← Сияса и кади

Сияса и кади · id 18159

الطرق الحكمية في السياسة الشرعية - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (1 013 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

وقال في رواية يعقوب بن بختان: إذا كان القاضي جهميًّا لا نشهد عنده (١). وقال أحمد بن الحسن الترمذي (٢): قدمت على أبي عبد الله، فقال: ما حال قاضيكم؟ لقد مُدَّ له (٣) في عمره، فقلت له: إنَّ للنَّاس عندي شهادات، فإذا صرت إلى البلاد لا آمن إن شهدت (٤) عنده أن يفضحني، قال: لا تشهد عنده، قلتُ: يسألني من له عندي شهادة، قال: لك ألَّا تشهد عنده. قلتُ: من كفر بمذهبه - كمن ينكر حدوث العالم، وحشر الأجساد، وعلم الرب تعالى بجميع الكائنات، وأنَّه فاعل بمشيئته وإرادته - فلا تقبل شهادته؛ لأنَّه على غير الإسلام، فأمَّا أهل البدع الموافقون (٥) على أصل (٦) الإسلام، ولكنَّهم مختلفون (٧) في بعض الأصول - كالرَّافضة والقدرية والجهمية وغلاة المرجئة ونحوهم - فهؤلاء أقسام (٨):

стр. 562

أحدها: الجاهل المقلِّد الَّذي لا بصيرة له، فهذا لا يكفر ولا يفسق، ولا ترد شهادته، إذا لم يكن قادرًا على تعلم الهدى، وحكمه حكم المستضعفين من الرَّجال والنساء والولدان الَّذين لا يستطيعون حيلةً ولا يهتدون سبيلًا، فأولئك عسى الله أن يعفوَ عنهم، وكان الله عفوًّا غفورًا. القسم الثاني: متمكن من السؤال وطلب الهداية، ومعرفة الحق، ولكن يترك ذلك اشتغالًا بدنياه ورياسته، ولذته ومعاشه وغير ٤ ذلك، فهذا مفرط مستحق للوعيد، آثمٌ بترك ما وجبَ عليه من تقوى الله بحسب استطاعته، فهذا حكمه حكم أمثاله من تاركي بعض الواجبات، فإن غلبَ ما فيه من البدعة والهوى على ما فيه من السنة والهدى ردت شهادته، وإن غلبَ ما فيه من السنَّة والهدى قبلت شهادته (١). القسم الثالث: أن يسأل ويطلب (٢)، ويتبين له الهدى، ويتركه تقليدًا وتعصبًا، أو بغضًا أو معاداة لأصحابه، فهذا أقل درجاته أن يكون فاسقًا، وتكفيره محل اجتهاد وتفصيل، فإن كان معلنًا داعية ردت شهادته وفتاويه وأحكامه، مع القدرة على ذلك، ولم تقبل له شهادة ولا فتوى ولا حكم إلَّا عند الضرورة، كحال غلبة هؤلاء واستيلائهم وكون القضاة والمفتين والشهود منهم، ففي ردِّ شهادتهم وأحكامهم إذ ذاك فسادٌ كثير، ولا يمكن ذلك، فتقبل للضرورة. وقد نصَّ مالك ﵀ على أنَّ شهادة أهل البدع - كالقدرية

стр. 563

والرَّافضة ونحوهم - لا تقبل، وإن صلوا صلاتنا، واستقبلوا قبلتنا (١). قال اللخمي (٢): وذلك لفسقهم، قال: ولو كان ذلك عن تأويل غلطوا فيه. فإن كان هذا (٣) ردهم لشهادة القدرية - وغلطهم إنَّما هو من تأويل القرآن، كالخوارج - فما الظن بالجهمية الَّذين أخرجهم كثير من السلف من الثنتين والسبعين فرقة؟ (٤). وعلى هذا، فإذا كان النَّاسُ فسَّاقًا كلهم إلَّا القليل النَّادر قبلت شهادة بعضهم على بعض، ويحكم بشهادة الأمثل من الفساق (٥) فالأمثل، هذا هو الصواب الَّذي عليه العمل (٦)، وإن أنكره كثيرٌ من الفقهاء بألسنتهم.

стр. 564

كما أنَّ العملَ على صحة ولاية الفاسق، ونفوذ أحكامه، وإن أنكروه بألسنتهم. وكذلك العمل على صحة (١) كون الفاسق وليًّا في النكاح ووصيًّا في المال (٢). والعجبُ ممَّن يسلبه (٣) ذلك ويرد الولاية إلى فاسقٍ مثله، أو أفسق منه؛ فإنَّ العدلَ الَّذي تنتقل إليه الولاية قد تعذر (٤) وجوده، وامتاز الفاسق القريب بشفقة القرابة، والوصيُّ باختيار الموصى له وإيثاره على غيره، ففاسقٌ عيَّنه الموصي أو امتاز بالقرابة أولى من فاسق ليس كذلك. على أنَّه إذا غلب على الظن صدق الفاسق قبلت شهادته وحكم بها، والله لم يأمر بردِّ خبر الفاسق، فلا يجوز رده مطلقًا، بل يتثبت فيه حتَّى يتبين، هل هو صادقٌ أو كاذب؟ فإن (٥) كان صادقًا قبل قوله وعمل به، وفسقه عليه، وإن كان كاذبًا رُدَّ خبره ولم يلتفت إليه. وخبر الفاسق وشهادته لرده مأخذان (٦):

стр. 565

أحدهما: عدم الوثوق به، إذ (١) تحمله قلَّة مبالاته بدينه، ونقصان وقار الله في قلبه على تعمد الكذب. الثاني: هجره على إعلانه بفسقه ومجاهرته به (٢)، فقبول شهادته إبطالٌ لهذا الغرضِ المطلوب شرعًا. فإذا علم صدق لهجة الفاسق، وأنَّه من أصدق النَّاس - وإن كان فسقه بغير الكذب - فلا وجه لردِّ شهادته (٣)، وقد استأجر النبي ﷺ هاديًا يدلُّه على طريق المدينة، وهو مشركٌ على دين قومه، ولكن لما وثق بقوله أمنه (٤)، ودفع إليه راحلته، وقبل دلالته (٥). وقد قال أصبغ بن الفرج: إذا شهد الفاسق عند الحاكم وجب عليه التوقف في القضية (٦)، وقد يحتج له بقوله تعالى: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦] وحرف المسألة: أنَّ مدارَ قبول الشهادة، وردها على غلبة ظن الصدق وعدمه.

стр. 566

والصواب المقطوع به أنَّ العدالة تتبعض، فيكون الرجل عدلًا في شيءٍ، فاسقًا في شيء، فإذا تبينَ للحاكم أنَّه عدلٌ فيما شهد به قبل شهادته ولم يضره فسقه في غيره (١)، ومن عرف شروط العدالة، وعرف ما عليه النَّاس تبين له الصواب (٢) في هذه المسألة، والله أعلم.

стр. 567

فصل الطريق السابع عشر: الحكم بشهادة الكافر . وهذه المسألة لها صورتان: إحداهما: شهادة الكفار بعضهم على بعض . والثانية: شهادتهم على المسلمين. فأمَّا المسألة الأولى فقد اختلف فيها النَّاس قديمًا وحديثًا، فقال حنبل: حدثنا قبيصة (١) حدثنا سفيان عن أبي حصين (٢) عن الشعبي قال: تجوز شهادة اليهودي على النصراني (٣). قال حنبل: وسمعت أبا عبد الله قال: تجوز شهادة بعضهم على بعض (٤)، فأمَّا على المسلمين فلا تجوز، وتجوز شهادة المسلم

стр. 568

عليهم (١). وقال في رواية أبي داود (٢) والمروذي (٣)، وحرب (٤)، والميموني (٥)، وأبي الحارث (٦)، وجعفر بن محمد (٧)، ويعقوب بن بختان (٨)، وأبي طالب (٩) - واحتج في روايته بقوله تعالى: ﴿فَأَغْرَيْنَا

стр. 569

بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ﴾ [المائدة: ١٤] - (١) وصالح (٢) ابنه، وأبي حامد (٣) الخفاف (٤)، وإسماعيل بن سعيد الشالنجي (٥)، وإسحاق بن منصور (٦)، ومهنا (٧) بن يحيى (٨)، فقال له مهنا: أرأيت أن عُدِّلُوا؟ قال: فمن يعدلهم؟ العلج منهم؟ وأفضلهم يشرب الخمر ويأكل الخنزير، فكيف يعدل؟ فنص (٩) في رواية هؤلاء أنَّه لا تجوز شهادة بعضهم على بعض، ولا على غيرهم ألبتة؛ لأنَّ الله قال: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] وليسوا ممَّن نرضاه. قال الخلال (١٠): فقد روى هؤلاء النفر - وهم قريبٌ من عشرين

стр. 570

نفسًا - كلهم عن أبي عبد الله خلاف ما قال حنبل. قال (١): نظرت في أصل حنبل: أخبرني عبد الله عن أبيه بمثل ما أخبرني عصمة (٢) عن حنبل، ولا شكَّ أنَّ حنبلًا توهم ذلك، لعله أراد أنَّ أبا عبد الله قال: لا تجوز، فغلط فقال: تجوز، وقد أخبرنا عبد الله عن أبيه بهذا الحديث، وقال عبد الله: قال أبي: لا تجوز، وقال أبي: حدثنا وكيع عن سفيان عن حصين (٣) عن الشعبي قال: تجوز (٤) شهادة بعضهم على بعض (٥)، قال عبد الله: قال أبي (٦): لا تجوز؛ لأنَّ الله تعالى قال: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وليسوا هم ممَّن نرضى، فصحَّ الخطأ ها هنا من حنبل. وقد اختلفوا على الشعبي (٧) أيضًا، وعلى سفيان (٨)، وعلى

стр. 571

وكيع (١)، في رواية هذا الحديث. وما قال أبو عبد الله فما اختُلِف عنه ألبتة إلَّا ما غلط حنبل بلا شك؛ لأنَّ أبا عبد الله مذهبه في (٢) أهل الكتاب لا يجيزها ألبتة، ويحتج بقوله تعالى: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] وأنَّهم ليسوا بعدول، وقد قال الله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢]، واحتج بأنَّه تكون بينهم أحكامٌ وأموال، فكيف يحكم بشهادة غير عدل؟ واحتج بقوله تعالى: ﴿وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ﴾ [المائدة: ٦٤]. وبالغ الخلال (٣) في إنكار رواية حنبل (٤)، ولم يثبتها رواية، وأثبتها غيره من أصحابنا (٥)، وجعلوا المسألة على روايتين. قالوا: وعلى رواية الجواز، فهل يعتبر اتحاد الملة (٦)؟ فيه

стр. 572

وجهان، ونصروا كلهم عدم الجواز إلَّا شيخنا، فإنَّه اختار الجواز (١). قال ابن حزم (٢): وصحَّ عن عمر بن عبد العزيز أنَّه أجازَ شهادة نصراني على مجوسي، أو مجوسي على نصراني (٣). وصحَّ عن حمَّاد بن أبي سليمان أنَّه قال: تجوز شهادة النصراني على اليهودي، وعلى النصراني، كلهم أهل شرك (٤). وصحَّ هذا أيضًا عن الشعبي (٥) وشريح (٦) وإبراهيم النخعي (٧). وذكر ابن أبي شيبة (٨) من طريق إبراهيم الصائغ (٩)، قال: سألت نافعًا - مولى ابن عمر - عن شهادة أهل الكتاب بعضهم على بعض؟

стр. 573

فقال: تجوز. وقال عبد الرزاق (١) عن معمر: سألت الزهري عن شهادة أهل الكتاب بعضهم على بعض؟ فقال: تجوز (٢). وهو قول سفيان الثوري (٣) ووكيع (٤) وأبي حنيفة وأصحابه (٥). وذكر أبو عبيد (٦) عن قتادة عن علي بن أبي طالب قال: تجوز شهادة النصراني على النصراني. وذكر أيضًا عن الزهري: تجوز شهادة النصراني على النصراني (٧) , واليهودي على اليهودي، ولا تجوز شهادة أحدهما على الآخر (٨).

стр. 574

وروى ابن أبي شيبة (١) عن ابن عيينة (٢) عن يونس (٣) عن الحسن قال: إذا اختلفت الملل لم تجز شهادة بعضهم على بعض. وكذلك قال عطاء: لا تجوز شهادة ملَّة على غير ملتها (٤) إلَّا المسلمين (٥). وهذه إحدى (٦) الروايات (٧) عن الشعبي (٨)، والثانية: الجواز (٩)، والثالثة: المنع (١٠).

стр. 575

وكذلك قال النخعي: لا تجوز شهادة ملَّة إلَّا (١) على ملتها، اليهودي على اليهودي، والنصراني على النصراني (٢). وقال مالك: تجوز شهادة الطبيب الكافر حتَّى على المسلم للحاجة (٣). قال القابلون لشهادتهم (٤): قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ [آل عمران: ٧٥]، فأخبر أنَّ منهم الأمين على مثل هذا القدر من المال، ولا ريبَ أن يكون مثل هذا أمينًا على قرابته ذوي مذهبه أولى. وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٣] , فأثبت لهم الولاية على بعضهم بعضًا، وهي أعلى رتبة من الشهادة، وغاية الشهادة أن تشبه بها، وإذا كان له أن يزوج ابنته وأخته، ويلي مال ولده، فقبول شهادته عليه أولى وأحرى (٥). قالوا: وقد حكمَ رسول الله ﷺ بشهادتهم في الحدود.

стр. 576

قال أبو خيثمة (١): حدثنا حفص بن غياث عن مجالد بن سعيد عن الشعبي عن جابر بن عبد الله ﵄: أنَّ اليهود جاءوا إلى رسول الله ﷺ برجلٍ منهم وامرأة زنيا، فقال لهم رسول الله ﷺ : ائتوني بأربعة منكم يشهدون" (٢). قالوا: ويكفي الحديث الَّذي في الصحيح (٣): مرَّ على رسول الله ﷺ بيهودي قد حمم (٤)، فقال: "ما شأن هذا؟ " فقالوا: زنى، فقال: "ما تجدون في كتابكم؟ " وذكر الحديث، فأقام الحد بقولهم، ولم يسأل اليهودي واليهودية، ولا طلب (٥) اعترافهما وإقرارهما، وذلك ظاهر في سياق القصة بجميع طرقها، ليس في شيءٍ منها ألبتة أنَّه

стр. 577

رجمهما بإقرارهما، ولما أقرَّ ماعز بن مالك (١) والغامدية (٢) اتفقت جميع طرق الحديثين على ذكر الإقرار. قالوا: وروى نافع عن ابن عمر في هذه القصة: أنَّه مرَّ على النبي ﷺ بيهودي محمم، فقال: "ما باله؟ " قالوا: زنى، قال: "ائتوني بأربعة منكم يشهدون عليه" (٣). قالوا: وقد أجازَ الله سبحانه شهادة الكفار على المسلمين في السفرِ في الوصية، للحاجة (٤)، ومعلوم أنَّ حاجتهم إلى قبول شهادة بعضهم على بعض أعظم بكثير من حاجة المسلمين إلى قبول شهادتهم عليهم، فإنَّ الكفار يتعاملون فيما بينهم بأنواع المعاملات من المداينات وعقود (٥) المعاوضات وغيرها، وتقع بينهم الجنايات وعدوان بعضهم على بعض، لا يحضرهم في الغالب مسلم، ويتحاكمون إلينا، فلو لم تقبل شهادة بعضهم على بعض لأدى ذلك إلى تظالمهم، وضياع حقوقهم، وفي ذلك فسادٌ كثير، فأين (٦) الحاجة إلى قبول شهادتهم

стр. 578

على المسلمين في السفر من الحاجة إلى قبول شهادة بعضهم على بعض (١) في السفر والحضر؟. قالوا: والكافر قد يكون عدلًا في دينه بين قومه، صادق اللهجة عندهم، فلا يمنعه كفره من قبول شهادته عليهم إذا ارتضوهُ، وقد رأينا كثيرًا من الكفار يصدق في حديثه، ويؤدي أمانته، بحيث يشار إليه في ذلك ويشتهر به بين قومه وبين المسلمين بحيث يسكن القلب إلى صدقه، وقبول خبره وشهادته ما لا يسكن (٢) إلى كثيرٍ من المنتسبين إلى الإسلام، وقد أباحَ الله سبحانه معاملتهم، وأكل طعامهم، وحل نسائهم (٣)، وذلك يستلزم (٤) الرجوع إلى أخبارهم قطعًا، فإذا جاز لنا الاعتماد على خبرهم فيما يتعلق بنا من الأعيان التي تحل وتحرم، فلأن (٥) نرجع إلى أخبارهم بالنسبة لما يتعلق بهم من ذلك أولى وأحرى. فإن قلتم: هذا للحاجة، قيل: وذلك أشد حاجة. قالوا (٦): وقد أمر الله بالحكم بينهم إما إيجابًا

стр. 579

وإما تخييرًا (١)، والحكم إمَّا بالإقرار وإمَّا بالبينة، ومعلومٌ أنَّه مع الإقرار لا يرتفعون (٢) إلينا، ولا يحتاجون إلى (٣) الحكم غالبًا، وإنَّما يحتاجون إلى الحكم (٤) عند التجاحد وإقامة البينة، وهم في الغالب لا تحضرهم البينة من المسلمين، ومعلومٌ أنَّ الحكم بينهم مقصوده العدل، وإيصال كل ذي حقٍّ منهم إلى حقِّه، فإذا غلب على الظن صدق مدعيهم بما يحضره من الشهود الَّذين يرتضونهم فيما بينهم، ولا سيما إذا كثروا (٥)، فالحكم بشهادتهم أقوى من الحكم بمجرد نكول ناكلهم أو يمينه، وهذا ظاهر جدًّا. قالوا (٦): وأمَّا قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] وقوله: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] وقوله: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، فهذا إنَّما هو في الحكم بين المسلمين، فإنَّ السياق كله في ذلك، فإنَّ الله قال:

стр. 580

﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ [النساء: ١٥]، وقال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ١ - ٢]، وكذلك قال في آية المداينة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ﴾ إلى قوله: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، فلا تعرُّض في شيءٍ من ذلك لحكم أهل الكتاب ألبتة. وأمَّا (١) قوله تعالى: ﴿وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [المائدة: ٦٤] فهذا إمَّا أن (٢) يراد به العداوة التي بين اليهود والنصارى، أو يراد به العداوة التي بين (٣) فرقهم وإن كانوا ملة واحدة (٤)، وهذا لا يمنع قبول شهادة بعضهم على بعض، فإنَّها عداوة دينية، فهي كالعداوة التي بين فرق هذه الأمة، وإلباسهم شيعًا، وإذاقة بعضهم بأس بعض. واحتجَّ الشافعي (٥) بأنَّ من كذب على الله فهو إلى أن يكذب على مثله أقرب، فيقال: وجميع أهل البدع قد كذبوا على الله ورسوله،

стр. 581

والخوارج من أصدق النَّاس لهجة، وقد كذبوا على اللهِ ورسوله، وكذلك القدرية والمعتزلة، وهم يظنون أنَّهم صادقون غير كاذبين، فهم متدينون بهذا الكذب، ويظنونه من أصدق الصدق. واحتجَّ المانعون أيضًا بأنَّ في قبول شهادتهم إكرامًا لهم، ورفعًا لمنزلتهم وقدرهم، ورذيلة الكفر تنفي ذلك. قال الآخرون: رذيلة الكفر لم تمنع قبول قولهم على المسلمين للحاجة بنص القرآن (١)، ولم تمنع ولاية بعضهم على بعض، وعرافة بعضهم على بعض، وكون بعضهم حاكمًا وقاضيًا عليهم، فلا نمنع أن يكون بعضهم شاهدًا على بعض، وليس في هذا تكريمٌ لهم، ولا رفع لأقدارهم، وإنَّما هو دفعُ شر (٢) بعضهم (٣) عن بعض، وإيصال حقوق أهل الحقوق منهم بقول من يرضونه (٤)، وهذا من تمام مصالحهم التي لا غنى لهم عنها. وممَّا يوضح ذلك، أنَّهم إذا رضوا بأن نحكم بينهم، ورضوا بقبول

стр. 582

قول بعضهم على بعض (١)، فألزمناهم بما رضوا به، لم يكن ذلك مخالفًا لحكم الله ورسوله، فإنَّه لا بُدَّ أن يكون الشاهد بينهم ممَّن يثقون (٢) به، فلو كان معروفًا بالكذب وشهادة الزور لم نقبله، ولم نلزمهم بشهادته. فصل فهذا حكم المسألة الأولى. وأمَّا المسألة الثانية - وهي قبول شهادتهم على المسلمين في السفر - فقد دلَّ عليه صريح القرآن (٣)، وعمل بها (٤) الصحابة (٥)، وذهب إليه فقهاء الحديث (٦).

стр. 583

قال صالح بن أحمد: قال أبي: لا تجوز شهادة أهل الذمة إلَّا في موضع في السفر الَّذي قال الله تعالى: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ [المائدة: ١٠٦] فأجازها أبو موسى الأشعري (١)، وقد روي عن ابن عباس ﵄: "أو آخران من غيركم من أهل الكتاب" (٢)، وهذا موضع ضرورة؛ لأنَّه في سفر، ولا يجد من يشهد من المسلمين، وإنَّما جاءت في هذا المعنى (٣). ا. هـ. وقال إسماعيل بن سعيد (٤) الشالنجي: سألت أحمد - فذكر هذا المعنى - قلتُ: فإن كان ذلك على وصية المسلمين هل تجوز شهادتهم؟ قال: نعم، إذا كان على الضرورة، قلتُ: أليس يقال: هذه الآية منسوخة؟ قال: من يقول (٥)؟ وأنكر ذلك، وقال: وهل يقول هذا إلَّا إبراهيم (٦)؟

стр. 584

وقال في رواية ابنه عبد الله وحنبل: تجوز شهادة النصراني واليهودي في الميراث، على ما أجازَ أبو موسى (١) في السفر، وأحلفه (٢). وقال في رواية أبي الحارث: لا تجوز شهادة اليهودي والنصراني في شيءٍ إلَّا في الوصية في السفر، إذا لم يكن يوجد غيرهم، قال الله تعالى: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٦]، فلا تجوز شهادتهم الَّا في هذا الموضع (٣). وهذا مذهب قاضي العلم والعدل: شريح (٤)، وقول سعيد بن المسيب (٥)، وحكاه أحمد (٦) عن ابن عباس (٧)، وأبي موسى الأشعري (٨) ﵃.

стр. 585

قال المروذي: حدثنا ابن نمير (١) قال: حدثني يعلى بن الحارث عن أبيه عن غيلان بن جامع عن (٢) إسماعيل بن أبي خالد (٣) عن عامر قال: شهد رجلان من أهل دقوقا (٤) على وصية مسلم، فاستحلفهما أبو موسى بعد العصر بالله (٥): ما اشترينا به ثمنًا قليلًا، ولا كتمنا شهادة الله إنَّا إذًا لمن الآثمين، ثمَّ قال: إنَّ هذه القضية ما قضي بها منذ (٦) مات رسول الله ﷺ إلى اليوم (٧).

стр. 586

وذكر محمد بن إسحاق عن أبي النضر (١) عن زاذان (٢) - مولى أم هانئ - عن ابن عباس عن تميم الدَّاري في قوله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ [المائدة: ١٠٦] قال: برئ (٣) النَّاسُ منها غيري وغير عدي بن بدَّاء (٤) - وكانا نصرانيين يختلفان إلى الشام - فأتيا الشام، وقدم بريل (٥) بن أبي مريم (٦) - مولى بني سهم (٧) - ومعه جام (٨) من فضة، هو أعظم تجارته، فمرض

стр. 587

فأوصى إليهما، قال تميم: فلمَّا مات أخذنا الجام، فبعناه بألف درهم (١)، ثمَّ اقتسمناه أنا وعدي بن بداء، فلمَّا قدمنا دفعنا ماله إلى أهله، فسألوا عن الجام؟ فقلنا: ما دفع إلينا غير هذا، فلمَّا أسلمت تأثمت من ذلك، فأتيت أهله فأخبرتهم الخبر، وأديت إليهم خمسمائة درهم، وأخبرتهم أنَّ عند صاحبي مثلها، فأتوا به النبي ﷺ فسألهم البينة فلم يجيبوا، فأحلفهم بما يعظم به على أهل دينهم، فأنزل الله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ [المائدة: ١٠٦] الآية، فحلف عمرو بن العاص وأخو سهم (٢)، فنزعت الخمسمائة درهم من عدي بن بداء" (٣). وروى يحيى بن أبي زائدة عن محمد بن القاسم (٤) عن

стр. 588

عبد الملك بن سعيد بن جبير عن أبيه عن ابن عباس قال: "كان تميم الدَّاري وعدي بن بداء يختلفان إلى مكة بالتجارة، فخرج معهم رجلٌ من بني سهم (١)، فتوفي بأرض ليس فيها مسلم فأوصى إليهما، فدفعا تركته إلى أهله، وحبسا جامًا من فضة مُخوَّصًا (٢) بالذهب، ففقده أولياؤه، فأتوا رسول الله ﷺ فحلفهما: ما كتمنا ولا أضعنا، ثمَّ عرف الجام بمكة، فقالوا: اشتريناه من تميم وعدي، فقام رجلان من أولياء السهمي فحلفا بالله: إن هذا لجام السهمي، ولشهادتنا أحقُّ من شهادتهما وما اعتدينا إنَّا إذًا لمن الظالمين، فأخذ الجام، وفيهما نزلت هذه الآية (٣). والقول بهذه الآية هو قول جمهور السلف (٤). قالت عائشة ﵂: "سورة المائدة آخر سورة نزلت، فما وجدتم فيها حلالًا فحللوه، وما وجدتم فيها (٥) حرامًا فحرِّموه" (٦).

стр. 589

وصحَّ عن ابن عباس ﵁ أنَّه قال في هذه الآية: "هذا لمن مات وعنده المسلمون، فأمرَ اللهُ أن يشهد في وصيته عدلين من المسلمين، ثمَّ قال تعالى: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ [المائدة: ١٠٦] فهذا لمن ماتَ وليس عنده أحد من المسلمين، فأمرَ اللهُ أن يشهد رجلين من غير المسلمين، فإن ارتيب بشهادتهما استحلفا بعد الصلاة بالله: لا نشتري بشهادتنا ثمنًا" (١)، وقد تقدم أنَّ أبا موسى حكم بذلك (٢). وقال سفيان الثوري: عن أبي إسحاق السَّبيعي عن عمرو بن شرحبيل قال: "لم ينسخ من سورة المائدة شيء" (٣). وقال وكيع عن شعبة عن قتادة عن سعيد بن المسيب: " ﴿مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ﴾ قال: من أهل الكتاب" (٤)، وفي رواية صحيحة عنه: "من غير

стр. 590

أهل ملتكم (١) ". وصحَّ عن عبيدة السلماني: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٦] قال: "من غير أهل الملَّة" (٢). وصحَّ عن شريح قال: "لا تجوز شهادة المشركين على المسلمين إلَّا في الوصية، ولا تجوز في وصية إلَّا أن يكون مسافرًا" (٣). وصح عن إبراهيم النخعي: ﴿مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٦] "من غير أهل ملتكم" (٤). وصح عن سعيد بن (٥) جبير: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ قال: "إذا كان في أرض الشرك، فأوصى إلى رجلين من أهل الكتاب، فإنهما يحلفان بعد العصر، فإن اطلع بعد حلفهما أنهما خانا، حلف أولياء الميت، أنه كان كذا وكذا، واستحقوا (٦) ".

стр. 591

وصح عن الشعبي: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ قال: "من اليهود والنصارى" (١). وصح ذلك عن مجاهد قال: "من غير أهل الملة" (٢). وصح عن يحيى بن يعمر (٣) مثله (٤). وصح عن ابن سيرين ذلك (٥). فهؤلاء أئمة المؤمنين: أبو موسى الأشعري، وابن عباس. وروي نحو ذلك عن علي ﵁ (٦)، ذكر ذلك أبو محمد ابن حزم (٧)، وذكره أبو يعلى (٨) عن ابن مسعود (٩)، ولا مخالف لهم من الصحابة. ومن التابعين: عمرو بن شرحبيل، وشريح، وعبيدة (١٠)،

стр. 592

والنخعي، والشعبي، والسعيدان (١)، وأبو مجلز (٢)، وابن سيرين، ويحيى بن يعمر، وتابعي التابعين: كسفيان الثوري (٣)، ويحيى بن حمزة (٤)، والأوزاعي (٥). وبعد هؤلاء: كأبي عبيد (٦)، وأحمد بن حنبل (٧)، وجمهور فقهاء أهل (٨) الحديث (٩)، وهو قول جميع أهل

стр. 593

الظاهر (١). وخالفهم آخرون (٢). ثم اختلفوا في تخريج الآية على ثلاث طرق (٣): أحدها: أن المراد بقوله: ﴿غَيْرِكُمْ﴾ أي من غير قبيلتكم (٤)، وروي ذلك عن الحسن (٥)، وروي عن الزهري (٦) أيضًا.

стр. 594

والثاني: أن الآية منسوخة، وهذا مروي عن زيد بن أسلم (١) وغيره (٢). والثالث: أن المراد بالشهادة فيها: أيمان الوصي بالله تعالى للورثة، لا الشهادة (٣) المعروفة (٤). قال القائلون (٥) بها: أما دعوى النسخ فباطلة (٦)، فإنه يتضمن أن حكمها باطل، لا يحل العمل به، وأنه ليس من الدين، وهذا ليس

стр. 595

بمقبول إلا بحجة صحيحة لا معارض لها، ولا يمكن أحد قط أن يأتي بنص صحيح صريح متأخر عن هذه الآية مخالف لها لا يمكن الجمع بينه وبينها، فإن وجد إلى ذلك سبيلًا صح النسخ، وإلا فما معه إلا مجرد الدعوى الباطلة، ثم قد قالت أعلم نساء (١) الصحابة بالقرآن (٢): إنه لا منسوخ في المائدة (٣)، وقاله غيرها أيضًا من السلف (٤)، وعمل بها أصحاب رسول الله ﷺ بعده (٥)، ولو جاز قبول دعوى النسخ بلا حجة لكان كل من احتج عليه بنص يقول: هو منسوخ، وكأن القائل لذلك لم يعلم أن معنى كون النص منسوخًا أن الله سبحانه حرم العمل به، وأبطل (٦) كونه من الدين والشرع، ودون هذا مفاوز تنقطع فيها الأعناق. قالوا (٧): وأما قول من قال: المراد بقوله: ﴿مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ أي من غير قبيلتكم، فلا يخفى بطلانه وفساده، فإنه ليس في أول الآية خطاب

стр. 596

لقبيلة دون قبيلة، بل هو خطاب عام لجميع المؤمنين، فلا يكون غير المؤمنين إلا من الكفار، هذا مما لا شك فيه، والذي قال من غير قبيلتكم (١): زلة عالم، غفل عن تدبر الآية (٢). وأما قول من قال: "إن المراد بالشهادة: أيمان الأوصياء للورثة" فباطل من وجوه (٣): أحدها: أنه سبحانه قال: ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ ولم يقل: أيمان بينكم. الثاني: أنه قال: ﴿اَثْنَانِ﴾ واليمين لا تختص بالاثنين. الثالث: أنه قال: ﴿ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ واليمين لا يشترط فيها ذلك. الرابع: أنه قال: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٦] واليمين لا يشترط فيها (٤) شيء من ذلك. الخامس: أنه قيد ذلك بالضرب في الأرض، وليس ذلك شرطًا في اليمين. السادس: أنه قال: ﴿وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ﴾ [المائدة: ١٠٦] وهذا لا يقال في اليمين (٥) في هذه

стр. 597

الأفعال (١)، بل هو نظير قوله: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣] السابع: أنه قال: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا﴾ [المائدة: ١٠٨] ولم يقل: بالأيمان. الثامن: أنه قال: ﴿أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ [المائدة: ١٠٨] فجعل الأيمان قسيمًا للشهادة، وهذا صريح في أنها غيرها. التاسع: أنه قال: ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا﴾ [المائدة: ١٠٧] فذكر اليمين والشهادة، ولو كانت اليمين على المدعى عليه لما احتاجا إلى ذلك، ولكفاهما القسم: أنهما ما خانا (٢). العاشر: أن الشاهدين يحلفان بالله ﴿وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ﴾ [المائدة: ١٠٦] ولو كان المراد بها اليمين، لكان المعنى: يحلفان بالله لا نكتم اليمين، وهذا لا معنى له ألبتة، فإن اليمين لا تكتم، فكيف يقال: احلف أنك لا تكتم حلفك؟ الحادي عشر: أن المتعارف من لفظ "الشهادة" في القرآن والسنة: إنما هو الشهادة المعروفة، كقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ [الطلاق: ٢]، وقوله: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] , وقوله: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢]، ونظائره.

стр. 598

فإن قيل: فقد سمَّى الله أيمان اللعان شهادة (١) في قوله: ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾ [النور: ٦]، وقال: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾ (٢) [النور: ٨]. قيل: إنَّما سمى أيمان الزوج شهادة؛ لأنَّها قائمةٌ مقام البينة، ولذلك ترجم المرأة إذا نكلت (٣)، وسمَّى أيمانها شهادة؛ لأنَّها في مقابلة شهادة الزوج. وأيضًا، فإنَّ هذه اليمين خُصَّت من بين الأيمان بلفظِ "الشهادة بالله" تأكيدًا لشأنها (٤)، وتعظيمًا لخطرها. الثاني عشر: أنَّه قال: ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ [المائدة: ١٠٦]، ومن المعلوم أنَّه لا يصح أن يكون أيمان بينكم إذا حضر أحدكم الموت (٥)، فإنَّ الموصي إنَّما يحتاج إلى الشاهدين، لا إلى اليمين. الثالث عشر: أنَّ حكم رسول الله ﷺ الَّذي حكم به (٦) - وحكم به الصحابة بعده (٧) - هو تفسير الآية قطعًا، وما عداه باطل، فيجب أن

стр. 599

يرغب عنه (١). وأمَّا ما ذكره بعض النَّاس: أنَّ ذلك مخالفٌ للأصول والقياس من وجوه (٢): أحدها: أنَّ ذلك يتضمن شهادة الكافر، ولا شهادة له (٣). الثاني: أنَّه يتضمن حبس الشاهدين، والشاهد لا يحبس. الثالث: أنَّه يتضمن تحليفهما، والشاهد لا يحلف (٤). الرَّابع: أنَّه يتضمن تحليف إحدى البينتين: أنَّ شهادتهما أحق من شهادة البينة الأُخرى. الخامس: أنَّه يتضمن شهادة المدعين لأنفسهم واستحقاقهم بمجرد أيمانهم. السَّادس: أنَّ أيمان هؤلاء المستحقين التي قدمت على شهادة الشاهدين لما ظهرت خيانتهما، إن كانت شهادة فكيف يشهدان لأنفسهما؟ وإن كانت أيمانًا فكيف يقضى بيمين المدعي بلا شاهد ولا رد؟

стр. 600

السَّابع: أنَّ هذا يتضمن القسامة في الأموال، والحكم بأيمان المدعين، ولا يعرف بهذا قائل. فهذا - وأمثاله - من الاعتراضات التي نعوذ بالله منها، ونسأله العافية، فإنَّها اعتراضات (١) على حكم الله وشرعه وكتابه. فالجواب عنها: بيان أنَّها مخالفة لنص الآية، معارضةٌ لها، فهي من الرَّأي الباطل الَّذي حذَّر منه سلف الأُمَّة (٢)، وقالوا: إنَّه يتضمن تحليل ما حرَّم الله، وتحريم ما أحلَّ اللهُ، وإسقاط ما فرض الله، ولهذا اتفقت أقوال السلف على ذمِّ هذا النوعِ من الرَّأي (٣)، وأنَّه لا يحل الأخذ به في دين اللهِ، ولا يلزم الجواب عن هذه الاعتراضات وأمثالها، ولكن نذكر الجواب بيانًا للحكمة، وأن الَّذي تضمنته الآية هو المصلحة، وهو أعدل ما يحكم به، وخير من كلِّ حكمٍ سواه ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)﴾ [المائدة: ٥٠]. وهذا المسلكُ الباطل يسلكه من يخالف حديث رسول الله ﷺ أيضًا، فإذا جاءهم حديث خلاف قولهم، قالوا: هذا يخالف الأصول فلا يقبل. والمحكمون لكتاب الله وسنَّة رسوله (٤) يرون هذه الآراء وأمثالها
следующие страницы →