← Сияса и кади

Сияса и кади · id 18159

الطرق الحكمية في السياسة الشرعية - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (1 013 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

فصل الطريق العثسرون: الحكم بالتواتر. وإن لم يكن المخبرون عدولًا ولا (١) مسلمين، وهذا من أظهر البينات (٢)، فإذا تواتر الشيء عنده، وتضافرت (٣) به الأخبار، بحيث اشترك في العلم به هو وغيره، حكم بموجب ما تواتر عنده (٤)، كما إذا تواتر عنده فسق رجل، أو صلاحه ودينه، أو عداوته لغيره، أو فقر رجل وحاجته، أو موته، أو سفره، ونحو ذلك، حكم بموجبه، ولم يحتج إلى شاهدين عدلين، بل بينة التواتر أقوى من الشاهدين بكثير (٥)؛ فإنَّه يفيد العلم، والشاهدان غايتهما أن يفيدا ظنًّا غالبًا. وقد ذكر أصحابنا - كالقاضي (٦)، وأبي الخطاب (٧)، وابن عقيل (٨) وغيرهم (٩) - ما يدلُّ على ذلك، فإنَّهم قالوا في الودِّ على من زعمَ أنَّ التواتر يحصل بأربعة: لو حصل العلم بخبر أربعة نفر لما احتاج

стр. 632

القاضي إذا شهد عنده أربعة بالزنا أن يسأل عن عدالتهم وتزكيتهم. قال شيخنا: وهذا يقتضي أنَّ القاضي إذا حصل له العلم بشهادة الشهود لم يحتج إلى تزكية، والتواتر يحصل بخبر الكفار والفساق والصبيان (١). وإذا كان يقضي بشاهدٍ واحدٍ مع اليمين، وبدونها، وبالنكول، وبشهادة المرأة الواحدة - حيث يحكم بذلك - فالقضاء بالتواتر أولى وأحرى، وبيان الحق به أعظم من بيانه بنصاب الشهادة. فإن قيل: فلو تواتر عنده زنا رجل أو امرأة، فهل له أن يحدهما بذلك؟ قيل (٢): لا بُدَّ في إقامة الحدِّ بالزنا من معاينة ومشاهدة له، ولا تكفي فيه القرائن واستفاضته في النَّاس، ولا يمكن في العادة التواتر بمعاينة ذلك ومشاهدته للاختفاء به وستره عن العيون، فيستحيل في العادة أن يتواتر الخبر عن معاينته. نعم، لو قُدِّرَ ذلك - بأن أتى ذلك بين النَّاسِ عيانًا، وشاهده (٣) عددٌ كثير يقع العلم الضروري بخبرهم - حُدّ بذلك قطعًا (٤)، ولا يليق بالشريعة غير ذلك، ولا تحتمل سواه.

стр. 633

فصل الطريق الحادي والعشرون: الحكم بالاستفاضة (١). وهي درجة بين التواتر والآحاد، فالاستفاضة: هي الاشتهار الَّذي يُحدَّث به النَّاس، وفاض بينهم. وقد قسم الحنفية (٢) الأخبار إلى ثلاثة أقسام: آحاد، وتواتر، واستفاضة (٣)، وجعلوا المستفيض مرتبة بين المرتبتين، وخصوا به عموم القرآن، وقالوا: هو بمنزلة التواتر، ومنهم (٤) من جعله قسمًا من أقسام التواتر. وهذا النوع من الأخبار يجوز استناد الشهادة إليه، ويجوز أن يعتمد الزوج عليه في قذف امرأته ولعانها، إذا استفاض في النَّاس زناها، ويجوز اعتماد الحاكم عليه.

стр. 634

قال شيخنا في الذمي: إذا زنى بالمسلمة (١) قتل، ولا يرفع عنه القتل الإسلام، ولا يشترط فيه أداء الشهادة على الوجه المعتبر في المسلم، بل يكفي استفاضة ذلك واشتهاره، هذا نص كلامه (٢). وهذا هو الصواب (٣)؛ لأنَّ الاستفاضة من أظهر البينات، فلا يتطرق إلى الحاكم تهمة إذا استند إليها؛ فحكمه بها حكم بحجة لا بمجرد علمه الَّذي لا (٤) يشاركه فيه غيره، ولذلك له أن يقبل شهادة الشاهد إذا استفاض في النَّاس صدقه وعدالته، من غير اعتبار لفظ شهادة (٥) على العدالة (٦)، ويرد شهادته ويحكم بفسقه باستفاضة فجوره (٧) وكذبه، وهذا ممَّا لا يعلم فيه نزاع بين العلماء (٨)، وكذلك

стр. 635

الجارح والمعدل يجرح الشاهد بالاستفاضة، صرَّح بذلك أصحاب الشافعي (١) وأحمد (٢)، ويعدله بالاستفاضة (٣)، ولا ريبَ أنَّا نشهد بعدالة عمر بن عبد العزيز ﵁ وفسق الحجاج. والمقصود: أنَّ الاستفاضة طريقٌ من طرق العلم التي تنفي التهمة عن الشاهد والحاكم، وهي أقوى من شهادة اثنين مقبولين.

стр. 636

فصل الطريق الثاني والعشرون: الأخبار آحادًا . وهو أن يخبره عدلٌ يثق بخبره ويسكن إليه بأمر، فيغلب على ظنه صدقه فيه، أو يقطع به لقرينة احتفت (١) به، فيجعل ذلك مستندًا لحكمه، وهذا يصلح (٢) للترجيح والاستظهار بلا ريب، ولكن هل يكفي وحده في الحكم؟ هذا موضع تفصيل. فيقال: إمَّا أن يقترن بخبره ما يفيد معه اليقين أم لا، فإن اقترن بخبره ما يفيد معه اليقين جاز (٣) أن يحكم به، وينزل (٤) منزلة الشهادة، بل هو شهادة محضة في أصح الأقوال، وهو قول الجمهور (٥)، فإنَّه لا يشترط في صحة الشهادة ذكر لفظة "أشهد " بل متى قال الشاهد: رأيت كيت وكيت، أو سمعت، أو نحو ذلك، كانت شهادة منه، وليس في كتاب الله ولا في سنة رسول الله ﷺ موضع واحد يدلُّ على اشتراط لفظ "الشهادة"، ولا عن رجل واحد من الصحابة، ولا قياس، ولا استنباط

стр. 637

يقتضيه، بل الأدلة المتضافرة من الكتاب والسنَّة وأقوال الصحابة ولغة العرب تنفي ذلك. وهذا مذهب مالك (١) وأبي حنيفة (٢) وظاهر كلام أحمد (٣) وحكي ذلك عنه نصًّا (٤). قال تعالى: ﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا فَإِنْ شَهِدُوا فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٥٠]، ومعلومٌ قطعًا أنَّه ليس المراد التلفظ بلفظة "أشهد" (٥) في هذا، بل مجرَّد الإخبار بتحريمه. وقال تعالى: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ [النساء: ١٦٦]، ولا تتوقف صحة هذه الشهادة على أن (٦) يقول - سبحانه

стр. 638

وتعالى - "أشهد بكذا". وقال تعالى: ﴿وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ﴾ [الزخرف: ٨٦] أي أخبر به، وتكلَّم به عن علم، والمراد به التوحيد. ولا تفتقر صحة الإسلام إلى أن يقول الداخل فيه: "أشهد أن لا إله إلَّا الله" بل لو قال: "لا إله إلَّا الله محمد رسول الله" كان مسلمًا بالاتفاق، وقد قال ﷺ : "أُمِرْت أن أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أن لَا إِلهَ إِلَّا اللهُ وأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ" (١) فَإِذَا تَكَلَّمُوا بقول: "لَا إِلهَ إِلَّا الله" حصلت لهم العصمة، وإن لم يأتوا بلفظ "أشهد". وقال تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (٣٠) حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾ [الحج: ٣٠، ٣١]. وصحَّ عن النبي ﷺ أنَّه قال: "عَدَلَتْ شَهَادَةُ الزُّورِ الإِشْرَاكَ بِالله" (٢).

стр. 639

وقال: "ألَا أُنْبِئُكُم بِأَكْبَرِ الكَبَائِرِ؟ الشِّرْكُ بِاللهِ (١)، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتيِ حَرَّمَ اللهُ وَقَوْلُ الزُّوْرِ" (٢). وفي لفظ: "ألا، وَشَهَادَةُ الزُّوْرِ" (٣) فسمَّى قول الزور شهادة، وإن لم يكن معه لفظ "أشهد". وقال ابن عباس ﵁: شهد عندي رجالٌ مرضيون - وأرضاهم عندي عمر - "أنَّ رسول الله ﷺ نَهَى عَنْ الصَّلَاةِ بعْدَ العَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ وَعَنِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ" (٤).

стр. 640

ومعلوم أنَّ عمر لم يقل لابن عباس "أشهد عندك أنَّ رسول الله ﷺ نهى عن ذلك"، ولكن أخبر به، فسماه شهادة. وقد تناظرَ الإمام أحمد وعلي بن المديني في العشرة (١) - رضوان الله عليهم - فقال علي: أقول: "هُمْ في الجنَّة، وَلَا أَشْهَدُ بِذلِكَ" بناءً على أنَّ الخبرَ في ذلك خبر آحاد، فلا يفيد العلم، والشهادة إنَّما تكون على العلم، فقال له الإمام أحمد: "متى قلت: هم في الجنَّة، فقد شهدت" حكاه القاضي أبو يعلى (٢)، وذكره شيخنا (٣) ابن تيمية ﵀. فكل من أخبر بشيءٍ فقد شهد به، وإن لم يتلفظ بلفظ "أشهد" (٤). ومن العجب: أنَّهم احتجوا على قبول الإقرار بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [النساء: ١٣٥] (٥).

стр. 641

قالوا: هذا يدلُّ على قبول إقرار المرء على نفسه، ولم يقل أحدٌ: إنَّه لا يقبل (١) الإقرار حتَّى يقول المقر "أشهد على نفسي"، وقد سمَّاه الله تعالى شهادة. قال شيخنا (٢) - رحمه الله تعالى -: فاشتراط لفظ "الشهادة" لا أصلَ له في كتاب الله، ولا سنَّة رسوله، ولا قول أحدٍ من الصحابة، ولا يتوقف إطلاق لفظُ "الشهادة" لغة على ذلك، وبالله التوفيق. وعلى هذا فليس الإخبار (٣) طريقًا آخر غير طريق الشهادة (٤).

стр. 642

فصل الطريق الثالث والعشرون: الحكم بالخط المجرد . وله صور ثلاث (١): الصورة الأولى: أن يرى القاضي حجة فيها حكمه لإنسان، فيطلب منه إمضاءه والعمل به، فقد اختلف في ذلك (٢)، فعن أحمد ثلاث روايات (٣)، إحداهنَّ: أنَّه إذا تيقن أنَّه خطه نفذه، وإن لم يذكره. والثانية: أنَّه لا ينفذه حتَّى يذكره. والثالثة: أنَّه إذا كان في حرزه وحفظه كمنظره ونحوه (٤) نفذه، وإلَّا فلا. قال أبو البركات (٥): وكذلك (٦) الرواية في شهادة الشاهد: بناءً على خطه إذا لم يذكره (٧). والمشهور من مذهب الشافعي: أنَّه لا يعتمد على الخط، لا في

стр. 643

الحكم ولا في الشهادة، وفي (١) مذهبه وجهٌ آخر: أنَّه يجوز الاعتماد عليه إذا كان محفوظًا عندهما (٢)، كالرواية الثالثة. وأمَّا مذهب أبي حنيفة: فقال الخصاف (٣): قال أبو حنيفة: إذا وجد القاضي في ديوانه شيئًا لا يحفظه - كإقرار الرجل بحقًّ من الحقوق أو شهادة شهود شهدوا عنده لرجلٍ على رجل بحق من الحقوق (٤) - وهو لا يذكر ذلك ولا يحفظه، فإنَّه لا يحكم بذلك، ولا ينفذه حتَّى يذكره (٥). وقال أبو يوسف ومحمد: ما وجده القاضي في ديوانه - من شهادة شهود شهدوا عنده لرجل على رجل بحق، أو إقرار رجل لرجل بحق،

стр. 644

والقاضي لا يحفظ ذلك ولا يذكره - فإنَّه ينفذ ذلك، ويقضي به، إذا كان تحت خاتمه محفوظًا، ليس كل ما في ديوان القاضي يحفظه (١). وأمَّا مذهب مالك: فقال في "الجواهر" (٢): لا يعتمد على الخط إذا لم يَذْكر (٣)، لإمكان التزوير عليه (٤). قال القاضي أبو محمد (٥): إذا وجد في ديوانه حكمًا بخطه، ولم يذكر أنَّه حكم به لم يجز له أن يحكم به، إلَّا أن يشهد عنده شاهدان (٦). قال (٧): وإذا نسيَ القاضي حكمًا حكم به، فشهد عنده شاهدان (٨) أنَّه قضى به: نفذ الحكم (٩) بشهادتهما، وإن لم يذكره (١٠)، وعن

стр. 645

مالك (١) رواية أخرى أنَّه لا يلتفت إلى البينة بذلك ولا يحكم بها (٢). وجمهور أهل العلم على خلافها (٣)، بل إجماع أهل الحديث قاطبة على اعتماد الراوي على الخط المحفوظ عنده، وجواز التحديث به، إلَّا خلافًا شاذًّا لا يعتدُّ به (٤)، ولو لم يعتمد على ذلك لضاع الإسلام اليوم، وسنة رسول الله ﷺ ، فليس بأيدي النَّاس - بعد كتاب الله - إلَّا هذه النسخ الموجودة من السنن، وكذلك كتب الفقه الاعتماد فيها على النسخ، وقد كان رسول الله ﷺ يبعث كتبه إلى الملوك وغيرهم (٥)، وتقومُ بها حجته، ولم يكن يشافه رسولًا بكتابه بمضمونه قط (٦)، ولا جرى هذا في مدَّة حياته ﷺ بل يدفع إليه (٧) الكتاب مختومًا، ويأمره بدفعه إلى المكتوب إليه، وهذا معلومٌ بالضرورة لأهل العلم بسيرته وأيامه.

стр. 646

وفي "الصحيح" عنه ﷺ أنَّه قال: "مَا حَقُّ امْرئٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَيءٌ يُوصِي فِيْهِ يَبيتُ لَيْلَتَيْنِ إِلَّا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ" (١)، ولو لم يجز الاعتماد على الخط لم تكن لكتابة وصيته فائدة. قال إسحاق بن إبراهيم: قلت لأحمد: الرجل يموت، وتوجد له وصية تحت رأسه من غير أن يكون أشهد عليها، أو أعلم بها أحدًا، هل يجوز إنفاذ ما فيها؟ قال: إن كان قد عرف خطه، وكان مشهور الخط، فإنَّه ينفذ ما فيها (٢). وقد نصَّ في الشهادة أنَّه إذا لم يذكرها ورأى خطه لا يشهد حتَّى يذكرها (٣). ونصَّ فيمن كتب وصيته وقال: اشهدوا علي بما فيها أنَّهم لا يشهدون إلَّا أن يسمعوها منه، أو تقرأ عليه فيقر بها (٤). فاختلف أصحابنا (٥)، فمنهم من خرج في كلَّ مسألة حكم

стр. 647

الأخرى، وجعل فيها وجهين بالنقل والتخريج. ومنهم مَن منع (١) التخريج، وأقر النصين، وفرق بينهما. واختار شيخنا التفريق، قال: والفرق (٢) أنَّه إذا كتب وصيته، وقال: اشهدوا علي بما فيها، فإنَّهم لا يشهدون، لجواز أن يزيد في الوصية وينقص ويغير، وأمَّا إذا كتب وصيته ثمَّ مات، وعرف أنَّه خطه، فإنَّه يشهد به لزوال هذا المحذور (٣). والحديث المتقدم (٤) كالنص في جواز الاعتماد على خط الموصي، وكتبه (٥) ﷺ إلى عماله (٦) وإلى الملوك (٧) وغيرهم تدل على ذلك؛ ولأنَّ الكتابة تدل على المقصود، فهي كالَّلفظ، ولهذا يقع بها الطلاق. قال القاضي (٨): وثبوت الخط في الوصية يتوقف على معاينة البينة أو الحاكم لفعل الكتابة؛ لأنَّها عمل، والشهادة على العمل طريقها

стр. 648

الرؤية. وقول الإمام أحمد: "إن كان قد عرف خطه وكان مشهور الخط، ينفذ ما فيها (١) " يرد ما قال القاضي، فإنَّ أحمد علَّق الحكم (٢) بالمعرفة والشهرة، من غير اعتبار لمعاينة الفعل، وهذا هو الصحيح، فإنَّ القصدَ حصول العلم بنسبة الخط إلى كاتبه، فإذا عرف ذلك وتيقن كان كالعلم بنسبة اللفظ (٣) إليه، فإنَّ الخطَّ دالٌّ على الَّلفظ، والَّلفظ دالٌّ على القصد والإرادة، وغاية ما يقدر اشتباه الخطوط، وذلك كما يُفرض من اشتباه الصور والأصوات، وقد جعل الله سبحانه في خط كل كاتب ما يتميز به (٤) عن خط غيره كتميز صورته عن صورته وصوته عن صوته (٥)، والنَّاسُ يشهدون شهادة لا يستريبون على أنَّ هذا خط فلان، وإن جازت محاكاته ومشابهته فلا بد من فرق، وهذا أمر يختص بالخط العربي، ووقوع الاشتباه والمحاكاة لو كان مانعًا لمنع في الشهادة على الخط عند معاينته إذا غاب عنه، لجواز المحاكاة. وقد دلَّت الأدلة المتضافرة - التي تقرب من القطع - على قبول

стр. 649

شهادة الأعمى فيما طريقه السمع إذا عرف الصوت (١)، مع أنَّ تشابه الأصوات - إن لم يكن أعظم من تشابه الخطوط - فليس دونه (٢). وقد صرَّح أصحاب أحمد (٣) والشافعي (٤) بأنَّ الوارث إذا وجد في دفتر مورثه: أنَّ لي عند فلان كذا، جازَ له أن يحلف على استحقاقه. وأظنه منصوصًا عنهما (٥). وكذلك لو وجد في دفتره: أنِّي أديت إلى فلان ما عليّ، جاز له أن يحلف على ذلك (٦) إذا وثق بخط مورثه وأمانته (٧). ولم يزل الخلفاء والقضاة والأمراء والعمال يعتمدون على كتب بعضهم إلى (٨) بعض، ولا يشهدون متحملها على ما فيها، ولا

стр. 650

يقرءونها عليه، هذا عمل النَّاس من زمن نبيهم (١) إلى الآن. قال البخاري في صحيحه (٢): "باب الشهادة على الخط، وما يجوز من ذلك وما يضيق منه، وكتاب الحاكم إلى عماله، والقاضي إلى القاضي، وقال بعض النَّاس: كتاب الحاكم جائز إلَّا في الحدود، قال: وإن كان القتل خطأ فهو جائز؛ لأنَّ هذا مال يزعمه، وإنَّما صارَ مالًا بعد أن ثبت القتل، فالخطأ والعمد (٣) واحد، وقد كتبَ عمر إلى عُمَّاله في الحدود (٤)، وكتب عمر بن عبد العزيز في سن كسرت (٥)، وقال إبراهيم: كتاب القاضي إلى القاضي جائز إذا عرف الكتاب والخاتم (٦)، وكان الشعبي يجيز الكتاب المختوم بما فيه من القاضي (٧)، ويُروى عن ابن عمر نحوه (٨)، وقال معاوية بن عبد الكريم

стр. 651

الثقفي (١): شهدت عبد الملك بن يعلى - قاضي البصرة -، وإياس بن معاوية، والحسن، وثمامة بن عبد الله بن أنس، وبلال بن أبي بردة، وعبد الله بن بريدة (٢)، وعامر بن عبيدة (٣)، وعباد بن منصور: يجيزون كتب القضاة بغير محضر من الشهود، فإن قال الَّذي جيء عليه بالكتاب: إنَّهُ زور، قيل له: اذهب فالتمس المخرج من ذلك. وأوَّل من سأل على كتاب القاضي البينة: ابن أبي ليلى، وسوار بن عبد الله (٤). وقال لنا أبو نعيم (٥): حدثنا عبد الله بن محرز (٦) قال: جئت بكتاب من موسى بن أنس (٧) قاضي البصرة، وأقمت عليه البينة: أنَّ لي عند فلان كذا وكذا - وهو بالكوفة - فجئت به القاسم بن عبد الرحمن (٨)

стр. 652

فأجازه، وكره الحسن (١) وأبو قلابة (٢) أن يشهد على وصية حتَّى يعلم ما فيها؛ لأنَّه لا يدري، لعلَّ فيها جورًا، وقد كتب النبي ﷺ إلى أهل خيبر: "إِمَّا أن تَدُوا صَاحِبَكُمْ وَإِمَّا أن تؤْذَنُوا بِحَرْبٍ" (٣) ا. هـ. كلامه. وأجاز مالك (٤) الشهادة على الخطوط، فروى عنه ابن وهب - في الرجل يقوم يذكر حقًّا قد ماتَ (٥) شهوده، ويأتي بشاهدين عدلين على خط كاتب الخط - قال: تجوز شهادتهما على كتاب الكاتب إذا كان عدلًا، مع يمين الطالب. وهو قول ابن القاسم (٦).

стр. 653

وذكر ابن شعبان (١) عن ابن وهب أنَّه قال: لا آخذ بقول مالك في الشهادة على الخط (٢)، وقال الطحاوي: خالف مالك جميع الفقهاء في ذلك (٣)، وعدّ قوله شذوذًا (٤). قال ابن الحارث (٥): الشهادة على الخط خطأ (٦)، ولقد قال مالك في رجل قال: سمعتُ فلانًا يقول: رأيت فلانًا قتل، أو قال: سمعت فلانًا طلَّق امرأته أو قذفها أنَّه لا يشهد على شهادته إلَّا أن يشهده، فالخط أبعد من هذا وأضعف (٧). قال: ولقد قلت لبعض القضاة: أتجوز شهادة الموتى؟ فقال: ما هذا الَّذي تقول؟ فقلت: إنَّكم تجيزون شهادة الرجل بعد موته إذا

стр. 654

وجدتم خطه في وثيقة، فسكت (١). وقال محمد بن عبد الحكم (٢): لا يقضى في دهرنا (٣) بالشهادة على الخط؛ لأنَّ النَّاس قد أحدثوا ضروبًا من الفجور (٤)، وقد قال مالك في النَّاس: تحدث لهم أقضية على نحو ما أحدثوا من الفجور (٥)، وقد روى لي نافع (٦) عن مالك قال: كان من أمر النَّاس القديم: إجازة

стр. 655

الخواتم، حتَّى إنَّ القاضي ليكتب للرجل الكتاب فما يزيد على ختمه، فيعمل به (١)، حتَّى اتهم النَّاس، فصار لا يقبل إلَّا بشاهدين (٢). ا. هـ. واختلف الفقهاء فيما إذا أشهد القاضي شاهدين على كتابه، ولم يقرأه عليهما ولا عرفهما بما فيه . فقال مالك (٣): يجوز ذلك، ويلزم القاضي المكتوب إليه قبوله، ويقول الشاهدان: إنَّ هذا كتابه دفعه إلينا مختومًا، وهذه إحدى الروايتين عن الإمام أحمد (٤). وقال أبو حنيفة (٥) والشافعي (٦)

стр. 656

وأبو ثور (١): إذا لم يقرأه عليهما القاضي لم يعمل القاضي المكتوب إليه بما فيه. وهو إحدى الروايتين عن مالك (٢). وحجتهم أنَّه لا يجوز أن يشهد الشاهد (٣) إلَّا بما يعلم. وأجاب الآخرون بأنَّهما لم يشهدا بما تضمنه، وإنَّما شهدا بأنَّه كتاب القاضي، وذلك معلومٌ لهما (٤)، والسنة الصريحة تدل على صحة ذلك (٥)، وتغيُّر أحوال (٦) النَّاس وفسادها يقتضي العمل بالقول الآخر، وقد يثبت عند القاضي من أمور النَّاس ما لا يحسن أن يطلع عليه كل أحد، مثل الوصايا التي يتخوف (٧) النَّاس فيها، ولهذا يجوز عند مالك (٨) وأحمد (٩) - في إحدى الروايتين - أن يشهدا على الوصية

стр. 657

المختومة، ويجوز عند مالك (١) أن يشهدا على الكتاب المدرج، ويقولا للحاكم: نشهد على إقراره بما في هذا الكتاب، وإن لم يعلما بما أقر، والجمهور (٢) لا يجيزون الحكم بذلك. وقال المانعون من العمل بالخطوط: الخطوط قابلة للمشابهة والمحاكاة، وهل كانت قصَّة (٣) عثمان ومقتله إلَّا بسبب الخط؟ (٤) فإنَّهم صنعوا مثل خاتمه، وكتبوا مثل كتابه، حتَّى جرى ما جرى، ولذلك قال الشعبي: لا تشهد أبدًا إلَّا على شيء تذكره، فإنَّه من شاء انتقش خاتمًا، ومن شاء كتب كتابًا (٥). قالوا: وأمَّا ما ذكرتم من الآثار فنعم، وها هنا أمثالها، ولكن كان

стр. 658

ذاك إذ النَّاس ناس، وأمَّا الآن فكلا ولما (١)، وإذا كان الأمر قد تغير في زمن مالك وابن أبي ليلى، حتَّى قال مالك: كان من أمرِ النَّاس القديم إجازة الخواتم، حتَّى إنَّ القاضي ليكتب للرجل الكتاب، فما يزيد (٢) على ختمه، حتَّى اتهم النَّاس، فصار لا يقبل إلَّا بشاهدين (٣). وقال محمد بن عبد الحكم (٤): لا يقضى في دهرنا هذا بالشهادة على الخط؛ لأنَّ النَّاسَ قد أحدثوا ضروبًا من الفجور، وقد كان النَّاسُ فيما مضى يجيزون الشهادة على خاتم كتاب القاضي (٥) فإن قيل: فما تقولون في الدَّابة يوجد على فخذها "صدقة" أو "وقف" أو "حبس" هل للحاكم أن يحكم بذلك؟ قيل: نعم، له أن يحكم به، وصرَّح به أصحاب مالك (٦)، فإنَّ هذه أمارة ظاهرة، ولعلها أقوى من شهادة الشاهد (٧)، وقد ثبتَ في

стр. 659

"الصحيحين" (١) من حديث أنس بن مالك ﵁ قال: "غَدَوْتُ إِلَى رَسُوْلِ اللهِ ﷺ بعَبْدِ اللهِ بن أَبِي طَلْحَةَ لِيُحَنَّكَهُ (٢)، فوافيته في يَدِهِ المِيْسَمُ (٣) يَسِمُ إِبِلَ الصَّدَقَةِ"، وللإمام أحمد (٤) عنه: "دخلتُ على النبي ﷺ وهو يَسِمُ غَنَمًا في آذانها". وروى مالكٌ في "الموطأ" (٥) عن زيد بن أسلم عن أبيه أنَّه قال لعمر بن الخطاب ﵁: "إنَّ في الظهر ناقة عمياء، فقال عمر: ادفعها إلى أهل بيت ينتفعون بها، قال: فقلت: هي عمياء، فقال عمر (٦): يقطرونها بالإبل (٧)، قال: فقلت: كيف تأكل من الأرض؟ قال: فقال عمر: أَمِنْ نَعَمِ الجزية هي أَمِ مِنْ نعم الصدقة؟ فقلت: مِنْ

стр. 660

نَعَمِ الجزية، فقال عمر: أردتم والله (١) أكلها؛ قلت: إنَّ عليها وسم الجزية"، ولولا أنَّ الوسم يميز الصدقة من غيرها، ويشهد لما هو وسم عليه؛ لم تكن فيه فائدة بل لا فائدة للوسم إلَّا ذلك؛ ومن لم يعتبر الوسم فلا فائدة فيه عنده (٢). فإن قيل: فما تقولون في الدَّارِ يوجد على بابها أو حائطها الحجر مكتوب فيه "إنَّها وقف" أو "مسجد" هل يحكم بذلك؟ قيل: نعم؛ يقضى به، ويصير وقفًا؛ صرَّح به بعض أصحابنا (٣)؛ وممَّن ذكره الحارثي (٤) في "شرحه" (٥) فإن قيل: يجوز أن ينقل الحجر إلى ذلك الموضع؟ قيل: جواز ذلك كجواز كذب الشاهدين؛ بل هذا أقرب؛ لأنَّ الحجرَ يشاهد جزءًا من الحائط داخلًا فيه، ليس عليه شيء من أمارات النقل؛ بل يقطع غالبًا بأنَّه بني مع الدَّار، ولا سيما حجر عظيم، وضع

стр. 661

عليه الحائط، بحيث يتعذَّر وضعه بعد البناء، فهذا أقوى من شهادة رجلين، أو رجل وامرأتين. فإن قيل: فما تقولون في كتب العلم يوجد على ظهرها (١) وهوامشها (٢) كتابة الوقف، هل للحاكم أن يحكم بكونها وقفًا بذلك؟ قيل (٣): هذا يختلف باختلاف قرائن الأحوال، فإذا رأينا كتبًا مودعة في خزانة (٤)، وعليها كتابة "الوقف" وهي كذلك مدَّة متطاولة، وقد اشتهرت بذلك لم نسترب في كونها وقفًا (٥)؛ وحكمها حكم المدرسة التي عهدت لذلك؛ وانقطعت كتب وقفها أو فقدت، ولكن يعلم النَّاس على تطاول المدة كونها وقفًا، فتكفي في ذلك الاستفاضة، فإنَّ الوقف يثبت بالاستفاضة، وكذلك مصرفه، وأمَّا إذا رأينا كتابًا لا نعلم مقره ولا عرف من كتب عليه الوقف (٦)، فهذا يوجب التوقف في أمره، حتَّى يتبين حاله. والمعول (٧) في ذلك على القرائن، فإن قويت حكم بموجبها، وإن

стр. 662

ضعفت لم يلتفت إليها، وإن توسطت طلب الاستظهار، وسلك طريق الاحتياط، وبالله التوفيق. وقد قال أصحاب مالك (١) - في الرجلين يتنازعان في حائط - فينظر إلى عقده، أو من له عليه خشب أو سقف، وما أشبه ذلك ممَّا يرى بالعين يقضى به لصاحبه، ولا يكلف الطالب البينة، وكذلك القنوات التي تشق الدور والبيوت إلى مستقرها إذا سدَّها الَّذي تشق داره، وأنكر أن يكون عليها مجرى لأحدٍ، فإذا نظروا إلى القناة التي تشق داره، وشهدوا بذلك عند القاضي، ولم يكن عنده في شهادة الشهود الَّذين وجههم لذلك مدفع (٢): ألزمه (٣) مرور القناة على داره، ونهي عن سدها، ومنع منه. قالوا (٤): فإذا نظروا في القناة تشق داره إلى مستقرها - وهي قناة قديمة، والبنيان فيها ظاهر، حتَّى تصب في مستقره - فللحاكم أن يلزمه مرور القناة، كما وجدت في داره. قال ابن القاسم فيما رواه ابن عبد الحكم عنه: إذا اختلفَ الرجلان في جدار بين داريهما - كلٌّ يدعيه - فإن كان عقد بنائه إليهما فهو بينهما، وإن كان معقودًا إلى أحدهما ومنقطعًا عن الآخر فهو إلى من

стр. 663

إليه العقد، وإن كان منقطعًا منهما (١) جميعًا فهو بينهما، وإن كان لأحدهما فيه كُوىً، ولا شيء للآخر فيه، وليس بمنعقد إلى واحد منهما، فهو إلى من إليه (٢) مرافقه، وإن كانت فيه كوى لكليهما فهو بينهما، وإن كانت لأحدهما عليه خُشُب، ولا عقد فيه لواحدٍ منهما، فهو لمن له عليه الحمل فإن كان عليه حمل لهما جميعًا فهو بينهما (٣). والمقصود: أنَّ الكتابة على الحجارة والحيوان وكتب العلم أقوى من هذه الأمارات بكثير، فهي أولى أن يثبت بها حكم تلك الكتابة، ولا سيما عند عدم المعارض، وأمَّا إذا عارضَ ذلك بينةٌ لا تتهم، ولا تستند إلى مجرَّد التبديل فذكر سبب الملك واستمراره (٤)، فإنَّها تقدم على هذه الأمارات. وأمَّا إن عارضها (٥) مجرد اليد: لم يلتفت إليها، فإنَّ هذه الأمارات بمنزلة البينة والشاهد، واليد ترفع بذلك. فصل ومما يلحق بهذا الباب: شهادة الرهن بقدر الدين، إذا اختلف

стр. 664

الراهن والمرتهن في قدره؛ ف القول قول المرتهن مع يمينه، ما لم يدع أكثر من قيمة الرهن ، عند مالك وأهل المدينة (١)، وخالفه الأكثرون (٢). ومذهبه أرجح، واختاره شيخنا (٣) ﵀. وحجته: أن الله جعل الرهن بدلًا من الكتاب والشهود يحفظ به الحق، فلو لم يقبل قول المرتهن، وكان القول قول الرَّاهن، لم تكن في الرهن فائدة، وكان وجوده كعدمه إلَّا في موضعٍ واحد، وهو تقديم المرتهن بدينه على الغرماء الَّذين ديونهم بغير رهن، ومعلومٌ أنَّ الرَّهن لم يشرع لمجرد هذه الفائدة وإنَّما ذكره (٤) الله سبحانه في القرآن العظيم قائمًا مقام الكتاب والشهود، فهو شاهد بقدر الحق، وليس في العرف أن يرهن الرجل ما يساوي ألف دينار على درهم، ومن

стр. 665

يقول: "القول قول الرَّاهن" يقبل قوله: إنَّه رهنه على ثمن درهم أو أقل، وهذا ممَّا يشهد العرف ببطلانه. والَّذين جعلوا القول قول الرَّاهن (١) ألزموا منازعيهم بأنَّهما لو اختلفا في أصل الرهن لكان القولُ قول المالك، فكذلك في قدر الدَّين. وفرَّق الآخرون بين المسألتين بأنَّه قد ثبت تعلق الحق به في مسألة النزاع، والرهن شاهد المرتهن، فمعه ما يصدقه، بخلاف مسألة (٢) الإلزام (٣).

стр. 666

فصل الطريق الرَّابع والعشرون: العلامات (١) الظاهرة . وقد تقدمت في أوَّل الكتاب، ونزيد ها هنا: أنَّ (٢) أصحابنا (٣) وغيرهم (٤) فرَّقوا بين الركاز واللقطة بالعلامات. فقالوا: الركاز ما دفنته الجاهلية، ويعتبر ذلك برؤية (٥) علاماتهم عليه، كأسماء ملوكهم وصورهم وصلبهم، فأمَّا ما عليه علامات المسلمين - كأسمائهم (٦) أو القرآن ونحوه - فهو لقطة؛ لأنَّه ملك مسلم لم يعلم زواله عنه، وكذلك إن كان على بعضه علامة الإسلام، وعلى بعضه علامات (٧) الكفار؛ لأنَّ الظاهر أنَّه صار لمسلم فدفنه، وما لا

стр. 667

علامة عليه فهو لقطة، تغليبًا لحكم الإسلام. ومنها: أنَّ اللقيط لو ادعاه اثنان، ووصف أحدهما علامة مستورة في جسده: قدم بذلك، وحكم له، وهذا مذهب أحمد (١) وأبي حنيفة (٢). وقال الشافعي (٣): لا يحكم بذلك، كما لو ادعيا عينًا سواه، ووصف أحدهما فيها علامات خفية. والمرجحون له بذلك فرَّقوا بينهما بأنَّ ذلك نوع التقاط، فقدم بالصفة، كلقطة المال، وقد دلَّ عليها النص الصحيح الصريح (٤)، وقياس اللقيط على لقطة المال أولى من قياسه على دعوى غيره من الأعيان، على أنَّ في دعوى العين إذا وصفها أحدهما بما يدلُّ ظاهرًا على صدقه نظرًا. وقياس المذهب في مسألة تداعي الزوجين ترجيح الواصف إذًا (٥)

стр. 668

وقد جرى لنا نظير هذه المسألة سواء، وهو أنَّ رجلين تداعيا صرَّة فيها دراهم، فسأل ولي الأمر أحدهما (١) عن صفتها، فوصفها بصفاتٍ خفية، فسأل الآخر، فوصفها بصفات أخرى، فلما اختبرت (٢) طابقت صفات الأوَّل لها، وظهر كذب الآخر، فعلم ولي الأمر والحاضرون (٣) صدقه في دعواه وكذب صاحبه، فدفعها إلى الصادق. وهذا قد يقوى بحيث يفيد القطع، وقد يضعف، وقد يتوسط. ومنها: وجوب دفع اللقطة إلى واصفها ، قال أحمد - في رواية حرب -: إذا جاء صاحبها فعرف الوكاء والعفاص فإنَّها ترد عليه (٤) بلا بينة (٥)، ولا نذهب إلى قول الشافعي: ولا ترد عليه إلَّا ببينة (٦).

стр. 669

وقال ابن مشيش: إن جاء رجل فادعى اللقطة وأعطاه علامتها، تدفع إليه؟ قال: نعم، وقال: إذا جاء بعلامة عفاصها ووكائها وعددها فليس في قلبي منه شيء. ونصَّ أيضًا على المتكاريين يختلفان في دفين في الدَّار ، كل واحد منهما يدعيه فمن أصاب الوصف كان له (١)، وبذلك قال مالك (٢) وإسحاق (٣) وأبو عبيد. وقال أبو حنيفة (٤) والشافعي (٥): إن غلب على ظن الملتقط صدقه جاز الدفع، ولم يجب، وإن لم يغلب لم يجز؛ لأنَّه مدع، وعليه البينة. والصحيح: الأوَّل، لما روى مسلم في صحيحه (٦) من حديث أُبيًّ - فذكر الحديث - وفيه: "فَإِنْ جَاءَكَ أَحَدٌ يُخْبِرُكَ بعَدَدِهَا وَوِعَائِهَا وَوِكَائِهَا فَأعْطِهَا إيَّاهُ"، وفي حديث زيد بن خالد: "فإن جاءَ صَاحِبُهَا

стр. 670

فَعَرَّفَ عِفَاصَهَا وَعَدَدهَا وَوِكَاءَهَا فَأعطِهَا إِيَّاهُ" (١)، والأمر للوجوب، والوصف بينة ظاهرة، فإنَّها من البيان، وهو الكشف والإيضاح، والمراد بها وضوح حجة الدعوى وانكشافها، وهو موجود في الوصف.
следующие страницы →