← Сияса и кади

Сияса и кади · id 18159

الطرق الحكمية في السياسة الشرعية - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (1 013 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

وجب على صاحبه بذله بلا نزاع، لكن هل له أن يأخذ عليه أجرًا؟ فيه قولان للعلماء، وهما وجهان لأصحاب أحمد (١). ومن جوَّز له أخذ الأجرة حرم عليه أن يطلب زيادة على أجرة المثل. قال شيخنا (٢) ﵁: والصحيح أنَّه يجب عليه بذل ذلك مجانًا، كما دلَّ عليه الكتاب والسنَّة، قال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥) الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (٦) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ (٧)﴾ [الماعون: ٤ - ٧] قال ابن مسعود وابن عباس وغيرهما من الصحابة: "هو إعارة القدر والدلو والفأس ونحوهم" (٣).

стр. 772

وفي "الصحيحين" (١) عن النبي ﷺ وذكر الخيل - قال: "هِيَ لِرَجُلٍ أَجْرٌ، وَلِرَجُلٍ سِتْرٌ، وَعَلَى رَجِلٍ وِزْرٌ، فَأَمَّا الَّذي هِيَ لَهُ أَجْر فَرَجُلٌ رَبَطَهَا فِي سَبيِل الله، وأَمَّا الَّذي هِي لَهُ ستر فرجل رَبَطَهَا تَغَنَّيا وَتَعَفُّفا، ولَمْ يَنْس حَقَّ الله فِي رِقَابِهَا، وَلَا ظُهُوْرِهَا". وفي "الصحيحين" (٢) عنه أيضًا: "مِنْ حَقَّ الإبِلِ إِعَارَةُ دَلْوهَا، وَإِطْرَاقُ فَحْلِهَا (٣) ". وفي "الصحيح" (٤) عنه: "أنَّهُ نَهَى عَنْ عَسْبِ (٥) الفَحْلِ" أي عن أخذ الأجرة عليه، والنَّاسُ يحتاجون إليه، فأوجب بذله مجانًا، ومنع من أخذ الأجرة عليه (٦).

стр. 773

وفي "الصحيحين" (١) عنه أنَّه قال: "لَا يَمْنَعَنَّ جَارٌ جَارَهُ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَةً فِي جِدَارِهِ". و لو احتاجَ إلى إجراء مائه في أرض غيره، من غير ضرر لصاحب (٢) الأرض ، فهل يجبر على ذلك؟ على روايتين عن أحمد (٣)، والإجبار قول عمر بن الخطاب (٤) وغيره من الصحابة ﵃. وقد قال جماعة من الصحابة والتابعين (٥): "إنَّ زكاة الحلي عاريته، فإذا لم يُعِرْهُ فَلَا بُدَّ مِنْ زَكَاتِهِ"، وهذا وجه في مذهب أحمد (٦).

стр. 774

قلت: وهو الراجح، وأنَّه لا يخلو الحلي من زكاة أو عارية (١). و المنافع التي يجب بذلها نوعان (٢): منها ما هو حق المال ، كما ذكرنا في الخيل والإبل والحلي، ومنها ما يجب لحاجة النَّاس . وأيضًا؛ فإنَّ بذل منافع البدن تجب عند الحاجة ، كتعليم العلم، وإفتاء النَّاس، والحكم بينهم، وأداء الشهادة، والجهاد، والأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر، وغير ذلك من منافع الأبدان. وكذلك من أمكنه إنجاء إنسان من مهلكة وجب عليه أن يخلصه ، فإن ترك ذلك - مع قدرته عليه - أثم وضمنه (٣). فلا يمتنع وجوب بذل منافع الأموال للمحتاج، وقد قال تعالى: ﴿وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ﴾، وقال تعالى: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ [البقرة: ٢٨٢]. وللفقهاء في أخذ الجعل على الشهادة أربعة أقوال (٤)، وهي أربعة

стр. 775

أوجه في مذهب أحمد (١)، أحدها: أنَّه لا يجوز مطلقًا (٢)، والثاني: أنَّه يجوز عند الحاجة، والثالث: أنَّه لا يجوز (٣) إلَّا أن يتعين عليه، والرَّابع: أنَّه يجوز، فإن أخذه عند التحمل لم يأخذه عند الأداء. والمقصود أنَّ ما قدره النبي ﷺ من الثمن في سراية العتق هو لأجل تكميل الحرية، وهو حق الله تعالى، و ما احتاج إليه النَّاس حاجة عامة، فالحق فيه لله ، وذلك في الحقوق والحدود. فأمَّا الحقوق، فمثل حقوق المساجد، ومال الفيء، والوقف على أهل الحاجات، وأموال الصدقات، والمنافع العامة. وأمَّا الحدود، فمثل حد المحاربة والسرقة والزنا وشرب الخمر المسكر. وحاجة المسلمين إلى الطعام واللباس وغير ذلك مصلحة عامة، ليس الحق فيها لواحدٍ بعينه، فتقدير الثمن فيها بثمن المثل على من وجب عليه البيع أولى من تقديره لتكميل الحرية، لكن تكميل الحرية

стр. 776

وجب على الشريك المعتِق، ولو لم يقدر فيها (١) الثمن لتضرر بطلب الشريك الآخر، فإنَّه يطلب ما شاء، وهنا عموم النَّاس يشترون الطعام (٢) والثياب لأنفسهم وغيرهم، فلو مكن من عنده سلع يحتاج النَّاس إليها أن يبيع بما شاء كان ضرر النَّاس أعظم، ولهذا قال الفقهاء: اذا اضطر الإنسان إلى طعام الغير، وجب عليه بذله له (٣) بثمن المثل (٤). وأبعد الأئمة عن إيجاب المعاوضة وتقديرها هو الشافعي (٥)، ومع هذا فإنه يوجب على من اضطر الإنسان إلى طعامه أن يبذله له (٦) بثمن المثل، وتنازع أصحابه في جواز تسعير الطعام، إذا كان بالنَّاس إليه حاجة، ولهم فيه وجهان (٧). وقال أصحاب أبي حنيفة (٨): لا ينبغي للسلطان أن يسعر على

стр. 777

النَّاس، إلَّا إذا تعلق به حق ضرر العامة، فإذا رفع إلى القاضي أمر المحتكر ببيع ما فضل من قوته وقوت أهله، على اعتبار السعر في ذلك، ونهاه عن الاحتكار، فإن أبى حبسه وعزره على مقتضى رأيه، زجرًا له، ودفعًا للضرر عن النَّاس. قالوا: فإن تعدى أرباب الطعام، وتجاوزوا القيمة تعديًا فاحشًا، وعجز القاضي عن صيانة حقوق المسلمين إلَّا بالتسعير سعَّره حينئذٍ بمشورة أهل الرَّأي والبصيرة (١). وهذا على أصل أبي حنيفة ظاهر، حيث لا يرى الحجر على الحر (٢)، ومن باعَ منهم بما قدره الإمام صح؛ لأنَّه غير مكره عليه. قالوا: وهل يبيع القاضي على المحتكر طعامه من غير رضاه (٣)؟ فعلى الخلاف المعروف في بيع مال المديون. وقيل: يبيع ها هنا بالاتفاق؛ لأنَّ أبا حنيفة يرى الحجر لدفع الضرر العام (٤)، والسعر لما غلا على عهد النبي ﷺ وطلبوا منه التسعير

стр. 778

فامتنع، لم يذكر أنَّه كان هناك من عنده طعام امتنع من بيعه، بل عامة من كان يبيع الطعام إنما هم جالبون يبيعونه إذا هبطوا السوق، ولكن "نهى النبي ﷺ أن يبيع حاضرٌ لبَادٍ" أي أن يكون له سمسارًا، وقال: "دَعُوا النَّاس يَرْزُقُ الله بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ" (١)، فنهى الحاضر العالم بالسعر أن يتوكل للبادي الجالب للسلعة؛ لأنَّه إذا توكل له - مع خبرته بحاجة النَّاس - أغلى الثمن على المشتري، فنهاه عن التوكل له، مع أنَّ جنس الوكالة مباح، لما في ذلك من زيادة السعر على النَّاس، ونهى عن تلقي الجلب، وجعل للبائع إذا هبط السوق الخيار. ولهذا كان أكثر الفقهاء على أنَّه نهى عن ذلك لما فيه من ضرر البائع هنا (٢)، فإذا لم يكن قد عرف السعر، وتلقاه المتلقي قبل إتيانه إلى السوق، اشتراه المشتري بدون ثمن المثل فغبنه، فأثبت النبي ﷺ لهذا البائع الخيار. ثمَّ فيه عن أحمد روايتان (٣) كما تقدم، إحداهما: أنَّ الخيار يثبت له مطلقًا، سواء غبن أم لم يغبن، وهو ظاهر مذهب الشافعي (٤).

стр. 779

والثانية: أنَّه إنَّما يثبت له عند الغبن، وهي ظاهر المذهب (١). وقالت طائفة (٢): بل نهى عن ذلك لما فيه من ضرر المشتري إذا تلقَّاهُ المتلقي، فاشترى منه، ثمَّ باعه (٣). وفي الجملة، فقد نهى النبي ﷺ عن البيع والشراء الَّذي جنسه حلال، حتَّى يعلم البائع بالسعر، وهو ثمن المثل، ويعلم المشتري بالسلعة. وصاحب القياس الفاسد يقول: للمشتري أن يشتري حيث شاء، وقد اشترى من البائع، كما يقول: فله أن يتوكل للبائع الحاضر وغير الحاضر. ولكن الشارع راعى المصلحة العامة، فإن الجالب إذا لم يعرف السعر كان جاهلًا بثمن المثل، فيكون المشتري غارًّا له. وألحق مالك (٤) وأحمد (٥) ﵄ بذلك كل مسترسل، فإنَّه بمنزلة الجالب الجاهل بالسعر. فتبين أنه يجب على الإنسان ألَّا يبيع مثل هؤلاء إلَّا بالسعر المعروف، وهو ثمن المثل، وإن لم يكونوا محتاجين إلى الابتياع منه،

стр. 780

لكن لكونهم جاهلين بالقيمة أو غير مماكسين، والبيع يعتبر فيه الرضا، والرضا يتبع العلم، ومن لم يعلم أنَّه غبن فقد يرضى، وقد لا يرضى، فإذا علم أنَّه غبن ورضي فلا بأس بذلك. وفي "السنن": "أنَّ رَجُلًا كَانَتْ لَهُ شَجَرَةٌ فِي أرْضِ غَيْرِهِ، وَكَانَ صَاحِبُ الأرْضِ يَتَضَرَّرُ بدُخُوْلِ صَاحِب الشَّجَرَةِ، فَشَكَا ذلِكَ إِلَى النبي ﷺ فَأمَرَهُ أَنْ يَقْبَلَ بَدَلَهَا، أَوْ يَتبَرَّعَ لَه بِهَا، فَلَمْ يَفْعَل، فَأَذِنَ لِصَاحِبِ الأَرْضِ أَنْ يَقْلَعَهَا، وَقَالَ لِصَاحِبِ الشَّجَرَةِ: إنَّما أَنْتَ مُضَار" (١). وصاحب القياس الفاسد يقول: لا يجب عليه أن يبيع شجرته، ولا يتبرع بها، ولا يجوز لصاحب الأرضِ أن يقلعها؛ لأنَّه تصرف في ملك الغير بغير إذنه، وإجبار على المعاوضة عليه، وصاحب الشرع أوجب عليه إذا لم يتبرع بها أن يبيعها (٢)، لما في ذلك من مصلحة صاحب الأرضِ بخلاصه من تأذيه بدخول صاحب الشجرة، ومصلحة صاحب الشجرة بأخذ القيمة، وإن كان عليه في ذلك ضررٌ يسير، فضرر صاحب الأرض ببقائها في بستانه أعظم، فإنَّ الشارع الحكيم يدفع (٣)

стр. 781

أعظم الضررين بأيسرهما، فهذا هو الفقه والقياس والمصلحة، وإن أباه من أباه. والمقصود: أنَّ هذا دليلٌ على وجوب البيع لحاجة المشتري، وأين هذا من حاجة عموم النَّاس إلى الطعام وغيره؟ والحكم في المعاوضة على المنافع إذا احتاج النَّاس (١) إليها - كمنافع الدور والطحن والخبز وغير ذلك - حكم المعاوضة على الأعيان. وجماع الأمر: أنَّ مصلحة النَّاس إذا لم تتم إلَّا بالتسعير سعَّر عليهم تسعير عدل، لا وكس ولا شطط، وإذا اندفعت حاجتهم وقامت مصلحتهم بدونه لم يفعل (٢)، وبالله التوفيق. فصل والمقصود: أن هذه أحكام شرعية، لها طرق شرعية، لا تتم مصلحة الأمة (٣) إلا بها، ولا تتوقف على مدع ومدعى عليه، بل لو توقفت على ذلك فسدت مصالح الأمة، واختل النظام، بل يحكم فيها متولي ذلك بالأمارات (٤) والعلامات الظاهرة والقرائن البينة. ولما كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يتم إلا بالعقوبات

стр. 782

الشرعية، فإن "الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن" (١)، وإقامة الحدود واجب على ولاة الأمور، والعقوبة تكون على فعل محرم، أو ترك واجب. والعقوبات - كما تقدم (٢) - منها مقدر، وغير مقدر، وتختلف مقاديرها وأجناسها وصفاتها باختلاف أحوال الجرائم، وكبرها، وصغرها، وبحسب حال المذنب في نفسه. والتعزيز: منه ما يكون بالتوبيخ وبالزجر وبالكلام، ومنه ما يكون بالحبس، ومنهُ ما يكون بالنَّفي عن الوطن (٣)، ومنه ما يكون بالضرب (٤). وإذا كان على ترك واجب - كأداء الديون والأمانات والصلاة والزكاة - فإنَّه يضرب مرَّة بعد مرَّة، ويفرق الضرب عليه يومًا بعد يوم، حتَّى يؤدي الواجب، وإن كان ذلك على جرم ماض فعل منه مقدار

стр. 783

الحاجة. وليس لأقلَّه حدٌّ، وقد تقدم الخلاف في أكثره (١)، وأنَّه يسوغ بالقتل إذا لم تندفع المفسدة إلَّا به، مثل قتل (٢) المفرق لجماعة المسلمين، والدَّاعي إلى غير كتاب الله وسنَّة رسوله ﷺ . وفي "الصحيح" عن النبي ﷺ : "إِذَا بُويع لِخَلِيفَتينِ فَاقْتُلُوا الآخِرَ مِنْهُمَا" (٣). وقال: "مَنْ جَاءَكُمْ وَأَمْرُكُم عَلَى رَجُلٍ وَاحِدٍ، يُرِيْدُ أَنْ يُفرِّقَ جَمَاعَتكُم، فَاضْرِبُوا عُنُقَهُ بِالسَّيْفِ كَائِنًا مَنْ كَانَ" (٤). و"أمرَ بقتل رجل تعمد عليه الكذب، وقال لقوم: أرسلني إليكم رسول الله ﷺ أن أحكم في نسائكم وأموالكم" (٥).

стр. 784

وسأله ابن الديلمي (١) عمَّن لم ينته عن شرب الخمر؛ فقال: "مَنْ لَمْ يَنْتَهِ عَنْهَا فَاقْتُلُوهُ" (٢)، "وَأَمَرَ بقَتْل شَارِبِهَا بَعْدَ الثَّالِثَة أَوْ الرَّابِعَةِ" (٣)، و"أَمَرَ بِقَتْلِ الَّذي تَزَوجَ امْرأَةَ أَبِيْهِ" (٤)، و"أَمَرَ بِقَتْلِ الَّذي اتُّهِمَ بجَارِيتِهِ حَتَّى تَبيَّنَ لهُ أَنَّهُ خَصِيٌّ" (٥). وأبعد الأئمة من التعزير بالقتل أبو حنيفة، ومع ذلك فيجوَّز التعزير

стр. 785

به للمصلحة، كقتل المكثر من اللواط (١)، وقتل القاتل بالمثقل (٢). ومالك (٣) يرى تعزير الجاسوس المسلم بالقتل، ووافقه بعض أصحاب أحمد (٤)، ويرى أيضًا هو وجماعة من أصحاب أحمد والشافعي (٥) قتل الدَّاعية إلى البدعة. وعزر ﷺ أيضًا بالهجر (٦)، وعزَّر

стр. 786

بالنفي (١)، كما أمر بإخراج المخنثين من المدينة ونفيهم (٢)، وكذلك الصحابة من بعده، كما فعل عمر ﵁ بالأمر (٣) بهجر صبيغ (٤)، ونفي نصر بن حجاج (٥). فصل وأما التعزيز بالعقوبات المالية، فمشروع أيضًا في مواضع مخصوصة في مذهب مالك (٦) وأحمد (٧)، وأحد قولي الشافعي (٨)،

стр. 787

وقد جاءت السنة عن رسول الله ﷺ وعن أصحابه بذلك في مواضع: منها: إباحته ﷺ سلب الذي يصطاد في حرم المدينة لمن وجده (١). ومثل: أمره ﷺ بكسر دنان الخمر وشق ظروفها (٢). ومثل: أمره لعبد الله بن عمرو (٣) بأن يحرق الثوبين المعصفرين (٤). ومثل: أمره ﷺ يوم خيبر - بكسر القدور التي طبخ فيها لحم الحمر الإنسية، ثم استأذنوه في غسلها (٥)، فأذن لهم. فدل على جواز الأمرين، لأن العقوبة بالكسر لم تكن واجبة. ومثل: هدمه مسجد الضرار (٦).

стр. 788

ومثل: تحريق متاع الغال (١). ومثل: حرمان السلب الَّذي أساء على نائبه (٢). ومثل: إضعاف (٣) الغرم على سارق ما لا قطع فيه من الثمر والكَثَر (٤) ومثل: إضعافه الغرم على كاتم الضالة (٥). ومثل: أخذه شطر مال مانع الزكاة، عزمة من عزمات الرب ﵎ (٦) ومثل: أمره لابس خاتم الذهب بطرحه، فطرحه، فلم يعرض له أحد (٧). ومثل: تحريق موسى ﵇ العجل وإلقاء برادته (٨) في

стр. 789

اليم (١). ومثل: قطع نخيل اليهود، إغاظة لهم (٢). ومثل: تحريق عمر وعلي ﵄ المكان الَّذي يباع فيه الخمر (٣). ومثل: تحريق عمر قصر سعد بن أبي وقاص، لما احتجب فيه عن الرعية (٤). وهذه قضايا صحيحة معروفة، وليس يسهل دعوى نسخها. ومن قال: إنَّ العقوبات المالية منسوخة (٥)، وأطلق ذلك، فقد غلط على مذاهب الأئمة نقلًا واستدلالًا (٦)، فأكثر هذه المسائل سائغة

стр. 790

في مذهب أحمد (١)، وكثير منها سائغ عند مالك (٢)، وفعل الخلفاء الراشدين وأكابر الصحابة لها بعد موته (٣) ﷺ مبطل أيضًا لدعوى نسخها، والمدعون للنسخ ليس معهم كتاب ولا سنة، ولا إجماع يصحح دعواهم (٤)، إلَّا أن يقول أحدهم: مذهب أصحابنا عدم جوازها، فمذهب أصحابه عيار على القبول والرد، وإذا ارتفع عن هذه الطبقة ادعى أنَّها منسوخة بالإجماع، وهذا غلط (٥) أيضًا، فإنَّ الأُمَّة لم تجمع على نسخها، ومحال أنَّ الإجماع ينسخ السنة، ولكن لو ثبتَ الإجماع لكان دليلًا على نص ناسخ. قال ابن رشد في كتاب "البيان" (٦) له: ولصاحب الحسبة الحكم على من غش في أسواق المسلمين في خبز أو لبن أو عسل، أو غير ذلك من السلع، بما ذكره أهل العلمِ في ذلك، فقد قال مالك في "المدونة" (٧): "إنَّ عمر بن الخطاب ﵁ كان يطرح اللبن

стр. 791

المغشوش في الأرضِ (١) " أدبًا لصاحبه، وكره ذلك في رواية ابن القاسم، ورأى أن يتصدق به (٢)، ومنع من ذلك في رواية أشهب، وقال: لا يُحل ذنبٌ من الذنوب مالَ إنسان، وإن قتل نفسًا (٣). وذكر ابن الماجشون عن مالك - في الَّذي غش اللبن - مثل الَّذي تقدم في رواية أشهب. قال ابن حبيب: فقلت لمطرف وابن الماجشون: فما وجه الصواب عندكما فيمن غش أو نقص من الوزن؟ قالا: يعاقب بالضرب والحبس (٤) والإخراج من السوق، وما كسر (٥) من الخبز واللبن، أو غش من المسك والزعفران، فلا يفرق ولا ينهب (٦). قال ابن حبيب: ولا يرده الإمام إليه، وليأمر ثقته ببيعه عليه ممَّن يأمن أن يغش به، ويكسر الخبز إذا كسد (٧)، ثمَّ يسلمه لصاحبه، ويباع عليه العسل والسمن واللبن الَّذي يغشه ممن يأكله، ويبين له غشه، وهكذا العمل في كلَّ ما غش من التجارات، وهو إيضاح ما استوضحته

стр. 792

من أصحاب مالك وغيرهم (١). وروي عن مالك: أنَّ المستحسن عنده أن يتصدق به، إذ في ذلك عقوبة الغاش بإتلافه عليه، ونفع المساكين بإعطائهم إياه، ولا يهراق (٢). وقيل لمالك: فالزعفران والمسك، أتراه مثله؟ قال: وما أشبهه بذلك، إذا كان هو الَّذي غشَّه، فهو كالَّلبن (٣). قال ابن القاسم: هذا في الشيء الخفيف ثمنه (٤)، فأمَّا إذا كثر ثمنه فلا أرى ذلِكَ، وعلى صاحبه العقوبة؛ لأنَّه يذهب في ذلك أموال عظام، تزيد في الصدقة بكثير (٥). قال ابن رشد (٦): قال بعض الشيوخ: وسواء - على مذهب مالك - كان ذلك يسيرًا أو كثيرًا؛ لأنَّه يساوي في ذلك بين الزعفران واللبن والمسك قليله وكثيره. وخالفه ابن القاسم فلم ير أن يتصدق من ذلك إلَّا بما كان يسيرًا (٧).

стр. 793

ذلك إذا كان هو الَّذي غشَّه، فأمَّا من وجد عنده من ذلك شيء مغشوش لم يغشه هو، وإنَّما اشتراه أو وهب له أو ورثه، فلا خلاف أنَّه لا يتصدق بشيء من ذلك، والواجب أن يباع ممن يؤمن أن يبيعه من غيره مدلسًا به، وكذلك ما وجب أن يتصدق به من المسك والزعفران يباع (١) على الَّذي غشه. وقول (٢) ابن القاسم في أنَّه لا يتصدق من ذلك إلَّا بالشيء اليسير أحسن من قول مالك؛ لأنَّ الصدقة بذلك من العقوبات في الأموال، وذلك أمرٌ كان في أوَّل الإسلام. ومن ذلِكَ: ما روي عن النبي ﷺ في مانع الزكاة: "إنَّا آخذوها وَشَطْرَ مَالِهِ عَزْمَةً مِنْ عَزَمَاتِ رَبَّنَا" (٣). وروي عنه في حريسة الجبل (٤): "أنَّ فيها غَرَامَة مِثْلِهَا (٥) وَجَلَدَات

стр. 794

نَكَالٍ (١) ". وما روي عنه: "أنَّ مَنْ وُجِدَ يَصِيْدُ فِي حَرَمِ المَدِيْنَةِ شيئًا، فَلِمَنْ وَجَدَهُ سَلَبُهُ" (٢). ومثل هذا كثير، نسخ ذلك كله، والإجماع على أنَّهُ لا يجب، وعادت العقوبات في الأبدان، فكان قول ابن القاسم أولى بالصواب استحسانًا (٣)، والقياس أنَّه لا يتصدق من ذلك بقليلٍ ولا كثيرٍ، انتهى كلامه (٤). وقد عرفت أنَّه ليسَ مع من ادَّعى النسخ لا نص ولا إجماع. والعجب أنَّه قد ذكر نص مالك وفعل عمر، ثمَّ جعل قول ابن القاسم أولى، ونسخ النصوص (٥) بلا ناسخ، فقول عمر وعلي والصحابة ومالك (٦) وأحمد (٧) أولى بالصواب، بل هو إجماع الصحابة، فإنَّ ذلك اشتهر عنهم في قضايا متعددة جدًّا ولم ينكره منهم منكر، وعمر يفعله بحضرتهم، وهم يقرونه، ويساعدونه عليه، ويصوبونه في فعله، والمتأخرون كلما استبعدوا شيئًا، قالوا: منسوخ،

стр. 795

ومتروك (١) العمل به. وقد أفتى ابن القطان (٢) في الملاحف الرديئة النسج بالإحراق بالنَّارِ (٣)، وأفتى ابن عتاب (٤) فيها بتقطيعها خرقًا، وإعطائها للمساكين، إذا تقدم إلى مستعملها فلم ينته (٥)، ثم أنكر ابن القطان ذلك (٦) وقال: لا يحل هذا في مال مسلم بغير إذنه، وإنما يؤدب فاعل ذلك بالإخراج من السوق (٧). وأنكر القاضي أبو الأصبغ (٨) على ابن القطان، وقال: هذا

стр. 796

اضطراب في جوابه، وتناقض في قوله؛ لأن جوابه في الملاحف (١) بإحراقها بالنار أشد من إعطائها للمساكين. قال: وابن عتاب أضبط لأصله في ذلك وأتبع لقوله (٢). وفي تفسير ابن مزين (٣) قال عيسى (٤): قال مالك في الرجل يجعل في مكياله زفتًا: إنه يقام من السوق، فإنه أشق عليه، يريد من أدبه بالضرب والحبس (٥).

стр. 797

فصل قال شيخ الإسلام ابن تيمية (١) - رحمة الله عليه (٢) -: واجبات الشريعة - التي هي حق الله تعالى - ثلاثة أقسام: عبادات، كالصلاة والزكاة والصيام. وعقوبات: إما مقدورة، وإما مفوضة (٣). وكفارات. وكل واحد من أقسام الواجبات: ينقسم إلى بدني، وإلى مالي، وإلى مركب منهما. فالعبادات البدنية: كالصلاة والصيام، والمالية: كالزكاة، والمركبة: كالحج. والكفارات المالية: كالإطعام، والبدنية: كالصيام، والمركبة: كالهدي يذبح ويقسم. والعقوبات البدنية: كالقتل والقطع، والمالية: كإتلاف أوعية الخمر، والمركبة: كجلد السارق من غير حرز، وتضعيف الغرم عليه وكقتل الكفار وأخذ أموالهم. والعقوبات البدنية: تارة تكون جزاءً على ما مضى، كقطع السارق، وتارة تكون دفعًا عن الفساد المستقبل، وتارة تكون مركبة، كقتل القاتل.

стр. 798

وكذلك المالية، فإنَّ منها ما هو من باب إزالة المنكر، وهي تنقسم كالبدنية إلى إتلاف، وإلى تغيير، وإلى تمليك الغير. فالأوَّل: المنكرات من الأعيان والصور يجوز إتلاف محلها تبعًا لها ، مثل الأصنام المعبودة من دون الله لما كانت صورها (١) منكرة جاز إتلاف مادتها، فإذا كانت حجرًا أو خشبًا ونحو ذلك جاز تكسيرها وتحريقها (٢)، وكذلك آلات الملاهي - كالطنبور - (٣) يجوز إتلافها عند أكثر الفقهاء، وهو مذهب مالك (٤)، وأشهر الروايتين عن أحمد (٥). قال الأثرم: سمعت أبا عبد الله يُسأل عن رجل كسر عودًا كان مع أمه لإنسان، فهل يغرمه أو يصلحه؟ قال: لا أرى عليه بأسًا أن يكسره، ولا

стр. 799

يغرمه ولا يصلحه، قيل له: فطاعتها؟ قال: ليس لها (١) طاعة في هذا (٢). وقال أبو داود: سمعت أحمد سُئِلَ عن قوم يلعبون بالشطرنج، فنهاهم فلم ينتهوا، فأخذ الشطرنج فرمى به؟ قال: قد أحسن، قيل: فليس عليه شيء؟ قال: لا، قيل له: وكذلك إن كسر عودًا أو طنبورًا؟ قال: نعم (٣). قال عبد الله: سمعت أبي في رجل يرى مثل الطنبور أو العود أو الطبل أو ما أشبه هذا، ما يصنع به؟ قال: إذا كان مكشوفًا فاكسره (٤). وقال يوسف بن موسى (٥) وأحمد بن الحسن: إنَّ أبا عبد الله سُئِلَ عن الرجل يرى الطنبور والمنكر أيكسره؟ قال: لا بأس (٦). وقال أبو الصقر (٧): سألت أبا عبد الله عن رجل رأى عودًا أو طنبورًا

стр. 800

فكسره، ما عليه؟ قال: قد أحسن، وليس عليه في كسره شيء (١). وقال جعفر بن محمد: سألت أبا عبد الله عمَّن كسر الطنبور والعود؟ فلم يرَ عليه شيئًا. وقال إسحاق بن إبراهيم: سُئِلَ أحمد عن الرجل يرى الطنبور أو طبلًا مغطَّى أيكسره؟ قال: إذا تبين له أنَّه طنبور أو طبل كسره (٢). وقال أيضًا: سألت أبا عبد الله عن الرجل يكسر الطنبور أو الطبل، عليه في ذلك شيء؟ قال: يكسر هذا كله، وليس يلزمه شيء (٣). وقال المروذي: سألت أبا عبد الله عن كسر الطنبور؟ قال: يكسر، قلت: والطنبور الصغير يكون مع الصبي؟ قال: يكسر أيضًا، قلت: أمرُّ في السوق، فأرى الطنبور يباع، أأكسره؟ قال: ما أراك تقوى، إن قويت - أي فافعل -، قلت: أدعى لغسل الميت، فأسمع صوت الطبل؟ قال: إن قدرت على كسره وإلَّا فاخرج (٤). وقال في رواية إسحاق بن منصور في الرجل يرى الطنبور والطبل

стр. 801

والقنينة (١)، قال: إذا كان طنبورًا أو طبلًا، وفيها مسكر كسره (٢). وفي "مسائل صالح" قال أبي: يقتل الخنزير، ويفسد الخمر (٣)، ويكسر الصليب (٤). وهذا قول أبي يوسف، ومحمد بن الحسن (٥)، وإسحاق بن راهويه (٦)، وأهل الظاهر (٧)، وطائفة من أهل الحديث (٨)، وجماعة من السلف، وهو قول قضاة العدل. قال أبو حصين (٩): كسر رجل طنبورًا، فخاصمه إلى شريح، فلم يضمنه شيئًا (١٠).

стр. 802

وقال أصحاب الشافعي (١): يضمن ما بينه وبين الحدِّ المبطل للصورة، وما دون ذلك فغير مضمون؛ لأنَّه مستحق الإزالة، وما فوقه فقابل للتمول لتأتي الانتفاع به، والمنكر إنَّما هو الهيئة المخصوصة، فيزول بزوالها، ولهذا أوجبنا الضمان في الصائل بما زاد عن قدر الحاجة في الدفع، وكذا الحكم في البغاة في اتباع مدبرهم، والإجهاز على جريحهم، والميتة في حال المخمصة لا يزاد على قدر الحاجة في ذلك كله. قال أصحاب القول الأوَّل (٢): قد أخبر الله سبحانه عن كليمه موسى ﵇ أنَّه أحرق العجل الَّذي عُبِدَ من دون الله، ونسفه في اليم (٣)، وكان من ذهب وفضة، وذلك محقٌ له بالكلية، وقال عن خليله إبراهيم ﵇: ﴿فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا﴾ [الأنبياء: ٥٨] وهو الفتات (٤)، وذلك نصٌّ في الاستئصال. وروى الإمام أحمد في مسنده (٥) والطبراني في المعجم (٦) من

стр. 803

حديث الفرج بن فضالة عن علي بن يزيد عن القاسم عن أبي أُمامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ اللهَ بَعَثَنِي رَحْمَةً لِلْعَالَمِيْنَ، وَهُدَىً لِلْعَالَمِيْنَ، وَأمَرَنِي رَبِّي (١) بمَحْقِ المَعَازِفِ والمَزَامِيرِ والأوْثَانِ، والصُّلُبِ وأَمْرِ الجَاهِلِيَّةِ" (٢) لَفظ الطبراني. والفرج حمصي، قال أحمد في رواية: هو ثقة (٣)، وقال يحيى: ليس به بأس (٤)، وتكلم فيه آخرون (٥)، وعلي بن يزيد (٦) دمشقي ضعفه غير واحد (٧)، وقال أبو مسهر (٨) - وهو بلديُّه -: لا أعلم

стр. 804

به (١) إلَّا خيرًا (٢)، وهو به أعرف، والمحق: نهاية الإتلاف. وأيضًا؛ فالقياس يقتضي ذلك؛ لأنَّ محل الضمان هو ما قبل المعاوضة، وما نحن فيه لا يقبلها ألبتة، فلا يكون مضمونًا، وإنَّما قلنا: لا يقبل المعاوضة؛ لأنَّ النبي ﷺ قال: "إنَّ اللهَ حرَّمَ بَيْعَ الخَمْرِ وَالمَيْتَةِ والخِنْزِيرِ والأصْنَامِ" (٣) وهذا نص، وقال: "إنَّ اللهَ إِذا حَرَّمَ شَيْئًا حَرَّمَ ثَمَنَهُ" (٤) والملاهي محرمات بالنَّص، فحرم بيعها. وأمَّا قبول ما فوق الحد المبطل للصورة لجعله آنية، فلا يثبت به وجوب الضمان؛ لسقوط حرمته، حيث صار جزء المحرم أو ظرفًا له، كما أمر به النبي ﷺ من كسر دنان الخمر، وشق ظروفها (٥)، ولا ريبَ أنَّ المجاورة لها تأثيرٌ في الامتهان والإكرام.

стр. 805

وقد قال تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٠]. وسُئِلَ النبي ﷺ عن القوم يكونون بين المشركين، يؤاكلونهم ويشاربونهم؟ فقال: "هم منهم" هذا لفظه (١) أو معناهُ (٢). فإذا كان هذا في المجاورة المنفصلة فكيف بالمجاورة التي صارت جزءًا من أجزاء المحرم، أو لصيقة به؟ وتأثير الجوار ثابت عقلًا وشرعًا وعرفًا (٣). والمقصود أنَّ إتلاف المال - على وجه التعزير والعقوبة - ليس بمنسوخ ، وقد قال أبو الهياج الأسدي (٤): قال لي علي بن أبي طالب ﵁: "أَلَا أَبْعَثُكَ عَلَى مَا بَعَثَنِي عَلَيْهِ رَسُوْلُ الله ﷺ ؟ أَنْ لا تَدَعَ (٥) تِمْثَالًا إِلَّا طَمَسْتهُ، وَلَا قَبْرًا مُشْرِفًا إِلَّا سَوَّيْتهُ" رواه

стр. 806

مسلم (١)، وهذا يدلُّ على طمس الصور في أي شيء كانت، وهدم القبور المشرفة، وإن كانت من حجارة أو آجر أو لبن. قال المروذي: قلت لأحمد: الرجلُ يكتري البيت، فيرى فيه تصاوير، ترى أن يحكها؟ قال: نعم، قلت: فإن دخلت حمامًا، فرأيت صورة، ترى أن أحك الرَّأس؟ قال: نعم (٢). وحجته: هذا الحديث الصحيح. وروى البخاري في "صحيحه" (٣) عن ابن عباس ﵄: "أنَّ النبي ﷺ لما رأى الصور في البيت لم يدخل حتَّى أمر بها فمحيت". وفي "الصحيحين" (٤) أنَّ النبي ﷺ قال: "لَا تَدْخُلُ المَلَائِكَةُ بَيْتًا فِيْهِ كَلْبٌ وَلَا صُورَةٌ". وفي "صحيح البخاري" (٥) عن عائشة ﵂: "أنَّ رسول الله ﷺ كَانَ لَا يَتْرُكُ في بَيْتِهِ شَيْئًا فِيْهِ تَصْلِيبٌ إِلَّا قَصَّه".

стр. 807

وفي الصحيحين (١) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "والَّذِي نَفْسِي بيَدِهِ لَيُوشِكَنَّ أَنْ يَنْزِلَ فِيكُمْ ابنُ مَرْيَمَ حَكَمًا عَدْلًا (٢)، فَيَكْسِرُ الصَّلِيبَ، وَيَقْتُلُ الخِنْزِيرَ، وَيَضَعُ الجِزْيَةَ". فهؤلاء رسل الله صلوات الله وسلامه عليهم - إبراهيم وموسى وعيسى وخاتم المرسلين محمد ﷺ كلهم على محق المحل المحرم وإتلافه بالكلية، وكذلك الصحابة ﵃، فلا التفات إلى من خالف ذلك. وقد قال المروذي: قلت لأبي عبد الله: دفع إلي إبريق فضة لأبيعه، أترى أن أكسره، أو أبيعه كما هو؟ قال: اكسره (٣). وقال: قيل لأبي عبد الله: إن رجلًا دعا قومًا، فجيء بطست فضة، وإبريق فضة (٤)، فكسر، فأعجب أبا عبد الله كسره (٥). وقال: بعثني أبو عبد الله إلى رجل بشيء، فدخلت عليه، فأتي بمكحلة رأسها مفضض فقطعتها، فأعجبه ذلك، وتبسم (٦). ووجه ذلِكَ: أنَّ الصياغة (٧) محرَّمة، فلا قيمة لها ولا حرمة.

стр. 808

وأيضًا؛ فتعطيل هذه الهيئة مطلوب، فهو بذلك محسن، وما على المحسنين من سبيل (١). فصل وكذلك لا ضمان في تحريق الكتب المضلة وإتلافها . قال المروذي: قلت لأحمد: استعرت كتابًا فيه أشياء رديئة، ترى أن أخرقه أو (٢) أحرقه؟ قال: نعم (٣) فاحرقه (٤). وقد "رأى النبي ﷺ بيد عمر ﵁ كتابًا اكتتبه من التوراة، وأعجبه موافقته للقرآن، فتمعر وجه النبي ﷺ حتَّى ذهب به عمر إلى التنور فألقاه فيه" (٥). فكيف لو رأى النبي ﷺ ما صنِّف بعده من الكتب التي يعارض بها ما في القرآن والسنَّة؟ والله المستعان.

стр. 809

وقد "أمرَ النبي ﷺ من كتب عنه شيئًا غير القرآن أن يمحوه" (١)، ثمَّ "أذن في كتابة سنته" (٢)، ولم يأذن في غير ذلك. وكل هذه الكتب المتضمنة لمخالفة الكتاب والسنَّة غير مأذون فيها، بل مأذون في محقها وإتلافها، وما على الأمة أضر منها، وقد حرَّق الصحابة ﵃ جميع المصاحف المخالفة لمصحف عثمان (٣)، لما خافوا على الأمة من الاختلاف، فكيف لو رأوا أكثر (٤) هذه الكتب التي أوقعت الخلاف والتفرق بين الأمة؟ وقال الخلال: أخبرني محمد بن أبي هارون (٥) أنَّ أبا الحارث حدَّثهم قال: قال أبو عبد الله: أهلكهم وضع الكتب، تركوا آثار رسول الله ﷺ وأقبلوا على الكلام. وقال: أخبرني محمد بن أحمد بن واصل المقري قال: سمعت أبا عبد الله وسُئِلَ عن الرَّأي؟ فرفع صوته، قال: لا يثبت شيءٌ من الرَّأي، عليكم بالقرآن والحديث والآثار.

стр. 810

وقال في رواية ابن مشيش (١): إنَّ أبا عبد الله سأله رجل فقال: أكتب الرَّأي؟ فقال: ما تصنع بالرَّأي؟ عليك بالسنن فتعلمها وعليك بالأحاديث المعروفة. وقال عبد الله بن أحمد: سمعت أبي يقول: هذه الكتب بدعة وضعها. وقال إسحاق بن منصور: سمعت أبا عبد الله يقول: لا يعجبني شيءٌ من وضع الكتب، من وضع شيئًا من الكتب (٢) فهو مبتدع. وقال المروذي: حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي، حدثنا حماد ابن زيد قال: قال لي ابن عون: يا حماد هذه الكتب تُضِلُّ. وقال الميموني: ذاكرت أبا عبد الله خطأ النَّاس في العلم، فقال: وأي النَّاس لا يخطئ؟ ولا سيما من وَضَعَ الكتب، فهو أكثر خطأ. وقال إسحاق: سمعت أبا عبد الله وسأله قوم من أردبيل (٣) عن رجل يقال له: عبد الرحيم (٤)، وضع كتابًا؟ فقال أبو عبد الله: هل أحد من أصحاب رسول الله ﷺ فعل ذا؟ أو أحد من التابعين؟ وأغلظ (٥) وشدد
следующие страницы →