← Сияса и кади

Сияса и кади · id 18159

الطرق الحكمية في السياسة الشرعية - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (1 013 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

لأُمَّين (١) مع القطع بعدم خروجه منهما احتياطًا للنسب، ومعلوم أنَّ الشبه أولى وأقوى من ذلك بكثير. الخامس: أنَّ المقصود من نتاج الحيوان إنَّما هو المال المجرَّد، فدعواه دعوى مال محض، بخلاف دعوى النسب، فأين دعوى المال من دعوى النسب (٢)؟ وأين أسباب ثبوت أحدهما من أسباب ثبوت الآخر؟ السادس: أنَّ المالَ يباح بالبذل، ويُعاوَضُ عليه، ويقبل النقل، وتجوز الرغبة عنه، والنسب بخلاف ذلك. السَّابع: أنَّ الله سبحانه جعل بين أشخاص الآدميين من الفرق في صورهم وأصواتهم وحلاهم ما يتميز به بعضهم من بعض، ولا يقع الاشتباه بينهم، بحيث يتساوى الشخصان من كلِّ وجهٍ إلَّا في غاية الندرة، مع أنَّه لا بُدَّ من الفرق، وهذا القدر لا يوجد مثله بين أشخاص الحيوان، بل التشابه فيه أكثر والتماثل أغلب، فلا يكاد الحس يميز بين نتاج الحيوان ونتاج غيره برد كل منهما إلى أُمِّه وأبيه، وإن كان قد يقع ذلك، لكن وقوعه قليل بالنسبة إلى أشخاص الآدمي، فإلحاق أحدهما بالآخر ممتنع. قولهم (٣): "إنَّ الاعتماد في القافة على الشبه، وهو أمر

стр. 702

مدرك (١) بالحس، فإن حصل بالمشاهدة فلا حاجة إلى القائف، وإن لم يحصل لم يقبل قول القائف". جوابه أن يقال: الأمور المدركة بالحس نوعان: نوع يشترك فيه الخاص والعام ، كالطول والقصر، والبياض والسواد، ونحو ذلك، فهذا لا يقبل فيه تفرد المخبر والشاهد بما لا يدركه النَّاس معه. والثاني: ما لا يلزم فيه الاشتراك، كرؤية الهلال، ومعرفة الأوقات، وأخذ كل من الليل والنهار (٢) في الزيادة والنقصان، ونحو ذلك ممَّا يختص بمعرفته أهل الخبرة، من تعديل القسمة، وكبر الحيوان وصغره، والخرص، ونحو ذلك، فهذا وأمثاله ممَّا مستنده (٣) الحس ولا يجب الاشتراك فيه، فيقبل فيه قول الواحد والاثنين. ومن هذا: التشابه والتماثل بين الآدميين، فإنَّ التشابه بين (٤) الولد والوالد يظهر في صورة الطفل وشكله، وهيئة أعضائه، ظهورًا خفيًّا، يختص بمعرفته القائف دون غيره، ولهذا كانت العرب تعرف ذلك لبني

стр. 703

مدلج، وتقر لهم به، مع أنَّه لا يختص بهم (١)، ولا يشترط في القائف كونه منهم. قال إسماعيل بن سعيد: سألت أحمد عن القائف هل يقضى بقوله؟ قال: يقضى بقوله إذا علم، وأهل الحجاز يعرفون ذلك (٢). وشرط بعض الشافعية كونه مدلجيًّا (٣)، وهذا ضعيف جدًّا لا يلتفت إليه. قال عبد الرحمن بن حاطب: "كُنت جالسًا عند عمر ﵁، فجاءه رجلان في غلام، كلاهما يدعي أنَّه ابنه، فقال عمر ﵁: ادعوا لي أخا بني المصطلق، فجاء فقال: انظر ابن أيهما تراه؟ فقال: قد اشتركا فيه" (٤) وذكر بقية الخبر، وبنو المصطلق بطن من خزاعة لا نسب لهم في بني مدلج. وكذلك إياس بن معاوية (٥) كان غاية في القيافة وهو من مزينة، وشريح بن الحارث القاضي كان قائفًا، وهو من كندة، وقد قال أحمد: أهل الحجاز يعرفون ذلك، ولم يخصه ببني مدلج. والمقصود: أنَّ أهل القيافة كأهل الخبرة وأهل الخرص والقاسمين

стр. 704

وغيرهم، ممَّن اعتمادهم على الأمور المشاهدة المرئية لهم، ولهم فيها علامات يختصون بمعرفتها من التماثل والاختلاف والقدر والمساحة، وأبلغ من ذلك النَّاس يجتمعون لرؤية الهلال، فيراه من بينهم الواحد والاثنان، فيحكم بقوله أو قولهما دون بقية الجمع. قولهم: "إنَّا ندرك التشابه بين الأجانب والاختلاف بين المشتركين في النسب". قلنا (١): نعم، لكن الظاهر الأكثر خلاف ذلك، وهو الَّذي أجرى الله به العادة، وجواز التخلف عن الدليل والعلامة الظاهرة في النَّادر لا يخرجه عن أن يكون دليلًا عند عدم معارضة ما يقاومه، ألا ترى أنَّ الفراش دليل على النسب والولادة، وأنَّه ابنه؟ ويجوز - بل يقع كثيرًا - تخلف دلالته، وتخليق الولد من غير ماء صاحب الفراش، ولا يبطل ذلك كون الفراش دليلًا، وكذلك أمارات الخرص والقسمة والتقويم وغيرها قد تتخلف عنها أحكامها ومدلولاتها، ولا يمنع ذلك اعتبارها، وكذلك شهادة الشاهدين وغيرهما، وكذلك دلالة الأقراء والقرء (٢) الواحد على براءة الرحم، إنَّما هو دليل ظاهر مع جواز تخلف دلالته، ووقوع ذلك وأمثال ذلك كثير.

стр. 705

قولهم: "إنَّ الاستلحاق موجب للحوق النسب، وقد اشتركا فيه، فيشتركان في موجبه". قلنا: هذا صحيح، إذا لم يتميز أحدهما بأمرٍ خارج عن الدعوى، فأمَّا إذا تميز بأمرٍ آخر، كالفراش والشبه، كان اللحاق به، كما لو تميز بالبينة، بل الشبه نفسه بينة من أقوى البينات، فإنَّها اسمٌ لما يبين الحق ويظهره، وظهور الحق ها هنا بالشبه أقوى من ظهوره بشهادة من يجوز عليه الوهم والغلط والكذب، وأقوى بكثير من فراش يقطع بعدم اجتماع الزوجين فيه. قولهم: "القائف إمَّا شاهد وإما حاكم ... " إلخ. قلنا: هذا فيه قولان لمن يقول بالقافة، هما روايتان عن أحمد (١)، ووجهان لأصحاب الشافعي (٢)، مبنيان على أنَّ القائف هل هو حاكم أو شاهد؟ عند طائفة من أصحابنا وعند آخرين ليسا مبنيين على ذلك، بل الخلاف جار، سواء قلنا: القائف حاكم أو شاهد كما نعتبر حاكمين في جزاء الصيد (٣).

стр. 706

وكذلك إذا قبلنا قوله وحده: جاز ذلك، وإن جعلناه شاهدًا، كما نقبل قول القاسم والخارص والمقوم والطبيب ونحوهم وحده. ومنهم من يبني الخلاف على كونه شاهدًا أو مخبرًا، فإن جعلناه مخبرًا اكتفي بخبره وحده، كالخبر عن الأمور الدينية، وإن جعلناه شاهدًا لم نكتف بشهادته وحده (١)، وهذا أيضًا ضعيف، فإنَّ الشاهد مخبر، والمخبر شاهد، وكل من شهد بشيء فقد أخبر به، والشريعة لم تفرق بين ذلك أصلًا، وإنَّما هذا على أصل من اشترط في قبول الشهادة لفظ "الشهادة" دون مجرد الإخبار، وقد تقدم بيان ضعف ذلك (٢)، وأنَّه لا دليل عليه، بل الأدلة كثيرة - من الكتاب والسنة - تدلُّ على خلافه. والقضايا التي رويت في القافة عن النبي ﷺ والصحابة بعده ليس في قضية واحدة منها أنَّهم قالوا للقائف: تلفظ بلفظة "أشهد أنَّه ابنه" ولا تلفظ بذلك القائف أصلًا، وإنَّما وقع الاعتماد على مجرد خبره، وهو شهادة منه، وهذا بيِّن لمن تأمله، ونصوص أحمد لا تشعر بهذا البناء الَّذي ذكروه بوجه، وإنَّما المتأخرون يتصرفون في نصوص الأئمة ويبنونها على ما لم يخطر لأصحابها ببال، ولا جرى لهم في مقال،

стр. 707

ويتناقله (١) بعضهم عن بعض، ثمَّ يلزمهم من طرده لوازم لا يقول بها الأئمة، فمنهم من يطردها ويلتزم (٢) القول بها، ويضيف ذلك إلى الأئمة، وهم لا يقولون به، فيروج بين النَّاس بجاه (٣) الأئمة، ويفتى ويحكم به والإمام لم يقله قط، بل يكون قد نصَّ على خلافه. ونحن نذكر نصوص الإمام أحمد في هذه المسألة: قال جعفر بن محمد النسائي: سمعت أبا عبد الله يسأل عن الولد يدعيه الرجلان؟ قال: يُدعى له رجلان من القافة، فإن ألحقاه بأحدهما، فهو له (٤). وقال محمد بن داود المصيصي: سئل أبو عبد الله عن جارية بين رجلين وقعا عليها؟ قال: إن ألحقوه بأحدهما فهو له، قيل له: إن قال أحد القافة: هو لهذا، وقال الآخر: هو لهذا؟ قال: لا يقبل قول واحد حتَّى يجتمع اثنان، فيكونا (٥) كشاهدين (٦). وقال الأثرم: قيل لأبي عبد الله: إن قال أحد القافة هو لهذا، وقال الآخر: هو لهذا؟ قال: لا يقبل قول واحد حتَّى يجتمع اثنان، فيكونا

стр. 708

كشاهدين (١)، وإذا شهد اثنان من القافة أنَّه لهذا فهو له (٢). واحتجَّ من رجَّح هذا القول بأنَّه حكم بالشبه، فيعتبر فيه العدد، كالحكم بالمثل في جزاء الصيد. قالوا: بل هو (٣) أولى؛ لأنَّ درك المثلية في الصيد أظهر بكثيرٍ من دركها ها هنا؛ فإذا تابع القائف غيره سكنت النفس واطمأنت إلى قوله. وقال أحمد - في رواية أبي طالب - في الولد يكون بين الرجلين: يُدعى القائف، فإذا قال: هو منهما فهو منهما (٤)، انظر (٥) إلى ما يقول القائف، وإن جعله لواحد فهو لواحد (٦). وقال في رواية إسماعيل بن سعيد: وسئل عن القائف هل يقضى بقوله؟ فقال: يقضى بذلك إذا علم. ومن حجة هذا القول - وهو اختيار القاضي (٧) وصاحب (٨)

стр. 709

"المستوعب" (١)، والصحيح من مذهب الشافعي (٢)، وقول أهل الظاهر (٣): أنَّ النبي ﷺ سرّ بقول مجزز المدلجي (٤) وحده (٥)، وصحَّ عن عمر ﵁ أنَّه استقاف المصطلقي وحده، كما تقدم (٦)، واستقاف ابن عباس ابن كلدة وحده، واستلحق بقوله (٧). وقد نص أحمد (٨) على أنه يكتفى بالطبيب والبيطار الواحد إذا لم يوجد سواه والقائف مثله، فتخرج له رواية ثالثة كذلك، والله

стр. 710

أعلم، بل هذا أولى من الطبيب والبيطار؛ لأنهما أكثر وجودًا منه، فإذا اكتفي بالواحد منهما - مع عدم غيره - فالقائف أولى. وأما قولكم: "إن داود وسليمان لم يحكما بالقافة في قصة الولد الذي ادعته المرأتان". فيقال: قد اختلف القائلون بالقافة: هل يعتبر في تداعي المرأتين كما يعتبر في تداعي الرجلين؟ وفي ذلك وجهان لأصحاب الشافعي (١): أحدهما: لا يعتبر ها هنا، وإن اعتبر في تداعي (٢) الرجلين. قالوا: والفرق بينهما أنا يمكننا التوصل إلى معرفة الأم يقينًا (٣)، بخلاف الأب، فإنا لا سبيل لنا فيه إلى ذلك، فاحتجنا إلى القافة، وعلى هذا فلا إشكال. والوجه الآخر - وهو الصحيح -: أن القافة تجري ها هنا كما تجري بين الرجلين، قال أحمد - في رواية ابن (٤) الحكم (٥) في يهودية ومسلمة ولدتا، فادعت اليهودية ولد المسلمة - قيل له: يكون في هذا

стр. 711

القافة؟ قال: ما أحسنه (١). والأحاديث المتقدمة (٢) التي دلت على أن الولد يأخذ الشبه من الأم تارة، ومن الأب تارة، تدل على صحة هذا القول. فإن الحكم بالقافة إنما هو حكم (٣) بالشبه، وقد تقدم في ذلك حديث عائشة، وأم سلمة (٤)، وأنس بن مالك (٥)، وثوبان (٦)، وعبد الله بن سلام (٧)، وكون الأم يمكن معرفتها يقينًا - بخلاف الأب - لا يدل على أن القافة لا تعتبر في حق المرأتين؛ لأنا إنما نستعملها عند عدم معرفة الأم، ولا يلزم من عدم استعمالها عند تيقن معرفة الأم عدم استعمالها عند الجهل بها، كما أنا إنما نستعملها في حق الرجلين عند عدم تيقن الفراش، لا عند تيقنه. وأما كون داود وسليمان لم يعتبراها؛ فإما ألا يكون ذلك (٨) شريعة لهما، وهو الظاهر، إذ لو كان ذلك شرعًا لدعيا القافة للولد. وإما أن تكون القافة مشروعة في تلك الشريعة، لكن في حق

стр. 712

الرجلين، كما هو أحد القولين في شريعتنا (١)، وحينئذٍ فلا كلام. وإما أن تكون مشروعة مطلقًا، ولكن أشكل على نبي الله أمر الشبه بحيث لم يظهر له، وأن القائف لا يعلم الحال في كل صورة، بل قد يشتبه عليه كثيرًا. وعلى كل تقدير، فلا حجة في القصة على إبطال حكم القافة في شريعتنا، والله أعلم. بل قصة (٢) داود وسليمان صريحة في إبطال إلحاق الولد بأُمَّين، فإنه لم يحكم به نبي من النبيين الكريمين - صلوات الله عليهما وسلامه - بل اتفقا على إلغاء هذا الحكم، فالذي دلت عليه قصتهما لا يقولون به، والذي يقولون به غير ما دلت عليه القصة. فصل وأما حديث زيد بن أرقم في قصة علي في الولد الذي ادعاه الثلاثة والإقراع بينهما، فهو حديث مضطرب جدًّا (٣)، كما تقدم ذكره (٤).

стр. 713

وقد قال علي بن سعيد (١): سألت أحمد بن حنبل عن هذا الحديث؟ فقال: هذا حديث منكر، لا أدري ما هذا ولا أعرفه صحيحًا (٢). وقال له إسحاق بن منصور: حديث زيد بن أرقم "أن ثلاثة وقعوا على امرأة في طهر واحد"؟ قال: حديث عمر في القافة أعجب إلي (٣). وذكر البخاري في "تاريخه" (٤): أن عبد الله بن الخليل لا يتابع على هذا الحديث (٥). وهذا يوافق قول أحمد: إنه حديث منكر. ويدل عليه أيضًا (٦): ما رواه قابوس بن أبي ظبيان عن أبيه عن علي ﵁ "أن رجلين وقعا على امرأة في طهر واحد، فجاءت بولد، فدعا له علي (٧) القافة، وجعله ابنهما جميعًا، يرثهما

стр. 714

ويرثانه" (١)، وهذا يدل على أن مذهب علي ﵁ الأخذ بالقافة دون القرعة. وأيضًا؛ فالمعهود من استعمال القرعة إنما هو إذا لم يكن هناك مرجح سواها، ومعلوم أن القافة مرجحة: إما شهادة، وإما حكمًا، وإما فتيا (٢)؛ فلا يصار إلى القرعة مع وجودها. وأيضًا؛ فنفاة القافة لا يأخذون بحديث علي في القرعة (٣)، ولا بحديثه وحديث عمر في القافة (٤)، فلا يقولون (٥) بهذا ولا بهذا (٦). فنقول: حديث علي ﵁: إما أن يكون ثابتًا أو لا يثبت، فإن لم يثبت فلا إشكال، وإن كان ثابتًا فهو واقعة عينٍ تحتمل وجوهًا: أحدها: أن لا يكون قد وجد في ذلك المكان وفي ذلك الوقت قائف، أو يكون قد أشكل على القائف ولم يتبين له، أو يكون لعدم كون القيافة طريقًا شرعيًّا، وإذا احتملت القصة هذا وهذا وهذا لم يجزم

стр. 715

بوقوع أحد الاحتمالات إلا بدليل، وقد تضمنت القصة أمرين مشكلين: أحدهما (١): ثبوت النسب بالقرعة. والثاني: إلزام من خرجت له القرعة بثلثي الدية للآخرين. فمن صحح الحديث ونفى الحِكَم والتعليل - كبعض أهل الظاهر - قال به ولم يلتفت إلى معنى ولا علة ولا حكمة، وقال: ليس هنا إلا التسليم والانقياد. وأما من سلك طريق التعليل والحكمة، فقد يقول: إنه إذا تعذرت القافة أو أشكل الأمر عليها كان المصير إلى القرعة أولى من ضياع نسب الولد، وتركه هملًا (٢) لا نسب له، وهو ينظر إلى ناكح أمه وواطئها، فالقرعة ها هنا أقرب الطرق إلى إثبات النسب، فإنها طريق شرعي، وقد سدت (٣) الطرق سواها (٤)، وإذا كانت صالحة لتعيين الأملاك المطلقة، وتعيين الرقيق من الحر، وتعيين الزوجة من الأجنبية، فكيف لا تصلح لتعيين صاحب النسب (٥) من غيره؟. والمعلوم أن طرق حفظ الأنساب أوسع من طرق حفظ الأموال،

стр. 716

والشارع إلى ذلك أعظم تشوفًا (١)، فالقرعة شرعت لإخراج المستحق تازة، ولتعيينه تارة، وها هنا أحد المتداعيين هو أبوه حقيقة، فعملت القرعة في تعيينه، كما عملت في تعيين الزوجة (٢) عند اشتباهها بالأجنبية، فالقرعة تخرج المستحق شرعًا، كما تخرجه قدرًا. وقد تقدم في تقرير صحتها واعتبارها ما فيه شفاء، فلا استبعاد في الإلحاق بها عند تعينها طريقًا، بل خلاف ذلك هو المستبعد. الأمر الثاني: إلزام من خرجت له القرعة بثلثي الدية لصاحبيه، وهذا أيضًا له وجه (٣)، فإن وطء كل واحد من الآخرين كان صالحًا لحصول الولد له، ويحتمل أن يكون الولد له في نفس الأمر، فلما خرجت القرعة لأحدهم أبطلت ما كان كل من الواطئين يرجوه (٤) من حصول الولد له، فقد بذر كل منهم بذرًا يرجو أن يكون الزرع له، فقد

стр. 717

اشتركوا في البذر، فإذا فاز أحدهم بالزرع كان من العدل أن يضمن لصاحبيه ثلثي القيمة، والدية قيمة الولد شرعًا، فلزمه ضمان ثلثيها لصاحبيه، إذ الثلثان عوض ثلثي الولد الذي استبد به دونهما، مع اشتراكهما في سبب حصوله. وهذا أصح من كثير من الأحكام التي يثبتونها بآرائهم وأقيستهم، والمعنى فيه أظهر. وقد اعتبر الصحابة ﵃ مثل ذلك في ولد المغرور، حيث حكموا بحريته، وألزموا الواطئ فداءه بمثله لما فوت رقه على سيد الأمة (١)، هذا مع أنه لم يوجد من سيدها هناك وطء يكون منه ولد، بل الزوج وحده هو الواطئ، ولكن لما كان الولد تابعًا لأمه في الرق كان بصدد أن يكون رقيقًا لسيدها، فلما فاته ذلك - بانعقاد الولد حرا من أمته - ألزموا الواطئ بأن يغرم له نظيره، ولم يلزموه بالدية؛ لأنه إنما فوت عليه رقيقًا، ولم يفوت عليه حرًّا، وفي قصة علي (٢) ﵁ كان الذي فوته الواطئ القارع حرًّا، فلزمه حصة صاحبيه من الدية ولو كان واحدًا لزمه نصف الدية. فهذا أحسن وجوه الحديث، فإن كان صحيحًا عن رسول الله ﷺ

стр. 718

فالقول الصحيح هو القول بموجبه، ولا قول سواه، وبالله التوفيق. فصل هذا كلَّه في الحكم بين النَّاس في الدعاوى (١). وأما الحكم بينهم فيما لا يتوقف على الدعوى فهو المسمَّى بالحسبة (٢)، والمتولي له: والي الحسبة، وقد جرت العادة بإفراد هذا النوع بولاية خاصة، كما أفردت ولاية المظالم بولاية خاصَّة، والمتولي لها يسمى والي المظالم، وولاية المال قبضًا وصرفًا بولاية خاصة، والمتولي لذلك يسمى وزيرًا، وناظر البلد، والمتولي لإحصاء المال ووجوهه وضبطه تسمَّى ولايته: ولاية استيفاء، والمتولي لاستخراجه وتحصيله ممن هو عليه تسمى ولايته: ولاية السر، والمتولي لفصل الخصومات، وإثبات الحقوق، والحكم في الفروج (٣) والأنكحة والطلاق والنفقات، وصحة العقود وبطلانها هو المخصوص باسم الحاكم والقاضي، وإن كان هذا الاسم يتناول كل حاكم بين اثنين وقاض بينهما، فيدخل أصحاب هذه الولايات جميعهم تحت قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ

стр. 719

بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: ٥٨] وتحت قوله تعالى: ﴿فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (٤٤)﴾ [المائدة: ٤٤]، وقوله: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة: ٤٥] وقوله: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٧] وتحت قوله: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [المائدة: ٤٩] وقوله ﷺ : "القُضَاةُ ثَلَاثَةٌ" (١)، وقوله: "مَنْ وَلِيَ القَضَاءَ فَقَدْ ذُبِحَ بِغَيْرِ سِكِّينٍ" (٢)، وقوله ﷺ : "المُقْسِطون عِنْدَ اللهِ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُوْرٍ عَنْ يَمين الرَّحْمَنِ، وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ، الَّذين يَعْدِلُوْنَ فِي حُكْمِهِم وَأَهْلِيهِمْ

стр. 720

وَمَا وَلُوا" (١). والمقصود: أنَّ الحكم بين النَّاس في النوع الَّذي لا يتوقف على الدعوى هو المعروف بولاية الحسبة. وقاعدته وأصله: هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الَّذي بعث الله به رسله، وأنزل به كتبه، ووصف به هذه الأمة، وفضّلها لأجله على سائر الأمم التي أخرجت للنَّاس (٢)، وهذا واجبٌ على كلِّ مسلم قادر، وهو فرض كفاية، ويصير فرض عين على القادر الَّذي لم يقم به غيره من ذوي الولاية والسلطان (٣)، فعليهم من الوجوب ما ليس على غيرهم، فإنَّ مناط الوجوب هو القدرة، فيجب على القادر ما لا يجب على العاجز، قال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، وقال النبي ﷺ : "إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ" (٤).

стр. 721

وجميع الولايات الإسلامية مقصودها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لكن من المتولين من يكون بمنزلة الشاهد المؤتمن، والمطلوب منه الصدق، مثل صاحب الديوان الَّذي وظيفته أن يكتب المستخرج والمصروف، والنقيب والعريف الَّذي وظيفته إخبار ولي الأمر بالأحوال (١)، ومنهم من يكون بمنزلة الآمر المطاع، والمطلوب منه العدل، مثل الأمير والحاكم والمحتسب. و مدار الولايات كلها على الصدق في الإخبار، والعدل في الإنشاء ، وهما قرينان (٢) في كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ ، قال تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلً﴾ [الأنعام: ١١٥]، وقال النبي ﷺ لما ذكر الأمراء الظلمة: "مَنْ صَدَّقَهُمْ بكَذِبِهم، وَأَعَانَهُمْ عَلَى ظُلْمِهِمْ، فَلَيْسَ مِنِّي، وَلَسْتُ مِنْهُ، وَلَا يَرِدُ عَلَيَّ الحَوْضَ، وَمَنْ لَمْ يُصَدِّقْهُمْ بِكَذِبِهِمْ، وَلَمْ يُعِنْهُمْ عَلَى ظُلْمِهِمْ، فَهُوَ مِنِّي وِأَنَا مِنْهُ وَسَيَردُ عَلَيَّ الحَوْضَ" (٣)، وقال تعالى: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (٢٢١) تَنَزَّلُ عَلَى

стр. 722

كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾ [الشعراء: ٢٢١, ٢٢٢] فالأفَّاك: الكاذب، والأثيم: الظالم الفاجر (١)، وقال تعالى: ﴿لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ (١٥) نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾ [العلق: ١٥، ١٦].

стр. 723

وقال النبي ﷺ : "عَلَيْكُمْ بالصِّدْقِ، فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى البِرِّ، وَإِنَّ البِرَّ يَهْدِي إِلى الجنَّةِ، وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ فَإِنَّ الكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الفُجُوْرِ، وَإِنَّ الفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ" (١). ولهذا يجب على كلِّ ولي أمر أن يستعين في ولايته بأهل الصدق والعدل، والأمثل فالأمثل، وإن كان فيه كذب وفجور "فإنَّ اللهَ يُؤَيِّدُ هَذَا الدِّينَ بالرَّجُلِ الفَاجِرِ" (٢) و"بِأَقْوَامٍ لَا خَلاقَ لَهُمْ" (٣). قال عمر ﵁: "مَن قلَّد رجلًا على عصابة، وهو يجد في تلك العصابة من هو أرضى لله منه، فقد خان الله ورسوله وجماعة المؤمنين" (٤).

стр. 724

والغالب أنَّهُ لا يوجد الكامل في ذلك، فيجب تحري خير الخيرين، ودفع شر الشرين، وقد كان الصحابة ﵃ يفرحون بانتصار الروم النصارى على المجوس عُبَّاد النَّار (١)؛ لأنَّ النصارى أقرب إليهم من أولئك، وكان يوسف الصديق ﵇ نائبًا لفرعون مصر (٢)، وهو وقومه مشركون، وفعل من الخير والعدل ما قدر عليه، ودعاهم إلى الإيمان بحسب الإمكان. فصل إذا عرف هذا فعموم الولايات وخصوصها (٣) وما يستفيده المتولي بالولاية يتلقى من الألفاظ والأحوال والعرف، وليس لذلك حدٌّ في الشرع، فقد يدخل في ولاية القضاء في بعض الأزمنة والأمكنة ما

стр. 725

يدخل في ولاية الحرب في زمان ومكان آخر، وبالعكس، وكذلك الحسبة، وولاية المال، وجميع هذه الولايات في الأصلِ ولايات دينية، ومناصب شرعية، فمن عدل في ولاية من هذه الولايات، وساسها بعلم وعدل، وأطاع الله ورسوله بحسب الإمكان، فهو من الأبرار العادلين، ومن حكمَ فيها بجهلٍ وظلم، فهو من الظالمين المعتدين، و ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (١٤)﴾ [الانفطار: ١٣، ١٤]. فولاية الحرب في هذه الأزمنة، وهذه البلاد الشامية والمصرية وما جاورها، تختص بإقامة الحدود من القتل والقطع والجلد، ويدخل فيها الحكم في دعاوى التهم التي ليس فيها شهود ولا إقرار، كما تختص ولاية القضاء بما فيه كتاب وشهود وإقرار، من الدعاوى التي تتضمن إثبات الحقوق والحكم بإيصالها إلى أربابها، والنظر في الأبضاع والأموال التي ليس لها ولي معيَّن، والنظر في حال نظار الوقوف (١)، وأوصياء اليتامى، وغير ذلك. وفي بلادٍ أخرى - كبلاد الغرب - ليس لوالي الحرب مع القاضي حكم في شيء، إنَّما هو منفذ لما يأمر به متولي القضاء. وأمَّا ولاية الحسبة فخاصتها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيما ليس من خصائص الولاة والقضاة وأهل الديوان ونحوهم، فعلى متولي الحسبة أن يأمر العامة بالصلوات الخمس في مواقيتها، ويعاقب

стр. 726

من لم يصل بالضرب والحبس، وأمَّا القتل فإلى غيره، ويتعاهد الأئمة والمؤذنين، فمن فرَّط منهم فيما يجب عليه من حقوق الأمة وخرج عن المشروع ألزمه به، واستعان فيما يعجز عنه بوالي الحرب والقاضي (١). واعتناء ولاة الأمور بإلزام الرعية بإقامة الصلاة أهم من كلِّ شيء، فإنَّها عماد الدَّين، وأساسه وقاعدته، وكان عمر بن الخطاب ﵁ يكتب إلى عماله: "إنَّ أهم أمركم عندي الصلاة ومن حفظها وحافظ عليها حفظ دينه، ومن ضيعها كان لما سواها من عمله أشدَّ إضاعة" (٢). ويأمر بالجمعة والجماعة، وأداء الأمانة والصدق، والنصح في الأقوال والأعمال، وينهى عن الخيانة، وتطفيف المكيال والميزان، والغش (٣) في الصناعات والبياعات، ويتفقد أحوال المكاييل والموازين، وأحوال الصناع الَّذين يصنعون الأطعمة والملابس والآلات، فيمنعهم من صناعة المحرم على الإطلاق، كآلات الملاهي، وثياب الحرير للرجال، ويمنع من اتخاذ أنواع المسكرات، ويمنع (٤) صاحب كل صناعة من الغش في صناعته، ويمنع من إفساد نقد النَّاس

стр. 727

وتغييرها، ويمنع من جعل النقود متجرًا (١)، فإنَّه بذلك يدخل على النَّاس من الفساد ما لا يعلمه إلَّا الله، بل الواجب أن تكون النقود رءوس أموال يتجر بها ولا يتجر فيها، وإذا حرم السلطان سكة أو نقدًا منع من اختلاطه بما أذن في المعاملة به (٢). ومعظم ولايته وقاعدتها الإنكارُ على هؤلاء الزغلية، وأرباب الغش في المطاعم والمشارب والملابس وغيرها، فإنَّ هؤلاء يفسدون مصالح الأُمَّة، والضرر بهم عامٌّ لا يمكن الاحتراز منه، فعليه ألَّا يهمل أمرهم، وأن ينكل بهم أمثالهم، ولا يرفع عنهم عقوبته، فإنَّ البلية بهم عظيمة، والمضرة بهم شاملة ولا سيما هؤلاء الكيماويين الَّذين يغشون النقود والجواهر والعطر والطيب وغيرها، يضاهئون بزغلهم وغشهم خلق الله، والله تعالى لم يخلق شيئًا فيقدر العباد أن يخلقوا كخلقه، قال تعالى - فيما حكى (٣) عنه رسوله ﷺ : "وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ كَخَلْقِي، فَلْيَخْلُقُوا ذَرَّةً فَلْيَخْلُقُوا شَعِيْرَةً" (٤). ولهذا كانت المصنوعات - كالطبائخ والملابس والمساكن - غير مخلوقة إلَّا بتوسط النَّاس، قال تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (٤١) وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ (٤٢)﴾ [يس: ٤١, ٤٢]، وقال

стр. 728

تعالى: ﴿قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (٩٥) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٥ - ٩٦]، وكانت المخلوقات من المعادن والنبات (١) والدواب غير مقدورة لبني آدم أن يصنعوها، لكن يشبهون بها (٢) على سبيل الغش، وهذا حقيقة الكيمياء، فإنَّها ذهب مشبه. ويدخل في المنكرات ما نهى الله عنه ورسوله من العقود المحرمة، مثل عقود الربا، صريحًا واحتيالًا (٣)، وعقود الميسر (٤)، كبيوع الغرر (٥)، كحبل الحبلة (٦)، والملامسة (٧)،

стр. 729

والمنابذة (١)، والنجش، وهو أن يزيد في السلعة من لا يريد شراءها، وتصرية (٢) الدَّابة اللبون، وسائر أنواع التدليس (٣)، وكذلك سائر الحيل المحرمة على أكل الربا، وهي ثلاثة أقسام: أحدها: ما يكون من واحد، كما إذا باعه سلعة بنسيئة، ثمَّ اشتراها منه بأقل من ثمنها نقدًا، حيلة على الربا (٤). ومنها: ما تكون ثنائية. وهي أن تكون من اثنين: مثل أن يجمع إلى القرض بيعًا أو إجارة أو مساقاة أو مزارعة (٥)، ونحو ذلك، وقد ثبت

стр. 730

عن النبي ﷺ أنَّه قال: "لَا يَحِل سَلَفٌ وَبَيعٌ، وَلَا شَرْطَانِ في بَيْعٍ، وَلَا رِبْحٌ مَا لَمْ يُضْمَن، ولَا تَبِع مَا ليْسَ عِنْدَك" (١). قال الترمذي: حديثٌ صحيح (٢). وفي سنن أبي داود عن النبي ﷺ أنَّه قال: "مَنْ بَاع بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ فَلَهُ أَوْكَسُهُمَا أَوْ الرِّبَا" (٣). ومنها: ما تكون ثلاثية، وهي أن يدخلا بينهما محللًا للربا، فيشتري السلعة منه آكل الربا، ثمَّ يبيعها لمعطي الربا إلى أجل، ثمَّ يعيدها إلى صاحبها بنقص دراهم يستعيدها المحلل.

стр. 731

وهذه المعاملات منها ما هو (١) حرامٌ بالاتفاق، مثل التي يباع فيها المبيع قبل القبض الشرعي (٢)، أو بغير الشرط (٣) الشرعي، أو يقلب فيها الدين على المعسر، فإنَّ المعسر يجب إنظاره، ولا تجوز الزيادة عليه بمعاملة ولا غيرها، ومتى استحل المرابي قلب الدين، وقال للمدين: إمَّا أن تقضي وإمَّا أن تزيد في الدَّين والمدة، فهو كافر (٤)، يجب أن يُستتاب، فإن تابَ وإلَّا قُتِلَ وأُخِذَ ماله فيئًا لبيت المال. فعلى والي الحسبة إنكار ذلك جميعه، والنهي عنه، وعقوبة فاعله، ولا يتوقف ذلك على دعوى ومدعى عليه، فإنَّ ذلك من المنكرات التي يجب على ولي الأمر النهي عنها.

стр. 732

فصل و من المنكرات (١): تلقي السلع قبل أن تجيء إلى السوق ، فإنَّ النبي ﷺ نهى عن ذلك (٢)، لما فيه من تغرير البائع، فإنَّه لا يعرف السعر، فيشتري منه المشتري بدون القيمة، ولذلك أثبت له النبي ﷺ الخيار إذا دخل السوق (٣)، ولا نزاع في ثبوت الخيار له مع الغبن. وأمَّا ثبوته بلا غبن: ففيه عن أحمد روايتان (٤): إحداهما: يثبت، وهو قول الشافعي (٥)، لظاهر الحديث. والثانية: لا يثبت؛ لعدم الغبن، وكذلك يثبت الخيار للمشتري المسترسل إذا غبن (٦)، وفي الحديث: "غُبْنُ المُسْتَرْسِلِ ربَا" (٧)، وفي

стр. 733

تفسيره قولان: أحدهما: أنَّه الَّذي لا يعرف قيمة السلعة، والثاني - وهو المنصوص عن أحمد - أنَّه الَّذي لا يماكس، بل يسترسل إلى البائع، ويقول: أعطني هذا (١). وليس لأهل السوق أن يبيعوا المماكس بسعر، ويبيعوا المسترسل بغيره، وهذا ممَّا يجب على والي الحسبة إنكاره، وهذا بمنزلة تلقي السلع، فإنَّ القادم جاهلٌ بالسَّعر. ومن هذا تلقي أسواق الحجيج الجلب من الطريق ، وسبقهم إلى المنازل يشترون الطعام والعلف، ثمَّ يبيعونه كما يريدون، فيمنعهم والي الحسبة من التقدم لذلك، حتَّى يقدم الركب، لما في ذلك من مصلحة الركب ومصلحة الجالب، ومتى اشتروا شيئًا من ذلك منعهم من بيعه بالغبن الفاحش. ومن ذلك: "نهي النبي ﷺ أنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِلْبَادِي" وقال: "دَعُوا النَّاسَ يَرْزُقُ اللهُ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ" (٢).

стр. 734

قيل لابن عباس: ما معنى قوله: "لا يبع حاضرٌ لبادٍ"؟ قال: "لا يكون له سِمْسَارًا" (١). وهذا النهي لما فيه من ضرر المشتري، فإنَّ المقيم إذا وكله القادم (٢) في بيع سلعة يحتاج النَّاس إليها، والقادم لا يعرف السعر، أضرَّ ذلك بالمشتري (٣)، كما أنَّ النَّهي عن تلقي الجلب لما فيه من الإضرار بالبائعين. ومن ذلك الاحتكار (٤) لما يحتاج النَّاس إليه، وقد روى مسلم في صحيحه (٥) عن معمر (٦) بن عبد الله: أنَّ النبي ﷺ قال: "لَا يَحْتَكِرُ إِلَّا خَاطِئٌ"، فإنَّ المحتكر الَّذي يعمدُ إلى شراء ما يحتاج إليه النَّاس من الطعام فيحبسه عنهم ويريد إغلاءه عليهم هو ظالمٌ لعموم النَّاس، ولهذا كان لولي الأمر أن يكره المحتكرين على بيع ما عندهم بقيمة المثل، عند ضرورة النَّاس إليه، مثل من عنده طعام لا يحتاج إليه، والنَّاسُ في مخمصة، أو سلاح لا يحتاج إليه، والنَّاسُ يحتاجون إليه للجهاد، أو

стр. 735

غير ذلك، فإن (١) من اضطر إلى طعام غيره (٢) أخذه منه بغير اختياره بقيمة المثل ، ولو امتنع من بيعه إلَّا بأكثر من سعره فأخذه منه بما طلب (٣) لم تجب عليه إلَّا قيمة مثله (٤). وكذلك من اضطر إلى الاستدانة من الغير، فأبى أن يعطيه إلَّا بربا أو معاملة ربوية، فأخذ منه بذلك، لم يستحق عليه إلَّا مقدار رأس ماله (٥). وكذلك إذا اضطرَّ إلى منافع ماله، كالحيوان والقدر والفأس ونحوها وجب عليه بذلها له مجانًا، في أحد الوجهين، وهو الأصح، وبأجرة المثل في الآخر (٦). و لو اضطرَّ إلى طعامه وشرابه فحبسه عنه حتَّى ماتَ جوعًا وعطشًا ضمنه بالدِّية عند الإمام أحمد، واحتجَّ بفعل عمر بن الخطاب (٧) -

стр. 736

رضي الله عنه -، وقيل له: تذهب إليه؟ فقال: إي والله (١). فصل وأمَّا التسعير (٢) فمنه ما هو ظلمٌ محرَّم، ومنه ما هو عدلٌ جائز (٣). فإذا تضمن ظلم النَّاس وإكراههم بغير حق على البيع بثمن لا يرضونه، أو منعهم ممَّا أباحه (٤) الله لهم، فهو حرام، وإذا تضمن العدل بين النَّاس، مثل إكراههم على ما يجب عليهم من المعاوضة بثمن المثل، ومنعهم ممَّا يحرم عليهم من أخذ الزيادة على عوض المثل، فهو جائز، بل واجب. فأمَّا القسم الأوَّل ، فمثل ما روى أنس قال: غلا السعر على عهد النبي ﷺ فقالوا: يا رسول الله، لو سعَّرت لنا؟ فقال: "إنَّ اللهَ القَابِضُ الرَّازِقُ، البَاسِطُ المُسَعِّرُ، وَإِنِّي لأرجو أن ألقى اللهَ وَلَا يَطْلُبُنِي أَحَدٌ بِمَظْلَمةٍ ظَلمتُها إِيَّاهُ في دَمٍ وَلَا مَالٍ" رواه أبو داود والترمذي وصححه (٥).

стр. 737

فإذا كان النَّاسُ يبيعون سلعهم على الوجه المعروف من غير ظلم منهم، وقد ارتفع السعر - إمَّا لقلَّة الشيء (١)، وإمَّا لكثرة الخلق - فهذا إلى الله، فإلزام النَّاس أن يبيعوا بقيمة بعينها إكراهٌ بغير حق (٢). وأمَّا الثاني، فمثل أن يمتنع أرباب السلع من بيعها، مع ضرورة النَّاس إليها إلَّا بزيادة على القيمة المعروفة، فهنا يجب عليهم بيعها بقيمة المثل، ولا معنى للتسعير إلَّا إلزامهم بقيمة المثل، فالتسعير ها هنا إلزام بالعدل الَّذي ألزمهم الله به (٣).

стр. 738

فصل ومن أقبح الظلم إيجار الحانوت على الطريق أو في القرية بأجرةٍ معيَّنة على ألَّا يبيع أحد غيره، فهذا ظلمٌ حرام على المؤجر والمستأجر، وهو نوع من أخذ أموال النَّاس قهرًا وأكلها بالباطل، وفاعله قد تحجر واسعًا، فيخاف عليه أن يحجر الله عنه رحمته، كما حجر على النَّاس فضله ورزقه (١). فصل ومن ذلك (٢): أن يلزم النَّاس ألَّا يبيع الطعام أو غيره (٣) من الأصناف (٤) إلَّا ناس معروفون، فلا تباع تلك السلع إلَّا لهم، ثمَّ يبيعونها هم بما يريدون، فلو باع غيرهم ذلك منع وعوقب، فهذا من البغي في الأرضِ والفساد، والظلم الَّذي يحبس (٥) به قطر السَّماء، وهؤلاء يجب التسعير عليهم، وألَّا يبيعوا إلَّا بقيمة المثل، ولا يشتروا إلَّا بقيمة المثل، بلا تردد في ذلك عند أحدٍ من العلماء (٦)؛ لأنَّه إذا

стр. 739

منع (١) غيرهم أن (٢) يبيع ذلك النوع أو يشتريه، فلو سوغ لهم أن يبيعوا بما شاءوا أو يشتروا بما شاءوا كان ذلك ظلمًا للنَّاس ظلمًا (٣) للبائعين الَّذين يريدون بيع تلك السلع، وظلمًا للمشترين منهم. فالتسعير في مثل هذا واجب بلا نزاع، وحقيقته إلزامهم بالعدلِ، ومنعهم من الظلم، وهذا كما أنَّه لا يجوز الإكراه على البيع بغير حقٍّ، فيجوز أو يجب الإكراهُ عليه بحق، مثل بيع المال لقضاء الدين الواجب، والنفقة الواجبة، ومثل البيع للمضطر إلى طعام أو لباس، ومثل الغراس والبناء في ملك الغير، فإنَّ لرب الأرضِ أن يأخذه بقيمة المثل (٤)، ومثل الأخذ بالشفعة، فإنَّ للشفيع أن يتملك الشقص (٥) بثمنه قهرًا، وكذلك السراية (٦) في العتق، فإنَّها تخرج الشقص من ملك الشريك قهرًا، وتوجب على المعتق المعاوضة عليها قهرًا، وكل من وجب عليه شيءٌ من الطعام واللباس والرقيق والمركوب - لحجًّ (٧) أو

стр. 740

كفارة أو نفقة - فمتى وجده بثمن المثل وجب عليه شراؤه، وأجبر على ذلك، ولم يكن له أن يمتنع حتَّى يبذل له مجانًا، أو بدون ثمن المثل. فصل ومن ها هنا: منع غير واحدٍ من العلماء - كأبي حنيفة وأصحابه (١) - القسامين (٢) - الَّذين يقسمون العقار وغيره بالأجرة - أن يشتركوا، فإنَّهم إذا اشتركوا - والنَّاس يحتاجون إليهم - أغلوا عليهم الأجرة. قلت: وكذلك ينبغي لوالي الحسبة أن يمنع مغسلي الموتى والحمالين لهم من الاشتراك، لما في ذلك من إغلاء الأجرة عليهم، وكذلك اشتراك كل طائفة يحتاج النَّاس إلى منافعهم، كالشهود والدلالين وغيرهم؛ على أنَّ في شركة الشهود مبطلًا آخر، فإنَّ عمل كل واحد منهم متميزٌ عن عمل الآخر، لا يمكن الاشتراك فيه (٣)؛ فإنَّ الكتابة (٤) متميزة، والتحمل متميز (٥)، والأداء متميز، لا يقع في ذلك اشتراك ولا تعاون، فبأي وجهٍ يستحق أحدهما أجرة عمل صاحبه؟
следующие страницы →