← Сияса и кади

Сияса и кади · id 18159

الطرق الحكمية في السياسة الشرعية - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (1 013 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

قال أبو عبيد: وهذا قول أهل العراق (١). وكان الأوزاعي ﵀ يأخذ بالقول الأول (٢)، وأما مالك ﵀ فإنه كان يقبل فيه شهادة امرأتين (٣). قال أبو عبيد (٤): أبو حنيفة وأصحابه (٥) يقبلون شهادة النساء منفردات (٦) فيما لا يطلع عليه الرجال، كالولادة والبكارة وعيوب النساء، ويقبلون فيه شهادة امرأة واحدة. قالوا: لأنه لا بد من ثبوت هذه الأحكام، ولا يمكن للرجال (٧)

стр. 317

الاطلاع عليها، وإنما يطلع عليها النساء على الانفراد (١)، فوجب قبول شهادتهن على الانفراد. قالوا: وتقبل فيه (٢) شهادة الواحدة (٣)؛ لأن ما قبل فيه قول النساء على الانفراد لم يشترط فيه العدد، كالرواية. قالوا: وأما استهلال الصبي، فتقبل شهادة المرأة فيه بالنسبة إلى الصلاة على الطفل، ولا تقبل بالنسبة إلى الميراث، وثبوت النسب عند أبي حنيفة، وعند صاحبيه يقبل أيضًا؛ لأن الاستهلال صوت يكون عقيب الولادة، وتلك حالة لا يحضرها الرجال، فدعت الضرورة إلى قبول شهادتهن. وأبو حنيفة بَعض (٤) أحكام الشهادة، وأثبت الصلاة (٥) عليه بشهادة المرأة الواحدة احتياطا، ولم يثبت الميراث والنسب بشهادتها احتياطًا (٦). قالوا: وأما الرضاع: فلا تقبل فيه شهادة النساء منفردات (٧)؛ لأن

стр. 318

الحرمة متى ثبتت ترتب عليها زوال ملك النكاح، وإبطال الملك لا يثبت إلا بشهادة الرجال. قالوا: ولأنه مما يمكن اطلاع الرجال عليه. وقال الشافعي: لا يقبل في ذلك كله أقل من أربع نسوة، أو رجل وامرأتين (١). قال أبو عبيد: فأما الذين قالوا تقبل شهادة الواحدة في الرضاعة، فإنهم أحلوا الرضاع محل سائر أمور النساء التي لا يطلع عليها (٢) الرجال، كالولادة والاستهلال ونحوهما. وأما الذين أخذوا بشهادة الرجلين، أو الرجل والمرأتين فإنهم رأوا أن الرضاعة ليست كالفروج التي لا حظ للرجال في مشاهدتها، وجعلوها من ظاهر أمور النساء، كالشهادة على الوجوه. والذين أجازوها بالمرأتين ذهبوا إلى أن الرضاعة - وإن لم يكن النظر في التحريم كالعورات - فإنها لا تكون إلا بظهور الثدي والنحور، وهذه من محاسن النساء التي قد جعل الله فرضها الستر على (٣) الرجال الأجانب، فجعلوا المرأتين في ذلك كالرجلين في سائر الشهادات (٤).

стр. 319

قال أبو عبيد: والذي عندنا في هذا: اتباع السنة فيما يجب على الزوج عند ورود ذلك، فإذا شهد به عنده المرأة الواحدة بأنها قد أرضعته وزوجته فقد لزمته الحجة من الله في اجتنابها، ووجب عليه مفارقتها، لقول رسول الله ﷺ للمستفتي في ذلك: "دَعْهَا عَنْكَ" (١). وليس لأحد أن يفتي بغيره (٢)، إلا أنه لم يبلغنا أنه ﷺ حكم بينهما بالتفريق حكمًا، مثل ما سن (٣) في المتلاعنين (٤)، ولا أمر (٥) فيه بالقتل، كالذي تزوج امرأة أبيه (٦)، ولكنه غلظ عليه في الفتيا.

стр. 320

فنحن ننتهي إلى ما انتهى إليه، فإذا شهدت معهما (١) امرأة أخرى فكانتا اثنتين (٢)، فهناك يجب التفريق بينهما في الحكم، وهو عندنا معنى قول عمر: "إنه لم يجز شهادة المرأة الواحدة في الرضاع" (٣) وإن كان مرسلًا عنه، فإنه أحب إلينا من الذي فيه ذكر الرجلين، أو الرجل والمرأتين، لما حظر على الرجال من النظر إلى محاسن النساء. وعلى هذا يوجه حديث علي وابن عباس (٤) ﵄ في المرأة الواحدة، إذ لم يوقتا فوق ذلك وقتًا، فأدنى (٥) ما يكون بعد الواحدة إلا اثنتان من النساء (٦)، والله أعلم. قال أبو عبيد: حدثنا حجاج (٧)، عن ابن جريج (٨)، عن أبي

стр. 321

بكر بن أبي سبرة (١)، عن موسى بن (٢) عقبة (٣)، أخبره عن القعقاع بن حكيم (٤)، عن ابن عمر قال: "لا تجوز شهادة النساء وحدهن، إلا على ما لا يطلع عليه إلا هن من عورات النساء، وما أشبه ذلك من حملهن وحيضهن" (٥). فصل وقد صرح الأصحاب (٦): أنه تقبل شهادة الرجل الواحد من

стр. 322

غير (١) يمين عند الحاجة، وهو الذي نقله الخرقي في "مختصره" (٢)، فقال: وتقبل شهادة الطبيب العدل في الموضحة (٣)، إذا لم يقدر على طبيبين، وكذلك البيطار في داء الدابة. قال الشيخ في "المغني" (٤): إذا اختلفا في الجُرح: هل هو موضحة، أم لا؟ أو في قدره، كالهاشمة (٥) والمنقلة (٦) والمأمومة (٧) والسمحاق (٨) أو غيرها، أو اختلفا في داء يختص بمعرفته الأطباء، أو داء الدابة. فظاهر كلام الخرقي: أنه إذا قدر على طبيبين أو بيطارين لا يجتزئُ (٩) بواحد

стр. 323

منهما (١)؛ لأنه مما يطلع عليه الرجال، فلم تقبل فيه شهادة رجل واحد كسائر الحقوق (٢)، وإن لم يقدر على (٣) اثنين أجزأ واحد، [لأنها حالة ضرورة] (٤)، فإنه لا يمكن كل أحد أن يشهد به؛ لأنه مما يختص به أهل الخبرة من أهل الصنعة، فيجعل بمنزلة العيوب تحت الثياب، تقبل فيه المرأة الواحدة، فقبول قول الرجل في هذا (٥) أولى (٦). وقال صاحب "المحرر": ويقبل في معرفة الموضحة وداء الدابة ونحوها طبيب واحد (٧) وبيطار واحد، إذا لم يوجد غيره، نص عليه (٨).

стр. 324

فصل في القضاء بالنكول ورد اليمين وقد اختلفت الآثار في ذلك، فروى مالك عن يحيى بن سعيد عن سالم بن عبد الله: "أن عبد الله بن عمر باع غلامًا له بثمانمائة درهم، وباعه بالبراءة، فقال الذي ابتاعه لعبد الله بن عمر: بالغلام داء لم تسمه؟ فاختصموا إلى عثمان بن عفان فقال: بعتني عبدًا به داء لم تسمه لي (١). فقال عبد الله بن عمر: إني بعته بالبراءة (٢). فقضى عثمان بن عفان على عبد الله بن عمر ﵄ باليمين، أن يحلف له: لقد باعه الغلام وما به داء يعلمه، فأبى عبد الله أن يحلف له، وارتجع العبد، فباعه عبد الله بن عمر بعد ذلك بألف وخمسمائة درهم" (٣) وفي طريقٍ أخرى أنه لما أبى أن يحلف حكم عليه عثمان بالنكول (٤). قال أبو عبيد: وحكم عثمان على ابن عمر في العبد الذي كان باعه بالبراءة، فرده عليه عثمان حين نكل عن اليمين، ثم لم ينكر ذلك ابن عمر من حكمه ورآه له لازمًا. فهل يوجد إمامان أعلم بسنة رسول الله

стр. 325

- ﷺ وبمعنى حديثه منهما ﵄، فذهب إلى ذلك أبو حنيفة (١) وأحمد (٢) في المشهور من مذهبه. وأما رد اليمين: فقال أبو عبيد: حدثونا (٣) عن مسلمة (٤) بن علقمة عن داود بن أبي هند عن الشعبي: "أن المقداد استسلف من عثمان سبعة آلاف درهم. فلما قضاها أتاه بأربعة آلاف، فقال عثمان: إنها سبعة، فقال المقداد: ما كانت إلا أربعة، فلم يزالا حتى ارتفعا إلى عمر، فقال المقداد: يا أمير المؤمنين، ليحلف أنها كما يقول، وليأخذها. فقال عمر: أنصفك، احلف أنها كما تقول وخذها" (٥).

стр. 326

قال أبو عبيد: فهذا عمر قد حكم برد اليمين، ورأى ذلك المقداد ولم ينكره عثمان، فهؤلاء ثلاثة من أصحاب رسول الله ﷺ عملوا برد اليمين. حدثنا هشيم عن حصين بن عبد الرحمن قال: كان شريح يقضي برد اليمين (١). وحدثنا يزيد (٢)، عن هشام (٣)، عن ابن سيرين، عن شريح: أنه كان إذا قضى على رجل باليمين، فردها على الطالب (٤)، فلم يحلف: لم يعطه شيئًا، ولم يستحلف الآخر (٥). وحدثنا عباد بن العوام، عن أشعث (٦)، عن الحكم بن عتيبة (٧)،

стр. 327

عن عون بن (١) عبد الله بن عتبة: أن أباه كان إذا قضى على رجل باليمين، فردها على الذي يدعي، فأبى أن يحلف: لم يجعل له شيئًا، وقال: لا أعطيك ما لا تحلف عليه (٢). قال أبو عبيد: على (٣) أن رد اليمين له أصل في الكتاب والسنة. فالذي في الكتاب: قول الله تعالى: ﴿اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٦]، ثم قال: ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (١٠٧) ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ [المائدة: ١٠٧، ١٠٨]. وأما السنة: فحكم رسول الله ﷺ في القسامة بالأيمان على المدعين، فقال: "تَسْتَحِقُّونَ دَمَ صَاحِبِكُمْ بأَنْ يُقْسِم مِنْكُم خَمْسُونَ: أنَّ يَهُودَ قَتَلتْهُ". فقالوا: كيف نقسم علىَ شيء لم نحضره؟ قال: "فَيَحْلِف لَكُمْ خَمْسُونَ مِنْ يَهُود مَا قَتَلُوهُ" (٤) قال: فردها رسول الله ﷺ على الآخرين، بعد أن حكم بها للأولين. فهذا هو الأصل في رد اليمين.

стр. 328

قلت: وهذا مذهب الشافعي (١)، ومالك (٢)، وصوبه الإمام أحمد (٣) ﵃. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ ورضي عنه -: وليس المنقول عن الصحابة ﵃ في النكول ورد اليمين بمختلف، بل هذا له موضع، وهذا له موضع، فكل موضع أمكن المدعي معرفته والعلم به فرد المدعى عليه اليمين، فإنه إن حلف استحق، وإن لم يحلف لم يحكم له بنكول المدعى عليه. وهذا كحكومة عثمان والمقداد ﵄، فإن المقداد قال لعثمان: "احلف أن الذي دفعته إليَّ كان سبعة آلاف وخذها" (٤) فإن المدعي هنا يمكنه معرفة ذلك والعلم به، كيف وقد ادعى به؟ فإذا لم يحلف لم يحكم له إلا ببينة أو إقرار. وأما إذا كان المدعي لا يعلم ذلك، والمدعى عليه هو المنفرد بمعرفته، فإنه إذا نكل عن اليمين حكم عليه بالنكول، ولم ترد على

стр. 329

المدعي، كحكومة عبد الله بن عمر وغريمه في الغلام. فإن عثمان قضى عليه "أن يحلف أنه باع الغلام وما به داء يعلمه" (١) وهذا يمكن أن يعلمه البائع، فإنه إنما استحلفه على نفي العلم: أنه لا يعلم به داء، فلما امتنع من هذه اليمين قضى عليه بنكوله (٢). وعلى هذا: إذا وجد بخط أبيه في دفتره: أن له (٣) على فلان كذا وكذا ، فادعى به عليه، فنكل، وسأله إحلاف المدعي: أن أباه أعطاني هذا، أو أقرضني إياه، لم ترد عليه اليمين، فإن (٤) حلف المدعى عليه، وإلا قضي عليه بالنكول؛ لأن المدعى عليه يعلم ذلك. وكذلك لو ادعى عليه: أن فلانًا أحالني عليك بمائة، فأنكر المدعى عليه ونكل عن اليمين، وقال للمدعي (٥): أنا لا أعلم أن فلانًا أحالك، ولكن احلف وخذ، فها هنا إن لم يحلف لم يحكم له بنكول المدعى عليه. وهذا الذي اختاره شيخنا ﵀ هو فصل النزاع في النكول ورد اليمين، وبالله التوفيق.

стр. 330

فصل في مذاهب أهل المدينة في الدعاوى (١). وهو من أسدِّ المذاهب وأصحها. وهي عندهم ثلاث مراتب (٢): المرتبة الأولى: دعوى يشهد لها العرف بأنها مشبهة ، أي تشبه أن تكون حقًّا. المرتبة الثانية: ما يشهد العرف بأنها غير مشبهة، إلا أنه لم يقض بكذبها. المرتبة الثالثة: دعوى يقضي العرف بكذبها. فأما المرتبة الأولى: فمثل (٣) أن يدعي سلعة معينة بيد رجل، أو يدعي غريب وديعة عند غيره، أو يدعي مسافر أنه أودع أحد رفقته، وكالمدعي على صانع منتصب للعمل أنه دفع إليه متاعًا يصنعه، والمدعي على بعض أهل الأسواق المنتصبين للبيع والشراء أنه باع (٤) منه أو اشترى، وكالرجل يذكر في مرض موته أن له دينًا قبل رجل، ويوصي أن يتقاضى (٥) منه فينكره، وما أشبه هذه المسائل. فهذه الدعوى تسمع من مدعيها، وله أن يقيم البينة على مطابقتها،

стр. 331

أو (١) يستحلف المدعى عليه، ولا يحتاج في (٢) استحلافه إلى إثبات خُلطة (٣) (٤). وأما المرتبة الثانية: فمثل أن يدعي على رجل دينًا في ذمته، ليس داخلًا في الصور المتقدمة، أو يدعي على رجل معروف بكثرة المال أنه اقترض منه مالًا ينفقه على عياله، أو يدعي على رجل لا معرفة بينه وبينه ألبتة أنه أقرضه أو باعه شيئًا بثمن في ذمته إلى أجل ونحو ذلك. فهذه الدعوى تسمع، ولمدعيها أن يقيم البينة على مطابقتها. قالوا: ولا يملك استحلاف المدعى عليه على نفيها إلا بإثبات خلطة بينه وبينه (٥). قال ابن القاسم (٦): والخلطة أن يسالفه، أو يبايعه، أو يشتري منه

стр. 332

مرارًا (١). وقال سحنون (٢): لا تكون الخلطة إلا بالبيع والشراء بين المتداعيين (٣). قالوا (٤): فينظر إلى دعوى المدعي، فإن كانت تشبه أن يدعي بمثلها على المدعى عليه أُحْلِفَ له، وإن كانت مما لا تشبه، وينفيها العرف لم يحلف إلا أن يبين المدعي خلطة (٥). قالوا: فإن لم تكن خلطة، وكان المدعى عليه (٦) متهمًا، فقال

стр. 333

سحنون: يستحلف المتهم، وإن لم تكن خلطة، وقال غيره: لا يستحلف (١). وتثبت الخلطة عندهم بإقرار المدعى عليه بها وبالشاهدين، والشاهد واليمين، والرجل الواحد، والمرأة الواحدة (٢). قالوا (٣): وأما المرتبة الثالثة فمثالها: أن يكون رجل حائزًا لدار، متصرفًا فيها السنين الطويلة بالبناء والهدم والإجارة والعمارة، وينسبها إلى نفسه، ويضيفها إلى ملكه، وإنسان حاضر يراه ويشاهد أفعاله فيها طول هذه المدة، وهو مع ذلك لا يعارضه فيها، ولا يذكر أن له فيها حقًّا ولا مانع يمنعه من مطالبته من خوف سلطان، أو ما أشبه ذلك من الضرر المانع من المطالبة بالحقوق، ولا بينه وبين المتصرف في الدار قرابة ولا شركة في ميراث، أو ما أشبه ذلك مما تتسامح به (٤) القرابات والصهر بينهم، بل كان عريًّا عن (٥) جميع ذلك. ثم جاء بعد طول هذه المدة يدعيها لنفسه، ويزعم أنها له، ويريد أن يقيم بينة بذلك، فدعواه غير مسموعة أصلًا، فضلًا عن بينته، وتبقى الدار بيد حائزها؛ لأن كل

стр. 334

دعوى يكذبها العرف وتنفيها العادة فإنها مرفوضة غير مسموعة، قال الله تعالى: ﴿وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ (١) [الأعراف: ١٩٩]، وقد أوجبت الشريعة الرجوع إليه (٢) عند الاختلاف في الدعاوى، كالنقد والحمولة والسير، وفي الأبنية ومعاقد القمط (٣)، ووضع الجذوع على الحائط وغير ذلك (٤). قالوا: ومثل ذلك: أن تأتي المرأة بعد سنين متطاولة تدعي على الزوج أنه لم يكسها في شتاء ولا صيف (٥)، ولا أنفق عليها شيئًا ألبتة، فهذه الدعوى لا تسمع لتكذيب العرف والعادة لها، ولا سيما إذا كانت فقيرة والزوج موسرًا (٦). ومن ذلك: قول (٧) القاضي عبد الوهاب (٨) في رده على

стр. 335

المزني (١): مذهب مالك أن المدعى عليه لا يحلف للمدعي (٢) بمجرد دعواه، دون أن ينضم إليها علم بمخالطة بينهما أو معاملة (٣). قال شيخنا أبو بكر (٤): أو تكون الدعوى تليق بالمدعى عليه، لا يتناكرها الناس، ولا ينفيها عرف (٥). قال (٦): وهذا مروي عن علي بن أبي طالب (٧) (٨) - رضي الله

стр. 336

عنه -، وعمر بن عبد العزيز (١)، وعن فقهاء المدينة السبعة (٢). قال: والدليل على صحته: أنه قد ثبت وتقرر أن الإقدام على اليمين يصعب ويثقل على كثير من الناس، سيما على أهل الدين وذوي المراتب والأقدار، وهذا أمر معتاد بين الناس على ممر (٣) الأعصار، لا يمكن جحده. وكذلك روي عن جماعة من الصحابة: أنهم افتدوا أيمانهم، منهم: عثمان (٤)، وابن مسعود وغيرهما (٥) ﵄، وإنما فعلوا ذلك لمروءتهم، ولئلا يسبق الظلمة (٦) إليهم إذا حلفوا، فمن

стр. 337

يعادي الحالف، ويحب الطعن عليه، يجد طريقًا إلى ذلك، لعظم شأن اليمين وعظم خطرها، ولذا جعلت بالمدينة عند المنبر (١)، وأن يكون ما يحلف عليه عنده مما له حرمة، كربع دينار فصاعدًا (٢)، فلو مكن كل مدع أن يحلف المدعى عليه بمجرد دعواه لكان ذلك (٣) ذريعة إلى امتهان أهل المروءات وذوي الأقدار والأخطار والديانات لمن يريد التشفي منهم؛ لأنه لا يجد أقرب ولا أخف كلفة (٤) من أن يقدم الواحد منهم من يعاديه من أهل الدين والفضل إلى مجلس الحاكم ليدعي عليه ما يعلم أنه لا ينهض به، أو لا يعترف (٥)، ليتشفى منه بتبذله وإحلافه (٦)، وأن يراه الناس بصورة من أقدم على اليمين عند الحاكم (٧)، ومن يريد أن يأخذ من أحد (٨) من هؤلاء شيئًا على طريق الظلم والعدوان وجد إليه سبيلًا، لعله أن يفتدي يمينه منه، لئلا ينقص

стр. 338

قدره في أعين الناس، وكلا الأمرين موجود (١) في الناس اليوم (٢). قال: وقد (٣) شاهدنا من ذلك كثيرًا، وحضرناه، وأصابنا (٤) بعضه، فكان (٥) ما ذهب إليه مالك ومن تقدمه (٦) من الصحابة (٧) والتابعين (٨) حراسة لمروءات الناس، وحفظًا لها من الضرر اللاحق بهم، والأذى المتطرق إليهم. فإذا قويت دعوى المدعي بمخالطة أو معاملة ضعفت التهمة، وقوي في النفس أن مقصوده غير ذلك، فأُحلف له، ولهذا لم نعتبر ذلك في الغريبين؛ لأن الغربة لا تكاد تلحق المروءة فيها ما يلحقها في الوطن. فإن قيل: فيجب ألا يُحضره مجلس الحاكم أيضًا؛ لأن في ذلك امتهانًا له وابتذالًا. قيل له: حضوره مجلس الحاكم لا عار فيه، ولا نقص يلحق من

стр. 339

حضوره؛ لأن الناس يحضرونه ابتداءً في حوائج لهم ومهمات، وإنما العار الإقدام على اليمين، لما ذكرناه. وأيضًا؛ فإنه يُمكَّن المدعي من إحضاره، لعله يقيم عليه البينة، ولا يقطعه عن حقه. فإن قيل: فاليمين الصادقة لا عار فيها، وقد حلف عمر بن الخطاب ﵁ وغيره من السلف، وقال لعثمان بن عفان ﵁ لما بلغه أنه افتدى يمينه: "ما منعك أن تحلف إذا كنت صادقًا؟ " (١). قيل: مكابرة (٢) العادات لا معنى لها، وأقرب ما يبطل به قولهم: ما ذكرناه من افتداء كثير من الصحابة والسلف أيمانهم، وليس ذلك إلا لصرف الظلمة عنهم، وألا تتطرق إليهم تهمة، وما روي عن عمر إنما هو لتقوية نفس عثمان، وأنه إذا حلف صادقًا فهو مصيب في الشرع؛ ليضعف بذلك نفوس من يريد الإعنات، ويطمع في أموال الناس بادعاء المحال؛ ليفتدوا أيمانهم منهم بأموالهم. وأيضًا: فإن أرادوا أن (٣) اليمين الصادقة لا عار فيها عند الله تعالى فصحيح، ولكن ليس كل ما لم يكن عارًا عند الله تعالى لم يكن عارًا في

стр. 340

العادة، وهم يعللون منع إنكاح الابن أمه بأن عليه عارًا في ذلك (١)، ونحن نعلم أن المباح لا عار فيه عند الله تعالى، هذا إذا علم كون اليمين صدقًا، وكلامنا في يمين مطلقة لا يعلم باطنها. قال: ودليل آخر، وهو أن الأخذ بالعرف واجب، لقوله تعالى: ﴿وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ [الأعراف: ١٩٩]. ومعلوم أن من كانت دعواه ينفيها العرف، فإن الظن سبق إليه في دعواه (٢) بالبطلان، كبقال يدعي على خليفة أو أمير ما لا يليق بمثله شراؤه، أو تطرق تلك الدعوى عليه (٣). قلت: ومما يشهد لذلك ويقويه قول عبد الله بن مسعود الذي رواه عنه الإمام أحمد وغيره - وهو ثابت (٤) عنه -: "إن الله نظر في قلوب العباد، فرأى قلب محمد ﷺ خير قلوب العباد، فاختاره لرسالته، ثم نظر في قلوب العباد بعده، فرأى قلوب أصحابه خير قلوب العباد، فاختارهم لصحبته، فما رآه المؤمنون حسنًا فهو عند الله حسن، وما رآه المؤمنون قبيحًا فهو عند الله قبيح" (٥).

стр. 341

ولا ريب أن المؤمنين - بل وغيرهم - يرون من القبيح أن تسمع دعوى البقال على الخليفة الأمير أنه باعه بمائة ألف دينار أو نحوها (١) ولم يوفه إياها، أو أنه اقترض منه ألف دينار أو نحوها (٢)، أو أنه تزوج ابنته الشوهاء، ودخل بها، ولم يعطها مهرها. أو تدعي امرأة مكثت (٣) مع الزوج ستين سنة أو نحوها: أنه لم ينفق عليها يومًا واحدًا، ولا كساها خيطًا، وهو يشاهد داخلًا وخارجًا إليها بأنواع الطعام والفواكه فتسمع دعواها ويحلف لها، ويحبس على ذلك كله. أو تسمع دعوى الذاعر الهارب وبيده عمامة لها ذؤابة، وعلى رأسه عمامة، وخلفه عالم مكشوف الرأس، فيدعي الذاعر أن العمامة له، فتسمع دعواه، ويحكم له بها بحكم اليد. أو يدعي رجل معروف بالفجور وأذى الناس على رجل مشهور بالديانة والصلاح أنه نقب بيته وسرق متاعه، فتسمع دعواه ويستحلف له، فإن نكل قضي عليه. أو يدعي رجل على رجل مشهور بالخير والدين أنه تعرض لزوجته أو ولده أو لقريبه بكلام قبيح أو فعل، فلا تسمع دعواه ويُعزر المدعي بذلك (٤). أو يدعي رجل

стр. 342

معروف بالشحاذة وسؤال الناس أنه أقرض تاجرًا من أكابر التجار مائة ألف دينار، أو أنه غصبها منه، أو أن ثياب التاجر التي هي عليه ملك الشحاذ شلحه إياها، أو غصبها منه. ونحو ذلك من الدعاوى التي شهد الناس بفطرهم وعقولهم أنها من أعظم الباطل؛ فهذه لا تسمع، ولا يُحلَّف فيها المدعى عليه، ويُعزر المدعي تعزير أمثاله. وهذا الذي تقتضيه الشريعة التي مبناها على الصدق والعدل، كما قال تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام: ١١٥] فالشريعة المنزلة من عند الله لا تصدق كاذبًا، ولا تنصر ظالمًا. فصل (١) ورأيت لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ ورضي الله عنه - في ذلك جواب سؤال: هل السياسة بالضرب والحبس للمتهمين في الدعاوى وغيرها من الشرع أم لا؟ وإذا كانت من الشرع فمن يستحق ذلك، ومن لا يستحقه؟ وما قدر الضرب ومدة الحبس؟ فأجاب (٢): الدعاوى التي يحكم فيها ولاة الأمور - سواء سموا قضاة، أو ولاة، أو ولاة الأحداث (٣)، أو ولاة المظالم (٤)، أو غير

стр. 343

ذلك من الأسماء العرفية الاصطلاحية -، فإن حكم الله ﵎ شامل لجميع الخلائق، وعلى كل من ولي أمرًا من أمور الناس، أو حكم بين اثنين أن يحكم بالعدل فيحكم بكتاب الله وسنة رسوله وهذا هو الشرع المنزل من عند الله تعالى، قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: ٢٥]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (٥٨)﴾ [النساء: ٥٨]، وقال تعالى: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ﴾ [المائدة: ٤٨]. فالدعاوى قسمان: دعوى تهمة ، ودعوى غير تهمة . فدعوى التهمة: أن يُدَّعى فعل محرم على المطلوب، يوجب عقوبته، مثل قتل، أو قطع الطريق، أو سرقة، أو غير ذلك من العدوان الذي يتعذر إقامة البينة عليه في غالب الأحوال. وغير التهمة: أن يدعي عقدًا من بيع أو قرض أو رهن أو ضمان، أو غير ذلك. وكل من القسمين قد يكون حدًّا محضًا، كالشرب والزنا، وقد يكون حقًّا محضًا لآدمي، كالأموال، وقد يكون متضمنًا للأمرين، كالسرقة وقطع الطريق. فهذا القسم إن أقام عليه المدعي (١) حجة

стр. 344

شرعية، وإلا فالقول قول المدعى عليه مع يمينه. لما روى مسلم في "صحيحه" (١) عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بدَعْوَاهُمْ لادَّعَى نَاسٌ دِمَاءَ رِجَالٍ وَأَمْوَالَهُمْ، وَلَكِنَّ اليَمِيْنَ عَلَى المُدَّعَىَ عَلَيْه"، وفي رواية في "الصحيحين" (٢) عنه: "قَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ بِاليَمِيْنِ عَلىَ المُدَّعَى عَلَيْهِ". فهذا الحديث نص أن (٣) أحدًا لا يعطى بمجرد دعواه، ونص في أن الدعوى المتضمنة للإعطاء فيها اليمين ابتداءً على المدعى عليه وليس فيها أن الدعاوى الموجبة للعقوبات لا توجب اليمين إلا على المدعى عليه. بل قد ثبت عنه (٤) في "الصحيحين" (٥) في قصة القسامة: أنه قال لمدعي الدم: "تَحْلِفُونَ خَمْسِينَ يَمِينًا وَتَسْتحِقُّونَ دَمَ صَاحِبِكُمْ، فَقَالوا: كَيف نحلف، ولم نشهد، ولم نر؟ قال: فَتُبَرِّئُكُمْ يَهودُ بَخَمْسِينَ يَمِينًا". وثبت في "صحيح مسلم" (٦) عن ابن عباس: "أنَّ النَّبي ﷺ قَضَى

стр. 345

بِيَمين وَشَاهِدٍ". وابن عباس هو الذي روى عن النبي ﷺ : "أنه قضى بَاليمين على المدعى عليه" (١)، وهو الذي روى: "أنه قضى باليمين والشاهد" ولا تعارض بين الحديثين، بل هذا في دعوى، وهذا في دعوى. وأما الحديث المشهور على ألسنة الفقهاء: "البَيِّنَةُ عَلَى مَنِ ادَّعَى (٢) وَاليَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ" (٣) فهذا قد روي، ولكن ليس إسناده في الصحة والشهرة مثل غيره، ولا رواه عامة أصحاب السنن المشهورة، ولا قال بعمومه أحد من علماء الأمة، إلا طائفة من فقهاء الكوفة، مثل أبي حنيفة وغيره (٤)، فإنهم يرون اليمين دائمًا في (٥) جانب المنكر، حتى في القسامة (٦)، يحلفون المدعى عليه، ولا يقضون بالشاهد واليمين (٧)، ولا يردون اليمين على المدعي عند النكول (٨)، واستدلوا بعموم هذا الحديث.

стр. 346

وأما سائر علماء الأمة - من أهل المدينة ومكة والشام وفقهاء الحديث وغيرهم، مثل ابن جريج (١) ومالك (٢) والشافعي (٣) والليث (٤) وأحمد (٥) وإسحاق (٦) -: فتارة يحلفون (٧) المدعى عليه، كما جاءت بذلك السنة، والأصل عندهم: أن اليمين مشروعة في أقوى الجانبين، وأجابوا عن ذلك الحديث: تارة بالتضعيف (٨)، وتارة بأنه عام، وأحاديثهم خاصة (٩)، وتارة بأن أحاديثهم أصح وأكثر (١٠)، فالعمل بها

стр. 347

عند التعارض أولى. وقد ثبت عن النبي ﷺ : "أنه طلب البينة من المدعي، واليمين من المنكر" في حكومات معينة، ليست من جنس دعاوى التهم، مثل ما خرّجا في "الصحيحين" (١) عن الأشعث بن قيس أنه قال: "كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ رَجُل (٢) حُكُومَةٌ فِي بِئرٍ، فَاخْتَصَمْنَا إِلَى النَّبي ﷺ ، فَقَال: "شَاهِدَاكَ أوْ يَمِينُهُ"، فَقَلْتُ: إذا يَحْلِفُ وَلَا يُبَالِي، فَقَالَ: "مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينِ صَبْرٍ (٣) يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ امْرِئ مُسْلِمٍ - هُوَ فِيهَا فَاجِر - لَقِيَ الله وَهُوَ عَلَيْهِ غَضبَان"، وفي رواية فقال: "بَيَّنَتُكَ أنَّها بِئْرُكَ، وَإِلَّا فَيَمِينُهُ" (٤). وعن وائل بن حُجر قال: جاء رجل من حضرموت، ورجل من كندة إلى النبي ﷺ ، فقال الذي من حضرموت: يا رسول الله، إن هذا غلبني على أرض كانت لأبي، فقال الكندي: هي أرضي في يدي أزرعها، ليس له فيها حق، فقال النبي ﷺ : "أَلَكَ بَيِّنَةٌ؟ " قال: لا، قال: "فَلَكَ يَمِينُهُ"، فقال: يا رسول الله الرجل فاجر لا يبالي على ما

стр. 348

حلف عليه، وليس يتورع من شيء، فقال: "لَيسَ لَكَ مِنْهُ إِلَّا ذَلِك"، فلما أدبر الرجل ليحلف، قال رسول الله ﷺ : "أَمَا إنْ حَلَفَ عَلَى مَالِهِ ليَأْكلَهُ ظلمًا ليَلقيَنَّ الله وَهُوَ عَنْهُ مَعْرِضٌ" رواه مسلم (١). ففي هذا الحديث: أنه لم يوجب على المطلوب إلا اليمين، مع ذكر المدعي لفجوره، وقال: "ليس لك منه إلا ذلك"، وكذلك في الحديث الأول، كان خصم الأشعث بن قيس يهوديًّا، هكذا جاء في "الصحيحين" (٢)، ومع هذا لم يوجب عليه إلا اليمين. وفي حديث القسامة: "أن الأنصار قالوا: كيف نقبل أيمان قوم كفار؟ " (٣). وهذا القسم لا أعلم فيه نزاعًا أن القول فيه قول المدعى عليه مع يمينه، إذا لم يأت المدعي بحجة شرعية، وهي البينة، لكن البينة التي هي الحجة الشرعية: تارة تكون شاهدين عدلين ذكرين ، وتارة تكون رجلًا وامرأتين، وتارة أربعة رجال ، وتارة ثلاثة عند طائفة من العلماء (٤)، وذلك في دعوى إفلاس من علم له مال متقدم، كما ثبت

стр. 349

في "صحيح مسلم" (١) من حديث قبيصة بن مخارق (٢) قال: "لَا تَحِلُّ المَسْأَلَةُ إِلَّا لِأَحَدِ ثَلَاثَةٍ: رَجُلٍ تَحَمَّلَ حَمَالَةً (٣)، فَحَلَّتْ لَهُ المَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيْبَهَا، ثَمَّ يُمْسِكُ، وَرَجُلٌ أصَابَتْهُ جَائِحَةٌ (٤) اجْتَاحَتْ مَالَهُ، فَحَلَّتْ لَهُ المَسْأَلَةُ، حَتَّى يُصِيْب قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ، وَرَجُلٌ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ (٥)، حَتَّى يَقُومَ ثَلَاثَةٌ مِنْ ذَوِي الحِجَى مِنْ قَوْمِهِ يَقُولُون: لَقَدْ أَصَابَتْ فَلانًا فَاقَةٌ، فَحَلَّتْ لَهُ المَسأَلَةُ حَتَّى يُصيبَ قوامًا مِنْ عَيْشٍ، فَمَا سواهُنَّ يَا قَبيصَةُ سُحْتًا يَأْكُلُهَا صَاحِبُهَا سُحْتًا". فهذا الحديث صريح في أنه لا يقبل في (٦) بينة الإِعسار أقل من ثلاثة ، وهو الصواب الذي يتعين القول به، وهو اختيار بعض أصحابنا (٧)، وبعض الشافعية (٨).

стр. 350

قالوا: ولأنَّ (١) الإعسار من الأمور الخفية التي تقوى فيها التهمة بإخفاء المال، فروعي فيها (٢) الزيادة في البينة، وجعلت (٣) بين مرتبة أعلى البينات ومرتبة أدنى البينات (٤). وتارة تكون الحجة شاهدًا ويمين الطالب ، وتارة تكون امرأة واحدة عند أبي حنيفة (٥) وأحمد في المشهور عنه (٦)، وامرأتين عند مالك (٧) وأحمد في رواية (٨)، وأربع نسوة عند الشافعي (٩)، وتارة

стр. 351

تكون رجلًا واحدًا في داء الدابة، وشهادة الطبيب، إذا لم يوجد اثنان، كما نص عليه أحمد (١)، وتارة تكون لوثًا (٢) ولطخًا (٣) مع أيمان المدعين، كما في القسامة ، وامتازت بكون الأيمان فيها خمسين؛ تغليظًا لشأن الدم، كما امتاز اللعان بكون الأيمان فيه أربعًا. والقسامة يجب فيها القود عند مالك (٤) وأحمد (٥) (٦)، وتوجب

стр. 352

الدية فقط عند الشافعي (١)، وأما أهل الرأي (٢): فيحلفون فيها المدعى عليه خاصة، ويوجبون عليه الدية مع تحليفه (٣). قلت: وتارة تكون الحجة نكولًا فقط من غير (٤) رد اليمين، وتارة تكون يمينًا مردودة، مع نكول المدعى عليه ، كما قضى الصحابة بهذا (٥) وهذا، وتارة تكون علامات يصفها المدعي ، يُعلم بها صدقه، كالعلامات التي يصفها من سقطت منه لقطة لواجدها، فيجب حينئذٍ الدفع إليه بالصفة عند الإمام أحمد (٦) وغيره، ويجوز عند الشافعي (٧)،

стр. 353

ولا يجب، وتارة تكون شبهًا بينًا يدل على ثبوت النسب، فيجب إلحاق النسب به عند جمهور (١) من السلف والخلف (٢)، كما في القافة التي اعتبرها رسول الله ﷺ وحكم بها الصحابة من بعده (٣)، وتارة تكون علامات يختص بها أحد المتداعيين ، فيقدم بها (٤)، كما نص عليه الإمام أحمد في المكري والمكتري يتداعيان دفينًا في الدار، فيصفه أحدهما، فيكون له مع يمينه (٥)، وتارة تكون علامات في بدن اللقيط يصفه به أحد المتداعيين، فيقدم بها، كما نص عليه أحمد (٦)، وتارة تكون قرائن ظاهرة يحكم بها للمدعي مع يمينه ، كما إذا تنازع الخياط والنجار في آلات صناعتهما، حكم بكل آلة لمن تصلح له عند الجمهور (٧)، وكذلك إذا تنازع الزوجان متاع البيت، حكم للرجل بما

стр. 354

يصلح له، وللمرأة بما يصلح لها (١)، ولم ينازع في ذلك إلا الشافعي، فإنه قسم عمامة الرجل وثيابه بينه وبين المرأة، وكذلك قسم خف المرأة وحلقها ومغزلها بينها وبين الرجل (٢). وأما الجمهور - كمالك وأحمد وأبي حنيفة - فإنهم نظروا إلى القرائن الظاهرة والظن الغالب الملتحق بالقطع في اختصاص كل واحد منهما بما يصلح له، ورأوا أن الدعوى تترجح (٣) بما هو دون ذلك بكثير، كاليد والبراءة والنكول، واليمين المردودة، والشاهد واليمين، والرجل والمرأتين، فيثير (٤) ذلك ظنًّا تترجح به الدعوى، ومعلوم أن الظن الحاصل ها هنا أقوى بمراتب كثيرة من الظن الحاصل بتلك الأشياء، وهذا مما (٥) لا يمكن جحده ودفعه.

стр. 355

وقد نصب الله سبحانه على الحق الموجود والمشروع علامات وأمارات تدل عليه وتبينه، قال تعالى: ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥) وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [النحل: ١٥ - ١٦]، ونصب على القبلة علامات وأدلة، ونصب على الإيمان والنفاق علامات وأدلة (١)، قال النبي ﷺ : "إِذَا رَأَيْتُم الرَّجُلَ يَعْتَادُ المَسْجدَ فَاشْهَدُوا لَهُ بِالإِيْمَانِ" (٢)، فجعل اعتياد شهود المسجد من علامات الإيمان وجوز لنا أن نشهد بإيمان صاحبها، مستندين إلى تلك العلامة، والشهادة إنما تكون على القطع، فدل على أن الأمارة تفيد القطع وتسوغ الشهادة.
следующие страницы →