← Сияса и кади

Сияса и кади · id 18159

الطرق الحكمية في السياسة الشرعية - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (1 013 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

وقد تقدم (١) ذكر المواضع التي قبلت (٢) فيها البينات من النساء، وأنَّ "البينة" اسمٌ لما يبين الحق، وهو أعمُّ من أن يكون برجال أو نساء أو نكول أو يمين أو أمارات ظاهرة، والنبي ﷺ قد قبل شهادة المرأة في الرضاع (٣)، وقبلها الصحابة في مواضع قد ذكرناها، وقبلها التابعون (٤). وقولكم: "وتقبل في غير الأموال شهادة (٥) رجل وامرأتين" (٦). قُلنا: نعم، وذلك موجودٌ في عدة مواضع، كالنكاح، والرجعة، والطلاق، والنسب، والولاء، والإيصاء، والوكالة في النكاح وغيره على إحدى الروايتين (٧). قولكم: "شهادة المرأتين ضعيفة، فقويت بالرجل، واليمين ضعيفة، فيضم ضعيف إلى ضعيف، فلا يقبل". جوابه: أنَّا (٨) لا نُسلِّم ضعف شهادة المرأتين إذا اجتمعتا، ولهذا

стр. 527

نحكم (١) بشهادتهما إذا اجتمعتا (٢) مع الرجل وإن أمكنه أن يأتى برجلين (٣)، فالرجلُ والمرأتان أصلٌ لا بدل، والمرأة العدل كالرجل في الصدق والأمانة والدِّيانة، إلَّا أنَّها لما خيف عليها السهو والنسيان قُوِّيت (٤) بمثلها، وذلك قد يجعلها أقوى من الرجل الواحد أو مثله، ولا ريبَ أنَّ الظنَّ المستفاد من شهادة أم الدرداء وأم عطية أقوى من الظن المستفاد من (٥) رجلٍ واحدٍ دونهما ودون أمثالهما. وأمَّا قوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] ولم يذكر المرأتين دون الرجل (٦). فيقال: ولم يذكر الشاهد واليمين، ولا النكول، ولا الرد، ولا شهادة المرأة الواحدة، ولا المرأتين، ولا الأربع نسوة، وهو سبحانه لم يذكر ما يحكم به الحاكم، وإنَّما أرشدَ إلى ما يحفظ به الحق، وطرق الحكم أوسع من الطرق التي تحفظ بها الحقوق (٧).

стр. 528

فصل الطريق الحادي عشر: الحكمُ بشهادة امرأتين فقط من غير يمين . وذلك - على إحدى الروايتين عن أحمد (١) - في كلِّ ما لا يطلع عليه الرجال، كعيوب النساء تحت الثياب، والبكارة، والثيوبة، والولادة، والحيض، والرضاع، ونحوه، فإنَّه تقبل فيه امرأتان، نصَّ عليه أحمد في إحدى الروايتين، والثانية - وهي أشهر - أنَّه يثبت بشهادة امرأة واحدةٍ، والرجل فيه كالمرأة ولم يذكر ها هنا يمينًا (٢). وظاهر (٣) نص أحمد: أنَّه لا يفتقر إلى اليمين، وإنَّما ذكروا (٤) الروايتين في الرضاع إذا قبلنا فيه شهادة المرأة الواحدة (٥).

стр. 529

و الفرق بين هذا الباب وباب الشاهد واليمين - حيث اعتبرت (١) اليمين هناك - أنَّ المغلَّب (٢) في هذا الباب هو الإخبار عن الأمور الغائبة (٣) التي لا يطلع عليها الرجال، فاكتفى فيها (٤) بشهادة النساء، وفي باب الشاهد واليمين: الشهادة على أمورٍ ظاهرة يطلع (٥) عليها الرجال في الغالب، فإذا انفرد بها الشاهد الواحد احتيج إلى تقويته باليمين.

стр. 530

فصل الطريق الثاني عشر: الحكم بثلاثة رجال . وذلك فيما إذا ادَّعى الفقر من عُرِفَ غناه، فإنَّه لا يقبل منه إلَّا ثلاثة شهود، وهذا منصوص الإمام أحمد (١). وقال بعض أصحابنا: يكفي فيه شاهدان (٢). واحتج الإمام أحمد بحديث قبيصة بن مخارق قال: تحملت حمالة فأتيتُ النبي ﷺ أسأله، فقال: "يَا قَبيصَةُ أَقِمْ عندنا حَتَّى تَأْتِيْنَا الصَّدَقَةُ، فَنَأْمُر لَكَ بِهَا. ثمَّ قالَ: يَا قَبيصَةُ إنَّ المَسْأَلَةَ لَا تَحِلُّ إِلَّا لأَحَدِ ثَلَاثَةِ: رَجُلٌ تَحَمَّلَ حَمَالَةً، فَحَلَّت لَهُ المَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَهَا ثُمَّ يُمْسِكُ، وَرَجُلٌ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ، حَتَّى يَشْهَدَ لَهُ ثَلَاثَةٌ مِنْ ذَوِي الحِجَى مِنْ قَوْمِهِ: لَقَدْ أَصَابَتْ فُلَانًا فَاقَةٌ، فَحَلَّت لَهُ المَسْأَلَةُ، حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ - أَوْ قَالَ - (٣): سِدَدًا مِنْ عَيْشٍ" وذكر الحديث، رواه مسلم (٤). واختلف أصحابنا في نصِّ أحمد: هل هو عامٌ أو خاصٌّ؟ فقال

стр. 531

القاضي (١): إنَّما هذا في حِلِّ المسألة، كما دلَّ عليه الحديث، وأمَّا الإعسارُ، فيكفي فيه شاهدان (٢). وقال الشيخ أبو محمد (٣): وقد نُقل عن أحمد في الإعسار ما يدل على أنه لا يثبت إلا بثلاثة (٤). قلت: إذا كان في باب أخذ الزكاة وحل المسألة يعتبر العدد المذكور، ففي باب دعوى الإعسار المسقط لأداء الديون، ونفقة الأقارب والزوجات: أولى وأحرى؛ لتعلق حق العبد بماله، وفي باب المسألة وأخذ الصدقة: المقصود ألا يأخذ ما لا يحل له، فهناك اعتبرت البينة لئلا يمتنع (٥) من أداء الواجب، وهنا لئلا يأخذ المحرم، والله أعلم (٦).

стр. 532

فصل الطريق الثالث عشر: الحكم بأربعة رجال أحرار. وذلك في حد (١) الزنا واللواط، أما الزنا: فبالنص (٢) والإجماع (٣)، وأما اللواط: فقالت طائفة: هو مقيس عليه في نصاب الشهادة، كما هو مقيس عليه (٤) في الحد. وقالت طائفة: بل هو داخل في مسمى الزنا؛ لأنه وطء فرج محرم، وهذا لا تعرفه العرب، فقال هؤلاء: هو داخل في مسمى الزنا شرعًا. وقالوا: والأسماء الشرعية قد تكون أعم من اللغوية وتكون أخص (٥). وقالت طائفة: بل هو أولى بالحد من الزنا، فإنه وطء فرج لا يستباح بحال (٦)، والداعي إليه قوي، فهو أولى بوجوب الحد، فيكون نصابه نصاب حد الزنا.

стр. 533

وقياس قول من لا يرى فيه الحد - بل التعزيز - أن يكتفى فيه بشاهدين، كسائر المعاصي التي لا حد فيها، وصرحت به الحنفية (١) وهو مذهب أبي محمد ابن حزم (٢). وقياس قول من جعل حده القتل بكل حال - محصنًا كان أو بكرًا - أن (٣) يكتفى فيه بشاهدين، كالردة والمحاربة، وهو إحدى الروايتين عن أحمد (٤)، وأحد قولي الشافعي (٥)، ومذهب (٦) مالك (٧) ﵃، لكن صرحوا بأن حد اللواط لا يقبل فيه أقل من أربعة. ووجه ذلك: أن عقوبته عقوبة الزاني المحصن، وهو الرجم بكل حال.

стр. 534

وقد يحتج (١) على (٢) اشتراط نصاب الزنا في حد اللواط بقوله تعالى لقوم لوط: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (٥٤)﴾ [النمل: ٥٤] وقال في الزنا: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ [النساء: ١٥]. وبالجملة: فلا خلاف بين من أوجب عليه حد الزنا (٣) أو الرجم بكل حال أنه لا بد فيه من أربعة شهود أو إقرار (٤). وأما أبو حنيفة (٥) وابن حزم (٦): فاكتفيا فيه بشاهدين (٧)، بناءً على أصلهما. وأما الحكم بالإقرار بهما (٨)، فهل يكتفى فيه بشاهدين أو لا بد من أربعة: فيه قولان في مذهب مالك (٩) والشافعي (١٠)، وروايتان عن

стр. 535

أحمد (١)، فمن لم يشترط الأربعة (٢) قال: إقامة الحد إنما مستنده (٣) إلى الإقرار. فالشهادة عليه والإقرار يثبت بشاهدين، ومن اشترط الأربعة قال: الإقرار (٤) كالفعل، فكما أننا لا نكتفي في الشهادة على الفعل إلا بأربعة، فكذلك الشهادة على القول. يوضحه: أن كل واحد من الفعل والقول موجب للحد، فإذا كان الفعل الموجب لا يثبت إلا بأربعة، فالقول الموجب كذلك. قال أصحاب القول الآخر (٥): الفعل موجب بنفسه، والقول دال على الفعل الموجب، فبينهما مرتبة. قال أصحاب القول الآخر: لا تأثير لذلك (٦)، وإذا كنا لا نحده إلا بإقرار أربع مرات، فلا نحده إلا بشهادة أربعة (٧) على الإقرار.

стр. 536

فصل وأما إتيان البهيمة (١): فإن قلنا يوجب الحد، لم يثبت إلا بأربعة (٢). وإن قلنا: يوجب (٣) التعزيز - كقول أبي حنيفة (٤) والشافعي (٥) ومالك (٦) - ففيه وجهان: أحدهما: لا يقبل فيه إلا أربعة؛ لأنه فاحشة، وإيلاج فرج في فرج

стр. 537

محرم، فأشبه الزنا، وهذا اختيار القاضي (١). والثاني: يقبل فيه شاهدان؛ لأنه لا يوجب الحد، فيثبت بشاهدين كسائر الحقوق. قال الشيخ في "المغني" (٢): وعلى قياس هذا: كل زنا لا يوجب الحد، كوطء الأمة المشتركة وأمته المزوجة، وأشباه هذا. وأما الوطء المحرم لعارض (٣) - كوطء امرأته في الصيام، والإحرام والحيض - فإنه لا يوجب الحد، ويكفي فيه شاهدان، وكذلك وطؤها في دبرها. فصل وألحق الحسن البصري بالزنا - في اعتبار أربعة شهود - كل ما يوجب القتل (٤). وحُكي ذلك رواية عن أحمد (٥)، وهذا إن كان في القتل حدًّا فله وجه على ضعفه، وإن كان في القتل حدًّا أو قصاصًا فهو فاسد، وقياسه على الزنا ممتنع؛ لأن الله غلظ أمر البينة والإقرار في باب الفاحشة؛ سترًا لعباده، وشرع عقوبة من قذف

стр. 538

قذف غيره بها دون سائر ما يوجب الحد، وشرع فيها القتل على أغلظ الوجوه وأكرهها للنفوس، فلا يصح إلحاق غيرها بها. والله أعلم.

стр. 539

فصل الطريق الرابع عشر: الحكم بشهادة العبد والأمة في كل ما تقبل فيه شهادة الحر والحرة . هذا هو (١) الصحيح من (٢) مذهب أحمد (٣)، وعنه: تقبل في كل شيء إلا في الحدود والقصاص (٤)؛ لاختلاف العلماء في قبول شهادته (٥)، فلا ينتهض سببًا لإقامة الحدود التي مبناها على الاحتياط، والصحيح: الأول، وقد حُكي إجماعًا قديمًا، حكاه الإمام أحمد عن أنس بن مالك ﵁ أنه قال: "ما علمت أحدًا ردَّ شهادة العبد" (٦)، وهذا يدل على أن ردها إنما حدث بعد عصر الصحابة، واشتهر هذا القول لما ذهب إليه مالك (٧)

стр. 540

والشافعي (١) وأبو حنيفة (٢)، وصار لهم أتباع يفتون ويقضون بأقوالهم، فصار هذا القول عند الناس هو المعروف، ولما كان مشهورًا بالمدينة في زمن مالك، قال: "ما علمت أحدًا قبل شهادة العبد" (٣)، وأنس بن مالك يقول ضد ذلك. وقبول شهادة العبد هو موجب الكتاب والسنَّة، وأقوال الصحابة، وصريح القياس، وأصول الشرع، وليس مع من ردَّها كتاب ولا سنَّة (٤) ولا إجماع ولا قياس، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣] والوسط: العدلُ الخيار (٥)، ولا ريب في دخول العبد في هذا الخطاب (٦)، فهو

стр. 541

عدلٌ بنصِّ القرآن، فدخل تحت قوله: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢]. وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾ [النساء: ١٣٥]، وهو من الَّذين آمنوا قطعًا، فيكون من الشهداء كذلك. وقال تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، ولا ريبَ أنَّ العبدَ من رجالنا. وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (٧)﴾ [البينة: ٧]، فالعبدُ المؤمن الصالح من خير البرية (١)، فكيفَ ترد شهادته؟ وقد عدَّله الله ورسوله، كما في الحديث المعروف (٢) المرفوع: "يَحْمِلُ هَذَا العِلْم مِنْ كُلِّ خَلَفٍ عُدُوْلُهُ، يَنْفُوْنَ عَنْهُ تَحْرِيْفَ الغَالِيْنَ، وانْتِحَالَ المُبْطِلِيْنَ، وَتَأْوِيْلَ الجَاهِلِيْنَ" (٣)، والعبد يكون من حملة

стр. 542

العلم، فهو عدلٌ بنصِّ الكتاب والسنَّة. وأجمع النَّاسُ على أنَّه مقبول الشهادة على رسول الله ﷺ إذا روى عنه الحديث (١)، فكيف تقبل شهادته على رسول الله ﷺ ، ولا تقبل شهادته على واحدٍ من النَّاسِ؟ ولا يقال: باب الرواية أوسعُ من باب الشهادة، فيحتاط لها ما لا يحتاط للرواية (٢)، فهذا كلامٌ جرى على ألسن كثير من النَّاس، وهو عارٍ عن التحقيق والصواب، فإنَّ أولى ما ضُبِط (٣) واحتيط له الشهادةُ

стр. 543

على الرسول ﷺ والرواية عنه، فإنَّ الكذب عليه ليس كالكذب على غيره، وإنَّما رُدَّت الشهادة بالعداوة والقرابة والأنوثة (١) دون الرواية لتطرق التهمة إلى شهادة العدو وشهادة الولد، وخشية عدم ضبط المرأة وحفظها، وأمَّا العبدُ فما يتطرقُ إليه من ذلك يتطرق إلى الحرِّ سواء، ولا فرق بينه وبينه في ذلك ألبتة، فالمعنى الَّذي قبلت به روايته هو المعنى الَّذي تقبل به شهادته، وأمَّا المعنى الَّذي رُدَّت به شهادة العدو والقرابة والمرأة فليس موجودًا في العبد (٢). وأيضًا؛ فإنَّ المقتضي لقبول شهادة المسلم عدالته، وغلبة الظن بصدقه، وعدم تطرق التهمة إليه، وهذا بعينه موجود في العبد، فالمقتضي موجود والمانع مفقود، فإنَّ الرِّقَّ لا يصلح أن يكون مانعًا، فإنَّه لا يزيل مقتضى العدالة، ولا تطرق تهمة، كيف والعبد الَّذي يؤدي حقَّ الله وحقَّ سيده له أجران حيث يكون للحرِّ أجرٌ واحد (٣)، وهو أحد الثلاثة الَّذين هم أوَّل من يدخل الجنَّة (٤)، ولهذا قبل شهادته أصحاب

стр. 544

رسول الله ﷺ وهم القدوة. قال أبو بكر بن أبي شيبة (١): حدثنا حفص بن غياث عن أشعث عن الشعبي قال: قال شريح: "لا نجيز شهادة العبد"، فقال علي بن أبي طالب ﵁: "لكنَّا نجيزها"، فكان شريح بعد ذلك يجيزها (٢) إلَّا لسيده. وبه عن المختار بن فلفل قال: سألتُ أنس بن مالك عن شهادة العبد؟ فقال: "جائزة" (٣). وقال الثوري عن عمَّار الدهني (٤) قال: "شهدت شريحًا شهد عنده عبد على دار، فأجاز شهادته، فقيل: إنَّه عبد، فقال شريح: كلنا عبيد وإماء" (٥).

стр. 545

وروى أحمد عن ابن سيرين (١): أنَّه كان لا يرى بشهادة العبد بأسًا إذا كان عدلًا (٢). وقال عطاء: شهادة العبد والمرأة جائزة في النكاح والطلاق (٣). وقال الإمام أحمد: حدثنا عفان حدثنا حماد بن سلمة قال: سئل إياس بن معاوية عن شهادة العبد؟ فقال: أنا أرد شهادة عبد العزيز بن صهيب (٤)؟ يعني إنكارًا لردها (٥). وذكر الإمام أحمد عن أنس بن مالك ﵁ أنَّه قال: "ما علمت أحدًا ردَّ شهادة العبد" (٦). وقد اختلف النَّاس في ذلك، فردتها (٧) طائفة مطلقًا، وهذا قول مالك (٨)

стр. 546

والشَّافعي (١) وأبي حنيفة (٢)، وقبلتها طائفة مطلقًا حتَّى لسيده وهو قول أبي محمد ابن حزم (٣)، وقبلتها (٤) طائفة مطلقًا إلَّا لسيده (٥). قال سفيان الثوري عن إبراهيم النخعي عن الشعبي - في العبدِ - قال: "لا تجوز شهادته لسيده، وتجوز لغيره" (٦)، وهذا مذهب الإمام أحمد (٧).

стр. 547

وأجازتها طائفة في الشيء اليسير دون الكثير، وهذا قول إبراهيم النخعي (١)، وإحدى الروايتين عن شريح (٢) والشعبي (٣). والَّذين ردُّوها بكلِّ حالٍ منهم من قاس (٤) العبد على الكافر؛ لأنَّه منقوص بالرق (٥)، وذاك (٦) بالكفرِ، وهذا من أفسد القياس (٧) في العالم، وفساده معلوم بالضرورة من الدِّين. ومنهم من احتجَّ بقوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾ [النحل: ٧٥] والشهادة شيء، فهو غير قادر عليها (٨). قال أبو محمد ابن حزم (٩) في جواب ذلك: تحريف كلام الله عن مواضعه مهلك في الدنيا والآخرة، ولم يقل تعالى: إنَّ كلَّ عبدٍ لا يقدر على شيء، إنَّما ضربَ الله تعالى المثل بعبدٍ من عبيده هذه صفته، وقد توجد هذه الصفة في كثيرٍ من الأحرار، وبالمشاهدة نعرف كثيرًا من العبيد أقدر على الأشياء من كثيرٍ من الأحرار.

стр. 548

ونقول لهم: هل يلزم العبيد الصلاة والصيام والطهارة، ويحرم عليهم من المآكل والمشارب والفروج ما يحرم على الأحرار، أم لا يلزمهم ذلك؛ لكونهم لا يقدرون عندكم على شيءٍ ألبتة؟ (١)، قال: ومن نسب هذا إلى الله فقد كذب عليه جهارًا (٢). واحتج بعضهم (٣) بقوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ [البقرة: ٢٨٢]، فنهى الشهداء عن التخلف والإباء، ومنافع العبد لسيده، فله أن يتخلف ويأبى إلَّا خدمته. وهذا لا يدلُّ على عدم قبولها إذا أذن له سيده في تحملها وأدائها إذا لم يكن في ذلك تعطيل خدمة السيد. فأبعد النجعة من فهم رد شهادة العبيد العدول بذلك، فإن كان هذا مقتضى الآية كان مقتضى ذلك أيضًا ردَّ روايتهم. واحتج بعضهم بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ﴾ [المعارج: ٣٣]، والعبدُ ليس من أهلِ القيام على غيره، وهذا من جنس احتجاج بعضهم (٤) أنَّ الشهادة ولاية، والعبد ليس من أهل الولاية على غيره. وهذا في غاية الضعف؛ فإنَّه يقال لهم: ما تعنون بالولاية؟ أتريدون بها الشهادة، وكونه مقبول القول على المشهود عليه، أم كونه

стр. 549

حاكمًا عليه منفذًا فيه الحكم؟ فإن أردتم الأوَّل كان التقدير: إنَّ الشهادة شهادة والعبد ليس من أهل الشهادة، وهذا حاصل دليلكم، وإن أردتم الثاني (١) فمعلوم البطلان قطعًا، والشهادة لا تستلزمه. واحتج بعضهم (٢) بأنَّ الرِّق أثر من آثار الكفر، فمنع قبول الشهادة، كالفسق. وهذا في غاية البطلان، فإنَّ هذا لو صحَّ لمنع قبول روايته، وفتواه، والصلاة خلفه، وحصول الأجرين له. واحتجَّ بأنَّه يستغرق الزمان بخدمة سيده، فليس له وقت يملك فيه أداء الشهادة، ولا يملك عليه. وهذا أضعف ممَّا قبله؛ لأنَّه ينتقض بقبول روايته وفتواهُ، وينتقض بالحرَّة المزوجة، وينتقض بما لو أذن له سيده (٣)، وينتقض بالأجير الَّذي استغرقت ساعات يومه وليلته بعقد الإجارة، ويبطل بأنَّ أداء الشهادة (٤) لا يبطل حق السيد من (٥) خدمته (٦). واحتج بأنَّ العبد سلعةٌ من السلع، فكيف تشهد

стр. 550

السلع؟ (١). وهذا في غاية الغثاثة والسماجة، فإنَّه تقبل شهادة هذه السلعة، كما تقبل روايتها وفتواها، وتصح إمامتها، وتلزمها الصلاة والصوم والطهارة. واحتجَّ بأنَّه دنيء، والشهادة منصب عَليٌّ، فليس من أهلها. وهذا من ذلك (٢) الطراز، فإنَّه إن أريدَ بدناءته ما يقدح في دينه وعدالته، فليس كلامنا فيمن هو كذلك، ونافع وعكرمة أفضل (٣) وأجل وأشرف من أكثر الأحرار عند الله وعند النَّاس، وإن أريد بدناءته أنَّه مبتلى برق الغير فهذه البلوى لا تمنع قبول الشهادة، بل هي ممَّا يرفع الله بها درجة (٤) العبد، ويضاعف له بها الأجر. فهذه الحجج كما تراها من الضعف والوهن، وإذا قابلت بينها وبين حجج القائلين بشهادته (٥) لم يخف عليك الصواب، والله أعلم.

стр. 551

فصل الطريق الخامس عشر: الحكم بشهادة الصبيان المميزين . وهذا موضع اختلف فيه النَّاس، فردتها طائفة مطلقًا، وهذا قول الشافعي (١)، وأبي حنيفة. (٢)، وأحمد (٣) في إحدى الروايات (٤) عنه، وعنه رواية ثانية (٥): أنَّ شهادة الصبي المميز مقبولة إذا وجدت فيه بقية الشروط، وعنه رواية ثالثة (٦): أنَّها تقبل في جراح بعضهم بعضًا، إذا أدوها قبل تفرقهم، وهذا قول مالك (٧).

стр. 552

قال ابن حزم (١): صحَّ عن ابن الزبير أنَّه قال: "إذا حيز بهم عند المصيبة جازت شهادتهم"، قال ابن أبي مليكة: فأخذ القضاة بقول ابن الزبير (٢). وقال قتادة عن الحسن قال: قال علي بن أبي طالب ﵁: "شهادة الصبي على الصبي جائزة، وشهادة العبد على العبد جائزة" (٣). قال الحسن (٤): وقال معاوية: "شهادة الصبيان على الصبيان جائزة، ما لم يدخلوا البيوت فيعلموا" (٥). وعن علي مثله أيضًا (٦). وقال ابن أبي شيبة (٧): حدثنا وكيع، حدثنا عبد الله بن حبيب بن

стр. 553

أبي ثابت، عن الشعبي، عن مسروق: "أنَّ ستة غلمان ذهبوا يسبحون، فغرق أحدهم، فشهد ثلاثة على اثنين أنَّهما غرَّقاه، وشهد اثنان على ثلاثة أنَّهم غرَّقوه، فقضى علي بن أبي طالب ﵁ على الثلاثة بخمسي الدية، وعلى الاثنين بثلاثة أخماسها". وقال الثوري: عن فراس (١) عن الشعبي عن مسروق: "أنَّ ثلاثة غلمان شهدوا على أربعة، وشهد الأربعة على الثلاثة، فجعل مسروق على الأربعة ثلاثة أسباع الدية، وعلى الثلاثة أربعة (٢) أسباع الدية" (٣). قال أبو الزناد: "السنَّة أن يؤخذ في شهادة الصبيان بقولهم في الجراح مع أيمان المدعين" (٤). وأجاز عمر بن عبد العزيز ﵁ شهادة الصبيان بعضهم على بعض في الجراح المقاربة (٥)، فإذا بلغت النفوس قضى بشهادتهم مع أيمان الطالبين (٦).

стр. 554

وقال ربيعة (١): تقبل شهادة بعضهم على بعض ما لم يتفرقوا (٢). وقال شريح: تقبل شهادتهم إذا اتفقوا، ولا تقبل إذا اختلفوا (٣). وكذلك قال أبو بكر بن حزم (٤)، وسعيد بن المسيب (٥)، والزهري (٦). وقال وكيع عن ابن جريج عن ابن (٧) أبي مليكة: سألت ابن عباس وابن الزبير عن شهادة الصبيان؟ فقال ابن عباس: إنَّما قال الله: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] وليسوا ممَّن نرضى (٨). وقال ابن الزبير: "هم أحرى إذا سئلوا عمَّا رأوا أن يشهدوا". قال ابن أبي مليكة: ما رأيت القضاة أخذوا إلَّا بقول ابن الزبير (٩). قالت المالكية (١٠): قد ندب الشرع إلى تعليم الصبيان الرمي

стр. 555

والثقاف (١) والصراع وسائر ما يدربهم على حمل السلاح والضرب، والكر والفر، وتصليب (٢) أعضائهم وتقوية أقدامهم، وتعليمهم البطش، والحمية والأنفة من العار والفرار، ومعلوم أنَّهم في غالب أحوالهم يخلون بأنفسهم في ذلك، وقد يجني بعضهم على بعض، فلو لم نقبل قول بعضهم على بعض لأهدرت دماؤهم. وقد احتاط الشارع بحقن الدماء، حتَّى قبل فيها اللوث واليمين، وإن كان لم يقبل ذلك في درهم واحد، وعلى قبول شهادتهم تواطأت مذاهب السلف الصالح، فقال به علي بن أبي طالب (٣)، ومعاوية بن أبي سفيان (٤)، وعبد الله بن الزبير (٥)، ومن التابعين: سعيد بن المسيب (٦)، وعروة بن الزبير (٧)، وعمر بن عبد العزيز (٨)، والشعبي (٩)،

стр. 556

والنخعي (١)، وشريح (٢)، وابن أبي ليلى (٣)، وابن شهاب (٤)، وابن أبي مليكة (٥) ﵃ وقال: "ما أدركت القضاة إلَّا وهم يحكمون (٦) بقول ابن الزبير"، وأبو الزناد وقال: هي السنة (٧). قالوا (٨): وشرط قبول شهادتهم في ذلك كونهم يعقلون الشهادة، وأن يكونوا ذكورًا أحرارًا، محكومًا لهم بحكم الإسلام، اثنين فصاعدًا، متفقين غير مختلفين، ويكون ذلك قبل تفرقهم وتخبيرهم (٩)، ويكون ذلك لبعضهم على بعض، ويكون في القتل والجراح خاصَّة، ولا تقبل شهادتهم على كبير أنَّه قتل صغيرًا، ولا على صغير أنَّه قتل كبيرًا. قالوا: ولو شهدوا، ثمَّ رجعوا عن شهادتهم أخذ بالشهادة الأولى،

стр. 557

ولم يلتفت إلى ما رجعوا إليه (١). قالوا: ولا خلاف عندنا أنَّه لا يعتبر فيهم تعديل ولا تجريح (٢). قالوا: واختلف أصحابنا في العداوة والقرابة: هل تقدح (٣) في شهادتهم؟ على قولين (٤)، واختلفوا في جريان هذا الحكم في إناثهم، أم هو مختص بالذكور فلا تقبل فيه شهادة الإناث على قولين (٥).

стр. 558

فصل الطريق السادس عشر: الحكم بشهادة الفساق (١). وذلك في صور: إحداها: الفاسق باعتقاده، إذا كان متحفظًا في دينه، فإنَّ شهادته مقبولة وإن حكمنا بفسقه، كأهل البدع والأهواء الَّذين لا نكفرهم، كالرَّافضة والخوارج والمعتزلة ونحوهم، هذا منصوص الأئمة (٢). قال الشَّافعي: أقبل شهادة أهل الأهواء بعضهم على بعض، إلَّا الخطابية فإنَّهم يتدينون بالشهادة لموافقيهم على مخالفيهم (٣).

стр. 559

ولا ريبَ أنَّ شهادة من يُكَفِّر بالذنب ويعُدُّ (١) الكذب ذنبًا (٢) أولى بالقبول ممَّن ليس كذلك، ولم يزل السلف والخلف على قبول شهادة هؤلاء وروايتهم (٣). وإنَّما منع الأئمة - كأحمد بن حنبل (٤) وأمثاله - قبول رواية الدَّاعي المعلن ببدعته، وشهادته، والصلاة خلفه، هجرًا له وزجرًا، لينكف ضرر بدعته عن المسلمين، ففي قبول شهادته وروايته (٥) والصلاة خلفه واستقضائه وتنفيذ أحكامه رضى ببدعته وإقرار له عليها، وتعريض لقبولها منه. قال حرب: قال أحمد (٦): لا تجوز شهادة القدرية والرافضة وكل من دعا إلى بدعته وتخاصم (٧) عليها (٨). وكذلك كلُّ بدعةٍ.

стр. 560

وقال الميموني (١): قال أبو عبد الله في الرَّافضة (٢): لا تقبل شهادتهم ولا كرامة لهم (٣) وقال إسحاق بن منصور: قلت لأحمد: كان ابن أبي ليلى (٤) يجيز شهادة كل صاحب بدعة إذا كان فيهم (٥) عدلًا لا يستحل شهادة الزور، قال أحمد: ما تعجبني شهادة الجهمية والرَّافضة والقدرية والمعلنة (٦). وقال الميموني: سمعت أبا عبد الله يقول: من أخاف عليه الكفر - مثل الروافض والجهمية - لا تقبل شهادتهم ولا كرامة لهم (٧)، أنا أستتيبهم (٨).

стр. 561

وقال في رواية يعقوب بن بختان: إذا كان القاضي جهميًّا لا نشهد عنده (١). وقال أحمد بن الحسن الترمذي (٢): قدمت على أبي عبد الله، فقال: ما حال قاضيكم؟ لقد مُدَّ له (٣) في عمره، فقلت له: إنَّ للنَّاس عندي شهادات، فإذا صرت إلى البلاد لا آمن إن شهدت (٤) عنده أن يفضحني، قال: لا تشهد عنده، قلتُ: يسألني من له عندي شهادة، قال: لك ألَّا تشهد عنده. قلتُ: من كفر بمذهبه - كمن ينكر حدوث العالم، وحشر الأجساد، وعلم الرب تعالى بجميع الكائنات، وأنَّه فاعل بمشيئته وإرادته - فلا تقبل شهادته؛ لأنَّه على غير الإسلام، فأمَّا أهل البدع الموافقون (٥) على أصل (٦) الإسلام، ولكنَّهم مختلفون (٧) في بعض الأصول - كالرَّافضة والقدرية والجهمية وغلاة المرجئة ونحوهم - فهؤلاء أقسام (٨):

стр. 562

أحدها: الجاهل المقلِّد الَّذي لا بصيرة له، فهذا لا يكفر ولا يفسق، ولا ترد شهادته، إذا لم يكن قادرًا على تعلم الهدى، وحكمه حكم المستضعفين من الرَّجال والنساء والولدان الَّذين لا يستطيعون حيلةً ولا يهتدون سبيلًا، فأولئك عسى الله أن يعفوَ عنهم، وكان الله عفوًّا غفورًا. القسم الثاني: متمكن من السؤال وطلب الهداية، ومعرفة الحق، ولكن يترك ذلك اشتغالًا بدنياه ورياسته، ولذته ومعاشه وغير ٤ ذلك، فهذا مفرط مستحق للوعيد، آثمٌ بترك ما وجبَ عليه من تقوى الله بحسب استطاعته، فهذا حكمه حكم أمثاله من تاركي بعض الواجبات، فإن غلبَ ما فيه من البدعة والهوى على ما فيه من السنة والهدى ردت شهادته، وإن غلبَ ما فيه من السنَّة والهدى قبلت شهادته (١). القسم الثالث: أن يسأل ويطلب (٢)، ويتبين له الهدى، ويتركه تقليدًا وتعصبًا، أو بغضًا أو معاداة لأصحابه، فهذا أقل درجاته أن يكون فاسقًا، وتكفيره محل اجتهاد وتفصيل، فإن كان معلنًا داعية ردت شهادته وفتاويه وأحكامه، مع القدرة على ذلك، ولم تقبل له شهادة ولا فتوى ولا حكم إلَّا عند الضرورة، كحال غلبة هؤلاء واستيلائهم وكون القضاة والمفتين والشهود منهم، ففي ردِّ شهادتهم وأحكامهم إذ ذاك فسادٌ كثير، ولا يمكن ذلك، فتقبل للضرورة. وقد نصَّ مالك ﵀ على أنَّ شهادة أهل البدع - كالقدرية

стр. 563

والرَّافضة ونحوهم - لا تقبل، وإن صلوا صلاتنا، واستقبلوا قبلتنا (١). قال اللخمي (٢): وذلك لفسقهم، قال: ولو كان ذلك عن تأويل غلطوا فيه. فإن كان هذا (٣) ردهم لشهادة القدرية - وغلطهم إنَّما هو من تأويل القرآن، كالخوارج - فما الظن بالجهمية الَّذين أخرجهم كثير من السلف من الثنتين والسبعين فرقة؟ (٤). وعلى هذا، فإذا كان النَّاسُ فسَّاقًا كلهم إلَّا القليل النَّادر قبلت شهادة بعضهم على بعض، ويحكم بشهادة الأمثل من الفساق (٥) فالأمثل، هذا هو الصواب الَّذي عليه العمل (٦)، وإن أنكره كثيرٌ من الفقهاء بألسنتهم.

стр. 564

كما أنَّ العملَ على صحة ولاية الفاسق، ونفوذ أحكامه، وإن أنكروه بألسنتهم. وكذلك العمل على صحة (١) كون الفاسق وليًّا في النكاح ووصيًّا في المال (٢). والعجبُ ممَّن يسلبه (٣) ذلك ويرد الولاية إلى فاسقٍ مثله، أو أفسق منه؛ فإنَّ العدلَ الَّذي تنتقل إليه الولاية قد تعذر (٤) وجوده، وامتاز الفاسق القريب بشفقة القرابة، والوصيُّ باختيار الموصى له وإيثاره على غيره، ففاسقٌ عيَّنه الموصي أو امتاز بالقرابة أولى من فاسق ليس كذلك. على أنَّه إذا غلب على الظن صدق الفاسق قبلت شهادته وحكم بها، والله لم يأمر بردِّ خبر الفاسق، فلا يجوز رده مطلقًا، بل يتثبت فيه حتَّى يتبين، هل هو صادقٌ أو كاذب؟ فإن (٥) كان صادقًا قبل قوله وعمل به، وفسقه عليه، وإن كان كاذبًا رُدَّ خبره ولم يلتفت إليه. وخبر الفاسق وشهادته لرده مأخذان (٦):

стр. 565

أحدهما: عدم الوثوق به، إذ (١) تحمله قلَّة مبالاته بدينه، ونقصان وقار الله في قلبه على تعمد الكذب. الثاني: هجره على إعلانه بفسقه ومجاهرته به (٢)، فقبول شهادته إبطالٌ لهذا الغرضِ المطلوب شرعًا. فإذا علم صدق لهجة الفاسق، وأنَّه من أصدق النَّاس - وإن كان فسقه بغير الكذب - فلا وجه لردِّ شهادته (٣)، وقد استأجر النبي ﷺ هاديًا يدلُّه على طريق المدينة، وهو مشركٌ على دين قومه، ولكن لما وثق بقوله أمنه (٤)، ودفع إليه راحلته، وقبل دلالته (٥). وقد قال أصبغ بن الفرج: إذا شهد الفاسق عند الحاكم وجب عليه التوقف في القضية (٦)، وقد يحتج له بقوله تعالى: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦] وحرف المسألة: أنَّ مدارَ قبول الشهادة، وردها على غلبة ظن الصدق وعدمه.
следующие страницы →