← Сияса и кади

Сияса и кади · id 18159

الطرق الحكمية في السياسة الشرعية - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (1 013 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

يشهد لها الشارع بالقبول - دخلوا في باطل كثير، وفاتهم حقٌّ كثير، فالطائفتان (١) في جانب إفراط وتفريط. وأمَّا إرشاد السنَّة إلى ذلك: فالنبي ﷺ جعل اليمين في جانب المدعي إذا أقام شاهدًا واحدًا (٢)، لقوَّة جانبه بالشاهد، ومكنه من اليمين بغير بذل خصمه (٣) ورضاهُ، وحكم له بها مع شاهده، فلأن يحكم به باليمين التي يبذلها (٤) خصمه مع قوَّة جانبه بنكول خصمه أولى وأحرى، وهذا ممَّا لا يشك فيه من له خوض في حكم الشريعة وعللها ومقاصدها، ولهذا شرعت الأيمان في القسامة في جانب المدعي، لقوَّة جانبه باللوث، وهذه هي المواضع الثلاثة التي استثناها منكرو القياس (٥). ولما كانت أفهام الصحابة ﵃ فوق أفهام جميع الأمة، وعلمهم بمقاصد نبيهم ﷺ وقواعد دينه وشرعه أتم من علم كل من جاء بعدهم: عدلوا عن (٦) ذلك إلى غير هذه المواضع الثلاثة وحكموا بالردَّ مع النكول في موضع (٧)، وبالنكول وحده في

стр. 422

موضع (١)، وهذا من كمال فهمهم وعلمهم بالجامع والفارق والحكم والمناسبات، ولم يرتضوا (٢) لأنفسهم عبارات (٣) المتأخرين واصطلاحاتهم وتكلفاتهم، فهم كانوا أعمق الأمة علمًا، وأقلهم تكلفًا، والمتأخرون عكسهم في الأمرين. فعثمان بن عفان قال لابن عمر: "احلف بالله لقد بعت العبد وما به داء علمته" (٤)، فأبى، فحكم عليه بالنكول، ولم يرد اليمين في هذه الصورة على المدعي، ويقول له: احلف أنت أنَّه كان عالمًا بالعيب؛ لأنَّ هذا ممَّا لا يمكن أن يعلمه المدعي، ويمكن المدعى عليه معرفته، فإذا لم يحلف المدعى عليه لم يكلف المدعي اليمين، فإنَّ ابن عمر ﵄ كان قد باعه بالبراءة من العيوب، وهو إنَّما يبرأ إذا لم يعلم بالعيب، فقال له: "احلف أنك بعته وما به عيب تعلمه"، وهذا ممَّا يمكن (٥) أن يحلف عليه دون المدعي، فإنَّه قد تتعذر عليه اليمين أنَّه كان عالمًا بالعيب، وأنَّه كتمه مع علمه به. وأما أثر عمر بن الخطاب - وقول المقداد: "احلف أنها سبعة آلاف"، فأبى أن يحلف، فلم يحكم له بنكول عثمان (٦) - فوجهه: أن

стр. 423

المقرض إن كان عالمًا بصدق نفسه وصحة دعواه حلف وأخذه، وإن لم يعلم ذلك لم تحل له الدعوى بما لا (١) يعلم صحته، فإذا نكل عن اليمين لم يقض له بمجرد نكول خصمه؛ إذ خصمه قد لا يكون عالمًا بصحة دعواه، فإذا قال للمدعي: إن كنت عالمًا بصحة دعواك فاحلف وخذ، فقد أنصفه جد الإنصاف. فلا أحسن مما قضى به الصحابة ﵃، وهذا التفصيل في المسألة هو الحق، وهو اختيار شيخنا (٢) - قدس الله روحه - والله أعلم (٣). قال أبو محمد ابن حزم (٤)، محتجًا لمذهبه: ونحن نقول: إن نكول الناكل عن اليمين في كل موضع وجب (٥) عليه، يوجب (٦) أيضًا عليه حكمًا، وهو الأدب الذي أمر به رسول الله ﷺ على كل من أتى منكرًا يوجب تغييره باليد (٧). فيقال له: قد يكون معذورًا في نكوله، غير آثم به، بأن يدعي أنه

стр. 424

أقرضه ويكون قد وفاه، ولا يرضى منه إلا بالجواب على وفق الدعوى. وقد يتحرج من الحلف، مخافة موافقة قضاء وقدر، كما روي عن جماعة من السلف (١)، فلا يجوز أن يحبس حتى يحلف. وقولهم: "إن هذا منكر يجب تغييره باليد" (٢) كلام باطل، فإن تورعه عن اليمين ليس بمنكر، بل قد يكون واجبًا أو مستحبًّا أو جائزًا، وقد يكون معصية. وقولهم: "إن الحلف حق قد وجب عليه، فإذا أبى أن يقوم به ضرب حتى يؤديه" (٣). فيقال: إن في اليمين حقًّا له وحقًّا عليه، فإن الشارع مكنه من التخلص من الدعوى باليمين، وهي واجبة عليه للمدعي، فإذا امتنع من اليمين فقد امتنع من الحق الذي وجب عليه لغيره، وامتنع من تخليص نفسه من خصمه باليمين، فقيل: يحبس أو يضرب حتى يقر أو يحلف. وقيل: يقضى عليه بنكوله، ويصير كأنه مقر بالمدعى (٤). وقيل: ترد اليمين على المدعي. والأقوال الثلاثة في مذهب أحمد (٥). وقول رابع بالتفصيل كما تقدم، وهو اختيار

стр. 425

شيخنا (١). وفي المسألة قولٌ خامس: وهو أنَّه إذا كان المدعي متهمًا ردت عليه، وإن لم يكن متهمًا قُضِيَ له (٢) بنكول خصمه. وهذا القولُ يحكى عن ابن أبي ليلى (٣)، وله حظٌّ من الفقه، فإنَّه إذا لم يكن متهمًا غلب على الظن صدقه، فإذا نكلَ خصمه قوي ظن (٤) صدقه، فلم يحتج إلى اليمين، وأمَّا إذا كان متهمًا لم يبقَ معنا إلَّا مجرَّد النكول، فقويناه برد اليمين عليه، وهذا نوعٌ من الاستحسان (٥). فصل إذا رُدَّت اليمين على المدعي، فهل تكون يمينه كالبينة ، أم كإقرار المدعى عليه؟ فيه قولان للشافعي ﵀ أظهرهما عند أصحابه أنَّها كالإقرار (٦).

стр. 426

فعلى هذا لو أقام المدعى عليه بينة بالأداء والإبراء بعد ما حلفَ المدعي، فإن قيل: يمينه كالبينة سمعت بينة المدعى عليه (١)، وإن قيل: هي كالإقرار لم تسمع، لكونه مكذبًا (٢) للبينة بالإقرار. و إذا قُضِيَ بالنكول فهل يكون كالإقرار أو كالبذل ؟ فيه وجهان (٣)، ينبني عليهما ما إذا ادعى نكاح امرأة واستحلفناها فنكلت، فهل يقضى عليها بالنكول وتجعل زوجته؟ فإن قلنا: النكولُ إقرار حكم له بكونها زوجته (٤)، وإن قلنا: بَذْل، لم يحكم بذلك؛ لأنَّ الزوجية لا تباح بالبذل. وكذلك لو ادعى رق مجهول النسب، وقلنا: يستحلف، فنكلَ عن اليمين. وكذلك لو ادعى قذفه واستحلفناه فنكل، فهل يحد للقذف؟ ينبني (٥) على ذلك. وكذلك الخلاف في مذهب أبي حنيفة، فالنكول بَذْلٌ عنده وإقرارٌ عند صاحبيه (٦).

стр. 427

قال أصحابه: فلا يستحلف في النكاح والرجعة والفيئة (١) والإيلاء والرق والاستيلاد والنسب والولاء والحدود؛ لأنَّ النكول عند أبي حنيفة بذل وهو لا يجري في هذه الأشياء، وعندهما يستحلف؛ لأنَّه يجري مجرى الإقرار، وهو مقبول بها (٢). واحتج من جعله كالإقرار بأنَّ الناكل كالممتنع من (٣) اليمين الكاذبة ظاهرًا، فيصير معترفًا بالمدعى؛ لأنَّه لما نكل مع إمكان تخلصه (٤) باليمين، دلَّ ذلك على أنَّه لو حلفَ لكان كاذبًا، وذلك دليلٌ على (٥) اعترافه، إلَّا أنَّه لما كان دون الإقرار الصريح لم يعمل عمله في الحدود والقود (٦). واحتجَّ من جعله كالبذل، بأنَّا لو اعتبرناه إقرارًا منه (٧) يكون كاذبًا في إنكاره، والكذب حرام، فيفسق بالنكول بعد الإنكار، وهذا باطل، فجعلناه بذلًا وإباحة صيانة له (٨) عمَّا يقدح في عدالته، ويجعله كاذبًا. والصحيح: أنَّ النكول يقوم مقام الشاهد والبينة، لا مقام الإقرار

стр. 428

ولا البذل؛ لأنَّ النَّاكل قد صرَّح بالإنكار، وأنَّه لا يستحق المدعى به، وهو مُصِرّ على ذلك، متورع عن اليمين، فكيف يُقال: إنَّه مقرٌّ، مع إصراره على الإنكار، ويُجعل مُكذِّبًا لنفسه؟ (١). وأيضًا لو كان مقرًّا لم تسمع منه بينة نكوله بالإبراء والأداء، فإنَّه يكون مكذبًا لنفسه، وأيضًا فإنَّ الإقرار إخبارٌ وشهادة المرء (٢) على نفسه، فكيف يجعل مقرًّا شاهدًا على نفسه بسكوته، والبذل إباحة وتبرع، وهو لم يقصد ذلك، ولم يخطر على قلبه، وقد يكون المدعى عليه مريضًا مرض الموت، فلو كان النكول بذلًا وإباحة اعتبر خروج المدعى من الثلث (٣). فتبين أنه لا إقرار ولا إباحة، وإنَّما هو جارٍ مجرى الشاهد والبينة، فإنَّ "البينة" اسمٌ لما يبين الحق، ونكوله - مع تمكنه من اليمين الصادقة التي يبرأ بها من المدعى عليه ويتخلص بها (٤) من خصمه - دليلٌ ظاهرٌ على صحة دعوى خصمه وبيان أنَّها حق، فقام مقام شاهد القرائن. فإن قيل: فالنبي ﷺ أجرى السكوت مجرى الإقرار والبذل في حق البكر إذا استؤذنت؟ (٥).

стр. 429

قيل: ليس (١) ذلك نكولًا، وإنَّما هو دليل على الرضا بما استؤذنت فيه؛ لأنَّها تستحي من الكلام ويلحقها العار بكلامها الدَّال على طلبها، فنزل سكوتها منزلة رضاها للضرورة، وها هنا المدعى عليه لا يستحي من الكلام ولا عار عليه (٢) فيه فلا يشبه البكر، والله أعلم. فصل إذا قلنا برد اليمين، فهل ترد بمجرد (٣) نكول المدعى عليه أم لا ترد حتَّى يأذن في ذلك؟ ظاهرُ كلام الإمام أحمد أنَّه لا يشترط إذن الناكل (٤)؛ لأنَّه لما رغب عن اليمين انتقلت إلى المدعي، ولأنَّه برغبته ونكوله عنها - مع تمكنه من الحلف - صار راضيًا بيمين المدعي فجرى ذلك مجرى إذنه، كما أنَّه بنكوله (٥) نزل منزلة الباذل (٦) أو المقر. وقال أبو الخطاب: لا ترد اليمين إلَّا إذا أذن فيها النَّاكل؛ لأنَّها من جهته وهو أحقُّ بها من المدعي، ولا تنتقل عنه إلى المدعي إلَّا بإذنه (٧).

стр. 430

فصل الطريق السادس: الحكم بالشاهد الواحد بلا يمين . وذلك في صور: منها: إذا شهدَ برؤية هلال رمضان شاهدٌ واحد في ظاهر مذهب الإمام أحمد (١)، لحديث ابن عمر ﵄ قال: "تراءى النَّاسُ الهلال، فَأخْبَرْتُ رسُول الله ﷺ أَنِّي رأيْتُهُ فَصَامَ، وَأَمَرَ النَّاسَ بِالصِّيَامِ" رواه أبو داود (٢). فعلى هذا هل يكتفى بشهادة (٣) المرأة الواحدة في ذلك؟ فيه وجهان (٤) مبنيان على أنَّ ثبوته بقول الواحد هل هو (٥) من باب

стр. 431

الإخبار، أو من باب الشهادات؟ وروى أبو داود أيضًا عن ابن عباس قال: "جَاءَ أَعْرَابِي إِلى النَّبيَّ ﷺ فقالَ: إنِّي رأَيْتُ الهلالَ، فقالَ: "أتشْهَدُ أنْ لَا إِلهَ إِلا الله: قالَ: نَعم، قال: أَتَشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُوْلُ اللهِ؟ قال: نعم، قال: يَا بِلَالُ، أَذَّنْ في النَّاسِ فَلْيَصُومُوا غَدًا" (١). وعنه رواية أُخرى: لا يجب إلَّا بشهادة اثنين (٢). وحجة هذا القول ما رواه النسائي وأحمد وغيرهما عن عبد الرحمن ابن زيد بن الخطاب عن أصحاب رسول الله ﷺ أنَّه قال: "صُوْمُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيتهِ، وَانْسِكُوا (٣)، فِإن غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَتِمُوا ثَلَاثِيْنَ، فَإِنْ شَهِدَ شَاهِدَانِ ذوَا عَدْلٍ فصُوْمُوا وَأَفْطِرُوا" (٤). وهذا لا حجة فيه من طريق المنطوق، والمفهوم (٥) فيه تفصيل: وهو أنَّه إن كان المشهود فيه هلال شوال، فيشترط شاهدان بهذا النص، وإن كان هلال رمضان كفى واحد بالنصين الآخرين، ولا يقوى ما يتوهم

стр. 432

من عموم المفهوم على معارضة هذين الخبرين. وأصول الشرع تشهد للاكتفاء بقول الواحد (١)، كالإخبارِ (٢) عن دخول وقت الصلاة بالأذان، ولا فرق بينهما. وقال أبو بكر عبد العزيز (٣): إن كان الرَّائي في جماعة لم تقبل إلَّا شهادة اثنين؛ لأنَّه يبعد انفراد الواحد من بين النَّاسِ بالرؤية، فإذا شهد معه آخر: غلب على الظن صدقهما، وإن كان في سفرٍ فقدم (٤)، قبل قوله وحده، لظاهر الحديث؛ ولأنَّه قد يكون في السفر هو (٥) وحده، أو يتشاغل رفقته عن رؤيته، فيراه هو (٦). وقال أبو حنيفة (٧): إن كان في السَّماءِ علَّة أو غيم أو غبار أو نحو ذلك، ممَّا يمنع الرؤية قبل (٨) شهادة الواحد العدل، والحر والعبد والذكر والأنثى في ذلك سواء، وتقبل فيه شهادة المحدود في القذف إذا تابَ، ولا يشترط فيه (٩) لفظ الشهادة.

стр. 433

قال: وإن لم تكن في السَّماءِ علَّة لم تقبل إلَّا شهادة جمع (١) يقع العلم بخبرهم، وهو مفوض إلى رأي الإمام من غير تقدير؛ لأنَّ المطالع متحدة، والموانع مرتفعة، والأبصار صحيحة، والدواعي على طلب الرؤية متوفرة، فلا يجوز أن يختص بالرؤية النفر القليل. وعن أبي حنيفة رواية أُخرى: أنَّه تكفي (٢) شهادة الاثنين (٣). قالوا: ولو جاء رجل من خارج المصر وشهد به قُبِل، وكذا إذا كان على مرتفع في البلد كالمنارة ونحوها؛ لأنَّ (٤) الرؤية تختلف باختلافِ صفاء الجو وكدره، وباختلاف ارتفاع المكان وهبوطه. والصحيح قبول شهادة الواحد مطلقًا، كما دلَّ عليه حديثا (٥) ابن عمر (٦) وابن عباس (٧) ﵄. ولا ريبَ أنَّ الرؤية كما تختلف بأسباب خارجة عن الرَّائي، فإنَّها تختلف بأسباب من الرَّائين، كحدة البصر وكلاله، وقد شاهد النَّاس الجمع العظيم (٨) يتراءون الهلال، فيراه الآحاد منهم، وأكثرهم لا

стр. 434

يرونه، ولا يبعد (١) انفراد الواحد بالرؤية من بين النَّاس، وقد كان الصحابة في طريق الحج، فتراءوا هلال ذي الحجة، فرآه ابن عباس ولم يره عمر، فجعل يقول "ألا (٢) تراه يا أمير المؤمنين، فقال: سأراه وأنا مستلق على فراشي" (٣). فصل ومنها: ما يختص بمعرفته أهل الخبرة والطب، كالموضحة وشبهها، وداء الحيوان الَّذي لا يعرفه إلَّا البيطار، فتقبل في ذلك شهادة طبيب واحد وبيطار واحد إذا لم يوجد غيره، نص عليه أحمد (٤). وإن أمكن شهادة اثنين، فقال أصحابنا (٥): لا يكتفى فيه بدونهما، أخذًا من مفهوم كلامه، ويتخرج قبول الواحد، كما يقبل قول القاسم (٦) والقائف وحده.

стр. 435

فصل ومنها: ما لا يطلع عليه الرجال غالبًا من الولادة والرضاع والعيوب تحت الثياب، والحيض والعدة، فتقبل فيه شهادة امرأة واحدة مع العدالة (١). والأصل فيه: حديث عقبة بن عامر (٢) قال: "تزوجت امرأة، فجاءت أمة سوداء، فقالت: فقد أرضعتكما، فسألت النبي ﷺ عن ذلك؟ فقال: دَعْهَا عَنْكَ" (٣). وفي هذا الحديث من الأحكام: قبول شهادة العبد، وقبول شهادة المرأة وحدها، وقبول شهادة الرجل على فعل (٤) نفسه، كالقاسم والخارص (٥)، والحاكم على حكمه (٦) بعد عزله (٧).

стр. 436

وعن أحمد رواية أُخرى: لا تقبل فيه إلَّا شهادة امرأتين؛ لأنَّ الله سبحانه أقامهما في الشهادة مقام شاهدٍ واحد، وهو أقل نصاب في الشهادة (١). وقال الشافعي (٢) ومالك (٣): لا يقبل أقل (٤) من أربع نسوة؛ لأنَّهنَّ كرجلين، والله تعالى أمرَ باستشهادِ رجلين، فإن لم يكونا رجلين (٥) فرجلٌ وامرأتان، فعلم أنَّ المرأتين مقام الشاهد الواحد. وقد احتج الإمام (٦) أحمد: أنَّ عليًّا ﵁ أجاز شهادة القابلة في الاستهلال (٧).

стр. 437

قال الشافعي: لو ثبتَ عن علي صرنا إليه (١)، وقال إسحاق بن راهويه: لو صحت شهادتها لقلنا به (٢). ولا يعرف اشتراط الأربعة عن أحدٍ قبل عطاء (٣)، فإنَّ ابن جريج روى عنه: "لا يجوز في الاستهلال إلَّا أربع نسوة" ذكره البيهقي (٤). وقد روي مرفوعًا من حديث حذيفة، رواه الدَّارقطني من حديث محمد بن عبد الملك الواسطي (٥) عن الأعمش عن أبي وائل عن حذيفة: "أنَّ النبي ﷺ أجاز شهادة القابلة" (٦). قال الدَّارقطني (٧): محمد بن عبد الملك الواسطي لم يسمعه من الأعمش، بينهما رجلٌ مجهول وهو أبو (٨) عبد الرحمن المدائني (٩).

стр. 438

قال ابن الجوزي (١): وقد روى أصحابنا من حديث ابن عمر ﵄: أنَّ رسول الله ﷺ قال: "يجزئُ في الرضاع شهادة امرأة" (٢). قلت: وهذا لا يعرف إسناده، وقد أجاز النبي- ﷺ شهادة خزيمة بن ثابت وحده ، وجعلها بشهادتين (٣)، وقد احتج به أبو داود على قبول شهادة الرجل وحده، إذا علم الحاكم صدقه (٤)، كما سنذكره. قال البخاري في صحيحه (٥): حدثنا إبراهيم بن موسى، حدثنا هشام بن يوسف أنَّ ابن جريج أخبرهم قال: أخبرني عبد الله بن عبيد الله (٦)

стр. 439

ابن أبي مليكة: "أنَّ بني (١) صهيب (٢) مولى ابن جدعان ادعوا بيتين وحجرة أنَّ رسول الله ﷺ أعطى ذلك صهيبًا، فقال مروان: من يشهد لكما على ذلك؟ قالوا: ابن عمر، فدعاهُ فشهد لأعطى رسول الله ﷺ صهيبًا بيتين وحجرة، فقضى مروان بشهادته". وهذا غير مختص به، فالَّذي شهد به خزيمة يشهد به كل مؤمنٍ بأنَّه رسول الله ﷺ ، وإنّما بيَّنه خزيمة دون الصحابة؛ لدخول هذا الفردِ من أخباره ﷺ في جملة أخباره، وأنَّه يجب تصديقه فيه، والشهادة بأنَّه كما أخبر به، كما يجب تصديقه في سائر أخبارهِ (٣). وقد أجاز رسول الله ﷺ شهادة الشاهد الواحد من غير يمين، كما جاء (٤) في الصحيحين (٥) من حديث أبي قتادة، قال: قال رسول الله ﷺ يوم حنين (٦): "مَنْ قَتَلَ قَتِيْلًا لَهُ عَلَيْهِ بَينَةٌ فَلَهُ سَلَبُهُ، فَقُمْتُ، فَقُلْتُ: مَنْ يَشْهَدُ لِي؟ ثُمَّ جَلَسْتُ (٧) ثُمَّ قُلتُ: مَنْ يَشْهَدُ لِي؟ فقالَ: مَا لَكَ يَا أَبَا

стр. 440

قَتَادَة؟ فَذَكَرْتُ أَمْرَ القَتِيْلِ لِرَسُوْلِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ جُلَسَائِهِ: صَدَقَ يَا رَسُوْلَ اللهِ، سَلَبُهُ عِنْدِي، فَأَرْضِهِ منه، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁: لاها الله لَا يُعْطِيْهِ أضيبع (١) قُرَيشٍ، ويَدَعُ أَسَدًا مِنْ أُسْدِ اللهِ يُقَاتِلُ عَنْ اللهِ وَرَسُولهِ، فَقَالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ : صَدَقَ، أعْطِهِ إِيَّاهُ، فَأدَّاهُ إِليَّ". وفي هذه المسألة ثلاثة أقوال في المذهب (٢): أحدها: أنَّه (٣) لا بُدَّ من شاهدين (٤). والثاني: يكفي شاهدٌ (٥) ويمين (٦). والثالث (٧): يكفي شاهد واحد، وهو الأصح في الدليل (٨)، لهذا الحديث الصحيح الَّذي لا معارض له ولا (٩) وجه للعدول عنه.

стр. 441

وقال أبو داود في سننه (١): "باب إذا علم الحاكم صدق الشاهد الواحد يجوز له أن يحكم به" ثمَّ ذكر حديث خزيمة بن ثابت (٢). قال الشافعي (٣): وذكر عمران بن حدير عن أبي مجلز قال: "قضى زرارة بن أوفى (٤) ﵀ بشهادتي وحدي" (٥). وقال (٦) شعبة عن (٧) أبي قيس (٨) وعن أبي إسحاق (٩): "أنَّ شريحًا أجاز شهادة كل واحد منهما وحده" (١٠). وقال الأعمش عن أبي إسحاق: "أجاز شريح شهادتي وحدي" (١١).

стр. 442

وقال أبو قيس: "شهدتُ عند شريح على مصحف (١)، فأجاز شهادتي وحدي" (٢). فصل ومنها: قبول شهادة الشاهد الواحد بغير يمين، في الترجمة، والتعريف، والرسالة، والجرح والتعديل. نص عليه أحمد في إحدى الروايتين (٣)، وترجم عليه البخاري في صحيحه (٤) فقال: "باب ترجمة الحكام، وهل يجوز ترجمان واحد؟ " قال خارجة بن زيد عن زيد بن ثابت: "أنَّ النبي ﷺ أمرهُ أن يتعلم كتابة اليهود، حتَّى كتبت للنَّبي ﷺ كتبه وأقرأته كتبهم إذا كتبوا إليه" (٥)، وقال عمر - وعنده علي وعثمان

стр. 443

وعبد الرحمن بن عوف (١) - "ماذا تقول هذه؟ فقال عبد الرحمن بن حاطب: تخبرك بصاحبها الَّذي صنع بها" (٢). وقال أبو جمرة (٣): "كنتُ أترجم بين يدي ابن عباس وبين النَّاس" (٤) فقال بعض النَّاس: "لا بُدَّ للحاكم من مترجمين" (٥). قلت: هذا قول مالك (٦) والشافعي (٧)، واختيار الخرقي (٨)، والاكتفاء بواحد قول أبي حنيفة (٩)، وهو الصحيح لما تقدم، وهو اختيار أبي بكر (١٠).

стр. 444

فصل الطريق السَّابع: الحكم بالشَّاهد واليمين . وهو مذهب فقهاء الحديث كلهم، ومذهب فقهاء الأمصار (١)، ما خلا أبا حنيفة (٢) وأصحابه (٣). وقد روى مسلم في صحيحه (٤) من حديث عمرو بن دينار، عن ابن عباس ﵄: "أنَّ رسول الله ﷺ قَضَى بِشَاهِدٍ وَيَمِيْنٍ"، قال عمرو: في الأموال (٥)، وقال الشافعي: حديث ابن عباس ثابتٌ (٦) ومعه ما يشده (٧).

стр. 445

قال ابن عبد الحكم: سمعت الشافعي يقول: قال لي محمد بن الحسن: لو علمت أنَّ سيف بن سليمان يروي حديث اليمين مع الشَّاهد لأفسدته، فقلت: يا أبا عبد الله، وإذا أفسدته فسد؟ قال علي بن المديني: سألت يحيى بن سعيد عن سيف بن سليمان؟ فقال (١): هو عندنا ممَّن يصدق ويحفظ، كان ثبتًا (٢). قُلت: هو رواه (٣) عن قيس بن سعد (٤) عن عمرو بن دينار، وقد رواه أبو داود من حديث عبد الرزاق أخبرنا محمد بن مسلم عن عمرو (٥). وقال الشافعي (٦): أخبرنا إبراهيم بن محمد (٧)، عن ربيعة بن عثمان، عن معاذ بن عبد الرحمن، عن ابن عباس (٨)، وآخر له صحبة:

стр. 446

"أنَّ رسول الله ﷺ قَضَى بِاليَمِين مَعَ الشَّاهِدِ" (١). وعن أبي هريرة ﵁: "أنَّ النبي ﷺ قَضَى بِاليمين مَعَ الشَّاهِدِ" (٢). رواه الترمذي وابن ماجه وأبو داود والشافعي، وقال الترمذي: حسنٌ غريب. وقد روي القضاء بالشاهد مع اليمين من رواية عمر بن الخطاب (٣) وعلي بن أبي طالب (٤)، وعبد الله بن عمر (٥)، وعبد الله بن عباس (٦)، وسعد بن عبادة (٧)، والمغيرة بن شعبة (٨)، وجابر بن عبد الله (٩)، والزبيب (١٠) بن ثعلبة (١١)، وجماعةٌ من الصحابة ﵃. قال أبو بكر الخطيب في مصنف أفرده لهذه المسألة (١٢): روى

стр. 447

عن النبي ﷺ : "أنَّه قضى بشاهدٍ ويمين" ابن عباس، وجابر بن عبد الله (١)، وعمارة بن حزم (٢)، وسعد بن عبادة (٣)، وعلي بن أبي طالب (٤)، وأبو هريرة، وسُرَّق (٥)، وزيد بن

стр. 448

ثابت (١)، وعمر بن الخطاب (٢)، وعبد الله بن عمر بن الخطاب (٣) , وعبد الله بن عمرو (٤)، وأبو سعيد الخدري (٥)، وزيد (٦) بن ثعلبة (٧) , وعامر بن ربيعة (٨)، وسهل بن سعد (٩) الساعدي، وعمرو بن

стр. 449

حزم (١)، والمغيرة بن شعبة، وبلال بن الحارث (٢)، وتميم الدَّاري (٣)، ومسلمة (٤) بن قيس (٥)، وأنس بن مالك (٦) - رضي اللهُ

стр. 450

عنهم -، ثمَّ ذكر أحاديثهم بإسناده. وفي مراسيل مالك (١): عن جعفر بن محمد عن أبيه: "أنَّ رسول الله ﷺ قَضَى باليَمِين مَعَ الشَّاهِدِ الوَاحِدِ". وقضى به علي ﵁ بالعراق (٢). قال الشافعي (٣) لبعض من يناظره: فقد روى الثقفي عبد الوهاب عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر: "أنَّ النبي ﷺ قَضَى بِاليَمِيْنِ مَعَ الشَّاهِدِ الوَاحِدِ" (٤). وكذلك رواه ابن المديني وإسحاق وغيرهما (٥) عن الثقفي عن جعفر عن أبيه عن جابر. ورواه القاضي إسماعيل (٦): حدثنا إسماعيل بن أبي أوس (٧)،

стр. 451

حدثنا سليمان بن بلال، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جدِّهِ: "أنَّ رسول الله ﷺ قَضَى بِاليَمِيْن مَعَ الشَاهِدِ". وتابعه عبد العزيز بن سلمة، عن جعفر به، إسنادًا ومتنًا (١). وقال الشافعي (٢): أخبرنا عبد العزيز بن محمد (٣) عن ربيعة (٤) عن سعيد بن عمرو بن شرحبيل بن (٥) سعيد بن سعد بن عبادة عن أبيه عن جدِّه قال: وجدنا في كتاب سعد: "أنَّ رسول الله ﷺ قَضَى بِاليَمينِ مَعَ الشَّاهِد" (٦). وقال ابن وهب: أخبرني ابن لهيعة ونافع بن يزيد (٧) عن عمارة بن غزية (٨) عن سعيد بن عمرو بن شرحبيل أنَّه وجد في كتاب آبائه: "هذا

стр. 452

ما ذكره عمرو بن حزم والمغيرة بن شعبة قالا: "بينا نحن عند رسول الله ﷺ دخل رجلان يختصمان مع أحدهما شاهدٌ له على حقِّه، فجعل رسول الله ﷺ يمين صاحب الحق مع شاهده، فاقتطع (١) بذلك حقه" (٢). وقال الشافعي (٣): أخبرنا إبراهيم بن محمد عن عمرو بن أبي عمرو (٤) عن ابن المسيب: "أنَّ رسول الله ﷺ قَضَى باليَمينِ مَعَ الشَّاهِدِ". قال (٥): وأخبرنا الزنجي (٦) عن ابن جريج عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده (٧) أنَّ النبي ﷺ قال في الشهادة: "فإن جاء بشاهدٍ حلف

стр. 453

مع شاهده". ورواه مطرف بن مازن - ضعيف - حدثنا ابنِ جريج عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده (١): "أنَّ النبي ﷺ قَضى بِشَاهِدٍ ويَمِين في الحُقوق" (٢). وقال ابن وهب: حدثنا عثمان بن الحكم (٣) حدثني زهير (٤) بن محمد (٥) عن (٦) سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن زيد بن ثابت: "أنَّ النبي ﷺ قَضى بِشَاهِدٍ ويَمِيْنٍ" (٧).

стр. 454

وروى جويرية بن أسماء عن عبد الله بن يزيد (١) مولى المنبعث عن رجل عن سُرَّق (٢) قال: "قضى رسول الله ﷺ بيمين وشاهدٍ". رواه البيهقي (٣). وروى البيهقي أيضًا من حديث جعفر بن محمد (٤) عن أبيه عن علي ﵁: "أنَّ رسول الله ﷺ وأبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ (٥) وعثمان ﵃، كَانُوا يَقْضُونَ بِشَهَادَةِ الشَّاهِد الوَاحِدِ (٦)، ويَمِينِ المُدَّعي". قال جعفر: والقضاة يقضون بذلك عندنا اليوم (٧).

стр. 455

وذكر أبو الزناد (١) عن عبد الله بن عامر (٢): "حضرت أبا بكر وعمر وعثمان يقضون بشهادة الشاهد واليمين" (٣). وقال الزنجي: حدثنا جعفر بن محمد قال: سمعتُ الحكم بن عتيبة (٤) يسأل أبي - وقد وضع يده على جدار القبر ليقوم (٥) - أقضى رسول الله ﷺ باليمين مع الشَّاهد؟ قال: "نعم، وقضى به علي بين أظهركم" (٦). وكتب عمر بن عبد العزيز إلى عامله بالكوفة: "اقض بالشَّاهد مع

стр. 456

اليمين فإنَّها السنة" رواه الشَّافعي (١). قال الشَّافعي (٢): واليمين مع الشَّاهد لا تخالف من ظاهر القرآن شيئًا؛ لأنَّا نحكم بشاهدين، وشاهد وامرأتين، فإذا كان شاهد حكمنا بشاهدٍ ويمين، وليس ذا يخالف القرآن (٣)؛ لأنَّه لم يحرم أن يجوز أقل (٤) ممَّا نصَّ عليه في كتابه، ورسول الله ﷺ أعلم بما (٥) أراد الله، وقد أمرنا الله أن نأخذ ما آتانا (٦). قلت: وليس في القرآن ما يقتضي أنَّه لا يحكم إلَّا بشاهدين، أو شاهدٍ وامرأتين؛ فإنَّ الله سبحانه إنَّما أمر بذلك أصحاب الحقوق أن يحفظوا حقوقهم بهذا النصاب، ولم يأمر بذلك الحكام أن يحكموا به، فضلًا عن أن يكون قد أمرهم ألَّا يقضوا إلَّا بذلك، ولهذا يحكم الحاكم بالنكول واليمين المردودة، والمرأة الواحدة، والنساء المنفردات لا رجل معهنَّ، وبمعاقد القمط (٧)، ووجوه

стр. 457

الآجر (١)، وغير ذلك من طرق الحكم التي لم تذكر في القرآن (٢)، فإن كان الحكم بالشَّاهد واليمين مخالفًا لكتاب الله، فهذه أشد مخالفة لكتاب الله منه، وإن لم تكن هذه الأشياء مخالفة (٣) للقرآن، فالحكمُ بالشاهد واليمين أولى ألَّا يكون مخالفًا للقرآن، فطرق الحكم شيء، وطرق حفظ الحقوق شيءٌ آخر (٤)، وليس بينهما تلازم، فتحفظ الحقوق بما لا يحكم به الحاكم ممَّا يعلم صاحب الحق أنَّه يُحفظ به، ويحكم الحاكم بما لا يحفظ به صاحب الحق حقه، ولا خطر على باله من نكول ورد يمين وغير ذلك، والقضاء بالشاهد واليمين، ممَّا أراه الله تعالى لنبيه ﷺ ؛ فإنَّه سبحانه قال: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ [النساء: ١٠٥]، وقد حكم بالشاهد واليمين وهو ممَّا أراه الله إيَّاهُ قطعًا. ومن العجائب: ردُّ الشاهد واليمين، والحكم بمجرد النكول الَّذي

стр. 458

هو سكوت، ولا ينسب إلى ساكتٍ قول (١)، والحكم لمدعي الحائط إذا كانت إليه الدواخل والخوارج وهو الصحاح من الآجر، أو إليه معاقد القمط في الخص، كما يقوله أبو يوسف (٢): فأين هذا من الشاهد (٣) العدل المبرز في العدالة، الَّذي يكاد يحصل العلم بشهادته، إذا انضاف إليها يمين المدعي؟ وأين الحكم بلحوق النسب بمجرد العقد، وإن علمنا قطعًا أن الرجل لم يصل إلى المرأة، من الحكم بالشاهد واليمين؟ وأين الحكم بشهادة مجهولين لا يعرف حالهما، من الحكم بشهادة العدل المبرز (٤) الثقة، مع يمين الطالب؟ وأين الحكم لمدعي الحائط بينه وبين جاره، تكون عليه ثلاثة جذوع فصاعدًا له (٥) من الحكم بالشاهد واليمين؟ ومعلومٌ أنَّ الشاهد العدل (٦) واليمين أقوى في الدلالة والبينة من ثلاثة (٧) جذوع على الحائط الَّذي ادعاه، فإذا أقام جاره شاهدًا، وحلف معه كان ذلك أقوى من شهادة الجذوع. وهذا شأن كل من خالف سنَّةً صحيحة لا معارض لها، لا بُدَّ أن

стр. 459

يقول أقوالًا يعلم أنَّ القول بتلك السنَّة أقوى منها بكثير. وقد نُسِبَ إلى البخاري إنكارُ الحكم بشاهدٍ ويمين، فإنَّه قال في "باب يمين المدعى عليه" (١) من كتاب الشهادات: "قال قتيبة (٢): حدثنا سفيان (٣) عن ابن شبرمة (٤) قال: كلمني أبو الزناد في شهادة الشَّاهدِ ويمين المدعي، فقلت: قال الله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ [البقرة: ٢٨٢]. قلت: إذا كان يكتفى بشهادة شاهدٍ ويمين المدعي فما يحتاج أن تذكر إحداهما الأُخرى (٥)، ما كان يصنع بذكر هذه الأخرى؟ ". فترجمة الباب بأنَّ اليمين من جهة المدعى عليه، وذكر هذه المناظرة، وعدم رواية حديث أو أثر في الشَّاهدِ واليمين، ظاهرٌ في أنَّه لا يذهب إليه، وهذا ليس بصريح أنَّه مذهبه، ولو صرح به فالحجة فيما يرويه لا فيما يراه.

стр. 460

قال الإسماعيلي - عند ذكر هذه الحكاية -: ليس فيما ذكره ابن شبرمة معنى، فإنَّ الحاجة إلى إذكار إحداهما الأخرى إذا شهدتا، فإن لم يكونا قامَ مقامَهما يمين الطالب ببيان السنَّة الثابتة (١)، وكما حلَّت يمين المدعى عليه محل البينة في الأداء والإبراء، حلت ها هنا محل الشاهد ومحل المرأتين في الاستحقاق، بانضمامها إلى الشاهد الواحد، ولو وجب إسقاط السنَّة الثابتة في الشاهد واليمين - كما ذكر ابن شبرمة - لسقط الشاهد والمرأتان، لقوله ﷺ : "شاهداك أو يمينه" (٢). فنقله عن الشاهدين إلى يمين خصمه بلا ذكر رجل وامرأتين. قلت: مراده أنَّ قوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] لو كان مانعًا من الحكم بالشاهد واليمين، ومعارضًا له، لكان قوله ﷺ : "شاهداك أو يمينه" مانعًا من الحكم بالشَّاهد والمرأتين، ومعارضًا له، وليس الأمر كذلك، فلا تعارض بين كتاب الله وسنَّة رسوله، ولا اختلاف ولا تناقض بوجه من الوجوه، بل الكل من عند الله ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)﴾ [النساء: ٨٢] (٣).
следующие страницы →