← Сияса и кади

Сияса и кади · id 18159

الطرق الحكمية في السياسة الشرعية - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (1 013 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

ودخل رجل على عثمان ﵁ فقال له عثمان: يدخل عليَّ أحدكم والزنا في عينيه. فقال: أوحيٌ بعد رسول الله ﷺ ؟ فقال: لا, ولكن فراسة صادقة (١). ومن هذه الفراسة: أنه ﵁ لما تفَرس أنه مقتول ولا بد أمسكَ عن القتال والدفع عن نفسه، لئلا يجري بين المسلمين قتال وآخر الأمر يقتل هو، فأحب أن يقتل من غير (٢) قتال يقع بين المسلمين (٣). ومن ذلك: فراسة ابن عمر في الحسين لما ودَّعه، وقال: "أستودعك الله من قتيل" (٤)، ومعه كتب أهل العراق، فكانت فراسة ابن عمر أصدق من كتبهم. ومن ذلك: أن رجلين من قريش دفعا إلى امرأة مائة دينار وديعة، وقالا: لا تدفعيها إلى واحد منّا دون صاحبه. فلبثا حولًا، فجاء

стр. 177

أحدهما، فقال: إن صاحبي قد مات فادفعي إِلَيَّ الدنانير. فأبت، وقالت: إنكما قلتما لي لا تدفعيها إلى واحد منا دون صاحبه، فلست بدافعتها إليك، فثقل عليها بأهلها وجيرانها حتى دفعتها إليه، ثم لبثت حولًا آخر، فجاء الآخر، فقال: ادفعي إليَّ الدنانير. فقالت: إن صاحبك جاءني فزعم أنك قد مِتَّ، فدفعتها إليه. فاختصما (١) إلى عمر ﵁ فأراد أن يقضي عليها. فقالت: ادفعنا إلى علي بن أبي طالب (٢) ﵁ فعرف علي أنهما قد مكرا بها، فقال: أليس قلتما: لا تدفعيها إلى واحد منّا دون صاحبه؟ قال: بلى، فقال: إن مالك عندها، فاذهب فجئ بصاحبك حتى تدفعه إليكما (٣). فصل ومن فراسة الحاكم: ما ذكره حماد بن سلمة عن حميد الطويل: أن إياس بن معاوية اختصم إليه رجلان، استودع أحدهما صاحبه وديعة، فقال صاحب الوديعة: استحلفه بالله مالي عنده وديعة. فقال إياس بن معاوية: بل أستحلفه بالله مالك عنده وديعة (٤) ولا غيرها (٥). وهذا من أحسن الفراسة، فإنه إذا (٦) قال: "ماله عندي وديعة"

стр. 178

احتمل النفي، واحتمل الإقرار، فينصب "ماله" بفعل محذوف مقدر، أي دفع إلى، أو أعطاني ماله، أو يجعل "ما" موصولة، والجار والمجرور صلتها (١) ووديعة خبر عن "ما" فإذا قال: "ولا غيرها" تعين النفي. وقال حماد بن سلمة: شهدت إياس بن معاوية يقول في رجل ارتهن رهنًا، فقال المرتهن: رهنته بعشرة. وقال الراهن: رهنته بخمسة، فقال: إن كان للراهن بينة أنه دفع إليه الرهن فالقول ما قال الراهن، وإن لم يكن له بينة بدفع الرهن إليه، والرهن بيد المرتهن، فالقول ما قال المرتهن؛ لأنه لو شاء لجحده (٢) الرهن (٣). قلت: وهذا قول ثالث في المسألة، وهو من أحسن الأقوال (٤)، فإن إقراره بالرهن - وهو في يده ولا بينة للراهن - دليل على صدقه، وأنه محق، ولو كان مبطلًا لجحده الرهن رأسًا. ومالك (٥) وشيخنا (٦) رحمهما الله يجعلان القول قول المرتهن، ما لم يزد على قيمة الرهن.

стр. 179

والشافعي (١)، وأبو حنيفة (٢)، وأحمد (٣) ﵏ يجعلون القول قول الراهن مطلقًا. وقال إياس أيضًا: من أقر بشيء، وليس عليه بينة، فالقول ما قال (٤). وهذا أيضًا من أحسن القضاء؛ لأن إقراره علَمٌ على صدقه، فإذا ادعى عليه ألفًا, ولا بينة له، فقال: صدق، إلا أني قضيته إياها، فالقول قوله، وكذلك إذا أقر أنه قبض من مورثه وديعة، ولا بينة له، وادعى ردها إليه. وقال إبراهيم بن مرزوق البصري: جاء رجلان إلى إياس بن

стр. 180

معاوية، يختصمان في قطيفتين: إحداهما حمراء، والأخرى خضراء (١)، فقال أحدهما: دخلت الحوض لأغتسل، ووضعت قطيفتي، ثم (٢) جاء هذا، فوضع قطيفته تحت قطيفتي، ثم دخل فاغتسل، فخرج قبلي، وأخذ قطيفتي فمضى بها، ثم خرجت فتبعته، فزعم أنها قطيفته، فقال: ألك بينة؟ قال: لا. قال: ائتوني بمشط، فأتي بمشط (٣)، فسرح رأس هذا، ورأس هذا، فخرج من رأس أحدهما صوف أحمر، ومن رأس الآخر صوف أخضر، فقضى بالحمراء للذي خرج من رأسه الصوف الأحمر، وبالخضراء للذي خرج من رأسه الصوف الأخضر (٤). وقال معتمر بن سليمان، عن زيد (٥) أبي العلاء (٦): شهدت

стр. 181

إياس بن معاوية اختصم إليه رجلان، فقال أحدهما: إنه باعني جارية رعْناء، فقال إياس: وما عسى أن تكون هذه (١) الرعونة (٢)؟ قال: شبه الجنون. فقال إياس: يا جارية، أتذكرين متى ولدت؟ قالت: نعم. قال: فأي رجليك أطول؟ قالت: هذه. فقال إياس: ردها، فإنها مجنونة (٣). وقال أبو الحسن المدائني عن عبد الله بن مصعب (٤): أن معاوية بن قُرَّة شهد عند ابنه إياس بن معاوية - مع رجال عدَّلهم (٥) - على رجل بأربعة آلاف درهم، فقال المشهود عليه: يا أبا وائلة، تَثبَّت في أمري، فوالله ما أشهدتهم إلا بألفين. فسأل إياس أباه والشهود: أكان في الصحيفة التي شهدوا عليها فضل؟ قالوا: نعم، كان الكتاب في أولها والطينة (٦) في وسطها، وباقي الصحيفة أبيض. قال: أفكان المشهود له يلقاكم أحيانًا، فيذكركم شهادتكم بأربعة آلاف

стр. 182

درهم (١)؟ قالوا: نعم، كان لا يزال يلقانا، فيقول: اذكروا (٢) شهادتكم على فلان بأربعة آلاف درهم، فصرفهم، ودعا المشهود له. فقال: يا عدو الله، تغفلت قومًا صالحين مغفلين، فأشهدتهم على صحيفة جعلت طينتها (٣) في وسطها، وتركت فيها بياضًا في أسفلها، فلما ختموا الطينة (٤) قطعت الكتاب الذي فيه حقك ألفا درهم، وكتبت في البياض أربعة آلاف فصارت الطينة (٥) في آخر الكتاب، ثم كنت تلقاهم فتلقنهم، وتذكرهم أنها أربعة آلاف، فأقر بذلك، وسأله الستر عليه (٦). فحكم له بألفين وستر عليه (٧). وقال نعيم بن حماد عن إبراهيم بن مرزوق (٨) البصري: كنا عند إياس بن معاوية، قبل أن يُستقضى، وكنا نكتب عنه الفراسة، كما نكتب عن المحدث الحديث، إذ جاء رجل، فجلس على دكان مرتفع بالمِرْبَد (٩)، فجعل يترصد الطريق، فبينما هو كذلك إذ نزل فاستقبل رجلًا، فنظر إلى وجهه، ثم رجع إلى موضعه، فقال إياس:

стр. 183

قولوا (١) في هذا الرجل، فقالوا: ما (٢) نقول؟ رجل طالب حاجة. فقال: هو معلم صبيان (٣)، قد أبق (٤) له غلام أعور، فقام إليه بعضنا فسأله عن حاجته، فقال: هو (٥) غلام لي آبق. قالوا: وما صفته؟ قال: كذا وكذا، وإحدى عينيه ذاهبة، قلنا: وما صنعتك؟ قال: أعلّم الصبيان. فقلنا لإياس: كيف علمت ذلك؟ قال: رأيته جاء، فجعل يطلب (٦) موضعًا يجلس فيه، فنظر إلى أرفع شيء يقدر عليه فجلس عليه، فنظرت في قَدْره فإذا ليس قدره قدر الملوك، فنظرت فيمن اعتاد في جلوسه جلوس الملوك، فلم أجدهم إلا المعلمين، فعلمت أنه معلم صبيان، فقلنا: كيف علمت أنه أبق له غلام؟ قال: إني رأيته يترصد الطريق، ينظر في وجوه الناس. قلنا: كيف علمت أنه أعور؟ قال: بينما هو كذلك إذ نزل فاستقبل رجلًا قد ذهبت إحدى عينيه، فعلمت أنه شبهه بغلامه (٧). وقال الحارث بن مرة (٨): نظر إياس بن معاوية إلى رجل، فقال:

стр. 184

هذا غريب، وهو (١) من أهل واسط، وهو معلم، وهو يطلب عبدًا له آبق. فوجدوا الأمر كما قال (٢). فسألوه؟ فقال: رأيته يمشي ويلتفت، فعلمت أنه غريب، ورأيته وعلى ثوبه حمرة تربة واسط فعلمت أنه من أهلها، ورأيته يمر بالصبيان فيسلم عليهم ولا يسلم على الرجال، فعلمتُ أنه معلم، ورأيته إذا مر بذي هيئة لم يلتفت إليه، وإذا مر بذي أسمال تأمله، فعلمت أنه يطلب آبقًا (٣). وقال هلال بن العلاء الرقي عن القاسم بن منصور عن عمر (٤) بن بكير (٥): مرَّ إياس بن معاوية، فسمع قراءة من عِلَّية، فقال: هذه قراءة امرأة حامل بغلام، فسئل، كيف عرفت ذلك؟ فقال: سمعت صوتًا (٦) ونفسها يخالطه (٧)، فعلمت أنها حامل وسمعت صوتًا (٨) وصحلًا (٩)، فعلمت أن الحمل غلام، ومرَّ بعد ذلك بكتَّاب فيه

стр. 185

صبيان، فنظر إلى صبي منهم، فقال: هذا ابن تلك المرأة فكان كما قال (١). وقال رجل لإياس بن معاوية (٢): علمني القضاء. فقال: إن القضاء لا يعلّم، إنما القضاء فَهْم، ولكن قل: علمني من (٣) العلم (٤). وهذا هو سر المسألة، فإن الله يقول: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (٧٨) فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء: ٧٨، ٧٩] فخص سليمان بفهم القضية، وعمّهما بالعلم (٥). وكذلك كتب عمر إلى قاضيه أبي موسى في كتابه المشهور: "والفَهْمَ الفَهْمَ فِيما أُدْلِيَ إِلَيْكَ" (٦).

стр. 186

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 187

والذي اختص به إياس وشريح مع مشاركتهما لأهل عصرهما في العلم: الفهم في الواقع، والاستدلال بالأمارات وشواهد الحال، وهذا الذي فات كثيرًا من الحكام، فأضاعوا كثيرًا من الحقوق (١). فصل ومن أنواع الفراسة: ما أرشدت إليه السنة النبوية من التخلص من المكروه بأمر سهل جدًّا، من تعريض بقول أو فعل. فمن ذلك: ما رواه الإِمام أحمد في "مسنده" عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رجل: يا رسول الله، إن لي جارًا يؤذيني. فقال: "انطلق، فأخرج (٢) متاعك إلى الطريق". فانطلق، فأخرج متاعه. فاجتمع الناس إليه (٣)، فقالوا: ما شأنك؟ قال: إن لي جارًا (٤) يؤذيني. فجعلوا يقولون: اللهم العنه، اللهم أخرجه. فبلغه ذلك، فأتاه فقال: ارجع إلى منزلك، فوالله لا أوذيك أبدًا (٥).

стр. 188

فهذه وأمثالها هي الحيل (١) التي أباحتها الشريعة، وهي تَحيُّل الإنسان بفعل مباح على تخلصه من ظلم غيره وأذاه، لا الاحتيال على إسقاط فرائض الله واستباحة محارمه (٢). وفي "المسند" و"السنن" عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ أَحْدَثَ في صَلاتِهِ فَلْيَنْصَرِفْ، فإِنْ كان في صلاة جماعَةٍ فَلْيَأْخُذْ بِأَنْفِهِ وَلْيَنْصَرِف" (٣).

стр. 189

وفي السنة كثير مِن ذِكْرِ (١) المعاريض (٢) التي لا تُبطل حقًّا (٣)، ولا تُحق باطلًا كقوله ﷺ للسائل (٤): ممن أنتم؟ قالوا: "نحن من ماء" (٥). وقوله للذي ذهب بغريمه ليقتله: "إِنْ قَتَلَهُ فهُوَ مِثْلُه" (٦).

стр. 190

وكان إذا أراد غزوة ورَّى (١) بغيرها (٢). وكان الصديق ﵁ يقول في سفر الهجرة لمن يسأله عن النبي ﷺ : من هذا بين يديك؟ فيقول: "هاد يدلني على الطريق" (٣). وكذلك الصحابة من بعده. فروى زيد بن أسلم عن أبيه قال: قَدِمَتْ على عمر بن الخطاب ﵁ حُلل (٤) من اليمن، فقسمها بين الناس، فرأى فيها حلةً رديئةً، فقال: كيف أصنع بهذه؟ إن أحدًا لم يقبلها، فطواها وجعلها تحت مجلسه، وأخرج طرفها، ووضع الحلل بين يديه، فجعل يقسم بين الناس. فدخل الزبير وهو على تلك الحال، فجعل ينظر إلى تلك الحلة، فقال: ما هذه الحلة؟ فقال عمر: دعها عنك، قال: ما شأنها؟ قال: دعها. قال: فأعطنيها. قال: إنك لا ترضاها، قال: بلى، قد

стр. 191

رضيتها. فلما توثق منه، واشترط عليه ألا يردها، رمى بها إليه، فلما نظر إليها إذا هي رديئة، قال: لا أريدها، قال عمر: أيهات (١)، قد فرغت منها. فأجازها عليه، ولم يقبلها (٢). قال عبد الله بن سَلَمَة: سمعت عليًّا يقول: "لا أغسل رأسي بغسل حتى آتي البصرة فأحرقها، وأسوق الناس بعصاي إلى مصر" (٣)، فأتيت أبا مسعود البدري، فأخبرته، فقال: "إن عليًّا يورد الأمور موارد لا تحسنون تصدرونها، عليٌّ لا يغسل رأسه بغسل، ولا يأتي البصرة، ولا يحرقها, ولا يسوق الناس عنها بعصاه، عليٌّ رجل أصلع إنما على رأسه مثل الطست إنما حوله شعرات" (٤). ومن ذلك تعريض عبد الله بن رواحة لامرأته بإنشاد شعر يوهم أنه يقرأ، ليتخلص من أذاها له حين واقع جاريته (٥).

стр. 192

وتعريض محمَّد بن مسلمة لكعب بن الأشرف حين أمّنه بقوله: "إن هذا الرجل قد أخذنا بالصدقة وقد عنَّانا" (١). وتعريض الصحابة لأبي رافع اليهودي (٢). فصل ومن ذلك: قول عبد الرحمن بن أبي ليلى (٣) الفقيه - وقد أقيم على دكان ليلعن علي بن أبي طالب بعد صلاة الجمعة - فقام على الدكان، وقال: إن الأمير (٤) أمرني أن ألعن علي بن أبي طالب، فالعنوه

стр. 193

لعنه الله (١). ومن ذلك: تعريض الحجاج بن علاط، بل تصريحه لامرأته (٢) , بهزيمة الصحابة وقتلهم، حتى أخذ ماله منها (٣). فصل (٤) ومن الفراسة الصادقة: فراسة خزيمة بن ثابت، حين قدم وشهد

стр. 194

على عقد التبايع بين الأعرابي (١) ورسول الله ﷺ ، ولم يكن حاضرًا، تصديقًا لرسول الله ﷺ في جميع ما يخبر به (٢). ومنها: فراسة حذيفة بن اليمان، وقد بعثه رسول الله ﷺ عينًا إلى المشركين فجلس بينهم. فقال أبو سفيان: لينظر كل منكم جليسه (٣)، فبادر حذيفة وقال لجليسه: من أنت؟ فقال: فلان بن فلان (٤).

стр. 195

ومنها: فراسة المغيرة بن شعبة، وقد استعمله عمر على البحرين. فكرهه أهلها فعزله عمر، فخافوا أن يرده عليهم. فقال دهقانهم (١): إن فعلتم ما آمركم به لم يرده علينا. قالوا: مُرْنا بأمرك. قال: تجمعون مائة ألف درهم، حتى أذهب بها إلى عمر، وأقول: إن المغيرة اختان (٢) هذا، ودفعه إليَّ، فجمعوا ذلك. فأتى عمر فقال: يا أمير المؤمنين، إن المغيرة اختان هذا (٣)، فدفعه إليَّ. فدعا عمر المغيرة، فقال: ما يقول هذا (٤)؟ قال: كذب، أصلحك الله، إنما كانت مائتي ألف، فقال: ما حملك على ذلك؟ قال: العيال والحاجة. فقال عمر للدهقان: ما تقول؟ فقال: لا والله، لأصدقنك، والله ما دفع إليَّ قليلًا ولا كثيرًا. ولكن كرهناه وخشينا أن ترده إلينا، فقال عمر للمغيرة: ما حملك على هذا؟ قال: الخبيث كذب عليَّ فأردت أن أخزيه (٥). وخطب المغيرة بن شعبة وفتى من العرب امرأة، وكان الفتى

стр. 196

جميلًا، فأرسلت إليهما المرأة: لا بد أن أراكما، وأسمع كلامكما، فاحضرا إن شئتما. فأجلستهما بحيث تراهما، فعلم المغيرة أنها تؤثر عليه الفتى، فأقبل عليه، فقال: لقد أوتيت حسنًا وجمالًا وبيانًا (١). فهل عندك سوى ذلك؟ قال: نعم. فعدد عليه محاسنه، ثم سكت. فقال المغيرة: فكيف حسابك؟ فقال: لا (٢) يسقط عليّ منه شيء، وإني لأستدرك منه أقل من الخردلة، فقال له المغيرة: لكني أضع البَدْرَة (٣) في زاوية البيت، فينفقها أهل بيتي على ما يريدون، فما أعلم بنفادها حتى يسألوني غيرها، فقالت المرأة: والله لهذا الشيخ الذي لا يحاسبني أحب إليَّ من الذي يحصي عليَّ أدنى (٤) من الخردلة. فتزوجت المغيرة (٥). ومنها: فراسة عمرو بن العاص لما حاصر غزَّة (٦)، فبعث إليه صاحِبُها: أن أرسل إليَّ رجلًا من أصحابك أكلمه. ففكر عمرو بن العاص (٧)، وقال: ما لهذا الرجل غيري، فخرج حتى دخل عليه، فكلمه

стр. 197

كلامًا لم يسمع مثله (١) قط. فقال له: حدثني، هل أحد من أصحابك مثلك؟ فقال: لا تسل، من هواني عندهم بعثوني إليك، وعرَّضوني لما عرضوني، ولا يدرون ما يصنع بي. فأمر له بجائزة (٢) وكسوة، وبعث إلى البواب: إذا مرَّ بك فاضرب عنقه، وخذ ما معه. فمر برجل من نصارى غسان فعرفه، فقال: يا عمرو قد أحسنت الدخول، فأحسن الخروج. فرجع، فقال له الملك: ما ردك إلينا؟ قال: نظرت فيما أعطيتني فلم أجد ذلك يسع (٣) بني عمي، فأردت الخروج، فآتيك بعشرة منهم تعطيهم هذه العطية فيكون معروفك عند عشرة رجال خيرًا من أن يكون عند واحد. قال: صدقت عجّل (٤) بهم. وبعث إلى البواب: خلّ سبيله. فخرج عمرو وهو يلتفت، حتى إذا أَمِنَ قال: لا عدت لمثلها (٥). فلما كان بعدُ رآه الملك، فقال: أنت هو؟ قال: نعم، على ما كان من غدرك (٦). ومن ذلك: فراسة الحسن بن علي ﵄ لما جيء إليه بابن مُلْجِم قال له: أريد أُسارّك بكلمة. فأبى الحسن، وقال: تريد أن تَعضَّ أذني. فقال ابن ملجم: والله لو أمكنتني منها لأخذتها من

стр. 198

صماخيها (١). قال أبو الوفاء ابن عقيل: فانظر إلى حسن رأي هذا السيد الذي قد نزل به من (٢) المصيبة العاجلة ما يذهل (٣) الخلق، وفطنته إلى هذا الحد، وإلى ذلك اللعين كيف لم يشغله حاله عن استزادة (٤) الجناية (٥). ومن ذلك: فراسة أخيه الحسين ﵄: أن رجلًا ادعى عليه مالًا. فقال الحسين: ليحلف على ما ادعاه ويأخذه، فتهيأ الرجل لليمين، وقال: والله الذي لا إله إلا هو. فقال الحسين: قل: والله، والله، والله إن هذا الذي تدعيه عندي، وفي (٦) قِبَلي. ففعل الرجل ذلك، وقام فاختلفت رجلاه وسقط ميتًا. فقيل للحسين: لم فعلت ذلك؟ أي عدلت عن قوله: والله الذي لا إله إلا هو إلى قوله: والله والله والله. فقال: كرهت أن يثني على الله، فيحلم عنه (٧). ومن ذلك: فراسة العباس ﵁ ما ذكره مجاهد قال: "بينما رسول الله ﷺ في أصحابه إذ وجد ريحًا. فقال: "ليقم صاحب هذه الريح فليتوضأ". فاستحيا الرجل، ثم

стр. 199

قال (١): "ليقم صاحب هذه فليتوضأ، فإن الله لا يستحي من الحق" فقال العباس: ألا نقوم كلنا نتوضأ؟ " (٢) هكذا رواه الفريابي (٣) عن الأوزاعي مرسلًا (٤)، ووصله عنه (٥) محمد بن مصعب (٦) القرقساني (٧)، فقال: عن مجاهد عن ابن عباس ﵄. وقد جرت مثل هذه القصة في مجلس عمر ﵁. قال الشعبي: كان عمر ﵁ في بيت، ومعه جرير بن عبد الله البجلي، فوجد عمر ريحًا، فقال: عزمت على صاحب هذه الريح لما قام فتوضأ. فقال جرير: يا أمير المؤمنين، أو يتوضأ القوم جميعًا.

стр. 200

فقال عمر: يرحمك الله نِعْم السيد كنت في الجاهلية، ونِعْم السيد أنت في الإسلام (١). ومن أحسن الفراسة: فراسة عبد الملك بن مروان لما بعث الشعبي إلى ملك الروم فحسد المسلمين عليه. فبعث معه ورقة لطيفة إلى عبد الملك. فلما قرأها قال: تدري ما فيها؟ قال: لا. قال: فيها "عجبٌ، كيف ملكت العرب غير هذا؟ " أفتدري ما أراد؟ قال: لا. قال: حسدني بك، فأراد أن أقتلك. فقال الشعبي: لو رآك يا أمير المؤمنين (٢) ما استكبرني. فبلغ ذلك ملك الروم، فقال: والله ما أخطأ ما كان في نفسي (٣). ومن دقيق الفطنة: أنك لا ترد (٤) على المطاع خطأه بين الملأ، فتحمله رتبته على نصرة الخطأ. وذلك خطأ ثان، ولكن تلطف في إعلامه به، حيث لا يشعر به غيره. ومن دقيق الفراسة: أن المنصور جاءه رجل، فأخبره أنه خرج في

стр. 201

تجارة فكسب مالًا، فدفعه إلى امرأته، ثم طلبه (١) فذكرت أنه سرق من البيت ولم ير نقبًا ولا أمارة، فقال المنصور: منذ كم تزوجتها؟ قال: منذ سنة، قال: بكرًا أو ثيبًا؟ قال: ثيبًا، قال: فلها ولد من غيرك؟ قال: لا (٢)، فدعا له المنصور بقارورة طيب كان (٣) يتخذ له حادّ الرائحة، غريب النوع، فدفعها إليه، وقال له: تطيب من هذا الطيب، فإنه يذهب غمك. فلما خرج الرجل من عنده قال المنصور لأربعة من ثقاته: ليقعد على كل باب من أبواب المدينة واحد منكم فمن شمَّ منكم رائحة هذا الطيب من أحد فليأت به. وخرج الرجل بالطيب فدفعه إلى امرأته، فلما شمته بعثت منه (٤) إلى رجل كانت تحبه، وقد كانت دفعت إليه المال، فتطيب منه، ومر مجتازًا ببعض أبواب المدينة، فشم الموكل بالباب رائحته عليه (٥)، فأتى به المنصور، فسأله: من أين لك هذا الطيب؟ فلجلج (٦) في كلامه. فدفعه (٧) إلى والي الشرطة، فقال: إن أحضر لك (٨) كذا وكذا من المال فخل عنه، وإلا اضربه ألف سوط. فلما جرد للضرب أحضر المال (٩) على هيئته، فدعا المنصورُ صاحبَ

стр. 202

المال، فقال: أرأيت إن رددت عليك (١) مالك تحكمني في امرأتك؟ قال: نعم. قال: هذا مالك، وقد طلقت المرأة منك (٢). فصل ومنها أن شريكًا دخل على المهدي، فقال للخادم: هات عودًا للقاضي - يعني البخور - فجاء الخادم بعود يضرب به، فوضعه في حجر شريك، فقال: ما هذا؟ فبادر المهدي، وقال: هذا عود أخذه صاحب العسس البارحة، فأحببت أن يكون كسره على يديك، فدعا له وكسره (٣). ومن ذلك: ما يذكر عن المعتضد بالله، أنه كان جالسًا يشاهد الصناع، فرأى فيهم أسود منكر الخلقة، شديد المرح، يعمل ضعف ما يعمل الصناع، ويصعد مرقاتين مرقاتين، فأنكر أمره، فأحضره وسأله عن أمره؟ فلجلج، فقال لبعض جلسائه ما تقولون (٤)؟ أي شيء يقع لكم في أمره؟ قالوا: ومَن هذا حتى تصرف فكرك إليه؟ لعله لا عيال له، وهو خالي القلب، فقال: قد خمَّنتُ في أمره تخمينًا، ما أحسبه باطلًا: إما أن يكون معه دنانير، وقد ظفر بها دفعة (٥)، أو يكون لصًّا

стр. 203

يتستر بالعمل، فدعا به، واستدعى بالضرّاب فضربه، وحلف له إن لم يصدقْه أن يضرب عنقه، فقال: لي الأمان، قال: نعم، إلا فيما يجب عليك بالشرع. فظن أنه قد أمنه، فقال: كنت أعمل في الآجُر (١)، فاجتاز رجل في وسطه هِمْيان (٢)، فجاء إلى مكان فجلس وهو لا يعلم مكاني، فحل الهميان وأخرج منه دنانير فتأملته (٣)، وإذا كله دنانير فبادرته (٤) وكتفته وشددت (٥) فاه، وأخذت الهميان، وحملته على كتفي وطرحته في الأتون (٦) وطيَّنته. فلما كان بعد ذلك أخرجت عظامه فطرحتها في دجلة. فأنفذ المعتضد من أحضر الدنانير من منزله، وإذا على الهميان مكتوب: فلان بن فلان، فنادى في البلد باسمه، فجاءت امرأة فقالت: هذا زوجي، ولي منه هذا الطفل، خرج وقت كذا وكذا ومعه ألف دينار: فغاب إلى الآن. فسلم الدنانير إليها (٧)، وأمرها أن تعتد، وأمر بضرب عنق الأسود، وحمل (٨) جثته إلى ذلك الأتون (٩).

стр. 204

وكان للمعتضد من ذلك عجائب، منها: أنه قام ليلة، فإذا غلام قد وثب على ظهر غلام، فاندس بين الغلمان فلم يعرفه، فجاء فجعل يضع يده على فؤاد واحد بعد واحد، فيجده ساكنًا، حتى وضع يده (١) على فؤاد ذلك الغلام، فإذا به يخفق خفقًا (٢) شديدًا، فركضه برجله، واستقره، فأقر، فقتله (٣). ومنها: أنه رُفِع إليه أن (٤) صيادًا ألقى شبكته في دجلة، فوقع فيها جراب فيه كف مخضوبة بحناء، وأُحضر بين يديه، فهاله ذلك، وأمر الصياد أن يعاود طرح الشبكة هنالك ففعل، فأخرج جرابًا آخر فيه رجْل، فاغتم المعتضد وقال: معي في البلد من يفعل هذا ولا أعرفه؟ ثم أحضر ثقة له وأعطاه (٥) الجراب، وقال: طف به على كل من يعمل الجُرُبَ ببغداد، فإن عرفه أحد منهم فاسأله عمن باعه منه، فإذا دلك عليه فاسأل (٦) المشتري عن ذلك ونقِّر (٧) عن خبره. فغاب الرجل ثلاثة أيام، ثم عاد، فقال: لا زلت أسأل عن خبره حتى انتهى إلى فلان الهاشمي، اشتراه مع عشرة جُرُب، وشكا البائع شره وفساده، ومن جملة ما قال أنه كان يعشق فلانة المغنية وأنه غيبها، فلا يعرف لها

стр. 205

خبر، وادعى أنها هربت، والجيران يقولون: إنه (١) قتلها. فبعث المعتضد من كَبَسَ منزل الهاشمي وأحضره، وأحضر اليد والرجل، وأراه إياهما، فلما رآهما انتقع لونه، وأيقن بالهلاك واعترف. فأمر المعتضد بدفع ثمن الجارية إلى مولاها، وحبس الهاشمي حتى مات في الحبس (٢). فصل ومن محاسن الفراسة: أن الرشيد رأى في داره حزمة خيزران، فقال لوزيره الفضل بن الربيع: ما هذه؟ قال عروق الرماح يا أمير المؤمنين، ولم يقل الخيزران لموافقة اسم أمه (٣). ونظير هذا: أن بعض الخلفاء سأل ولده - وفي يده مسواك - ما جمع هذا؟ قال: ضدُّ محاسنك (٤) يا أمير المؤمنين. وهذا من الفراسة في تحسين اللفظ. وهو باب عظيم النفع، اعتنى به الأكابر والعلماء. وله شواهد كثيرة في السنة وهو من خاصية العقل والفطنة.

стр. 206

فقد روينا عن عمر ﵁: أنه خرج يَعُسُّ (١) المدينة بالليل، فرأى نارًا موقدة في خباء، فوقف وقال: "يا أهل الضوء". وكره أن يقول: يا أهل النار (٢). وسأل رجلًا عن شيء: "هل كان؟ " قال: لا، أطال الله بقاءك، فقال: "قد عُلِّمتم فلم تتعلموا، هلّا قلت: لا، وأطال الله بقاءك" (٣). وسئل العباس: أنت أكبر أم (٤) رسول الله ﷺ ؟ فقال: هو أكبر مني، وأنا ولدت قبله (٥). وسئل عن ذلك قباث (٦) بن أشيم، فقال: رسول الله ﷺ أكبر مني، وأنا أسن منه (٧).

стр. 207

وكان لبعض القضاة جليس أعمى، فكان إذا أراد أن ينهض يقول: يا غلام، اذهب مع أبي محمد، ولا يقول: خذ بيده، قال: والله ما أخلَّ بها مرة واحدة (١). ومن ألطف ما يحكى في ذلك: أن بعض الخلفاء سأل رجلًا عن اسمه؟ فقال: سعد يا أمير المؤمنين، فقال: أيّ السعود أنت؟ قال: سعد السعود لك يا أمير المؤمنين، وسعد الذابح لأعدائك، وسعد بَلَع على سماطك، وسعد الأخبية لسرك (٢)، فأعجبه ذلك. ويشبه هذا: أن مَعْن بن زائدة دخل على المنصور، فقارب في خطوه، فقال له المنصور: كبرت سنك يا معن، قال: في طاعتك يا أمير المؤمنين. قال: إنك لجَلْد. قال: على أعدائك. قال: وإن فيك

стр. 208

لبقية. قال: هي لك (١). وأصل هذا الباب: قوله تعالى: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ﴾ [الإسراء: ٥٣] فالشيطان ينزغ بينهم (٢) إذا كلم بعضهم بعضًا بغير التي هي أحسن، فرب حرب كان وقودها جُثث وهام (٣)، أهاجها قبيح الكلام. وفي "الصحيحين" (٤) من حديث سهل بن حنيف، قال: قال رسول الله: "لا يقُولَنَّ أَحَدُكُمْ: خَبُثَتْ نَفْسي، ولَكِنْ لِيَقُلْ: لَقِسَتْ (٥) نَفْسِي" وخبثت ولقست وغثت متقاربة المعنى. فكره رسول الله ﷺ لفظ "الخبث" لبشاعته، وأرشدهم إلى العدول إلى لفظ أحسن منه، وإن كان بمعناه، تعليمًا للأدب في المنطق، وإرشادًا إلى استعمال الحسن، وهجر القبيح في الأقوال، كما أرشدهم إلى ذلك في الأخلاق والأفعال (٦).

стр. 209

فصل ومن عجيب الفراسة ما ذُكر عن أحمد بن طولون: أنه بينما هو في مجلس له يتنزه (١) فيه، إذ رأى سائلًا في ثوب خلق، فوضع دجاجة على رغيف وحلوى وأمر بعض الغلمان فدفعه إليه، فلما وقع في يده لم يهش له ولم يعبأ به، فقال للغلام: جئني به، فلما وقف قدامه استنطقه، فأحسن الجواب، ولم يضطرب من هيبته، فقال: هات الكتب (٢) التي معك، واصدقني من بعثك، فقد صح عندي أنك صاحب خبر. وأحضر السياط، فاعترف، فقال بعض جلسائه: هذا والله السحر، قال: ما هو بسحر، ولكن فراسة صادقة، رأيت سوء حاله، فوجهت إليه بطعام يشره إلى أكله الشبعان، فما هش له، ولا مد يده إليه، فأحضرته فتلقاني بقوة جأش، فلما رأيت رثاثة (٣) حاله، وقوة جأشه، علمت أنه صاحب خبر، فكان كذلك (٤). ورأى يومًا حمالًا يحمل صنًّا (٥) وهو يضطرب تحته، فقال: لو

стр. 210

كان هذا الاضطراب من ثقل المحمول لغاصت عنق الحمال، وأنا أرى عنقه بارزة، وما أرى (١) هذا الأمر (٢) إلا من خوف، فأمر بحط الصن، فإذا فيه جارية قد قتلت (٣) وقطعت، فقال: اصدقني عن حالها، فقال: أربعة نفر في الدار الفلانية أعطوني هذه الدنانير، وأمروني بحمل هذه المقتولة، فضربه وقتل الأربعة (٤). وكان يتنكر ويطوف ويستمع (٥) قراءة الأئمة، فدعا ثقته، وقال: خذ هذه الدنانير، وأعطها إمام مسجد كذا، فإنه فقير مشغول القلب. ففعل، وجلس معه وباسطه، فوجد زوجته قد ضربها الطلق (٦)، وليس معه ما يحتاج إليه. فقال: صدق، عرفت شغل قلبه في كثرة غلطه في القراءة (٧). ومن ذلك: أن اللصوص أخذوا في زمن المكتفي بالله مالًا عظيمًا، فألزم المكتفي صاحب الشرطة بإخراج اللصوص، أو غرامة المال، فكان يركب وحده، ويطوف ليلًا ونهارًا، إلى أن اجتاز يومًا في زقاق (٨) خال في بعض أطراف البلد، فدخله فوجده منكرًا، ووجده لا ينفذ،

стр. 211

فرأى على بعض أبوابه شوكَ سمكٍ كثير، وعظامَ الصلب. فقال لشخص: كم يكون تقدير (١) ثمن هذا السمك الذي هذه عظامه؟ قال: دينار، قال: أهل الزقاق لا تحتمل أحوالهم مشترى (٢) مثل هذا؛ لأنه زقاق بين الاختلال إلى جانب الصحراء، لا ينزله من معه شيء يخاف عليه، أو له مال ينفق منه (٣) هذه النفقة، وما هي إلا بلية ينبغي أن يكشف عنها (٤)، فاستبعد الرجلُ هذا، وقال: هذا فكر بعيد، فقال: اطلبوا لي (٥) امرأة من الدرب أكلمها. فدق بابًا غير الذي عليه الشوك واستسقى ماءً، فخرجت عجوز ضعيفة. فما زال يطلب شربة بعد شربة، وهي تسقيه، وهو في خلال ذلك يسأل عن الدرب وأهله، وهي تخبره غير عارفة بعواقب ذلك، إلى أن قال لها: وهذه الدار من يسكنها؟ - وأومأ إلى التى عليها عظام السمك - فقالت: فيها خمسة شباب (٦) أعفار (٧)، كأنهم تجار، وقد نزلوا منذ شهر لا نراهم نهارًا إلا في كل مدة طويلة، ونرى الواحد منهم يخرج في الحاجة ويعود سريعًا، وهم في طول النهار يجتمعون فيأكلون ويشربون، ويلعبون بالشطرنج

стр. 212

والنرد، ولهم صبي يخدمهم، فإذا كان الليل انصرفوا (١) إلى دار لهم بالكَرْخ (٢)، ويَدَعون الصبي في الدار يحفظها، فإذا كان سحرًا جاءوا ونحن نيام لا نشعر (٣) بهم. فقال للرجل: هذه صفة لصوص أم لا؟ قال: بلى، فأنفذ في الحال، فاستدعى عشرة من الشرط، وأدخلهم إلى أسطحة الجيران، ودق هو الباب، فجاء الصبي ففتح. فدخل الشرط معه (٤)، فما فاتهم من القوم أحد فكانوا هم أصحاب الجناية (٥) بعينهم (٦). ومن ذلك: أن بعض الولاة سمع في بعض ليالي الشتاء صوتًا بدار يطلب ماءً باردًا (٧)، فأمر بكبس الدار، فأخرجوا رجلًا وامرأة، فقيل له: من أين علمت؟ قال: الماء لا يبرد في الشتاء، إنما ذلك علامة بين هذين (٨). وأحضر بعض الولاة (٩) شخصين (١٠) متهمين بسرقة، فأمر أن

стр. 213

يؤتى بكوز من ماء، فأخذه بيده (١) فألقاه عمدًا فانكسر، فارتاع أحدهما، وثبت الآخر فلم يتغير. فقال للذي انزعج: اذهب، وقال للآخر: أحضر العملة. فقيل له: ومن أين عرفت ذلك؟ فقال: اللص قوي القلب لا ينزعج، والبريء يرى أنه لو تحركت (٢) في البيت فأرة لأزعجته، ومنعته من السرقة (٣). فصل ومن الحكم بالفراسة والأمارات: ما رواه محمد بن عبيد الله (٤) بن أبي رافع عن أبيه، قال: خاصم غلام من الأنصار أمه إلى عمر بن الخطاب ﵁ فجحدته، فسأله البينة، فلم تكن عنده، وجاءت المرأة بنفر، فشهدوا أنها لم تُزوج وأن الغلام كاذب عليها (٥)، وقد قذفها. فأمر عمر ﵁ بضربه، فلقيه علي ﵁، فسأل عن أمرهم، فأُخْبِر، فدعاهم، ثم قعد في مسجد النبي ﷺ ، وسأل المرأة فجحدت، فقال للغلام: اجحدها كما جحدتك، فقال: يا ابن عم رسول الله ﷺ ، إنها أمي، قال: اجحدها، وأنا أبوك والحسن والحسين أخواك، قال: قد جحدتها، وأنكرتها.

стр. 214

فقال علي لأولياء المرأة: أمري في هذه المرأة جائز؟ قالوا نعم، وفينا أيضًا، فقال علي: أُشْهِد من حضر أني قد زوجت هذا الغلام من هذه المرأة الغريبة منه، يا قنبر ائتني بطينة فيها دراهم، فأتاه بها، فعد أربعمائة وثمانين درهمًا، فدفعها (١) مهرًا لها. وقال للغلام: خذ بيد امرأتك، ولا تأتنا إلا وعليك أثر العرس، فلما ولى، قالت المرأة: يا أبا الحسن، الله الله هو النار، هو (٢) والله ابني. قال: كيف ذلك؟ قالت: إن أباه كان زنجيًّا (٣)، وإن إخوتي زوجوني منه، فحملت بهذا الغلام. وخرج الرجل غازيًا فقتل، وبعثت بهذا إلى حي بني فلان. فنشأ فيهم، وأنفت أن يكون ابني، فقال علي: أنا أبو الحسن، وألحقه بها (٤)، وثبت نسبه (٥). ومن ذلك: أن عمر بن الخطاب سأل رجلًا: كيف أنت؟ فقال: ممن يحب الفتنة، ويكره الحق، ويشهد على ما لم يره، فأمر به إلى

стр. 215

السجن. فأمر علي برده (١)، وقال: صدق، قال: كيف صدّقته؟ قال: يحب المال والولد، وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [التغابن: ١٥] ويكره الموت، وهو حق (٢)، ويشهد أن محمدًا رسول الله ﷺ ، ولم يره، فأمر عمر ﵁ بإطلاقه، قال: الله أعلم حيث يجعل رسالته (٣). وقال أصبغ بن نباتة: جاء رجل إلى مجلس علي - والناس حوله - فجلس بين يديه، ثم التفت إلى الناس، فقال: يا معشر الناس، إن للداخل حيرة، وللسائل (٤) روعة، وهما دليل السهو والغفلة. فاحتملوا زلّتي (٥) إن كانت من سهو نزل بي، ولا تحسبوني من شر الدواب عند الله الذين لا يعقلون. فتبسم علي ﵁ وأعجب به، فقال: يا أمير المؤمنين، إني وجدت ألفًا وخمسمائة درهم في خربة بالسواد، فما عليَّ؟ وما لي؟ فقال له علي ﵁: إن كنت أصبتها في خربة تؤدي خراجَها قريةٌ أخرى عامرة بقربها فهي لأهل تلك القرية، وإن كنت وجدتها في خربة ليست تؤدي خراجَها قريةٌ أخرى عامرة فلك فيها أربعة أخماس، ولنا خمس (٦).
следующие страницы →