← Сияса и кади

Сияса и кади · id 18159

الطرق الحكمية في السياسة الشرعية - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (1 013 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

اليمين فإنَّها السنة" رواه الشَّافعي (١). قال الشَّافعي (٢): واليمين مع الشَّاهد لا تخالف من ظاهر القرآن شيئًا؛ لأنَّا نحكم بشاهدين، وشاهد وامرأتين، فإذا كان شاهد حكمنا بشاهدٍ ويمين، وليس ذا يخالف القرآن (٣)؛ لأنَّه لم يحرم أن يجوز أقل (٤) ممَّا نصَّ عليه في كتابه، ورسول الله ﷺ أعلم بما (٥) أراد الله، وقد أمرنا الله أن نأخذ ما آتانا (٦). قلت: وليس في القرآن ما يقتضي أنَّه لا يحكم إلَّا بشاهدين، أو شاهدٍ وامرأتين؛ فإنَّ الله سبحانه إنَّما أمر بذلك أصحاب الحقوق أن يحفظوا حقوقهم بهذا النصاب، ولم يأمر بذلك الحكام أن يحكموا به، فضلًا عن أن يكون قد أمرهم ألَّا يقضوا إلَّا بذلك، ولهذا يحكم الحاكم بالنكول واليمين المردودة، والمرأة الواحدة، والنساء المنفردات لا رجل معهنَّ، وبمعاقد القمط (٧)، ووجوه

стр. 457

الآجر (١)، وغير ذلك من طرق الحكم التي لم تذكر في القرآن (٢)، فإن كان الحكم بالشَّاهد واليمين مخالفًا لكتاب الله، فهذه أشد مخالفة لكتاب الله منه، وإن لم تكن هذه الأشياء مخالفة (٣) للقرآن، فالحكمُ بالشاهد واليمين أولى ألَّا يكون مخالفًا للقرآن، فطرق الحكم شيء، وطرق حفظ الحقوق شيءٌ آخر (٤)، وليس بينهما تلازم، فتحفظ الحقوق بما لا يحكم به الحاكم ممَّا يعلم صاحب الحق أنَّه يُحفظ به، ويحكم الحاكم بما لا يحفظ به صاحب الحق حقه، ولا خطر على باله من نكول ورد يمين وغير ذلك، والقضاء بالشاهد واليمين، ممَّا أراه الله تعالى لنبيه ﷺ ؛ فإنَّه سبحانه قال: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ [النساء: ١٠٥]، وقد حكم بالشاهد واليمين وهو ممَّا أراه الله إيَّاهُ قطعًا. ومن العجائب: ردُّ الشاهد واليمين، والحكم بمجرد النكول الَّذي

стр. 458

هو سكوت، ولا ينسب إلى ساكتٍ قول (١)، والحكم لمدعي الحائط إذا كانت إليه الدواخل والخوارج وهو الصحاح من الآجر، أو إليه معاقد القمط في الخص، كما يقوله أبو يوسف (٢): فأين هذا من الشاهد (٣) العدل المبرز في العدالة، الَّذي يكاد يحصل العلم بشهادته، إذا انضاف إليها يمين المدعي؟ وأين الحكم بلحوق النسب بمجرد العقد، وإن علمنا قطعًا أن الرجل لم يصل إلى المرأة، من الحكم بالشاهد واليمين؟ وأين الحكم بشهادة مجهولين لا يعرف حالهما، من الحكم بشهادة العدل المبرز (٤) الثقة، مع يمين الطالب؟ وأين الحكم لمدعي الحائط بينه وبين جاره، تكون عليه ثلاثة جذوع فصاعدًا له (٥) من الحكم بالشاهد واليمين؟ ومعلومٌ أنَّ الشاهد العدل (٦) واليمين أقوى في الدلالة والبينة من ثلاثة (٧) جذوع على الحائط الَّذي ادعاه، فإذا أقام جاره شاهدًا، وحلف معه كان ذلك أقوى من شهادة الجذوع. وهذا شأن كل من خالف سنَّةً صحيحة لا معارض لها، لا بُدَّ أن

стр. 459

يقول أقوالًا يعلم أنَّ القول بتلك السنَّة أقوى منها بكثير. وقد نُسِبَ إلى البخاري إنكارُ الحكم بشاهدٍ ويمين، فإنَّه قال في "باب يمين المدعى عليه" (١) من كتاب الشهادات: "قال قتيبة (٢): حدثنا سفيان (٣) عن ابن شبرمة (٤) قال: كلمني أبو الزناد في شهادة الشَّاهدِ ويمين المدعي، فقلت: قال الله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ [البقرة: ٢٨٢]. قلت: إذا كان يكتفى بشهادة شاهدٍ ويمين المدعي فما يحتاج أن تذكر إحداهما الأُخرى (٥)، ما كان يصنع بذكر هذه الأخرى؟ ". فترجمة الباب بأنَّ اليمين من جهة المدعى عليه، وذكر هذه المناظرة، وعدم رواية حديث أو أثر في الشَّاهدِ واليمين، ظاهرٌ في أنَّه لا يذهب إليه، وهذا ليس بصريح أنَّه مذهبه، ولو صرح به فالحجة فيما يرويه لا فيما يراه.

стр. 460

قال الإسماعيلي - عند ذكر هذه الحكاية -: ليس فيما ذكره ابن شبرمة معنى، فإنَّ الحاجة إلى إذكار إحداهما الأخرى إذا شهدتا، فإن لم يكونا قامَ مقامَهما يمين الطالب ببيان السنَّة الثابتة (١)، وكما حلَّت يمين المدعى عليه محل البينة في الأداء والإبراء، حلت ها هنا محل الشاهد ومحل المرأتين في الاستحقاق، بانضمامها إلى الشاهد الواحد، ولو وجب إسقاط السنَّة الثابتة في الشاهد واليمين - كما ذكر ابن شبرمة - لسقط الشاهد والمرأتان، لقوله ﷺ : "شاهداك أو يمينه" (٢). فنقله عن الشاهدين إلى يمين خصمه بلا ذكر رجل وامرأتين. قلت: مراده أنَّ قوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] لو كان مانعًا من الحكم بالشاهد واليمين، ومعارضًا له، لكان قوله ﷺ : "شاهداك أو يمينه" مانعًا من الحكم بالشَّاهد والمرأتين، ومعارضًا له، وليس الأمر كذلك، فلا تعارض بين كتاب الله وسنَّة رسوله، ولا اختلاف ولا تناقض بوجه من الوجوه، بل الكل من عند الله ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)﴾ [النساء: ٨٢] (٣).

стр. 461

فإن قيل: أصح حديث في الباب: حديث ابن عباس ﵄ وقد قال عباس الدوري (١): قال يحيى: حديث ابن عباس: "أنَّ النبي ﷺ قضى بشاهدٍ ويمين" ليس هذا محفوظًا (٢). قيل: هذا ليس بشيء، قال أبو عبد الله الحاكم: شيخنا أبو زكريا لم يطلق هذا القول على حديث سيف بن سليمان عن قيس بن سعد عن عمرو بن دينار عن ابن عباس وإنَّما أراد الحديث الخطأ الَّذي روي عن ابن أبي مليكة عن ابن عباس (٣)، أو الحديث الَّذي تفرَّد (٤) به إبراهيم بن محمد عن ابن أبي ذئب (٥)، وأمَّا حديث سيف بن سليمان فليس في إسناده من جرح، ولا نعلم له علَّة يعلل بها، وأبو زكريا

стр. 462

أعلم (١) بهذا الشأن من أن يظن به توهين (٢) حديث يرويه الثقات الأثبات (٣). قال علي بن المديني: سألت يحيى بن سعيد القطان عن سيف بن سليمان؟ فقال: كان عندنا ثبت ممن يحفظ عنه (٤) ويصدق (٥). وقال أبو بكر (٦) في "الشافي (٧) ": "باب قضاء القاضي بالشاهد واليمين": حدثنا عبد الله بن سليمان حدثنا إسماعيل بن أسد حدثنا شبابة حدثنا عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون عن جعفر بن محمد عن أبيه عن علي ﵁: "أن رسول الله ﷺ قضى بشهادة رجل واحد مع يمين صاحب الحق". وقضى به علي بالعراق. ثم ذكر من رواية حنبل: سمعت أبا عبد الله يقول - في الشاهد واليمين -: جائز الحكم به. فقيل لأبي عبد الله: إيش معنى اليمين؟ قال: قضى رسول الله ﷺ بشاهد ويمين (٨). قال أبو عبد الله: وهم

стр. 463

لعلهم يقضون في مواضع بغير شهادة شاهد، في مثل رجل اكترى من رجل دارًا، فوجد صاحب الدار في الدار شيئًا، فقال: هذا لي، وقال الساكن: هو لي. ومثل رجل اكترى من رجل دارًا فوجد فيها دفونًا، فقال الساكن: هي لي، وقال صاحب الدار: هي لي. فقيل: لمن تكون؟ فقال هذا كله لصاحب الدار (١). وقال أبو طالب: سئل أبو عبد الله عن شهادة الرجل ويمين صاحب الحق، فقال: هم يقولون: لا تجوز شهادة رجل واحد ويمين، وهم يجيزون (٢) شهادة المرأة الواحدة، ويجيزون الحكم بغير شهادة. قلت: مثل أيش؟ قال: مثل الخص إذا ادعاه رجلان يعطونه للذي القمط مما يليه. فمن قضى بهذا؟ وفي الحائط إذا ادعاه رجلان نظروا إلى اللبنة وإلى من هي، فقضوا به لأحدهما بلا بينة (٣). والزبل إذا كان في الدار، وقال صاحب الدار: أكريتك (٤) الدار، وليس فيها زبل، وقال الساكن: كان فيها، لزمه أخذها (٥) بلا بينة. والقابلة تقبل شهادتها في استهلال الصبي (٦). فهذا يدخل عليهم.

стр. 464

فصل و إذا قضى بالشاهد واليمين، فالحكم بالشاهد وحده، واليمين تقوية وتأكيدًا. هذا منصوص أحمد (١). فلو رجع الشاهد، كان الضمان كله عليه. قال الخلال في "الجامع": باب إذا قضى باليمين مع الشاهد، فرجع الشاهد ، ثم ذكر من رواية ابن مشيش (٢) قال: سئل أحمد عن الشاهد واليمين: تقول به؟ قال: إي لعمري. قيل له: فإن رجع الشاهد (٣)؟ قال: تكون الألف (٤) على الشاهد وحده. قيل: كيف لا تكون على الطالب؛ لأنه قد استحق بيمينه، ويكون بمنزلة الشاهدين؟ قال: لا، إنما هو السنة - يعني اليمين -.

стр. 465

وقال الأثرم: سمعت أبا عبد الله سئل عن رجل قضي عليه بشهادة شاهدين، فرجع أحد الشاهدين؟ قال: يلزمه (١)، ويرد (٢) الحكم. قيل له: فإن قضى بالشاهد ويمين المدعي، ثم رجع الشاهد؟ قال: إن أتلف الشيء كان على الشاهد؛ لأنه إنما ثبت ها هنا بشهادته، ليست اليمين من الشهادة في شيء (٣). وقال أبو الحارث: قلت لأحمد: فإن رجع الشاهد عن شهادته بعد؟ قال: يضمن المال كله، به كان الحكم (٤). وقال ابن مشيش: سألت أبا عبد الله، فقلت: إذا استحق الرجل المال بشهادة شاهد مع يمينه، ثم رجع الشاهد؟ فقال: إذا كانا شاهدين، ثم رجع شاهد: غرم نصف المال، فإن كانت شهادة شاهد مع يمين الطالب، ثم رجع الشاهد: غرم المال كله. قلت: المال كله؟ قال: نعم (٥).

стр. 466

وقال يعقوب بن بختان (١): سئل أحمد عن الرجل إذا استحق المال بشهادة شاهد مع يمينه، ثم رجع الشاهد؟ فقال: يرد المال (٢). قلت: إيش معنى اليمين؟ فقال: قضاء النبي ﷺ . وقال أحمد بن القاسم: قلت لأبي عبد الله: فإن رجع الشاهد عن الشهادة كم يغرم (٣)؟ قال: المال كله؛ لأنه شاهد وحده قضي بشهادته (٤)، ثم قال: كيف قول مالك فيها؟ قلت: لا أحفظه. قلت له - بعد هذا المجلس - إن مالكًا كان يقول: إن رجع الشاهد فعليه نصف الحق (٥)؛ لأني إنما حكمت بمقتضى شهادته (٦)، ويمين الطالب، فلم أره رجع عن قوله. ا. هـ. وقال الشافعي (٧) كقول مالك، وخرَّجه أبو

стр. 467

الخطاب (١) بناءً على أن اليمين قامت مقام الشاهد، فوقع الحكم بهما، وأحمد أنكر ذلك، ويؤيده وجوه: منها: أن الشاهد حجة الدعوى، فكان منفردًا بالضمان. ومنها: أن اليمين قول الخصم، وقوله ليس بحجة على خصمه، وإنما هو شرط للحكم، فجرى مجرى مطالبته للحاكم به (٢). ومنها: أنا لو جعلناها حجة (٣) لكنا إنما جعلناها حجة بشهادة الشاهد. ومنها: أنها (٤) لو كانت كالشاهد لجاز تقديمها على شهادته كالشاهد الآخر، مع أن في ذلك وجهين لنا وللشافعية (٥). قال القاضي (٦) في "التعليق": واحتج - يعني: المنازع في القضاء بالشاهد واليمين - بأنه لو كانت يمين المدعي كشاهد آخر لجاز له أن

стр. 468

يقدمها على الشاهد الذي عنده، كما لو كان عنده شاهدان جاز أن يقدم أيهما شاء (١). قال: والجواب (٢): أنا لا نقول (٣) إنها (٤) بمنزلة شاهد آخر، ولهذا يتعلق الضمان بالشاهد وإنما اعتبرناها احتياطًا. قال: فإن قيل: ما ذهبتم إليه يؤدي إلى أن يثبت الحق بشاهد واحد. قيل: هذا غير ممتنع، كما قاله المخالف في الهلال في الغيم (٥)، وفي القابلة (٦)، وهو ضرورة أيضًا؛ لأن المعاملات تكثر وتتكرر، فلا يتفق في كل وقت شاهدان (٧)، وقياسها على احتياط الحنفية بالحبس مع الشاهد للإعسار (٨) ويمين المدعي مع البينة على الغائب (٩).

стр. 469

قال: وأما جواز تقديم اليمين على الشاهد ، فقال: لا نعرف الرواية بمنع الجواز. قال: ويحتمل أن نقول بجواز أن يحلف أولًا، ثم تسمع الشهادة، وهو قول ابن أبي هريرة (١)، ويحتمل أنه لا يجوز تقدمة اليمين على الشاهد، وهو ظاهر كلام أحمد في رواية أبي الحارث (٢)، قال: إذا ثبت له شاهد واحد حلف وأعطي، فأثبت اليمين بعد ثبوت الشاهد؛ لأن اليمين تكون في جنبة أقوى المتداعيين، وإنما تقوى حينئذٍ بالشاهد، ولأن اليمين يجوز أن تترتب على ما لا تترتب عليه الشهادة، فيكون من شرط اليمين: تقدم شهادة الشاهد، ولا يعتبر هذا المعنى في الشاهدين.

стр. 470

فصل و المواضع التي يحكم فيها بالشاهد واليمين: المال، وما يقصد به (١)، كالبيع والشراء، وتوابعها من الخيار وتأجيل الثمن والرهن (٢) واشتراط صفة في المبيع، أو نقد غير نقد البلد، والإجارة، والجعالة (٣)، والمساقاة (٤)، والمزارعة (٥)، والمضاربة (٦)، والشركة (٧)،

стр. 471

والهبة (١). قال في "المحرر" (٢): والوصية (٣) لمعين، أو الوقف (٤) عليه. وهذا يدل على أن الوصية والوقف إذا كانتا (٥) لجهة عامة، كالفقراء والمساكين، أنه لا يكتفى فيهما بشاهد ويمين، لإمكان اليمين من المدعى عليه إذا كان معينًا. وأما (٦) الجهة المطلقة: فلا يمكن اليمين فيها (٧)، وإن حلف واحد منهم لم يسر حكم يمينه (٨) إلى غيره، وكذلك لو ادّعى جماعة أنهم ورثوا دينًا على رجل، وشهد بذلك شاهد واحد لم يستحقوا ذلك، حتى يحلفوا جميعهم، وإن حلف بعضهم استحق حقه، ولا يشاركه فيه غيره من الورثة، ومن لم يحلف لا يستحق شيئًا، فلو أمكن حلف

стр. 472

الجميع في الوصية والوقف - بأن يوصي أو يقف على فقراء محلة معينة يمكن حصرهم - ثبت الوقف والوصية بشاهد وأيمانهم، ولو انتقل الوقف من بعدهم: لم يمنع ذلك ثبوته (١) بشهادة المعينين أولًا، كما لو وقف على زيد وحده ثمَّ على الفقراء والمساكين بعده، ثبت الوقف بشهادته، وانتقل إلى من بعده بحكم الثبوت الأوَّل ضمنًا وتبعًا، وقد يثبت (٢) في الأحكام التبعية، ويغتفر فيها ما لا يغتفر في الأصل المقصود، وشواهده معروفة. و ممَّا يثبت بالشاهد واليمين: الغصوب، والعواري، والوديعة ، والصلح (٣) والإقرار (٤) بالمال، أو ما يوجب المال، والحوالة (٥)، والإبراء (٦)، والمطالبة بالشفعة (٧)، وإسقاطها، والقرض (٨)،

стр. 473

والصداق (١)، وعوض الخلع، ودعوى رق مجهول النسب، وتسمية المهر. فصل وفي الجنايات الموجبة للمالِ كالخطأ (٢)، وما لا قصاص فيه (٣) من جنايات العمد، كالهاشمة، والمنقلة (٤)، والمأمومة، والجائفة (٥)، وقتل المسلم الكافر، والحر العبدَ، والصبي، والمجنون، والعتق، والوكالة (٦) في المال، والإيصاء (٧) إليه، ودعوى قتل الكافر لاستحقاق سَلَبه، ودعوى الأسير إسلامًا سابقًا يمنع (٨) رقه، روايتان (٩): إحداهما: أنَّه يثبت بشاهدٍ ويمين، ورجل وامرأتين. والثانية: لا يثبت إلَّا برجلين.

стр. 474

ولا يشترط كون الحالف مسلمًا، بل تقبل يمينه مع كفره (١)، كما لو كان المدعى عليه، قال أبو الحارث: سُئِل أحمد عن الفاسق أو العبد إذا أقام شاهدًا واحدًا؟ قال: أحلفه وأعطيه (٢) دعواه، قلت له: فإن كان الشاهد عدلًا والمدعي (٣) غير عدل؟ قال: وإن كان (٤) المدعي غير عدل (٥)، أو كانت امرأة، أو يهوديًّا، أو نصرانيًّا، أو مجوسيًّا، إذا ثبتَ له شاهد واحد حلف، وأعطي ما ادعى (٦). و هل يشترط أن يحلف المدعي (٧) على صدق شاهده ، فيقول مع يمينه: وإن شاهدي صادق؟ الصحيح المشهور: أنَّه لا يشترط؛ لعدم الدليل الموجب لاشتراطه؛ ولأنَّ يمينه على الاستحقاق كافيةٌ عن يمينه على صدق شاهده، وشرطه بعض أصحاب أحمد (٨)

стр. 475

والشافعي (١)؛ لأنَّ البينة بينةٌ ضعيفة، ولهذا قويت بيمين المدعي، فيجب أن تقوى بحلفه على صدق الشاهد، وهذا القول يقوى في موضع ويضعف في موضع، فيقوى إذا ارتاب الحاكم، أو لم يكن الشاهد مبرزًا، ويضعف إذا لم يكن الأمرُ كذلك. فصل وقد حكى أبو محمد ابن حزم (٢) القول ب تحليف الشهود (٣) عن ابن وضاح (٤)، وقاضي الجماعة بقرطبة - وهو محمد بن بشر (٥) - أنَّه

стр. 476

حلف شهودًا في تركة بالله أن ما شهدوا به لحق (١)، قال: ورويَ عن ابن وضاح أنَّه قال: أرى لفساد النَّاس أن يحلف الحاكم الشهود (٢). وهذا ليس ببعيد، وقد شرِع الله تحليف الشاهدين إذا كانا من غير أهل الملَّة على الوصية في السفر (٣)، وكذلك قال ابن عباس بتحليف المرأة إذا شهدت في الرضاع (٤)، وهو إحدى الروايتين عن أحمد (٥)، قال القاضي (٦): لا يحلف الشاهد على أصلنا إلَّا في موضعين، وذكر هذين الموضعين (٧). قال شيخنا - قدَّس الله روحه -: هذان الموضعان (٨) قبل فيهما

стр. 477

الكافر والمرأة وحدها للضرورة، فقياسه: أنَّ كل من قبلت شهادته للضرورة استحلف (١). قلت: وإذا كان للحاكم أن يُفرِّق الشهود إذا ارتاب بهم، فأولى أن يحلفهم إذا ارتاب بهم. فصل و التحليف (٢) ثلاثة أقسام: تحليف المدعي (٣)، وتحليف المدعى عليه، وتحليف الشاهد. فأمَّا تحليف المدعي ففي صور: أحدها (٤): القسامة، وهي نوعان: قسامة في الدماء، وقد دلَّت عليها السنَّة الصحيحة الصريحة (٥)، وأنَّه يبدأ فيها بأيمان المدعين، ويحكم فيها بالقصاص، كمذهب مالك (٦)، وأحمد في إحدى الروايتين (٧)، والنزاع فيها مشهورٌ قديمًا وحديثًا.

стр. 478

والثانية: القسامة مع اللوث في الأموال ، وقد دلَّ عليها (١) القرآن، كما سنذكره (٢). وقد قال أصحاب مالك (٣): إذا أغار (٤) قومٌ على بيت رجلٍ وأخذوا ما فيه، والنَّاسُ ينظرون إليهم، ولم يشهدوا على معاينة ما أخذوا، ولكنَّهم (٥) علموا أنَّهم أغاروا وانتهبوا؛ فقال ابن القاسم وابن الماجشون: القولُ قول المنتهب (٦) مع يمينه؛ لأنَّ مالكًا قال (٧) في منتهب الصرة يختلفان في عددها: القولُ قول المنتهب (٨) مع يمينه (٩). وقال مطرف (١٠) وابن كنانة (١١) وابن

стр. 479

حبيب (١): القولُ قول المنتهب منه (٢) مع يمينه فيما يشبه (٣) ويحمل (٤) على الظالم (٥). قال مطرف: ومن أخذ من المغيرين ضمن ما أخذه رفاقه؛ لأنَّ بعضهم عون لبعض كالسرَّاق والمحاربين، ولو أخذوا جميعًا وهم أملياء، ضمن كل واحدٍ ما ينوبه، وقاله ابن الماجشون وأصبغ في الضمان (٦). قالوا: والمغيرون كالمحاربين إذا شهروا (٧) السلاح على وجه المكابرة (٨)، كان ذلك على تأمرة (٩) بينهم، أو على وجه الفساد، وكذلك والي البلد يغير على بعض أهل ولايته وينتهب ظلمًا مثل ذلك

стр. 480

في المغيرين. وقال ابن القاسم: ولو ثبت أنَّ رجلين غصبا عبدًا فمات، يلزم (١) أخذ قيمته من المليء، ويتبع المليء ذمة رفيقه المعدم بما ينوبه (٢). وأمَّا دلالة القرآن على ذلك فقال شيخنا ﵀ (٣) -: لمَّا ادعى ورثة السهمي (٤) الجام (٥) المفضض المخوص (٦)، وأنكر الوصيان الشاهدان أنَّه كان هناك جام، فلمَّا ظهر الجام المدعى، وذكر مشتريه (٧) أنَّه اشتراهُ من الوصيين: صار هذا لوثًا يقوي دعوى المدعين، فإذا حلف الأوليان بأن الجام كان لصاحبهم: صدقا في ذلك. وهذا لوث في الأموال، نظير اللوث في الدماء، لكن هناك ردت اليمين على المدعي، بعد أن حلف المدعى عليه، فصارت يمين المطلوب وجودها كعدمها، كما أنه في الدم لا يستحلف ابتداءً، وفي كلا الموضعين (٨) يعطى المدعي بدعواه مع يمينه، وإن كان المطلوب حالفًا، أو باذلًا للحلف.

стр. 481

وفي استحلاف الله للأوليين (١) دليل على مثل ذلك في الدم، حتى تصير يمين الأوليين مقابلة ليمين المطلوبين، وفي حديث ابن عباس: "حلفا أن الجام لصاحبهم" (٢). وفي حديث عكرمة (٣): "ادعيا أنهما اشترياه منه، فحلف الأوليان أنهما ما كتما وغيبا" (٤)، فكان في هذه الرواية أنه لما ظهر كذبهما بأنه لم يكن له جام ردت الأيمان على المدعين في جميع ما ادعوه (٥). فجنس هذا الباب: أن المطلوب إذا حلف، ثم ظهر كذبه: هل يقضى للمدعي بيمينه فيما يدعيه؛ لأن اليمين المشروعة في جانب الأقوى، فإذا ظهر صدق المدعي في البعض وكذب المطلوب: قوي جانب المدعي، فحلف كما يحلف (٦) مع (٧) الشاهد الواحد، وكما يحلف صاحب اليد العرفية مقدمًا (٨) على اليد الحسية؟ انتهى.

стр. 482

والحكم باللوث في الأموال أقوى منه في الدماء، فإن طرق ثبوتها أوسع من طرق ثبوت الدماء؛ فإنها تثبت بالشاهد واليمين (١)، والرجل والمرأتين، والنكول مع الرد، وبدونه، وغير ذلك من الطرق، وإذا حكمنا بالعمامة لمن هو مكشوف الرأس وأمامه رجل عليه عمامة وبيده أخرى وهو هارب، فإنما ذلك باللوث الظاهر القائم مقام الشاهدين، وأقوى منهما بكثير. واللوث علامة ظاهرة لصدق المدعي، وقد اعتبرها الشارع في اللقطة (٢)، وفي النسب (٣)، وفي استحقاق السلب إذا ادعى اثنان قتل الكافر، وكان أثر الدم في سيف أحدهما أدل منه في سيف الآخر (٤)، كما تقدم. وعلى هذا: إذا (٥) ادعى عليه سرقة ماله، فأنكر وحلف له، ثم ظهر معه المسروق: حلف المدعي، وكانت يمينه أولى من يمين المدعى عليه (٦)، وكان حكمه حكم دعوى استحقاق الدم في القسامة.

стр. 483

وعلى هذا، فلو طلب من الوالي أن يضربه ليحضر باقي المسروق فله ذلك (١)، كما عاقب النبي ﷺ حيي بن أخطب (٢)، حتى أحضر كنز ابن أبي الحقيق (٣) كما تقدم. والثانية: إذا ردت اليمين عليه (٤). و الثالثة: إذا شهد له شاهد واحد حلف معه واستحق ، كما تقدم. والرابعة: في مسألة تداعي الزوجين. والصانعين، فيحكم لكل واحد (٥) منهما بما يصلح له مع يمينه. و الخامسة: تحليفه مع شاهديه . وقد اختلف السلف في ذلك، فقال سريج بن يونس (٦) في "كتاب

стр. 484

القضاء" (١) له: حدثنا هشيم (٢) عن الشيباني (٣) عن الشعبي قال: كان شريح يستحلف الرجل مع بينته (٤). حدثنا هشيم عن مغيرة (٥) عن إبراهيم مثل ذلك (٦). حدثنا هشيم عن أشعث (٧) عن عون بن عبد الله (٨): أنه استحلف رجلًا مع بينته، فكأنه أبى أن يحلف، فقال: ما كنت لأقضي لك بما لا

стр. 485

تحلف عليه (١). وحكاه ابن المنذر عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة (٢) والشعبي (٣). قال أبو عبيد: إنما نرى شريحًا أوجب اليمين على الطالب مع بينته، حين رأى الناس مدخولين في معاملتهم، فاحتاط بذلك. حدثنا عبد الرحمن (٤) عن سفيان (٥) عن أبي هاشم (٦) عن أبي البختري (٧) قال: قيل لشريح: ما هذا الذي أحدثت في القضاء؟ قال: رأيت الناس أحدثوا فأحدثت (٨). وقال الأوزاعي والحسن بن حي: يستحلف الرجل مع بينته (٩).

стр. 486

وقال الطحاوي (١): وروى ابن أبي ليلى عن الحكم (٢) عن حنش (٣) "أن عليًّا استحلف عبيد الله بن الحسن (٤) مع بينته" (٥). وأنه استحلف رجلًا مع بينته، فأبى أن يحلف، فقال: "لا أقضي لك بما لا تحلف عليه" (٦). وهذا القول ليس ببعيد من قواعد الشرع، ولا سيما مع احتمال التهمة (٧).

стр. 487

ويخرج في مذهب أحمد وجهان (١): فإن أحمد سئل عنه فقال: قد فعله علي والصحابة ﵃ أجمعين، وفيما إذا سئل عن مسألة فقال: قال فيها بعض الصحابة كذا: وجهان ذكرهما ابن حامد (٢). قال الخلال في "الجامع": حدثنا محمد بن علي (٣) حدثنا مهنا قال: سألت أبا عبد الله عن الرجل يقيم الشهود، أيستقيم للحاكم أن يقول لصاحب الشهود: احلف؟ فقال: قد فعل ذلك علي. قلت: من ذكره؟ قال: حدثنا حفص (٤) بن غياث حدثنا ابن أبي ليلى عن الحكم (٥) عن حنش (٦) قال: استحلف عليٌّ عبيدَ الله بن

стр. 488

الحر (١) مع الشهود (٢). فقلت: يستقيم هذا؟ قال: قد فعله علي ﵁. وهذا القول يقوى مع وجود التهمة، وأما بدون التهمة فلا وجه له، وقد قال النبي ﷺ للمدعي: "شاهداك أو يمينه"، فقال: يا رسول الله، إنه فاجر لا يبالي ما حلف عليه، فقال: "ليس لك إلا ذلك" (٣). فصل وأما تحليف المدعى عليه فقد تقدم (٤)، وقد قال أبو حنيفة: إن اليمين لا تكون إلا من جانبه، وبنوا على ذلك إنكار الحكم بالشاهد واليمين (٥)، وإنكار القول برد اليمين (٦)، وأنه يبدأ في (٧) القسامة

стр. 489

بأيمان المدعى عليه (١). فصل وأما تحليف الشاهد فقد تقدم (٢). ومما يلتحق به: أنه لو ادعى عليه شهادة فأنكرها، فهل يحلف، وتصح الدعوى بذلك؟ فقال شيخنا (٣): لو قيل إنه تصح الدعوى بالشهادة لتوجه؛ لأن الشهادة سبب موجب للحق (٤)، فإذا ادعى على رجل أنه شاهد له بحقه، وسأل يمينه: كان له ذلك، فإذا نكل عن اليمين لزمه ما ادعى بشهادته، إن قيل: إن كتمان الشهادة موجب للضمان لما تلف، وما هو ببعيد، كما قلنا: يجب الضمان على من ترك الإطعام (٥) الواجب، فإن ترك الواجب إذا كان موجبًا للتلف، أوجب الضمان كفعل المحرم، إلا أنه يعارض هذا: أن هذا (٦) تهمة للشاهد، وهو يقدح في عدالته فلا يحصل المقصود، فكأنه يقول: لي

стр. 490

شاهد فاسق بكتمانه، إلا (١) أن هذا لا ينفي الضمان في نفس الأمر. وقد ذكر القاضي أبو يعلى في ضمن مسألة الشهادة على الشهادة في الحدود التي لله تعالى وللآدمي: أن الشهادة ليست حقًّا على الشاهد، بدلالة أن رجلًا لو قال: لي على فلان شهادة فجحدها فلان، أن الحاكم لا يعدى (٢) عليه ولا يحضره، ولو كانت حقًّا عليه لأحضره، كما يحضره في سائر الحقوق، وسلم القاضي ذلك، وقال: ليس إذا لم يجز الاستعداء والإغراء (٣)، أو لم (٤) تسمع الدعوى، لم تسمع الشهادة به، (٥) وكذلك أعاد ذكرها في مسألة شاهد الفرع على شاهد الأصل، وأن الشهادة ليست حقًّا على أحد، بدليل عدم الإعداء والإحضار (٦) إذا ادعى أن له قبل فلان شهادة (٧). وهذا الكلام ليس على إطلاقه، فإن الشهادة المتعينة حق على الشاهد، يجب عليه القيام بها، ويأثم بتركه، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ﴾ [البقرة: ٢٨٣]. وقال تعالى: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ [البقرة: ٢٨٢] وهل المراد به: إذا ما

стр. 491

دعوا للتحمل، أو للأداء؟ على قولين للسلف (١)، وهما روايتان عن أحمد (٢)، والصحيح: أن الآية تعمهما، فهي حق له، يأثم بتركه ويتعرض للفسق والوعيد، ولكن ليست حقًّا تصح الدعوى به والتحليف عليه؛ لأن ذلك يعود على مقصودها بالإبطال، فإنه مستلزم لاتهامه (٣) والقدح فيه بالكتمان. وقياس المذهب: أن الشاهد إذا كتم شهادته بالحق ضمنه؛ لأنه أمكنه تخليص حق صاحبه فلم يفعل، فلزمه الضمان، كما لو أمكنه تخليصه من هلكة فلم يفعل. وطرد هذا الحاكم إذا تبين له الحق فلم يحكم لصاحبه به، فإنه يضمنه؛ لأنه أتلفه عليه بترك الحكم الواجب عليه. فإن قيل: هذا ينتقض عليكم بمن رأى متاع غيره يحترق أو يغرق أو يسرق ويمكنه دفع أسباب تلفه، أو رأى شاته تموت ويمكنه ذبحها، فإنه لا يضمن في ذلك كله (٤). قيل: المنصوص عن عمر ﵁ وغيره: إنما هو فيمن

стр. 492

استسقى قومًا فلم يسقوه حتى مات، فألزمهم ديته (١)، وقاس عليه أصحابنا كل من أمكنه إنجاء إنسان من هلكة فلم يفعل (٢). وأما هذه الصورة التي نقضتم بها فلا ترد. والفرق بينها وبين الشاهد والحاكم: أنهما سببان للإتلاف (٣) بترك ما وجب عليهما من الشهادة والحكم، ومن تسبب إلى إتلاف مال غيره (٤) وجب عليه ضمانه، وفي هذه الصورة لم يكن من الممسك عن التخليص سبب يقتضي الإتلاف، والله أعلم.

стр. 493

فصل الطريق الثامن من طرق الحكم: الحكم بالرَّجل الواحد والمرأتين. قال اللهُ تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ [البقرة: ٢٨٢]. فإن قيل: فظاهر القرآن يدلُّ على أنَّ الشاهد والمرأتين بدل عن الشاهدين، وأنَّه لا يقضى بهما إلَّا عند عدم الشاهدين. قيل (١): القرآن لا يدلُّ على ذلك، فإنَّ هذا (٢) أمرٌ لأصحاب الحقوق بما يحفظون به حقوقهم، فهو سبحانه أرشدهم إلى أقوى الطرق، فإن لم يقدروا على أقواها انتقلوا إلى ما دونها، فإنَّ شهادة الرجل الواحد أقوى (٣) من شهادة (٤) المرأتين؛ لأنَّ النَّساء يتعذَّرُ غالبًا حضورهنَّ مجالس الحكام، وحفظهنَّ وضبطهنَّ دون حفظ الرَّجال وضبطهم، ولم يقل سبحانه: احكموا بشهادة رجلين، فإن لم يكونا رجلين (٥) فرجلٌ وامرأتان، وقد جعل المرأة على النصف من الرجل في عدة أحكام: أحدها: هذا، والثاني: في

стр. 494

الميراث (١)، والثالث: في الدِّية (٢)، والرَّابع: في العقيقة (٣)، والخامس: في العتق، كما في الصحيح عنه ﷺ أنَّه قال: "مَنْ أَعْتَقَ امْرءًا مُسْلِمًا أَعْتَقَ اللهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهُ عُضْوًا مِنَ النَّار" (٤) و"وَمَنْ أَعْتَقَ امْرَأتَيْنِ مُسْلِمَتَيْنِ أَعْتَقَ اللهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهُمَا عُضْوًا مِنْهُ مِنَ النَّارِ" (٥).

стр. 495

وقوله تعالى: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ [البقرة: ٢٨٢]، فيه دليلٌ على أنَّ الشاهد إذا نسِيَ شهادته فذكره بها غيره لم يرجِعِ إلى قوله حتى يذكرها وليس له أن يقلده، فإنَّه سبحانه قال: ﴿فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ ولم يقل: فتخبرها، وفيها قراءتان (١): التثقيل والتخفيف (٢)، والصحيح: أنَّهما بمعنى واحد من "الذِّكْرِ" وأبعد من قال: فيجعلها ذَكَرًا، لفظًا ومعنى (٣)، فإنَّه سبحانه جعل ذلك علَّة للضلال (٤) الَّذي هو ضد الذِّكر، فإذا ضلت أو نسيت ذكرتها الأخرى فذكرت، وقوله تعالى: ﴿أَنْ تَضِلَّ﴾ تقديره عند الكوفيين: لئلا تضل إحداهما، ويطردون ذلك في كلِّ ما جاء من هذا، كقوله تعالى: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦] ونحوه. ويرد عليهم نصب قوله: ﴿فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ [البقرة: ٢٨٢] إذ يكون تقديره: لئلا تضل، ولئلا تذكر، وقدَّره البصريون بمصدر
следующие страницы →