← Сияса и кади

Сияса и кади · id 18159

الطرق الحكمية في السياسة الشرعية - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (1 013 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

وفي "الصحيحين" (١) عن عبد الله بن رافع مولى أم سلمة عن أم سلمة قالت: "أتى رسول الله ﷺ رَجُلَانِ يَخْتَصِمَانِ في مَوَارِيثَ لَهُمَا، لَمْ تَكُنْ لَهُمَا بَينة إِلَّا دَعْوَاهُمَا، فقال: إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ وَإِنَّكُمْ تًخْتَصِمُوْنَ إِلَيَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ (٢) بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ، فَأَقْضِيَ لَهُ بنَحْو مَا أَسْمَعُ مِنْهُ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِشَيءٍ مِنْ حَقِّ أَخِيْهِ فَلَا يأْخُذ مِنْهُ شَيْئًا (٣)، فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ". زَادَ أبو داود في "السنن": "فبكى الرجلان، وقال كل واحد منهما: حقي لك، فقال لهما النبي ﷺ : أَمَّا إِذْ فَعَلْتُمَا مَا فَعَلْتُمَا فَاقْتَسِمَا، وَتَوَخَّيَا الحَقَّ، ثُمَّ اسْتَهِمَا، ثُمَّ تَحَالَّا" (٤). فهذه السنة - كما ترى - قد جاءت بالقرعة، كما جاء بها الكتاب، وفعلها أصحاب رسول الله ﷺ بعده.

стр. 842

قال البخاري في "صحيحه": "ويذكر أنَّ قومًا اختلفوا في الأذان فأقرع بينهم سعد" (١). وقد صنَّف أبو بكر الخلال مصنفًا في القرعة، وهو في "جامعه" (٢)، فذكر مقاصده. قال أحمد في رواية إسحاق بن إبراهيم وجعفر بن محمد: القرعة جائزة (٣). وقال يعقوب بن بُختان: سئل أبو عبد الله عن القرعة ومن قال إنَّها قمار (٤)؟ قال: إن كان ممن سمع الحديث، فهذا كلام رجل سوء (٥)، يزعم أنَّ حكم رسول الله ﷺ قمار؟!! وقال المروذي: قلت لأبي عبد الله (٦): إنَّ ابن أكثم (٧) يقول: إنَّ

стр. 843

القرعة قمار، قال: هذا قول رديء خبيث، ثمَّ قال: كيف (١)؟ وقد يحكمون هم بالقرعة في وقت إذا قسمت الدَّار، ولم يرضوا، قالوا: يقرع بينهم (٢)، وهو يقول: لو أنَّ رجلًا له أربع نسوة فطلَّق إحداهنَّ، وتزوج خامسة، ولم يدر أيتهنَّ التي طلَّق، قال: يرثن (٣) جميعًا، ويأمرهنَّ أن يعتددن جميعًا. وقد ورث من لا ميراث لها، وقد أمر أن (٤) تعتد من لا عدَّة عليها، والقرعة تصيب الحق، فعلها النبي ﷺ (٥). وقال أبو الحارث: كتبت إلى أبي عبد الله أسأله، قلت: إنَّ بعض النَّاس ينكر القرعة، ويقول: هي قمار القوم (٦)، ويقول: هي منسوخة (٧)؟ فقال أبو عبد الله: من ادَّعى أنَّها منسوخة (٨) فقد كذب وقال الزور (٩)، القرعة سنَّة رسول الله ﷺ ، أقرعَ ﷺ في ثلاثة مواضع: أقرع (١٠)

стр. 844

بين الأعبُد الستة (١)، وأقرع بين نسائه لمَّا أرادَ السفر (٢)، وأقرع بين رجلين تداعيا (٣) في دابَّة (٤)، وهي في القرآن في موضعين (٥). قلت: يريد أنَّه أقرع بنفسه في ثلاثة (٦) مواضع، وإلَّا فأحاديث القرعة أكثر، وقد تقدم ذكرها. قال: وهم يقولون إذا اقتسموا الدَّار والأرضين: أقرع بين القوم، فأيهم أصابته القرعة كان له ما أصاب من ذلك يجبر عليه. وقال الأثرم: إنَّ أبا عبد الله ذكر القرعة واحتجَّ بها وبيَّنها، وقال: إنَّ قومًا يقولون: القرعة قمار، ثمَّ قال أبو عبد الله: هؤلاء قومٌ جهلوا فيها عن النَّبي ﷺ خمس سنن (٧). قال الأثرم: وذكرت له أنا حديث الزبير في الكفن (٨)، فقال: حديث أبي (٩) الزناد؟ قلت: نعم، قال أبو عبد الله: قال أبو الزناد:

стр. 845

يتكلمون في القرعة وقد ذكرها الله تعالى في موضعين من كتابه. وقال حنبل: سمعت أبا عبد الله قال في قوله تعالى: ﴿فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ (١٤١)﴾ [الصافات: ١٤١] أي: أقرع، فوقعت القرعة عليه. قال: وسمعت أبا عبد الله يقول: القرعة حكم رسول الله ﷺ وقضاؤه، فمن ردَّ القرعة فقد ردَّ على رسول الله ﷺ قضاءه وفعله، ثمَّ قال: سبحان الله لمن قد علم بقضاء النبي ﷺ ويفتي بخلافه!! قال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]، وقال: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [النساء: ٥٩]. قال حنبل: وقال عبد الله بن الزبير الحميدي: من قال بغير القرعة فقد خالف رسول الله ﷺ وسنته التي قضى بها (١) وقضى بها أصحابه بعده. وقال في رواية الميموني: في القرعة خمس سنن (٢)، حديث أم سلمة: "إنَّ قومًا أتوا النَّبي ﷺ في مواريث وأشياء دَرست (٣) بينهم، فأقرع بينهم" (٤)، وحديث أبي هريرة حين تداعيا (٥) في دابة، فأقرع بينهما (٦)،

стр. 846

وحديث الأعبد الستة (١)، وحديث أقرع بين نسائه (٢)، وحديث علي (٣)، وقد ذكر (٤) أبو عبد الله من فعلها بعد النبي ﷺ ، فذكر ابن الزبير (٥)، وابن المسيب (٦)، ثمَّ تعجب من أصحاب الرَّأي وما يردون من ذلك. قال الميموني: وقال لي أبو عبيد (٧) القاسم بن سلام وذاكرني أمر القرعة فقال: أرى أنَّها من أمر النبوة، وذكر قوله تعالى: ﴿إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ [آل عمران: ٤٤] وقوله: ﴿فَسَاهَمَ﴾. وقال أحمد في رواية الفضل بن عبد الصمد: القرعة في كتاب الله، والَّذين يقولون: القرعة قمار قوم (٨) جهال، ثمَّ ذكر أنَّها في السنة (٩). وكذلك قال في رواية ابنه صالح: أقرع النبي ﷺ في خمس (١٠) مواضع، وهي في القرآن في موضعين (١١).

стр. 847

وقال أحمد (١) في رواية المروذي: حدثنا سليمان بن داود الهاشمي، حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن هشام بن عروة عن عروة قال: أخبرني أبي (٢) الزبير: أنَّه لما كان يوم أحد أقبلت امرأة تسعى، حتَّى كادت أن تشرف على القتلى، قال: فكره النبي ﷺ أن تراهم، فقال: المرأة، المرأة، قال الزبير: فتوهمت أنَّها أُمِّي صفية، قال: فخرجت أسعى، فأدركتها قبل أن تنتهي إلى القتلى، قال: فلهزت (٣) في صدري - وكانت امرأة جلدة - وقالت: إليك، لا أمَّ لك، قال: فقلت: إنَّ رسول الله ﷺ عزم عليك، قال: فرجعت وأخرجت ثوبين (٤) معها، فقالت: هذان ثوبان جئت بهما لأخي حمزة، فقد بلغني مقتله، فكفنوه فيهما، قال: فجئت بالثوبين ليكفن فيهما حمزة، فإذا إلى جنبه رجل من الأنصار قتيل، قد فُعِل به كما فعل بحمزة (٥)، قال: فوجدنا غضاضة أن نكفن حمزة في ثوبين والأنصاري لا كفن له، قلنا: لحمزة ثوب وللأنصاري ثوب، فقدرناهما فكان أحدهما أكبر من الآخر، فأقرعنا بينهما فكفنَّا كل واحد في الثوب الَّذي طار له" (٦)،

стр. 848

وقال في رواية صالح (١): وحديث الأجلح عن الشعبي عن أبي الخليل عن زيد بن أرقم، وهو مختلفٌ فيه (٢).

стр. 849

فصل في كيفية القرعة قال الخلال: حدثنا أبو النضر (١): أنَّه سمع أبا عبد الله يحب من القرعة ما قيل عن سعيد بن المسيب: "أن يأخذ خواتيمهم، فيضعها في كمه، فمن أخرج أولًا فهو القارع" (٢). وقال أبو داود: قلت لأبي عبد الله في القرعة يكتبون رقاعًا؟ قال: إن شاءوا رقاعًا، وإن شاءوا خواتيمهم (٣). وقال ابن منصور: قلت لأحمد: كيف يقرع؟ قال: بالخاتم وبالشيء (٤). وقال (٥) إسحاق بن راهويه (٦) في القرعة: يؤخذ عود شبه القدح، فيكتب عليه: "عبد"، وعلى الآخر: "حر"، وكذلك قال في رواية مهنا (٧).

стр. 850

وقال بكر (١) بن محمد عن أبيه (٢): سألت أبا عبد الله كيف تكون القرعة؟ قال: يلقي خاتمًا، يروى عن سعيد بن جبير، وإن جعل شيئًا في طين أو يكون علامة قدر ما يعرف صاحبه إذا كان له فهو جائز. وقال الأثرم: قلت لأبي عبد الله: كيف القرعة؟ فقال: سعيد بن جبير يقول: بالخواتيم، أقرع بين اثنين في ثوب، فأخرج خاتم هذا وخاتم هذا، قال: ثمَّ يخرجون الخواتيم (٣)، ثمَّ تدفع إلى رجل، فيخرج منها واحدًا (٤)، قلت لأبي عبد الله: فإنَّ مالكًا يقول: تكتب رقاع وتجعل في طين (٥)؟ قال: وهذا أيضًا، قيل لأبي عبد الله: فإنَّ النَّاس يقولون: القرعة هكذا، وقال الرجل بأصابعه الثلاثة، فضمها ثمَّ فتحها، فأنكر ذلك أبو عبد الله، وقال: ليس هو هكذا. وقال مهنا: قلت لأبي عبد الله: كيف القرعة؟ أهو أن يخرج هذا ويخرج هذا وأشرت بيدي بأصابعي؟ قال: نعم (٦).

стр. 851

فصل في مواضع القرعة (١) قال إسحاق (٢): قلت لأبي عبد الله: تذهب إلى حديث عمران بن حصين في الأعبد (٣)؟ قال: نعم. فإن (٤) قيل: العتق في المرض وصية، فكأنَّه أوصى أن يعتق كل عبد على انفراده، فإذا تعذَّر عتق جميعه عتق منه ما أمكن عتقه، كما لو كان ماله كلُّه عبدًا واحدًا، فأعتقه عتق منه ما حمل الثلث، قيل: هذا هو القياس الفاسد الَّذي ردت به السنة الصحيحة الصريحة. والفرق بين الموضعين: أنَّ في مسألة العبد الواحد لا يمكن غير جريان العتق في بعضه، وأمَّا في الأعبد فتكميل الحرية في بعضهم بقدر الثلث ممكن، فكان أولى من تشقيصها في كلَّ واحد، فإنَّ المريض قصد تكميل الحرية في الجميع، ولكن منع لحق الورثة، فكان تكميلها في البعض موافقًا لقصد المعتق ومقصود الشارع، أمَّا المعتق فإنَّه أراد تخليص جملة الرقبة، وأمَّا (٥) الشارع فإنَّه متشوف إلى تكميل الحرية دون تشقيصها، وتكميلها في الجميع ضررٌ بالوارث،

стр. 852

وتكميلها في الثلث مصلحة للمعتق والوارث والعبد، فلا يجوز العدول عنه. فالقياس الصحيح وأصول الشرع مع الحديث الصحيح، وخلافه خلاف النص والقياس معًا. فإن قيل: فقد صار سدس كل عبد من الأعبد الستة مستحق الإعتاق، فإبطاله إبطال لعتق مستحق؟ قيل: ليس كذلك، وإنَّما العتق المستحق عتق ثلث الأعبد، وهو الَّذي (١) ملَّكه إيَّاه الشارع ﷺ فصار كما لو أوصى بعتق ثلثهم، فإنَّه هو الَّذي يملكه، وما لا يملكه تصرفه فيه لغوٌ وباطلٌ، والوارث إذا لم يجز إعتاق الجميع كان تصرف المعتق فيما زاد على الثلث بمنزلة عدمه، وإذا كان إنَّما أعتق الثلث حكمًا، أخرجنا الثلث بالقرعة، فأي قياسٍ أصح من هذا وأبين؟ فإن قيل: مدار الحديث على الحسن، وهو يرويه عن عمران بن حصين (٢)، وقد قال أحمد في رواية الميموني: لا يثبت لقي الحسن لعمران بن حصين (٣)، وقال مهنا: سألتُ أحمد عن حديث الحسن

стр. 853

قال: حدثني (١) عمران بن حصين؟ قال: ليس بصحيح، بينهما هياج بن عمران البرجمي (٢) عن عمران بن حصين (٣). وقال عبد الله بن أحمد (٤): وجدت في كتاب أبي - بخطه - حدثنا معاذ بن معاذ عن شعيب (٥) عن محمد بن سيرين عن خالد الحذاء عن أبي قلابة عن أبي المهلب (٦) عن عمران بن حصين حديث

стр. 854

القرعة (١). وقال المروذي: ذكر أبو عبد الله حديث (٢) أبي المهلب، فقال: قد روى الحسن عن عمران، ولم يسمعه، وقال: يقولون (٣) إنَّه أخذه من كتاب أبي المهلب (٤). قيل: هذا لا يضر الحديث شيئًا، فإنَّ أبا المهلب قد رواه عن عمران ابن حصين. قال مسلمٌ في "صحيحه": حدثنا علي بن حجر السعدي وأبو بكر بن أبي شيبة وزهير بن حرب قالوا: حدثنا إسماعيل - وهو ابن عُلية - عن أيوب عن أبي قلابة عن أبي المهلب عن عمران بن حصين: "أنَّ رجلًا أعتق" (٥) فذكره. قال مسلم (٦): وحدثنا محمد بن منهال الضرير وأحمد بن عبدة (٧)

стр. 855

قالا: حدثنا يزيد بن زريع حدثنا هشام بن حسان عن محمد بن سيرين عن عمران بن حصين (١) بمثل حديث ابن علية وحماد (٢). فهؤلاء ثلاثة عن عمران بن حصين (٣): محمد بن سيرين، وأبو المهلب، والحسن البصري، وغاية الحسن أن يكون سمعه من واحد منهما. قال عبد الله بن أحمد: قال أبي: حدثت أنَّه كان في كتاب همام (٤) عن قتادة عن الحسن، قال: حدثني عمرو بن معاوية - أبو المهلب - عن عمران بن حصين (٥): حديث القرعة. وقال الخلال: أخبرني العباس بن محمد بن أحمد (٦) بن عبد الكريم (٧)،

стр. 856

حدثنا جعفر الطيالسي (١) قال: قال يحيى (٢) عن الحسن حدثنا عمران ابن حصين. فإن لم يكن الحسن قد سمعه منه، كان بمنزلة قوله: "حدث أهل بلدنا" ولشهرة الحديث عندهم قال: "حدثنا" (٣). وقد وقع نظير هذا في حديث الدجال، وقول الَّذي يقتله: "أنت الدجال الَّذي حدثنا رسول الله ﷺ حديثه" (٤). وقول أحمد عن حديث الحسن عن عمران: "لا يصح"، إنَّما أراد قول الحسن: "حدثني عمران بن حصين"؛ فإنَّ مهنا بن يحيى إنَّما سأله عن ذلك، فقال: سألت أحمد عن حديث الحسن: قال: حدثني عمران بن حصين؟ قال: ليس بصحيح. على أنَّ الحديث قد صحَّ من غير طريق عمران. قال الخلال: حدثنا أبو بكر المروذي، حدثنا وهب بن بقية (٥)،

стр. 857

حدثنا خالد الطحان (١)، عن خالد - يعني الحذاء - عن أبي قلابة عن أبي زيد: أنَّ رجلًا من الأنصار أعتق ستَّة مملوكين له عنده موته، وليس له مال غيرهم، فجزأهم رسول الله ﷺ أجزاء (٢)، فأقرع بينهم، فأعتق اثنين، وأرق أربعة" (٣)، وقال: "لو شهدته قبل أن يدفن لم يدفن في مقابر المسلمين" (٤). قال المروذي: قال أحمد: ما ظننا أنَّ أحدًا حدَّث بهذا إِلَّا هشيم. قال أبو عبد الله: أبو زيد - هذا - رجلٌ من الأنصار من أصحاب النبي ﷺ وقال: كتبناه عن هشيم، وقال: إليه أذهب. قال أحمد (٥): حدثنا شريح بن نعمان (٦) حدثنا هشيم قال: حدثنا

стр. 858

خالد (١) قال: حدثنا أبو قلابة عن أبي زيد الأنصاري عن النبي ﷺ بمثله. فصل ومن مواضع القرعة: إذا أعتق عبدًا من عبيده، أو طلَّق امرأة من نسائه، لا يدري أيتهن هي ؟ فقال أحمد في رواية الميموني: إن مات قبل أن يقرع بينهنَّ يقوم وليه في هذا مقامه، يقرع بينهنَّ، فأيتهن وقعت عليها القرعة لزمته (٢). وقال بكر (٣) بن محمد عن أبيه (٤): سألت أبا عبد الله: عن رجل أعتق أحد غلاميه في صحته، ثمَّ مات المولى، ولم يدر الورثة أيهما أعتق، قال: يقرع بينهما (٥).

стр. 859

وقال حنبل: سمعت أبا عبد الله قال في القرعة: إذا قال: أحد غلامي حر، ثمَّ مات قبل أن يُعلم يُقرع بينهما، فأيهما وقعت عليه القرعة عتق، كذا فعل النبي ﷺ في الَّذي أعتق ستة أعبد له (١). وقال مهنا: سألت أحمد عن رجل قال لامرأتين له: إحداكما طالق، أو لعبدين له: أحدكما حرٌّ، قال: قد اختلفوا فيه، قلت: ترى أن يقرع بينهما؟ قال: نعم، قلت: وتجيز القرعة في الطلاق؟ قال: نعم (٢). وقال في رواية الميموني فيمن له أربع نسوة طلَّق واحدة منهنَّ، ولم يدر: يقرع بينهنَّ، كذلك في الأعبد، فإن أقرع بينهن فوقعت القرعة على واحدة ثمَّ ذكر التي طلَّق رجعت هذه، ويقع الطلاق على التي ذكر، فإن تزوجت فذاك شيءٌ قد مرَّ، وإن كان الحاكم قد أقرع بينهنَّ لم ترجع إليه (٣). وقال أبو الحارث (٤) عن أحمد في رجلٍ له أربع نسوة طلَّق إحداهنَّ، ولم تكن له نية في (٥) واحدةٍ بعينها: يقرع بينهنَّ فأيتهنَّ أصابتها القرعة فهي المطلقة، وكذلك إن قصد إلى واحدة بعينها ثمَّ نسيها (٦).

стр. 860

قال: والقرعة سنة رسول الله ﷺ (١)، وقد جاء بها القرآن (٢). وقال أبو حنيفة (٣) والشافعي (٤): لا يقرع بينهن، ولكن إذا كان الطلاق لواحدة لا بعينها ولا نواها فإنَّه يختار صرف الطلاق إلى أيتهنَّ شاء، وإن كان الطلاق لواحدة بعينها ونسيها فإنَّه يتوقف فيهما حتَّى يذكر، ولا يقرع، ولا يختار صرف الطلاق إلى واحدةٍ منهما. وقال مالك (٥): يقع الطلاق على الجميع. والقول بالقرعة مذهب علي بن أبي طالب ﵁، قال وكيع: سمعت عبد الله (٦) قال (٧): سألت

стр. 861

أبا جعفر (١) عن رجل له أربع نسوة، فطلَّق إحداهنَّ، لا يدري أيتهنَّ طلَّق؟ فقال: علي يقرع بينهنَّ (٢). فالأقوال التي قيل بها في هذه المسألة لا تخرج عن أربعة، ثلاثة قيل بها، وواحد لا يعلم به قائل. أحدها: أنَّه يعين في المبهمة، ويقف في حق المنسية عن الجميع (٣)، فينفق عليهنَّ ويكسوهن، ويعتزلهنَّ إلى أن يفرق بينهما الموت أو يتذكر (٤)، وهذا في غاية الحرج والإضرار به وبالزوجات، فينفيه قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] وقوله ﷺ : "لا ضرر ولا ضرار (٥) "، فأي حرج وضرر (٦) وإضرار (٧) أكثر (٨) من ذلك؟ الثاني: أن يطلق عليه الجميع (٩)، مع الجزم بأنه إنما طلق واحدة، لا الجميع، فإيقاع الطلاق بالجميع - مع القطع بأنه لم يطلق الجميع -

стр. 862

ترده أصول الشرع وأدلته. الثالث: أنه لا يقع الطلاق بواحدة منهن (١)؛ لأن النكاح ثابت بيقين، وكل واحدة منهن مشكوك فيها: هل هي المطلقة أم لا؟ فلا تطلق بالشك، ولا يمكن إيقاع الطلاق بواحدة غير معينة، وليس البعض أولى بأن يوقع عليها الطلاق من البعض، والقرعة قد تخرج غير المطلقة (٢)، فإنها كما يجوز أن تقع على المطلقة يجوز أن تقع على غيرها، فإذا أخطأت المطلقة وأصابت غيرها أفضى ذلك إلى تحريم من هي زوجة، وحل من هي أجنبية. وإذا بطلت هذه الأقسام كلها تعين هذا التقرير، وهو بقاء النكاح في حق كل واحدة منهن حتى يتبين أنها المطلقة، وإذا كان النكاح باقيًا فيها فأحكامه مترتبة عليه، وأما أن يبقى النكاح ويحرم الوطء دائمًا فلا وجه له. فهذا القول والقول بوقوع الطلاق على الجميع متقابلان، وأدلتهما تكاد أن تتكافأ، ولا احتياط في إيقاع الطلاق بالجميع؛ فإنه يتضمن تحريم الفرج على الزوج بالشك، وإباحته لغيره. قال المقرعون (٣): قد جعل اللهُ سبحانه القرعة طريقًا إلى الحكم الشرعي في كتابه (٤)، وفعلها رسول الله ﷺ وأمر

стр. 863

بها (١)، وحكم بها علي بن أبي طالب (٢) في هذه المسألة بعينها، وكل قول غير القول بها فإنَّ أصول الشرع وقواعده ترده. أمَّا وقوع الطلاق على الجميع مع العلم بأنَّه إنَّما أوقعه على واحدة، فتطليق لغير المطلقة، وهو نظير ما لو طلَّق طلقة واحدة فألزمناهُ بثلاث طلقات، فإنَّ هذا في عدد المطلقات كمسألتنا في عدد الطلاق، ولا يشبه ذلك ما لو طلَّق وشك هل طلق واحدة (٣) أو ثلاثًا، حيث يجوز أن (٤) يجعل ثلاثًا، فإنَّه يجوز أن يكون قد استوفى عدد الطلاق (٥)، وفي مسألتنا: هو جازم بأنَّه لم يستوف عدد المطلقات (٦)، بل كل واحدة منهنَّ قد شكَّ، هل طلقها أم لا؟ وغايته: أنَّه قد تيقن تحريمًا في واحدة لا بعينها، فكيف يحرم عليه غيرها؟ فإن قيل: قد اشتبهت المحللة بالمحرمة، فحرمتا معًا، كما لو اشتبهت أخته بأجنبية، وميتة بمذكاة (٧). قيل: ها هنا معنا أصل يرجع إليه، وهو التحريم الأصلي، وقد وقع الشك في سبب الحل، فلا يرفع التحريم الأصلي بالشك، وفي

стр. 864

مسألتنا قد ثبت الحل وزال التحريم الأصلي (١) بالنكاح، ثمَّ وقع في عين غير معينة، ومعنا أصل الحل المستصحب، فلا يمكن تعميم التحريم، ولا إلغاؤه بالكلية، ولم يبق طريق إلى تعيين محله إِلَّا بالقرعة، فتعينت طريقًا. قالوا: وأيضًا؛ فإنَّ الطلاق قد وقع على واحدة منهنَّ معينة؛ لامتناع وقوعه في غير معين، فلم يملك المطلق صرفه إلى أيتهن شاء، لكن التعيين غير معلوم لنا، وهو معلوم عند الله، وليس لنا طريق إلى معرفته، فتعينت القرعة. يوضحه: أنَّ التعيين من المطلق ليس إنشاءً للطلاق (٢) في المعينة، فإنَّه لو كان إنشاءً لم يكن المتقدم طلاقًا، ولكان الجميع حلالًا له (٣)، ولما أمر بأن ينشئ الطلاق ولا افتقر إلى لفظ يقع به، وإذا لم يكن إنشاءً فهو إخبار منه بأنَّ هذه المعينة هي التي أوقعت عليها الطلاق، وهذا خبر غير مطابق، بل هو خلاف الواقع. وحاصله: أنَّ التعيين إمَّا أن يكون إنشاءً للطلاق، أو إخبارًا، ولا يصلح لواحد منهما (٤). فإن قيل: بل هو إنشاء عندنا في المبهمة، وأمَّا في (٥) المنسية فهو

стр. 865

واقع من حين طلق. قيل: لا يصح جعله إنشاءً للطلاق؛ لأنَّ الطلاق إمَّا أن يكون قد وقع بإحداهنَّ أو لا، فإن لم يقع لم يلزمه أن ينشئه، وإن كان قد وقع (١) استحال إنشاؤه أيضًا؛ لأنَّهُ تحصيل للحاصل. فإن قيل: فهذا يلزمكم أيضًا؛ لأنَّكم تقولون: إنَّ الطلاق يقع من حين الإقراع. قيل: بل الطلاق عندنا في الموضعين واقع من حين الإيقاع. قال الإمام أحمد في رواية أبي طالب في رجلٍ له أربع نسوة، فطلَّق إحداهنَّ وتزوج أخرى، ومات، ولم يدر أي الأربع طلَّق: فلهذه الأخيرة ربع الثمن، ثمَّ يقرع بين الأربع، فأيتهن قَرَعت أخرجت، وورث البواقي (٢). قال القاضي (٣): فقد حكم بصحة نكاح الخامسة قبل تعيين المطلقة. قال: وهذا يدلُّ على وقوع الطلاق من حين الإيقاع، ولو كان من حين (٤) التعيين لم يصح نكاح الخامسة. فإن قيل: فهذا بعينه يرد عليكم في التعيين بالقرعة، والجوابُ

стр. 866

حينئذٍ واحد. قيل: الفرقُ بين التعيينين ظاهر، فإنَّ تعيين المكلف تابع لاختياره وإرادته، وتعيين القرعة إلى الله ، والعبد يفعل القرعة وهو ينتظر ما يعينه له القضاء والقدر، شاء أم أبى. وهذا هو سرُّ المسألة وفقهها، فإنَّ التعيين إذا لم يكن لنا سبيل إليه بالشرع فوض إلى القضاء والقدرِ، وصار الحكم به شرعيًّا قدريًّا؛ شرعيًّا (١) في فعل القرعة، قدريًّا فيما تخرج به، وذلك إلى اللهِ، لا إلى المكلَّف (٢). فلا أحسنَ من هذا ولا أبلغ في موافقة شرع الله وقدره. وأيضًا؛ فإنَّه لو طلَّق واحدةً منهنَّ، ثمَّ أشكلت عليه، لم يكن له أن يعيِّن المطلقة باختياره، فهكذا إذا طلَّق واحدة لا بعينها. فإن قيل: الفرقُ ظاهر، وهو أنَّ الطلاق ها هنا قد وقع على واحدةٍ بعينها، فإذا أشكلت لم يجز أن يعين من تلقاء نفسه؛ لأنَّهُ (٣) لا يأمن أن يعين غير التي وقع عليها الطلاق، ويستديم نكاح التي طلقها، وليس كذلك في مسألتنا، فإنَّ الطلاقَ وقع على إحداهنَّ غير معينة، فليس في تعيينه إيقاع الطلاق على من لم يقع بها، وصرفه عمن وقع بها (٤).

стр. 867

قيل: إحداهما محرمة عليه في المسيس (١)، ولا يدري عينها، فإذا لم يملك التعيين بلا سبب في إحدى الصورتين لم يملكه في الأخرى. وهذا أيضًا سر المسألة وفقهها، فإنَّ التعيين بالقرعة تعيين بسبب قد نصبه الله تعالى ورسوله سببًا للتعيين عند عدم غيره، والتعيين بالاختيار تعيينٌ بلا سبب، إذ هذا فرض المسألة، حيث انتفت أسباب التعيين وعلاماته. ولا يخفى أنَّ التعيين بالسبب الَّذي نصبه الشرع له أولى من التعيين الَّذي لا سبب له. فإن قيل: المنسية والمشتبهة يجوز أن تذكر وتعلم عينها بزوال الاشتباه؛ فلهذا لم يملك صرف الطلاق فيها إلى من أراد، بخلاف المبهمة فإنَّه لا يرجى ذلك فيها. قيل: وكذلك المنسية والمشكلة إذا عدم أسباب العلم بتعيينها، فإنَّه يصير في إبقائها إضرارٌ به وبها، وإيقاف للأحكام، وجعل المرأة معلَّقة باقي عمرها، لا ذات زوج ولا مطلقة، وهذا لا عهد لنا به في الشريعة (٢). فصل وممَّا يدلُّ على صحة تعيين المطلقة بالقرعة حديث عمران بن حصين في عتق الأعبد الستة (٣)، فإنَّ تصرفه في الجميع لما كان باطلًا

стр. 868

جعل كأنَّه أعتقَ ثلثًا منهم غير معين، فعينه النبي ﷺ بالقرعة، والطلاق كالعتاق في هذا؛ لأنَّ كل واحدٍ منهما إزالة ملك مبني على التغليب والسراية، فإذا اشتبه المملوك في كل منهما بغيره لم يجعل التعيين إلى اختيار المالك. فإن قيل: العتاق أصله الملك، فلما دخلت القرعة في أصله وهو الملك في حال القسمة (١)، وطرح القرعة على السهام، دخلت لتمييز الملك من الحرية، وليس كذلك الطلاق، لأنَّ أصله النكاح، والنكاح لا تدخله القرعة، فكذلك الطلاق (٢). قيل: وَمَنْ سلَّم لكم (٣) أنَّ القرعة لا تدخل في النكاح، بل الصحيح من الروايتين دخولها فيه، فيما إذا زوجها الوليان، ولم يعلم السابق منهما، فإنَّا نقرع بينهما، فمن خرجت عليه القرعة حكم له بالنكاح، وأنَّه هو الأوَّل، هذا منصوص أحمد (٤) في رواية ابن منصور وحنبل.

стр. 869

ونقل أبو الحارث ومهنا: لا يقرع في ذلك (١). وعلى هذا فلا يلزم إذا لم تدخل القرعة في الحكم (٢) ألا تدخل في رفعه، فإنَّ حدَّ الزنا لا يثبت بشهادة النساء، ويسقط بشهادتهنَّ، وهو ما إذا شُهد عليها بالزنا، فذكرت أنَّها عذراء، وشهد بذلك النساء (٣). وكذلك لو قال - وقد رأى طائرًا -: إن كان هذا غرابًا ففلانة طالق، وإن لم يكن غرابًا ففلانٌ حرٌّ، ولم يعلم ما هو؟ فإنَّه يقرع بين المرأة والعبد عندكم أيضًا، فيحكم بما خرجت به القرعة (٤). فإن قلتم هنا (٥): لم تدخل القرعة في الطلاق بانفراده، بل دخلت

стр. 870

للتمييز بينه وبين العتق، والقرعة تدخل في العتق، بدليل حديث الأعبد الستة (١). قيل: إذا دخلت للتمييز بين الطلاق والعتاق دخلت للتمييز بين المطلقة وغيرها، وكل ما قدر (٢) من المانع في أحد الموضعين فإنه يجري في الآخر سواء بسواء. وأيضًا؛ فإذا كانت القرعة تخرج المعتق من غيره، فإخراجها للمطلقة أولى وأحرى، فإن إخراج منفعة البضع من ملكه أسهل من إخراج عين الرقبة، وإبقاء الرق في العين أبدًا أسهل من إبقاء بعض المنافع، وهي منفعة البضع، فإذا صلحت القرعة لذلك فهي لما دونه أقبل، وهذا في غاية الظهور (٣). وأيضًا؛ فاشتباه المطلقة بغيرها لا يمنع استعمال القرعة. دليله: مسألة الطائر، وقوله: إن كان غرابًا فنسائي طوالق، وإن لم يكن فعبيدي أحرار. فإن قلتم: قد يستعمل الشيء في حكم، ولا يستعمل في آخر، كالشاهد واليمين، والرجل والمرأتين، يقبل في الأموال، دون الحدود والقصاص (٤).

стр. 871

يوضحه: أنه لو ادعى سرقة، وأقام شاهدًا وحلف معه، غرمناه المال، ولم نقطعه (١)، فكذا ها هنا: استعملنا القرعة في الرق والحرية، دون الطلاق؛ للحاجة. قيل: الحاجة في إخراج المطلقة من غيرها كالحاجة في إخراج المعتق من غيره سواء، وإذا دخلت للتمييز بين الفرج المملوك بملك اليمين وغيره، صح دخولها للتمييز بين الفرج المملوك (٢) بعقد النكاح وغيره، ولا فرق، ولا يشبه ذلك مسألة القطع والغرم في أنه يثبت أحدهما بما لا يثبت به الآخر؛ لأنهما يختلفان في الأحكام وفيما يثبت به كل واحد منهما، والعتق والطلاق يتفقان في الأحكام (٣)، وهو أن كل واحد منهما مبني على التغليب والسراية، ويثبت بما يثبت به الآخر. وأيضًا؛ فإن الحقوق إذا تساوت على وجه لا يمكن التمييز بينها إلا بالقرعة صح استعمالها فيها، كما قلتم في الشريكين إذا كان بينهما مال، فأراد قسمته، فإن الحاكم يجزئه ويقرع بينهما (٤)، وكذلك إذا

стр. 872

أراد أن يسافر بإحدى نسائه (١)، وكذلك إذا أعتق عبيده الذين لا مال له سواهم في مرضه (٢)، وكذلك إذا تساوى المدعيان في الحضور عند الحاكم (٣)، وكذلك الأولياء في النكاح إذا تساووا في الدرجة (٤) وتشاحوا في العقد: أقرع بينهم (٥)، وكذلك إذا قتل جماعة في حالة واحدة، وتشاح الأولياء في المقتص: أقرع بينهم، فمن قرع قتل له، وأخذت الدية للباقين (٦). فإن قلتم: التراضي على القسمة من غير قرعة جائز، وكذلك بين النساء إذا أراد السفر، ولا (٧) كذلك ها هنا؛ لأن التراضي على فسخ

стр. 873

النكاح ونقله من محل إلى محل لا يجوز. قلنا: ليس (١) في القرعة في الطلاق نقل له عمن استحقه إلى غيره، بل هي كاشفة عمن توجه الطلاق إليها ووقع عليها. فصل (٢) قال المعينون بالاختيار: قد حصل التحريم في واحدة لا بعينها، فكان له تعيينها باختياره، كما لو أسلم الحربي وتحته خمس نسوة، أو أختان (٣) اختار (٤). قال أصحاب القرعة: هذا القياس مُبْطَل (٥)، أولًا بالمنسية، فإن المحرمة منهن بعد النسيان غير معينة، وليس له تعيينها. وهذا الجواب غير قوي؛ فإن التحريم ها هنا وقع في معينة، ثم أشكلت، بل الجواب الصحيح أن يقال: لا تطلق عليه الأخت والخامسة بمجرد الإسلام، بل إذا عين الممسكات أو المفارقات حصلت الفرقة من حين التعيين، ووجبت العدة من حينئذٍ. وسر المسألة: أن الشارع خيره بين من يمسك ويفارق؛ نظرًا له، وتوسعة عليه، ولو أمره بالقرعة ها هنا فربما أخرجت القرعة عن نكاحه

стр. 874

من يحبها، وأبقت عليه من يبغضها، ودخوله في الإسلام يقتضي ترغيبه فيه، وتحبيبه إليه، فكان من محاسن الإسلام رد ذلك إلى اختياره وشهوته، بخلاف ما إذا طلق هو من تلقاء نفسه واحدة منهن (١). على أن القياس الذي احتجوا به فاسد أيضًا، فإنه ينكسر (٢) بما إذا اختلطت زوجته بأجنبية، أو ميتة بمذكاة، فإنه ليس له تعيين المحرمة (٣). فإن قيل: ولا إخراجها بالقرعة. قلنا: نحن لم نستدل بدليل يرد علينا فيه هذا، بخلاف من استدل بمن ينكسر (٤) عليه بذلك. فإن قيل: التحريم ها هنا كان في معين ثم اشتبه. قيل: لما اشتبه وزال دليل تعيينه صار كالمبهم، وهذا حجة مالك عليكم، حيث حرم الجميع، لإبهام المحرمة منهن (٥).

стр. 875

قال أصحاب التعيين: التحريم ها هنا حكم تعلق بفرد لا بعينه من جملة، فكان المرجع في تعيينه إلى المكلف، كما لو باع قفيزًا من صبرة (١). قال أصحاب القرعة: الإبهام إنما يصح في البيع، حيث تتساوى الأجزاء، ويقوم كل جزء منها مقام الآخر في التعيين، فلا تفيد القرعة ها هنا قدرًا زائدًا على التعيين، وليس كذلك الطلاق، فإن محله لا تتساوى أفراده، ولا الغرض من هذا هو الغرض من هذا، فهو بمسألة المسافر (٢) بإحدى الزوجات أشبه منه بمسألة القفيز من الصبرة المتساوية (٣)، ألا ترى أن التهمة تلحق في التعيين ها هنا، وفي مسألة القسمة، وفي مسألة الطلاق، ولا تلحق (٤) في التعيين في مسألة القفيز من الصبرة المتساوية؟ وهذا فقه المسألة: أن الموضع الذي تلحق (٥) فيه التهمة شرعت فيه القرعة نفيًا لها وما لا تلحق فيه لا فائدة فيها. على أن هذا القياس منتقض بما إذا أعتق عبدًا مبهمًا من عبيده، أو أراد السفر بإحدى نسائه.

стр. 876

قال أصحاب التعيين: لما كان له تعيين المطلقة في الابتداء، كان له تعيينها في ثاني الحال باختياره (١). قال أصحاب القرعة: هذا قياس فاسد، فإنه في الابتداء لم يتعلق بالتعيين حق لغير المطلقة، وبعد الإيقاع قد تعلق به حقهن، فإن كل واحدة منهن قد تدعي أن الطلاق واقع عليها، لتملك به بضعها، أو واقع على غيرها لتستبقي به نفقتها وكسوتها، فلم يملك هو تعيينه للتهمة، بخلاف الابتداء. قال المبطلون للقرعة: رأينا (٢) القرعة قمارًا وميسرًا (٣)، وقد حرمه الله في سورة المائدة (٤)، وهي من آخر القرآن نزولًا (٥)، وإنما كانت مشروعة قبل ذلك (٦).

стр. 877

قال أصحاب القرعة (١): قد شرع الله ورسوله القرعة، وأخبر بها عن أنبيائه ورسله، مقررًا لحكمها (٢)، غير ذام لها، وفعلها رسول الله ﷺ وأصحابه من بعده (٣)، وقد صانهم الله سبحانه عن القمار بكل طريق، فلم يشرع لعباده القمار قط، ولا جاء به نبي أصلًا، فالقرعة شرعه ودينه، وسنة أنبيائه ورسله. قال المانعون من القرعة: قد اشتبهت المحللة بالمحرمة على وجه لا تبيحه الضرورة، فلم يمكن له إخراجها بالقرعة، كما لو اشتبهت أخته بأجنبية، أو ميتة بمذكاة (٤). قال أصحاب القرعة: الفرق أن ها هنا نستصحب أصل التحريم، ولا نزيله بالشك، بخلاف مسألتنا، فإن التحريم الأصلي قد زال بالنكاح، وشككنا في وقوع التحريم الطارئ بأي واحدة منهن وقع، فلا يصح إلحاق إحدى (٥) الصورتين بالأخرى. قال المانعون: قد تُخْرِج القرعة غير المطلقة، فإنها ليس لها من العلم والتمييز ما تخرج به المطلقة بعينها (٦). قال المقرعون: هذا - أولًا - اعتراض على السنة، فهو مردود.

стр. 878

وأيضًا؛ فإن التعيين بها أولى من التعيين بالاعتراض (١) والتشهي، أو جعل المرأة معلقة إلى الموت، أو إيقاع الطلاق بأربع لأجل إيقاعه بواحدة منهن. وأيضًا؛ فإن القرعة مزيلة للتهمة. وأيضًا؛ فإنها تفويض إلى الله ليعين بقضائه وقدره ما ليس لنا سبيل إلى تعيينه، والله أعلم. فإن قيل: فما تقولون فيما نقله أبو طالب عن أحمد في رجل زوَّج ابنته رجلًا، وله بنات، فمات، ولم يدر أيتهنَّ هي؟ فقال: يقرع بينهنَّ. وهذا يدلُّ على أنَّه يقرع عند اختلاط أخته بأجنبية (٢). قيل: قد جعل (٣) القاضي أبو يعلى ذلك رواية عن الإمام أحمد، وقال: وظاهر هذا أنَّ الزوجة إذا اختلطت بأجانب أقرع بينهنَّ؛ لأنَّه أجاز القرعة بينها وبين أخواتها إذا اختلطت بهنَّ. قلت: هذا وهم من القاضي، فإنَّ أحمد لم يقرع للحل، وإنَّما أقرعَ للميراث والعدة، ونحن نذكر نصوصه بألفاظها. قال الخلال في "الجامع": باب في الرجل يكون له أربع بنات (٤)،

стр. 879

فزوج إحداهن، فمات الأب ومات الزوج، ولا يدري أيتهنَّ هي الزوجة؟: أخبرنا أبو النضر أنَّ أبا عبد الله قال: قال سعيد بن المسيب في رجل له أربع بنات، فزوج إحداهنَّ لا يدري أيتهنَّ هي: إنَّه يقرع بينهنَّ. أخبرني زهير بن صالح (١) حدثنا أبي (٢) حدثنا يزيد بن هارون، أنبأنا حماد بن سلمة عن قتادة: أنَّ رجلًا زوَّج ابنته من رجل، فمات الأب والزوج، ولا يدري الشهود أي بناته هي؟ فسألت سعيد بن المسيب، فقال: يقرع بينهنَّ، فأيتهنَّ أصابتها القرعة ورثت واعتدت (٣). قال حماد (٤): وسألت حماد بن أبي سليمان، فقال: يرثن جميعًا ويعتددن جميعًا (٥). قال صالح: قال أبي: قد ورث من ليس لها ميراث، وأوجب العدة على من ليس عليها عدة (٦)، والَّذي يقرع في حال يكون قد أصاب،

стр. 880

وفي حال يكون قد أخطأ، وذاك لا شكَّ أنَّه قد ورث من ليس لها ميراث (١). قال الخلال: أخبرنا يحيى بن جعفر (٢)، قال: قال عبد الوهاب (٣): سألت سعيدًا (٤) عن رجل زوج إحدى بناته - وسمَّاها - ومات الأب والزوج، ولا يدري أيتهنَّ هي؟ فحدثنا عن قتادة عن الحسن وسعيد بن المسيب أنَّهما قالا: يقرع بينهنَّ، فأيتهنَّ أصابتها القرعة فلها الصداق، ولها الميراث، وعليها العدة (٥). أخبرني محمد بن علي حدثنا الأثرم حدثنا عارم (٦) حدثنا حماد بن
следующие страницы →