← Сияса и кади

Сияса и кади · id 18159

الطرق الحكمية في السياسة الشرعية - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (1 013 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

فرأى على بعض أبوابه شوكَ سمكٍ كثير، وعظامَ الصلب. فقال لشخص: كم يكون تقدير (١) ثمن هذا السمك الذي هذه عظامه؟ قال: دينار، قال: أهل الزقاق لا تحتمل أحوالهم مشترى (٢) مثل هذا؛ لأنه زقاق بين الاختلال إلى جانب الصحراء، لا ينزله من معه شيء يخاف عليه، أو له مال ينفق منه (٣) هذه النفقة، وما هي إلا بلية ينبغي أن يكشف عنها (٤)، فاستبعد الرجلُ هذا، وقال: هذا فكر بعيد، فقال: اطلبوا لي (٥) امرأة من الدرب أكلمها. فدق بابًا غير الذي عليه الشوك واستسقى ماءً، فخرجت عجوز ضعيفة. فما زال يطلب شربة بعد شربة، وهي تسقيه، وهو في خلال ذلك يسأل عن الدرب وأهله، وهي تخبره غير عارفة بعواقب ذلك، إلى أن قال لها: وهذه الدار من يسكنها؟ - وأومأ إلى التى عليها عظام السمك - فقالت: فيها خمسة شباب (٦) أعفار (٧)، كأنهم تجار، وقد نزلوا منذ شهر لا نراهم نهارًا إلا في كل مدة طويلة، ونرى الواحد منهم يخرج في الحاجة ويعود سريعًا، وهم في طول النهار يجتمعون فيأكلون ويشربون، ويلعبون بالشطرنج

стр. 212

والنرد، ولهم صبي يخدمهم، فإذا كان الليل انصرفوا (١) إلى دار لهم بالكَرْخ (٢)، ويَدَعون الصبي في الدار يحفظها، فإذا كان سحرًا جاءوا ونحن نيام لا نشعر (٣) بهم. فقال للرجل: هذه صفة لصوص أم لا؟ قال: بلى، فأنفذ في الحال، فاستدعى عشرة من الشرط، وأدخلهم إلى أسطحة الجيران، ودق هو الباب، فجاء الصبي ففتح. فدخل الشرط معه (٤)، فما فاتهم من القوم أحد فكانوا هم أصحاب الجناية (٥) بعينهم (٦). ومن ذلك: أن بعض الولاة سمع في بعض ليالي الشتاء صوتًا بدار يطلب ماءً باردًا (٧)، فأمر بكبس الدار، فأخرجوا رجلًا وامرأة، فقيل له: من أين علمت؟ قال: الماء لا يبرد في الشتاء، إنما ذلك علامة بين هذين (٨). وأحضر بعض الولاة (٩) شخصين (١٠) متهمين بسرقة، فأمر أن

стр. 213

يؤتى بكوز من ماء، فأخذه بيده (١) فألقاه عمدًا فانكسر، فارتاع أحدهما، وثبت الآخر فلم يتغير. فقال للذي انزعج: اذهب، وقال للآخر: أحضر العملة. فقيل له: ومن أين عرفت ذلك؟ فقال: اللص قوي القلب لا ينزعج، والبريء يرى أنه لو تحركت (٢) في البيت فأرة لأزعجته، ومنعته من السرقة (٣). فصل ومن الحكم بالفراسة والأمارات: ما رواه محمد بن عبيد الله (٤) بن أبي رافع عن أبيه، قال: خاصم غلام من الأنصار أمه إلى عمر بن الخطاب ﵁ فجحدته، فسأله البينة، فلم تكن عنده، وجاءت المرأة بنفر، فشهدوا أنها لم تُزوج وأن الغلام كاذب عليها (٥)، وقد قذفها. فأمر عمر ﵁ بضربه، فلقيه علي ﵁، فسأل عن أمرهم، فأُخْبِر، فدعاهم، ثم قعد في مسجد النبي ﷺ ، وسأل المرأة فجحدت، فقال للغلام: اجحدها كما جحدتك، فقال: يا ابن عم رسول الله ﷺ ، إنها أمي، قال: اجحدها، وأنا أبوك والحسن والحسين أخواك، قال: قد جحدتها، وأنكرتها.

стр. 214

فقال علي لأولياء المرأة: أمري في هذه المرأة جائز؟ قالوا نعم، وفينا أيضًا، فقال علي: أُشْهِد من حضر أني قد زوجت هذا الغلام من هذه المرأة الغريبة منه، يا قنبر ائتني بطينة فيها دراهم، فأتاه بها، فعد أربعمائة وثمانين درهمًا، فدفعها (١) مهرًا لها. وقال للغلام: خذ بيد امرأتك، ولا تأتنا إلا وعليك أثر العرس، فلما ولى، قالت المرأة: يا أبا الحسن، الله الله هو النار، هو (٢) والله ابني. قال: كيف ذلك؟ قالت: إن أباه كان زنجيًّا (٣)، وإن إخوتي زوجوني منه، فحملت بهذا الغلام. وخرج الرجل غازيًا فقتل، وبعثت بهذا إلى حي بني فلان. فنشأ فيهم، وأنفت أن يكون ابني، فقال علي: أنا أبو الحسن، وألحقه بها (٤)، وثبت نسبه (٥). ومن ذلك: أن عمر بن الخطاب سأل رجلًا: كيف أنت؟ فقال: ممن يحب الفتنة، ويكره الحق، ويشهد على ما لم يره، فأمر به إلى

стр. 215

السجن. فأمر علي برده (١)، وقال: صدق، قال: كيف صدّقته؟ قال: يحب المال والولد، وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [التغابن: ١٥] ويكره الموت، وهو حق (٢)، ويشهد أن محمدًا رسول الله ﷺ ، ولم يره، فأمر عمر ﵁ بإطلاقه، قال: الله أعلم حيث يجعل رسالته (٣). وقال أصبغ بن نباتة: جاء رجل إلى مجلس علي - والناس حوله - فجلس بين يديه، ثم التفت إلى الناس، فقال: يا معشر الناس، إن للداخل حيرة، وللسائل (٤) روعة، وهما دليل السهو والغفلة. فاحتملوا زلّتي (٥) إن كانت من سهو نزل بي، ولا تحسبوني من شر الدواب عند الله الذين لا يعقلون. فتبسم علي ﵁ وأعجب به، فقال: يا أمير المؤمنين، إني وجدت ألفًا وخمسمائة درهم في خربة بالسواد، فما عليَّ؟ وما لي؟ فقال له علي ﵁: إن كنت أصبتها في خربة تؤدي خراجَها قريةٌ أخرى عامرة بقربها فهي لأهل تلك القرية، وإن كنت وجدتها في خربة ليست تؤدي خراجَها قريةٌ أخرى عامرة فلك فيها أربعة أخماس، ولنا خمس (٦).

стр. 216

قال الرجل: أصبتها في خربة ليس حولها أنيس، ولا عندها عمران، فخذ الخمس، قال: قد جعلته لك (١). وأتى عمرَ بن الخطاب ﵁ رجلٌ (٢) أسود، ومعه امرأة سوداء، فقال: يا أمير المؤمنين، إني أغرس غرسًا أسود، وهذه سوداء على ما ترى، فقد (٣) أتتني بولد أحمر، فقالت المرأة: والله يا أمير المؤمنين ما خنته، وإنه لولده. فبقي عمر لا يدري ما يقول، فسئل عن ذلك علي بن أبي طالب ﵁، فقال للأسود: إن سألتك عن شيء أتصدقني؟ قال: أجل والله، قال: هل واقعت امرأتك وهي حائض؟ قال: قد كان ذلك، قال علي: الله أكبر، إن النطفة إذا اختلطت بالدم فخلق الله منها خلقًا كان أحمر، فلا تنكر

стр. 217

ولدك، فأنت جنيت على نفسك (١). وقال جعفر بن محمد (٢): أتي عمر بن الخطاب ﵁ بامرأة قد تعلقت بشاب من الأنصار كانت تهواه، فلما لم يساعدها احتالت عليه، فأخذت بيضة فألقت (٣) صفرتها، وصبت البياض على ثوبها وبين فخذيها، ثم جاءت إلى عمر صارخة، فقالت: هذا الرجل غلبني على نفسي، وفضحني في أهلي، وهذا أثر فعاله. فسأل عمر النساء فقلن له: إن ببدنها وثوبها أثر المني. فهمّ بعقوبة الشاب فجعل يستغيث، ويقول: يا أمير المؤمنين، تثبت في أمري، فوالله ما أتيت فاحشة ولا هممت (٤) بها، فقد راودتني عن نفسي فاعتصمت، فقال عمر: يا أبا الحسن ما ترى في أمرهما، فنظر علي إلى ما على الثوب، ثم دعا بماء حار شديد الغليان، فصُبَّ على الثوب فجمد ذلك البياض، ثم أخذه واشتمه وذاقه، فعرف طعم البيض وزجر المرأة، فاعترفت (٥). قلت: ويشبه هذا ما ذكره الخرقي وغيره (٦) عن

стр. 218

أحمد (١): أن المرأة إذا ادعت أن زوجها عنين (٢)، وأنكر ذلك، وهي ثيب، فإنه يخلى معها في بيت، ويقال له: أخرج ماءك على شيء، فإن (٣) ادعت أنه ليس بمني جعل على النار، فإن ذاب فهو مني، وبطل قولها. وهذا مذهب عطاء بن أبي رباح (٤). وهذا حكم بالأمارات الظاهرة، فإن المني إذا جعل على النار ذاب واضمحل، وإن كان بياض بيض تجمع ويبس، فإن قال: أنا أعجز عن إخراج مائي صح قولها. ويشبه هذا: ما ذكره بعض (٥) القضاة (٦): أن زوجين ترافعا إليه، وادعى كل منهما: أن الآخر عِذْيَوط (٧) يغوط عند الجماع (٨)،

стр. 219

وتناكرا، فأمر أن يطعم أحدهما تينًا (١)، والآخر قثَّاءً (٢)، فعلم صاحب العيب بذلك (٣). وقال أصبغ (٤) بن نباتة: إن شابًّا شكا إلى علي بن أبي طالب ﵁ نفرًا، فقال: إن هؤلاء خرجوا مع أبي في سفر، فعادوا ولم يَعُدْ أبي، فسألتهم عنه، فقالوا: مات، فسألتهم عن ماله؟ فقالوا: ما ترك شيئًا، وكان معه مال كثير، وترافعنا (٥) إلى شريح، فاستحلفهم وخلى سبيلهم، فدعا علي بالشُّرط، فوكل بكل رجل (٦) منهم رجلين، وأوصاهم ألا يمكنوا بعضهم أن يدنو من بعض، ولا يدعوا (٧) أحدًا يكلمهم، ودعا كاتبه، ودعا أحدهم. فقال: أخبرني عن أبي هذا الفتى: أي يوم خرج معكم؟ وفي أي منزل نزلتم؟ وكيف كان سيركم؟ وبأي علة مات؟ وكيف أصيب بماله؟ وسأله عمن (٨) غسله ودفنه؟ ومن تولى الصلاة عليه؟ وأين دفن؟ ونحو ذلك، والكاتب يكتب، ثم كبَّر (٩)

стр. 220

علي فكبر (١) الحاضرون معه، والمتهمون لا علم لهم إلا أنهم ظنوا أن صاحبهم قد أقرَّ عليهم. ثم دعا آخر بعد أن غيَّب الأول عن مجلسه، فسأله كما سأل صاحبه، ثم الآخر كذلك، حتى عرف ما عند الجميع، فوجد كل واحد منهم يخبر بضد ما أخبر به صاحبه، ثم أمر برد الأول، فقال: يا عدو الله، قد عرفتُ غدرك (٢) وكذبك بما سمعتُ من أصحابك، وما ينجيك من العقوبة إلا الصدق، ثم أمر به إلى السجن، وكبَّر، وكبر معه الحاضرون، فلما أبصر القوم الحال لم يشكُّوا أن صاحبهم أقرَّ عليهم، فدعا آخر منهم، فهدده، فقال: يا أمير المؤمنين والله لقد كنت كارهًا لما صنعوا، ثم دعا الجميع فأقروا بالقصة، واستدعى الذي في السجن، وقيل له: قد أقرَّ أصحابك ولا ينجيك سوى الصدق، فأقرَّ بمثل (٣) ما أقر به القوم، فأغرمهم المال، وأقاد منهم بالقتيل (٤). ورُفِع إلى بعض القضاة رجل ضرب رجلًا على هامته، فادعى المضروب: أنه أزال بصره وشمه، فقال: يُمتحن، بأن يرفع عينيه إلى قرص الشمس، فإن كان صحيحًا (٥) لم تثبت عيناه لها، وينحدر منها الدمع، وتحرق خرقة وتقدم إلى أنفه، فإن كان صحيح الشم: بلغت

стр. 221

الرائحة خيشومه ودمعت عيناه (١). ورأيت في "أقضية علي ﵁" (٢) نظير هذه القضية، وأن المضروب ادعى (٣) أنه أخرس، فأمر أن يخرج لسانه، وينخس بإبرة، فإن خرج الدم أحمر فهو صحيح اللسان، وإن خرج أسود فهو أخرس (٤). وقال أصبغ (٥) بن نباتة: قيل لعلي بن أبي طالب ﵁ في فداء أسرى المسلمين من أيدي المشركين، فقال: فنادوا منهم من كانت جراحاته بين يديه، دون من كانت من ورائه؛ فإنه فارّ (٦). قال: وأوصى رجل إلى آخر: أن يتصدق عنه من هذه الألف دينار بما أحب، فتصدق بعشرها، وأمسك الباقي، فخاصموه إلى علي ﵁ وقالوا: يأخذ النصف ويعطينا النصف. فقال: أنصفوك، قال: إنه قال لي: أخرج منها ما أحببت، قال: فأخرج عن الرجل تسعمائة، والباقي لك، قال: وكيف ذلك؟ قال: لأن الرجل أمرك أن (٧) تخرج ما أحببت، وقد أحببت التسعمائة، فأخرجها.

стр. 222

وقضى في رجلين حُرّين يبيع أحدهما صاحبه على أنه عبد، ثم يهربان من بلد إلى بلد بقطع أيديهما (١)؛ لأنهما سارقان لأنفسهما، ولأموال الناس. قلت: وهذا من أحسن القضاء، وهو الحق (٢)، وهما أولى بالقطع من السارق المعروف، فإن السارق إنما قطع - دون المنتَهِب (٣) والمغتصب (٤) -؛ لأنه لا يمكن التحرز منه. ولهذا قُطع النَّباش (٥)، ولهذا جاءت السنة بقطع جاحد العارية (٦). وقضى علي ﵁ أيضًا في امرأة تزوجت، فلما كان ليلة زفافها أدخلت صديقها الحجلة (٧) سرًّا، وجاء الزوج فدخل

стр. 223

الحجلة، فوثب إليه الصديق (١) فاقتتلا، فقتل الزوج الصديق، فقامت إليه المرأة فقتلته، فقضى بدية الصديق على المرأة، ثم قتلها بالزوج، وإنما قضى بدية الصديق عليها؛ لأنها هي التي عرضته لقتل الزوج له، فكانت هي المتسببة إلى قتله، وكانت أولى بالضمان (٢) من الزوج المباشر قتله؛ لأن المباشر قتله (٣) قتلًا مأذونًا فيه، دفعًا عن حرمته. فهذا من أحسن القضاء الذي لا يهتدي إليه كثير من الفقهاء، وهو الصواب. وقضى في رجل فرَّ من رجل يريد قتله، فأمسكه له آخر حتى أدركه فقتله، وبقُرْبه رجل ينظر إليهما، وهو يقدر على تخليصه، فوقف ينظر إليه حتى قتله. قضى أن يُقتل القاتل، ويُحبس الممسك حتى يموت، وتُفقأ عين الناظر الذي وقف ينظر ولم ينكر (٤). فذهب الإمام أحمد وغيره من أهل العلم (٥) إلى القول بذلك،

стр. 224

إلا في فقْء عين الناظر، ولعل عليًّا ﵁ رأى تعزيره بذلك، مصلحة للأمة، وله مساغ في الشرع في مسألة فقء عين الناظر إلى بيت الرجل من خص (١) أو طاقة ، كما جاءت بذلك (٢) السنة الصحيحة الصريحة التي لا معارض لها ولا دافع؛ لكونه جنى على صاحب المنزل، ونظر نظرًا محرمًا لا يحل له أن يقدم عليه، فجوَّز له النبي ﷺ أن يحذفه فيفقأ عينه، وهذا مذهب الشافعي (٣)، وأحمد (٤). وفي "الصحيح"، من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ : "مَن اطَّلَعَ فِي بَيْتِ قَومٍ بِغَيْرِ إِذْنِهِمْ، فَفَقَأُوا عَيْنَهُ، فَلَا دِيَةَ (٥)، وَلَا

стр. 225

قَصَاصَ" (١). وفي "الصحيحين" من حديث الزهري (٢)، عن سهل قال: اطلع رجل (٣) في حجرة رسول الله ﷺ ، ومعه مِدْرى (٤) يحك بها رأسه،

стр. 226

فقال: "لَوْ أَعْلَمُ أنَّكَ تَنْظُر لَطَعَنْتُ به في عَيْنِكَ، إنما جعل الاستئذان من أجل النظر" (١). وفي "صحيح مسلم (٢) " عنه: أن رجلًا اطلع على النبي ﷺ من ستر الحجرة، وفي يد النبي ﷺ مِدْرى، فقال: "لَوْ أَعْلَمُ أَنَّ هذا يُنْظِرني حتَّى آتِيَهُ لَطَعَنْتُ بالمِدْرى في (٣) عيْنِهِ، وهلْ جُعِلَ الاستِئذانُ إِلا من أجلِ البَصَرِ (٤)؟ " أي لو أعلم أنه يقف لي حتى آتيه. وفي "الصحيحين" (٥) عن أنس ﵁: "أن رجلًا اطلع في بعض حُجر النبي ﷺ ، فقام إليه النبي ﷺ بمشْقص (٦)، فذهب نحو الرجل، يخْتِلُه (٧) ليطعنه به، قال: فكأني أنظر إلى رسول الله ﷺ يخْتِلُهُ

стр. 227

ليَطْعَنَهُ". وفي "سنن البيهقي" وغيره عن أنس بن مالك ﵁ (١): "أن أعرابيًّا أتى باب النبي ﷺ ، فألقم عينه خُصاص (٢) الباب، فبصُر به النبي ﷺ ، فأخذ عودًا محددًا (٣)، فوجأ (٤) عين الأعرابي فانقمع (٥)، فقال: لو ثبتَّ لفقأت عينك" (٦). وفي "الصحيحين" (٧) من حديث الأعرج، عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "لو أن امرأ اطلع عليك بغير إذن، فحَذَفْتَهُ بِحَصاة، فَفَقَأتَ عيْنَهُ: ما كان عَلَيْكَ من جُناح". وفي "صحيح مسلم" (٨)، عن أبي هريرة ﵁ عن النبي

стр. 228

- ﷺ : "مَن اطَّلعَ في بيت قوْمٍ بغَير إِذْنِهمْ، فقد حلَّ لهم أن يَفْقَأُوا عَيْنَهُ". وفي "سنن البيهقي" عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: "لو أنَّ رجلًا اطَّلَعَ في بيت رَجُلٍ فَفَقَأَ عَيْنَهُ ما كان عليه فيه شَيْءٌ" (١). فالحق: الأخذ بموجب هذه السنن الصحيحة الصريحة (٢)، والناظر إلى القاتل يقتل المسلم، وهو يستطيع (٣) أن يخلصه وينهاه أعظم إثمًا عند الله تعالى، وأحق بفقء العين، والله أعلم. وقضى أمير المؤمنين علي ﵁ في رجل قطع فرج امرأته: أن تؤخذ منه دية الفرج ويجبر على إمساكها، حتى تموت، وإن طلقها أنفق عليها (٤). فلله ما أحسن هذا القضاء، وأقربه من الصواب.

стр. 229

فأما الفرج: ففيه الدية كاملة اتفاقًا (١)، وأما إنفاقه عليها إن طلقها؛ فلأنه أفسدها على الأزواج الذين يقومون بنفقتها ومصالحها فسادًا لا يعود، وأما إجباره على إمساكها: فمعاقبة له بنقيض قصده، فإنه قصد التخلص منها بأمر محرم، وقد كان يمكنه التخلص منها بالطلاق، والخلع (٢)، فعدل عن ذلك إلى هذه المثلة (٣) القبيحة، فكان جزاؤه أن يلزم بإمساكها إلى الموت. وقضى في مولود وُلد وله رأسان وصدران في حقو (٤) واحد، فقالوا له: أيُوَرَّث ميراث اثنين، أم ميراث واحد؟ فقال: يترك حتى ينام، ثم يصاح به، فإن انتبها جميعًا، كان له ميراث واحد، وإن انتبه واحد وبقي الآخر كان له ميراث اثنين (٥).

стр. 230

فإن قيل: كيف (١) تُزوَّج مَن ولدت كذلك؟ قلت: هذه مسألة لم أر لها ذكرًا في كتب الفقهاء، وقد قال أبو جبلة (٢): رأيت بفارس امرأة لها رأسان وصدران في حقو واحد متزوجة، تغار هذه على هذه، وهذه على هذه (٣). والقياس: أنها تزوج، كما تزوج النساء، ويتمتع الزوج بكل واحد من الفرجين (٤) والوجهين، فإن ذلك زيادة في خلقة المرأة. هذا إذا كان الرأسان على حقو واحد ورجلين. فإن كانا على حقوين، وأربعة أرجل، فقد روى محمد بن سهل (٥)

стр. 231

حدثنا عبد الله بن محمد البلوي (١) حدثني عمارة بن زيد (٢)، حدثنا عبد الله (٣) بن العلاء (٤)، عن الزهري، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، قال: أتي عمر بن الخطاب ﵁ بإنسان له رأسان، وفمان، وأربع أعين (٥)، وأربع أيد، وأربع أرجل، وإحليلان (٦)، ودبران. فقالوا: كيف يرث يا أمير المؤمنين؟ فدعا بعلي ﵁، فقال: فيهما قضيتان، إحداهما: ينظر إذا نام، فإن غطَّ غطيطَ واحدٍ (٧)، فنفْس واحدة، وإن غط من كل منهما فنفسان، وأما القضية الأخرى، فيطعمان ويسقيان فإن بال منهما (٨) جميعًا، فنفس واحدة،

стр. 232

وإن بال من كل واحد (١) منهما على حدة، وتغوط من كل واحد على حدة (٢)، فنفسان. فلما كان بعد ذلك طلبا النكاح. فقال علي ﵁: لا يكون فرج في فرج وعين تنظر، ثم قال: أما إذ حدثت (٣) فيهما الشهوة، فإنهما سيموتان جميعًا سريعًا، فما لبثا أن ماتا، وبينهما ساعة أو نحوها (٤). فصل ومن ذلك: أن عمر بن الخطاب ﵁ أتي بامرأة زنت، فسألها فأقرت (٥)، فأمر برجمها. فقال علي ﵁: لعل لها (٦) عذرًا، ثم قال لها: ما حملك على الزنا؟ قالت: كان لي خليط، وفي إبله ماء ولبن، ولم يكن في إبلي ماء ولا لبن، فظمئت فاستسقيته، فأبى أن يسقيني حتى أعطيه نفسي. فأبيت عليه ثلاثًا. فلما ظمئت وظننت أن نفسي ستخرج (٧) أعطيته الذي أراد فسقاني، فقال علي ﵁: الله أكبر ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ

стр. 233

إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٧٣] (١). وفي "سنن البيهقي" (٢)، عن أبي عبد الرحمن السُّلمي: أُتي عمر بامرأة جهدَها العطش، فمرّت على راع فاستسقت (٣)، فأبى أن يسقيها إلا أن تمكنه من نفسها، ففعلت. فشاور الناس في رجمها. فقال علي: هذه مضطرة، أرى أن تخلي سبيلها، ففعل. قلت: والعمل على هذا، لو اضطرت المرأة إلى طعام أو شراب عند رجل فمنعها إلا بنفسها، وخافت الهلاك، فمكنته من نفسها، فلا حد عليها. فإن قيل: فهل يجوز لها في هذه الحال (٤) أن تُمكِّن من نفسها، أم يجب عليها أن تصبر ولو ماتت؟ (٥) قيل (٦): هذه حكمها حكم المكرهة

стр. 234

على الزنا، التي يقال لها: إن مكَّنتِ من نفسك وإلا قتلتك (١). والمكرهة لا حدَّ عليها، ولها أن تفتدي من القتل بذلك، ولو صبرت لكان أفضل لها، ولا يجب عليها (٢) أن تُمَكِّن من نفسها، كما لا يجب على المكره على الكفر (٣) أن يتلفظ (٤) به، وإن صبر حتى قتل (٥) لم يكن آثمًا (٦). فالمكرهة على الفاحشة أولى. فإن قيل: لو وقع مثل ذلك لرجل، وقيل (٧) له: إن لم تُمكِّن من نفسك، وإلا قتلناك، أو منع الطعام والشراب، حتى يُمكَّن من نفسه، وخاف الهلاك. فهل يجوز له التمكين؟

стр. 235

قيل: لا يجوز له ذلك، ويصبر للموت (١). والفرق بينه وبين المرأة: أن العار والفساد (٢) الذي يلحق المفعول به لا يمكن تلافيه، وهو شر مما يحصل له بالقتل، أو منع الطعام والشراب حتى يموت، فإن هذا فساد في نفسه وعقله وقلبه ودينه وعرضه، ونطفة اللوطي مسمومة تسري في الروح والقلب، فتفسدها فسادًا قلَّ أن يُرجى معه صلاح. ففساد التفريق بين روحه وبدنه بالقتل دون هذه المفسدة (٣)، ولهذا يجوز له أو يجب عليه أن يقتل من يراوده عن نفسه إن أمكنه ذلك من غير خوف مفسدة. ولو فعله السيد بعبده بيع عليه، ولم يُمكَّن من استدامة ملكه عليه (٤). وقال بعض السلف: يعتق عليه (٥). وهو قول قوي (٦) مبني على العتق بالمثلة، لا سيما إذا استكرهه على ذلك، فإن هذا جار مجرى المثلة.

стр. 236

وقد سئل الإمام أحمد (١) عن رجل يُتهم بغلامه، فأراد بعض الناس أن يرفعه إلى الإمام، فدبَّر غلامه؟ فقال: يحال بينه وبينه، إذا كان فاجرًا معلنًا (٢). فإن قيل: فهل يباح للغلام أن يهرب؟ قيل: نعم يباح له ذلك. قال أبو عمرو (٣) الطرسوسي (٤) - في كتاب (٥) تحريم اللواط - (٦): باب إباحة الهرب للمملوك إذا أريد منه هذا البلاء، ثم ساق بإسناد صحيح إلى عبد الله بن المبارك عن سفيان الثوري: "أن عبدًا أتاه، فقال: إني مملوك لهؤلاء، يأمرونني (٧) بما لا يصلح أو نحوه؟ قال: اذهب في الأرض". وذَكَرَ القاسم بن الريان (٨)، قال: سئل عبد الله بن المبارك عن

стр. 237

الغلام إذا أرادوا أن يفضحوه؟ قال: يمنع (١)، ويذبّ عن نفسه. قال: أرأيت إن علم أنه لا ينجيه إلا القتل، أيقتل حتى ينجو؟ قال: نعم. انتهى. قلت (٢): ويكون مجاهدًا إن قَتل، وشهيدًا إن قُتل؛ فإنَّ "مَن قُتل دون ماله فهو شهيد" (٣)، فكيف مَنْ قُتل دون هذه الفاحشة؟ فصل ومن ذلك: أن امرأة رُفعت إلى عمر بن الخطاب ﵁ قد زنت، فسألها عن ذلك؟ فقالت: نعم يا أمير المؤمنين، وأعادت ذلك وأيدته. فقال علي: إنها لتستهل (٤) به استهلال من لا يعلم أنه حرام. فدرأ عنها الحد (٥). وهذا من دقيق الفراسة (٦). فصل ومن قضايا علي ﵁: أنه أُتي برجل وُجد في خَرِبة بيده سكين متلطخ بدم، وبين يديه قتيل يتشحَّط في دمه، فسأله؛ فقال:

стр. 238

أنا قتلته، قال: اذهبوا به فاقتلوه. فلما ذهبوا به أقبل رجل مسرعًا، فقال: يا قوم، لا تعجلوا. ردوه إلى علي (١)، فردوه، فقال الرجل: يا أمير المؤمنين، ما هذا صاحبه، أنا قتلته. فقال علي للأول: ما حملك على أن قلت: أنك قاتله (٢)، ولم تقتله؟ قال: يا أمير المؤمنين، وما أستطيع أن أصنع؟ وقد وقف العَسسُ على الرجل يتشحط في دمه، وأنا واقف، وفي يدي سكين، وفيها أثر الدم، وقد أخذتُ في خربة؟ فخفت ألا يقبل مني، وأن يكون قسامة، فاعترفت بما لم أصنع، واحتسبت نفسي عند الله. فقال علي: بئس ما صنعت. فكيف كان حديثك؟ قال: إني رجل قصَّاب، خرجت إلى حانوتي في الغَلس (٣)، فذبحت بقرة وسلختها، فبينما (٤) أنا أسلخها والسكين في يدي أخذني البول، فأتيت خربة كانت بقربي فدخلتها، فقضيت حاجتي، وعدت أريد حانوتي، فإذا أنا بهذا المقتول يتشحط في دمه فراعني أمره (٥)، فوقفت أنظر إليه والسكين في يدي، فلم أشعر إلا بأصحابك قد وقفوا عليّ، فأخذوني، فقال الناس: هذا قتل هذا، ما له قاتل سواه. فأيقنت أنك لا تترك قولهم (٦) لقولي، فاعترفت بما لم أجْنه، فقال علي للمقرّ

стр. 239

الثاني: فأنت كيف كانت قصتك؟ فقال: اعتراني فلس، فقتلت الرجل طمعًا في ماله، ثم سمعت حس العسس، فخرجت من الخربة، واستقبلت هذا القصاب على الحال التي وصف، فاستترت منه ببعض الخربة حتى أتى العسس، فأخذوه وأتوك به. فلما أمرتَ بقتله علمت أني أبوء بدمه (١) أيضًا فاعترفت بالحق. فقال علي للحسن ﵄: ما الحكم في هذا؟ قال: يا أمير المؤمنين، إن كان قد قتل نفسًا فقد أحيا نفسًا، وقد قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٣٢]، فخلى عليٌّ ﵁ عنهما، وأخرج دية القتيل من بيت المال (٢). وهذا إن وقع صلحًا برضى الأولياء فلا إشكال، وإن كان بغير رضاهم فالمعروف من أقوال الفقهاء: أن القصاص لا يسقط بذلك؛ لأن الجاني قد اعترف بما يوجبه، ولم يوجد ما يسقطه، فيتعين استيفاؤه. وبعد: فلحكم أمير المؤمنين (٣) وجهٌ قوي، وقد وقع نظير هذه القصة في زمن رسول الله ﷺ إلا أنها ليست في القتل. قال النسائي: حدثنا محمد بن يحيى (٤) بن كثير الحراني، حدثنا

стр. 240

عمرو بن حماد بن طلحة، حدثنا أسباط بن نصر، عن سماك (١)، عن علقمة بن وائل، عن أبيه: "أن امرأةً وقعَ عليها رجُلٌ في سواد الصُّبحِ - وهي تعْمَدُ إلى المسجد - بمَكْرُوهٍ على نَفْسِها، فاسْتغاثتْ برجُلٍ مرَّ عليها، وفرَّ صاحبُها، ثُمَّ مرَّ عليها ذَوو عَدَدٍ، فاسْتَغاثَتْ بهمْ، فأدركوا الرَّجُلَ الذي كانت اسْتغاثَتْ به (٢)، فأخذُوه، وسَبَقَهُمْ الآخَرُ، فجاءوا به يقودُونَهُ إليها، فقال: أنا الذي أَغَثْتُكِ، وقد ذهبَ الآخَرُ. فأَتَوا به رسول الله ﷺ ، فَأَخْبَرَتهُ أنه وَقَعَ عليها، وأخبرَ القوْمُ: أَنَّهم أَدْركُوهُ يشْتَدُّ، فقال: إِنَّما كُنْتُ أُغِيثُها على صاحبها، فأَدْركَني هؤلاء فَأَخَذوني، فقالت: كَذَبَ، هو الذي وَقَعَ عليَّ، فقال رسول الله ﷺ : انطَلِقوا به فارْجموهُ. فقام رجل مِنْ الناس (٣)، فقال: لا تَرْجموهُ، وارْجموني فأَنا الذي فَعَلْتُ بها الفِعْلَ، فَاعْترَفَ. فَاجْتَمَع ثلاثةٌ عند رسول الله ﷺ الذي وقَعَ عليْها، والذي أَغاثَها، والمرأةُ - فقال: "أمَّا أنتِ فقد غُفِرَ لكِ". وقال للَّذي أَغَاثَها قولًا حسنًا. فقال عمر ﵁: ارْجُم الذي اعترَفَ بالزِّنا. فأَبى رَسُولُ الله ﷺ ، وَقَالَ: "لَا إِنَّه (٤) قَدْ تَابَ" (٥).

стр. 241

ورواه الإمام أحمد في "مسنده" عن محمد بن عبد الله بن الزبير، حدثنا إسرائيل، عن سماك، عن علقمة بن وائل، عن أبيه - فذكره - وفيه: فقالوا يَا رَسُولَ اللهِ، ارْجُمْهُ فَقَالَ: "لَقَدْ تَابَ توبَةً لَوْ تَابَهَا أَهْلُ المَدِيْنةِ لَقَبِلَ (١) اللهُ منهُمْ" (٢). وقال أبو داود: "باب في صاحب الحدِّ يجيء فيقر" (٣) حدثنا محمد بن يحيى بن فارس، عن الفِريابي (٤)، عن إسرائيل، عن سماك - فذكره بنحوه - وفيه: أَلا تَرْجُمُه؟ (٥) قَالَ: "لَقَدْ تَابَ تَوْبَةً لَوْ تَابَهَا أَهْلُ المَدِينَةِ لَقُبِلت (٦) مِنْهُم". وقال الترمذي: "باب ما جاء في المرأة إذا استكرهت على

стр. 242

الزنا" (١) حدثنا علي بن حجر، أخبرنا معتمر (٢) بن سليمان الرقي، عن الحجاج بن أرطاة، عن عبد الجبار بن وائل، عن أبيه قَال: "اسْتُكرهَت امرأةٌ على عهدِ النبي ﷺ ، فَدَرأَ عنها رسولُ الله ﷺ الحدّ (٣)، وأقامَهُ على الذي أصابَها". ولم يَذْكُرْ أنه جَعَلَ لها مَهْرًا. قال الترمذي: هذا حديث غريب، ليس إسناده بمتصل، وقد روي هذا الحديث من غير هذا الوجه، وسمعت محمدًا يقول: عبد الجبار بن وائل بن حجر لم يسمع من أبيه ولا أدركه، يقال: إنه ولد بعد موت أبيه بأشهر (٤)، والعمل على هذا عند أصحاب النبي ﷺ وغيرهم: أن ليس على المستكره (٥) حد. ثم ساق حديث علقمة بن وائل عن أبيه من طريق محمد بن يحيى (٦) النيسابوري عن الفريابي عن (٧) سماك عنه: ولفظه: أَنَّ امْرَأَةً

стр. 243

خَرَجَتْ عَلَى عهد رَسُولِ الله ﷺ تُرِيدُ الصَّلاةَ فَتلَقَّاهَا رَجلٌ فَتَجَلَّلهَا، فَقَضَى حَاجَتَهُ مِنْهَا، فَصَاحَتْ، فَانْطَلَقَ، وَمَرَّ عَلَيْهَا رَجُلٌ، فَقَالَتْ: إِنَّ ذَاكَ (١) الرَّجُلَ فَعَلَ بِي كَذا وَكذَا، وَمَرَّتْ بعصَابَةٍ مِنَ المُهَاجرِينَ، فَقَالَتْ: إِنَّ ذَاك (٢) الرَّجُلَ فَعَلَ بِي كَذَا وَكذَا (٣)، فَانْطَلَقُوا فأَخَذُوا الرَّجُلَ الَّذي ظَنَّتْ أَنَّهُ وَقَعَ عَلَيْهَا. فَأَتوهَا بِهِ، فَقَالَتْ: نَعَمْ هُوَ هَذَا، فَأَتَوا بهِ رَسُولَ الله ﷺ ، فلَمَّا أَمَرَ بهِ ليُرْجَمَ قَامَ صَاحِبُها الَّذي وقَعَ عَلَيْها (٤): فقال: يا رسول الله أنا صاحبها. فقال لها: "اذهبي فقد غفر الله لك" وقال للرجل قولًا حسنًا، وقال للذي وقع عليها: "ارْجُمُوهُ" وقَالَ: "لَقَدْ تَابَ تَوْبَةً لَوْ تَابَهَا أهلُ المَدِينَة لَقُبِلَ مِنْهُمْ" (٥) قال الترمذي: "هذا حديث حسن (٦) غريب". وفي نسخة: "صحيح" (٧). وعلقمة بن وائل بن حُجْر سمع من أبيه (٨)، وهو أكبر من عبد الجبار بن وائل، وعبد

стр. 244

الجبار لم يسمع من أبيه (١). قلت: هذا الحديث إسناده على شرط مسلم، ولعله تركه لهذا الاضطراب الذي وقع في متنه، والحديث يدور على سماك، وقد اختلفت الرواية هل (٢) رجم المعترف، فقال أسباط بن نصر عن سماك: "فأبى أن يرجمه" (٣)، ورواية أحمد (٤) وأبي داود (٥) ظاهرة في ذلك. ورواية الترمذي (٦) عن محمد بن يحيى صريحة في أنه رجمه. وهذا الاضطراب: إما من سماك - وهو الظاهر - وإما ممن هو دونه. والأشبه: أنه لم يرجمه، كما رواه أحمد (٧) والنسائي (٨) وأبو داود (٩)،

стр. 245

ولم يذكروا غير ذلك، ورواته حفظوا أن رسول الله ﷺ سئل (١) رجمه فأبى وقال: "لا". والذي قال: "إنه أمر برجمه" إما أن يكون جرى على المعتاد (٢)، وإما أن يكون اشتبه عليه أمره برجم الذي جاءوا به أولًا، فوهم، وقال: إنه أمر برجم المعترف. وأيضًا؛ فالذين رجمهم رسول الله ﷺ في الزنا مضبوطون معدودون، وقصصهم محفوظة معروفة، وهم ستة نفر (٣): الغامدية (٤)، وماعز (٥)، وصاحبة (٦) العسيف (٧)، واليهوديين (٨)،

стр. 246

والظاهر: أن راوي الرجم في هذه القصة استبعد أن يكون قد اعترف بالزنا بين يدي رسول الله ﷺ ولم يرجمه. وعلم أن من هديه: رجم الزاني. فقال: "وأمر برجمه". فإن قيل: فحديث عبد الجبار بن وائل عن أبيه، الظاهر أنه في هذه القصة، وقد ذكر "أنه أقام الحد على الذي أصابها" (١). قيل: لا يدل لفظ الحديث على أن القصة واحدة، وإن دل فقد قال البخاري: لم يسمعه (٢) حجاج من عبد الجبار، ولا سمعه عبد الجبار من أبيه. حكاه البيهقي (٣) عنه. على أن في قول البخاري: "إن عبد الجبار ولد بعد موت أبيه بأشهر" (٤) نظرًا (٥)؛ فإن مسلمًا روى في

стр. 247

"صحيحه" عن عبد الجبار قال: "كنت غلامًا لا أعقل صلاة أبي .. " (١) الحديث، وليس في ترك رجمه - مع الاعتراف - ما يخالف أصول الشرع، فإنه قد تاب بنص النبي ﷺ ، ومن تاب من حدٍّ قبل القدرة عليه سقط عنه في أصح القولين (٢)، وقد أجمع عليه الناس في المحارب (٣)، وهو تنبيه على من دونه، وقد قال النبي ﷺ للصحابة لما فرَّ ماعز من بين أيديهم: "هلَّا تركْتُموهُ يتُوبُ، فيتُوبَ الله علَيهِ؟ " (٤).

стр. 248

فإن قيل: فكيف تصنعون بأمره برجم المتهم الذي ظهرت براءته، ولم يقر، ولم تقم عليه بينة، بل بمجرد إقرار المرأة عليه؟ قيل: هذا - لعمر الله - هو الذي يحتاج إلى جواب شافٍ، فإن الرجل لم يقر، بل قال: "أنا الذي أغثتها". فيقال - والله أعلم -: إن هذا مثل إقامة الحد باللوث الظاهر القوي، فإنه أدرك وهو يشتد هاربًا بين أيدي القوم، واعترف بأنه كان عند المرأة، وادعى أنه كان مغيثًا (١) لها، وقالت المرأة: هو هذا. وهذا لوث ظاهر. وقد أقام الصحابة حد الزنا والخمر باللوث الذي هو نظير هذا أو قريب منه، وهو الحمل (٢) والرائحة (٣).

стр. 249

وجوز النبي ﷺ لأولياء القتيل أن يقسموا على عين القاتل - وإن لم يروه (١) - للوث، ويُدفع (٢) إليهم. فلما انكشف الأمر بخلاف ذلك تعين الرجوع إليه، كما لو شهد عليه أربعة: أنه زنا بامرأة، فحكم برجمه، فإذا هي عذراء (٣)، أو ظهر كذبهم، فإن الحد يدرأ عنه، ولو حكم به. فهذا ما ظهر في هذا الحديث الذي هو من مشكلات الأحاديث، والله أعلم (٤). وقرأت في "كتاب (٥) أقضية علي" (٦) ﵁ بغير إسناد - أن امرأة رفعت إلى علي، وشُهد عليها: أنها قد بغَتْ، وكان من قصتها (٧) أنها يتيمة عند رجل، وكان للرجل امرأة، وكان كثير الغيبة

стр. 250

عن أهله. فشبت اليتيمة، فخافت المرأة أن يتزوجها زوجها، فدعت نسوة حتى أمسكنها (١). فأخذت عذرتها بأصبعها، فلما قدم زوجها من غيبته رمتها المرأة بالفاحشة، وأقامت البينة من جاراتها اللواتي ساعدنها على ذلك. فسأل المرأة: ألك شهود؟ قالت: نعم. هؤلاء جاراتي يشهدن بما أقول. فأحضرهن علي، وأحضر السيف، وطرحه بين يديه، وفرق بينهن، فأدخل كل امرأة بيتًا، فدعا امرأة الرجل، فأدارها بكل (٢) وجه، فلم تزل على قولها، فردها إلى البيت الذي كانت فيه، ودعا بإحدى الشهود، وجثا على ركبتيه، وقال: قد (٣) قالت المرأة ما قالت، ورجعت إلى الحق، وأعطيتها الأمان، وإن لم تصدقيني لأفعلن، ولأفعلن. فقالت: لا والله، ما فعلت، إلا أنها رأت جمالًا وهيئة (٤)، فخافت فساد زوجها، فدعتنا (٥) وأمسكناها لها، حتى افتضتها (٦) بأصبعها؛ قال علي: الله أكبر، أنا أول من فرق بين الشاهدين. فألزم المرأة حد القذف، وألزم النسوة جميعًا العُقْر (٧)، وأمر الرجل أن يطلق المرأة، وزوجه اليتيمة، وساق إليها المهر من
следующие страницы →