← Сияса и кади

Сияса и кади · id 18159

الطرق الحكمية في السياسة الشرعية - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (1 013 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

رضي الله عنه -، وقيل له: تذهب إليه؟ فقال: إي والله (١). فصل وأمَّا التسعير (٢) فمنه ما هو ظلمٌ محرَّم، ومنه ما هو عدلٌ جائز (٣). فإذا تضمن ظلم النَّاس وإكراههم بغير حق على البيع بثمن لا يرضونه، أو منعهم ممَّا أباحه (٤) الله لهم، فهو حرام، وإذا تضمن العدل بين النَّاس، مثل إكراههم على ما يجب عليهم من المعاوضة بثمن المثل، ومنعهم ممَّا يحرم عليهم من أخذ الزيادة على عوض المثل، فهو جائز، بل واجب. فأمَّا القسم الأوَّل ، فمثل ما روى أنس قال: غلا السعر على عهد النبي ﷺ فقالوا: يا رسول الله، لو سعَّرت لنا؟ فقال: "إنَّ اللهَ القَابِضُ الرَّازِقُ، البَاسِطُ المُسَعِّرُ، وَإِنِّي لأرجو أن ألقى اللهَ وَلَا يَطْلُبُنِي أَحَدٌ بِمَظْلَمةٍ ظَلمتُها إِيَّاهُ في دَمٍ وَلَا مَالٍ" رواه أبو داود والترمذي وصححه (٥).

стр. 737

فإذا كان النَّاسُ يبيعون سلعهم على الوجه المعروف من غير ظلم منهم، وقد ارتفع السعر - إمَّا لقلَّة الشيء (١)، وإمَّا لكثرة الخلق - فهذا إلى الله، فإلزام النَّاس أن يبيعوا بقيمة بعينها إكراهٌ بغير حق (٢). وأمَّا الثاني، فمثل أن يمتنع أرباب السلع من بيعها، مع ضرورة النَّاس إليها إلَّا بزيادة على القيمة المعروفة، فهنا يجب عليهم بيعها بقيمة المثل، ولا معنى للتسعير إلَّا إلزامهم بقيمة المثل، فالتسعير ها هنا إلزام بالعدل الَّذي ألزمهم الله به (٣).

стр. 738

فصل ومن أقبح الظلم إيجار الحانوت على الطريق أو في القرية بأجرةٍ معيَّنة على ألَّا يبيع أحد غيره، فهذا ظلمٌ حرام على المؤجر والمستأجر، وهو نوع من أخذ أموال النَّاس قهرًا وأكلها بالباطل، وفاعله قد تحجر واسعًا، فيخاف عليه أن يحجر الله عنه رحمته، كما حجر على النَّاس فضله ورزقه (١). فصل ومن ذلك (٢): أن يلزم النَّاس ألَّا يبيع الطعام أو غيره (٣) من الأصناف (٤) إلَّا ناس معروفون، فلا تباع تلك السلع إلَّا لهم، ثمَّ يبيعونها هم بما يريدون، فلو باع غيرهم ذلك منع وعوقب، فهذا من البغي في الأرضِ والفساد، والظلم الَّذي يحبس (٥) به قطر السَّماء، وهؤلاء يجب التسعير عليهم، وألَّا يبيعوا إلَّا بقيمة المثل، ولا يشتروا إلَّا بقيمة المثل، بلا تردد في ذلك عند أحدٍ من العلماء (٦)؛ لأنَّه إذا

стр. 739

منع (١) غيرهم أن (٢) يبيع ذلك النوع أو يشتريه، فلو سوغ لهم أن يبيعوا بما شاءوا أو يشتروا بما شاءوا كان ذلك ظلمًا للنَّاس ظلمًا (٣) للبائعين الَّذين يريدون بيع تلك السلع، وظلمًا للمشترين منهم. فالتسعير في مثل هذا واجب بلا نزاع، وحقيقته إلزامهم بالعدلِ، ومنعهم من الظلم، وهذا كما أنَّه لا يجوز الإكراه على البيع بغير حقٍّ، فيجوز أو يجب الإكراهُ عليه بحق، مثل بيع المال لقضاء الدين الواجب، والنفقة الواجبة، ومثل البيع للمضطر إلى طعام أو لباس، ومثل الغراس والبناء في ملك الغير، فإنَّ لرب الأرضِ أن يأخذه بقيمة المثل (٤)، ومثل الأخذ بالشفعة، فإنَّ للشفيع أن يتملك الشقص (٥) بثمنه قهرًا، وكذلك السراية (٦) في العتق، فإنَّها تخرج الشقص من ملك الشريك قهرًا، وتوجب على المعتق المعاوضة عليها قهرًا، وكل من وجب عليه شيءٌ من الطعام واللباس والرقيق والمركوب - لحجًّ (٧) أو

стр. 740

كفارة أو نفقة - فمتى وجده بثمن المثل وجب عليه شراؤه، وأجبر على ذلك، ولم يكن له أن يمتنع حتَّى يبذل له مجانًا، أو بدون ثمن المثل. فصل ومن ها هنا: منع غير واحدٍ من العلماء - كأبي حنيفة وأصحابه (١) - القسامين (٢) - الَّذين يقسمون العقار وغيره بالأجرة - أن يشتركوا، فإنَّهم إذا اشتركوا - والنَّاس يحتاجون إليهم - أغلوا عليهم الأجرة. قلت: وكذلك ينبغي لوالي الحسبة أن يمنع مغسلي الموتى والحمالين لهم من الاشتراك، لما في ذلك من إغلاء الأجرة عليهم، وكذلك اشتراك كل طائفة يحتاج النَّاس إلى منافعهم، كالشهود والدلالين وغيرهم؛ على أنَّ في شركة الشهود مبطلًا آخر، فإنَّ عمل كل واحد منهم متميزٌ عن عمل الآخر، لا يمكن الاشتراك فيه (٣)؛ فإنَّ الكتابة (٤) متميزة، والتحمل متميز (٥)، والأداء متميز، لا يقع في ذلك اشتراك ولا تعاون، فبأي وجهٍ يستحق أحدهما أجرة عمل صاحبه؟

стр. 741

وهذا بخلاف الاشتراك في سائر الصنائع، فإنَّه يمكن أحد الشريكين أن يعمل بعض العمل والآخر بعضه، ولهذا إذا اختلفت (١) الصنائع لم تصح الشركة على أحد الوجهين (٢)، لتعذر اشتراكهما في العمل، ومن صححها نظر إلى أنَّهما يشتركان فيما تتم به صناعة كل واحد منهما من الحفظ والنظر إذا خرج لحاجة، فيقع الاشتراك فيما يتم به عمل كل واحد منهما، وإن لم يقع في عين العمل (٣). وأمَّا شركة الدلالين، ففيها أمرٌ آخر، وهو أنَّ الدلال وكيل صاحب السلعة في بيعها، فإذا شارك غيره في بيعها كان توكيلًا له فيما وكل فيه، فإن قلنا: ليس للوكيل أن يوكل لم تصح الشركة، وإن قلنا: له أن يوكِّل؛ صحَّت (٤). فعلى والي الحسبة أن يعرف هذه الأمور، ويراعيها، ويراعي مصالح النَّاس، وهيهات هيهات، ذهب ما هنالك. والمقصود أنَّه إذا منع (٥) القسامون (٦) ونحوهم من الشركة لما

стр. 742

فيها (١) من التواطؤ على إغلاء الأجرة، فمنع البائعين الَّذين تواطئوا على ألَّا يبيعوا إلَّا بثمن قدروه (٢) أولى وأحرى. وكذلك يمنع المشترين من الاشتراك في شيء لا يشتريه غيرهم، لما في ذلك من ظلم البائع. وأيضًا (٣)؛ فإذا كانت الطائفة التي تشتري نوعًا من السلع أو تبيعها قد تواطئوا على أن يهضموا (٤) ما يشترونه، فيشترونه بدون ثمن المثل، ويبيعوا (٥) ما يبيعونه بأكثر من ثمن المثل، ويقتسموا ما يشتركون فيه من الزيادة = كان إقرارهم على ذلك معاونة لهم على الظلم والعدوان، وقد قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ [المائدة: ٢]، ولا ريب أن هذا أعظم إثمًا وعدوانًا من تلقي السلع، وبيع الحاضر للبادي، ومن النجش. فصل ومن ذلك: أن يحتاج الناس إلى صناعة طائفة - كالفلاحة والنساجة والبناء وغير ذلك - فلولي الأمر أن يلزمهم بذلك بأجرة مثلهم، فإنه لا تتم مصلحة الناس إلا بذلك (٦).

стр. 743

ولهذا قالت طائفة من أصحاب أحمد (١) والشافعي (٢): إن تعلم هذه الصناعات فرض على الكفاية، لحاجة الناس إليها، وكذلك تجهيز الموتى ودفنهم، وكذلك أنواع الولايات العامة والخاصة التي لا تقوم مصلحة الأمة إلا بها. وكان النبي ﷺ يتولى أمر ما يليه بنفسه (٣)، ويولي فيما بعد عنه، كما ولَّى على مكة: عتاب بن أسيد (٤)، وعلى الطائف: عثمان بن أبي العاص الثقفي (٥)، وعلى قرى عرينة: خالد بن سعيد بن العاص (٦)، وبعث عليًّا (٧) ومعاذ بن جبل (٨) وأبا موسى الأشعري إلى اليمن (٩)، وكذلك كان يؤمر على السرايا، ويبعث السعاة على الأموال الزكوية (١٠)،

стр. 744

فيأخذونها (١) ممن هي عليه، ويدفعونها إلى مستحقيها، فيرجع الساعي إلى المدينة وليس معه إلا سوطه، ولا يأتي بشيء من الأموال إذا وجد لها موضعًا يضعها فيه. فصل وكان النبي ﷺ يستوفي الحساب على عماله، يحاسبهم على المستخرج والمصروف، كما في "الصحيحين" (٢) عن أبي حميد الساعدي "أنَّ النبي ﷺ اسْتَعْمَلَ رَجُلًا من الأَزْدِ، يُقال له: ابن اللُّتبيَّةِ (٣) على الصدقات، فلمَّا رجع حاسبه، فقال: هذا لكم، وهذا أُهْدِيَ إليَّ (٤)، فقال النبي ﷺ : "مَا بَالُ الرَّجُلِ نَسْتَعْمِلُهُ عَلَى العَمَلِ مِمَّا وَلَّانَا الله، فيقولُ: هَذَا لَكُمْ، وهذَا أُهْدِيَ إِليَّ، أَفَلَا قَعَدَ فِي بيتِ أَبيهِ وَأُمِّهِ، فَيَنْظُرَ أَيُهْدَى إِليهِ أَم لا؟ والَّذي نَفْسِي بيدِهِ، لا نَسْتَعْمِلُ رَجُلًا عَلَى العَمَلِ مِمَّا وَلَّانَا اللهُ فَيَغِل (٥) منهُ شيئًا إلَّا جَاءَ يَوْمَ القِيَامَة يَحْمِلُهُ عَلَى رَقَبَتِهِ، إن كانَ بَعِيْرًا لَهُ رُغَاءٌ (٦)، وإِنْ كَانَ بَقَرَةً لَهَا خُوَار (٧)، وإِنْ كانَتْ

стр. 745

شَاةً تَيْعَرُ (١)، ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ، وقَالَ: الَّلهُمَ هَلْ بلَّغْتُ (٢)؟ قَالَهَا مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا". والمقصود أنَّ هذه الأعمال متى لم يقم بها إلَّا شخصٌ واحد (٣) صارت فرضًا مُعينًا عليه، فإذا كان النَّاسُ محتاجين إلى فلاحة قوم أو نساجتهم أو بنائهم صارت هذه الأعمال مستحقة عليهم، يُجبرهم ولي الأمرِ عليها بعوض المثل، ولا يُمكِّنهم من مطالبة النَّاس بزيادة على عوض المثل (٤)، ولا يمكَّن النَّاس من ظلمهم بأن يعطوهم دون حقهم، كما إذا احتاج الجند المرصدون للجهاد إلى فلاحة أرضهم ألزم من صناعته الفلاحة أن يقوم بها، وألزمَ الجندَ بألَّا يظلموا الفلاح، كما يلزم الفلاح بأن يفلح (٥). ولو اعتمد (٦) الجند والأُمراء مع الفلاحين ما شرعه الله ورسوله وجاءت به السنة وفعله الخلفاء الرَّاشدون؛ لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم، ولفتح الله عليهم بركات من السماء والأرض، وكان الَّذي يحصل لهم من المغل أضعاف ما يحصلونه بالظلم والعدوان،

стр. 746

ولكن يأبى (١) جهلهم وظلمهم إلَّا أن يرتكبوا (٢) الظلم والإثم، فيمنعوا البركة وسعة الرزق، فيجتمع لهم عقوبة الآخرة، ونزع البركة في الدنيا. فإِن قِيل: وما الَّذي شرعه الله ورسوله، وفعله الصحابة، حتَّى يفعله من وفَّقه الله؟ قيل: المزارعة العادلة، التي يكون المقطع والفلاح فيها على حدًّ سواء من العدل، لا يختص أحدهما عن الآخر بشيءٍ من هذه الرسوم التي ما أنزل اللهُ بها من سلطان (٣)، وهي التي أخربت البلاد وأفسدت العباد، ومنعت الغيث، وأزالت البركات، وعرضت أكثر الجند والأمراء لأكل الحرام، وإذا نبتَ الجسد على الحرام فالنَّارُ أولى به (٤). وهذه المزارعة العادلة هي عمل المسلمين على عهد النبي ﷺ وعهد خلفائه الراشدين، وهي عمل آل أبي بكر (٥)، وآل عمر (٦)، وآل

стр. 747

عثمان (١)، وآل علي (٢)، وغيرهم من بيوت المهاجرين (٣)، وهي قول أكابر الصحابة، كابن مسعود (٤)، وأُبيِّ بن كعب، وزيد بن ثابت (٥)، وغيرهم (٦)، وهي مذهب فقهاء الحديث، كأحمد بن حنبل (٧)، وإسحاق بن راهويه (٨)، ومحمد بن إسماعيل البخاري (٩)، وداود بن علي (١٠)، ومحمد بن إسحاق بن

стр. 748

خزيمة (١)، وأبي بكر بن المنذر (٢)، ومحمد بن نصر المروزي، وهي مذهب عامة أئمة الإسلام (٣)، كالَّليث ابن سعد (٤)، وابن أبي ليلى (٥)، وأبي يوسف (٦)، ومحمد بن الحسن (٧) وغيرهم. وكان النبي ﷺ قد عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر وزرع حتَّى مات (٨)، ولم تزل تلك المعاملة حتَّى أجلاهم عمر عن خيبر (٩)، وكان قد شارطهم أن يعمروها من أموالهم، وكان البذر

стр. 749

منهم، لا من النبي ﷺ . ولهذا كان الصحيح من أقوال العلماء (١) أنَّ البذر يجوز أن يكون من العامل كما مضت به السنة، بل قد قال طائفة من الصحابة: لا يكون البذر إلَّا من العامل (٢)؛ لفعل النبي ﷺ ؛ ولأنهم أجروا البذر مجرى النفع والماء. والصحيح (٣) أنه يجوز أن يكون من ربِّ الأرضِ وأن يكون من العامل، وأن يكون منهما، وقد ذكر البخاري كما في "صحيحه" (٤): "أنَّ عمرَ بن الخطاب ﵁ عامل النَّاس على إن جاء عمر بالبذر من عنده فله الشَّطْر، وإن جاءوا بالبذر فلهم كذا" (٥). والَّذين منعوا المزارعة (٦) منهم من احتجَّ بـ "أنَّ النبي ﷺ نَهَى عَنِ

стр. 750

المُخَابَرَةِ" (١)، ولكن الَّذي نهى عنه هو الظلم؛ فإنَّهم كانوا يشترطون لرب الأرض زرع بقعة بعينها، ويشترطون ما على الماذيانات (٢) وأقبال الجداول (٣)، وشيئًا من التبن يختص به صاحب الأرض، ويقتسمان الباقي (٤). وهذا الشرط باطل بالنص (٥) والإجماع (٦)، فإنَّ المعاملة مبناها

стр. 751

على العدلِ من الجانبين، وهذه المعاملات من جنس المشاركات، لا من باب المعاوضات، والمشاركة العادلة هي أن يكون لكل واحد من الشريكين جزء شائع، فإذا جعل لأحدهما شيء مقدر كان ظلمًا (١). فهذا هو الَّذي نهى عنه النبي ﷺ ، كما قال الليث بن سعد: الَّذي نهى عنه النبي ﷺ من ذلك أمرٌ إذا نظر ذو البصيرة بالحلال والحرام فيه علم أنَّه لا يجوز، وأمَّا ما فعله ﷺ وفعله خلفاؤه الراشدون والصحابة فهو العدل المحض الذي لا ريب في جوازه (٢). فصل وقد ظنَّ طائفةٌ من النَّاس (٣) أنَّ هذه المشاركات من باب الإجارة بعوض مجهول، فقالوا: القياس يقتضي تحريمها. ثمَّ منهم من حرم المساقاة والمزارعة، وأباح المضاربة (٤) استحسانًا للحاجة؛ لأنَّ الدراهم لا تؤجر، كما يقوله أبو حنيفة (٥).

стр. 752

ومنهم من أباح المساقاة إمَّا مطلقًا، كقول مالك (١) والشافعي في القديم (٢)، أو على النخل والعنب خاصَّة، كالجديد له (٣)؛ لأنَّ الشجر لا تمكن إجارته، بخلاف الأرض، وأباحوا ما يحتاج إليه من المزارعة تبعًا للمساقاة. ثُمَّ منهم من قدَّر ذلك بالثلث، كقول مالك (٤). ومنهم من اعتبر كون الأرض أغلب، كقول الشافعي (٥). وأمَّا جمهور السلف والفقهاء (٦)، فقالوا: ليس ذلك من باب الإجارة في شيء، بل من باب المشاركات، التي مقصود كل منهما مثل مقصود صاحبه، بخلاف الإجارة، فإنَّ هذا مقصوده العمل، وهذا

стр. 753

مقصوده الأجرة، ولهذا كان الصحيح أنَّ هذه المشاركات إذا فسدت وجب فيها نصيب المثل، لا أجرة المثل، فيجب من الربح والنماء في فاسدها نظير ما يجب في صحيحها، لا أجرة مقدرة، فإن لم يكن ربح ولا نماء لم يجب شيء، فإنَّ أجرة المثل قد تستغرق رأس المال وأضعافه، وهذا ممتنع، فإنَّ قاعدة الشرع أنَّه يجب في الفاسد من العقود نظير ما يجب في الصحيح منها، كما يجب في النكاح الفاسد مهر المثل، وهو نظير ما يجب في الصحيح (١)، وفي البيع الفاسد إذا فات ثمن المثل، وفي الإجارة الفاسدة أجرة المثل، فكذلك يجب في المضاربة الفاسدة ربح المثل، وفي المساقاة والمزارعة الفاسدة نصيب المثل، فإنَّ الواجب في صحيحها ليس هو أجرة مسماة فتجب (٢) في فاسدها أجرة المثل، بل هو جزء شائع من الربح، فيجب في الفاسد نظيره. قال شيخ الإسلام وغيره من الفقهاء (٣): والمزارعة أحل (٤) من المؤاجرة، وأقرب إلى العدل، فإنَّهما يشتركان في المغرم والمغنم، بخلاف المؤاجرة، فإنَّ صاحب الأرض تسلم له الأجرة، والمستأجر قد يحصل له زرع، وقد لا يحصل. والعلماء مختلفون في جواز هذا وهذا (٥)، والصحيح: جوازهما،

стр. 754

سواء كانت الأرض إقطاعًا أو غيره. قال شيخ الإسلام ابن تيمية (١): وما علمت أحدًا من علماء الإسلام - الأئمة الأربعة (٢) ولا غيرهم - قال: إجارة الإقطاع لا تجوز، وما زال المسلمون يؤجرون إقطاعاتهم (٣) قرنًا بعد قرن، من الصحابة إلى زمننا هذا، حتَّى أحدث بعض أهل زماننا فابتدع القول ببطلان إجارة الإقطاع (٤)، وشبهته أنَّ المقطَع لا يملك المنفعة (٥)، فيصير كالمستعير، لا يجوز أن يكري الأرض المعارة. وهذا القياس خطأ من وجهين: أحدهما: أنَّ المستعير لم تكن المنفعة حقًّا له، وإنَّما تبرع المعير بها، وأمَّا أراضي المسلمين فمنفعتها حق للمسلمين، وولي الأمر قاسم

стр. 755

بينهم حقوقهم، ليس متبرعًا لهم كالمعير. والمقطَع مستوفي (١) المنفعة بحكم الاستحقاق، كما يستوفي الموقوف عليه منافع الوقف وأولى، وإذا جاز للموقوف عليه أن يؤجر الوقف - وإن أمكن أن يموت فتنفسخ الإجارة بموته على الصحيح (٢) - فلأن يجوز للمقطَع أن يؤجر الإقطاع وإن انفسخت الإجارة بموته أولى (٣). الثاني: أنَّ المعيرَ لو أذنَ في الإجارة جازت الإجارة، وولي الأمر يأذن للمقطَع في الإجارة، فإنَّه إنَّما أقطعهم لينتفعوا بها إمَّا بالمزارعة (٤)، وإمَّا بالإجارة، ومن منع الانتفاع بها بالإجارة والمزارعة فقد أفسدَ على المسلمين دينهم ودنياهم، وألزم الجند والأمراء أن يكونوا هم الفلاحين، وفي ذلك من الفساد ما فيه. وأيضًا؛ فإن الإقطاع قد يكون دورًا وحوانيت، لا ينتفع بها المقطَع إلا بالإجارة، فإذا لم تصح إجارة الإقطاع عطلت منافع ذلك بالكلية، وكون الإقطاع معرضًا لرجوع الإمام فيه مثل كون الموهوب للولد معرضًا لرجوع الوالد فيه، وكون الصداق قبل الدخول معرضًا لرجوع

стр. 756

نصفه أو كله إلى الزوج، وذلك لا يمنع صحة الإجارة بالاتفاق، فليس مع المبطِل نص ولا قياس، ولا مصلحة ولا نظر. وإذا أبطلوا المزارعة والإجارة لم يبق بيد (١) الجند إلا أن يستأجروا من أموالهم من يزرع الأرض ويقوم عليها، وهذا لا يكاد يفعله إلا قليل من الناس؛ لأنه قد يخسر ماله، ولا يحصل له شيء، بخلاف المشاركة، فإنهما يشتركان في المغنم والمغرم، فهي أقرب إلى العدل. وهذه المسألة ذكرت طردًا، وإلا فالمقصود أن الناس إذا احتاجوا إلى أرباب الصناعات - كالفلاحين وغيرهم - أجبروا على ذلك بأجرة المثل. وهذا من التسعير الواجب، فهذا تسعير في الأعمال. وأما التسعير في الأموال فإذا احتاج الناس (٢) إلى سلاح للجهاد وآلات، فعلى أربابه أن يبيعوه بعوض المثل، ولا يمكنوا من حبسه إلا بما يريدونه من الثمن، والله تعالى قد أوجب الجهاد بالنفس والمال، فكيف لا يجب على أرباب السلاح بذله بقيمته؟ ومن أوجب على العاجز ببدنه أن يخرج من ماله ما يحج به الغير عنه ولم يوجب على المستطيع بماله أن يخرج ما يجاهد به الغير: فقوله ظاهر التناقض، وهذا إحدى الروايتين عن الإمام أحمد، وهو الصواب (٣).

стр. 757

فصل وإنما لم يقع التسعير في زمن النبي ﷺ بالمدينة؛ لأنهم لم يكن عندهم من يطحن ويخبز بكراء، ولا من يبيع طحينًا وخبزًا، بل كانوا يشترون الحب ويطحنونه ويخبزونه في بيوتهم، وكان من قدم بالحب لا يتلقاه أحد، بل يشتريه الناس من الجلابين؛ ولهذا جاء في الحديث: "الجالب مرزوق، والمحتكر ملعون" (١). وكذلك لم يكن في المدينة حائك، بل كان يقدم عليهم بالثياب من الشام واليمن وغيرهما، فيشترونها ويلبسونها (٢).

стр. 758

فصل في التسعير وقد تنازع العلماء في التسعير في مسألتين: إحداهما: إذا كان للناس سعر غالب، فأراد بعضهم أن يبيع بأغلى من ذلك، فإنه يمنع من ذلك عند مالك (١). وهل يمنع من النقصان؟ على قولين لهم (٢). واحتج مالك ﵀ بما رواه في موطئه عن يونس بن سيف (٣) عن سعيد بن المسيب: "أن عمر بن الخطاب ﵁ مر بحاطب بن أبي بلتعة، وهو يبيع زبيبًا له بالسوق، فقال له عمر: إما أن تزيد في السعر، وإما أن ترفع من سوقنا" (٤).

стр. 759

قال مالك (١): لو أن رجلًا أراد فساد السوق فحط عن سعر الناس لرأيت أن يقال له: إما لحقت بسعر الناس، وإما رفعت، وأما أن يقول للناس كلهم يعني (٢): لا تبيعوا إلا بسعر كذا، فليس ذلك بالصواب، وذكر حديث عمر بن عبد العزيز في أهل الأيلة (٣)، حين حط سعرهم لمنع البحر، فكتب: "خل بينهم وبين ذلك، فإنما السعر بيد الله". قال ابن رشد في كتاب البيان (٤): "أما الجلابون فلا خلاف في أنه لا يسعر عليهم شيء مما جلبوه، وإنما يقال لمن شذ منهم، فباع بأغلى مما يبيع به العامة: إما أن تبيع بما تبيع به العامة، وإما أن ترفع من السوق، كما فعل عمر بن الخطاب بحاطب بن أبي بلتعة، إذ مر به وهو يبيع زبيبًا له في السوق فقال له: "إما أن تزيد في السعر، وإما أن ترفع من سوقنا" (٥)؛ لأنه كان يبيع بالدرهم الواحد أقل (٦) مما كان يبيع به

стр. 760

أهل السوق. وأمَّا أهل الحوانيت والأسواق، الَّذين يشترون من الجلابين وغيرهم جملة، ويبيعون ذلك على أيديهم مقطعًا، مثل اللحم والأدم والفواكه، فقيل: إنهم كالجلابين، لا يسعر لهم شيء من بياعاتهم، وإنَّما يقال لمن شذ منهم وخرج عن الجمهور: إمَّا أن تبيع كما يبيع النَّاس، وإمَّا أن ترفع من السوق، وهو قول مالك في هذه الرواية (١). وممَّن روي عنه ذلك من السلف: عبد الله بن عمر (٢) والقاسم بن محمد وسالم بن عبد الله (٣). وقيل: إنَّهم في هذا بخلاف الجلابين، لا يتركون على البيع باختيارهم إذا أغلوا على النَّاس، ولم يقتنعوا (٤) من الربح بما يشبه. وعلى صاحب السوق الموكل بمصلحته أن يعرف ما يشترون به، فيجعل لهم من الربح ما يشبه، وينهاهم أن يزيدوا على ذلك، ويتفقد السوق أبدًا، فيمنعهم من الزيادة على الربح الَّذي جعل لهم، فمن

стр. 761

خالف أمره عاقبه وأخرجه من السوق. وهذا قول مالك (١) في رواية أشهب (٢)، وإليه ذهب ابن حبيب (٣)، وقال به ابن المسيب ويحيى بن سعيد والليث وربيعة (٤). ولا يجوز عند أحدٍ من العلماء أن يقول لهم: لا تبيعوا إلَّا بكذا وكذا، ربحتم أو خسرتم، من غير أن ينظر إلى ما يشترون به، ولا أن يقول لهم فيما قد اشتروه: لا تبيعوه إلَّا بكذا وكذا، ممَّا هو مثل الثمن أو أقل. وإذا ضرب لهم الربح على قدر ما يشترون لم يتركهم أن يغلوا في الشراء، وإن لم يزيدوا في الربح على القدر الَّذي حدَّ لهم، فإنهم قد يتساهلون في الشراء إذا علموا أنَّ الربح لا يفوتهم (٥). وأمَّا الشافعي (٦)، فإنَّه عارض ذلك بما رواه عن الدراوردي (٧) عن داود بن صالح التمار عن القاسم بن محمد عن عمر ﵁: "أنَّه مر بحاطب بن أبي بلتعة بسوق المصلى، وبين يديه

стр. 762

غرارتان (١) فيهما زبيب، فسأله عن سعرهما؛ فقال له (٢): مدَّين لكل درهم، فقال له عمر: قد حُدِّثت بعير من الطائف تحمل زبيبًا، وهم يغترون (٣) بسعرك، فإمَّا أن ترفع في السعر، وإمَّا أن تدخل زبيبك البيت، فتبيعه (٤) كيف شئت، فلمَّا رجع عمر حاسب نفسه، ثمَّ أتى حاطبًا في داره، فقال: إنَّ الَّذي قلت لك ليس عزمة مني، ولا قضاء، إنَّما هو شيء أردت به الخير لأهل البلد، فحيث شئت فبع، وكيف شئت فبع" (٥). قال الشافعي (٦): وهذا الحديث مستقصى (٧)، وليس بخلاف لما رواه مالك (٨)، ولكنَّه روى بعض الحديث، أو رواه عنه من رواه (٩)،

стр. 763

وهذا أتى بأوَّل الحديث وآخره، وبه أقول؛ لأنَّ النَّاس مسلطون على أموالهم، ليس لأحدٍ أن يأخذها أو شيئًا منها بغير طيب أنفسهم إلَّا في المواضع التي يلزمهم الأخذ فيها (١)، وهذا ليس منها (٢). وعلى قول مالك فقال أبو الوليد الباجي: الَّذي يؤمر به من حط عنه أن يلحق به هو السعر الذي عليه جمهور النَّاس، فإذا انفرد منهم الواحد والعدد اليسير بحط السعر أمروا باللحاق بسعر النَّاس، أو ترك البيع، فإن زاد في السعر واحد أو عدد يسير لم يؤمر الجمهور باللحاق بسعره؛ لأنَّ المراعى حال الجمهور (٣)، وبه تقوم المبيعات. وهل يقام من زاد في السوق - أي في قدر المبيع بالدراهم - كما يقام من نقص منه؟ قال ابن القصار المالكي (٤): اختلف أصحابنا في قول مالك: "ولكن من حط سعرًا"، فقال البغداديون (٥): أراد من باع خمسة بدرهم، والنَّاس يبيعون ثمانية.

стр. 764

وقال قوم من البصريين (١): أراد من باع ثمانية، والنَّاس يبيعون خمسة، فيفسد على أهل السوق بيعهم، وربما أدَّى إلى الشغب والخصومة. قال: وعندي أنَّ الأمرين جميعًا ممنوعان؛ لأنَّ من باع ثمانية - والنَّاس يبيعون خمسة - أفسد على أهل السوق بيعهم، وربما أدَّى إلى الشغب والخصومة، فمنع الجميع مصلحة. قال أبو الوليد (٢): ولا خلاف أنَّ ذلك حكم أهل السوق. وأمَّا الجالب ففي كتاب محمد (٣): لا يمنع الجالب أن يبيع في السوق دون بيع النَّاس، وقال ابن حبيب: ما عدا القمح والشعير بسعر النَّاس وإلَّا رفعوا، وأمَّا جالب القمح والشعير فيبيع كيف شاء، إلَّا أنَّ لهم في أنفسهم حكم أهل السوق، إن أرخص بعضهم (٤) تركوا، وإن أرخص أكثرهم قيل لمن بقي: إمَّا أن تبيعوا كبيعهم، وإمَّا أن ترفعوا (٥). قال ابن حبيب: وهذا (٦) في المكيل والموزون، مأكولًا كان أو

стр. 765

غيره، دون ما لا يكال (١) ولا يوزن؛ لأنَّه لا يمكن تسعيره؛ لعدم التماثل فيه. قال أبو الوليد (٢): هذا إذا كان المكيل والموزون متساويين (٣)، فإذا اختلفا (٤)، لم يؤمر صاحب الجيد أن يبيعه بسعر الدون (٥). فصل وأمَّا المسألة الثانية - التي تنازعوا فيها من التسعير - فهي أن يحد لأهل السوق حدًّا لا يتجاوزونه، مع قيامهم بالواجب. فهذا منع منه الجمهور (٦)، حتَّى مالك نفسه في المشهور عنه (٧)،

стр. 766

ونقل المنع أيضًا عن ابن عمر (١)، وسالم (٢)، والقاسم بن محمد (٣)، وروى أشهب عن مالك في صاحب السوق يسعر على الجزارين لحم الضأن بكذا، ولحم الإبل بكذا، وإلَّا أخرجوا من السوق؛ قال: إذا سعر عليهم قدر ما يرى من شرائهم، فلا بأس به، ولكن أخاف أن (٤) يقوموا من السوق. واحتجَّ أصحاب هذا القول بأنَّ في هذا مصلحة للناس بالمنع من إغلاء السعر عليهم، ولا يجبر النَّاس على البيع، وإنَّما يمنعون من البيع بغير السعر الَّذي يحده ولي الأمر، على حسب ما يرى من المصلحة فيه للبائع والمشتري (٥). وأمَّا الجمهور فاحتجوا بما رواه أبو داود (٦) وغيره من حديث العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة ﵁ قال: جاءَ رَجُلٌ إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، سَعِّر لنا، فقال: "بل أَدْعُو اللهَ" ثمَّ جاءه رجل فقال: يا رسول الله، سعِّر لنا، فقال: "بلْ اللهُ يَرْفَعُ

стр. 767

وَيَخْفِضُ، وَإِنَّي لأَرْجُو أَنْ أَلْقَى اللهَ، وَلَيْسَتْ لأَحَدٍ عِنْدِي مَظْلَمَةٌ". قالوا (١): ولأن إجبار النَّاس على ذلك ظلمٌ لهم. فصل وأمَّا صفة ذلك عند من جوَّزه (٢)، فقال ابن حبيب (٣): ينبغي للإمام أن يجمع وجوه أهل سوق ذلك الشيء، ويحضر غيرهم، استظهارًا على صدقهم، فيسألهم: كيفَ يشترون؟ وكيف يبيعون؟ فينازلهم إلى ما فيه لهم وللعامة سداد، حتَّى يرضوا به، ولا يجبرهم (٤) على التسعير، ولكن عن رضى. قال أبو الوليد (٥): ووجه هذا: أن به يتوصل إلى معرفة مصالح البائعين والمشترين، ويجعل للباعة في ذلك من الربح ما يقوم بهم، ولا يكون فيه إجحافٌ بالنَّاس، وإذا سعَّر عليهم من غير رضا، بما لا ربح لهم فيه، أدَّى ذلك إلى فساد الأسعار، وإخفاء الأقوات، وإتلاف أموال النَّاس.

стр. 768

قال شيخنا (١): فهذا الَّذي تنازعوا فيه، وأمَّا إذا امتنع النَّاسُ من بيع ما يجب عليهم بيعه فهنا يؤمرون بالواجب، ويعاقبون على تركه، وكذلك كل من وجبَ عليه أن يبيع بثمن المثل فامتنع. ومن احتجَّ على منع التسعير مطلقًا بقول النبي ﷺ : "إنَّ اللهَ هُوَ المُسَعَّرُ القَابِضُ البَاسِط، وَإِنَّي لأَرْجُو أَنْ أَلْقَى اللهَ تعَالَى وَلَيْسَ أَحَدٌ يَطْلُبُني بمَظْلَمَةٍ فِي دَمٍ وَلَا مَالٍ" (٢) قيل له: هذه قضيةٌ معينة، ليست لفظًا عامًّا، وليس فيها أنَّ أحدًا امتنع من بيع ما النَّاس يحتاجون إليه، ومعلومٌ أنَّ (٣) الشيء إذا قلَّ رغب النَّاسُ في المزايدة فيه، فإذا بذله صاحبه كما جرت به العادة، ولكنَّ النَّاس تزايدوا فيه فهنا لا يسعر عليهم. وقد ثبتَ في "الصحيحين" (٤): أنَّ النبي ﷺ منع من الزيادة على ثمن المثل في عتق الحصة من العبد المشترك، فقال ﷺ : "مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عبْدٍ - وَكَانَ لَهُ مِنَ المَالِ (٥) مَا يَبْلُغُ ثَمَنَ العَبْدِ - قُوِّمَ عَلَيْهِ قِيْمَةَ عَدْلٍ، لا وَكْس (٦) ولَا شَطَط" (٧)، فأعطى شركاءه حصصهم،

стр. 769

وعتق عليه العبد، فلم يمكن المالك أن يساوم المعتِق بالَّذي يريد، فإنَّه لما وجب عليه أن يُمَلَّك شريكه المعتِق نصيبه الَّذي لم يعتقه لتكميل الحرية في العبد قُدِّر عوضه بأن يُقوَّم جميع العبد قيمة عدل، ويعطيه قسطه من القيمة، فإنَّ حقَّ الشريك في نصف القيمة، لا في قيمة النصف عند الجمهور (١). وصار هذا الحديث أصلًا في أنَّ ما لا يمكن قسمة عينه، فإنَّه يباع ويقسم ثمنه، إذا طلبَ أحد الشركاء ذلك، ويجبر الممتنع على البيع، وحكى بعض المالكية ذلك إجماعًا (٢). وصار أصلًا في أنَّ من وجبت عليه المعاوضة أجبر على أن يعاوض بثمن المثل، لا بما يريد من الثمن (٣)، وأصلًا في جواز إخراج الشيء من ملك (٤) صاحبه قهرًا بثمنه، للمصلحة الرَّاجحة، كما في الشفعة، وأصلًا في وجوب تكميل العتق بالسراية مهما أمكن. والمقصود أنَّه إذا كان الشارع يوجب إخراج الشيء عن ملك مالكه

стр. 770

بعوض المثل، لمصلحة تكميل العتق، ولم يُمَكِّن المالك من المطالبة بالزيادة على القيمة، فكيف إذا كانت الحاجة بالنَّاس إلى التملك أعظم، وهم إليها أضر؟ مثل حاجة المضطر إلى الطعام والشراب واللباس وغيره. وهذا الَّذي أمر به النبي ﷺ من تقويم الجميع قيمة المثل هو حقيقة التسعير، وكذلك سلط (١) الشريك على انتزاع الشقص المشفوع من يد المشتري بثمنه الَّذي ابتاعه به لا بزيادة عليه، لأجل مصلحة التكميل لواحد، فكيف بما هو أعظم من ذلك؟ فإذا جوز له انتزاعه منه بالثمن الَّذي وقع عليه العقد، لا بما شاء المشتري من الثمن، لأجل هذه المصلحة الجزئية، فكيف إذا اضطر إلى ما عنده من طعام وشراب ولباس وآلة حرب؟ وكذلك إذا اضطر الحاج إلى ما عند النَّاس من آلات السفر وغيرها، فعلى ولي الأمر أن يجبرهم على ذلك بثمن المثل، لا بما يريدونه من الثمن، وحديث العتق أصلٌ في ذلك كله (٢). فصل فإذا قُدِّرَ أنَّ قومًا اضطروا إلى السكنى (٣) في بيت إنسان، لا يجدون سواه، أو النزول في خان مملوك، أو استعارة ثياب يستدفئون بها، أو رحى للطحن، أو دلو لنزع الماء، أو قدر، أو فأس، أو غير ذلك،

стр. 771

وجب على صاحبه بذله بلا نزاع، لكن هل له أن يأخذ عليه أجرًا؟ فيه قولان للعلماء، وهما وجهان لأصحاب أحمد (١). ومن جوَّز له أخذ الأجرة حرم عليه أن يطلب زيادة على أجرة المثل. قال شيخنا (٢) ﵁: والصحيح أنَّه يجب عليه بذل ذلك مجانًا، كما دلَّ عليه الكتاب والسنَّة، قال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥) الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (٦) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ (٧)﴾ [الماعون: ٤ - ٧] قال ابن مسعود وابن عباس وغيرهما من الصحابة: "هو إعارة القدر والدلو والفأس ونحوهم" (٣).

стр. 772

وفي "الصحيحين" (١) عن النبي ﷺ وذكر الخيل - قال: "هِيَ لِرَجُلٍ أَجْرٌ، وَلِرَجُلٍ سِتْرٌ، وَعَلَى رَجِلٍ وِزْرٌ، فَأَمَّا الَّذي هِيَ لَهُ أَجْر فَرَجُلٌ رَبَطَهَا فِي سَبيِل الله، وأَمَّا الَّذي هِي لَهُ ستر فرجل رَبَطَهَا تَغَنَّيا وَتَعَفُّفا، ولَمْ يَنْس حَقَّ الله فِي رِقَابِهَا، وَلَا ظُهُوْرِهَا". وفي "الصحيحين" (٢) عنه أيضًا: "مِنْ حَقَّ الإبِلِ إِعَارَةُ دَلْوهَا، وَإِطْرَاقُ فَحْلِهَا (٣) ". وفي "الصحيح" (٤) عنه: "أنَّهُ نَهَى عَنْ عَسْبِ (٥) الفَحْلِ" أي عن أخذ الأجرة عليه، والنَّاسُ يحتاجون إليه، فأوجب بذله مجانًا، ومنع من أخذ الأجرة عليه (٦).

стр. 773

وفي "الصحيحين" (١) عنه أنَّه قال: "لَا يَمْنَعَنَّ جَارٌ جَارَهُ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَةً فِي جِدَارِهِ". و لو احتاجَ إلى إجراء مائه في أرض غيره، من غير ضرر لصاحب (٢) الأرض ، فهل يجبر على ذلك؟ على روايتين عن أحمد (٣)، والإجبار قول عمر بن الخطاب (٤) وغيره من الصحابة ﵃. وقد قال جماعة من الصحابة والتابعين (٥): "إنَّ زكاة الحلي عاريته، فإذا لم يُعِرْهُ فَلَا بُدَّ مِنْ زَكَاتِهِ"، وهذا وجه في مذهب أحمد (٦).

стр. 774

قلت: وهو الراجح، وأنَّه لا يخلو الحلي من زكاة أو عارية (١). و المنافع التي يجب بذلها نوعان (٢): منها ما هو حق المال ، كما ذكرنا في الخيل والإبل والحلي، ومنها ما يجب لحاجة النَّاس . وأيضًا؛ فإنَّ بذل منافع البدن تجب عند الحاجة ، كتعليم العلم، وإفتاء النَّاس، والحكم بينهم، وأداء الشهادة، والجهاد، والأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر، وغير ذلك من منافع الأبدان. وكذلك من أمكنه إنجاء إنسان من مهلكة وجب عليه أن يخلصه ، فإن ترك ذلك - مع قدرته عليه - أثم وضمنه (٣). فلا يمتنع وجوب بذل منافع الأموال للمحتاج، وقد قال تعالى: ﴿وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ﴾، وقال تعالى: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ [البقرة: ٢٨٢]. وللفقهاء في أخذ الجعل على الشهادة أربعة أقوال (٤)، وهي أربعة

стр. 775

أوجه في مذهب أحمد (١)، أحدها: أنَّه لا يجوز مطلقًا (٢)، والثاني: أنَّه يجوز عند الحاجة، والثالث: أنَّه لا يجوز (٣) إلَّا أن يتعين عليه، والرَّابع: أنَّه يجوز، فإن أخذه عند التحمل لم يأخذه عند الأداء. والمقصود أنَّ ما قدره النبي ﷺ من الثمن في سراية العتق هو لأجل تكميل الحرية، وهو حق الله تعالى، و ما احتاج إليه النَّاس حاجة عامة، فالحق فيه لله ، وذلك في الحقوق والحدود. فأمَّا الحقوق، فمثل حقوق المساجد، ومال الفيء، والوقف على أهل الحاجات، وأموال الصدقات، والمنافع العامة. وأمَّا الحدود، فمثل حد المحاربة والسرقة والزنا وشرب الخمر المسكر. وحاجة المسلمين إلى الطعام واللباس وغير ذلك مصلحة عامة، ليس الحق فيها لواحدٍ بعينه، فتقدير الثمن فيها بثمن المثل على من وجب عليه البيع أولى من تقديره لتكميل الحرية، لكن تكميل الحرية
следующие страницы →