← Сияса и кади

Сияса и кади · id 18159

الطرق الحكمية في السياسة الشرعية - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (1 013 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 387

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 388

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 389

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 390

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 391

فصل في الطرق التي يحكم بها الحاكم الحكم (١) قسمان: إثبات، وإلزام. فالإثبات: يعتمد الصدق، والإلزام (٢): يعتمد العدل، ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١١٥)﴾ [الأنعام: ١١٥]، وكل من (٣) القسمين له طرق متعددة: أحدها: اليد المجردة التي لا تفتقر إلى يمين. وذلك في صور: منها: إذا كان وصيًّا على طفل أو مجنون، وفي يده شيء انتقل إليه عن أبيه ، كان مجرد (٤) اليد كافيًا في الحكم به له من غير يمين، لا على الطفل ولا على الوصي. أما الطفل فلعدم صحة اليمين منه، وأما الوصي فلأنه ليس المدعى عليه في الحقيقة، ولا تتوجه عليه اليمين. ومنها: أن يدعي كفنًا على ميت أنه له، ولا بينة، فيقضى بالكفن لمن هو عليه من غير يمين. ومنها: أن يدعي على صاحب اليد دعوى يكذبه فيها الحس فلا يحلف له صاحب اليد، بل (٥) ولا تسمع دعواه، كما إذا ادعى على من

стр. 392

في يده عبد أنه ابنه، وهو أكبر من المدعي. وهذا لأن اليمين إنما تشرع في جانب من ترجح جانبه، مع احتمال كونه مبطلًا، فإذا لم يحتمل ذلك لم تكن في اليمين فائدة. فصل الطريق الثاني: الإنكار المجرد . وله صور: أحدها: إذا ادعى رجل دينًا على ميت أو أنه أوصى له بشيء وللميت وصي بقضاء دينه، وتنفيذ وصاياه، فأنكر، فإن كان للمدعي بينة حكم بها، وإن لم تكن له بينة، وأراد تحليف الوصي على نفي العلم لم يكن له ذلك (١)؛ لأن مقصود التحليف أن يقضى عليه بالنكول إذا امتنع من اليمين، والوصي لا يقبل إقراره بالدين والوصية، ولو نكل لم يقض عليه، فلا فائدة في تحليفه، ولو كان وارثًا استحلف، وقضي (٢) بنكوله. ومنها: أن يدعي على القاضي أنه ظلمه في الحكم، أو على الشاهد أنه تعمد الكذب أو الغلط (٣)، أو ادعى عليه ما يسقط شهادته، لم يحلفا، لارتفاع منصبهما عن التحليف (٤).

стр. 393

ومنها: دعوى الرجل على المرأة النكاح (١)، ودعواها عليه الطلاق (٢)، ودعوى كل منهما (٣) الرجعة، ودعوى الأمة أن سيدها أولدها، ودعوى المرأة أن زوجها آلى منها، ودعوى الرق والولاء والقود وحد القذف. وعن أحمد (٤): أنه يستحلف في الطلاق والإيلاء والقود والقذف. وعنه (٥): أنه يستحلف (٦) إلا فيما لا (٧) يقضى فيه (٨) بالنكول. قال في رواية ابن القاسم (٩): لا أرى اليمين في النكاح، ولا في

стр. 394

الطلاق، ولا في الحدود، لأنه إن نكل لم أقتله (١)، ولم أحده، ولم أدفع المرأة إليه (٢). وظاهر ما نقله الخرقي: أنه يستحلف فيما عدا القود والنكاح، وعنه ما يدل على أنه يستحلف (٣) في الكل، وإذا امتنع عن اليمين - حيث قلنا يستحلف - قضينا بالنكول في الجميع، إلا في القود في النفس خاصة. وعنه: لا يقضى بالنكول إلا في الأموال خاصة (٤). وكل ناكل لا يقضى عليه فهل يخلى أو يحبس حتى يقر، أو يحلف؟ على وجهين (٥). ولا يستحلف في العبادات ولا في الحدود. فإذا قلنا: لا يستحلف (٦) في هذه الأشياء لم يقض فيها بالنكول على ظاهر كلام أحمد وتعليله، وإذا استحلفناه فأبى (٧) قضينا عليه بالنكول في كل موضع؛ لتكون لليمين فائدة، حتى في قود الأطراف. ولا يقضى بقود النفس (٨)، وإن استحلفناه؛ لأن النكول وإن جرى

стр. 395

مجرى الإقرار فليس بإقرار صحيح (١) صريح فلا يراق به الدم بمجرده، ولا مع يمين المدعي إلا في القسامة للَّوث. وإذا قلنا: يستحلف ولا يقضى بالنكول في غير الأموال، كان فائدة الاستحلاف حبسه إذا أبى الحلف في أحد الوجهين. وفي الآخر: يخلى سبيله؛ لأنه لا يقضى عليه بالنكول، ولم يثبت عليه ما (٢) يعاقب عليه (٣) بالضرب والحبس حتى يفعله، فإنه يحتمل أن يكون المدعي محقًّا، وأن يكون مبطلًا، فكيف يعاقب المدعى عليه بمجرد دعواه وطلب يمينه؟ وتكون فائدة اليمين (٤) على هذا انقطاع الخصومة والمطالبة. فصل وقد استثني من عدم التحليف في الحدود صورتان: إحداهما: إذا قذفه فطلب حد القذف، فقال القاذف: حلفوه أنه لم يزن. فذكر أصحاب الشافعي فيه وجهين (٥)، قال في "الروضة" (٦):

стр. 396

والأصح أنه يحلف. والصورة الثانية: أن يكون المقذوف ميتًا، وأراد القاذف تحليف الوارث (١) أنه لا يعلم زنا مورثه، فله ذلك. وحكي عن الشافعي (٢) - رحمه الله تعالى -. والصحيح قول الجمهور (٣): أنه لا يحلف، بل القول بتحليفه في غاية السقوط، فإن الحد يجب بقذف المستور الذي لم يظهر زناه، وليس من شرطه ألا يكون قد زنى في نفس الأمر، ولهذا لا يسأله الحاكم عن ذلك، ولا يجوز له سؤاله، ولا يجب عليه الجواب. وفي تحليفه تعريضه للكذب واليمين الغموس إن كان قد ارتكب ذلك، أو تعريضه لفضيحة نفسه وإقراره بما يوجب عليه الجلد، أو فضيحته بالنكول الجاري مجرى الإقرار، وانتهاك عرضه للقاذفين (٤) الممزقين لأعراض المسلمين، والشريعة لا تأتي بشيء من ذلك، ولذلك لم يقل أحد من الصحابة ولا التابعين ولا الأئمة بتحليف المقذوف أنه لم يزن، ولم يجعلوا ذلك شرطا في إقامة الحد.

стр. 397

فالقول بالتحليف في غاية البطلان، وهو مستلزم لما ذكرناه من المحاذير، ولا سيما إن كان قد فعل شيئًا من ذلك ثم تاب منه، ففي إلزامه التحليف تعريضه لهتيكة نفسه، أو إهدار عرضه. ولهذا كان الصواب قول أبي حنيفة (١): إن البكر إذا زالت بكارتها بالزنا فإذنها الصمات؛ لأنا لو (٢) اشترطنا نطقها لكنا قد ألزمناها بفضيحة نفسها وهتك عرضها، بل إذا اكتفي من البكر بالصمات لحيائها فلأن يكتفى من هذه بالصمات بطريق الأولى؛ لأن حياءها من الاطلاع على زناها أعظم بكثير من حيائها (٣) من كلمة "نعم" التي (٤) لا تذم بها ولا تعاب، ولا سيما إن كانت قد أكرهت على الزنا، بل الاكتفاء من هذه بالصمات أولى من الاكتفاء به من البكر؛ فهذا من محاسن الشريعة وكمالها. وقول النبي ﷺ : "إِذْنُ البِكْر الصمَاتُ، وإِذن الثَّيِّبِ الكَلَامُ" (٥). المراد به: الثيب التي قد علم أَهلها والنَّاس أنَّها ثيب، فَلا تستحيي من ذلك، ولهذا لو زالت بكارتها (٦) بإصبع أو وثبة لم تدخل في لفظِ

стр. 398

الحديث، ولم تتغير بذلك صفة إذنها، مع كونها ثيبًا (١)، فالَّذي أخرج هذه الصورة من العموم أولى أن يخرج الأُخرى، والله أعلم. فصل ممَّا لا يحلف (٢) فيه: إذا ادعى البلوغ بالاحتلام في وقت الإمكان ، صُدِّق بلا يمين، وكذلك لو ادعي عليه البلوغ (٣)، فقال: أنا صبي بعد (٤)، وهو محتمل (٥)، لم يحلف. ولو ادَّعى عامل الزكاة على رجلٍ أنَّ له نصابًا، وطلب زكاته، لم يحلف على نفي ذلك، ولو أقرَّ فادَّعى العامل أنَّهُ لم يخرج زكاته، لم يحلف على نفي (٦) ذلك، قال الإمام أحمد: لا يستحلف النَّاس على صدقاتهم (٧).

стр. 399

فصل ولليمين فوائد (١): منها: تخويف المدعى عليه سوء عاقبة الحلف الكاذب (٢)، فيحمله ذلك على الإقرار بالحقَّ. ومنها: القضاء عليه بنكوله عنها، على ما تقدم (٣). ومنها: انقطاع الخصومة والمطالبة في الحال، وتخليص كل من الخصمين من ملازمة الآخر، ولكنَّها لا تسقط الحق، ولا تبرئُ الذمة باطنًا ولا ظاهرًا، فلو أقام المدعي بينة بعد حلف المدعى عليه، سمعت وقضي بها، وكذا لو ردت اليمين على المدعي فنكل، ثمَّ أقام المدعي بينة (٤)، سمعت وحكم به. ومنها: إثبات الحق بها إذا ردت على المدعي، أو أقام شاهدًا واحدًا. ومنها: تعجيل عقوبة الكاذب المنكر لما عليه من الحقَّ، فإنَّ اليمين الغموس تدع الدَّيار بلاقع، فيشتفي بذلك المظلوم عوض ما ظلمه بإضاعة حقه، والله أعلم.

стр. 400

فصل ومنها: أن تشهد قرائن الحال بكذب المدعي، فمذهب مالك: أنَّه لا يُلتفت إلى دعواهُ، ولا يحلف له (١)، وهذا اختيار الإصطخري (٢) من الشافعية (٣)، ويخرج على المذهب مثله (٤)، وذلك مثل أن يدعي الدنيء استئجار الأمير أو ذي الهيئة والقدر لعلف دوابه، وكنس بابه، ونحو ذلك. وسمعت شيخنا العلامة (٥) - قدَّس الله روحه - يقول: كُنَّا عند نائب السلطنة، وأنا إلى جانبه، فادعى بعض الحاضرين أنَّ له قبلي وديعة، وسأل إجلاسي معه وإحلافي، فقلت لقاضي المالكية وكان حاضرًا: أتسوغ هذه الدعوى وتسمع؟ فقال: لا، فقلت: فما مذهبك في مثل (٦) ذلك؟ قال: تعزير المدعي، قلت: فاحكم بمذهبك. فأقيم المدعي، وأخرج.

стр. 401

فصل الطريق الثالث: أن يحكم باليد مع يمين صاحبها . كما إذا ادعى عليه عينًا في يده، فأنكر، فسأل إحلافه ، فإنه يحلف، وتترك في يده، لترجح جانب صاحب اليد (١)؛ ولهذا شرعت اليمين في جهته، فإن اليمين (٢) تشرع في جنبة (٣) أقوى المتداعيين (٤)، هذا إذا لم تكذب اليد القرائن الظاهرة، فإن كذبتها لم يلتفت إليها، وعلم أنها يد مبطلة. وذلك كما لو رأى إنسانًا يعدو وبيده عمامة، وعلى رأسه عمامة، وآخر خلفه حاسر الرأس، ممن ليس شأنه أن يمشي حاسر الرأس، فإنا (٥) نقطع أن العمامة التي بيده للآخر، ولا يلتفت إلى تلك اليد (٦). ويجب العمل قطعًا بهذه القرائن، فإن العلم المستفاد منها أقوى بكثير من الظن المستفاد من مجرد اليد، بل اليد ههنا لا تفيد ظنًّا ألبتة،

стр. 402

فكيف تقدم على ما هو (١) مقطوع به، أو (٢) كالمقطوع به؟. وكذلك إذا رأينا رجلًا يقود فرسًا بسرجه ولجامه وآلة ركوبه، وليست من مراكبه في العادة، ووراءه أمير ماش، أو من ليس من عادته المشي، فإنا نقطع بأن يده يد مبطلة. وكذلك المتهم بالسرقة إذا شوهدت العملة (٣) معه، وليس من أهلها ، كما إذا رئي معه القماش والجواهر ونحوها مما (٤) ليس من شأنه، فادعى أنه ملكه وفي يده: لم يلتفت إلى تلك اليد. وكذلك كل يد تدل القرائن الظاهرة التي توجب القطع أو تكاد أنها يد مبطلة، لا حكم لها، ولا يقضى بها. فإذا قضينا باليد، فإنما (٥) نقضي بها إذا لم يعارضها ما هو أقوى منها، وإذا كانت اليد ترفع بالنكول، وبالشاهد الواحد مع اليمين (٦)، وباليمين المردودة، فلأن ترفع بما هو أقوى من ذلك بكثير بطريق الأولى. فهذا مما لا يرتاب فيه أنه من أحكام العدل الذي بعث الله به

стр. 403

رسله (١)، وأنزل به كتبه، ووضعه بين عباده. ف الأيدي ثلاثة: يد يعلم أنها مبطلة ظالمة، فلا يلتفت إليها. الثانية: يد يعلم أنها محقة عادلة ، فلا تسمع الدعوى عليها، كمن تشاهد في يده دار يتصرف فيها بأنواع (٢) التصرف (٣) من عمارة وخراب وتغيير (٤) وإجارة وإعارة مدة طويلة من غير منازع ولا مطالب، مع عدم سطوته وشوكته، فجاء من ادعى أنه غصبها منه، واستولى عليها بغير حق - وهو يشاهده في هذه المدة الطويلة ويمكنه طلب خلاصها منه، ولا يفعل ذلك - فهذا مما يعلم فيه كذب المدعي، وأن يد المدعى عليه محقة. هذا مذهب أهل المدينة مالك وأصحابه (٥)، وهو الصواب (٦). قالوا (٧): إذا رأينا رجلًا حائزًا لدار متصرفًا فيها مدة سنين طويلة (٨) بالهدم والبناء، والإجارة والعمارة (٩)، وهو ينسبها إلى نفسه، ويضيفها

стр. 404

إلى ملكه، وإنسان حاضر يراه، ويشاهد أفعاله فيها طول هذه المدة، وهو مع ذلك لا يعارضه فيها، ولا يذكر أن له فيها حقًّا، ولا مانع يمنعه من مطالبته: من خوف سلطان، أو نحوه من الضرر المانع من المطالبة بالحقوق، وليس بينه وبين المتصرف في الدار قرابة، ولا شركة في ميراث وما أشبه ذلك، مما تتسامح به القرابات والصهر بينهم في إضافة أحدهم أموال الشركة إلى نفسه، بل كان عريًّا عن ذلك أجمع، ثم جاء بعد طول هذه المدة يدعيها لنفسه، ويريد أن يقيم بينة على ذلك (١)، فدعواه غير مسموعة أصلًا، فضلًا عن بينته (٢)، وتبقى الدار بيد حائزها؛ لأن كل دعوى ينفيها العرف وتكذبها العادة فإنها مرفوضة غير مسموعة. قال الله تعالى: ﴿وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ [الأعراف: ١٩٩]، وأوجبت الشريعة الرجوع إلى العرف عند الاختلاف في الدعاوى كالنقد وغيره (٣)، فكذلك هذا في هذا الموضع، وليس ذلك خلاف العادات فإن الناس لا يسكتون على ما يجري هذا المجرى من غير عذر. قالوا: وإذا اعتبرنا طول المدة فقد حدها ابن القاسم وابن وهب وابن عبد الحكم (٤) وأصبغ بعشر سنين (٥).

стр. 405

وربما احتج لهم بحديث يذكر عن سعيد بن المسيب (١)، وزيد بن أسلم (٢): أنَّ رسول الله ﷺ قال: "من حاز شيئًا عشر سنين فهو له" (٣) وهذا لا يثبت (٤). وأمَّا مالك ﵀ فلم يوقت في ذلك حدًّا، ورأى ذلك على قدر ما يرى ويجتهد فيه الإمام (٥). الثالثة (٦): يد يحتمل أن تكون محقة، وأنْ تكون مبطلة ، فهذه هي التي تسمع الدعوى عليها، ويحكم بها عند عدم ما هو أقوى منها، فالشارع لا يعتبر (٧) يدًا شهد العرف والحس بكونها مبطلة، ولا يهدر يدًا شهد العرف بكونها محقة، واليد المحتملة: يحكم فيها بأقرب الأشياء إلى الصواب، وهو الأقوى فالأقوى، والله أعلم. فالشَّارعُ لا يعين مبطلًا، ولا يعين على

стр. 406

محق (١)، ويحكم في المتشابهات بأقرب الطرق إلى الصواب وأقواها.

стр. 407

فصل الطريق الرَّابع والخامس: الحكم بالنكول (١) وحده، أو به مع رد اليمين . قال الإمام أحمد (٢): قدم عبد الله (٣) بن عمر إلى عثمان ﵃ في عبد له فقال له عثمان (٤): احلف أنَّك ما بعته وبه عيب علمته، فأبى ابن عمر أن يحلف، فرد عليه العبد (٥). فيقول له الحاكم: إن لم (٦) تحلف وإلَّا قضيت عليك - ثلاثًا -، فإن لم يحلف قضى عليه، وهذا اختيار أصحاب أحمد (٧)، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه (٨). وقال الأوزاعي وشريح وابن سيرين والنخعي: إذا نكل ردت

стр. 408

اليمين على المدعي فإن حلف قضي له (١)، وهذا مذهب الشافعي (٢) ومالك (٣) وقد صوبه الإمام أحمد (٤)، واختاره أبو الخطاب (٥) وشيخنا (٦) - رحمهما الله تعالى - في صورة الحكم بمجرد النكول في صورة، كما سنذكره. وهذا قول علي بن أبي طالب ﵁ (٧). وقد روى الدارقطني من حديث نافع عن ابن عمر: "أن رسول الله ﷺ رد اليمين على طالب الحق" (٨).

стр. 409

واحتج لهذا القول بأن الشارع شرع اليمين مع الشاهد الواحد كما سيأتي، فلم يكتف في جانب المدعي بالشاهد وحده (١)، حتى يأتي باليمين تقوية لشاهده. قالوا: ونكول (٢) المدعى عليه أضعف من شاهد المدعي، فهو أولى أن يقوى بيمين الطالب، فإن النكول ليس ببينة ولا إقرار، وهو حجة ضعيفة، فلم يقو على الاستقلال بالحكم، فإذا حلف معها المدعي قوي جانبه، فاجتمع النكول من المدعى عليه واليمين من المدعي، فقاما مقام الشاهدين أو الشاهد واليمين. قالوا: ولهذا لم يحكم على المرأة في اللعان بمجرد نكولها دون يمين الزوج، فإذا حلف الزوج، ونكلت عن اليمين، حكم عليها: إما بالحبس حتى تقر أو تلاعن كما يقول أحمد (٣) وأبو حنيفة (٤)، وإما

стр. 410

بالحد كما يقول الشافعي (١) ومالك (٢) ﵄، وهو الراجح (٣)؛ لأن الله إنما درأ عنها العذاب بشهادتها أربع شهادات. والعذاب المدروء عنها بالتعانها هو العذاب المذكور في قوله تعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٢] وهو عذاب الحد (٤). ولهذا ذكره معرفًا بلام العهد، فعلم أن العذاب هو العذاب (٥) المعهود ذكره أولًا. ولهذا بدئ أولًا بأيمان الزوج لقوة جانبه، ومكنت المرأة من (٦) أن تعارض (٧) أيمانه بأيمانها،

стр. 411

فإذا نكلت لم يكن لأيمانه ما يعارضها، فعملت عملها، وقواها نكول المرأة، فحكم عليها بأيمانه ونكولها. فإن قيل: فكان من الممكن أن يبدأ بأيمانها، فإن نكلت حلف الزوج وحُدَّت، كما إذا ادعي عليه حقًّا، فنكل عن اليمين، فإنها ترد على المدعي، ويقضي له، فهلا شرع اللعان كذلك والمرأة هي المدعى عليها؟ بل شرعت اليمين في جانب المدعي أولا، وهذا لا نظير له في الدعاوى. قيل: لما كان الزوج قاذفًا لها كان موجب قذفه أن يحد لها، فمكن أن يدفع الحد عن نفسه بالتعانه، ثم طولبت هي بعد ذلك بأن تقر أو تلاعن. فإن أقرت حدت، وإن أنكرت والتعنت درأت عنها الحد بلعانها، كما له أن يدرأ الحد عن نفسه بلعانه. وكانت البداءة به أولى؛ لأنه مدع، وأيمانه قائمة مقام البينة. ولكن لما كانت دون الشهود الأربعة (١) في القوة مكنت من دفعها بأيمانها. فإذا أبت أن تدفعها ترجح جانبه، فوجب عليها الحد، فلم تحد بمجرد التعانه (٢)، ولا بمجرد نكولها، بل بمجموع الأمرين. وأكدت أيمانهما (٣) بكونها أربعًا، كما أكدت أيمان المدعين في القسامة بكونها خمسين، ولتقوم الأيمان مقام الشهود.

стр. 412

وفي المسألة قول ثالث، وهو أنه (١) لا يقضى بالنكول، ولا بالرد، ولكن يحبس المدعى عليه حتى يجيب بإقرار أو إنكار يحلف معه. وهذا قول في مذهب (٢) أحمد (٣)، وهو أحد الوجهين لأصحاب الشافعي (٤)، وهذا قول (٥) ابن أبي ليلى، فإنه قال: لا أدعه حتى يقر أو يحلف (٦). واحتج لهذا القول بأن المدعى عليه قد أوجب عليه أحد الأمرين: إما الإقرار، وإما الإنكار، فإذا امتنع من أداء الواجب عليه عوقب بالحبس ونحوه حتى يؤديه (٧). قالوا: وكل من عليه حق، فامتنع من أدائه، فهذا سبيله. والآخرون فرقوا بين الموضعين، وقالوا: لو ترك ونكوله لأفضى إلى ضياع حقوق الناس بالصبر على الحبس. فإذا نكل عن اليمين

стр. 413

ضعف جانب البراءة (١) الأصلية فيه، وقوي جانب المدعي فقوي باليمين، وهذا كأنه لما قوي جانب المدعين للدم باللوث بدئ بأيمانهم، وأكدت بالعدد. والمقصود: أن الناس اختلفوا في الحكم بالنكول على أقوال: أحدها: أنه من طرق الحكم. وهذا قول عثمان بن عفان (٢) ﵁، وقضى به شريح (٣). قال أبو عبيد: حدثنا يزيد بن هارون، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن سالم بن عبد الله: أن أباه - عبد الله بن عمر - باع عبدًا له بثمانمائة درهم بالبراءة، ثم إن صاحب العبد خاصم فيه ابن عمر إلى عثمان بن عفان (٤)، فقال عثمان لابن عمر: احلف بالله لقد بعته وما به من داء علمته، فأبى ابن عمر أن يحلف، فرد عليه العبد (٥). وقال ابن أبي شيبة، عن شريك، عن مغيرة (٦)، عن الحارث (٧)، قال: "نكل رجل عند شريح عن اليمين، فقضى عليه، فقال: أنا أحلف، فقال

стр. 414

شريح (١): قد قضي قضاؤك (٢) " (٣). وهذا قول الإمام أحمد في إحدى الروايتين (٤)، وقول أبي حنيفة (٥). و القول الثاني: أنه لا يقضى بالنكول، بل ترد اليمين على المدعي، فإن حلف قضى له، وإلا صرفهما. وهذا مروي عن عمر (٦)، وعلي (٧)، والمقداد بن الأسود (٨)، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت ﵃. فروى البيهقي وغيره من حديث مسلمة بن علقمة، عن داود، عن الشعبي: "أن المقداد استقرض من عثمان سبعة آلاف درهم، فلما تقاضاه، قال (٩): إنما هي أربعة آلاف درهم، فخاصمه إلى عمر. فقال

стр. 415

المقداد: احلف أنها سبعة آلاف، فقال عمر ﵁: أنصفك. فأبى أن يحلف، فقال عمر: خذ ما أعطاك" (١). ورواه أبو عبيد (٢) عن عفان (٣) بن مسلم عن سلمة (٤). ورواه البيهقي (٥) من حديث حسين بن عبد الله بن ضميرة (٦)، عن أبيه (٧)، عن جده (٨)، عن علي ﵁، قال: "اليمين مع الشاهد، وإن لم تكن له بينة فاليمين على المدعى عليه، إذا كان قد خالطه، فإن نكل حلف المدعي". وذكر البيهقي (٩) أيضًا من حديث سليمان بن

стр. 416

عبد الرحمن (١)، حدثنا محمد بن مسروق (٢)، عن إسحاق بن الفرات، عن الليث، عن نافع، عن ابن عمر: "أن النبي ﷺ : رد اليمين على طالب الحق" رواه الحاكم في "المستدرك" (٣). قلت: ومحمد بن مسروق - هذا - ينظر من هو (٤)؟ وقال عبد الملك بن حبيب: حدثنا أصبغ بن الفرج، عن ابن وهب، عن حيوة بن شريح أن سالم بن غيلان التجيبي أخبره: أن رسول الله ﷺ قال: "من كانت له طلبة عند أحد: فعليه البينة، والمطلوب أولى باليمين، فإن نكل حلف الطالب وأخذ" وهذا مرسل (٥). واحتج لرد اليمين بحديث القسامة (٦) وفي الاستدلال به ما فيه، فإنه عرض اليمين على المدعين أولًا، واليمين المردودة هي التي

стр. 417

تطلب من المدعي، بعد نكول المدعى عليه عنها. لكن يقال: وجه الاستدلال: أنها جعلت من جانب المدعي لقوة جانبه باللوث، فإذا تقوى جانبه بالنكول شرعت في حقه. القول الثالث: أنه يجبر على اليمين - شاء أم أبى - بالضرب والحبس، ولا يقضى عليه (١) بنكول، ولا برد يمين (٢). قال أصحاب هذا القول: ولا ترد اليمين إلَّا في ثلاثة مواضع لا رابع لها: أحدها: القسامة. والثاني: الوصية في السفر إذا لم يشهد فيها إلَّا الكفار. والثالث: إذا أقامَ شاهدًا واحدًا حلف معه، وهذا قول ابن حزم ومن وافقه من أهل الظاهر (٣). قالوا: لم يأت قرآن ولا سنَّة ولا إجماع على القضاء بالنكول ولا باليمين المردودة. وجاء نص القرآن برد اليمين في مسألة الوصية (٤)، ونص السنَّة

стр. 418

بردها في مسألة القسامة (١)، والشاهد واليمين (٢)، فاقتصرنا على ما جاء به كتاب الله وسنَّة رسوله ﷺ ، ولم نعد ذلك إلى غيره، وليس قول أحدٍ حجة سوى المعصوم ﷺ وكل من سواه مأخوذٌ من قوله ومتروك. وأمَّا قول مالك في "الموطأ" (٣) في باب اليمين مع الشاهد في كتاب الأقضية: أرأيت رجلًا ادَّعى على رجلٍ مالًا أليس يحلف المطلوب ما ذلك (٤) الحقُّ (٥) عليه، فإن حلفَ بطل ذلك عنه، وإن أبى أن يحلف ونكل عن اليمين، حلف طالب الحقِّ: إنَّ حقَّه لحقٌّ، وثبت حقه على صاحبه؟ فهذا ممَّا (٦) لا اختلاف فيه عند أحدٍ من النَّاسِ، ولا في بلدٍ من البلدان، فبأي شيءٍ أخذ هذا؟ أم في أي كتابٍ وجده؟ فإذا أقرَّ بهذا فليقر باليمين مع الشاهد، وإن لم يكن ذلك في كتاب الله تعالى" هذا لفظه. قال أبو محمد ابن حزم (٧): إن كان خفي عليه قضاء أهل العراق بالنكول، فإنَّه لعجب (٨)، ثمَّ قوله: "إذا أقرَّ بردَّ اليمين وإن لم يكن في كتاب الله، فليقرَّ باليمين مع الشاهد، وإن لم يكن في كتاب

стр. 419

الله (١) " فعجبٌ آخر؛ لأنَّ اليمين مع الشاهد ثابتٌ عن رسول الله ﷺ فهو في كتاب الله، قال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]. قلت: ليس في واحدٍ من الأمرين عجب. أمَّا حكايته الإجماع فإنَّه لم يقل: لا خلاف أنَّه لا يحكم بالنكول، بل إذا نكلَ وردَّ اليمين، حُكِمَ له بالاتفاق، فإنَّ فقهاء الأمصارِ على قولين (٢): منهم من يقول: يقضى بالنكول، ومنهم من يقول: إذا نكل رُدَّت اليمين على المدعي فإن حلفَ حكم له، فهذا الَّذي أراد مالك (٣) ﵀: أنَّه إذا رد اليمين مع نكول المدعى عليه لم يبقَ فيه اختلاف في بلدٍ من البلدان، وإن كان فيه اختلاف شاذ. وأمَّا تعجبه من قوله: "إنَّ الشاهد واليمين ليس في كتاب الله" فتعجبه هو المتعجب منه، فإنَّ المانعين من الحكم بالشاهد واليمين يقولون: ليس هو في كتاب الله تعالى، بل في كتاب الله (٤) خلافه، وهو اعتبار الشاهدين (٥)، فقال مالك - رحمه الله تعالى -: إذا كنتم تقضون

стр. 420

بالنكول، ويقضي النَّاس كلهم بالردِّ مع النكول، وليس في كتاب الله، فهكذا الشاهد مع اليمين يجب أن يقضى به وإن لم يكن في كتاب الله تعالى، كما دلَّت عليه السنة. فهذا إلزام (١) لا محيد عنه، والله أعلم. قال ابن حزم (٢): وأمَّا رد اليمين على الطالب إذا نكل المطلوب، فما كان في كتاب الله تعالى، ولا في سنة رسوله ﷺ ، فبين الأمرين فرقٌ كما بين السماء والأرض. فيقال: بل أرشد إليه كتاب الله وسنة رسوله. أمَّا الكتاب: فإنَّه سبحانه شرع الأيمان في جانب المدعي إذا احتاج إلى ذلك، وتعذر عليه إقامة البينة، وشهدت القرائن بصدقه، كما في اللعان (٣)، وشرع عذاب المرأة بالحدَّ بنكولها مع يمينه، فإذا كان هذا شرعه في الحدود التي تدرأ بالشبهات، وقد أمرنا بدرئها ما استطعنا، فلأن يشرع الحكم بها بيمين المدعي مع نكول المدعى عليه في درهم وثوب ونحو ذلك أولى وأحرى. لكنْ أبو محمد وأصحابه سدُّوا على نفوسهم باب اعتبار المعاني والحِكَم التي علق بها الشارع الحُكْم (٤)، ففاتهم بذلك حظٌّ عظيمٌ من العلمِ، كما أنَّ الَّذين فتحوا على نفوسهم باب الأقيسة والعلل - التي لم

стр. 421

يشهد لها الشارع بالقبول - دخلوا في باطل كثير، وفاتهم حقٌّ كثير، فالطائفتان (١) في جانب إفراط وتفريط. وأمَّا إرشاد السنَّة إلى ذلك: فالنبي ﷺ جعل اليمين في جانب المدعي إذا أقام شاهدًا واحدًا (٢)، لقوَّة جانبه بالشاهد، ومكنه من اليمين بغير بذل خصمه (٣) ورضاهُ، وحكم له بها مع شاهده، فلأن يحكم به باليمين التي يبذلها (٤) خصمه مع قوَّة جانبه بنكول خصمه أولى وأحرى، وهذا ممَّا لا يشك فيه من له خوض في حكم الشريعة وعللها ومقاصدها، ولهذا شرعت الأيمان في القسامة في جانب المدعي، لقوَّة جانبه باللوث، وهذه هي المواضع الثلاثة التي استثناها منكرو القياس (٥). ولما كانت أفهام الصحابة ﵃ فوق أفهام جميع الأمة، وعلمهم بمقاصد نبيهم ﷺ وقواعد دينه وشرعه أتم من علم كل من جاء بعدهم: عدلوا عن (٦) ذلك إلى غير هذه المواضع الثلاثة وحكموا بالردَّ مع النكول في موضع (٧)، وبالنكول وحده في

стр. 422

موضع (١)، وهذا من كمال فهمهم وعلمهم بالجامع والفارق والحكم والمناسبات، ولم يرتضوا (٢) لأنفسهم عبارات (٣) المتأخرين واصطلاحاتهم وتكلفاتهم، فهم كانوا أعمق الأمة علمًا، وأقلهم تكلفًا، والمتأخرون عكسهم في الأمرين. فعثمان بن عفان قال لابن عمر: "احلف بالله لقد بعت العبد وما به داء علمته" (٤)، فأبى، فحكم عليه بالنكول، ولم يرد اليمين في هذه الصورة على المدعي، ويقول له: احلف أنت أنَّه كان عالمًا بالعيب؛ لأنَّ هذا ممَّا لا يمكن أن يعلمه المدعي، ويمكن المدعى عليه معرفته، فإذا لم يحلف المدعى عليه لم يكلف المدعي اليمين، فإنَّ ابن عمر ﵄ كان قد باعه بالبراءة من العيوب، وهو إنَّما يبرأ إذا لم يعلم بالعيب، فقال له: "احلف أنك بعته وما به عيب تعلمه"، وهذا ممَّا يمكن (٥) أن يحلف عليه دون المدعي، فإنَّه قد تتعذر عليه اليمين أنَّه كان عالمًا بالعيب، وأنَّه كتمه مع علمه به. وأما أثر عمر بن الخطاب - وقول المقداد: "احلف أنها سبعة آلاف"، فأبى أن يحلف، فلم يحكم له بنكول عثمان (٦) - فوجهه: أن

стр. 423

المقرض إن كان عالمًا بصدق نفسه وصحة دعواه حلف وأخذه، وإن لم يعلم ذلك لم تحل له الدعوى بما لا (١) يعلم صحته، فإذا نكل عن اليمين لم يقض له بمجرد نكول خصمه؛ إذ خصمه قد لا يكون عالمًا بصحة دعواه، فإذا قال للمدعي: إن كنت عالمًا بصحة دعواك فاحلف وخذ، فقد أنصفه جد الإنصاف. فلا أحسن مما قضى به الصحابة ﵃، وهذا التفصيل في المسألة هو الحق، وهو اختيار شيخنا (٢) - قدس الله روحه - والله أعلم (٣). قال أبو محمد ابن حزم (٤)، محتجًا لمذهبه: ونحن نقول: إن نكول الناكل عن اليمين في كل موضع وجب (٥) عليه، يوجب (٦) أيضًا عليه حكمًا، وهو الأدب الذي أمر به رسول الله ﷺ على كل من أتى منكرًا يوجب تغييره باليد (٧). فيقال له: قد يكون معذورًا في نكوله، غير آثم به، بأن يدعي أنه

стр. 424

أقرضه ويكون قد وفاه، ولا يرضى منه إلا بالجواب على وفق الدعوى. وقد يتحرج من الحلف، مخافة موافقة قضاء وقدر، كما روي عن جماعة من السلف (١)، فلا يجوز أن يحبس حتى يحلف. وقولهم: "إن هذا منكر يجب تغييره باليد" (٢) كلام باطل، فإن تورعه عن اليمين ليس بمنكر، بل قد يكون واجبًا أو مستحبًّا أو جائزًا، وقد يكون معصية. وقولهم: "إن الحلف حق قد وجب عليه، فإذا أبى أن يقوم به ضرب حتى يؤديه" (٣). فيقال: إن في اليمين حقًّا له وحقًّا عليه، فإن الشارع مكنه من التخلص من الدعوى باليمين، وهي واجبة عليه للمدعي، فإذا امتنع من اليمين فقد امتنع من الحق الذي وجب عليه لغيره، وامتنع من تخليص نفسه من خصمه باليمين، فقيل: يحبس أو يضرب حتى يقر أو يحلف. وقيل: يقضى عليه بنكوله، ويصير كأنه مقر بالمدعى (٤). وقيل: ترد اليمين على المدعي. والأقوال الثلاثة في مذهب أحمد (٥). وقول رابع بالتفصيل كما تقدم، وهو اختيار

стр. 425

شيخنا (١). وفي المسألة قولٌ خامس: وهو أنَّه إذا كان المدعي متهمًا ردت عليه، وإن لم يكن متهمًا قُضِيَ له (٢) بنكول خصمه. وهذا القولُ يحكى عن ابن أبي ليلى (٣)، وله حظٌّ من الفقه، فإنَّه إذا لم يكن متهمًا غلب على الظن صدقه، فإذا نكلَ خصمه قوي ظن (٤) صدقه، فلم يحتج إلى اليمين، وأمَّا إذا كان متهمًا لم يبقَ معنا إلَّا مجرَّد النكول، فقويناه برد اليمين عليه، وهذا نوعٌ من الاستحسان (٥). فصل إذا رُدَّت اليمين على المدعي، فهل تكون يمينه كالبينة ، أم كإقرار المدعى عليه؟ فيه قولان للشافعي ﵀ أظهرهما عند أصحابه أنَّها كالإقرار (٦).
следующие страницы →