← Сияса и кади

Сияса и кади · id 18159

الطرق الحكمية في السياسة الشرعية - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (1 013 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

فصل الطريق الرَّابع والعشرون: العلامات (١) الظاهرة . وقد تقدمت في أوَّل الكتاب، ونزيد ها هنا: أنَّ (٢) أصحابنا (٣) وغيرهم (٤) فرَّقوا بين الركاز واللقطة بالعلامات. فقالوا: الركاز ما دفنته الجاهلية، ويعتبر ذلك برؤية (٥) علاماتهم عليه، كأسماء ملوكهم وصورهم وصلبهم، فأمَّا ما عليه علامات المسلمين - كأسمائهم (٦) أو القرآن ونحوه - فهو لقطة؛ لأنَّه ملك مسلم لم يعلم زواله عنه، وكذلك إن كان على بعضه علامة الإسلام، وعلى بعضه علامات (٧) الكفار؛ لأنَّ الظاهر أنَّه صار لمسلم فدفنه، وما لا

стр. 667

علامة عليه فهو لقطة، تغليبًا لحكم الإسلام. ومنها: أنَّ اللقيط لو ادعاه اثنان، ووصف أحدهما علامة مستورة في جسده: قدم بذلك، وحكم له، وهذا مذهب أحمد (١) وأبي حنيفة (٢). وقال الشافعي (٣): لا يحكم بذلك، كما لو ادعيا عينًا سواه، ووصف أحدهما فيها علامات خفية. والمرجحون له بذلك فرَّقوا بينهما بأنَّ ذلك نوع التقاط، فقدم بالصفة، كلقطة المال، وقد دلَّ عليها النص الصحيح الصريح (٤)، وقياس اللقيط على لقطة المال أولى من قياسه على دعوى غيره من الأعيان، على أنَّ في دعوى العين إذا وصفها أحدهما بما يدلُّ ظاهرًا على صدقه نظرًا. وقياس المذهب في مسألة تداعي الزوجين ترجيح الواصف إذًا (٥)

стр. 668

وقد جرى لنا نظير هذه المسألة سواء، وهو أنَّ رجلين تداعيا صرَّة فيها دراهم، فسأل ولي الأمر أحدهما (١) عن صفتها، فوصفها بصفاتٍ خفية، فسأل الآخر، فوصفها بصفات أخرى، فلما اختبرت (٢) طابقت صفات الأوَّل لها، وظهر كذب الآخر، فعلم ولي الأمر والحاضرون (٣) صدقه في دعواه وكذب صاحبه، فدفعها إلى الصادق. وهذا قد يقوى بحيث يفيد القطع، وقد يضعف، وقد يتوسط. ومنها: وجوب دفع اللقطة إلى واصفها ، قال أحمد - في رواية حرب -: إذا جاء صاحبها فعرف الوكاء والعفاص فإنَّها ترد عليه (٤) بلا بينة (٥)، ولا نذهب إلى قول الشافعي: ولا ترد عليه إلَّا ببينة (٦).

стр. 669

وقال ابن مشيش: إن جاء رجل فادعى اللقطة وأعطاه علامتها، تدفع إليه؟ قال: نعم، وقال: إذا جاء بعلامة عفاصها ووكائها وعددها فليس في قلبي منه شيء. ونصَّ أيضًا على المتكاريين يختلفان في دفين في الدَّار ، كل واحد منهما يدعيه فمن أصاب الوصف كان له (١)، وبذلك قال مالك (٢) وإسحاق (٣) وأبو عبيد. وقال أبو حنيفة (٤) والشافعي (٥): إن غلب على ظن الملتقط صدقه جاز الدفع، ولم يجب، وإن لم يغلب لم يجز؛ لأنَّه مدع، وعليه البينة. والصحيح: الأوَّل، لما روى مسلم في صحيحه (٦) من حديث أُبيًّ - فذكر الحديث - وفيه: "فَإِنْ جَاءَكَ أَحَدٌ يُخْبِرُكَ بعَدَدِهَا وَوِعَائِهَا وَوِكَائِهَا فَأعْطِهَا إيَّاهُ"، وفي حديث زيد بن خالد: "فإن جاءَ صَاحِبُهَا

стр. 670

فَعَرَّفَ عِفَاصَهَا وَعَدَدهَا وَوِكَاءَهَا فَأعطِهَا إِيَّاهُ" (١)، والأمر للوجوب، والوصف بينة ظاهرة، فإنَّها من البيان، وهو الكشف والإيضاح، والمراد بها وضوح حجة الدعوى وانكشافها، وهو موجود في الوصف.

стр. 671

فصل الطريق الخامس والعشرون: الحكم بالقرعة . وقد تقدَّم الكلام عليها مستوفى، والحجة في إثباتها (١)، وأنَّها أقوى من كثير من الطرق التي يحكم بها من أبطلها، كمعاقد القمط في الخص، ووجوه الآجر ونحو ذلك، وأقوى من الحكم بكون الزوجة فراشًا بمجرد العقد، وإن علم قطعًا عدم اجتماعهما، وأقوى من الحكم بالنكول المجرد (٢). فصل الطريق السادس والعشرون: الحكم بالقافة . وقد دلَّ عليها سنَّة رسول الله ﷺ (٣)، وعمل خلفائه الرَّاشدين والصحابة من بعدهم، منهم عمر بن الخطاب (٤)، وعلي بن أبي

стр. 672

طالب (١)، وأبي موسى الأشعري (٢)، وابن عباس (٣)، وأنس بن مالك (٤) ﵃ ولا مخالف لهم في الصحابة، وقال بها من التابعين: سعيد بن المسيب (٥)، وعطاء بن أبي رباح (٦)، والزهري (٧)، وإياس بن معاوية (٨)، وقتادة (٩)، وكعب بن سور (١٠)، ومن تابعي التابعين: الليث بن سعد (١١)، ومالك بن أنس وأصحابه (١٢)، ومِمَّن بعدهم: الشافعي وأصحابه (١٣)، وأحمد

стр. 673

وأصحابه (١)، وإسحاق، وأبو ثور (٢)، وأهل الظاهر كلهم (٣). وبالجملة: فهذا قول جمهور الأُمَّة. وخالفهم في ذلك أبو حنيفة وأصحابه (٤)، وقالوا: العمل بها تعويل على مجرد الشبه، وقد يقع بين الأجانب، وينتفي بين الأقارب. وقد دلت على اعتبارها سنة رسول الله ﷺ ، قالت عائشة ﵂: "دخل علي رسول الله ﷺ وهو مسرور تبرق أسارير وجهه (٥)، فقال: أي عائشة ألم تري أن مجززًا المدلجي دخل، فرأى

стр. 674

أسامة وزيدًا وعليهما قطيفة، قد غطيا رؤوسهما (١)، وبدت أقدامهما، فقال: إن هذه الأقدام بعضها من بعض" (٢). وفي لفظ: دخل قائف والنبي ﷺ ساجد (٣)، وأسامة بن زيد وزيد بن حارثة مضطجعان، فقال: إن هذه الأقدام بعضها من بعض، فسر بذلك النبي ﷺ وأخبر به عائشة" (٤) متفق عليهما، وذلك يدل على أن إلحاق القافة يفيد النسب، لسرور النبي ﷺ به، وهو لا يسر بباطل (٥) فإن قيل: النسب كان ثابتًا بالفراش، فسر النبي ﷺ بموافقة قول القائف للفراش (٦)، لا أنه أثبت النسب بقوله (٧). قيل: نعم، النسب كان ثابتًا بالفراش (٨)، وكان الناس يقدحون في نسبه، لكونه أسود وأبوه أبيض (٩)، فلما شهد القائف بأن تلك الأقدام

стр. 675

بعضها من بعض سر النبي ﷺ بتلك الشهادة التي أزالت التهمة. حتى برقت أسارير وجهه من السرور. ومن لا يعتبر القافة يقول: هي من أحكام الجاهلية (١)، ولم يكن رسول الله ﷺ ليسر بها، بل كانت أكره شيء إليه (٢)، ولو كانت باطلة لم يقل: "ألم تري أن مجززًا المدلجي قال كذا وكذا؟ " فإن هذا إقرار منه، ورضا بقوله، ولو كانت القافة باطلة: لم يقر عليها، ولم يرض بها (٣). وقد ثبت في قصة العرنيين "أن النبي ﷺ بعث في طلبهم قافة، فأتى (٤) بهم" رواه أبو داود بإسناد صحيح (٥)، فدل على اعتبار القافة والاعتماد عليها في الجملة (٦)، فاستدل بأثر الأقدام على المطلوبين،

стр. 676

وذلك دليل حسي، وكذلك شبه الأقدام بعضها ببعض دليل حسي على اتحاد الأصل والفرع، فإن الله أجرى العادة بكون الولد نسخة أبيه. وقد ذكر عبد الرزاق عن معمر عن الزهري قال: أخبرني عروة: "أن عمر بن الخطاب ﵁ دعا القافة في رجلين اشتركا في الوقوع على امرأة في طهر واحد، وادعيا ولدها فألحقته القافة (١) بأحدهما" (٢). قال الزهري: أخذ عمر بن الخطاب (٣) ومن بعده بنظر القافة في مثل هذا (٤). وإسناده صحيح متصل، فقد لقي عروة عمر، واعتمر (٥) معه. وروى شعبة عن توبة العنبري عن الشعبي (٦) عن ابن عمر، قال: اشترك رجلان في طهر امرأة، فولدت، فدعا عمر القافة، فقالوا: قد أخذ الشبه منهما جميعًا. فجعله عمر بينهما (٧). وهذا صحيح

стр. 677

أيضًا. (١) وروى يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب عن أبيه قال: "كنت جالسًا عند عمر بن الخطاب، فجاءه رجلان يختصمان في غلام، كلاهما يدعي أنه ابنه، فقال عمر: ادعوا لي أخا بني المصطلق، فجاء، وأنا جالس، فقال: انظر، ابن أيهما تراه؟ فقال: قد اشتركا فيه جميعًا، فقال عمر: لقد ذهب بك بصرك المذاهب، وقام فضربه بالدرة، ثم دعا أم الغلام - والرجلان جالسان، والمصطلقي جالس - فقال لها عمر: ابن أيهما هو؟ قالت: كنت لهذا، فكان يطؤني، ثم يمسكني حتى يستمر بي حملي، ثم أرسلني حتى ولدت منه أولادًا، ثم أرسلني مرة، فأهرقت الدماء، حتى ظننت أنه لم يبق شيء، ثم أصابني هذا، فاستمريت حاملًا، قال: فتدرين من أيهما هو؟ قالت: ما أدري من أيهما هو؟ قال: فعجب عمر للمصطلقي وقال للغلام: خذ بيد أيهما شئت، فأخذ بيد أحدهما واتبعه" (٢).

стр. 678

وروى قتادة عن سعيد بن المسيب - في رجلين اشتركا في طهر امرأة، فحملت غلامًا يشبههما - "فرفع ذلك إلى عمر بن الخطاب، فدعا القافة، فقال لهم: انظروا، فنظروا، فقالوا: نراه يشبههما، فألحقه بهما، وجعله يرثهما ويرثانه، وجعله بينهما"، قال قتادة: فقلت لسعيد بن المسيب: لمن عصبته؟ قال: للباقي (١) منهما (٢). وروى قابوس بن أبي ظبيان عن أبيه عن علي ﵁: "أن رجلين وقعا على امرأة في طهر واحد، فجاءت بولد، فدعا له علي ﵁ القافة، وجعله ابنهما جميعًا يرثهما ويرثانه" (٣).

стр. 679

وروى عبد الرزاق (١) عن معمر عن أيوب (٢) عن ابن سيرين، قال: "اختصم إلى أبي موسى الأشعري في ولد ادعاه دهقان ورجل من العرب، فدعا القافة، فنظروا إليه، فقالوا للعربي: أنت أحب إلينا من هذا العلج، ولكن ليس بابنك، فخل عنه، فإنه ابنه". وروى زياد بن أبي زياد، قال: "انتفى ابن عباس من ولد له، فدعا له ابن كلدة (٣) القائف، فقال: أما إنه ولده، فادعاه ابن عباس" (٤). وصح عن قتادة (٥) عن النضر بن أنس: "أن أنسًا وطئ جارية له، فولدت جارية، فلما حضر قال: ادعوا لها القافة، فإن كانت منكم فألحقوها بكم" (٦). وصح عن حميد (٧): "أن أنسًا شك في ولد له، فدعا له

стр. 680

القافة" (١). وهذه قضايا في مظنة الشهرة، فيكون إجماعًا. قال حنبل: سمعت أبا عبد الله قيل له: تحكم بالقافة؟ قال: نعم، لم يزل الناس على ذلك (٢). فصل والقياس وأصول الشريعة (٣) تشهد للقافة؛ لأن القول بها حكم يستند إلى درك أمور خفية وظاهرة، توجب سكونًا للنَّفس، فوجب اعتباره كنقد النَّاقد، وتقويم المقوِّم. وقد حكى أبو محمد ابن قتيبة: أنَّ قائفًا كان يعرف أثر الأنثى من أثر الذكر (٤). وأمَّا قولهم: "إنَّه يعتمد الشبه" (٥) فنعم، وهو حق، قالت أم سلمة: "يا رسول الله: أَوَ تَحْتَلِمُ المَرْأَةُ؟ فقالَ: تَرِبَتْ يَدَاكِ (٦)، فَبِمَا

стр. 681

يُشْبِهُهَا وَلَدُهَا؟ " (١) متفق عليه، ولمسلم (٢) من حديث أنس بن مالك عن أم سليم قالت: "وهل يكون هذا - يعني الماء -؟ فقال نبي الله ﷺ : "نعم، فَمِنْ أَيْنَ يَكونُ الشَّبَهُ؟ إِنَّ مَاءَ الرَّجُلِ غَلِيظٌ أَبْيَضٌ، ومَاءُ المَرْأَةِ رقِيْقٌ أَصْفَرٌ، فَمِنْ أَيهمَا عَلَا - أَوْ سَبَقَ - يكُوْنُ الشَّبَهُ مِنْهُ". وعن عائشة ﵂ أنَّ امرأة قالت لرسول الله ﷺ : "هَلْ تَغْتَسِلُ المَرْأَةُ إِذَا احْتَلَمَتْ، وَأَبْصَرَتْ المَاءَ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، فَقَالَتْ لهَا عَائِشَةُ: تَرِبَتْ يَدَاكِ، فَقَالَ لَهَا رَسُوْلُ اللهِ ﷺ دَعِيْهَا، وَهَلْ يكُوْنُ الشَّبَهُ إِلَّا مِنْ قِبَلِ ذَاكَ" رواه مسلم (٣). وله أيضًا من حديث أبي أسماء الرحبي (٤) عن ثوبان قال: "كُنْتُ قَائِمًا عِنْدَ رَسوْلِ اللهِ ﷺ فَجَاءَ حَبْرٌ مِنْ أَحْبَارِ

стр. 682

اليَهُودِ (١) فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ: جئْتُ أَسْأَلُكَ عَنِ الوَلَدِ؟ فَقَالَ: مَاءُ الرَّجُلِ أَبْيَضُ، وَمَاءُ المَرْأَةِ أَصْفَرُ، فَإِذَا اجْتَمَعَا، فَعَلا مَنِيُّ الرَّجُلِ مَنِيَّ المَرْأَةِ، أَذْكَرا بِإِذْنِ اللهِ، وَإِذَا عَلَا مَنِيُّ المَرْأَةِ منيَّ الرَّجُلِ آنَثَا بإِذْنِ اللهِ" (٢). وسمعتُ شيخنا ﵀ يقول: في صحة هذا اللفظ نظر (٣). قلت: لأنَّ (٤) المعروف المحفوظ في ذلك إنَّما هو تأثير سبق الماء في الشبه، وهو الَّذي ذكره البخاري من حديث أنس: "أنَّ عبد الله بن سلام بلغه مقدم النبي ﷺ المدينة، فأتاه، فسأله عن أشياء، قال النبي ﷺ : "وَأَمَّا الوَلدُ فَإِذَا سَبَقَ مَاءُ الرَّجُل مَاءَ المَرْأَةِ نَزَعَ الوَلَدَ، وَإِذَا سَبَقَ مَاءُ المَرْأَةِ مَاءَ الرَّجُلِ نَزَعَتْ الوَلَدَ" (٥). فهذا السؤال الَّذي سأل عنه عبد الله بن سلام والجواب الَّذي أجابه به النبي ﷺ هو نظير (٦) السؤال الَّذي سأل عنه الحبر، والجواب واحد، ولا سيما إن كانت القصة واحدة، والحبر هو عبد الله بن سلام، فإنَّه

стр. 683

سأله وهو على دين اليهود، فأنس عيَّن اسمه، وثوبان قال: "جاء حبر من اليهود" وإن كانتا قصتين والسؤال واحد فلا بُدَّ أن يكون الجواب كذلك. وهذا يدلُّ على أنَّهم إنَّما سألوا عن الشبه، ولهذا وقع الجواب به وقامت به الحجة، وزالت به الشبهة. وأمَّا الإذكار والإيناث فليس بسبب (١) طبيعي، وإنَّما سببه (٢) الفاعل المختار الَّذي يأمر الملك به، مع تقدير الشقاوة والسعادة، والرزق، والأجل، ولذلك جمع بين هذه الأربع في الحديث: "فَيَقُولُ المَلَكُ: يَا رَبِّ، ذَكَرٌ؟ يَا ربِّ، أُنْثَى؟ فَيَقْضِي رَبُّكَ مَا يَشَاءُ، ويَكْتُبُ المَلَكُ" (٣). وقد ردَّ سبحانه ذلك إلى محض مشيئته في قوله تعالى: ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ (٤٩) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (٥٠)﴾ [الشورى: ٤٩ - ٥٠]. والتعليق بالمشيئة وإن كان لا ينافي ثبوت السبب (٤) فذلك إذا علم كون الشيء سببًا، ودلَّ على سببيته العقل والنص، والإذكار والإيناث

стр. 684

[لا] يعلم له سببٌ طبيعي يعلمِ بالعقل وبالنص (١)، وقد قال ﷺ في حديث أم سليم: "مَاءُ الرَّجُلِ غلِيْظٌ أَبْيَضُ، ومَاءُ المَرْأَةِ رَقِيْقٌ أَصْفَرُ، فَمِنْ أيهما عَلَا (٢) - أَوْ سَبَقَ - يَكُوْنُ الشَّبَهُ" (٣)، فجعل للشبه سببين: علو الماء، وسبقه. وبالجملة، فعامة الأحاديث إنَّما هي في تأثير سبق الماء وعلوه في الشبه، وإنَّما جاء تأثير ذلك في الإذكار والإيناث في حديث ثوبان وحده (٤)، وهو فرد بإسناده، فيحتمل أنَّه اشتبه على الرَّاوي فيه الشبه بالإذكار والإيناث، وإن كان قد قاله رسول الله ﷺ فهو الحقُّ الَّذي لا شكَّ فيه، ولا ينافي سائر الأحاديث، فإنَّ الشبه من السبق، والإذكار والإيناث من العلو، وبينهما فرق، وتعليقه على المشيئة (٥) لا ينافي تعليقه على السبب، كما أنَّ الشقاوة والسعادة والرزق معلقات (٦) بالمشيئة، وحاصلة (٧) بالسبب، والله أعلم.

стр. 685

والمقصود أنَّ النبي ﷺ اعتبر الشبه في لحوق النسب، وهذا معتمد القائف، لا معتمد له سواه (١)، وقد قال النبي ﷺ في قصة المتلاعنين: "إن جَاءَتْ بهِ أَكْحَلَ العَيْنَين، سَابِغَ (٢) الإِلْيَتَيْنِ، خَدَلَّجَ (٣) السَّاقَيْنِ، فَهُوَ لِشَرِيك ابن سَحْمَاءَ" فجاءت به كذلك، فقال النبي ﷺ لَوْلَا مَا مَضَى مِنْ كِتَابِ اللهِ، لَكَانَ لِي وَلَهَا شَأْنٌ" رواه البخاري (٤)، فاعتبر النبي ﷺ الشبه وجعله لِمُشْبِهِهِ. فإن قيل: فهذا حجة عليكم؛ لأنَّه - مع صريح الشبه - لم يلحقه بِمُشْبهه في الحكم (٥)، قيل: إنَّما منع إعمال الشبه لقيام مانع اللعان، ولهذا قال ﷺ : "لَوْلَا الأيمانُ لَكَانَ لِي وَلَهَا شأْنٌ" (٦)، فاللعان سبب

стр. 686

أقوى من الشبه، قاطع للنسب، وحيث اعتبرنا الشبه في لحوق النسب فإنَّما ذاكَ إذا لم يقاومه سبب أقوى منه، ولهذا لا يعتبر مع الفراش، بل يحكم بالولد للفراش، وإن كان الشبه لغير صاحبه، كما حكم النبي ﷺ في قصَّة عبد بن زمعة بالولد المتنازع فيه لصاحب الفراش (١)، ولم يعتبر الشبه المخالف له، فأعمل النبي ﷺ الشبه في حجب سودة، حيث انتفى المانع من إعماله في هذا الحكم بالشبه (٢) إليها، ولم يعمله في النسب لوجود الفراش. وأصول الشرع وقواعده والقياس الصحيح تقتضي اعتبار الشبه في لحوق النسب (٣)، والشَّارع متشوف إلى اتصال الأنساب وعدم انقطاعها. ولهذا اكتفى في ثبوتها بأدنى الأسباب من شهادة المرأة الواحدة على الولادة (٤)، والدعوى المجردة مع الإمكان، وظاهر الفراش، فلا يستبعد أن يكون الشبه الخالي عن سبب مقاوم له كافيًا في ثبوته، ولا نسبة بين قوَّة اللحاق بالشبه وبين ضعف اللحاق لمجرد (٥) العقد، مع

стр. 687

القطع بعدم الاجتماع في مسألة المشرقية والمغربي (١)، ومن طلَّق عقيب العقد من غير مهلة ثمَّ جاءت بولد (٢). فإن قيل: فقد ألغى النبي ﷺ الشبه في لحوق النسب (٣)، كما في "الصحيح" (٤): أن رجلًا (٥) قال له: "إن امرأتي ولدت غلامًا أسود، فقال: "هَلْ لَكَ مِنْ إِبلٍ"؟ قال: نعم، قال: "فَمَا أَلْوَانُهَا"؟ قال: حُمْرٌ، قال: "فَهَلْ فيها من أوْرَق (٦) "؟ قال: نعم، إنَّ فيها لَوُرْقًا، قال: "فَأَنَّى لَها ذلكَ"؟ قال: عسى أن يكون نزعه عِرْقٌ، قال: "وهَذَا عَسَى أن يكُونَ نَزَعَهُ عِرْقٌ". قيل: إنَّمَا [لَمْ] (٧) يعتبر الشبه ها هنا لوجود الفراش الَّذي هو أقوى منه، كما في حديث ابن أمة زمعة (٨)، ولا يدلّ ذلك على أنَّهُ

стр. 688

لا (١) يعتبر مطلقًا، بل في الحديث ما يدلُّ على اعتبار الشبه، فإنَّه ﷺ أحَال على نوعٍ آخر من الشبه، وهو نزع العرق، وهذا الشبه أولى لقوته بالفراش، والله أعلم. قالت الحنفية (٢): إذا لم ينازع مدعي الولد فيه (٣) غيره فهو له، وإن نازعه غيره، فإن كان أحدهما صاحب فراش قدم على الآخر، فإنَّ الولد للفراش، وإن استويا في عدم الفراش، فإن ذكر أحدهما علامة بجسده ووصفه بصفة فهو له (٤)، وإن لم يصفه واحد منهما، فإن كانا رجلين أو رجلًا وامرأة ألحق بهما، وإن كانا امرأتين فقال أبو حنيفة: يلحق بهما حكمًا، مع العلم بأنَّه لم يخرج إلَّا من إحداهما، ولكن ألحقه بهما في الحكم، كما لو كان المدعى مالًا، فأجرى الإنسان مجرى الأموال والحقوق (٥)، وقال أبو يوسف ومحمد: لا يلحق بهما (٦)، كما قال الجمهور (٧)، للقطع بأنَّه يستحيل أن يولد منهما،

стр. 689

بخلاف الرجلين، فإنَّه يمكن تخليقه من مائهما، كما يخلق من ماء الرجل والمرأة. قالوا (١): وقد دلَّ على اعتبار العلامات قصة شاهد يوسف (٢)، وقول النبي ﷺ للملتقط: "اعْرِفْ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا وَوِعَاءَهَا، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا فَعَرَّفَهَا فَأَدِّهَا إِلَيْهِ" (٣). قالوا (٤): ولو أثرت القافة والشبه في نتاج الآدمي لأثر ذلك في نتاج الحيوان، فكُنَّا نحكم بالشبه في ذلك، كما نحكم به بين الآدميين، ولا نعلم بذلك قائلًا. قالوا (٥): ولأنَّ الشبه أمر مشهود مدرك بحاسة البصر، فإمَّا أن يحصل لنا ذلك بالمشاهدة أو لا يحصل، فإن حصل لم تكن في القائف فائدة، ولا حاجة إليه، وإن لم يحصل لنا بالمشاهدة لم نصدق القائف، فإنَّه يدعي أمرًا حسيًّا لا يدرك بالحس.

стр. 690

قالوا (١): وقد دلَّ الحس على وقوع التشابه بين الأجانب الَّذين لا نسب بينهم، ووقوع التخالف والتباين بين ذوي النسب الواحد، وهذا أمرٌ معلومٌ بالمشاهدة لا يمكن جحده، فكيف يكون دليلًا على النسب، ويثبت به التوارث والحرمة والمحرمية (٢) وسائر أحكام النسب؟ قالوا: والاستلحاق موجبٌ للحوق النسب، وقد وجد في (٣) المتداعيين وتساويا فيه، فيجب أن يتساويا في حكمه، فإنَّه يمكن كونه منهما، وقد استلحقه كل واحد منهما، والاستلحاق أقوى من الشبه، ولهذا لو استلحقه مستلحق ووجدنا شبهًا بينا بغيره ألحقناه بمن استلحقه، ولم نلتفت إلى الشبه. قالوا: ولأنَّ القائف إمَّا شاهدٌ وإمَّا حاكم، فإن كان شاهدًا فمستند شهادته الرؤية، وهو وغيره فيها سواء، فجرى تفرده في الشهادة مجرى شهادة واحد من بين الجمع العظيم بأمر لو وقع لشاركوه في العلم به، ومثل هذا لا يقبل. وإن كان حاكمًا فالحاكم لا بُدَّ له من طريق يحكم بها، ولا طريق ها هنا إلَّا الرؤية والشبه، وقد عرف أنَّه لا يصلح طريقًا. قالوا: ولو كانت القافة طريقًا شرعيًّا لما عدل عنها داود وسليمان - صلوات الله وسلامه عليهما - في قصة الولد الَّذي ادعته المرأتان، بل حكم به داود للكبرى، وحكم به سليمان للصغرى بالقرينة التي استدل

стр. 691

بها من شفقتها وإيثارها حياته (١) بإقرارها به للكبرى (٢)، ولم يعتبر (٣) قافة ولا شبهًا. قالوا (٤): وقد روى زيد بن أرقم قال: "أُتِي عليٌّ ﵁ وهو باليمن - بثَلَاثَة (٥) وَقَعُوا على امرَأةٍ طُهْرٍ وَاحِدٍ، فَسَأَلَ اثْنَيْنِ أَتُقِرَّان لِهَذَا بالولد؟ قالا: لا، حَتَّى سَأَلهُم جميعًا، فَجَعَلَ كُلَّمَا سَأَلَ اثْنَيْنِ قَالَا: لَا، فَأَقْرَعَ بَيْنَهُم، فَأَلْحَقَ الوَلَدَ بالَّذِي صَارَتْ إِلَيْهِ القُرْعَةُ، وَجَعَلَ عَلَيْهِ ثُلُثَي الدَّيَة، قال: فَذَكَرْتُ ذلِكَ لِلنَّبِيَّ ﷺ فَضَحِكَ، حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ" وَفِي لَفظٍ: "فَمَنْ قَرَعَ فَلَهُ الوَلَدُ، وَعَلْيهِ لِصَاحِبَيْهِ ثُلُثا الدِّيَة" وفي لفظ: "فذكر ذلك للنَّبي ﷺ فقال: لَا أَعْلَمُ إِلَّا مَا قَالَ علي" أخرجه الإمام أحمد في "المسند" وأبو داود والنسائي وابن ماجه والحاكم في صحيحه (٦). قال أبو محمد ابن حزم: هذا خبرٌ مستقيم السند، نقلته كلهم ثقات (٧). ا. هـ.

стр. 692

وهذا حديثٌ مداره على الشعبي، وقد رواه جماعة واختلف عليه، فرواهُ يحيى بن سعيد القطان (١)، وخالد بن عبد الله الواسطي (٢)، وعبد الله ابن نمير، ومالك بن إسماعيل النهدي (٣)، وقيس بن الربيع (٤)، عن الأجلح يحيى بن عبد الله بن حجية الكندي عن الشعبي عن عبد الله بن خليل الحضرمي الكوفي عن زيد بن أرقم، ومن هذا الوجه أورده الحاكم (٥) وكذلِكَ رواه سفيان بن عيينة (٦)، وعلي بن مسهر عن

стр. 693

الأجلح (١) وقالا: عبد الله بن أبي الخليل. ورواه شعبة عن سلمة بن كهيل عن الشعبي عن أبي الخليل (٢) أو ابن أبي (٣) الخليل (٤): "أنَّ ثلاثة نفرٍ اشتركوا" ولم يذكر زيدًا، ولم يرفعه. ورواه عبد الرزاق (٥) عن الثوري عن صالح بن صالح الهمداني عن

стр. 694

الشعبي عن عبد خير الحضرمي. ورواه ابن عيينة (١) وجرير بن عبد الحميد (٢) وعبد الرحيم بن سليمان (٣) عن محمد بن سالم (٤) عن الشعبي عن علي بن

стр. 695

ذريح (١) - ويقال: ذري الحضرمي (٢) - عن زيد. ورواه خالد بن عبد الله الواسطي عن أبي إسحاق الشيباني (٣) - سليمان (٤) بن فيروز - عن الشعبي عن رجل من حضرموت (٥) عن زيد. وبالجملة، فيكفي أنَّ في هذا الحديث أمير المؤمنين في الحديث شعبة (٦)، وإذا كان شعبة (٧) في حديث لم يكن باطلًا، وكان

стр. 696

محفوظًا (١)، وقد عمل به أهل الظاهر (٢)، وهو وجه للشافعية (٣) عند تعارض البينة، وهو ظاهر - بل صريح - في عدم اعتبار القافة، فإنَّها لو كانت معتبرة لم يعدل عنها إلى القرعة. قالوا (٤): وأصح ما معكم: حديث أُسامة بن زيد، ولا حجة فيه؛ لأنَّ النسب (٥) هناك ثابت بالفراش، فوافقه قول القائف فَسُرَّ النبي ﷺ بموافقة قول القائف (٦) لشرعه الَّذي جاء به من أنَّ الولد للفراش، وهذا لا خفاء به، فمن أين يصلح ذلك لإثبات كون القيافة طريقًا مستقلًّا بإثبات النسب؟ قال أصحاب الحديث (٧): نحن إنما نحتاج إلى القافة عند التنازع في الولد، نفيًا وإثباتًا، كما إذا ادعاه رجلان أو امرأتان، أو اعترف الرجلان بأنَّهما وطئا المرأة بشبهة، وأنَّ الولدَ من أحدهما، وكل منهما ينفيه عن نفسه، وحينئذٍ فإمَّا أن نُرَجِّحَ أحدهما بلا مرجح (٨)، ولا سبيل

стр. 697

إليه (١)، وإمَّا أن نلغي دعواهما فلا يلحق بواحدٍ منهما، وهو باطلٌ أيضًا، فإنَّهما معترفان بسبب اللحوق، وليس هنا سبب غيرهما، وإمَّا أن يلحق بهما مع ظهور الشبه البين بأحدهما، وهو أيضًا باطل شرعًا وعرفًا وقياسًا كما تقدم، وإمَّا أن يقدم أحدهما بوصفه لعلامات في الولد، كما يقدم واصف اللقطة، وهذا - أيضًا - لا اعتبار به ها هنا، بخلاف اللقطة، والفرق بينهما ظاهر؛ فإنَّ اطلاع غير الأب على بدن الطفل وعلاماته غير مستبعد بل هو واقعٌ كثيرًا، فإنَّ الطفل بارز ظاهر لوالديه وغيرهما. وأما اطلاع غير مالك اللقطة على عددها وعفاصها ووعائها ووكائها فأمر في غاية الندرة، فإنَّ العادة جارية بإخفائها وكتمانها، فإلحاق إحدى الصورتين بالأُخرى ممتنع. وأمَّا الإلحاق بأُمَّين (٢) فمقطوعٌ ببطلانه واستحالته، عقلًا وحسًّا، فهو كإلحاق ابن ستين سنة بابن عشرين سنة (٣). وكيف ينكر القافة التي مدارها على الشبه الَّذي وضعه الله سبحانه

стр. 698

بين الوالدين والولد من يلحق الولد بأُمَّين (١)؟ فأين أحد هذين الحكمين من الآخر، في العقل والشرع والعرف والقياس؟ (٢) وما أثبت الله ورسوله قط حكمًا من الأحكام يقطع ببطلان سببه حسًّا أو عقلًا، فحاشا أحكامه سبحانه من ذلك، فإنَّه لا أحسن حكمًا منه ولا أعدل، ولا يحكم حكمًا يقول العقل: ليته حكم بخلافه، بل أحكامه كلها ممَّا تشهد العقول والفطرة بحسنها، ووقوعها على أتم الوجوه وأحسنها، وأنَّه لا يصلح في موضعها سواها. وأنت إذا عرضت على العقول كون الولد ابن أُمَّين (٣) لم تجد قبولها له كقبولها لكون الولد لمن أشبهه (٤) الشبه البين، فإنَّ هذا موافق لعادة الله وسنته في خلقه، وذلك مخالف لعادته وسنته. وقولهم: "إنَّهما (٥) استويا في سبب الإلحاق - وهو الدعوى - فيستويان في الحكم، وهو لحوق النسب".

стр. 699

فيقال: القاعدة أنَّ صحة الدعوى يُطلب بيانها من غير جهة المدعي مهما أمكن، وقد أمكن ها هنا بيانها (١) بالشبه الَّذي يطلع عليه القائف، فكان اعتبار صحتها بذلك أولى من اعتبار صحتها بمجرد الدعوى، فإذا انتفى السبب الَّذي يبين صحتها من غير جهة المدعي - كالفراش والقافة - بغير (٢) إعمال الدعوى، فإذا استويا فيها (٣) استويا في حكمها، فهذا محض الفقه، ومقتضى قواعد الشرع، وأمَّا أن تعمل الدعوى المجردة مع ظهور ما يخالفها من الشبه البين الَّذي نصبه الله علامة لثبوت النسب شرعًا وقدرًا، فهذا مخالف للقياس ولأصول الشرع. وقد قال النبي ﷺ : "البَيِّنَةُ على المدَّعِي" (٤)، و"البينة" اسمٌ لما يبين صحة الدعوى، والشبه مُبَيِّن صحة الدعوى، فإذا كان من جانب أحد المتداعيين (٥) كان النسب له، وإن (٦) كان من جهتهما كان النسب لهما. وقولهم (٧): "لو أثَّر الشبه والقافة في نتاج الآدمي لأثر في نتاج

стр. 700

الحيوان". جوابه من وجوه: أحدها: منع الملازمة، إذ لم يذكروا عليها دليلًا سوى مجرَّد الدعوى، فأين التلازم شرعًا وعقلًا بين النَّاس والحيوان (١)؟ الثاني: أنَّ الشارع متشوف إلى ثبوت الأنساب مهما أمكن، ولا يحكم بانقطاع النسب إلَّا حيث يتعذَّر إثباته، ولهذا ثبته بالفراش وبالدعوى وبالأسباب التي بمثلها لا يثبت نتاج الحيوان (٢). الثالث: أن إثبات النسب فيه حق لله وحق للولد وحق للأب، ويترتب عليه من أحكام الوصل بين العباد ما به قوام مصالحهم وتمامها (٣)، فأثبته الشرع بأنواع الطرق التي لا يثبت بمثلها نتاج الحيوان. الرَّابع: أنَّ سببه الوطء، وهو إنَّما يقع غالبًا في غاية التستر، ويكتم عن العيون وعن اطلاع القريب والبعيد عليه، فلو كلف البينة على سببه لضاعت أنساب بني آدم، وفسدت أحكام الصلات التي بينهم، ولهذا ثبت بأيسر شيء من فراش ودعوى وشبه، حتَّى أثبته أبو حنيفة بمجرد العقد، مع القطع بعدم وصول أحدهما إلى الآخر (٤)، وأثبته

стр. 701

لأُمَّين (١) مع القطع بعدم خروجه منهما احتياطًا للنسب، ومعلوم أنَّ الشبه أولى وأقوى من ذلك بكثير. الخامس: أنَّ المقصود من نتاج الحيوان إنَّما هو المال المجرَّد، فدعواه دعوى مال محض، بخلاف دعوى النسب، فأين دعوى المال من دعوى النسب (٢)؟ وأين أسباب ثبوت أحدهما من أسباب ثبوت الآخر؟ السادس: أنَّ المالَ يباح بالبذل، ويُعاوَضُ عليه، ويقبل النقل، وتجوز الرغبة عنه، والنسب بخلاف ذلك. السَّابع: أنَّ الله سبحانه جعل بين أشخاص الآدميين من الفرق في صورهم وأصواتهم وحلاهم ما يتميز به بعضهم من بعض، ولا يقع الاشتباه بينهم، بحيث يتساوى الشخصان من كلِّ وجهٍ إلَّا في غاية الندرة، مع أنَّه لا بُدَّ من الفرق، وهذا القدر لا يوجد مثله بين أشخاص الحيوان، بل التشابه فيه أكثر والتماثل أغلب، فلا يكاد الحس يميز بين نتاج الحيوان ونتاج غيره برد كل منهما إلى أُمِّه وأبيه، وإن كان قد يقع ذلك، لكن وقوعه قليل بالنسبة إلى أشخاص الآدمي، فإلحاق أحدهما بالآخر ممتنع. قولهم (٣): "إنَّ الاعتماد في القافة على الشبه، وهو أمر

стр. 702

مدرك (١) بالحس، فإن حصل بالمشاهدة فلا حاجة إلى القائف، وإن لم يحصل لم يقبل قول القائف". جوابه أن يقال: الأمور المدركة بالحس نوعان: نوع يشترك فيه الخاص والعام ، كالطول والقصر، والبياض والسواد، ونحو ذلك، فهذا لا يقبل فيه تفرد المخبر والشاهد بما لا يدركه النَّاس معه. والثاني: ما لا يلزم فيه الاشتراك، كرؤية الهلال، ومعرفة الأوقات، وأخذ كل من الليل والنهار (٢) في الزيادة والنقصان، ونحو ذلك ممَّا يختص بمعرفته أهل الخبرة، من تعديل القسمة، وكبر الحيوان وصغره، والخرص، ونحو ذلك، فهذا وأمثاله ممَّا مستنده (٣) الحس ولا يجب الاشتراك فيه، فيقبل فيه قول الواحد والاثنين. ومن هذا: التشابه والتماثل بين الآدميين، فإنَّ التشابه بين (٤) الولد والوالد يظهر في صورة الطفل وشكله، وهيئة أعضائه، ظهورًا خفيًّا، يختص بمعرفته القائف دون غيره، ولهذا كانت العرب تعرف ذلك لبني

стр. 703

مدلج، وتقر لهم به، مع أنَّه لا يختص بهم (١)، ولا يشترط في القائف كونه منهم. قال إسماعيل بن سعيد: سألت أحمد عن القائف هل يقضى بقوله؟ قال: يقضى بقوله إذا علم، وأهل الحجاز يعرفون ذلك (٢). وشرط بعض الشافعية كونه مدلجيًّا (٣)، وهذا ضعيف جدًّا لا يلتفت إليه. قال عبد الرحمن بن حاطب: "كُنت جالسًا عند عمر ﵁، فجاءه رجلان في غلام، كلاهما يدعي أنَّه ابنه، فقال عمر ﵁: ادعوا لي أخا بني المصطلق، فجاء فقال: انظر ابن أيهما تراه؟ فقال: قد اشتركا فيه" (٤) وذكر بقية الخبر، وبنو المصطلق بطن من خزاعة لا نسب لهم في بني مدلج. وكذلك إياس بن معاوية (٥) كان غاية في القيافة وهو من مزينة، وشريح بن الحارث القاضي كان قائفًا، وهو من كندة، وقد قال أحمد: أهل الحجاز يعرفون ذلك، ولم يخصه ببني مدلج. والمقصود: أنَّ أهل القيافة كأهل الخبرة وأهل الخرص والقاسمين

стр. 704

وغيرهم، ممَّن اعتمادهم على الأمور المشاهدة المرئية لهم، ولهم فيها علامات يختصون بمعرفتها من التماثل والاختلاف والقدر والمساحة، وأبلغ من ذلك النَّاس يجتمعون لرؤية الهلال، فيراه من بينهم الواحد والاثنان، فيحكم بقوله أو قولهما دون بقية الجمع. قولهم: "إنَّا ندرك التشابه بين الأجانب والاختلاف بين المشتركين في النسب". قلنا (١): نعم، لكن الظاهر الأكثر خلاف ذلك، وهو الَّذي أجرى الله به العادة، وجواز التخلف عن الدليل والعلامة الظاهرة في النَّادر لا يخرجه عن أن يكون دليلًا عند عدم معارضة ما يقاومه، ألا ترى أنَّ الفراش دليل على النسب والولادة، وأنَّه ابنه؟ ويجوز - بل يقع كثيرًا - تخلف دلالته، وتخليق الولد من غير ماء صاحب الفراش، ولا يبطل ذلك كون الفراش دليلًا، وكذلك أمارات الخرص والقسمة والتقويم وغيرها قد تتخلف عنها أحكامها ومدلولاتها، ولا يمنع ذلك اعتبارها، وكذلك شهادة الشاهدين وغيرهما، وكذلك دلالة الأقراء والقرء (٢) الواحد على براءة الرحم، إنَّما هو دليل ظاهر مع جواز تخلف دلالته، ووقوع ذلك وأمثال ذلك كثير.

стр. 705

قولهم: "إنَّ الاستلحاق موجب للحوق النسب، وقد اشتركا فيه، فيشتركان في موجبه". قلنا: هذا صحيح، إذا لم يتميز أحدهما بأمرٍ خارج عن الدعوى، فأمَّا إذا تميز بأمرٍ آخر، كالفراش والشبه، كان اللحاق به، كما لو تميز بالبينة، بل الشبه نفسه بينة من أقوى البينات، فإنَّها اسمٌ لما يبين الحق ويظهره، وظهور الحق ها هنا بالشبه أقوى من ظهوره بشهادة من يجوز عليه الوهم والغلط والكذب، وأقوى بكثير من فراش يقطع بعدم اجتماع الزوجين فيه. قولهم: "القائف إمَّا شاهد وإما حاكم ... " إلخ. قلنا: هذا فيه قولان لمن يقول بالقافة، هما روايتان عن أحمد (١)، ووجهان لأصحاب الشافعي (٢)، مبنيان على أنَّ القائف هل هو حاكم أو شاهد؟ عند طائفة من أصحابنا وعند آخرين ليسا مبنيين على ذلك، بل الخلاف جار، سواء قلنا: القائف حاكم أو شاهد كما نعتبر حاكمين في جزاء الصيد (٣).
следующие страницы →