← Сияса и кади

Сияса и кади · id 18159

الطرق الحكمية في السياسة الشرعية - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (1 013 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

مسلم (١)، وهذا يدلُّ على طمس الصور في أي شيء كانت، وهدم القبور المشرفة، وإن كانت من حجارة أو آجر أو لبن. قال المروذي: قلت لأحمد: الرجلُ يكتري البيت، فيرى فيه تصاوير، ترى أن يحكها؟ قال: نعم، قلت: فإن دخلت حمامًا، فرأيت صورة، ترى أن أحك الرَّأس؟ قال: نعم (٢). وحجته: هذا الحديث الصحيح. وروى البخاري في "صحيحه" (٣) عن ابن عباس ﵄: "أنَّ النبي ﷺ لما رأى الصور في البيت لم يدخل حتَّى أمر بها فمحيت". وفي "الصحيحين" (٤) أنَّ النبي ﷺ قال: "لَا تَدْخُلُ المَلَائِكَةُ بَيْتًا فِيْهِ كَلْبٌ وَلَا صُورَةٌ". وفي "صحيح البخاري" (٥) عن عائشة ﵂: "أنَّ رسول الله ﷺ كَانَ لَا يَتْرُكُ في بَيْتِهِ شَيْئًا فِيْهِ تَصْلِيبٌ إِلَّا قَصَّه".

стр. 807

وفي الصحيحين (١) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "والَّذِي نَفْسِي بيَدِهِ لَيُوشِكَنَّ أَنْ يَنْزِلَ فِيكُمْ ابنُ مَرْيَمَ حَكَمًا عَدْلًا (٢)، فَيَكْسِرُ الصَّلِيبَ، وَيَقْتُلُ الخِنْزِيرَ، وَيَضَعُ الجِزْيَةَ". فهؤلاء رسل الله صلوات الله وسلامه عليهم - إبراهيم وموسى وعيسى وخاتم المرسلين محمد ﷺ كلهم على محق المحل المحرم وإتلافه بالكلية، وكذلك الصحابة ﵃، فلا التفات إلى من خالف ذلك. وقد قال المروذي: قلت لأبي عبد الله: دفع إلي إبريق فضة لأبيعه، أترى أن أكسره، أو أبيعه كما هو؟ قال: اكسره (٣). وقال: قيل لأبي عبد الله: إن رجلًا دعا قومًا، فجيء بطست فضة، وإبريق فضة (٤)، فكسر، فأعجب أبا عبد الله كسره (٥). وقال: بعثني أبو عبد الله إلى رجل بشيء، فدخلت عليه، فأتي بمكحلة رأسها مفضض فقطعتها، فأعجبه ذلك، وتبسم (٦). ووجه ذلِكَ: أنَّ الصياغة (٧) محرَّمة، فلا قيمة لها ولا حرمة.

стр. 808

وأيضًا؛ فتعطيل هذه الهيئة مطلوب، فهو بذلك محسن، وما على المحسنين من سبيل (١). فصل وكذلك لا ضمان في تحريق الكتب المضلة وإتلافها . قال المروذي: قلت لأحمد: استعرت كتابًا فيه أشياء رديئة، ترى أن أخرقه أو (٢) أحرقه؟ قال: نعم (٣) فاحرقه (٤). وقد "رأى النبي ﷺ بيد عمر ﵁ كتابًا اكتتبه من التوراة، وأعجبه موافقته للقرآن، فتمعر وجه النبي ﷺ حتَّى ذهب به عمر إلى التنور فألقاه فيه" (٥). فكيف لو رأى النبي ﷺ ما صنِّف بعده من الكتب التي يعارض بها ما في القرآن والسنَّة؟ والله المستعان.

стр. 809

وقد "أمرَ النبي ﷺ من كتب عنه شيئًا غير القرآن أن يمحوه" (١)، ثمَّ "أذن في كتابة سنته" (٢)، ولم يأذن في غير ذلك. وكل هذه الكتب المتضمنة لمخالفة الكتاب والسنَّة غير مأذون فيها، بل مأذون في محقها وإتلافها، وما على الأمة أضر منها، وقد حرَّق الصحابة ﵃ جميع المصاحف المخالفة لمصحف عثمان (٣)، لما خافوا على الأمة من الاختلاف، فكيف لو رأوا أكثر (٤) هذه الكتب التي أوقعت الخلاف والتفرق بين الأمة؟ وقال الخلال: أخبرني محمد بن أبي هارون (٥) أنَّ أبا الحارث حدَّثهم قال: قال أبو عبد الله: أهلكهم وضع الكتب، تركوا آثار رسول الله ﷺ وأقبلوا على الكلام. وقال: أخبرني محمد بن أحمد بن واصل المقري قال: سمعت أبا عبد الله وسُئِلَ عن الرَّأي؟ فرفع صوته، قال: لا يثبت شيءٌ من الرَّأي، عليكم بالقرآن والحديث والآثار.

стр. 810

وقال في رواية ابن مشيش (١): إنَّ أبا عبد الله سأله رجل فقال: أكتب الرَّأي؟ فقال: ما تصنع بالرَّأي؟ عليك بالسنن فتعلمها وعليك بالأحاديث المعروفة. وقال عبد الله بن أحمد: سمعت أبي يقول: هذه الكتب بدعة وضعها. وقال إسحاق بن منصور: سمعت أبا عبد الله يقول: لا يعجبني شيءٌ من وضع الكتب، من وضع شيئًا من الكتب (٢) فهو مبتدع. وقال المروذي: حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي، حدثنا حماد ابن زيد قال: قال لي ابن عون: يا حماد هذه الكتب تُضِلُّ. وقال الميموني: ذاكرت أبا عبد الله خطأ النَّاس في العلم، فقال: وأي النَّاس لا يخطئ؟ ولا سيما من وَضَعَ الكتب، فهو أكثر خطأ. وقال إسحاق: سمعت أبا عبد الله وسأله قوم من أردبيل (٣) عن رجل يقال له: عبد الرحيم (٤)، وضع كتابًا؟ فقال أبو عبد الله: هل أحد من أصحاب رسول الله ﷺ فعل ذا؟ أو أحد من التابعين؟ وأغلظ (٥) وشدد

стр. 811

في أمره، وقال: انهوا النَّاس عنه، وعليكم بالقرآن (١) والحديث. وقال في رواية أبي الحارث: ما كتبت من هذه الكتب الموضوعة شيئًا قط. وقال محمد بن يزيد (٢) المستملي: سألَ أحمد رجلٌ فقال: أكتب كتب الرَّأي؟ قال: لا تفعل، عليك بالحديث والآثار، فقال له السائل: إنَّ ابن المبارك قد كتبها، فقال له أحمد: ابن المبارك لم ينزل من السَّماء، إنَّما أمرنا أن نأخذ العلم من فوق (٣). وقال عبد الله بن أحمد: سمعت أبي - وذكر وضع الكتب - فقال: أكرهها، هذا أبو فلان وضع كتابًا، فجاءه أبو فلان فوضع كتابًا، وجاء فلان فوضع كتابًا، فهذا لا انقضاء له، كلَّما جاء رجل وضع كتابًا، وهذه الكتب وضعها بدعة، كلما جاء رجل وضع كتابًا، وترك حديث رسول الله ﷺ وأصحابه، ليس إلَّا الاتباع والسنن، وحديث رسول الله ﷺ وأصحابه، وعاب وضع الكتب وكرهه كراهة شديدة. وقال المروذي في موضع آخر: قال أبو عبد الله: يضعون البدع في كتبهم، إنَّما أحذر عنها أشد التحذير، قلت: إنَّهم يحتجون بمالك أنَّه وضع كتابًا، فقال أبو عبد الله: هذا ابن عون والتيمي (٤)

стр. 812

ويونس (١) وأيوب (٢) هل وضعوا كتابًا؟ هل كان في الدنيا مثل هؤلاء؟ وكان ابن سيرين وأصحابه لا يكتبون الحديث (٣) فكيف الرَّأي؟ وكلام أحمد في هذا كثيرٌ جدًّا، قد ذكره الخلال في كتاب العلم (٤). ومسألة وضع الكتب فيها تفصيل ليس هذا موضعه، وإنَّما كره أحمد ذلك ومنع منه لما فيه من الاشتغال به، والإعراض عن القرآن والسنَّة، فإذا كانت الكتب متضمنة لنصر القرآن والسنَّة (٥) والذب عنهما، وإبطال الآراء والمذاهب المخالفة لهما فلا بأس بها، وقد تكون واجبة ومستحبة ومباحة، بحسب اقتضاء الحال، والله أعلم. والمقصود: أنَّ هذه الكتب المشتملة على الكذب والبدعة يجب إتلافها وإعدامها، وهي أولى بذلك من إتلاف آلات اللهو والمعازف، وإتلاف آنية الخمر، فإنَّ ضررها أعظم من ضرر هذه، ولا ضمان فيها (٦)، كما لا ضمان في كسر أواني الخمر (٧) وشق

стр. 813

زقاقها (١). قال المروذي: قلت لأبي عبد الله: لو رأيت مسكرًا في قنينة أو قربة، تكسر، أو تصب؟ قال: تكسر (٢). وقال أبو طالب: قلت: نَمرُّ على المسكر القليل أو الكثير أكسره؟ قال: نعم تكسره (٣). قال محمد بن أبي حرب (٤): قلت لأبي عبد الله (٥): ألقى رجلًا ومعه قربة مغطاة؟ قال: بريبة؟ قلت: نعم، قال: تكسرها. وقال في رواية ابن منصور في الرجل يرى الطنبور والطبل مغطَّى والقنينة، إذا كان يعني أنَّه يتبين أنَّه طنبور أو طبل (٦)، أو فيها مسكر: كسره (٧).

стр. 814

وقد روى عبد الله بن أبي الهذيل (١) قال: "كان عبد الله بن مسعود ﵁ يحلف بالله أنَّ التي أمر بها رسول الله ﷺ حين حُرِّمت الخمر - أن تُكْسَرَ دِنَانهَا، وأن تكفأ: لمن التمر والزبيب" رواه الدَّارقطني في السنن (٢) بإسناد صحيح. وعن أنس بن مالك عن أبي طلحة "أنَّه قال: يَا نَبِيَّ اللهِ، إِنَّي اشْتَرَيْتُ خَمْرًا لأَيْتَامِ في حِجْرِي، قال: أَهْرِقْ الخَمْرَ، وَاكسِرْ الدِّنَان" (٣) رواهُ الترمذي من حديث ليث بن أبي سليم عن يحيى بن عباد عنه. وفي "مسند أحمد" من حديث أبي (٤) طعمة (٥) قال: سمعت عبد الله ابن عمر يقول: "أَتَى رَسُولُ اللهِ ﷺ المِرْبَد، فَإِذَا بِزِقَاقٍ عَلَى المِرْبَد (٦)

стр. 815

فيها خَمْرٌ، فَدَعَا رَسُوْلُ الله ﷺ بالمُدْيَةِ - وَمَا عَرَفْتُ المُدْيَةَ إِلَّا يَوْمَئِذٍ - فَأَمَرَ بالزِّقَاقِ فَشُقَّتْ، ثُمَّ قَالَ: لُعِنَتِ الخَمْرُ وَشَارِبُهَا، وسَاقِيهَا، وبَائِعُهَا، وَمُبْتَاعُهَا، وَحَامِلُهَا .. " (١) الحديث. وفي "المسند" أيضًا عن ضمرة بن حبيب قال: قال عبد الله بن عمر: "أَمَرني رسول الله ﷺ أن آتيه بمُديَةٍ، فأتيته بهِا، فَأرسَلَ بِهَا فَأُرْهِفَتْ، ثُمَّ أَعْطَانِيهَا، وقال: اغْدُ عَلَيَّ بِهَا، فَفَعَلْتُ، فخَرَجَ بِأَصْحَابِهِ إِلَى أَسْوَاقِ المَدِينَةِ، وفيها زِقَاقُ خَمْرٍ، قَدْ جُلِبَتْ مِنَ الشَّام، فَأخَذَ المُدْيَة مِنِّي، فَشَقَّ مَا كَانَ مِنْ تِلْكَ الزِّقَاقِ بحَضْرَتِهِ (٢)، ثُمَّ أَعْطَانِيْهَا، وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ الَّذين كَانُوا مَعَهُ أَنْ يَمْضُوا مَعِي، وأَنْ يُعَاوِنُوني، وأَمَرَنِي أَنْ آتِي الأسْوَاقَ كُلَّهَا، فَلَا أَجدُ فِيْهَا زِقَّ خَمْرٍ إِلَّا شَقَقْتُهُ، ففعلت فَلَمْ أَتْرُكْ في أَسْوَاقِهَا زِقًّا إِلَّا شَقَقْتُهُ" (٣). وفي "الصحيحين" (٤) عن أنس بن مالك قال: "كُنْتُ أَسْقِي أبَا عُبَيْدَةَ

стр. 816

ابنَ الجَرَّاحِ، وأبَا طَلْحَةَ، وَأُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ، شَرَابًا مِنْ فَضِيْخٍ (١) وَتَمْرٍ، فَأَتَاهُمْ آتٍ، فَقَالَ: إِنَّ الخَمْرَ قَدْ حُرِّمَتْ، فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ: قُمْ يَا أَنَسُ إِلَى هَذِهِ الجَرَّة فَاكسِرْهَا، فَقُمْتُ إِلَى مِهْرَاسٍ (٢) لَنَا، فَضَرَبْتُهَا بأَسْفَلِهِ، حَتَّى تَكَسَّرَتْ". وفي "سنن النسائي" و"أبي داود" عن أبي هريرة ﵁ قال: "علمت أنَّ رسول الله ﷺ كان يصومُ في بَعْضِ الأَيَّامِ التي كانَ يَصُومُهَا، فَتَحَيَّنْتُ فِطْرَهُ بنَبيْذٍ صَنَعْتُهُ في دِنَانٍ، فَلَمَّا كَانَ المَسَاءُ جئْتُهُ أَحْمِلُهَا إِلَيْهِ - فَذكر الحديث - ثُمَّ قَالَ: فَرَفَعْتُهَا (٣) إِلَيْهِ، فَإِذَا هُوَ يَنِشُّ (٤)، فَقالَ: خَذْ هَذِهِ فَاضْرِبْ بِهَا الحَائِطَ، فَإنَّ هَذَا شَرَابُ مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِالله وَلَا بِاليومِ الآخِرِ" (٥).

стр. 817

فصل وقال ابن أبي الغمر (١): قال ابن القاسم: سئل مالك ﵀ عن فاسق يأوي إليه أهل الفسق والخمر: ما يصنع به؟ قال: يخرج من منزله، وتكرى إليه الدَّار والبيوت، قال: فقلت: ألا تباع؟ قال: لا (٢)، لعله يتوب، فيرجع إلى منزله، قال ابن القاسم: يتقدم إليه مرَّة أو مرَّتين أو ثلاثًا، فإن لم ينته أخرج وأكري عليه (٣). قال ابن رشد (٤): قد قال مالك في "الواضحة" (٥): إنَّها تباع عليه،

стр. 818

خلاف قوله في هذه الرواية. قال: وقوله فيها أصح؛ لما ذكره من أنَّه قد يتوب ويرجع إلى منزله، ولو لم تكن الدَّار له، وكان فيها بكراء، أخرج منها، وأكريت عليه، ولم يفسخ كراؤه فيها، قاله في كراء الدور من "المدونة" (١). وقد روى يحيى بن يحيى (٢) أنَّه قال: أرى أن يحرق بيت الخمار، قال: وقد أخبرني بعض أصحابنا أنَّ مالكًا كان يستحب أن يحرق بيت المسلم الخمار الَّذي يبيع الخمر، قيل له: فالنصراني يبيع الخمر من المسلمين؟ قال: إذا تقدم إليه فلم ينته، فأرى أن يحرق عليه بيته بالنَّار (٣). قال: وحدثني الليث أنَّ عمر بن الخطاب ﵁: "حرق بيت رويشد الثقفي (٤)؛ لأنَّه كان يبيع الخمر، وقال له: أنت فويسق، ولست برويشد" (٥).

стр. 819

فصل ومن ذلك أنَّ ولي الأمر يجب عليه أن يمنع من اختلاط الرجال بالنِّساء في الأسواق والفُرَج ومجامع الرجال. قال مالك ﵀ ورضي عنه -: أرى للإمام أن يتقدم إلى الصياغ (١) في قعود النساء إليهم، وأرى ألَّا يترك المرأة الشابة تجلس إلى الصياغ (٢)، فأمَّا المرأة المتجالة (٣) والخادم الدون، التي لا تتهم على القعود، ولا يتهم من تقعد عنده: فإنِّي لا أرى بذلك بأسًا، انتهى (٤). فالإمام مسؤولٌ عن ذلك، والفتنة به عظيمة، قال ﷺ : "مَا تَرَكْت عَلَى أُمَّتِي بَعْدِي فِتْنَةً أَضَرَّ عَلَى الرِّجَالِ مِنَ النِّسَاءِ" (٥)، وفي حديثٍ آخر: "بَاعِدُوا بَيْنَ أَنْفَاسِ الرِّجَالِ والنِّسَاءِ" (٦)، وفي حديث آخر: أنَّه

стр. 820

قال للنِّساء: "لكُنَّ حَافَاتُ الطَّرِيقِ" (١). ويجب عليه منع النِّساء من الخروج متزينات متجملات ، ومنعهن من الثياب التي يكن بها كاسيات عاريات، كالثياب الواسعة والرقاق، ومنعهنَّ من حديث الرِّجال في الطرقات، ومنع الرجال من ذلك (٢). وإن رأى ولي الأمر أن يفسد على المرأة - إذا تجملت وتزينت وخرجت (٣) - ثيابها بحبر ونحوه، فقد رخَّصَ في ذلك بعض الفقهاء (٤) وأصاب، وهذا من أدنى مراتب (٥) عقوبتهنَّ المالية. وله أن يحبس المرأة إذا أكثرت الخروج من منزلها، ولا سيما إذا خرجت متجملة، بل إقرار النِّساء على ذلك إعانة لهنَّ على الإثم والمعصية، والله سبحانه سائل ولي الأمر عن ذلك. وقد منع أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ النِّساء من المشي في طريق الرِّجال، والاختلاط بهم في الطريق (٦). فعلى ولي

стр. 821

الأمر أن يقتدي به في ذلك. وقال الخلال في "جامعه" (١). أخبرني محمد بن يحيى الكحال (٢): أنَّه قال لأبي عبد الله: أرى الرجل السوء مع المرأة؟ قال: صح به (٣)، وقد أخبر النبي ﷺ : "أنَّ المَرْأَةَ إِذَا تَطَيَّبَتْ وَخَرَجَتْ مِنْ بَيْتِهَا فَهِيَ زَانِيَةٌ" (٤). ويمنع المرأة إذا أصابت بخورًا أن تشهد عشاء الآخرة في المسجد (٥). وقال ﷺ : "المَرْأَةُ إِذَا خَرَجَتْ اسْتَشْرَفَهَا الشَّيْطَانُ" (٦).

стр. 822

وَلَا رَيْبَ أنَّ تَمْكِين (١) النِّسَاءِ من اختلاطهنَّ بالرِّجال أصل كل بلية وشر، وهو من أعظم أسباب نزول العقوبات العامة، كما أنَّه من أسباب فساد أمور العامة والخاصة، واختلاط الرِّجال بالنِّساءِ سبب لكثرة الفواحش والزنا، وهو من أسباب الموت العام، والطواعين المتصلة. ولما اختلط البغايا (٢) بعسكر موسى، وفشت فيهم الفاحشة، أرسلَ اللهُ تعالى عليهم الطاعون، فمات في يومٍ واحد سبعون ألفًا، والقصة مشهورة في كتب التفاسير (٣). فمن أعظم أسباب جلب (٤) الموت العام: كثرة الزنا، بسبب تمكين النِّساء من اختلاطنَّ بالرِّجال، والمشي بينهم متبرجات متجملات، ولو علم أولياء الأمر ما في ذلك من فساد الدنيا والرعية - قبل الدين - لكانوا أشد شيء منْعًا لذلك. قال عبد الله بن مسعود ﵁: "إِذَا ظَهَرَ الزِّنَا والرِّبَا (٥) في قَرْيَةٍ أَذِنَ اللهُ بِهَلَاكِهَا" (٦).

стр. 823

وقال ابن أبي الدنيا (١): حدثنا إبراهيم بن الأشعث حدثنا عبد الرحمن (٢) بن زيد العمِّي (٣) عن أبيه (٤) عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "مَا طَفَّفَ (٥) قَوْمٌ كَيْلًا، وَلَا بَخَسُوا (٦) مِيْزَانًا، إِلَّا مَنَعَهُمُ اللهُ القَطْرَ (٧)، وَلَا ظَهَرَ فِي قَوْمٍ الزِّنَا إِلَّا ظَهَرَ فِيْهم المَوْتُ، وَلَا ظَهَرَ في قَوْمٍ القَتْلُ فَقَتَلَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلَّا سَلَّطَ اللهُ علَيْهِمْ عَدُوَّهُم (٨)، وَلَا ظَهَرَ فِيَ قَوْمٍ عَمَلُ قَوْم لُوْطٍ إلَّا ظَهَرَ فِيْهم الخَسْفُ، وَمَا تَرَكَ قَوْمٌ الأَمْرَ بِالمَعْرُوْفِ والنَّهْيَ عَنِ المُنْكَرِ إِلَّا لَمْ تُرْفعْ أَعْمَالُهُمْ، وَلَمْ يُسْمَعْ دُعَاؤُهُمْ" (٩).

стр. 824

فصل وعليه أن يمنع الَّلاعبين بالحمام على رؤوس النَّاس، فإنَّهم يتوسلون بذلك إلى الإشراف عليهم، والتطلع على عوراتهم (١)، وقد روى أبو داود في "سننه" (٢) من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ : "أنَّه رأى رجلًا يتبع حمامة فقال: شَيْطَانٌ يَتْبَعُ شَيْطَانَة". وقال إبراهيم النخعي: من لعب بالحمام الطيارة (٣) لم يمت حتَّى يذوق ألم الفقر (٤). وقال الحسن: "شهدتُ عثمان بن عفان ﵁ وهو

стр. 825

يخطب، يأمر بذبح الحمام وقتل الكلاب" ذكره البخاري (١). وقال خالد الحذاء عن بعض التابعين (٢) قال: كان ملاعب (٣) آل فرعون الحمام (٤). وكان شريح لا يجيز شهادة صاحب حَمَّام ولا حمام (٥). وقال ابن المبارك عن سفيان: سمعنا أنَّ اللعب بالجُلاهِق (٦) واللعب بالحمام من عمل قوم لوط (٧).

стр. 826

وذكر البيهقي عن أُسامة بن زيد قال: "شهدت عمر (١) ﵁ يَأْمُرُ بِالحَمَائِمِ الطَّيَّارِة فَيُذْبَحْنَ، وَيَتْرُكُ المُقَصَّاتِ" (٢). فصل واختلف الفقهاء: هل يمنع الرجل من اتخاذ الحمام في الأبرجة إذا أفسدت بذر النَّاس وزرعهم (٣)؟ فقال ابن حبيب عن مطرف في النحل يتخذها الرجل في القرية وهي تضر ممر القوم، أو يتخذ برجا في القرية (٤) ويتخذ فيها الكوى للعصافير تأوي إليها، وكذلك الحمام في إيذائها وإفسادها الزرع: يمنع من اتخاذ ما يضر النَّاس في زرعهم؛ لأنَّ هذا طائر (٥) لا يقدر على الاحتراز منه (٦). وقال ابن كنانة في "المجموعة" (٧): لا يمنع أحد من اتخاذ برج

стр. 827

الحمام، وإن تأذَّى به جيرانه، وكذلك العصافير والدجاج، وعلى أهل الزرع والحوائط أن يحرسوها بالنَّهار (١). قلت: قول مطرف أصحُّ وأفقه (٢)؛ لأنَّ حراسة الزرع والحوائط من الطيور أمر متعسِّرٌ (٣) جدًّا، بخلاف حراستها من البهائم، وقياس البهائم على الطير لا يصح. وقال أصبغ عن ابن القاسم: هي كالماشية وإن أضرت (٤). والقياس أنَّ صاحبها يضمن ما أتلفت من الزرع مطلقًا؛ لأنَّه باتخاذها صار متسببًا إلى إتلاف زروع النَّاس، بخلاف المواشي؛ فإنَّه يمكن صونها وضبطها، فإذا انفلتت (٥) بغير اختياره وأفسدت، فلا ضمان عليه؛ لأنَّ التقصير من أصحاب الحوائط، وأمَّا الطيور فلا يمكن أصحاب الحوائط التحفظ منها. فإن قيل: فما تقولون في السنّور (٦) إذا أكلت الطيور، وأكفأت

стр. 828

القدور؟ قيل: على مقتنيها ضمان ما تتلفه من ذلك ليلًا ونهارًا، ذكره أصحاب أحمد (١)، وهو أصح الوجهين للشافعية (٢)؛ لأنَّها في معنى الكلب العقور، فوجب إلحاقها به؛ ولأنَّ من شأنها أن تضبط وتربط، فإرسالها تفريط، وإن لم يكن ذلك من عادتها بل فعلته نادرًا، فلا ضمان. ذكره في "المغني" (٣)، وهو أصح الوجهين للشَّافعية (٤). فإِن قيل: فهل تسوغون قتلها لذلك؟ قلنا: نعم، إذا كان ذلك عادة لها. وقال ابن عقيل، وبعض الشافعية (٥): إنَّما تقتل حال مباشرتها للجناية، فأمَّا في حال سكونها وعدم صوْلها، فلا. والصحيح خلاف ذلك (٦)، وأنَّها تقتل، وإن كانت ساكنة، كما يقتل من طبعه الأذى في حال سكونه، ولا تنتظر مباشرته. وقد روى أبو داود والترمذي من حديث أبي سعيد الخدري (٧)

стр. 829

- ﵁ عن النبي ﷺ أنَّه قال: "يَقْتُلُ المُحْرِمُ السَّبُعَ العَادِي" (١). قال الترمذي (٢): هذا حديث حسن، والهرة سبع. وفي "الصحيحين" (٣) عنه ﷺ : "خَمْسٌ فَوَاسِق يُقْتَلْنَ في الحِلِّ والحَرَمِ: الحِدَأَةُ، والفَأْرَةُ، والحَيَّةُ، والغُرَابُ الأبْقَعُ، والكَلْبُ العَقور"، وفي لفظ: "العَقْرَبُ" بدل "الحية"، ولم يشترط في قتلهنَّ أن يكون حال المباشرة. فصل في المرض المعدي كالجذام إذا استضر النَّاس بأهله .

стр. 830

قال ابن وهب في المبتلى يكون له في منزله سهم، وله حظ في شرب، فأراد من معه في المنزل إخراجه منه، وزعموا أن استقاءه من مائهم الَّذي يشربون منه مضر (١) بهم، فطلبوا إخراجه من المنزل، قال ابن وهب: إذا كان له مال، أمر أن يشتري لنفسه من يقوم بأمره، ويخرج في حوائجه، ويلزم هو بيته فلا يخرج، وإن لم يكن له مال، خرج من المنزل إذا لم يكن فيه شيء، وينفق عليه من بيت المال (٢). وقال عيسى (٣) في قوم ابتلوا بالجذام، وهم في قرية موردهم واحد، ومسجدهم واحد، فيأتون المسجد فيصلون فيه، ويجلسون فيه معهم، ويردون الماء ويتوضئون، فيتأذَّى بذلك أهل القرية، وأرادوا منعهم من ذلك كله (٤)؛ قال: أمَّا المسجد فلا يمنعون من الصلاة فيه، ولا من الجلوس، ألا ترى إلى قول عمر بن الخطاب ﵁ للمرأة المبتلاة لما رآها تطوف بالبيت مع النَّاس: "لو جلست في بيتك لكان خيرًا لك (٥) "، ولم يعزم عليها بالنَّهي عن الطواف، ودخول البيت، وأمَّا استقاؤهم من مائهم، وورودهم المورد للوضوء وغير ذلك، فيمنعون، ويجعلون لأنفسهم صحيحًا يستقي لهم الماء في آنية، ثمَّ يفرغها في آنيتهم، قال رسول الله ﷺ : "لَا ضَررَ وَلَا

стр. 831

ضِرَار" (١)، وذلك ضررٌ بالأصحاء، فأرى أن يحال بينهم وبين ذلك، ألا ترى أنَّه يفرّق بينه وبين زوجته (٢)، ويحال بينه وبين وطء جواريه للضرر؟ فهذا منه (٣). وقال ابن حبيب عن مطرف في الجذامى: وأمَّا الواحد والنفر اليسير فلا يخرجون من الحاضرة، ولا من قرية، ولا من سوق، ولا من مسجد جامع؛ لأنَّ عمر ﵁ لم يعزم على المرأة وهي

стр. 832

تطوف بالبيت (١)، وكذلك معيقيب الدَّوسي (٢) قد جعله عمر ﵁ على بيت المال، وكان عمر (٣) يجالسه ويؤاكله، ويقول له: "كُلْ مِمَّا يليك" (٤)، فإذا كثروا رأيت أن يتخذوا لأنفسهم موضعًا، كما صنع بمرضى مكة، ولا يمنعون من الأسواق لتجارتهم، وشراء حوائجهم، أو الطواف للسؤال، إذا لم يكن إمام يرزقهم من الفيء، ولا يمنعون من الجمعة، ويمنعون من غير ذلك (٥). وروى سحنون: أنَّهم لا يجمعون مع النَّاس الجمعة (٦)، وأمَّا مرضى القرى فلا يخرجون منها، وإن كثروا، ولكن يمنعون من أذى النَّاس. وقال أصبغ: ليس على مرضى الحواضر الخروج منها إلى ناحية أخرى (٧)، ولكن إن كفاهم الإمام المؤنة منعوا من مخالطة النَّاسِ بلزوم

стр. 833

بيوتهم والتنحي عنهم (١). وقال ابن حبيب: يحكم عليهم بتنحيهم (٢) ناحية إذا كثروا، وهو الَّذي عليه فقهاء الأمصار (٣). قلت: يشهد لهذا الحديث الصحيح الَّذي رواه البخاري من حديث سعيد بن ميناء عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لَا عَدْوَى (٤)، وَلَا هَامَةَ (٥)، ولَا صَفَرَ (٦)، وَفِرَّ مِنَ المَجْذُوْمِ فِرَارَكَ منَ الأَسَدِ، أو قال: مَن الأُسُود" (٧). وروى مسلمٌ في "صحيحه" (٨) من حديث يعلى بن عطاء عن عمرو

стр. 834

بن الشريد عن أبيه قال: "كَانَ في وَفْدِ ثقيف رجل مجذوم (١)، فأرسلَ إليه النبي ﷺ إنَّا قدْ بَايَعْنَاكَ فَارْجِع". وفي "مسند (٢) أبي داود الطيالسي": حدثنا ابن أبي الزناد (٣) عن محمد بن عبد الله القرشي (٤) عن أبيه (٥) عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: "لَا تُدِيْمُوا النَّظَرَ إِلَيهم يعني المجْذُومين" (٦)، ومحمد هذا هو

стр. 835

محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان. ولا تعارض بين هذا وبين ما رواه مفضل بن فضالة عن حبيب بن الشهيد عن ابن (١) المنكدر عن جابر: "أنَّ رسول الله ﷺ أخذ بيد مجذوم، فوضعها معه (٢) في قصعة، فقال: "كُلْ بِاسْمِ اللهِ، وَتَوَكُلًا على اللهِ" (٣)، فإنَّ هذا يدلُّ على جواز الأمرين، وهذا في حق طائفة،

стр. 836

وهذا في حق طائفة (١)، فمن قوي توكله واعتماده ويقينه من الأمة أخذ بهذا الحديث، ومن ضعف عن ذلك أخذ بالحديث الآخر، وهذا سنة، وهذا سنة، وبالله التوفيق (٢). فإذا أراد أهل الدَّار أن يؤاكلوا المجذومين ويشاربوهم ويضاجعوهم فلهم ذلك، وإن أرادوا مجانبتهم ومباعدتهم فلهم ذلك. وفي قوله ﷺ : "لَا تُدِيْمُوا النَّظَرَ إِلَى المَجْذُومِيْنَ" فائدةٌ طبية (٣) عظيمة، وهي أنَّ الطبيعة نقَّالة، فإذا أدام النظر إلى المجذوم خيف عليه أن يصيبه ذلك بنقل الطبيعة، وقد جرَّب النَّاس أنَّ المجامع إذا نظرَ إلى شيءٍ عند الجماع وأدام النَّظرَ إليه، انتقل منه صفة إلى الولد، وحكى (٤) بعض رؤساء الأطباء أنَّه أجلس ابن أخ له للكحل فكان ينظر في أعين الرمد فيرمد، فقال له: اترك الكحل، فتركه فلم يعرض له رمد، قال: لأنَّ الطبيعة نقَّالة. وذكر البيهقي وغيره: "أنَّ رسول الله ﷺ تَزَوَّجَ امْرَأَةً من

стр. 837

غِفَار (١)، فدخل عليها، فأمرها فنزعت ثيابها، فرأى بياضًا عند ثدييها، فانحاز النَّبي ﷺ عن الفراش، فلمَّا أصبح قال: الْحَقِي بِأَهْلِكِ، وحمل (٢) لها صَدَاقَهَا" (٣).

стр. 838

فصل و من طرق الأحكام: الحكم بالقرعة (١)، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٤٤)﴾ [آل عمران: ٤٤]. قال قتادة: "كانت مريم ابنة إمامهم وسيدهم، فتشاحَّ عليها بنو إسرائيل، فاقترعوا عليها بسهامهم، أيهم يكفلها، فقرع زكريا، وكان زوج أختها، فضمها إليه" (٢). ونحوه عن مجاهد (٣). وقال ابن عباس ﵄: "لما وضعت مريم (٤) في المسجد اقترع عليها أهل المصلَّى، وهم يكتبون الوحي، فاقترعوا بأقلامهم أيهم يكفلها" (٥). وهذا متفق عليه بين أهل التفسير. وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٩) إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١٤٠)

стр. 839

فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ (١٤١)﴾ [الصافات: ١٣٩ - ١٤١] يقول تعالى: فقارع، فكان من المغلوبين. فهذان نبيان كريمان استعملا القرعة (١)، وقد احتجَّ الأئمة الأربعة بشرع من قبلنا إن صحَّ ذلك عنهم (٢). وفي "الصحيحين" (٣) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ ما في النِّدَاءِ والصَّفِّ الأوَّلِ ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلَّا أن يَسْتَهِمُوا (٤) عَلَيْهِ لَاسْتَهَمُوا". وفي "الصحيحين" (٥) أيضًا عن عائشة ﵂: "أنَّ النبي ﷺ كانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ سَفَرًا أَقْرَعَ بَيْنَ أَزْوَاجهِ فَأيتُهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا خَرَجَ بِهَا مَعَهُ". وفي "صحيح مسلم" (٦) عن عمران بنِ حصينِ: "أنَّ رجلًا أَعْتَقَ سِتَّةَ مَمْلُوكِين لَهُ عِنْدَ مَوْتِهِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غيْرُهُمْ فدَعَاهُمْ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ

стр. 840

فَجَزأهم أَثْلاثًا، ثُمَّ أَقْرَعَ بينَهُمْ، فأَعْتَقَ اثنين وَأَرَقَّ أَرْبَعَةً، وقال لَهُ قَوْلًا شَدِيْدًا". وفي "صحيح البخاري" عن أبي هريرة ﵁: "أنَّ رسول الله ﷺ عَرَضَ عَلَى قَوْم اليمين فَسَارَعُوا إِلَيْهِ، فَأَمَرَ أَنْ يُسْهَمَ بَيْنَهُمْ في اليَمِيْنِ، أَيُّهُمْ يَحْلِفُ" (١). وفي "سنن أبي داود" عنه عن النبي ﷺ قال: "إِذَا أُكْرِهَ اثْنَانِ عَلَى اليَمينِ، أَوْ اسْتَحَبَّاهَا فَلْيَسْتَهِمَا عَلَيْهَا" (٢). وفي رواية أحمد: "إِذَا أُكْرِهَ اثْنَانِ عَلَى اليَمِيْنِ أَو اسْتَحَبَّاهَا" (٣). وفيهما أيضًا عنه: "أنَّ رجلين اختصما في متاع إلى النَّبي ﷺ وليس لواحدٍ منهما بينة، فقال: استهما على اليمين ما كان، أَحَبَّا ذلِكَ أَوْ كَرِهَا" (٤).

стр. 841

وفي "الصحيحين" (١) عن عبد الله بن رافع مولى أم سلمة عن أم سلمة قالت: "أتى رسول الله ﷺ رَجُلَانِ يَخْتَصِمَانِ في مَوَارِيثَ لَهُمَا، لَمْ تَكُنْ لَهُمَا بَينة إِلَّا دَعْوَاهُمَا، فقال: إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ وَإِنَّكُمْ تًخْتَصِمُوْنَ إِلَيَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ (٢) بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ، فَأَقْضِيَ لَهُ بنَحْو مَا أَسْمَعُ مِنْهُ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِشَيءٍ مِنْ حَقِّ أَخِيْهِ فَلَا يأْخُذ مِنْهُ شَيْئًا (٣)، فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ". زَادَ أبو داود في "السنن": "فبكى الرجلان، وقال كل واحد منهما: حقي لك، فقال لهما النبي ﷺ : أَمَّا إِذْ فَعَلْتُمَا مَا فَعَلْتُمَا فَاقْتَسِمَا، وَتَوَخَّيَا الحَقَّ، ثُمَّ اسْتَهِمَا، ثُمَّ تَحَالَّا" (٤). فهذه السنة - كما ترى - قد جاءت بالقرعة، كما جاء بها الكتاب، وفعلها أصحاب رسول الله ﷺ بعده.

стр. 842

قال البخاري في "صحيحه": "ويذكر أنَّ قومًا اختلفوا في الأذان فأقرع بينهم سعد" (١). وقد صنَّف أبو بكر الخلال مصنفًا في القرعة، وهو في "جامعه" (٢)، فذكر مقاصده. قال أحمد في رواية إسحاق بن إبراهيم وجعفر بن محمد: القرعة جائزة (٣). وقال يعقوب بن بُختان: سئل أبو عبد الله عن القرعة ومن قال إنَّها قمار (٤)؟ قال: إن كان ممن سمع الحديث، فهذا كلام رجل سوء (٥)، يزعم أنَّ حكم رسول الله ﷺ قمار؟!! وقال المروذي: قلت لأبي عبد الله (٦): إنَّ ابن أكثم (٧) يقول: إنَّ

стр. 843

القرعة قمار، قال: هذا قول رديء خبيث، ثمَّ قال: كيف (١)؟ وقد يحكمون هم بالقرعة في وقت إذا قسمت الدَّار، ولم يرضوا، قالوا: يقرع بينهم (٢)، وهو يقول: لو أنَّ رجلًا له أربع نسوة فطلَّق إحداهنَّ، وتزوج خامسة، ولم يدر أيتهنَّ التي طلَّق، قال: يرثن (٣) جميعًا، ويأمرهنَّ أن يعتددن جميعًا. وقد ورث من لا ميراث لها، وقد أمر أن (٤) تعتد من لا عدَّة عليها، والقرعة تصيب الحق، فعلها النبي ﷺ (٥). وقال أبو الحارث: كتبت إلى أبي عبد الله أسأله، قلت: إنَّ بعض النَّاس ينكر القرعة، ويقول: هي قمار القوم (٦)، ويقول: هي منسوخة (٧)؟ فقال أبو عبد الله: من ادَّعى أنَّها منسوخة (٨) فقد كذب وقال الزور (٩)، القرعة سنَّة رسول الله ﷺ ، أقرعَ ﷺ في ثلاثة مواضع: أقرع (١٠)

стр. 844

بين الأعبُد الستة (١)، وأقرع بين نسائه لمَّا أرادَ السفر (٢)، وأقرع بين رجلين تداعيا (٣) في دابَّة (٤)، وهي في القرآن في موضعين (٥). قلت: يريد أنَّه أقرع بنفسه في ثلاثة (٦) مواضع، وإلَّا فأحاديث القرعة أكثر، وقد تقدم ذكرها. قال: وهم يقولون إذا اقتسموا الدَّار والأرضين: أقرع بين القوم، فأيهم أصابته القرعة كان له ما أصاب من ذلك يجبر عليه. وقال الأثرم: إنَّ أبا عبد الله ذكر القرعة واحتجَّ بها وبيَّنها، وقال: إنَّ قومًا يقولون: القرعة قمار، ثمَّ قال أبو عبد الله: هؤلاء قومٌ جهلوا فيها عن النَّبي ﷺ خمس سنن (٧). قال الأثرم: وذكرت له أنا حديث الزبير في الكفن (٨)، فقال: حديث أبي (٩) الزناد؟ قلت: نعم، قال أبو عبد الله: قال أبو الزناد:

стр. 845

يتكلمون في القرعة وقد ذكرها الله تعالى في موضعين من كتابه. وقال حنبل: سمعت أبا عبد الله قال في قوله تعالى: ﴿فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ (١٤١)﴾ [الصافات: ١٤١] أي: أقرع، فوقعت القرعة عليه. قال: وسمعت أبا عبد الله يقول: القرعة حكم رسول الله ﷺ وقضاؤه، فمن ردَّ القرعة فقد ردَّ على رسول الله ﷺ قضاءه وفعله، ثمَّ قال: سبحان الله لمن قد علم بقضاء النبي ﷺ ويفتي بخلافه!! قال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]، وقال: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [النساء: ٥٩]. قال حنبل: وقال عبد الله بن الزبير الحميدي: من قال بغير القرعة فقد خالف رسول الله ﷺ وسنته التي قضى بها (١) وقضى بها أصحابه بعده. وقال في رواية الميموني: في القرعة خمس سنن (٢)، حديث أم سلمة: "إنَّ قومًا أتوا النَّبي ﷺ في مواريث وأشياء دَرست (٣) بينهم، فأقرع بينهم" (٤)، وحديث أبي هريرة حين تداعيا (٥) في دابة، فأقرع بينهما (٦)،
следующие страницы →