به الوالدة. وكنت لها بمنزلة البنت، فمضى لذلك حين (١)، ثم إنها قالت: يا بنية، إنه قد عرض لي سفر، ولي ابنة في موضع أتخوَّف عليها فيه أن تضيع، وقد أحببت أن أضمها إليك حتى أرجع من سفري، فعمدت إلى ابن لها شاب أمرد، فهيأته كهيئة الجارية، وأتتني به، لا أشك أنه جارية، فكان يرى مني ما ترى الجارية من الجارية، حتى اغتفلني يومًا وأنا نائمة، فما شعرت حتى علاني وخالطني، فمددت يدي إلى (٢) شِفْرة (٣) كانت إلى جنبي فقتلته، ثم أمرت به فألقي حيث رأيت (٤)، فاشتملت منه على هذا الصبي، فلما وضعته ألقيته في موضع أبيه، فهذا والله خبرهما على ما أعلمتك. قال: صدقت، ثم أوصاها (٥)، ودعا لها وخرج. وقال لأبيها: نعم الابنة ابنتك، ثم انصرف (٦).
стр. 173
وقال نافع عن ابن عمر: بينما عمر جالس إذْ رأى رجلًا (١)، فقال: "لست ذا رأي إن لم يكن هذا الرجل قد كان ينظر في الكهانة (٢)، ادعوه لي، فدعوه، فقال: هل كنت تنظر وتقول (٣) في الكهانة شيئًا؟ قال: نعم" (٤).
وقال مالك عن يحيى بن سعيد: أن عمر بن الخطاب قال لرجل (٥): "ما اسمك؟ قال: جمرة. قال: ابن مَنْ؟ قال: ابن شهاب. قال: ممن؟ قال: من الحُرقة. قال: أين مسكنك؟ قال: بحَرَّة النار (٦). قال: بأيها؟ قال: بذات لظَى. فقال عمر: أدرك أهلك فقد احترقوا" (٧). فكان كما قال.
стр. 174
ومن فراسته التي تفرد بها عن الأمة أنه قال: "يا رسول الله، لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى؟ فنزلت: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥] ". وقال: "يا رسول الله لو أمرت نساءك أن يحتجبن؟ فنزلت آية الحجاب". واجتمع على رسول الله ﷺ نساؤه في (١) الغَيرة، فقال لهن عمر: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ﴾ [التحريم: ٥]. فنزلت كذلك" (٢).
وشاوره رسول الله ﷺ في الأسرى يوم بدر، فأشار بقتلهم، ونزل
стр. 175
القرآن بموافقته (١). وقد أثنى الله سبحانه على فراسة (٢) المتوسمين، وأخبر أنهم هم المنتفعون بالآيات (٣).
قال عبد الله بن مسعود ﵁: "أفرس الناس ثلاثة: امرأة فرعون فيِ موسى، حيث قالت: ﴿قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾ [القصص: ٩]. وصاحب يوسف (٤)، حيث قال لامرأته (٥): ﴿أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾ [يوسف: ٢١]. وأبو بكر الصديق في عمر ﵄، حيث جعله الخليفة بعده" (٦).
стр. 176
ودخل رجل على عثمان ﵁ فقال له عثمان: يدخل عليَّ أحدكم والزنا في عينيه. فقال: أوحيٌ بعد رسول الله ﷺ ؟ فقال: لا, ولكن فراسة صادقة (١).
ومن هذه الفراسة: أنه ﵁ لما تفَرس أنه مقتول ولا بد أمسكَ عن القتال والدفع عن نفسه، لئلا يجري بين المسلمين قتال وآخر الأمر يقتل هو، فأحب أن يقتل من غير (٢) قتال يقع بين المسلمين (٣).
ومن ذلك: فراسة ابن عمر في الحسين لما ودَّعه، وقال: "أستودعك الله من قتيل" (٤)، ومعه كتب أهل العراق، فكانت فراسة ابن عمر أصدق من كتبهم.
ومن ذلك: أن رجلين من قريش دفعا إلى امرأة مائة دينار وديعة، وقالا: لا تدفعيها إلى واحد منّا دون صاحبه. فلبثا حولًا، فجاء
стр. 177
أحدهما، فقال: إن صاحبي قد مات فادفعي إِلَيَّ الدنانير. فأبت، وقالت: إنكما قلتما لي لا تدفعيها إلى واحد منا دون صاحبه، فلست بدافعتها إليك، فثقل عليها بأهلها وجيرانها حتى دفعتها إليه، ثم لبثت حولًا آخر، فجاء الآخر، فقال: ادفعي إليَّ الدنانير. فقالت: إن صاحبك جاءني فزعم أنك قد مِتَّ، فدفعتها إليه. فاختصما (١) إلى عمر ﵁ فأراد أن يقضي عليها. فقالت: ادفعنا إلى علي بن أبي طالب (٢) ﵁ فعرف علي أنهما قد مكرا بها، فقال: أليس قلتما: لا تدفعيها إلى واحد منّا دون صاحبه؟ قال: بلى، فقال: إن مالك عندها، فاذهب فجئ بصاحبك حتى تدفعه إليكما (٣).
فصل
ومن فراسة الحاكم: ما ذكره حماد بن سلمة عن حميد الطويل: أن إياس بن معاوية اختصم إليه رجلان، استودع أحدهما صاحبه وديعة، فقال صاحب الوديعة: استحلفه بالله مالي عنده وديعة. فقال إياس بن معاوية: بل أستحلفه بالله مالك عنده وديعة (٤) ولا غيرها (٥).
وهذا من أحسن الفراسة، فإنه إذا (٦) قال: "ماله عندي وديعة"
стр. 178
احتمل النفي، واحتمل الإقرار، فينصب "ماله" بفعل محذوف مقدر، أي دفع إلى، أو أعطاني ماله، أو يجعل "ما" موصولة، والجار والمجرور صلتها (١) ووديعة خبر عن "ما" فإذا قال: "ولا غيرها" تعين النفي.
وقال حماد بن سلمة: شهدت إياس بن معاوية يقول في رجل ارتهن رهنًا، فقال المرتهن: رهنته بعشرة. وقال الراهن: رهنته بخمسة، فقال: إن كان للراهن بينة أنه دفع إليه الرهن فالقول ما قال الراهن، وإن لم يكن له بينة بدفع الرهن إليه، والرهن بيد المرتهن، فالقول ما قال المرتهن؛ لأنه لو شاء لجحده (٢) الرهن (٣).
قلت: وهذا قول ثالث في المسألة، وهو من أحسن الأقوال (٤)، فإن إقراره بالرهن - وهو في يده ولا بينة للراهن - دليل على صدقه، وأنه محق، ولو كان مبطلًا لجحده الرهن رأسًا.
ومالك (٥) وشيخنا (٦) رحمهما الله يجعلان القول قول المرتهن، ما لم يزد على قيمة الرهن.
стр. 179
والشافعي (١)، وأبو حنيفة (٢)، وأحمد (٣) ﵏ يجعلون القول قول الراهن مطلقًا.
وقال إياس أيضًا: من أقر بشيء، وليس عليه بينة، فالقول ما قال (٤).
وهذا أيضًا من أحسن القضاء؛ لأن إقراره علَمٌ على صدقه، فإذا ادعى عليه ألفًا, ولا بينة له، فقال: صدق، إلا أني قضيته إياها، فالقول قوله، وكذلك إذا أقر أنه قبض من مورثه وديعة، ولا بينة له، وادعى ردها إليه.
وقال إبراهيم بن مرزوق البصري: جاء رجلان إلى إياس بن
стр. 180
معاوية، يختصمان في قطيفتين: إحداهما حمراء، والأخرى خضراء (١)، فقال أحدهما: دخلت الحوض لأغتسل، ووضعت قطيفتي، ثم (٢) جاء هذا، فوضع قطيفته تحت قطيفتي، ثم دخل فاغتسل، فخرج قبلي، وأخذ قطيفتي فمضى بها، ثم خرجت فتبعته، فزعم أنها قطيفته، فقال: ألك بينة؟ قال: لا. قال: ائتوني بمشط، فأتي بمشط (٣)، فسرح رأس هذا، ورأس هذا، فخرج من رأس أحدهما صوف أحمر، ومن رأس الآخر صوف أخضر، فقضى بالحمراء للذي خرج من رأسه الصوف الأحمر، وبالخضراء للذي خرج من رأسه الصوف الأخضر (٤).
وقال معتمر بن سليمان، عن زيد (٥) أبي العلاء (٦): شهدت