← Сияса и кади

Сияса и кади · id 18159

الطرق الحكمية في السياسة الشرعية - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (1 013 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

وأيضًا؛ فإن الحاكم يحكم بالقرعة بكتاب الله وسنة رسوله الصحيحة (١)، ويحكم بالقافة بالسنة الصحيحة التي لا معارض لها (٢)، ويحكم بالقسامة بالسنة الصحيحة (٣) الصريحة (٤)، ويحكم بشاهد الحال إذا تداعى الزوجان أو الصانعان متاع البيت والدكان (٥)، ويحكم - عند من أنكر الحكم بالشاهد واليمين - بوجوه الآجر في الحائط فيجعله للمدعي إذا كانت إلى جهته (٦)، ويحكم بمعاقد القمط في الخص فيجعله للمدعي إذا كانت من جهته (٧). وهذا كله ليس في القرآن ولا حَكَمَ به رسول الله ﷺ ولا أحد من أصحابه (٨)، فكيف ساغ الحكم به، ولم يجعل مخالفًا لكتاب الله؟ ويُردُّ ما حكم به رسول الله ﷺ وخلفاؤه الراشدون وغيرهم من الصحابة، ويجعل مخالفًا لكتاب الله؟ بل القول ما قاله أئمة (٩) الحديث (١٠): إن الحكم بالشاهد

стр. 282

واليمين: حكم بكتاب الله، فإنه حق، والله سبحانه أمر بالحكم بالحق. فهاتان قضيتان ثابتتان بالنص؛ أما الأولى: فلأن رسول الله ﷺ وخلفاءه من بعده حكموا به ولا يحكمون بباطل. وأما الثانية: فلقوله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩] وقوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ [النساء: ١٠٥]، فالحكم بالشاهد واليمين مما أراه الله إياه قطعًا، وقال تعالى: ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾ [الشورى: ١٥] وهذا مما حكم به، فهو عدل مأمور به من الله ولا بد. فصل والذين ردوا هذه السنة (١) لهم طرق: الطريق الأول: أنها خلاف كتاب الله، فلا تقبل . وقد بين الأئمة كالشافعي (٢) وأحمد (٣) وأبي عبيد (٤) وغيرهم - أن كتاب الله لا يخالفها بوجه، وإنها لموافقة (٥) لكتاب الله. وأنكر الإمام

стр. 283

أحمد (١) والشافعي (٢) على من رد أحاديث رسول الله ﷺ ، لزعمه أنها تخالف ظاهر القرآن، وللإمام أحمد في ذلك كتاب مفرد سماه "كتاب طاعة الرسول ﷺ " (٣). والذي يجب على كل مسلم اعتقاده: أنه ليس في سنن رسول الله ﷺ الصحيحة سنة واحدة تخالف كتاب الله، بل السنن مع كتاب الله تعالى على ثلاث منازل (٤): المنزلة الأولى: سنة موافقة شاهدة بنفس ما شهد به الكتاب المنزل (٥). المنزلة (٦) الثانية: سنة تفسر الكتاب، وتبين مراد الله منه، وتقيد مطلقه. المنزلة الثالثة: سنة (٧) متضمنة لحكم سكت عنه الكتاب فتبينه

стр. 284

بيانًا مبتدأً. ولا يجوز رد واحدة (١) من هذه الأقسام الثلاثة، وليس للسنة مع كتاب الله منزلة رابعة، وقد أنكر الإمام (٢) أحمد على من قال: "السنة تقضي على الكتاب" (٣) فقال: بل السنة تفسر الكتاب وتبينه (٤). والذي نُشهد الله ورسوله به: أنه لم تأت سنة صحيحة واحدة (٥) عن رسول الله ﷺ تناقض كتاب الله وتخالفه ألبتة، كيف ورسول الله ﷺ هو المبين لكتاب الله، وعليه أنزل، وبه هداه الله، وهو مأمور باتباعه، وهو أعلم الخلق بتأويله ومراده، ولو ساغ رد سنن رسول الله ﷺ لما (٦) فهمه الرجل من ظاهر الكتاب لردت بذلك أكثر السنن، وبطلت بالكلية. فما من أحد يحتج عليه بسنة صحيحة تخالف مذهبه ونحلته

стр. 285

إلا ويمكنه أن يتشبث بعموم آية أو إطلاقها، ويقول: هذه السنة مخالفة لهذا العموم والإطلاق فلا تقبل. حتى إن الرافضة - قبحهم الله - سلكوا هذا المسلك بعينه في رد السنن الثابتة المتواترة، فردوا قوله ﷺ : "لا نُورَثُ مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ" (١)، وقالوا: هذا حديث يخالف كتاب الله، قال تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ (٢) [النساء: ١١]. وردت الجهمية ما شاء الله من الأحاديث الصحيحة في إثبات الصفات بظاهر قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]. وردت الخوارج ما شاء الله من الأحاديث الدالة على الشفاعة (٣) وخروج أهل الكبائر من الموحدين من النار (٤) بما فهموه

стр. 286

من ظاهر القرآن (١). وردت الجهمية أحاديث الرؤية - مع كثرتها وصحتها (٢) - بما فهموه من ظاهر القرآن في قوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣]. وردت القدرية (٣) أحاديث القدر (٤) الثابتة (٥) بما فهموه من ظاهر

стр. 287

القرآن (١). وردت كل طائفة ما ردته من السنة بما فهموه من ظاهر القرآن. فإما أن يطرد الباب في ردِّ هذه السنن كلها، وإما أن يطرد الباب في قبولها ولا يُردُّ شيء منها لما (٢) يفهم من ظاهر القرآن. أما أن يرد بعضها ويقبل بعضها (٣) - ونسبة المقبول إلى ظاهر القرآن كنسبة المردود - فتناقض ظاهر، وما من أحد رد سنة (٤) بما فهمه من ظاهر القرآن إلا وقد قبل أضعافها مع كونها كذلك (٥). وقد أنكر الإمام أحمد والشافعي وغيرهما (٦) على من رد أحاديث تحريم كل ذي ناب من السباع (٧) بظاهر قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ [الأنعام: ١٤٥]. وقد أنكر النبي ﷺ على من رد سنته التي لم تذكر في القرآن (٨)،

стр. 288

ولم يدع معارضة القرآن لها، فكيف يكون إنكاره على من ادعى أن سنته تخالف القرآن وتعارضه؟ فصل الطريق الثاني: أن اليمين إنما شرعت في جانب المدعى عليه فلا تشرع في جانب المدعي. قالوا (١): ويدل على ذلك: قوله ﷺ : "البَيِّنَةُ على مَن ادَّعَى (٢)، وَاليَمِينُ عَلى مَنْ أَنْكَرَ" (٣) فجعل اليمين من جانب المنكر. وهذه الطريقة ضعيفة جدًّا من وجوه. أحدها: أن أحاديث القضاء بالشاهدين (٤) واليمين أصح، وأصرح،

стр. 289

وأوضح (١)، وأشهر (٢)، وهذا الحديث لم يروه أحد من أهل الكتب الستة (٣). الثاني: أنه لو قاومها في الصحة والشهرة لوجب تقديمها (٤) عليه لخصوصها وعمومه. الثالث: أن اليمين إنما كانت في جانب (٥) المدعى عليه، حيث لم يترجح المدعي بشيء غير الدعوى، فيكون جانب المدعى عليه أولى باليمين، لقوته بأصل براءة الذمة (٦)، فكان هو أقوى المتداعيين باستصحاب الأصل، فكانت اليمين من جهته. فإذا ترجح المدعي بلوث، أو نكول، أو شاهد، كان أولى باليمين، لقوة جانبه بذلك، فاليمين مشروعة في جانب (٧) أقوى

стр. 290

المتداعيين (١)، فأيهما قوي جانبه شرعت اليمين في حقه (٢) تقوية وتأكيدًا ولهذا لما قوي جانب المدعين باللوث شرعت الأيمان في جانبهم (٣) ولما قوي جانب المدعي بنكول المدعى (٤) عليه ردت اليمين عليه، كما حكم به الصحابة (٥)، وصوَّبه الإمام أحمد (٦)، وقال: ما هو ببعيد، يحلف ويأخذ. ولما قوي جانب المدعى عليه بالبراءة الأصلية: كانت اليمين في حقه (٧)، وكذلك الأمناء، كالمودعَ (٨)،

стр. 291

والمستأجر (١)، والوكيل (٢)، والوصي (٣): القول قولهم، ويحلفون؛ لقوة جانبهم بالأيمان (٤). فهذه قاعدة الشريعة المستمرة، فإذا أقام

стр. 292

المدعي شاهدًا واحدًا قوي جانبه، فترجح على (١) جانب المدعى عليه الذي ليس معه إلا مجرد استصحاب الأصل، وهو دليل ضعيف يرفع بكل دليل يخالفه (٢)، ولهذا يرفع بالنكول واليمين المردودة واللوث والقرائن الظاهرة، فرفع بقول الشاهد الواحد، وقويت شهادته بيمين المدعي، فأي قياس أحسن من هذا وأصح (٣)؟ مع موافقته (٤) للنصوص والآثار التي لا تُدفع. فصل وقد ذهب طائفة من قضاة السلف العادلين إلى الحكم بشهادة الشاهد الواحد، إذا علم صدقه من غير يمين ، قال أبو عبيد: رُوّينا عن عظيمين من قضاة أهل العراق: شريح، وزرارة بن أبي أوفى - رحمهما الله - أنهما قضيا بشهادة شاهد واحد. ولا ذكر لليمين في حديثهما (٥). حدثنا الهيثم بن جميل عن شريك عن أبي إسحاق (٦) قال: أجاز شريح شهادتي وحدي (٧).

стр. 293

قال (١) حدثنا القاسم بن جميل (٢) عن حماد بن سلمة عن عمران بن حدير (٣)، قال: شهد (٤) أبو مجلز (٥) عند زرارة بن أبي أوفى، قال أبو مجلز: فأجاز شهادتي وحدي، ولم يصب (٦). قلت: لم يصب عند أبي مجلز (٧)، وإلا فإذا علم الحاكم صدق الشاهد الواحد جاز له الحكم بشهادته، وإن رأى تقويته باليمين فعل،

стр. 294

وإلا فليس ذلك بشرط، والنبي ﷺ لما حكم بالشاهد واليمين لم يشترط اليمين، بل قوى بها شهادة الشاهد. وقال أبو داود في "السنن" (١): باب إذا علم الحاكم صدق الشاهد الواحد يجوز له أن يحكم به. ثم ساق حديث خزيمة بن ثابت: "أَنَّ النَّبي ﷺ ابْتَاعَ فَرَسًا مِنْ أعْرابي (٢)، فَأَسْرَعَ النَّبِي ﷺ المَشْيَ، وَأَبْطَأَ الأَعْرَابِي، فَطفِقَ (٣) رِجَال يَعْتَرِضُونَ الأَعْرابي، فَيسَاوِمُونَه بِالفَرَس، وَلَا يَشْعُرُونَ أَنَّ النَّبي ﷺ ابْتَاعَهُ، فَنَادَى الأَعْرابِي رَسُولَ الله ﷺ : إِنْ كُنْتَ مُبْتَاعًا هَذَا الفَرَسَ وَإِلَّا بعْتُهُ، فَقَامَ النَّبي ﷺ حِينَ سَمِعَ نِدَاءَ الأَعْرَابِي، فَقَالَ: "أَوَ لَيْسَ قَد ابْتَعْتُهُ مِنْكَ؟ " قَالَ الأَعْرَابِي: لَا وَاللهِ، مَا بعْتُكَ، فَقَالَ النَّبِي ﷺ : "بَلَى، قَد ابْتَعْتُهُ مِنكَ". فَطَفِقَ الأَعْرَابِيُّ يَقُولُ: هَلُمَّ شَهِيدًا. فَقَالَ خَزَيْمَةُ بْن ثَابِت: أَنَا أَشْهَدُ أَنَّك قَدْ بَايَعْته فَأقْبَلَ النَّبي ﷺ عَلَى خُزَيْمَةَ، فَقَالَ: "بِمَ تَشْهَدُ؟ " قَالَ: بتَصْدِيقِكَ يَا رَسُولَ الله، فَجَعَلَ النَّبي ﷺ شَهَادَةَ خُزَيَمَةَ بِشَهَادَةِ رَجُلَينِ". ورواه النسائي (٤). وفي هذا الحديث عدة فوائد:

стр. 295

منها: جواز شراء الإمام الشيء من رجل من رعيته. ومنها: مباشرته الشراء بنفسه. ومنها: جواز الشراء ممن يجهل حاله، ولا يسأل من أين لك هذا؟ ومنها: أن الإشهاد على البيع ليس بلازم. ومنها: أن الإمام إذا تيقن من (١) غريمه اليمين الكاذبة لم يكن (٢) له تعزيره؛ إذ هو غريمه. ومنها: الاكتفاء بالشاهد الواحد إذا علم صدقه، فإن النبي ﷺ ما قال (٣) لخزيمة: أحتاج معك إلى شاهد آخر، وجعل شهادته بشهادتين؛ لأنها تضمنت شهادته لرسول الله ﷺ بالصدق العام فيما يخبر به عن الله، والمؤمنون مثله في هذه الشهادة، وانفرد بشهادته له بعقد التبايع مع الأعرابي، دون الحاضرين؛ لدخول هذا الخبر في جملة الأخبار التي يجب على كل مسلم تصديقه فيها، وتصديقه بها من لوازم الإيمان، وهي الشهادة التي تختص بهذه الدعوى، وقد قبلها منه وحده (٤)، والحديث صريح فيما ترجم عليه أبو داود ﵀. وليس هذا الحكم بالشاهد الواحد مخصوصًا بخزيمة (٥)، دون من

стр. 296

هو خير منه أو مثله من الصحابة، فلو شهد أبو بكر وحده، أو عمر أو عثمان أو علي أو أُبيُّ بن كعب ﵃ لكان أولى بالحكم بشهادته وحده. والأمر الذي لأجله جعل شهادته بشهادتين (١) موجود في غيره، ولكنه أقام الشهادة وأمسك عنها غيره، وبادر هو إلى وجوب الأداء، إذ ذلك من موجبات تصديقه لرسول الله ﷺ . وقد قبل النبي ﷺ شهادة الأعرابي وحده على رؤية هلال رمضان (٢)، وتسمية بعض الفقهاء (٣) ذلك إخبارًا، لا شهادة: أمر لفظي لا يقدح في الاستدلال، ولفظ الحديث يرد قوله (٤). وأجاز الشاهد الواحد في قصة السلب، ولم يطالب القاتل بشاهد آخر، ولا استحلفه، وهذه القصة صريحة في ذلك. ففي "الصحيحين" (٥) عن أبي قتادة قال: "خَرَجْنا مع رَسُولِ الله

стр. 297

- ﷺ في عام خيبر (١)، فلمَّا التَقَيْنَا كانت للمُسْلِمِينَ جَوْلَةٌ، قال: فَرَأَيْتُ رجُلًا من المُشْرِكِينَ قد عَلَا رَجُلًا (٢) من المسلمين، فَاسْتَدَرْتُ له حتَّى أَتَيْتُهُ مِن وَرائِهِ، فضَرَبْتُهُ بالسَّيْفِ على حبل عاتِقِه (٣)، فَأَقْبَلَ عَليَّ، فَضَمَّني ضَمَّةً وَجَدْتُ منها رِيْحَ المَوْتِ، ثُمَّ أَدْركَهُ المَوْتُ، فَأرْسَلَنِي. فَلَحِقْتُ عُمر بن الخطاب، فقُلْتُ: ما بالُ النَّاسِ؟ قال: أَمْرُ اللهِ، ثم إِن النَّاسَ رَجَعوا، وجَلَسَ رسولُ الله ﷺ ، فقال: "مَنْ قَتَلَ قتيلًا له عليه بَيِّنةٌ فَلَهُ سَلَبُهُ"، قال: فقُمْتُ، ثم قُلْتُ: مَنْ يَشْهَدُ لي؟ ثُمَّ جَلَسْتُ، ثم قال: الثانية (٤) مثلَهُ، فَقُمْتُ، فقال رسولُ اللهِ ﷺ : "ما لَكَ يا أَبا قَتَادَة"؟ فَقَصَصْتُ علَيهِ القِصَّةَ، فقال رَجُلٌ (٥) من القَوْمِ: صَدَقَ يا رسولَ اللهِ، وسَلَبُ ذلك القَتِيلِ عِنْدي فَأَرْضِهِ عنِّي، فقال أبو بكرٍ الصدِّيق: لاها اللهِ (٦) لا يَعْمِدُ إلى أَسَدٍ مِن أُسْدِ اللهِ يُقاتِلُ عن اللهِ ورسولِهِ فَيُعْطِيكَ سَلَبَهُ، فقال رسولُ اللهِ ﷺ : "صَدَقَ، فَأَعْطِهِ إِيَّاهُ". قال أبو قتادة: فَأَعْطَانِيهِ، فَبِعْتُ الدِّرْعَ، فَابْتَعْتُ بِه مَخْرفًا (٧) في بني

стр. 298

سَلَمَةَ، فإنَّه لأَوَّلُ مالٍ تأَثَّلْتُهُ (١) في الإسلامِ". وهذا يدل على أن البينة تطلق على الشاهد الواحد، ولم يستحلفه النبي ﷺ ، وهذا أحد الوجوه في هذه المسألة، وهو الصواب (٢): أنه يقضى له بالسلب بشهادة واحد، ولا معارض لهذه السنة، ولا مسوغ لتركها، والله أعلم. وقد قبل النبي ﷺ شهادة المرأة الواحدة في الرضاع ، وقد شهدت على فعل نفسها، ففي "الصحيحين" (٣) عن عقبة بن الحارث: أنه تزوج أم يحيى بنت أبي إهاب (٤)، فجاءت أمةٌ سوداء (٥)، فقالت: قد

стр. 299

أرضعتكما، فذكرت ذلك للنبي ﷺ ، فاعرض عني، قال: فتنحيت، فذكرت ذلك له، قال: "فَكَيْفَ وقَدْ زَعَمَتْ أن قَدْ أَرْضَعَتْكُما؟ ". وقد نص أحمد (١) على ذلك في رواية بكر بن محمد (٢) عن أبيه، قال: في المرأة تشهد على ما لا يحضره الرجال من إثبات استهلال الصبي، وفي الحمام يدخله النساء، فتكون بينهن جراحات. وقال إسحاق بن منصور (٣): قلت لأحمد في شهادة الاستهلال: تجوز شهادة امرأة واحدة في (٤) الحيض والعذرة والسقط والحمام وكل ما لا يطلع عليه إلا النساء؟ فقال (٥): تجوز شهادة (٦) امرأة إذا كانت ثقة (٧).

стр. 300

فصل ويجوز القضاء بشهادة النساء منفردات في غير (١) الحدود والقصاص عند جماعة من الخلف والسلف. قال أبو عبيد: حدثنا يزيد (٢) عن جرير بن حازم (٣) عن الزبير بن خرِّيت (٤) عن أبي لبيد (٥) "أن سكرانًا طلق امرأته ثلاثًا، فرفع ذلك إلى عمر بن الخطاب ﵁ (٦) -، وشهد عليه أربع نسوة، ففرق بينهما عمر" (٧).

стр. 301

حدثنا ابن أبي زائدة (١) عن يزيد (٢) عن حجاج (٣) عن عطاء (٤): أنه أخذ بشهادة النساء في النكاح (٥). حدثنا ابن أبي زائدة عن ابن عون (٦) عن الشعبي عن شريح: أنه أجاز شهادة النساء في الطلاق (٧). قال أبو عبيد: لا يصح حديث عمر في شهادة النساء في الطلاق (٨)، وإنما يرويه (٩) أبو لبيد، ولم يدرك عمر (١٠).

стр. 302

وقد قال بعض الفقهاء (١): تجوز شهادة النساء في الحدود. فالأقوال ثلاثة، أرجحها: أنه تجوز شهادة النساء منفردات (٢) فيما لا يطلع عليه الرجال غالبًا. قال الأثرم (٣): قلت لأبي عبد الله (٤): شهادة المرأة الواحدة في الرضاع تجوز؟ قال: نعم. وقال علي بن سعيد (٥): سمعت أحمد بن حنبل يسأل عن شهادة المرأة الواحدة في الرضاع أتجوز (٦)؟ قال: تجوز على حديث عقبة بن الحارث (٧). وقال إبراهيم بن الحارث: قيل لأحمد: شهادة المرأة الواحدة في

стр. 303

الرضاع تجوز؟ قال: نعم (١). وكذلك قال في رواية الحسن (٢) بن ثواب (٣)، ومحمد بن الحسن (٤)، وأبي طالب (٥)، وابن منصور (٦)، ومهنا (٧)، وحرب (٨)، واحتج بحديث عقبة بن الحارث (٩) هذا، وقال: هو حجة في شهادة

стр. 304

العبد؛ لأن النبي ﷺ أجاز شهادتها وهي أمة (١). وقال أبو الحارث (٢): سألت أحمد عن شهادة القابلة؟ فقال: هو موضع لا يحضره الرجال، ولكن إن كن اثنتين أو ثلاثًا (٣) فهو أجود. وقال في رواية إبراهيم بن هاشم (٤) - وقد سئل عن قول القابلة: أيقبل؟ - قال: كلما كثر كان أعجب إلينا: ثلاث، أو أربع. وقال سندي (٥): سألت أحمد عن شهادة امرأتين في الاستهلال؟ فقال: يجوز، إن هذا شيء لا ينظر إليه الرجال (٦). وقال مهنا: سألت أحمد عن شهادة القابلة وحدها في استهلال الصبي؟ فقال: لا تجوز شهادتها وحدها (٧). وقال لي أحمد بن حنبل: قال أبو حنيفة: تجوز شهادة القابلة وحدها، وإن كانت يهودية أو

стр. 305

نصرانية (١). فسألت أحمد فقلت: هو كما قال أبو حنيفة؟ فقال: أنا لا أقول تجوز شهادة واحدة مسلمة، فكيف أقول يهودية؟ (٢) واختلفت الرواية عنه في الاستهلال: هل يكتفى فيه بواحدة أم لا بد من اثنتين؟ وكذلك الولادة (٣). قال أحمد بن القاسم: سئل أحمد عن شهادة المرأة في الولادة وا لاستهلال، هل تجوز امرأة أو امرأتان؟ قال: امرأتان فأكثر، وليست الواحدة مثل الاثنتين (٤). وقد قال عطاء: أربع (٥)، ولكن امرأتان تقبل في مثل هذا، إذا كان أمر النساء (٦) مما لا يجوز أن يراه الرجال. وقال أحمد بن أبي عبيدة (٧): إن أبا عبد الله قيل له: فالشهادة على

стр. 306

الاستهلال؟ قال: أحب إلي أن تكون امرأتين (١). وقال حرب (٢): سئل أحمد، قيل له: الشهادة على استهلال الصبي؟ قال: لا إلا أن تكون امرأتين. وكذلك كل شيء لا يطلع عليه الرجال لا تعجبه شهادة امرأة واحدة، حتى تكون امرأتين. وقال أبو طالب: قلت لأحمد: ما تقول في شهادة القابلة تشهد بالاستهلال؟ فقال: تقبل شهادتها؛ هذا (٣) ضرورة. قال: ويقبل قول المرأة الواحدة. وقال هارون الحمال (٤): سمعت أبا عبد الله يذهب إلى أنه تجوز شهادة القابلة وحدها، فقيل له: إذا كانت مرضية؟ فقال: لا يكون إلا هكذا.

стр. 307

وقال إسحاق بن منصور (١): قلت لأحمد: هل تجوز شهادة المرأة؟ قال: شهادة المرأة (٢) في الرضاع والولادة فيما لا يطلع عليه الرجال، قال (٣): وأجوّز شهادة امرأة واحدة إذا كانت ثقة، فإن كان أكثر فهو أحب إليَّ. وقال إسماعيل بن سعيد (٤): سألت أحمد: هل تقبل شهادة الذمية على الاستهلال؟ قال: لا، وتقبل شهادة المرأة الواحدة إذا كانت مسلمة عدلة (٥).

стр. 308

فصل وفي هذا الباب حديثان وأثر وقياس: فأحد الحديثين: متفق على صحته، وهو حديث عقبة بن الحارث (١) وقد تقدم (٢). والحديث الثاني: رواه الدارقطني والبيهقي وغيرهما من حديث أبي عبد الرحمن المدائني (٣) - مجهول - عن الأعمش عن أبي وائل (٤) عن حذيفة: "أنَّ النَّبي ﷺ أَجازَ شَهَادَةَ القَابِلَةِ" (٥).

стр. 309

وأما الأثر: فقال مهنا: سألت أحمد عن حديث علي ﵁: "أنه أجاز شهادة القابلة" (١) عمن هو؟ فقال: هو عن شعبة عن جابر الجعفي عن عبد الله بن نُجَيّ (٢) عن علي. قلت: ورواه الثوري عن جابر (٣). وقال الشافعي: لو ثبت عن علي صرنا إليه، ولكنه لا يثبت عنه (٤). وتناظر الشافعي ومحمد بن الحسن (٥) في هذه المسألة بحضرة

стр. 310

الرشيد، فقال الشافعي: بأي شيء قضيت بشهادة القابلة وحدها، حتى ورثت من خليفة ملك الدنيا مالًا عظيمًا؟ قال: بعلي (١) بن أبي طالب. قال الشافعي: فقلت: فعلي إنما روى عنه رجل مجهول، يقال له: عبد الله بن نُجيّ (٢)، وروى عن عبد الله: جابرٌ الجعفي، وكان يؤمن بالرجعة (٣). قال البيهقي (٤): وقد روى سويد بن عبد العزيز (٥)، عن

стр. 311

غيلان (١) بن جامع، عن عطاء بن أبي (٢) مروان عن أبيه (٣)، عن علي، - وسويد هذا ضعيف -، قال إسحاق بن إبراهيم الحنظلي: لو صحت شهادة القابلة عن علي لقلنا به، ولكن في إسناده خلل (٤). قلت: وقد رواه أبو عبيد، حدثنا ابن أبي زائدة، عن إسرائيل، عن عبد الأعلى الثعلبي (٥)، عن محمد بن الحنفية، عن علي (٦).

стр. 312

ورواه عن (١) الحسن (٢) وإبراهيم النخعي (٣) وحماد بن أبي سليمان (٤)، والحارث العكلي (٥) والضحاك (٦). وقد روي عن علي ما يدل على أنه لا يكتفي بشهادة المرأة الواحدة. قال أبو عبيد: يروى (٧) عن علي بن أبي طالب: "أن رجلًا أتاه، فأخبره أن امرأة أتته، فذكرت أنها أرضعته وامرأته، فقال: ما كنت لأفرق بينك وبينها، وأن تنزَّه خير لك، قال: نعم. ثم أتى ابن عباس فسأله؟ فقال له مثل ذلك" (٨).

стр. 313

قال: تحدثون عن ذلك بهذا عن حكام (١) بن صالح عن فائد (٢) بن بكر (٣) عن علي وابن عباس (٤)، حدثني علي بن معبد عن عبد الله (٥) بن

стр. 314

عمرو (١)، عن الحارث الغنوي (٢): "أن رجلًا من بني عامر تزوج امرأة من قومه، فدخلت عليهما امرأة، فقالت: الحمد لله، والله لقد أرضعتكما، وإنكما لابناي، فانقبض كل واحد منهما عن صاحبه، فخرج الرجل حتى أتى المغيرة بن شعبة، فأخبره بقول المرأة، فكتب فيه إلى عمر، فكتب عمر (٣): أن ادع الرجل والمرأة، فإن كان لها بينة على ما ذكرت ففرق بينهما، وإن لم يكن لها بينة فخل بين الرجل وبين امرأته، إلا أن يتنزّها؛ ولو فتحنا هذا الباب للناس (٤) لم تشأ امرأة أن تفرق بين اثنين إلا فعلت" (٥). حدثنا عبد الرحمن (٦)، عن سفيان (٧) قال: سمعت زيد بن

стр. 315

أسلم (١) يحدث: "أن عمر بن الخطاب ﵁ لم يجز شهادة امرأة في الرضاع" (٢). حدثنا هشيم (٣)، أخبرنا (٤) ابن أبي ليلى (٥) وحجاج (٦) عن عكرمة بن خالد (٧): "أن عمر بن الخطاب ﵁ أُتي في امرأة شهدت على رجل وامرأته أنها قد أرضعتهما، فقال: لا، حتى يشهد رجلان، أو رجل وامرأتان" (٨).

стр. 316

قال أبو عبيد: وهذا قول أهل العراق (١). وكان الأوزاعي ﵀ يأخذ بالقول الأول (٢)، وأما مالك ﵀ فإنه كان يقبل فيه شهادة امرأتين (٣). قال أبو عبيد (٤): أبو حنيفة وأصحابه (٥) يقبلون شهادة النساء منفردات (٦) فيما لا يطلع عليه الرجال، كالولادة والبكارة وعيوب النساء، ويقبلون فيه شهادة امرأة واحدة. قالوا: لأنه لا بد من ثبوت هذه الأحكام، ولا يمكن للرجال (٧)

стр. 317

الاطلاع عليها، وإنما يطلع عليها النساء على الانفراد (١)، فوجب قبول شهادتهن على الانفراد. قالوا: وتقبل فيه (٢) شهادة الواحدة (٣)؛ لأن ما قبل فيه قول النساء على الانفراد لم يشترط فيه العدد، كالرواية. قالوا: وأما استهلال الصبي، فتقبل شهادة المرأة فيه بالنسبة إلى الصلاة على الطفل، ولا تقبل بالنسبة إلى الميراث، وثبوت النسب عند أبي حنيفة، وعند صاحبيه يقبل أيضًا؛ لأن الاستهلال صوت يكون عقيب الولادة، وتلك حالة لا يحضرها الرجال، فدعت الضرورة إلى قبول شهادتهن. وأبو حنيفة بَعض (٤) أحكام الشهادة، وأثبت الصلاة (٥) عليه بشهادة المرأة الواحدة احتياطا، ولم يثبت الميراث والنسب بشهادتها احتياطًا (٦). قالوا: وأما الرضاع: فلا تقبل فيه شهادة النساء منفردات (٧)؛ لأن

стр. 318

الحرمة متى ثبتت ترتب عليها زوال ملك النكاح، وإبطال الملك لا يثبت إلا بشهادة الرجال. قالوا: ولأنه مما يمكن اطلاع الرجال عليه. وقال الشافعي: لا يقبل في ذلك كله أقل من أربع نسوة، أو رجل وامرأتين (١). قال أبو عبيد: فأما الذين قالوا تقبل شهادة الواحدة في الرضاعة، فإنهم أحلوا الرضاع محل سائر أمور النساء التي لا يطلع عليها (٢) الرجال، كالولادة والاستهلال ونحوهما. وأما الذين أخذوا بشهادة الرجلين، أو الرجل والمرأتين فإنهم رأوا أن الرضاعة ليست كالفروج التي لا حظ للرجال في مشاهدتها، وجعلوها من ظاهر أمور النساء، كالشهادة على الوجوه. والذين أجازوها بالمرأتين ذهبوا إلى أن الرضاعة - وإن لم يكن النظر في التحريم كالعورات - فإنها لا تكون إلا بظهور الثدي والنحور، وهذه من محاسن النساء التي قد جعل الله فرضها الستر على (٣) الرجال الأجانب، فجعلوا المرأتين في ذلك كالرجلين في سائر الشهادات (٤).

стр. 319

قال أبو عبيد: والذي عندنا في هذا: اتباع السنة فيما يجب على الزوج عند ورود ذلك، فإذا شهد به عنده المرأة الواحدة بأنها قد أرضعته وزوجته فقد لزمته الحجة من الله في اجتنابها، ووجب عليه مفارقتها، لقول رسول الله ﷺ للمستفتي في ذلك: "دَعْهَا عَنْكَ" (١). وليس لأحد أن يفتي بغيره (٢)، إلا أنه لم يبلغنا أنه ﷺ حكم بينهما بالتفريق حكمًا، مثل ما سن (٣) في المتلاعنين (٤)، ولا أمر (٥) فيه بالقتل، كالذي تزوج امرأة أبيه (٦)، ولكنه غلظ عليه في الفتيا.

стр. 320

فنحن ننتهي إلى ما انتهى إليه، فإذا شهدت معهما (١) امرأة أخرى فكانتا اثنتين (٢)، فهناك يجب التفريق بينهما في الحكم، وهو عندنا معنى قول عمر: "إنه لم يجز شهادة المرأة الواحدة في الرضاع" (٣) وإن كان مرسلًا عنه، فإنه أحب إلينا من الذي فيه ذكر الرجلين، أو الرجل والمرأتين، لما حظر على الرجال من النظر إلى محاسن النساء. وعلى هذا يوجه حديث علي وابن عباس (٤) ﵄ في المرأة الواحدة، إذ لم يوقتا فوق ذلك وقتًا، فأدنى (٥) ما يكون بعد الواحدة إلا اثنتان من النساء (٦)، والله أعلم. قال أبو عبيد: حدثنا حجاج (٧)، عن ابن جريج (٨)، عن أبي
следующие страницы →