← Сияса и кади

Сияса и кади · id 18159

الطرق الحكمية في السياسة الشرعية - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (1 013 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

والظاهر: أن راوي الرجم في هذه القصة استبعد أن يكون قد اعترف بالزنا بين يدي رسول الله ﷺ ولم يرجمه. وعلم أن من هديه: رجم الزاني. فقال: "وأمر برجمه". فإن قيل: فحديث عبد الجبار بن وائل عن أبيه، الظاهر أنه في هذه القصة، وقد ذكر "أنه أقام الحد على الذي أصابها" (١). قيل: لا يدل لفظ الحديث على أن القصة واحدة، وإن دل فقد قال البخاري: لم يسمعه (٢) حجاج من عبد الجبار، ولا سمعه عبد الجبار من أبيه. حكاه البيهقي (٣) عنه. على أن في قول البخاري: "إن عبد الجبار ولد بعد موت أبيه بأشهر" (٤) نظرًا (٥)؛ فإن مسلمًا روى في

стр. 247

"صحيحه" عن عبد الجبار قال: "كنت غلامًا لا أعقل صلاة أبي .. " (١) الحديث، وليس في ترك رجمه - مع الاعتراف - ما يخالف أصول الشرع، فإنه قد تاب بنص النبي ﷺ ، ومن تاب من حدٍّ قبل القدرة عليه سقط عنه في أصح القولين (٢)، وقد أجمع عليه الناس في المحارب (٣)، وهو تنبيه على من دونه، وقد قال النبي ﷺ للصحابة لما فرَّ ماعز من بين أيديهم: "هلَّا تركْتُموهُ يتُوبُ، فيتُوبَ الله علَيهِ؟ " (٤).

стр. 248

فإن قيل: فكيف تصنعون بأمره برجم المتهم الذي ظهرت براءته، ولم يقر، ولم تقم عليه بينة، بل بمجرد إقرار المرأة عليه؟ قيل: هذا - لعمر الله - هو الذي يحتاج إلى جواب شافٍ، فإن الرجل لم يقر، بل قال: "أنا الذي أغثتها". فيقال - والله أعلم -: إن هذا مثل إقامة الحد باللوث الظاهر القوي، فإنه أدرك وهو يشتد هاربًا بين أيدي القوم، واعترف بأنه كان عند المرأة، وادعى أنه كان مغيثًا (١) لها، وقالت المرأة: هو هذا. وهذا لوث ظاهر. وقد أقام الصحابة حد الزنا والخمر باللوث الذي هو نظير هذا أو قريب منه، وهو الحمل (٢) والرائحة (٣).

стр. 249

وجوز النبي ﷺ لأولياء القتيل أن يقسموا على عين القاتل - وإن لم يروه (١) - للوث، ويُدفع (٢) إليهم. فلما انكشف الأمر بخلاف ذلك تعين الرجوع إليه، كما لو شهد عليه أربعة: أنه زنا بامرأة، فحكم برجمه، فإذا هي عذراء (٣)، أو ظهر كذبهم، فإن الحد يدرأ عنه، ولو حكم به. فهذا ما ظهر في هذا الحديث الذي هو من مشكلات الأحاديث، والله أعلم (٤). وقرأت في "كتاب (٥) أقضية علي" (٦) ﵁ بغير إسناد - أن امرأة رفعت إلى علي، وشُهد عليها: أنها قد بغَتْ، وكان من قصتها (٧) أنها يتيمة عند رجل، وكان للرجل امرأة، وكان كثير الغيبة

стр. 250

عن أهله. فشبت اليتيمة، فخافت المرأة أن يتزوجها زوجها، فدعت نسوة حتى أمسكنها (١). فأخذت عذرتها بأصبعها، فلما قدم زوجها من غيبته رمتها المرأة بالفاحشة، وأقامت البينة من جاراتها اللواتي ساعدنها على ذلك. فسأل المرأة: ألك شهود؟ قالت: نعم. هؤلاء جاراتي يشهدن بما أقول. فأحضرهن علي، وأحضر السيف، وطرحه بين يديه، وفرق بينهن، فأدخل كل امرأة بيتًا، فدعا امرأة الرجل، فأدارها بكل (٢) وجه، فلم تزل على قولها، فردها إلى البيت الذي كانت فيه، ودعا بإحدى الشهود، وجثا على ركبتيه، وقال: قد (٣) قالت المرأة ما قالت، ورجعت إلى الحق، وأعطيتها الأمان، وإن لم تصدقيني لأفعلن، ولأفعلن. فقالت: لا والله، ما فعلت، إلا أنها رأت جمالًا وهيئة (٤)، فخافت فساد زوجها، فدعتنا (٥) وأمسكناها لها، حتى افتضتها (٦) بأصبعها؛ قال علي: الله أكبر، أنا أول من فرق بين الشاهدين. فألزم المرأة حد القذف، وألزم النسوة جميعًا العُقْر (٧)، وأمر الرجل أن يطلق المرأة، وزوجه اليتيمة، وساق إليها المهر من

стр. 251

عنده (١). ثم حدثهم: أن دانيال (٢) كان يتيمًا، لا أب له ولا أم، وأن عجوزًا من بني (٣) إسرائيل ضمته (٤) وكفلته، وأن ملكًا من ملوك (٥) بني إسرائيل كان له قاضيان. وكانت امرأة مهيبة جميلة تأتي الملك فتناصحه وتقص عليه، وأن القاضيين عشقاها، فراوداها (٦) عن نفسها فأبت، فشهدا عليها عند الملك أنها بغت (٧). فدخل الملكَ من ذلك أمرٌ عظيم، فاشتد غمه - وكان فيها معجبًا -، فقال لهما: إن قولكما مقبول، وأجلها ثلاثة أيام، ثم ترجمونها. ونادى في البلد: احضروا رجْمَ فُلانة، فأكثر الناس في ذلك، وقال الملك لثقته: هل عندك من

стр. 252

حيلة؟ فقال: ماذا عسى عندي؟ - يعنى وقد شهد عليها القاضيان -، فخرج ذلك الرجل في اليوم الثالث، فإذا هو بغلمان يلعبون، وفيهم دانيال، وهو لا يعرفه، فقال دانيال: يا معشر الصبيان تعالوا حتى أكون أنا الملك، وأنت يا فلان المرأة العابدة، وفلان وفلان القاضيين الشاهدين عليها، ثم جمع ترابًا وجعل سيفًا من قصب، وقال للصبيان: خذوا بيد هذا القاضي إلى مكان كذا وكذا، ففعلوا، ثم دعا الآخر، فقال له: قل الحق، فإن لم تفعل قتلتك، بأي شيء تشهد؟ - والوزير واقف ينظر ويسمع -، فقال أشهد أنها بغت، قال: متى؟ قال: يوم كذا وكذا. قال: مع من؟ قال: مع فلان بن فلان (١). قال: في أي مكان؟ قال: في مكان كذا وكذا، فقال: ردوه إلى مكانه، وهاتوا الآخر. فردوه إلى مكانه (٢)، وجاءوا بالآخر فقال: بأي شيء تشهد؟ قال: بَغَتْ. قال: متى؟ قال: يوم كذا وكذا، قال: مع من؟ قال: مع فلان بن فلان، قال: وأين؟ قال: بموضع كذا وكذا، فخالف صاحبه، فقال دانيال: الله أكبر، شهدا عليها والله بالزور، فاحضروا قتلهما. فذهب الثقة إلى الملك مبادرًا، فأخبره الخبر، فبعث إلى القاضيين، ففرق بينهما. وفعل بهما ما فعل دانيال، فاختلفا كما اختلف الغلامان، فنادى الملك في الناس: أن احضروا قتل القاضيين، فقتلهما (٣).

стр. 253

فصل وكان علي ﵁ لا يحبس في الدين، ويقول: "إنه ظلم". قال أبو داود في غير كتاب السنن: حدثنا عمرو بن عثمان، حدثنا مروان - يعني ابن معاوية - عن محمد بن إسحاق عن محمد بن علي (١)، قال: قال علي: "حبس الرجل في السجن بعد معرفة ما عليه من الحق ظلم" (٢). وقال ابن أبي شيبة، حدثنا ابن فضيل (٣)، عن محمد بن إسحاق عن أبي جعفر (٤)، عن علي قال: "حَبْس الرجل في السجن بعد أن يعلم ما عليه من الحق ظلم" (٥).

стр. 254

وقال أبو حاتم الرازي: حدثنا يزيد (١)، حدثنا محمد بن إسحاق، عن أبي جعفر (٢)، أن عليًّا كان يقول: "حبس الرجل في السجن بعد أن يعلم ما (٣) عليه من الحق ظلم" (٤). وقال أبو نعيم: حدثنا إسماعيل (٥) بن إبراهيم قال: سمعت عبد الملك بن عمير يقول: "إن عليًّا كان إذا جاءه الرجل بغريمه، قال: لي عليه كذا. يقول: اقْضِهِ، فيقول: ما عندي ما أقضيه، فيقول غريمه: إنه كاذب، وإنه غيَّب ماله. فيقول: هلُمَّ ببينة على ماله يُقْضَى لك عليه. فيقول: إنه غيّبه، فيقول: استحلفه بالله ما غيّب منه شيئًا. قال: لا أرضى بيمينه. فيقول: فما تريد؟ قال: أريد أن تحبسه لي، فيقول: لا آمنك على ظلمه ولا أحبسه، قال: إذن ألزمه، قال: إن لزمته كنت ظالمًا له، وأنا حائل بينك وبينه" (٦).

стр. 255

قلت: هذا الحكم عليه جمهور الأمة (١) فيما إذا كان عليه دين (٢) عن غير عوض مالي، كالإتلاف والضمان والمهر ونحوه، فإن القول قِوله مع يمينه، ولا يحل حبسه بمجرد قول الغريم: إنه مليء، وإنه غيَّب ماله. قالوا: وكيف يقبل قول غريمه عليه (٣)، ولا أصل هناك يستصحبه ولا عوض؟ هذا الذي ذكره أصحاب الشافعي (٤) ومالك (٥) وأحمد (٦). وأما أصحاب أبي حنيفة (٧): فإنهم قسموا الدين إلى ثلاثة أقسام: قسم عن عوض مالي، كالقرض، وثمن البيع ونحوهما. وقسم لزمه بالتزامه، كالكفالة والمهر وعوض الخلع ونحوه. وقسم لزمه بغير

стр. 256

التزامه، وليس في مقابلة عوض، كبدل المتلف وأرش (١) الجناية، ونفقة الأقارب والزوجات، وإعتاق العبد المشترك ونحوه. ففي القسمين الأولين: يسأل المدعي عن إعسار (٢) غريمه، فإن أقر بإعساره لم يحبس له، وان أنكر إعساره وسأل حبسه: حبس؛ لأن الأصل بقاء عوض الدين عنده، والتزامه (٣) للقسم (٤) الآخر باختياره يدل على قدرته على الوفاء. وهل تسمع بينته (٥) بالإعسار قبل الحبس أو بعده؟ على قولين (٦) عندهم. وإذا قيل: لا تسمع (٧) إلا بعد الحبس، فقال بعضهم: تكون مدةُ الحبس شهرًا، وقيل: اثنين (٨)، وقيل: ثلاثة، وقيل: أربعة، وقيل: ستة، والصحيح: أنه لا حد له، وأنه مفوض إلى رأي

стр. 257

الحاكم (١). والذي يدل عليه الكتاب والسنة وقواعد الشرع: أنه لا يحبس في شيء من ذلك، إلا أن يظهر بقرينة أنه قادر مماطل، سواء كان دَيْنُهُ عن عوض أو عن غير عوض، وسواء لزمه باختياره أو بغير اختياره، فإن الحبس عقوبة، والعقوبة إنما تسوغ بعد تحقق سببها، وهي من جنس الحدود، فلا يجوز إيقاعها بالشبهة، بل يتثبت الحاكم، ويتأمل حال الخصم، ويسأل عنه، فإن تبين له مَطْلُه وظلمُه ضربه إلى أن يُوفِّي أو يحبسه (٢)، وإن تبين له بالقرائن والأمارات عجزه لم يحل له أن يحبسه (٣) ولو أنكر غريمه إعسارَه، فإن عقوبة المعذور شرعًا ظلم، وإن لم يتبين له من حاله شيء أخَّره حتى يتبين له حاله. وقد قال النبي ﷺ لغرماء المفلس الذي لم يكن له ما يوفي دينه: "خُذوا ما وَجدْتُمْ، وليس لكُمْ إِلا ذلك" (٤). وهذا صريح في أنهم ليس لهم إذا أخذوا ما وجدوه إلا ذلك، وليس لهم حبسه ولا ملازمته. ولا ريب أن الحبس من جنس الضرب،

стр. 258

بل قد يكون أشد منه. ولو قال الغريم للحاكم: اضربه إلى أن يُحضر المال، لم يُجِبْه إلى ذلك. فكيف يُجيبه إلى الحبس الذي هو مثله أو أشد. ولم يحبس الرسول ﷺ طول مدته أحدًا في دين قط، ولا أبو بكر بعده ولا عمر ولا عثمان (١) ﵃، وقد ذكرنا قول علي ﵁. قال شيخنا ﵀: وكذلك لم يحبس رسول الله ﷺ ، ولا أحد من الخلفاء الراشدين زوْجًا في صداق امرأته (٢) أصلًا (٣). وفي رسالة الليث بن سعد (٤) إلى مالك التي رواها يعقوب بن سفيان الفسوي (٥) الحافظ في "تاريخه" (٦) عن أيوب عن (٧) يحيى بن

стр. 259

عبد الله (١) بن بكير (٢) المخزومي، قال: هذه رسالة الليث بن سعد إلى مالك فذكرها إلى أن قال: "ومن ذلك: أن أهل المدينة يقضون في صدقات النساء، أنها متى شاءت أن تكلم في مؤخر صداقها تكلمت (٣) فيدفع (٤) إليها. وقد وافق أهل العراق أهل المدينة على ذلك، وأهل الشام وأهل مصر. ولم يقض أحد من أصحاب رسول الله ﷺ ولا من بعده لامرأة بصداقها المؤخر، إلا أن يفرق بينهما موت أو طلاق، فتقوم على حقها" (٥). قلت: مراده بالمؤخر: الذي أخر قبضه عن (٦) العقد، فتُرك مسمى، وليس المراد به: المؤجل؛ فإن الأمة مجمعة على أن المرأة لا تطالب به قبل أجله، بل هو كسائر الديون المؤجلة (٧)، وإنما المراد: ما يفعله الناس من تقديم بعض المهر إلى المرأة، وإرجاء الباقي، كما

стр. 260

يفعله الناس اليوم، وقد دخلت الزوجة (١) والزوج (٢) والأولياء على تأخيره إلى الفرقة (٣)، وعدم المطالبة به ما داما متفقين. ولذلك لا تطالب به إلا عند الشر والخصومة، أو تزوجه بغيرها، والله يعلم والزوج والشهود والمرأة والأولياء أن الزوج والزوجة لم يدخلا إلا على ذلك. وكثير من الناس يسمي (٤) صداقًا تتجمل به المرأة وأهلها، ويَعِدُونه - بل يحلفون له - أنهم لا يطالبون (٥) به، فهذا لا تسمع دعوى المرأة به قبل الطلاق، أو الموت، ولا يطالب به الزوج ولا يحبس به أصلًا، وقد نص أحمد على ذلك (٦)، وأنها إنما تطالب به عند الفرقة أو الموت، وهذا هو الصواب الذي لا تقوم مصلحة الناس إلا به. قال شيخنا ﵀: ومن حين سُلط النساء على المطالبة (٧) بالصدقات المؤخرة، وحبس الأزواج عليها، حدث من الشر (٨)

стр. 261

والفساد ما الله به عليم، وصارت المرأة إذا أحست من زوجها بصيانتها (١) في البيت، ومنعها من البروز والخروج من منزله والذهاب حيث شاءت: تدّعي بصداقها، وتحبس الزوج عليه، وتنطلق حيث شاءت، فيبيت الزوج (٢) ويظل يتلوى في الحبس، وتبيت المرأة فيما تبيت فيه (٣). فإن قيل: فالشروط (٤) إنما تكتب حالًّا في ذمته تطالبه به متى شاءت. قيل: لا عبرة بهذا بعد الاطلاع على حقيقة الحال، وأن الزوج لو عرف أن هذا دين حالٌّ تطالبه به بعد يوم أو شهر، وتحبسه عليه (٥): لم يقدم على ذلك أبدًا، وإنما دخلوا على أن (٦) ذلك مسمى، تتجمل به المرأة، والمهر هو ما ساق إليها، فإن قدر بينهما طلاق أو موت طالبته بذلك. وهذا هو الذي في نظر الناس وعرفهم وعوائدهم، ولا تستقيم أمورهم إلا به (٧)، والله المستعان.

стр. 262

والمقصود: أن الحبس في الدين من جنس الضرب بالسياط والعصي فيه، وذلك عقوبة لا تسوغ إلا عند تحقق السبب الموجب، ولا تسوغ بالشبهة، بل سقوطها بالشبهة أقرب إلى قواعد الشريعة من ثبوتها بالشبهة (١)، والله أعلم. وقال الأصبغ بن نباتة: بينا علي ﵁ جالسًا في مجلسه، إذ سمع صيحة، فقال: ما هذا؟ فقالوا: رجل سرق، ومعه من يشهد عليه، فأمر بإحضارهم فدخلوا، فشهد شاهدان عليه: أنه سرق درعًا، فجعل الرجل يبكي ويناشد عليًّا أن يتثبت في أمره، فخرج علي إلى مجمع (٢) الناس بالسوق، فدعا بالشاهدين فناشدهما الله (٣) وخوفهما، فأقاما على شهادتهما، فلما رآهما لا يرجعان دعا (٤) بالسكين وقال: ليمسك أحدكما يده ويقطع الآخر، فتقدما ليقطعاه، فهاج (٥) الناس، واختلط بعضهم ببعض، وقام علي عن الموضع. فأرسل الشاهدان يد الرجل وهربا. فقال علي: من يدلني على الشاهدين الكاذبين؟ فلم يوقف لهما على خبر، فخلى سبيل

стр. 263

الرجل (١). وهذا من أحسن الفراسة، وأصدقها، فإنه ولَّى الشاهدين من ذلك ما توليا، وأمرهما أن يقطعا بأيديهما من قطعا يده بألسنتهما، ومن هنا قالوا: إنه يبدأ الشهود بالرجم إذا شهدوا بالزنا (٢). وجاءت إلى علي ﵁ امرأة، فقالت: إن زوجي وقع على جاريتي بغير أمري، فقال للرجل: ما تقول؟ قال: ما وقعت عليها إلا بأمرها، فقال: إن كنت صادقة رجمته، وإن كنت كاذبة جلدتك الحد، وأقيمت الصلاة، وقام ليصلي، ففكرت المرأة في نفسها، فلم تر لها فَرَجًا (٣) في أن يرجم زوجها ولا في أن تجلد، فولت ذاهبة، ولم يسأل عنها علي (٤). فصل ومن المنقول عن كعب بن سور، قاضي عمر بن الخطاب، أنه اختصم إليه امرأتان، كان لكل واحدة (٥) منهما ولد، فانقلبت إحدى المرأتين على أحد الصبيين فقتلته، فادعت كل واحدة منهما الباقي، فقال كعب: لست سليمان (٦) بن داود، ثم دعا بتراب ناعم ففرشه، ثم

стр. 264

أمر المرأتين فوطئتا عليه، ثم مشى الصبي عليه. ثم دعا القائف فقال: انظر في هذه الأقدام، فألحقه بأحدهما (١). قال عمر بن شبّة (٢): وأتى صاحبُ عين هَجَر إلى عمر بن الخطاب، فقال: يا أمير المؤمنين، إن لي عينًا، فاجعل لي خراج ما تسقي، قال: هو لك، فقال كعب (٣): يا أمير المؤمنين، ليس له ذلك، قال: ولم؟ قال: لأنه يفيض ماؤه عن أرضه، فيسيح في أراضي الناس، ولو حبس ماءه في أرضه لغرقت، فلم ينتفع بأرضه ولا بمائه، فمره فليحبس ماءه عن أراضي الناس إن كان صادقًا، فقال له عمر: أتستطيع أن تحبس ماءك؟ قال (٤): لا. قال: فكانت هذه لكعب (٥). فصل ومن ذلك: أنه يجوز للحاكم الحكم بشهادة الرجل الواحد إذا عرف صدقه (٦)، في غير الحدود ، ولم يوجب الله على الحكام ألا يحكموا إلا

стр. 265

بشاهدين أصلًا، وإنما أمر صاحب الحق أن يحفظ حقه بشاهدين، أو شاهد وامرأتين، وهذا لا يدل على أن الحاكم لا يحكم باقل من ذلك، بل قد حكم النبي ﷺ بالشاهد واليمين (١)، وبالشاهد فقط (٢). قال ابن عباس ﵄: "قَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ" رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٣). وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁: "قَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ (٤) بِالْيَمِينِ مَعَ الشَاهِدِ الْوَاحِدِ" رواه ابن وهب عن سليمان بن بلال (٥) عن ربيعة (٦) عن سهيل (٧) عنه. رواه أبو داود (٨).

стр. 266

وقال جابر بن عبد الله ﵁: "قَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ" رواه الشافعي عن الثقفي (١) عن جعفر بن محمد (٢) عن أبيه عنه (٣).

стр. 267

وقال علي بن أبي طالب ﵁: "قَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ بِشَهَادَةِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مَعَ يَمِينِ صَاحِبِ الحَقِّ". رواه البيهقي (١) من حديث

стр. 268

شبابة (١) حدثنا عبد العزيز بن (٢) الماجشون عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده عنه (٣)، وقال سُرَّق (٤): "قَضَى رَسُولُ الله ﷺ بشَاهِدٍ وَيَمينٍ" (٥). رواه يعقوب بن سفيان في "مسنده" (٦). قال المنذري: وقد روي القضاء بالشاهد واليمين من رواية عمر بن الخطاب (٧) وعلي بن أبي طالب (٨)، وابن

стр. 269

عمر (١)، وعبد الله بن عمرو (٢)، وسعد بن

стр. 270

عبادة (١)، والمغيرة بن

стр. 271

شعبة (١)، وجماعة من الصحابة ﵃ انتهى (٢)، وعمرو بن حزم (٣)، والزبيب (٤) بن ثعلبة (٥)، وقضى بذلك عمر بن الخطاب (٦)، وعلي بن أبي

стр. 272

طالب (١) ﵄، والقاضي العدل شريح (٢)، وعمر بن عبد العزيز (٣). قال الليث بن سعد عن يحيى بن سعيد: أن ذلك عندنا هو السنة المعروفة. قال أبو عبيد: وذلك من السنن الظاهرة التي هي أكثر من الرواية والحديث (٤).

стр. 273

قال أبو عبيد (١): وهو الذي نختاره، اقتداءً برسول الله ﷺ ، واقتصاصًا لأثره، وليس ذلك مخالفًا لكتاب الله عند من فهمه، ولا بين حكم (٢) الله وحكم رسوله اختلاف، وإنما هو غلط في التأويل، حين لم يجدوا ذكر اليمين في الكتاب ظاهرًا، فظنوه خلافًا، وإنما الخلاف: لو كان الله حظر اليمين في ذلك ونهى عنها، والله تعالى لم يمنع من اليمين، إنما أثبتها الكتاب - إلى أن قال -: ﴿فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] وأمسك، ثم فسرت السنة ما وراء ذلك، وسنة رسول الله ﷺ مفسرة للقرآن ومترجمة عنه، على هذا أكثر الأحكام (٣): كقوله: "لا وصِيَّة لِوارِثٍ" (٤)، والرَّجْمُ على

стр. 274

المُحْصَنِ (١)، والنَّهْيُ عن نِكاحِ المرأة على عمَّتِها وخالَتِها (٢)، والتحْرِيمُ مِن الرَّضاع ما يَحْرُمُ من النَّسَبِ (٣)، وقطع الموارثة بين أهل الإسلام والكفر (٤)، وإيجابه على المطلقة ثلاثًا مسيس الزوج الآخر (٥)، في شرائع كثيرة لا يوجد لفظها في ظاهر الكتاب، ولكنها سنن شرعها رسول الله ﷺ ، فعلى الأمة (٦) اتباعها كاتباع الكتاب، وكذلك الشاهد واليمين لما قضى رسول الله ﷺ بهما، وإنما في الكتاب: ﴿فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] علم أن ذلك إذا وجدتا (٧)، فإذا عدمتا (٨) قامت اليمين مقامهما، كما علم حين مسح

стр. 275

النبي ﷺ على الخفين أن قوله تعالى: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] معناه: أن تكون الأقدام بادية (١). وكذلك لما رجم المحصن في الزنا: علم أن قوله: ﴿فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢] للبكرين. وكذلك كل ما ذكرنا من السنن على هذا، فما بال الشاهد واليمين ترد من بينها؟ وإنما هي ثلاث منازل في شهادات الأموال، اثنتان بظاهر الكتاب وواحدة (٢) بتفسير السنة له. فالمنزلة الأولى: الرجلان. والثانية: الرجل والمرأتان. والثالثة: الرجل واليمين. فمن أنكر هذه لزمه إنكار كل شيء ذكرناه، لا يجد من ذلك بدًّا حتى يخرج من قول العلماء. قال أبو عبيد (٣): ويقال لمن أنكر الشاهد واليمين، وذكر أنه خلاف القرآن: ما تقول في الخصم يشهد له الرجل والمرأتان، وهو واجد لرجلين يشهدان له؟ فإن قالوا: الشهادة جائزة. قيل: ليس هذا أولى بالخلاف، وقد اشترط القرآن فيه ألا يكون للمرأتين (٤) شهادة إلا

стр. 276

مع فَقْد أحد الرجلين، فإنه سبحانه قال: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] ولم يقل: واستشهدوا شهيدين من رجالكم أو رجلًا وامرأتين. فيكون فيه الخيار، كما جعله في الفدية كما قال تعالى: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦]. ومثل ما جعله في كفارة اليمين بإطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم أو تحرير رقبة (١). فهذه أحكام الخيار (٢). ولم يقل ذلك في آية (٣) الدين (٤). ولكنه قال فيها كما قال في آية الفرائض: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ [النساء: ١١]، كذلك الآية التي بعدها، فقوله ها هنا: ﴿إِنْ لَمْ يَكُنْ﴾ كقوله في آية الشهادة: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا﴾، وكذلك قال في آية الطهور: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣] و [المائدة: ٦] وفي آية الظهار (٥): ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ [المجادلة: ٤] وكذلك في متعة الحج وكفارة اليمين: أن الصوم لا يجزئُ الواجد. فأي الحكمين أولى بالخلاف: هذا أم (٦) الشاهد واليمين، الذي ليس فيه (٧) من الله اشتراط منع، إنما سكت عنه، ثم فسرته السنة؟

стр. 277

قال أبو عبيد (١): وقد وجدنا في حكمهم ما هو أعجب من هذا، وهو قولهم في رضاع اليتيم الذي لا مال له، وله خال وابن عم موسران: إن الخال يجبر على رضاعه؛ لأنه مَحْرم (٢)، وإنما اشترط التنزيلُ غيرَه فقال: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٣٣] وقد أجمع المسلمون أن لا ميراث للخال مع ابن العم (٣)، ثم لم (٤) نجد هذا الحكم في السنة عن رسول الله ﷺ ، ولا عن أحد من سلف العلماء، وقد وجدنا الشاهد واليمين في آثار متواترة عن النبي ﷺ (٥)، وعن غير واحد من الصحابة (٦) ومن التابعين (٧).

стр. 278

وقال الربيع (١): قال الشافعي: قال بعض الناس في اليمين مع الشاهد قولًا أسرف فيه على نفسه، قال: أَرُدُّ حكم من حكم بها؛ لأنه خالف القرآن. فقلت له: الله تعالى (٢) أمر بشاهدين أو شاهد وامرأتين؟ قال: نعم، فقلت: أحتمٌ من الله ألا يجوز أقل من شاهدين؟ قال: فإن قلته؟ قلت: فقله. قال: قد قلته. قلت: وتجد في الشاهدين اللذين أمر الله بهما حدًّا؟ قال: نعم، حُران مسلمان بالغان عدلان. قلت: ومن حكم بدون ما قلت خالف حكم الله؟ قال: نعم. قلت له: إن كان كما زعمت، فقد خالفت حكم الله، قال: وأين؟ قلت: أجزت شهادة أهل الذمة، وهم غير الذين شرط الله أن تجوز شهادتهم، وأجزت شهادة القابلة وحدها على الولادة، وهذان وجهان أَعطيتَ بهما من جهة الشهادة، ثم أَعطيتَ بغير شهادة في القسامة وغيرها. قلت: والقضاء باليمين مع الشاهد ليس يخالف حكم الله، بل هو موافق لحكم الله، إذ فَرَضَ الله تعالى طاعة رسوله ﷺ ، فاتبعت رسول الله ﷺ فعن الله سبحانه قبلت، كما قبلت عن رسوله. قال (٣): أفيوجد لهذا نظير في القرآن؟ قلت: نعم (٤). أمر الله سبحانه في الوضوء بغسل

стр. 279

القدمين أو مسحهما، فمسحنا على الخفين بالسنة (١). وقال تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ [الأنعام: ١٤٥]. فحرمنا نحن وأنت كل ذي ناب من السباع بالسنة (٢). وقال: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] فحرمنا نحن وأنت الجمع بين المرأة وعمتها، وبينها وبين خالتها (٣)، وذكر الرجم (٤) ونصاب السرقة (٥). قال: وكان رسول الله ﷺ المبين عن الله معنى ما أراد خاصًّا وعامًّا (٦). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: القرآن لم يذكر الشاهدين والرجل والمرأتين في طرق الحكم التي يحكم بها الحاكم، وإنما ذكر هذين النوعين من البينات في الطرق التي يحفظ بها الإنسان حقه. فقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ

стр. 280

كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، فأمرهم سبحانه بحفظ حقوقهم بالكتاب وأمر من عليه الحق أن يملّ الكاتب، فإن لم يكن ممن يصح إملاؤه أملى عنه وليه، ثم أمر من له الحق أن يستشهد على حقه رجلين، فإن لم يجد فرجل وامرأتان، ثم نهى الشهداء المتحملين للشهادة عن التخلف عن إقامتها إذا طُلبوا لذلك، ثم رخص لهم في التجارة الحاضرة: ألا يكتبوها. ثم أمرهم بالإشهاد عند التبايع، ثم أمرهم إذا كانوا على سفر - ولم يجدوا كاتبًا - أن يستوثقوا بالرهان المقبوضة (١). كل هذا نصيحة لهم، وتعليم وإرشاد لما يحفظون به حقوقهم (٢)، وما تُحفظ به الحقوق شيء، وما يحكم به الحاكم شيء؛ فإن طرق الحكم أوسع من الشاهدين والشاهد (٣) والمرأتين، فإن الحاكم يحكم بالنكول واليمين المردودة، ولا ذكر لهما في القرآن، فإن كان الحكم بالشاهد الواحد واليمين مخالفًا لكتاب الله، فالحكم بالنكول (٤) والرد أشد مخالفة (٥).

стр. 281

وأيضًا؛ فإن الحاكم يحكم بالقرعة بكتاب الله وسنة رسوله الصحيحة (١)، ويحكم بالقافة بالسنة الصحيحة التي لا معارض لها (٢)، ويحكم بالقسامة بالسنة الصحيحة (٣) الصريحة (٤)، ويحكم بشاهد الحال إذا تداعى الزوجان أو الصانعان متاع البيت والدكان (٥)، ويحكم - عند من أنكر الحكم بالشاهد واليمين - بوجوه الآجر في الحائط فيجعله للمدعي إذا كانت إلى جهته (٦)، ويحكم بمعاقد القمط في الخص فيجعله للمدعي إذا كانت من جهته (٧). وهذا كله ليس في القرآن ولا حَكَمَ به رسول الله ﷺ ولا أحد من أصحابه (٨)، فكيف ساغ الحكم به، ولم يجعل مخالفًا لكتاب الله؟ ويُردُّ ما حكم به رسول الله ﷺ وخلفاؤه الراشدون وغيرهم من الصحابة، ويجعل مخالفًا لكتاب الله؟ بل القول ما قاله أئمة (٩) الحديث (١٠): إن الحكم بالشاهد

стр. 282

واليمين: حكم بكتاب الله، فإنه حق، والله سبحانه أمر بالحكم بالحق. فهاتان قضيتان ثابتتان بالنص؛ أما الأولى: فلأن رسول الله ﷺ وخلفاءه من بعده حكموا به ولا يحكمون بباطل. وأما الثانية: فلقوله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩] وقوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ [النساء: ١٠٥]، فالحكم بالشاهد واليمين مما أراه الله إياه قطعًا، وقال تعالى: ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾ [الشورى: ١٥] وهذا مما حكم به، فهو عدل مأمور به من الله ولا بد. فصل والذين ردوا هذه السنة (١) لهم طرق: الطريق الأول: أنها خلاف كتاب الله، فلا تقبل . وقد بين الأئمة كالشافعي (٢) وأحمد (٣) وأبي عبيد (٤) وغيرهم - أن كتاب الله لا يخالفها بوجه، وإنها لموافقة (٥) لكتاب الله. وأنكر الإمام

стр. 283

أحمد (١) والشافعي (٢) على من رد أحاديث رسول الله ﷺ ، لزعمه أنها تخالف ظاهر القرآن، وللإمام أحمد في ذلك كتاب مفرد سماه "كتاب طاعة الرسول ﷺ " (٣). والذي يجب على كل مسلم اعتقاده: أنه ليس في سنن رسول الله ﷺ الصحيحة سنة واحدة تخالف كتاب الله، بل السنن مع كتاب الله تعالى على ثلاث منازل (٤): المنزلة الأولى: سنة موافقة شاهدة بنفس ما شهد به الكتاب المنزل (٥). المنزلة (٦) الثانية: سنة تفسر الكتاب، وتبين مراد الله منه، وتقيد مطلقه. المنزلة الثالثة: سنة (٧) متضمنة لحكم سكت عنه الكتاب فتبينه

стр. 284

بيانًا مبتدأً. ولا يجوز رد واحدة (١) من هذه الأقسام الثلاثة، وليس للسنة مع كتاب الله منزلة رابعة، وقد أنكر الإمام (٢) أحمد على من قال: "السنة تقضي على الكتاب" (٣) فقال: بل السنة تفسر الكتاب وتبينه (٤). والذي نُشهد الله ورسوله به: أنه لم تأت سنة صحيحة واحدة (٥) عن رسول الله ﷺ تناقض كتاب الله وتخالفه ألبتة، كيف ورسول الله ﷺ هو المبين لكتاب الله، وعليه أنزل، وبه هداه الله، وهو مأمور باتباعه، وهو أعلم الخلق بتأويله ومراده، ولو ساغ رد سنن رسول الله ﷺ لما (٦) فهمه الرجل من ظاهر الكتاب لردت بذلك أكثر السنن، وبطلت بالكلية. فما من أحد يحتج عليه بسنة صحيحة تخالف مذهبه ونحلته

стр. 285

إلا ويمكنه أن يتشبث بعموم آية أو إطلاقها، ويقول: هذه السنة مخالفة لهذا العموم والإطلاق فلا تقبل. حتى إن الرافضة - قبحهم الله - سلكوا هذا المسلك بعينه في رد السنن الثابتة المتواترة، فردوا قوله ﷺ : "لا نُورَثُ مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ" (١)، وقالوا: هذا حديث يخالف كتاب الله، قال تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ (٢) [النساء: ١١]. وردت الجهمية ما شاء الله من الأحاديث الصحيحة في إثبات الصفات بظاهر قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]. وردت الخوارج ما شاء الله من الأحاديث الدالة على الشفاعة (٣) وخروج أهل الكبائر من الموحدين من النار (٤) بما فهموه
следующие страницы →