← Сияса и кади

Сияса и кади · id 18159

الطرق الحكمية في السياسة الشرعية - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (1 013 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

تكون رجلًا واحدًا في داء الدابة، وشهادة الطبيب، إذا لم يوجد اثنان، كما نص عليه أحمد (١)، وتارة تكون لوثًا (٢) ولطخًا (٣) مع أيمان المدعين، كما في القسامة ، وامتازت بكون الأيمان فيها خمسين؛ تغليظًا لشأن الدم، كما امتاز اللعان بكون الأيمان فيه أربعًا. والقسامة يجب فيها القود عند مالك (٤) وأحمد (٥) (٦)، وتوجب

стр. 352

الدية فقط عند الشافعي (١)، وأما أهل الرأي (٢): فيحلفون فيها المدعى عليه خاصة، ويوجبون عليه الدية مع تحليفه (٣). قلت: وتارة تكون الحجة نكولًا فقط من غير (٤) رد اليمين، وتارة تكون يمينًا مردودة، مع نكول المدعى عليه ، كما قضى الصحابة بهذا (٥) وهذا، وتارة تكون علامات يصفها المدعي ، يُعلم بها صدقه، كالعلامات التي يصفها من سقطت منه لقطة لواجدها، فيجب حينئذٍ الدفع إليه بالصفة عند الإمام أحمد (٦) وغيره، ويجوز عند الشافعي (٧)،

стр. 353

ولا يجب، وتارة تكون شبهًا بينًا يدل على ثبوت النسب، فيجب إلحاق النسب به عند جمهور (١) من السلف والخلف (٢)، كما في القافة التي اعتبرها رسول الله ﷺ وحكم بها الصحابة من بعده (٣)، وتارة تكون علامات يختص بها أحد المتداعيين ، فيقدم بها (٤)، كما نص عليه الإمام أحمد في المكري والمكتري يتداعيان دفينًا في الدار، فيصفه أحدهما، فيكون له مع يمينه (٥)، وتارة تكون علامات في بدن اللقيط يصفه به أحد المتداعيين، فيقدم بها، كما نص عليه أحمد (٦)، وتارة تكون قرائن ظاهرة يحكم بها للمدعي مع يمينه ، كما إذا تنازع الخياط والنجار في آلات صناعتهما، حكم بكل آلة لمن تصلح له عند الجمهور (٧)، وكذلك إذا تنازع الزوجان متاع البيت، حكم للرجل بما

стр. 354

يصلح له، وللمرأة بما يصلح لها (١)، ولم ينازع في ذلك إلا الشافعي، فإنه قسم عمامة الرجل وثيابه بينه وبين المرأة، وكذلك قسم خف المرأة وحلقها ومغزلها بينها وبين الرجل (٢). وأما الجمهور - كمالك وأحمد وأبي حنيفة - فإنهم نظروا إلى القرائن الظاهرة والظن الغالب الملتحق بالقطع في اختصاص كل واحد منهما بما يصلح له، ورأوا أن الدعوى تترجح (٣) بما هو دون ذلك بكثير، كاليد والبراءة والنكول، واليمين المردودة، والشاهد واليمين، والرجل والمرأتين، فيثير (٤) ذلك ظنًّا تترجح به الدعوى، ومعلوم أن الظن الحاصل ها هنا أقوى بمراتب كثيرة من الظن الحاصل بتلك الأشياء، وهذا مما (٥) لا يمكن جحده ودفعه.

стр. 355

وقد نصب الله سبحانه على الحق الموجود والمشروع علامات وأمارات تدل عليه وتبينه، قال تعالى: ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥) وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [النحل: ١٥ - ١٦]، ونصب على القبلة علامات وأدلة، ونصب على الإيمان والنفاق علامات وأدلة (١)، قال النبي ﷺ : "إِذَا رَأَيْتُم الرَّجُلَ يَعْتَادُ المَسْجدَ فَاشْهَدُوا لَهُ بِالإِيْمَانِ" (٢)، فجعل اعتياد شهود المسجد من علامات الإيمان وجوز لنا أن نشهد بإيمان صاحبها، مستندين إلى تلك العلامة، والشهادة إنما تكون على القطع، فدل على أن الأمارة تفيد القطع وتسوغ الشهادة.

стр. 356

وقال: "آيَةُ المُنَافِقِ ثَلَاثُ - وفي لفظ: علامة المنافق ثلاث -: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَف، وَإِذَا ائْتُمِنَ خَانَ" (١). وفي "السنن": "ثَلَاثٌ مِنْ عَلَامَاتِ الإيْمَانِ: الكَفُّ عَمَّن قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا الله، وَالْجهَادُ مَاضٍ مُنْذُ بَعَثَنِي الله إَلَى أَنْ يُقَاتِلَ آخِرُ أُمَّتِي الدَّجَّالَ، لا يُبطلهُ جَوْرُ جَائِرٍ وَلَا عَدْلُ عَادِلٍ، وَالإِيْمَانُ بالأَقْدارِ" (٢). وقد نصب الله تعالى الآيات دالة عليه وعلى وحدانيته وأسمائه وصفاته، فكذلك هي دالة على عدله وأحكامه، والآية مستلزمة لمدلولها لا تنفك عنها، فحيث وجد الملزوم (٣) وجد لازمه، فإذا وجدت آية الحق ثبت الحق، ولم يتخلف ثبوته عن آيته وأمارته، فالحكم بغيره حينئذٍ (٤) يكون حكمًا بالباطل. وقد اعتبر النبي ﷺ وأصحابه من بعده العلامات في الأحكام،

стр. 357

وجعلوها مبينة لها، كما اعتبر العلامات في اللقطة، وجعل صفة الواصف لها آية وعلامة على صدقه (١)، وأنها له، وقال لجابر: "خذ من وكيلي وسقًا (٢)، فإن التمس منك آية، فضع يدك على ترقوته" (٣) فنزل هذه العلامة منزلة البينة التي تشهد أنه أذن له أن يدفع إليه ذلك، كما نزل الصفة للُّقطة منزلة البينة، بل هذا نفسه بينة، إذ البينة ما تبين الحق من قول وفعل ووصف. وجعل الصحابة ﵃ الحبل علامة وآية على الزنا فحدوا به المرأة وإن لم تقر (٤)، ولم يشهد عليها أربعة، بل جعلوا الحبل أصدق من الشهادة، وجعلوا رائحة الخمر وقيئه لها آية وعلامة على شربها، بمنزلة الإقرار والشاهدين (٥). وجعل النبي ﷺ نحر كفار قريش يوم بدر عشر جزائر أو تسعًا آية وعلامة على كونهم ما بين الألف والتسعمائة (٦)، فأخبر عنهم بهذا

стр. 358

القدر بعد ذكر هذه العلامة. وجعل النبي ﷺ كثرة المال وقصر مدة إنفاقه آية وعلامة على كذب المدعي لذهابه في النفقة والنوائب في قصة (١) حيي بن أخطب، وقد (٢) تقدمت (٣)، وأجاز العقوبة بناءً على هذه العلامة. واعتبر العلامة في السيف وظهور أثر الدم به في الحكم بالسلب لأحد المتداعيين، ونزل الأثر منزلة بينة (٤). واعتبر العلامة في ولد الملاعنة، وقال: "أنظروها، فإن جاءت به كذا وكذا فهو لهلال بن أمية، وإن جاءت به على نعت كذا وكذا فهو للذي رميت به" (٥)، فأخبر أنه للذي رميت به لهذه العلامات والصفات، ولم يحكم به له؛ لأنه لم يدعه، ولم يقر به، ولا كانت الملاعنة فراشًا له. واعتبر إنبات الشعر حول القبل في البلوغ، وجعله آية وعلامة له، فكان يقتل من الأسرى يوم قريظة من وجدت فيه تلك العلامة (٦)، ويستبقي من لم تكن فيه، ولهذا جعله طائفة من الفقهاء - كالشافعي (٧) - علامة في حق الكفار خاصة.

стр. 359

وجعل الحيض علامة على براءة الرحم من الحمل، فجوز وطء الأمة المسبية إذا حاضت حيضة، لوجود علامة خلوها من الحبل، فلما منع من وطء الأمة الحامل، وجوز وطأها إذا حاضت (١)، كان ذلك اعتبارًا لهذه العلامة والأمارة (٢). واعتبر العلامة في الدم الذي تراه المرأة ويشتبه عليها، هل هو حيض، أو استحاضة. واعتبر العلامة فيه بوقته ولونه، وحكم بكونه حيضًا بناءً على ذلك (٣). وهذا في الشريعة أكثر من أن يحصر وتستوفى شواهده.

стр. 360

فمن أهدر الأمارات والعلامات في الشرع (١) بالكلية فقد عطل كثيرًا من الأحكام، وضيع كثيرًا من الحقوق (٢) والناس في هذا الباب طرفان ووسط. قال شيخنا ﵀ (٣) -: وقد وقع فيه من التفريط من بعض ولاة الأمور والعدوان من بعضهم ما أوجب الجهل بالحق، والظلم للخلق، وصار لفظ "الشرع" غير مطابق لمعناه (٤) الأصلي، بل لفظ "الشرع" في هذه الأزمنة ثلاثة أقسام: الشرع المنزل: وهو الكتاب والسنة، واتباع هذا الشرع واجب، ومن خرج عنه وجب قتاله، وتدخل فيه أصول الدين وفروعه، وسياسة الأمراء وولاة المال (٥)، وحكم الحاكم، ومشيخة الشيوخ، وولاة (٦) الحسبة، وغير ذلك، فكل هؤلاء عليهم أن يحكموا بالشرع المنزل، ولا يخرجوا عنه. والشرع الثاني: الشرع (٧) المتأول ، وهو موارد (٨) النزاع (٩) والاجتهاد

стр. 361

بين الأئمة، فمن أخذ بما يسوغ فيه الاجتهاد أقر عليه، ولم يجب على جميع الناس موافقته إلا بحجة لا مرد لها من كتاب الله وسنة رسوله. والثالث: الشرع المبدل ، مثل ما يثبت بشهادات الزور، ويحكم فيه بالجهل والظلم، أو يؤمر (١) فيه بإقرار باطل لإضاعة حق، مثل تعليم المريض أن يقر لوارث بما ليس له، ليبطل به (٢) حق بقية الورثة، والأمر بذلك حرام، والشهادة (٣) عليه محرمة، والحاكم إذا عرف باطن الأمر وأنه غير مطابق للحق فحكم به كان جائرًا آثمًا، وإن لم يعرف باطن الأمر لم يأثم، فقد قال سيد الحكام صلوات الله وسلامه عليه في الحديث المتفق عليه: "إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ وَلَعَلَّ بَعْضَكُم أَنْ يَكُوْنَ أُلْحَنَ بِحجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ (٤)، فَأَقْضِي بنَحْوٍ مِمَّا أَسْمَعُ (٥)، فمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِشيْء مِن حَقِّ أَخِيهِ فَلَا يَأْخْذُهُ، فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ" (٦). فصل القسم الثاني من الدعاوى: دعاوى التهم: وهي دعوى الجناية

стр. 362

والأفعال المحرمة، كدعوى القتل، وقطع الطريق، والسرقة، والقذف (١)، والعدوان. فهذا ينقسم المدعى عليه فيه إلى ثلاثة أقسام (٢)؛ فإن المتهم إما أن يكون بريئًا ليس من أهل تلك التهمة، أو فاجرًا من أهلها، أو مجهول الحال لا يعرف الوالي والحاكم حاله. فإن كان بريئًا لم تجز عقوبته اتفاقًا (٣)، واختلفوا في عقوبة المتهم له على قولين، أصحهما: أنه (٤) يعاقب، صيانة لتسلط أهل الشر والعدوان على أعراض البرآء (٥). قال مالك وأشهب (٦) رحمهما الله: لا أدب على المدعي إلا أن

стр. 363

يقصد أذية المدعى عليه وعيبه وشتمه، فيؤدب (١). وقال أصبغ (٢): يؤدب، قصد أذيته أو لم يقصد (٣). وهل يحلَّف في (٤) هذه الصور؟ فإن كان المدعى حدًّا لله لم يحلف عليه، وإن كان حقًّا لآدمي ففيه قولان مبنيان على سماع الدعوى، فإن سمعت الدعوى أُحلف له، وإلا لم يحلف. والصحيح: أنه لا تسمع الدعوى (٥) في هذه الصورة، ولا يحلف المتهم؛ لئلا يتطرق الأراذل والأشرار إلى الاستهانة بأهل الفضل والأخطار، كما تقدم من أن المسلمين يرون ذلك قبيحًا (٦). فصل القسم الثاني (٧): أن يكون المتهم مجهول الحال ، لا يعرف ببر

стр. 364

ولا فجور، فهذا يحبس حتى ينكشف حاله عند عامة علماء الإسلام (١)، والمنصوص عند أكثر الأئمة: أنه يحبسه القاضي والوالي، هكذا نص عليه مالك وأصحابه (٢)، وهو منصوص الإمام أحمد ومحققي أصحابه (٣)، وذكره أصحاب أبي حنيفة (٤). وقال الإمام أحمد: قد حبس النبي ﷺ في تهمة، قال أحمد (٥): وذلك حتى يتبين للحاكم أمره. وقد روى أبو داود في "سننه" (٦) وأحمد (٧) وغيرهما (٨)، من

стр. 365

حديث بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده: "أَنَّ النَّبي ﷺ حَبَسَ فِي تُهْمة" قال علي بن المديني: حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده صحيح (١). وفي "جامع الخلال" عن أبي هريرة ﵁: "أَنَّ النَّبي ﷺ حبسَ في تُهْمَةٍ يَوْمًا وَلَيْلَةً" (٢). والأصول المتفق عليها بين الأئمة توافق ذلك، فإنهم متفقون على أن المدعي إذا طلب (٣) المدعى عليه، الذي يسوغ إحضاره وجب على الحاكم إحضاره إلى مجلس الحكم، حتى يفصل بينهما، ويحضره من مسافة العدوى - التي هي عند بعضهم بريد (٤) - وهو ما لا يمكن الذهاب إليه والعود في يومه (٥)، كما يقوله بعض أصحاب الإمام

стр. 366

الشافعي (١) وأحمد (٢)، وهو رواية عن أحمد (٣) ﵁ وعند بعضهم يحضره من مسافة القصر، وهي مسيرة يومين قاصدين (٤)، كما هي الرواية الأخرى عن أحمد (٥). ثم الحاكم قد يكون مشغولًا عن تعجيل الفصل، وقد تكون عنده حكومات سابقة، فيكون المطلوب محبوسًا معوقًا من حين يطلب إلى أن يفصل بينه وبين خصمه، وهذا حبس بدون التهمة، ففي التهمة أولى، فإن الحبس الشرعي ليس هو السجن (٦) في مكان ضيق، وإنما هو تعويق (٧) الشخص ومنعه من التصرف بنفسه سواء كان في بيت أو مسجد (٨)، أو كان بتوكيل (٩) نفس الخصم أو وكيله عليه، وملازمته له، ولهذا سماه النبي ﷺ : "أسيرًا"، كما روى أبو داود وابن ماجه عن

стр. 367

الهرماس بن حبيب عن أبيه (١) قال: "أَتَيْتُ النَّبي ﷺ بِغَريمٍ، فَقَالَ: الْزَمْهُ، ثُمَّ قَالَ لِي: يَا أَخَا بَنِي تَمِيم مَا تُرِيدُ أَنْ تَفْعَلَ بِأسِيرِكَ؟ "، وفي رواية ابن ماجه: "ثُمَّ مَرَّ بِي آخِرَ النَّهَارِ، فَقَالَ: مَا فَعَلَ أَسِيْرُكَ يَا أَخَا بَنِي تَمِيم؟ " (٢)، وكان هذا هو الحبس على عهد النبي ﷺ وأبي بكر الصديق ﵁، ولم يكن له محبس معد لحبس الخصوم ولكن لما انتشرت الرعية في زمن عمر بن الخطاب ابتاع بمكة دارًا وجعلها سجنًا يحبس (٣) فيها، ولهذا تنازع العلماء من أصحاب أحمد وغيرهم (٤): هل يتخذ الإمام حبسًا ؟ على قولين:

стр. 368

فمن قال: لا يتخذ حبسًا، قال: لم يكن لرسول الله ﷺ ولا لخليفته (١) بعده حبس، ولكن يُعوِّقه بمكان من الأمكنة، أو يقام عليه حافظ - وهو الذي يسمى الترسيم - أو يأمر غريمه بملازمته كما فعل النبي ﷺ (٢). ومن قال: له أن يتخذ حبسًا، قال: قد (٣) اشترى عمر بن الخطاب ﵁ من صفوان بن أمية دارًا بأربعة آلاف درهم (٤)، وجعلها حبسًا (٥). ولما كان حضور مجلس الحاكم تعويقًا (٦) من جنس الحبس تنازع العلماء: هل يحضر (٧) الخصم المطلوب بمجرد الدعوى ، أم لا يحضر (٨) حتى يبين المدعي أن للدعوى أصلًا، على قولين، هما روايتان عن أحمد (٩)،

стр. 369

والأول: قول (١) أبي حنيفة (٢) والشافعي (٣)، والثاني: قول مالك (٤). فصل (٥) ومنهم من قال: الحبس في التهم إنما هو لوالي (٦) الحرب، دون القاضي، وقد ذكر هذا طائفة من أصحاب الشافعي كأبي عبد الله (٧) الزبيري (٨) والماوردي (٩) وغيرهما، وطائفة من أصحاب أحمد من المصنفين في أدب القضاة (١٠) وغيرهم، واختلفوا في مقدار الحبس في التهمة، هل هو مقدَّر أو مرجعه إلى اجتهاد الوالي والحاكم؟ على

стр. 370

قولين ذكرهما الماوردي (١) وأبو يعلى وغيرهما (٢)، فقال الزبيري: هو مقدر بشهر (٣)، وقال الماوردي: غير مقدر (٤). فصل (٥) القسم الثالث: أن يكون المتهم معروفًا بالفجور ، كالسرقة وقطع الطريق والقتل ونحو ذلك، فإذا جاز حبس المجهول فحبس هذا أولى. قال شيخنا ابن تيمية (٦): وما علمت أحدًا من أئمة (٧) المسلمين يقول: إن المدعى عليه في جميع هذه الدعاوى يحلف ويرسل بلا حبس ولا غيره، فليس هذا - على إطلاقه - مذهبًا لأحد من الأئمة الأربعة ولا غيرهم من الأئمة (٨)، ومن زعم أن هذا - على إطلاقه وعمومه - هو الشرع فقد غلط غلطًا فاحشًا مخالفًا

стр. 371

لنصوص (١) رسول الله ﷺ ولإجماع الأمة. وبمثل هذا الغلط الفاحش تجرأ الولاة على مخالفة الشرع، وتوهموا أن الشرع لا يقوم بسياسة العالم ومصلحة الأمة، وتعدوا حدود الله، وتولد من جهل الفريقين بحقيقة الشرع خروج (٢) عنه إلى أنواع من الظلم والبدع والسياسة (٣)، جعلها هؤلاء من الشرع وهؤلاء قسيمة له ومقابلة له، وزعموا أن الشرع ناقص لا يقوم بمصالح الناس، وجعل أولئك ما فهموه من العموميات والإطلاقات (٤) هو الشرع، وإن تضمن خلاف ما تشهد (٥) به الشواهد والعلامات الصحيحة. والطائفتان مخطئتان على الشرع أقبح خطأ وأفحشه، وإنما أتوا من تقصيرهم في معرفة الشرع الذي أنزل الله على رسوله، وشرعه بين عباده، كما تقدم بيانه (٦)، فإنه أنزل الكتاب بالحق ليقوم الناس بالقسط ولم يسوغ تكذيب صادق ولا إبطال أمارة وعلامة شاهدة بالحق، بل أمر بالتثبت في خبر الفاسق، ولم يأمر برده مطلقًا، حتى تقوم أمارة على صدقه فيقبل، أو كذبه فيرد، فحكمه دائر مع الحق، والحق دائر مع حكمه أين كان، ومع من كان، وبأي دليل صحيح كان، فتوسع كثير

стр. 372

من هؤلاء في أمور ظنوها علامات وأمارات أثبتوا بها أحكامًا، وقصر كثير من أولئك عن أدلة وعلامات ظاهرة ظنوها غير صالحة لإثبات الأحكام. فصل ويسوغ ضرب هذا النوع من المتهمين ، كما أمر النَّبي ﷺ الزبير بتعذيب المتهم الَّذي غيَّب ماله حتَّى أقرَّ به، في قصة ابن أبي الحُقَيْق (١). قال شيخنا (٢): واختلفوا فيه: هل الَّذي يضربه الوالي دون القاضي، أو كلاهما، أو لا يسوغ ضربه؟ على ثلاثة أقوال: أحدها: أنَّه يضربه الوالي والقاضي، هذا قول طائفة من أصحاب مالك (٣) وأحمد (٤) وغيرهم (٥)، منهم أشهب بن عبد العزيز قاضي (٦) مصر، فإنَّه قال: يمتحن بالحبس والضرب، ويضرب (٧) بالسوط

стр. 373

مجردًا. والقول الثاني: أنَّه يضربه الوالي دون القاضي، وهذا قول بعض أصحاب الشافعي وأحمد، حكاه القاضيان (١). ووجه هذا: أنَّ الضرب المشروع هو ضرب الحدود والتعزيرات (٢) , وذلك إنَّما يكون بعد ثبوت أسبابها وتحققها (٣). والقول الثالث: أنَّه يحبس ولا (٤) يضرب، وهذا قول أصبغ وكثيرٍ من الطوائف الثلاثة (٥)، بل قول أكثرهم، لكن حبس (٦) المتهم عندهم أبلغ من حبس المجهول. ثمَّ قالت طائفة (٧) منهم عمر بن عبد العزيز، ومطرف، وابن الماجشون: إنَّه يحبس حتَّى يموت (٨).

стр. 374

ونصَّ عليه الإمام أحمد (١) في المبتدع الَّذي لم ينته عن بدعته: أنَّه يحبس حتَّى يموت (٢)، وقال مالك: لا يحبس إلى الموت (٣). فصل والَّذين جعلوا عقوبته للوالي دون القاضي قالوا: ولاية أمير (٤) الحرب معتمدها المنع من الفساد في الأرضِ، وقمع (٥) أهل الشرِّ والعدوان، وذلك لا يتم إلَّا بالعقوبة للمتهمين المعروفين بالإجرام، بخلاف ولاية الحكم، فإنَّ مقصودها إيصال الحقوق إلى أربابها وإثباتها (٦). قال شيخنا (٧): وهذا القولُ هو في الحقيقة قول بجواز ذلك في الشريعة، لكن كل ولي أمر يفعل ما فوض إليه، فكما أنَّ والي الصدقات يملك من القبض والصرف ما لا يملكه والي الخراج وعكسه، وكذلك والي الحرب ووالي الحكم يفعل كل منهما ما اقتضته ولايته الشرعية، مع رعاية العدلِ والتقيد بالشريعة.

стр. 375

فصل (١) وأما عقوبة من عرف أن الحق عنده وقد جحده، فمتفق عليها بين العلماء، لا نزاع بينهم أن من وجب عليه حق من عين أو دين - وهو قادر على أدائه - وامتنع منه، أنه يعاقب حتى يؤديه، ونصوا على عقوبته بالضرب، ذكر ذلك الفقهاء من الطوائف الأربعة (٢)، وقال أصحاب أحمد (٣): إذا أسلم وتحته أختان، أو أكثر من أربع، أمر أن يختار إحداهما، أو أربعًا، فإن أبى، حبس، وضرب حتى يختار، قالوا: وهكذا كل من وجب عليه حق هو قادر على أدائه فامتنع منه؛ فإنه يضرب حتى يؤديه. وفي "السنن" عنه ﷺ : "لَيُّ الوَاجِد يُحِلُّ عِرْضَهُ (٤) وَعُقُوبَتَهُ" (٥)،

стр. 376

والعقوبة لا تختص بالحبس، بل هي بالضرب أظهر منها في الحبس، وثبت عنه ﷺ أنه قال: "مَطْلُ الغَنِيّ ظُلْمٌ" (١)، والظالم يستحق العقوبة شرعًا وقدرًا. فصل واتفق العلماء (٢) على أن التعزيز مشروع في كل معصية ليس فيها حد، وهي نوعان: ترك واجب، أو فعل محرم ، فمن ترك الواجبات مع القدرة عليها، كقضاء الديون، وأداء الأمانات: من الوكالات، والودائع، وأموال اليتامى، والوقوف، والأموال السلطانية، ورد الغصوب، والمظالم، فإنَّه يعاقب حتَّى يؤديها، وكذلك من وجب عليه إحضار نفس لاستيفاء حق واجب عليها، مثل: أن يقطع الطرق، ويلتجئَ إلى من يمنعه ويذب عنه، فهذا يعاقب حتَّى يحضره. وقد روى مسلم في "صحيحه" عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لَعَن الله من أحدث حدثًا أو آوى محدثًا" (٣).

стр. 377

وروى أبو داود في "سننه" عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ خَاصَمَ فِي بَاطِلٍ - وَهُوَ يَعْلَمُ - لَمْ يَزَلْ فِي سَخَطِ اللهِ حَتَّى يَنْزِعَ، وَمَنْ حَالَتْ شَفَاعَتُهُ دُوْنَ حَدٍّ مِنْ حُدُوْدِ اللهِ فَقَدْ ضَادَّ الله في أَمْرِهِ، وَمَنْ قَالَ فِي مُسْلِمٍ مَا (١) لَيْسَ فِيْهِ حُبِسَ فِي رَدْغةِ الخَبَالِ (٢) حَتَّى يَخْرُجَ مِمَّا عَليه" (٣). قال: فما (٤) وجب إحضاره من النفوس أو الأموال استحق الممتنعُ من إحضاره العقوبة (٥)، وأمَّا إذا كان الإحضار (٦) إلى من يظلمه، أو إحضار المال إلى من يأخذه بغير حقٍّ، فهذا لا يجب ولا يجوز، فإنَّ

стр. 378

الإعانة على الظلمِ ظلم (١). فصل و المعاصي ثلاثة أنواع (٢): نوعٌ فيه حدٌّ ولا كفارة فيه ، كالزنا والسرقة، وشرب الخمر، والقذف، فهذا يكفي فيه الحدُّ عن الحبس والتعزير. ونوعٌ فيه كفارة ولا حدَّ فيه ، كالجماع في الإحرام ونهار رمضان، ووطء المظاهر منها قبل التكفير، فهذا تغني (٣) فيه الكفارة عن الحدِّ، وهل تكفي عن التعزير؟ فيه قولان للفقهاء، وهما لأصحاب أحمد (٤) وغيرهم (٥). ونوعٌ لا كفارة فيه ولا حدٌّ ، كسرقة ما لا قطع فيه، واليمين (٦) الغموس (٧) عند أحمد (٨) وأبي حنيفة (٩)، والنظر إلى الأجنبية، ونحو

стр. 379

ذلك، فهذا يسوغُ فيه التعزير وجوبًا عند الأكثرين (١)، وجوازًا عند الشافعي (٢). ثمَّ إن كان الضرب على ترك الواجب، مثل أن يضربه ليؤديه، فهذا لا يتقدر؛ بل يضرب يومًا، فإن فعل الواجب وإلَّا ضرب يومًا آخر بحسب ما يحتمله، ولا يزيد في كل مرَّة على مقدار أعلى التعزير. وقد اختلف الفقهاء في مقدار التعزير على أقوال (٣): أحدها: أنَّه بحسب المصلحة وعلى قدر الجريمة، فيجتهد فيه ولي الأمر. الثاني - وهو أحسنها -: أنَّه لا يبلغ بالتعزير في معصية قدر الحدِّ فيها، فلا يبلغ بالتعزير على النظر والمباشرة حد الزنا، ولا على السرقة من غير حرز حد القطع، ولا على الشتمِ بدون القذف حد القذف (٤)، وهذا قول طائفة من أصحاب الشافعي (٥)

стр. 380

وأحمد (١). والقول الثالث (٢): أنَّه لا يبلغ بالتعزير أدنى الحدود: إمَّا أربعين، وإمَّا ثمانين، وهذا قول كثيرٍ من أصحاب الشافعي (٣) وأحمد (٤) وأبي حنيفة (٥). والقول الرَّابع (٦): أنَّه لا يزاد في التعزير على عشرة أسواط، وهو أحد الأقوال في مذهب أحمد (٧) وغيره (٨). وعلى القول الأوَّل: هل يجوزُ أن يبلغ بالتعزير القتل ؟ فيه قولان: أحدهما: يجوزُ، كقتل الجاسوس المسلم، إذا اقتضت المصلحة

стр. 381

قتله، وهذا قول مالك (١)، وبعض أصحاب أحمد (٢)، اختاره ابن عقيل. وقد ذكر بعض أصحاب الشافعي (٣) وأحمد (٤) نحو ذلك في قتل الداعية إلى البدعة، كالتجهم والرفض، وإنكار القدر، وقد قتل عمر بن عبد العزيز غيلان القدري؛ لأنه كان داعية إلى بدعته (٥). وهذا مذهب مالك ﵀ (٦). وكذلك قتل من لا يزول فساده إلا

стр. 382

بالقتل. وصرح به أصحاب أبي حنيفة (١) في قتل اللوطي إذا أكثر من ذلك تعزيرًا، وكذلك قالوا (٢): إذا قتل بالمثقل فللإمام أن يقتله تعزيرًا (٣)، وإن كان أبو حنيفة لا يوجب الحد في هذا، ولا القصاص في هذا، وصاحباه يخالفانه في المسألتين (٤). وهما مع جمهور الأمة (٥). والمنقول عن النبي ﷺ وخلفائه ﵃ يوافق القول الأول؛ فإن النبي ﷺ "أمر بجلد الذي وطئَ جارية امرأته - وقد أحلتها له - مائة" (٦)، وأبو بكر وعمر ﵄ أمرا بجلد من وجد

стр. 383

مع امرأة أجنبية في فراش مائة (١). وعمر بن الخطاب ﵁ ضرب الذي زور عليه خاتمه فاخذ من بيت المال مائة ثم في اليوم الثاني مائة ثم في اليوم الثالث مائة (٢). وعلى هذا: يحمل قول النبي ﷺ : "من شرب الخمر فاجلدوه، فإن عاد فاجلدوه (٣)، فإن عاد في الثالثة - أو في الرابعة - فاقتلوه" (٤)، فأمر بقتله إذا أكثر منه، ولو كان ذلك حدًّا لأمر به في المرة

стр. 384

الأولى (١). وأما ضرب المتهم إذا عرف أن المال عنده - وقد كتمه وأنكره - فيضرب ليقرَّ به، فهذا لا ريب فيه (٢)، فإنه ضرب ليؤدي الواجب الذي يقدر على وفائه، كما في حديث ابن عمر: "أن النبي ﷺ لما صالح أهل خيبر على الصفراء والبيضاء، سأل زيد بن سعيد (٣) - عم حيي بن أخطب - فقال: أين كنز حيي؟ فقال: يا محمد أذهبته النفقات والحروب (٤)، فقال للزبير: دونك هذا، فمسه الزبير بشيء من العذاب، فدلَّهم عليه في خربة، وكان حليًّا في مسك ثور" (٥). فهذا أصل في ضرب المتهم (٦).

стр. 385

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 386

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 387

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 388

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 389

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 390

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
следующие страницы →