← Сияса и кади

Сияса и кади · id 18159

الطرق الحكمية في السياسة الشرعية - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (1 013 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

لقبيلة دون قبيلة، بل هو خطاب عام لجميع المؤمنين، فلا يكون غير المؤمنين إلا من الكفار، هذا مما لا شك فيه، والذي قال من غير قبيلتكم (١): زلة عالم، غفل عن تدبر الآية (٢). وأما قول من قال: "إن المراد بالشهادة: أيمان الأوصياء للورثة" فباطل من وجوه (٣): أحدها: أنه سبحانه قال: ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ ولم يقل: أيمان بينكم. الثاني: أنه قال: ﴿اَثْنَانِ﴾ واليمين لا تختص بالاثنين. الثالث: أنه قال: ﴿ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ واليمين لا يشترط فيها ذلك. الرابع: أنه قال: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٦] واليمين لا يشترط فيها (٤) شيء من ذلك. الخامس: أنه قيد ذلك بالضرب في الأرض، وليس ذلك شرطًا في اليمين. السادس: أنه قال: ﴿وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ﴾ [المائدة: ١٠٦] وهذا لا يقال في اليمين (٥) في هذه

стр. 597

الأفعال (١)، بل هو نظير قوله: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣] السابع: أنه قال: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا﴾ [المائدة: ١٠٨] ولم يقل: بالأيمان. الثامن: أنه قال: ﴿أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ [المائدة: ١٠٨] فجعل الأيمان قسيمًا للشهادة، وهذا صريح في أنها غيرها. التاسع: أنه قال: ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا﴾ [المائدة: ١٠٧] فذكر اليمين والشهادة، ولو كانت اليمين على المدعى عليه لما احتاجا إلى ذلك، ولكفاهما القسم: أنهما ما خانا (٢). العاشر: أن الشاهدين يحلفان بالله ﴿وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ﴾ [المائدة: ١٠٦] ولو كان المراد بها اليمين، لكان المعنى: يحلفان بالله لا نكتم اليمين، وهذا لا معنى له ألبتة، فإن اليمين لا تكتم، فكيف يقال: احلف أنك لا تكتم حلفك؟ الحادي عشر: أن المتعارف من لفظ "الشهادة" في القرآن والسنة: إنما هو الشهادة المعروفة، كقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ [الطلاق: ٢]، وقوله: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] , وقوله: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢]، ونظائره.

стр. 598

فإن قيل: فقد سمَّى الله أيمان اللعان شهادة (١) في قوله: ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾ [النور: ٦]، وقال: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾ (٢) [النور: ٨]. قيل: إنَّما سمى أيمان الزوج شهادة؛ لأنَّها قائمةٌ مقام البينة، ولذلك ترجم المرأة إذا نكلت (٣)، وسمَّى أيمانها شهادة؛ لأنَّها في مقابلة شهادة الزوج. وأيضًا، فإنَّ هذه اليمين خُصَّت من بين الأيمان بلفظِ "الشهادة بالله" تأكيدًا لشأنها (٤)، وتعظيمًا لخطرها. الثاني عشر: أنَّه قال: ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ [المائدة: ١٠٦]، ومن المعلوم أنَّه لا يصح أن يكون أيمان بينكم إذا حضر أحدكم الموت (٥)، فإنَّ الموصي إنَّما يحتاج إلى الشاهدين، لا إلى اليمين. الثالث عشر: أنَّ حكم رسول الله ﷺ الَّذي حكم به (٦) - وحكم به الصحابة بعده (٧) - هو تفسير الآية قطعًا، وما عداه باطل، فيجب أن

стр. 599

يرغب عنه (١). وأمَّا ما ذكره بعض النَّاس: أنَّ ذلك مخالفٌ للأصول والقياس من وجوه (٢): أحدها: أنَّ ذلك يتضمن شهادة الكافر، ولا شهادة له (٣). الثاني: أنَّه يتضمن حبس الشاهدين، والشاهد لا يحبس. الثالث: أنَّه يتضمن تحليفهما، والشاهد لا يحلف (٤). الرَّابع: أنَّه يتضمن تحليف إحدى البينتين: أنَّ شهادتهما أحق من شهادة البينة الأُخرى. الخامس: أنَّه يتضمن شهادة المدعين لأنفسهم واستحقاقهم بمجرد أيمانهم. السَّادس: أنَّ أيمان هؤلاء المستحقين التي قدمت على شهادة الشاهدين لما ظهرت خيانتهما، إن كانت شهادة فكيف يشهدان لأنفسهما؟ وإن كانت أيمانًا فكيف يقضى بيمين المدعي بلا شاهد ولا رد؟

стр. 600

السَّابع: أنَّ هذا يتضمن القسامة في الأموال، والحكم بأيمان المدعين، ولا يعرف بهذا قائل. فهذا - وأمثاله - من الاعتراضات التي نعوذ بالله منها، ونسأله العافية، فإنَّها اعتراضات (١) على حكم الله وشرعه وكتابه. فالجواب عنها: بيان أنَّها مخالفة لنص الآية، معارضةٌ لها، فهي من الرَّأي الباطل الَّذي حذَّر منه سلف الأُمَّة (٢)، وقالوا: إنَّه يتضمن تحليل ما حرَّم الله، وتحريم ما أحلَّ اللهُ، وإسقاط ما فرض الله، ولهذا اتفقت أقوال السلف على ذمِّ هذا النوعِ من الرَّأي (٣)، وأنَّه لا يحل الأخذ به في دين اللهِ، ولا يلزم الجواب عن هذه الاعتراضات وأمثالها، ولكن نذكر الجواب بيانًا للحكمة، وأن الَّذي تضمنته الآية هو المصلحة، وهو أعدل ما يحكم به، وخير من كلِّ حكمٍ سواه ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)﴾ [المائدة: ٥٠]. وهذا المسلكُ الباطل يسلكه من يخالف حديث رسول الله ﷺ أيضًا، فإذا جاءهم حديث خلاف قولهم، قالوا: هذا يخالف الأصول فلا يقبل. والمحكمون لكتاب الله وسنَّة رسوله (٤) يرون هذه الآراء وأمثالها

стр. 601

من أبطل الباطل؛ لمخالفتها للأصول التي هي من كتاب الله وسنَّة رسوله ﷺ ، فهذه الآراء هي المخالفة للأصول حتمًا (١)، فهي باطلة قطعًا، على أنَّ هذا الحكم أصلٌ بنفسه، مستغن عن نظير يلحق به. ونحن نجيبكم عن هذه الوجوه أجوبة مفصلة: أمَّا قولكم: إنَّها تتضمن شهادة الكافر، ولا شهادة له. قلنا (٢): كيف يقول هذا أصحاب أبي حنيفة، وهم يجيزون شهادة الكفار في كلِّ شيء بعضهم على بعض؟ (٣). أم كيف يقوله أصحاب مالك، وهم يجيزون شهادة (٤) طبيبين كافرين حيث لا يوجد طبيبٌ مسلم (٥)، وليس ذلك في القرآن، فهلَّا أجازوا شهادة (٦) كافرين في الوصية في السَّفر، حيث لا يوجد (٧) مسلم، وهو في القرآن (٨)، وقد حكمَ به رسول الله

стр. 602

- ﷺ (١) وأصحابه من بعده (٢)؟ أم كيف يقوله أصحاب الشافعي، وهم يرون (٣) نص الشافعي صريحًا: "إذا صحَّ الحديث عن رسول الله ﷺ فخذوا به، ودعوا قولي" (٤)، وفي لفظٍ له: "فأنا أذهب إليه"، وفي لفظٍ: "فاضربوا بقولي الحائط" (٥). وقد صحَّ الحديث بذلك عن رسول الله ﷺ وجاء به نص كتاب الله، وعمل به الصحابة (٦). قولكم: "الشاهدان لا يحبسان" كلام من لم يفهم كتاب الله (٧)، فليس المراد هنا (٨): السجن الَّذي يعاقب به أهل الجرائم، وإنَّما المراد

стр. 603

به إمساكهما لليمين بعد الصلاة (١)، كما يقال: فلان (٢) يُصبَرُ لليمين، أي يمسك لها، وفي الحديث: "ولا تُصْبَرْ يمينُه حَيْثُ تُصْبَرُ الأيمان" (٣). قولكم: يتضمن تحليف الشاهدين، والشاهد لا يحلف. فمن أين لكم أن مثل هذا الشاهد الَّذي شهادته بدل عن شهادة المسلم للضرورة لا يحلف؟ فأي كتاب، أم أية (٤) سنَّة جاءت بذلك؟ وقد حلَّف ابن عباس المرأة التي شهدت بالرضاع (٥)، وذهب إليه الإمام أحمد في إحدى الروايتين عنه (٦)، وقد تقدم الكلام في تحليف الشهود المسلمين إذا ارتاب بهم الحاكم، ومن ذهب إليه من السلف وقضاة العدل (٧). وقولكم: "فيه شهادة المدعين لأنفسهم، والحكم لهم بمجرد دعواهم" ليس بصحيح؛ فإنَّ الله سبحانه جعل (٨) الأيمان لهم (٩) عند

стр. 604

ظهور اللوث بخيانة الوصيين، فشرع لهما أن يحلفا ويستحقا، كما شرع لمدعي الدم في القسامة أن يحلفوا ويستحقوا دم وليهم؛ لظهور اللوث، فكانت اليمين في جنبتهم (١) لقوتها بظهور اللوث في الموضعين، وليس هذا من باب (٢) شهادة المدعي لنفسه، بل من باب الحكم له بيمينه القائمة مقام الشهادة (٣)، لقوة جانبه، كما حكمَ ﷺ للمدعي بيمينه (٤) لما قوي جانبه بالشاهد الواحد، فقوَّة (٥) جانب هؤلاءِ بظهور خيانة الوصيين كقوة جانب المدعي بالشَّاهد، وقوة جانبه بنكول خصمه، وقوة جانبه باللوث (٦)، وقوة جانبه بشهادة العرف في تداعي الزوجين المتاع، وغير ذلك. فهذا محضُ العدل، ومقتضى أصول الشرع، وموجب القياس الصحيح. وقولكم: إنَّ هذا يتضمن القسامة في الأموال. قلنا (٧): نعم لعمر الله، وهي أولى بالقبول من القسامة في الدماء، ولا سيما مع ظهور اللوث، وأي فرقٍ بين ظهور اللوث في صحة

стр. 605

الدعوى بالدم، وظهوره في صحة الدعوى بالمال؟ وهل في القياس أصح من هذا؟ وقد ذكر أصحاب مالك القسامة في الأموال (١)، وذلك فيما إذا أغار (٢) قومٌ على بيت رجلٍ وأخذوا ما فيه، والناس ينظرون إليهم، ولم يشهدوا على معاينة ما أخذوه، ولكن علم أنَّهم أغاروا وانتهبوا، فقال ابن القاسم وابن الماجشون: القول قول المنتهب مع يمينه (٣)، وقال مطرف وابن كنانة وابن حبيب: القولُ قول المنهوب منه مع يمينه فيما يشبه (٤)، وقد تقدم ذلك (٥)، وذكرنا أنَّه اختيار شيخ الإسلام، وحكينا كلامه ﵀. ولا يستريب عالمٌ أنَّ اعتبار اللوث في الأموال التي تباحُ بالبدل أولى منه في الدماء التي لا تباح به. فإن قيل: فالدماء يحتاط لها. قيل: نعم، وهذا الاحتياط لم يمنع القول بالقسامة فيها، وإن استحق بها دم المقسم عليه. ثمَّ إنَّ الموجبين للدية في القسامة (٦) حقيقة قولهم: إنَّ القسامة

стр. 606

على المالِ والقتلِ طريق لوجوبه، فهكذا القسامة ها هنا على مال (١)، كالدية سواء، فهذا من أصح القياس في الدنيا (٢) وأبينه. فظهرَ أنَّ القولَ بموجب هذه الآية هو الحق الذي لا مَعْدلَ (٣) عنه نصًّا وقياسًا ومصلحة، وبالله التوفيق. فصل قال شيخنا ﵀ (٤): وقول الإمام أحمد في قبول شهادتهم في هذا الموضع: "هو ضرورة" (٥) يقتضي هذا التعليل قبولها في كلِّ ضرورة حضرًا وسفرًا (٦). وعلى هذا، فشهادة بعضهم على بعضٍ مقبولة للضرورة (٧).

стр. 607

فلو قيل: يحلفون في (١) شهادة بعضهم على بعض، كما يحلفون في شهادتهم على المسلمين في وصية السفر، لكان متوجهًا، ولو قيل: تقبل شهادتهم مع أيمانهم في كلَّ شيءٍ عدم فيه المسلمون؛ لكان له وجه، وتكون (٢) بدلًا مطلقًا (٣). قال الشيخ (٤): ويؤيد هذا ما ذكره القاضي (٥) وغيره - محتجًّا به - وهو في النَّاسخ والمنسوخ لأبي عبيد (٦): أنَّ رجلًا من المسلمين خرجَ، فمرَّ بقرية فمرض، ومعه رجلان من المسلمين، فدفع إليهما ماله، ثمَّ قال: ادعوا لي من أشهده على ما قبضتماه، فلم يجدوا من المسلمين في تلك القرية، فدعوا ناسًا من اليهود والنصارى، فأشهدهم على ما دفع إليهما - وذكر القصَّة - فانطلقوا إلى ابن مسعود، فأمر اليهود والنصارى أن يحلفوا بالله: لقد تركَ من المالِ كذا وكذا (٧) ولشهادتنا أحق من شهادة هذين المسلمين، ثمَّ أمر أهل المتوفى أن يحلفوا أنَّ شهادة اليهودِ والنصارى حق، فحلفوا، فأمرهم ابن مسعود أن يأخذوا من المسلمين ما شهد به اليهود

стр. 608

والنصارى (١)، وذلك في خلافة عثمان ﵁ (٢). فهذه شهادة للميت على وصيته، وقد قضى بها ابن مسعود مع يمين الورثة؛ لأنَّهم المدعون، والشهادة على الميت لا تفتقر إلى يمين الورثة. ولعلَّ ابن مسعود أخذ هذا (٣) من جهة أنَّ الورثة يستحقون (٤) بأيمانهم على الشاهدين إذا استحقا إثمًا، فكذلك يستحقون (٥) على الوصيين مع شهادة الذميين بطريق الأولى (٦). وقد ذكر القاضي (٧) هذا في مسألة دعوى الأسير إسلامًا، فقال: وقد قال الإمام أحمد في السبي: إذا ادعوا نسبًا، وأقاموا بينة من الكفار قبلت شهادتهم، نصَّ عليه أحمد في رواية حنبل، وصالح، وإسحاق بن إبراهيم؛ لأنَّه قد تتعذَّر البينة العادلة، ولم يجز ذلك في رواية عبد الله وأبي طالب.

стр. 609

قال شيخنا: فعلى هذا كل موضع ضرورة غير المنصوص: فيه روايتان، لكن التحليف ها هنا لم يتعرضوا له، فيمكن أن يقال: لأنَّه إنَّما يحلف حيث تكون شهادتهم بدلًا، كما في مسألة الوصية، بخلاف ما إذا كانوا أصولًا (١)، والله سبحانه أعلم. فصل قال شيخنا ﵀: وهل تعتبر عدالة الكافرين في الشهادة بالوصية في دينهما؟ عموم كلام الأصحاب يقتضي أنَّها لا تعتبر، وإن كُنَّا إذا قبلنا شهادة بعضهم على بعض اعتبرنا عدالتهم في دينهم (٢). وصرَّح القاضي: بأنَّ العدالة غير معتبرة في هذه الحال، والقرآن يدلُّ عليه (٣). وصرَّح القاضي: أنَّه لا تقبل شهادة فُسَّاق المسلمين في هذا الحال، وجعله محل وفاق، واعتذرَ منه (٤). وفي اشتراط كونهم من أهل الكتاب روايتان (٥)، وظاهر القرآن أنَّه لا يشترط، وهو الصحيح؛ لأنَّه سبحانه قال للمؤمنين: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٦] وغير المؤمنين: هم الكفار كلهم، ولأنَّه موضع

стр. 610

ضرورة، وقد لا يحضر الموصي إلَّا كفَّارٌ من غير أهل الكتاب، ولأن تقييده بأهل الكتاب لا دليل عليه؛ ولأنَّ ذلك يستلزم تضييق (١) محل الرخصة، مع قيام المقتضي لعمومه. فإن قيل: فهل يجوز (٢) في هذه الصورة (٣) أن يحكم بشهادة كافر وكافرتين؟ قيل (٤): لا نعرف عن أحمد في هذا شيئًا، ويحتمل أن يقال بجواز ذلك، وهو القياس، فإنَّ الأموال يقبل فيها رجلٌ وامرأتان (٥)، وهذا قول أبي محمد ابن حزم (٦)، وهو يحتج بعموم قوله ﷺ : "أَلَيْسَتْ شَهَادَةُ المَرْأَةِ مِثْلَ نِصْفِ شَهَادَةِ الرَّجُلِ؟ " (٧)، وبهذا العموم جوَّز الحكم أيضًا في هذه الصورة بأربع نسوة كوافر، وليس ببعيد عند الضرورة، إذا لم يحضره إلَّا النساء، بل هو محض الفقه. فإن قيل: ف هل ينقض حكم من حكم بغير حكم هذه الآية ؟ قيل: أصول المذهب تقتضي نقض حكمه، لمخالفته نصَّ

стр. 611

الكتاب (١). قال شيخنا ﵁ في تعليقه على "المحرر": ويتوجه أن ينقض حكم الحاكم إذا حكمَ بخلاف هذه الآية، فإنَّه خالفَ نصَّ الكتاب العزيز بدلالاتٍ (٢) ضعيفة (٣).

стр. 612

آثار الإمام ابن قيم الجوزية وما لحقها من أعمال (٩) الطرق الحكمية في السياسة الشرعية تأليف الإمام أبي عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب ابن قيم الجوزية (٦٩١ هـ - ٧٥١ هـ) تحقيق نايف بن أحمد الحمد إشراف بكر بن عبد الله أبو زيد [الجزء الثاني]

стр. 613

فصل الطريق الثامن عشر: الحكم بالإقرار . قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ﴾ [المائدة: ٨]، وفي الآية الأُخرى: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [النساء: ١٣٥]، ولا خلافَ أنَّه لا يعتبر في صحة الإقرار أن يكون بمجلس الحاكم (١)، إلَّا شيئًا حكاه محمد بن الحسن الجوهري في كتاب "النوادر" (٢) له فقال: قال ابن أبي ليلى: لا أجيز إقرارًا في حقٍّ أنكره الخصم عندي إلَّا إقرارًا بحضرتي (٣)، ولعله ذهب في ذلك إلى أنَّ الإقرار لما كان شهادة المرء على نفسه اعتبر له مجلس الحكم، كالحكم بالبينة، والفرقُ ظاهرٌ لا خفاء به. فصل ويحكم بإقرار الخصم في مجلسه إذا سمعه معه شاهدان بغير خلاف (٤)، فإن لم يسمعه معه غيره فنص أحمد على أنه يحكم

стр. 614

به (١)، وإن لم نقل يحكم بعلمه، فإن مجلس الحاكم مجلس فصل الخصومات، وقد جلس لذلك، وقد أقر الخصم في مجلسه، فوجب عليه الحكم به، كما لو قامت بذلك البينة عنده، وليس عنده أحد غيره يسمع معه شهادتهما، فإنَّ هذا محل وفاق. وقال القاضي (٢): لا يحكم بالإقرار في مجلسه حتى يسمعه معه شاهدان؛ دفعًا للتهمة عنه (٣)، إلا أن نقول: يقضي بعلمه، فإنه يجوز له الحكم حينئذٍ. والتحقيق أن هذا يشبه مسألة الحكم بعلمه من وجه، ويفارقها من وجه. فشبه ذلك بمسألة حكمه بعلمه أنه ليس هناك بينة، وهو في موضع تهمة. ووجه الفرق بينهما: أن الإقرار بينة قامت في مجلسه؛ فإن البينة اسم لما يبين به الحق، فعلم الحق في مجلس القضاء الذي انتصب فيه للحكم به، وليس من شرط صحة الحكم أن يكون بمحضر شاهدين، فكذلك لا يعتبر في طريقه أن يكون بمحضر شاهدين، وليس هذا بمنزلة ما رآه أو سمعه في غير مجلسه.

стр. 615

فصل الطريق التاسع عشر: الحكم بعلمه. وقد اختلف في ذلك قديمًا وحديثًا، وفي مذهب الإمام أحمد ثلاث روايات (١). إحداها: - وهي الرواية المشهورة عنه، المنصورة عند أصحابه - أنه لا يحكم بعلمه لأجل التهمة (٢). والثانية: يجوز له ذلك مطلقًا في الحدود وغيرها. والثالثة: يجوز إلا في الحدود. ولا خلاف عنه أنه يبني على علمه، في عدالة الشهود وجرحهم، ولا يجب عليه أن يسأل غيره عما علمه من ذلك (٣). ولأصحاب الشافعي طريقان (٤):

стр. 616

أحدهما: يقضي بعلمه قطعًا. والثاني: أن المسألة على قولين أظهرهما عند أكثر الصحابة (١) يقضي به. قالوا: لأنه يقضي بشاهدين، وذلك يفيد ظنًّا، فالعلم أولى بالجواز. وأجابوا عما احتج به المانعون من ذلك من التهمة؛ أن القاضي لو قال: ثبت عندي وصح كذا وكذا لزم (٢) قبوله بلا خلاف، ولم يبحث عما ثبت به (٣) وصح والتهمة قائمة. ووجه هذا أنه لما ملك الإنشاء، ملك الإخبار. ثم بنوا على القولين ما علمه في زمن ولايته ومكانها، وما علمه (٤) في غيرهما. قالوا: فإن قلنا: لا يقضي بعلمه فذلك (٥) إذا كان مستنده مجرد العلم، أما إذا شهد رجلان يعرف عدالتهما، فله أن يقضي، ويغنيه علمه بهما عن تزكيتهما. وفيه وجه ضعيف: لا يغنيه ذلك عن تزكيتهما

стр. 617

للتهمة. قالوا: ولو أقر بالمدعى به (١) فى مجلس قضائه قضى، وذلك قضاء بالإقرار لا بعلمه، وإن أقر عنده سرًّا فعلى القولين، وقيل: يقضي قطعًا (٢). ولو شهد عنده واحد، فهل يغنيه علمه عن الشاهد الآخر؟ على قول المنع، فيه وجهان. هذا تحصيل مذهب الشافعي وأصحابه (٣). وأما مذهب مالك (٤): فإنه لا يقضي بعلمه في المدعى به بحال، سواء علمه قبل التولية أو بعدها، في مجلس قضائه أو غيره، قبل الشروع في المحاكمة أو بعد الشروع، فهو (٥) أشد المذاهب في ذلك.

стр. 618

وقال عبد الملك وسحنون: يحكم بعلمه فيما علمه بعد الشروع في المحاكمة (١). قالوا: فإن حكم بعلمه - حيث قلنا لا يحكم - فقال أبو الحسن اللخمي: لا ينقض عند بعض (٢) أصحابنا، وعندي أنه ينقض (٣). قالوا (٤): ولا خلاف أن ما رآه القاضي، أو سمعه في غير مجلس قضائه أنه لا يحكم به، وأنه ينقض إن حكم به، وينقضه هو وغيره، وإنما الخلاف فيما يتقارر به الخصمان في مجلسه، فإن حكم به نقضه هو، ولا ينقضه غيره. قال اللخمي: وقد اختلف إذا أقر بعد أن جلسا للخصومة، ثم أنكر، فقال مالك (٥) وابن القاسم: لا يحكم بعلمه (٦). وقال عبد الملك وسحنون: يحكم؛ لأن الخصمين إذا جلسا للمحاكمة فقد

стр. 619

رضيا أن يحكم بينهما بما يقولانه، ولذلك قصدا (١). هذا تحصيل مذهب مالك. وأما مذهب أبي حنيفة (٢)، فقالوا: إذا علم (٣) الحاكم بشيء من حقوق العباد في زمن ولايته ومحلها جاز له أن يقضي به؛ لأن علمه كشهادة الشاهدين، بل أولى؛ لأن اليقين حاصل بما علمه بالمعاينة أو السماع، والحاصل بالشهادة غلبة الظن، وأما ما علمه قبل ولايته، أو في غير محل ولايته، فلا يقضي به عند أبي حنيفة. وقال أبو يوسف ومحمد (٤): يقضي به، كما في حال ولايته (٥) ومحلها (٦). قال المنتصرون لقول أبي حنيفة: هو في غير مصره وغير ولايته شاهد لا حاكم، وشهادة الفرد لا تقبل، وصار كما إذا (٧) علم ذلك

стр. 620

بالبينة العادلة، ثم ولي القضاء، فإنه لا يعمل بها. قالوا (١): وأما الحدود، فلا يقضي بعلمه فيها؛ لأنه خصم فيها؛ لأنها حق لله تعالى، وهو نائبه، إلا في حد القذف، فإنه يعمل بعلمه، لما فيه من حق العبد، وإلا في السكر، إذا وجد سكرانًا، أو من به أمارات السكر، فإنه يعزره. هذا تحصيل مذهب أبي حنيفة. وأما أهل الظاهر، فقال أبو محمد ابن حزم (٢): وفرض على الحاكم أن يحكم بعلمه في الدماء، والأموال، والقصاص، والفروج، والحدود، سواء علم ذلك قبل ولايته أو بعد ولايته. قال (٣): وأقوى ما حكم بعلمه، ثم بالإقرار، ثم بالبينة. فصل وأما الآثار عن الصحابة ﵃، فصح عن أبي بكر الصديق ﵁ أنه قال: "لو رأيت رجلًا على حد من حدود الله تعالى لم أحده حتى يكون معي شاهد غيري" (٤).

стр. 621

وعن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال لعبد الرحمن بن عوف: "أرأيتَ لو رأيتُ رجلًا قتل، أو شرب (١)، أو زنى؟ قال: شهادتك شهادة رجل من المسلمين (٢)، فقال له عمر: صدقت" (٣). وروي نحو هذا عن معاوية، وابن عباس (٤). ومن طريق الضحاك: أن عمر اختصم إليه في شيء يعرفه (٥)، فقال للطالب: "إن شئت شهدت ولم أقض، وإن شئت قضيت ولم أشهد" (٦). وأما الآثار عن التابعين، فصح عن شريح أنه اختصم إليه اثنان،

стр. 622

فأتاه أحدهما بشاهد. وقال لشريح: وأنت شاهدي أيضًا، فقضى له شريح مع شاهده بيمينه (١). وهذا محتمل. وصح عن الشعبي أنه قال: لا أكون شاهدًا وقاضيًا (٢). واحتج من قال: "يحكم بعلمه" بما في "الصحيحين" (٣) من قصة هند لما اشتكت أبا سفيان إلى رسول الله ﷺ فحكم عليه بأن تأخذ كفايتها وكفاية بنيها، ولم يسألها البينة، ولا أحضر الزوج. وهذا الاستدلال ضعيف جدًّا، فإن هذا إنما هو فتيا من رسول الله ﷺ لا حكم (٤)، ولهذا لم يحضر الزوج، ولم يكن غائبًا عن البلد، والحكم على الغائب عن مجلس الحكم (٥)، الحاضر في البلد، غير الممتنع (٦)، وهو يقدر على الحضور، ولم يوكل (٧) وكيلًا = لا يجوز اتفاقًا. وأيضًا؛ فإنَّها لم تسأله الحكم، وإنما سألته: "هل يجوز لها أن تأخذ ما يكفيها ويكفي بنيها (٨)؟ " وهذا استفتاء محض، فالاستدلال به

стр. 623

على الحكم سهو. واحتج بما رواه ابن ماجه والبيهقي من حديث حماد بن سلمة، حدثني عبد الملك أبو جعفر (١)، عن أبي نضرة (٢)، عن سعد بن الأطول (٣) "أن أخاه (٤) مات وترك ثلاثمائة درهم، وترك عيالًا، قال: فأردت أن أنفقها على عياله، فقال لي النبي ﷺ : "إن أخاك محبوس بدينه، فاقض عنه، قلت: يا رسول الله قد قضيت عنه إلا دينارين ادعتهما امرأة (٥)، وليست (٦) لها بينة قال: "أعطها، فإنها محقة"، وفي لفظ: "فإنها صادقة" (٧)، وهذا أصرح في الدلالة مما قبله.

стр. 624

وقال حمَّاد عن الجريري (١) عن أبي نضرة عن رجل من الصحابة بمثله (٢)، ولكن لم يسم: كم ترك؟ وبعد، فلا يدلُّ أيضًا، فإنَّ المنع من حكم الحاكم بعلمه إنَّما هو لأجل التهمة، وهي معلومة الانتفاء عن سيد الحكام ﷺ . واحتجَّ بما في "الصحيحين" (٣) من حديث عقيل (٤) عن ابن شهاب

стр. 625

عن عمرة (١) عن عائشة: أنَّ فاطمة ﵂ أرسلت إلى أبي بكر تسأله ميراثها من رسول الله ﷺ ، فقال أبو بكر: إنَّ رسول الله ﷺ قال: "لا نُوْرَثُ، مَا تَرَكْنَاهُ صَدَقَةٌ إنَّما يَأْكُلُ آل مُحَمَّد في هَذَا المَالِ"، وإنَّي والله لا أغير شيئًا من صدقة رسول الله ﷺ عن حالها التي كانت عليه في عهد رسول الله ﷺ (٢)، ولأعملن فيها بما عمل رسول الله ﷺ . وأبى أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة منها شيئًا - وذكر الحديث -. والاستدلال به سهو أيضًا؛ فإنَّ أبا بكر ﵁ علم من دين الرسول أنَّ هذه الدعوى باطلة لا يسوغ الحكم بموجبها، بل دعواها بمنزلة دعوى استحقاق ما علم وتحقق دفعه بالضرورة، بل بمنزلة ما يعلم بطلانه قطعًا من الدعاوى، وسيدة نساء العالمين ﵂ خفي عليها حكم هذه الدعوى، وعلمه الخلفاء الراشدون ومن معهم (٣) من الصحابة، فالصديق معه الحجة من رسول الله ﷺ ، فلم يسمع هذه الدعوى (٤)، ولم يحكم بموجبها، للحجة الظاهرة التي علمها معه عمر بن الخطاب والصحابة ﵃ أجمعين، فأين هذا من حكم الحاكم بعلمه الَّذي لم يقم به حجة على الخصم؟

стр. 626

واحتجَّ أبو محمد ابن حزم (١) لهذا القول بقول النبي ﷺ : "بينتك أو يمينه" (٢)، قال: ومن البينة التي لا بينة (٣) أبين منها: علم الحاكم بالمحق من المبطل. وهذا إلى أن يكون حجة عليهم أقرب من أن يكون حجة لهم؛ فإنَّه قال: "بينتك" و"البينة" اسمٌ لما يبين الحق، بحيث يظهر المحق من المبطل (٤)، ويبين ذلك للنَّاس، وعلم الحاكم ليس ببينة. واحتجوا (٥) أيضًا بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ﴾ [النساء: ١٣٥]، وليس في القسط أن يعلم الحاكم أنَّ أحد الخصمين مظلوم والآخر ظالم، ويترك كلًّا (٦) منهما على حاله. قال الآخرون: ليس في هذا محذور، حيث لم يأتِ المظلوم بحجة يحكم له بها، فالحاكم معذور، إذ لا حجَّة معه يوصل بها صاحب الحق إلى حقِّه، وقد قال سيد الحكام صلوات الله وسلامه عليه: "إنَّكُمْ تَخْتَصِمُوْنَ إِليَّ وَلَعَلَّ بَعْضَكَم أن يكون أَلْحَنَ بحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ، فَأَحْسبُ أَنَّهُ صَادِقٌ، فَأَقْضِيَ لَهُ (٧)، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِشَيءٍ مِنْ حَقَّ أَخِيْهِ

стр. 627

فَلَا يَأْخُذْهُ فَإِنَّمَا أَقْطَع لَهُ قِطعَةً مِنَ النَّارِ" (١). واحتجوا (٢) بقول النبي ﷺ : "من رأى منكم مُنْكَرًا؛ فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبقَلْبِهِ" (٣)، وإذا رأى الحاكم وحده عدوان رجل على رجل وغصبه ماله، وسمع طلاقه لامرأته، وعتقه لعبده، ثُمَّ رأى الرجلَ مستمرًا في إمساك الزوجة، أو بيع من صرح بعتقه، فقد أقرَّ على المنكر الَّذي أمر بتغييره (٤). قال الآخرون: هو مأمور بتغيير ما يعلم (٥) النَّاس أنَّه منكر، بحيث (٦) لا تتطرق إليه تهمة في تغييره، وأمَّا إذا عمد إلى رجل مع زوجته وأمته لم يشهد أحد أنَّه طلقها ولا أعتقها ألبتة، ولا سمع بذلك أحدٌ قطُّ، ففرق بينهما، وزعمَ أنَّه سمعه (٧) طلق وأعتق: فإنَّه ينسب ظاهرًا إلى تغيير المعروف بالمنكر، وتطرق النَّاس إلى اتهامه والوقوع في عرضه، وهل يسوغ للحاكم أن يأتي إلى رجلٍ مستور بين النَّاس، غير مشهور بفاحشة، ولم يقم (٨) عليه شاهد واحد بها، فيرجمه،

стр. 628

ويقول: رأيته يزني؟ أو يقتله، ويقول: سمعته يسب؟ أو يفرِّق بين الزوجين، ويقول: سمعته يطلق؟ وهل هذا إلَّا محض التهمة؟ ولو فتح هذا الباب - ولا سيما لقضاة الزمان - لوجد كل قاضٍ له عدوٌّ السبيل (١) إلى قتل عدوه، ورجمه، وتفسيقه، والتفريق بينه وبين امرأته، ولا سيما إذا كانت العداوة خفية، لا يمكن عدوه إثباتها، وحتَّى لو كان الحق هو حكم الحاكم بعلمه لوجب منع قضاة الزمان من ذلك (٢)، وهذا إذا قيل في شريح، وكعب بن سور، وإياس بن معاوية، والحسن البصري، وعمران الطلحي (٣)، وحفص بن غياث وأضرابهم كان فيه ما فيه. وقد ثبت عن أبي بكر (٤) وعمر (٥) وعبد الرحمن بن عوف (٦) وابن عباس (٧) ومعاوية (٨) ﵃ المنع من ذلك، ولا يعرف لهم في الصحابة مخالف. فذكر البيهقي وغيره عن أبي بكر الصديق أنَّه قال: "لو وجدت

стр. 629

رجلًا على حد من حدود الله لم أحده حتَّى يكون معي غيري" (١). وعن عمر أنَّه قال لعبد الرحمن بن عوف: "أرأيت لو رأيت رجلًا يقتل أو يسرق أو يزني؟ قال: أرى شهادتك شهادة رجل من المسلمين، قال: أصبت" (٢). وعن علي نحوه (٣). وهذا من كمال فقه (٤) الصحابة ﵃ - فإنَّهم أفقه الأُمَّة (٥) وأعلمهم بمقاصد الشرع وحكمه، فإنَّ التهمة مؤثِّرةٌ (٦) في باب الشهادات والأقضية والإقرار وطلاق المريض وغير ذلك، فلا تقبل شهادة السيد لعبده، ولا العبد لسيده، ولا شهادة الوالد لولده، وبالعكس، ولا شهادة العدو على عدوه، ولا يقبل حكم الحاكم لنفسه، ولا ينفذ حكمه على عدوه، ولا يصح إقرار المريض مرض الموت لوارثه ولا لأجنبي عند مالك (٧) إذا قامت شواهد التهمة، ولا تمنع المرأة الميراث بطلاقه لها لأجل مظنة (٨) التهمة، ولا يقبل قول المرأة على ضرتها أنَّها أرضعتها، إلى أضعاف ذلك ممَّا يرد ولا يقبل

стр. 630

للتهمة. ولذلك منعنا في مسألة الظفر أن يأخذ المظلوم من مال ظالمه نظير ما خانه فيه لأجلِ التهمة، وإن كان إنَّما يستوفي حقَّه (١). ولقد كان سيد الحكام ﷺ يعلم من المنافقين ما يبيح دماءهم وأموالهم، ويتحقق ذلك، ولا يحكم فيهم بعلمه، مع براءته عند الله وملائكته وعباده من كلِّ تهمة، لئلا يقول النَّاس: إنَّ محمدًا يقتل أصحابه (٢)، ولمَّا رآه بعض أصحابه مع زوجته صفية بنت حيي (٣) قال: "رُوَيْدَكُمَا، إنَّهَا صَفِيَّةُ بنتُ حُيَي" (٤) لئلا تقع في نفوسهما تهمة له. ومن تدبَّر الشريعة وما اشتملت عليه من المصالح وسدِّ الذرائع تبين له الصواب في هذه المسألة، وبالله التوفيق.

стр. 631

فصل الطريق العثسرون: الحكم بالتواتر. وإن لم يكن المخبرون عدولًا ولا (١) مسلمين، وهذا من أظهر البينات (٢)، فإذا تواتر الشيء عنده، وتضافرت (٣) به الأخبار، بحيث اشترك في العلم به هو وغيره، حكم بموجب ما تواتر عنده (٤)، كما إذا تواتر عنده فسق رجل، أو صلاحه ودينه، أو عداوته لغيره، أو فقر رجل وحاجته، أو موته، أو سفره، ونحو ذلك، حكم بموجبه، ولم يحتج إلى شاهدين عدلين، بل بينة التواتر أقوى من الشاهدين بكثير (٥)؛ فإنَّه يفيد العلم، والشاهدان غايتهما أن يفيدا ظنًّا غالبًا. وقد ذكر أصحابنا - كالقاضي (٦)، وأبي الخطاب (٧)، وابن عقيل (٨) وغيرهم (٩) - ما يدلُّ على ذلك، فإنَّهم قالوا في الودِّ على من زعمَ أنَّ التواتر يحصل بأربعة: لو حصل العلم بخبر أربعة نفر لما احتاج

стр. 632

القاضي إذا شهد عنده أربعة بالزنا أن يسأل عن عدالتهم وتزكيتهم. قال شيخنا: وهذا يقتضي أنَّ القاضي إذا حصل له العلم بشهادة الشهود لم يحتج إلى تزكية، والتواتر يحصل بخبر الكفار والفساق والصبيان (١). وإذا كان يقضي بشاهدٍ واحدٍ مع اليمين، وبدونها، وبالنكول، وبشهادة المرأة الواحدة - حيث يحكم بذلك - فالقضاء بالتواتر أولى وأحرى، وبيان الحق به أعظم من بيانه بنصاب الشهادة. فإن قيل: فلو تواتر عنده زنا رجل أو امرأة، فهل له أن يحدهما بذلك؟ قيل (٢): لا بُدَّ في إقامة الحدِّ بالزنا من معاينة ومشاهدة له، ولا تكفي فيه القرائن واستفاضته في النَّاس، ولا يمكن في العادة التواتر بمعاينة ذلك ومشاهدته للاختفاء به وستره عن العيون، فيستحيل في العادة أن يتواتر الخبر عن معاينته. نعم، لو قُدِّرَ ذلك - بأن أتى ذلك بين النَّاسِ عيانًا، وشاهده (٣) عددٌ كثير يقع العلم الضروري بخبرهم - حُدّ بذلك قطعًا (٤)، ولا يليق بالشريعة غير ذلك، ولا تحتمل سواه.

стр. 633

فصل الطريق الحادي والعشرون: الحكم بالاستفاضة (١). وهي درجة بين التواتر والآحاد، فالاستفاضة: هي الاشتهار الَّذي يُحدَّث به النَّاس، وفاض بينهم. وقد قسم الحنفية (٢) الأخبار إلى ثلاثة أقسام: آحاد، وتواتر، واستفاضة (٣)، وجعلوا المستفيض مرتبة بين المرتبتين، وخصوا به عموم القرآن، وقالوا: هو بمنزلة التواتر، ومنهم (٤) من جعله قسمًا من أقسام التواتر. وهذا النوع من الأخبار يجوز استناد الشهادة إليه، ويجوز أن يعتمد الزوج عليه في قذف امرأته ولعانها، إذا استفاض في النَّاس زناها، ويجوز اعتماد الحاكم عليه.

стр. 634

قال شيخنا في الذمي: إذا زنى بالمسلمة (١) قتل، ولا يرفع عنه القتل الإسلام، ولا يشترط فيه أداء الشهادة على الوجه المعتبر في المسلم، بل يكفي استفاضة ذلك واشتهاره، هذا نص كلامه (٢). وهذا هو الصواب (٣)؛ لأنَّ الاستفاضة من أظهر البينات، فلا يتطرق إلى الحاكم تهمة إذا استند إليها؛ فحكمه بها حكم بحجة لا بمجرد علمه الَّذي لا (٤) يشاركه فيه غيره، ولذلك له أن يقبل شهادة الشاهد إذا استفاض في النَّاس صدقه وعدالته، من غير اعتبار لفظ شهادة (٥) على العدالة (٦)، ويرد شهادته ويحكم بفسقه باستفاضة فجوره (٧) وكذبه، وهذا ممَّا لا يعلم فيه نزاع بين العلماء (٨)، وكذلك

стр. 635

الجارح والمعدل يجرح الشاهد بالاستفاضة، صرَّح بذلك أصحاب الشافعي (١) وأحمد (٢)، ويعدله بالاستفاضة (٣)، ولا ريبَ أنَّا نشهد بعدالة عمر بن عبد العزيز ﵁ وفسق الحجاج. والمقصود: أنَّ الاستفاضة طريقٌ من طرق العلم التي تنفي التهمة عن الشاهد والحاكم، وهي أقوى من شهادة اثنين مقبولين.
следующие страницы →