← Сияса и кади

Сияса и кади · id 18159

الطرق الحكمية في السياسة الشرعية - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (1 013 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

قال أصحاب التعيين: لما كان له تعيين المطلقة في الابتداء، كان له تعيينها في ثاني الحال باختياره (١). قال أصحاب القرعة: هذا قياس فاسد، فإنه في الابتداء لم يتعلق بالتعيين حق لغير المطلقة، وبعد الإيقاع قد تعلق به حقهن، فإن كل واحدة منهن قد تدعي أن الطلاق واقع عليها، لتملك به بضعها، أو واقع على غيرها لتستبقي به نفقتها وكسوتها، فلم يملك هو تعيينه للتهمة، بخلاف الابتداء. قال المبطلون للقرعة: رأينا (٢) القرعة قمارًا وميسرًا (٣)، وقد حرمه الله في سورة المائدة (٤)، وهي من آخر القرآن نزولًا (٥)، وإنما كانت مشروعة قبل ذلك (٦).

стр. 877

قال أصحاب القرعة (١): قد شرع الله ورسوله القرعة، وأخبر بها عن أنبيائه ورسله، مقررًا لحكمها (٢)، غير ذام لها، وفعلها رسول الله ﷺ وأصحابه من بعده (٣)، وقد صانهم الله سبحانه عن القمار بكل طريق، فلم يشرع لعباده القمار قط، ولا جاء به نبي أصلًا، فالقرعة شرعه ودينه، وسنة أنبيائه ورسله. قال المانعون من القرعة: قد اشتبهت المحللة بالمحرمة على وجه لا تبيحه الضرورة، فلم يمكن له إخراجها بالقرعة، كما لو اشتبهت أخته بأجنبية، أو ميتة بمذكاة (٤). قال أصحاب القرعة: الفرق أن ها هنا نستصحب أصل التحريم، ولا نزيله بالشك، بخلاف مسألتنا، فإن التحريم الأصلي قد زال بالنكاح، وشككنا في وقوع التحريم الطارئ بأي واحدة منهن وقع، فلا يصح إلحاق إحدى (٥) الصورتين بالأخرى. قال المانعون: قد تُخْرِج القرعة غير المطلقة، فإنها ليس لها من العلم والتمييز ما تخرج به المطلقة بعينها (٦). قال المقرعون: هذا - أولًا - اعتراض على السنة، فهو مردود.

стр. 878

وأيضًا؛ فإن التعيين بها أولى من التعيين بالاعتراض (١) والتشهي، أو جعل المرأة معلقة إلى الموت، أو إيقاع الطلاق بأربع لأجل إيقاعه بواحدة منهن. وأيضًا؛ فإن القرعة مزيلة للتهمة. وأيضًا؛ فإنها تفويض إلى الله ليعين بقضائه وقدره ما ليس لنا سبيل إلى تعيينه، والله أعلم. فإن قيل: فما تقولون فيما نقله أبو طالب عن أحمد في رجل زوَّج ابنته رجلًا، وله بنات، فمات، ولم يدر أيتهنَّ هي؟ فقال: يقرع بينهنَّ. وهذا يدلُّ على أنَّه يقرع عند اختلاط أخته بأجنبية (٢). قيل: قد جعل (٣) القاضي أبو يعلى ذلك رواية عن الإمام أحمد، وقال: وظاهر هذا أنَّ الزوجة إذا اختلطت بأجانب أقرع بينهنَّ؛ لأنَّه أجاز القرعة بينها وبين أخواتها إذا اختلطت بهنَّ. قلت: هذا وهم من القاضي، فإنَّ أحمد لم يقرع للحل، وإنَّما أقرعَ للميراث والعدة، ونحن نذكر نصوصه بألفاظها. قال الخلال في "الجامع": باب في الرجل يكون له أربع بنات (٤)،

стр. 879

فزوج إحداهن، فمات الأب ومات الزوج، ولا يدري أيتهنَّ هي الزوجة؟: أخبرنا أبو النضر أنَّ أبا عبد الله قال: قال سعيد بن المسيب في رجل له أربع بنات، فزوج إحداهنَّ لا يدري أيتهنَّ هي: إنَّه يقرع بينهنَّ. أخبرني زهير بن صالح (١) حدثنا أبي (٢) حدثنا يزيد بن هارون، أنبأنا حماد بن سلمة عن قتادة: أنَّ رجلًا زوَّج ابنته من رجل، فمات الأب والزوج، ولا يدري الشهود أي بناته هي؟ فسألت سعيد بن المسيب، فقال: يقرع بينهنَّ، فأيتهنَّ أصابتها القرعة ورثت واعتدت (٣). قال حماد (٤): وسألت حماد بن أبي سليمان، فقال: يرثن جميعًا ويعتددن جميعًا (٥). قال صالح: قال أبي: قد ورث من ليس لها ميراث، وأوجب العدة على من ليس عليها عدة (٦)، والَّذي يقرع في حال يكون قد أصاب،

стр. 880

وفي حال يكون قد أخطأ، وذاك لا شكَّ أنَّه قد ورث من ليس لها ميراث (١). قال الخلال: أخبرنا يحيى بن جعفر (٢)، قال: قال عبد الوهاب (٣): سألت سعيدًا (٤) عن رجل زوج إحدى بناته - وسمَّاها - ومات الأب والزوج، ولا يدري أيتهنَّ هي؟ فحدثنا عن قتادة عن الحسن وسعيد بن المسيب أنَّهما قالا: يقرع بينهنَّ، فأيتهنَّ أصابتها القرعة فلها الصداق، ولها الميراث، وعليها العدة (٥). أخبرني محمد بن علي حدثنا الأثرم حدثنا عارم (٦) حدثنا حماد بن

стр. 881

سلمة عن قتادة عن سعيد بن المسيب أنَّه قال في رجل زوج إحدى بناته رجلًا (١)، فمات ومات الزوج، ولم تدر البينة أيتهنَّ هي؟ قال: يقرع بينهنَّ، فإذا قرعت واحدة ورثت واعتدت (٢). وحدثنا أبو بكر (٣) حدثنا عبد الوهاب (٤) عن سعيد (٥) عن قتادة عن سعيد بن المسيب والحسن قالا: يقرع بينهن (٦). قال الخلال: وأخبرني عبد الله بن حنبل قال: حدثني أبي قال: قال عمي في رجل له بنات، زوج إحداهنَّ من زوج، ثم إنَّ الأب مات ولم يعلم أيتهنَّ زوج؟ قال أبو عبد الله: يقرع بينهن، فأيتهن أصابتها القرعة فهي امرأته، وإن مات الزوج فهي التي ترثه أيضًا التي تقع عليها القرعة (٧). قال حنبل: وحدثني أبو عبد الله حدثنا يزيد بن هارون حدثنا حماد ابن سلمة عن قتادة: أنَّ رجلًا زوَّج ابنته من رجل، فمات الزوج، ومات الأب، ولم يدر الشهود أي بناته هي؟ فسألت سعيد بن المسيب

стр. 882

- ﵀ فقال: يقرع بينهنَّ، وأيتهنَّ أصابت القرعة ورثت واعتدت (١). قال حماد بن سلمة: فسألت حماد بن أبي سليمان عن ذلك، فقال: يرثن ويعتددن جميعًا (٢). قال حنبل: فسألت أبا عبد الله عن ذلك؟ فقال: يقرع بينهنَّ على قول سعيد بن المسيب (٣). وقال حنبل: قال عفان: حدثنا همام، قال: سُئِلَ قتادة عن رجل خطب إلى رجل ابنة له، وله بنات فأنكحه، ومات الخاطب، ولم يدر الأب أيتهنَّ خطب؟ فقال سعيد: يقرع بينهنَّ، فأيتهنَّ أصابتها القرعة، فلها الصداق والميراث، وعليها العدة (٤). قال حنبل: سمعت أبا عبد الله يقول: أذهب إلى هذا. وكذلك رواية أبي طالب التي ذكرها القاضي (٥).

стр. 883

قال الخلال: أخبرني أحمد بن محمد بن مطر أنَّ أبا طالب حدثهم: أنَّه سأل أبا عبد الله عن رجل زوج ابنته رجلًا، وله بنات، فماتا، ولم تدر البينة أيتهنَّ هي؟ قال: يقرع بينهنَّ، فإذا قرعت واحدة ورثت، قلت: حماد (١) يقول: يرثن جميعًا، قال: يقرع بينهم، وقال: القرعة أبين، إذا أقرع فأعطى واحدة لعلها أن تكون صاحبته ولا يدري، هو في شك، فإذا أعطاهنَّ فقد علم أنَّه أعطى من ليس له حق (٢). فنصوص أحمد وما نقله عن سعيد والحسن إنَّما فيه القرعة بينهنَّ في الميراث، وهي قرعة على مال، وليس فيه القرعة عند اختلاط الزوجة بغيرها. لكن في رواية حنبل ما يدلُّ على جريان القرعة في الحياة وبعد الموت، فإنَّه قال: يقرع بينهنَّ، فأيتهنَّ أصابتها القرعة فهي امرأته، وإن مات الزوج فهي التي ترثه أيضًا (٣)، فهذه أصرح من رواية أبي طالب. ولكن أكثر الروايات عن أحمد إنَّما هي في القرعة على الميراث، كما ذكر (٤) من ألفاظه، على أنَّه لا يمتنع أن يقال بالقرعة في هذه

стр. 884

المسألة على ظاهر (١) رواية حنبل، فإنَّ أكثرَ ما فيه تعيين الزوجة بالقرعة، والتمييز بينها وبين من ليست بزوجة، وهذا حقيقة الإقراع في مسألة المطلقة، فإنَّ القرعة تميز الزوجة من غيرها، وكذلك لو زوجها الوليان من رجلين، وجهل السابق منهما، فإنَّه يقرع (٢) على أصح الروايتين (٣)، وذلك لتمييز الزوج من غيره، فما الفرق بين تمييز الزوج بالقرعة وتمييز الزوجة بها؟ فالإقراع ها هنا ليس ببعيد من الأصول. ويدل عليه: أنَّا نوجب عليها العدة بهذه القرعة، والعدة من أحكام النكاح، ولا سيما فالعدة الواجبة ها هنا عدة من غير مدخول بها، فهي من نكاح محض، كذلك الميراث، فإنَّه لولا ثبوت النكاح لما ورثت. وقول أحمد في رواية حنبل: "يقرع بينهنَّ فأيتهنَّ أصابتها القرعة فهي امرأته"، صريح في ثبوت الزوجية بالقرعة، ثمَّ قال: "وإن مات الزوج فهي التي ترثه"، وهذا صريحٌ في أنَّه يقرع بينهنَّ في حال حياة الزوج والزوجة، وإن مات بعد القرعة ورثته بحكم النكاح، ولا إشكال في ذلك بحمد الله، فإذا أقرعنا (٤) بينهنَّ فأصابت القرعة إحداهنَّ كان

стр. 885

رضا الزوج بها ورضا وليها ورضاها تصحيحًا للنكاح. ولا يقال: يجوز أن تكون القرعة أصابت غيرها (١)، فيكون جامعًا بين الأختين؛ لأنَّ المجهول كالمعدوم، ولأنا نأمره (٢) أن يطلق غير التي أصابتها القرعة، فيقول: ومن عداك من هؤلاء فهي طالق احتياطًا، فهذا خير من توريث الجميع وحرمان الجميع؛ وأن يوقف الأمر فيهنَّ أبدًا حتَّى يتبين الحال وينكشف، وقد لا يتبين إلى يوم القيامة. وبالجملة؛ فالقرعة طريقٌ شرعي، شرعه الله ورسوله للتمييز عند الاشتباه، فسلوكه أولى من غيره من الطرق. وقد قال أبو حنيفة (٣): إذا طلَّق امرأةً من نسائه لا بعينها، فإنَّه لا يحال بينه وبينهنَّ، وله أن يطأ أيتهنَّ شاء، فإذا وطئ انصرف الطلاق إلى الأخرى (٤)، واختاره ابن أبي هريرة من الشافعية (٥)، فجعلوا الوطء تعيينًا.

стр. 886

ومعلومٌ أنَّ التعيين بالقرعة أولى من التعيين بالوطء، فإنَّ القرعة تخرج من قدَّر الله إخراجه بها، ولا يتهم بها، والوطء تابعٌ لإرادته وشهوته، ويجوز أن يشتهي غير من كان في نفسه إرادة طلاقها، فهو متهم في التعيين، فالتعيين بالطريق الشرعي أولى من التعيين بالتشهي والإرادة. وممَّا يوضحه أنَّ أبا حنيفة قد قال فيما إذا أعتق إحدى أمتيه ثم وطئ إحداهما: أنَّ الوطء لا يعين المعتقة من غيرها (١). قال أصحابه (٢): الفرق بينهما أنَّ الطلاق يوجب التحريم، وذلك ينفي النكاح، فلما وطئ إحداهما دلَّ على أنَّه مختار أن تكون زوجته، فإنَّه لا يطأ من ليست زوجته، وأمَّا العتق فإنَّه وإن أوجب تحريم الوطء فإنه إذا وطئ إحداهما تعين التحريم في الأخرى، وتحريم الوطء (٣) لا ينافي ملك اليمين، كأخته من الرضاع. فقال المنازعون لهم: الطلاق لا يوجب التحريم عندكم، فإنَّ الرجعة مباحة، وإنَّما الموجب للتحريم انقضاء العدة واستيفاء العدد،

стр. 887

وقد صرح أصحابكم بذلك (١). على أنَّ النكاح - وإن نافاه التحريم - فالملك لا ينافيه التحريم، فهما متساويان في أن الوطء لا يجوز إِلَّا في ملك، وهو متحقق لملك (٢) الموطوءة. فصل ومن مواضع القرعة ما إذا طلق إحدى نسائه، ومات قبل البيان ، فإنَّ الورثة يقرعون بينهنَّ، فمن وقعت عليها القرعة لم ترث، نصَّ عليه (٣) في رواية حنبل، وأبي طالب، وابن منصور، ومهنا. وقال أبو حنيفة: يقسم الميراث بين الجميع (٤). وقال الشافعي: يوقف ميراث الزوجات حتى يصطلحن عليه (٥). و لوازم القولين تدل على صحة القول بالقرعة ، فإنَّ لازم القول الأوَّل (٦) توريث من يعلم أنَّها أجنبية، فإنَّها مطلقة في حال الصحة

стр. 888

ثلاثًا، فكيف تورث؟ ولازم القول الثاني وقف المال، وتعريضه للفساد والهلاك، وعدم الانتفاع به، وإن كان حيوانًا فربما كانت مؤنته تزيد على أضعاف قيمته، وهذا لا مصلحة فيه ألبتة. وأيضًا؛ فإنَّهنَّ إذا علمن أنَّ المالَ يهلك إن لم يصطلحن عليه كان ذلك إلجاءً لهنَّ إلى إعطاء غير المستحقة، فالقرعة تخلص من ذلك كله، ومن المعلوم: أنَّ المستحقة للميراث إحداهما دون الأخرى، فوجب أن يقرع بينهما كما يقرع بين العبيد إذا أعتقهم في المرض (١)، وبين الزوجات إذا أراد السفر بإحداهنَّ (٢)، والحاكم إنَّما نصب لفصل الأحكام، لا لإيقافها وجعلها معلقة، فتوريث الجميع - على ما فيه - أقرب إلى المصلحة (٣) من حبس المال وتعويقه وتعريضه للتلف، مع حاجة مستحقيه إليه. وأيضًا؛ فإنَّا عهدنا من الشارع أنَّه لم يوقف حكومة قط على

стр. 889

اصطلاح المتخاصمين، بل يشير عليهما بالصلح، فإن لم يصطلحا فصل الخصومة (١)، وبهذا تقوم مصلحة النَّاس. قال المورثون للجميع: قد تساويا في سبب الاستحقاق؛ لأنَّ حجة كل واحدة منهما كحجة الأخرى، فوجب أن يتساويا في الإرث، كما لو أقامت كل واحدة منهما البينة بالزوجية. قال المقرعون: المستحقة منهما هي الزوجة، والمطلقة غير مستحقة، فكيف يقال: إنَّهما استوتا في سبب (٢) الاستحقاق؟ على أنَّهما إذا أقامتا بينتين تعارضتا وسقطتا، وصارتا كمن لا بينة لواحدةٍ منهما. قال المورثون: قد استحق من ماله ميراث زوجة (٣)، وليست إحداهما بأن تكون هي المستحقة أولى من الأخرى، فيقسم الإرث بينهما، كرجلين ادعيا دابَّة في يد غيرهما وأقاما بينتين، فإنها تقسم بينهما. قال المقرعون: هذه هي الشبهة التي تقدمت، والجواب واحد. قال المورثون لأصحاب القرعة: قد تناقضتم؛ فإنَّكم تقرعون لإخراج المطلقة، فإذا أخرجتموها بالقرعة أوجبتم عليها عدة الوفاة إذا

стр. 890

كانت أطول من عدة الطلاق، فإن كانت مطلقة فكيف تعتد عدة الوفاة؟ وإذا اعتدت عدة الوفاة فكيف لا ترث؟ (١). قال أصحاب القرعة: يجب على المطلقة منهما عدة الطلاق، وعلى الزوجة عدة الوفاة، ولكن لما أشكلت المطلقة من الزوجة أوجبنا على كلِّ واحدةٍ منهما أن تعتدَّ بأقصى الأجلين، ويدخل فيه الأدنى، احتياطًا للعدة. فصل و لو طلَّق إحداهما لا بعينها، ثمَّ ماتت إحداهما لم يتعين الطلاق في الباقية وأقرع بين الميتة والحية (٢). وقال أبو حنيفة: يتعين الطلاق في الباقية (٣). وقال الشافعي: لا يتعين فيها، وله تعيينه في الميتة (٤). قالت الحنفية: هو مخيرٌ في التعيين، ولم يبق من يصح إيقاع

стр. 891

الطلاق عليها إِلَّا الحية، ومن خير بين أمرين ففات (١) أحدهما تعين الآخر (٢). وقال المقرعون: قد أقمنا الدليل على أنَّه لا يملك التعيين باختياره، وإنَّما يملك الإقراع، ولم يفت محله، فإنَّه يخرج المطلقة، فيتبين وقوع الطلاق من حين التطليق، لا من حين الإقراع، كما تقدم تقريره. قالت الحنفية: لا يصح أن يبتدئ في الميتة الطلاق (٣)، فلا يصح أن يعينه فيها بالقرعة، كالأجنبية. قال أصحاب القرعة: نحن لا نعين الطلاق فيها ابتداء، وإنَّما تبين بالقرعة أنَّها كانت مطلقة في حال الحياة. قال الحنفية: ماتت غير (٤) مطلقة، بدليل أنَّهُ يجوزُ أن تخرج القرعة عندكم على الحية، فتكون هي المطلقة دون الميتة، وإذا لم تكن مطلقة قبل الموت لم يثبت حكم الطلاق فيها بعد الموت كما لا يثبت الطلاق المبتدأ. قال المقرعون: إذا وقعت عليها القرعة تبينَّا أنها هي المطلقة في حال الحياة.

стр. 892

فصل فإن قيل: فما تقولون فيما إذا خرجت القرعة على امرأة، ثمَّ ذكر بعد ذلك أنَّ المطلقة غيرها . قيل: تعود إليه مَنْ وقعت عليها القرعة، ويقع الطلاق بالمذكورة، فإنَّ القرعة إنَّما كانت لأجل الاشتباه، وقد زال بالتذكر، إِلَّا أن تكون التي وقعت عليها القرعة قد تزوجت، أو كانت القرعة بحكم الحاكم، فإنَّها لا تعود إليه، نصَّ عليه الإمام أحمد (١). قال الخلال: أخبرني الميموني: أنَّه ناظر أبا عبد الله في مسألة الَّذي له أربع نسوة، فطلَّق واحدة منهن، ثمَّ لم يدر، قال: يقرع بينهنَّ، وكذلك في الأعبد، قلت: فإن أقرع بينهنَّ فوقعت على واحدة، ثمَّ ذكر التي طلق؟ قال: ترجع إليه، والتي ذكر أنَّه طلق يقع الطلاق عليها، قلت: فإن تزوجت؟ قال: هو إنَّما دخل في القرعة لأنَّه اشتبه عليه، فإذا تزوجت فذا شيءٌ قد مرَّ، فقال له رجل: فإن كان الحاكم أقرع بينهنَّ؟ قال: لا أحب أن ترجع إليه؛ لأنَّ الحاكم في ذا أخبر (٢) منه، فرأيته يغلظ أمر الحاكم إذا دخل في الإقراع بينهنَّ (٣).

стр. 893

وقد توقف في الجواب في رواية أبي الحارث، فإنَّه قال: سألت أبا عبد الله، قلت: فإن طلَّق واحدة من أربع وأقرع بينهنَّ، فوقعت القرعة على واحدة، وفرَّق بينه وبينها، ثمَّ ذكر وتيقين - بعدما فرَّق الحاكم بينهما - أنَّ التي طلَّق في ذلك الوقت هي غير التي وقعت عليها القرعة؟ قال: اعفني من هذه، قلت: فما ترى العمل فيها؟ قال: دعها، ولم يُجِب فيها بشيء (١). قلت: أمَّا إذا تزوجت فلا يقبل قوله: إنَّ المطلقة غيرها، لما فيه من إبطال حقَّ الزوج. فإن قيل: فلو أقام بينة أنَّ المطلقة غيرها. قيل: لا ترد إليه أيضًا، فإنَّ القرعة نصبت (٢) طريقًا إلى وقوع الطلاق فيمن أصابتها، ولو كانت غير المطلقة في نفس الأمر، فالقرعة فرقت بينهما، وتأكدت الفرقة بتزويجها. فإن قيل: فهذا ينتقض بما إذا ذكر قبل أن تنكح. قيل: أمَّا إذا انقضت عدتها وملكت نفسها، ففي قبول قوله عليها نظر، فإن صدقته أنَّ المطلقة كانت غيرها، فقد أقرَّت له بالزوجية، ولا منازع له، وأمَّا إذا ذكر وهي في العدة، فإن كان الطلاق رجعيًّا فلا إشكال، فإنه يملك رجعتها بغير رضاها، فيقبل قوله إنَّ المطلقة غيرها، وإن كان الطلاق بائنًا، فله عليها حق حبس العدة، وهي

стр. 894

محبوسة لأجله، والفراش قائمٌ من وجه (١)، حتَّى ولو أتت بولد في مدة الإمكان (٢) لحقه، فإذا ذكر أنَّ المطلقة غيرها كان القول قوله، كما لو شهدت بينة بأنَّه طلقها، ثمَّ رجع الشهود؛ ولكن لما كانت البينة غير متهمة ردت إليه مطلقًا، بخلاف قوله: إنَّ المطلقة غيرها، فإنَّه متهمٌ فيه، وكذلك لا ترد إليه بعد نكاحها، ولا بعد حكم الحاكم. والقياس: أنَّها لا ترد إليه بعد (٣) انقضاء عدتها وملكها نفسها (٤) إِلَّا أن تصدقه، ولهذا لو قال بعد انقضاء عدتها: كنت راجعتك قبل انقضاء العدة، لم يقبل منه إِلَّا ببينة أو تصديقها، ولو قال ذلك والعدة باقية قُبل منه؛ لأنَّه يملك إنشاء الرجعة (٥). وأمَّا إذا كانت القرعة بحكم الحاكم، فإنَّ حكمه يجري مجرى التفريق بينهما، فلا يقبل قوله: إنَّ المطلقة غيرها.

стр. 895

فصل فإن قيل: فما تقولون فيما رواه مهنا قال: سألت أبا عبد الله عن رجل له امرأتان مسلمة ونصرانية، فقال في مرضه: إحداكما طالق ثلاثًا، ثمَّ أسلمت النصرانية، ثمَّ مات في ذلك المرض قبل أن تنقضي عدة واحدة منهما، وقد كان دخل بهما جميعًا؟ فقال: أرى أن يقرع بينهما، قلت له: يكون للنصرانية من الميراث ما للمسلمة؟ قال: نعم، فقلت: إنَّهم يقولون: للنصرانية ربع الميراث، وللمسلمة ثلاثة أرباعه؟ فقال: لم؟ فقلت: لأنَّها أسلمت رغبة في الميراث، قال: وإن أسلمت رغبة في الميراث (١)، قلت: ويكون الميراث بينهما سواء؟ قال: نعم. فقد نصَّ على القرعة بينهما، ونص على قسمة الميراث بينهما على السواء، فما فائدة القرعة؟ ولا يقال: القرعة لأجل العدة، حيث تعتد المطلقة عدة الطلاق، فإنَّكم صرَّحتم بأنَّ كلَّ واحدةٍ منهما تعتدُّ بأقصى الأجلين، ويدخل فيه أدناهما، كما صرَّح به القاضي، وعلى هذا، فلا تبقى للقرعة فائدة أصلًا، فإنَّهما يشتركان في الميراث، ويتساويان في العدة. قيل: الإقراع لم يكن لأجل الميراث، فإنه قد صرح بأنه بينهما، وهذا على أصله، فإن المبتوتة ترث ما دامت في العدة، وغاية الأمر أن يكون قد عين النصرانية بالطلاق، ثم أسلمت في عدتها قبل الموت،

стр. 896

فإنها ترث، فلو طلقهما جميعا ثم أسلمت ورثتا جميعًا، وأما القرعة فلإخراج المطلقة؛ ليتبين أنَّه مات وإحداهما زوجته، والأخرى غير زوجته، فإذا وقعت القرعة على إحداهما تبين أنها أجنبية، وإنما ثبت لها الميراث لكون الطلاق في المرض، والعدة تابعة (١) للميراث، وما عدا ذلك فهي فيه أجنبية، حتَّى لو لم ينفق عليها من حين الطلاق إلى حين الموت لم يرجع في تركته بالنفقة. فإن قيل: فهو غير (٢) متهم في حرمان النصرانية؛ لأنه يعلم أنها لا ترث. قيل: التهمة قائمة؛ لأنها يجوز أن تسلم قبل موته. وأما قول من قال: للنصرانية ربع الميراث، وللمسلمة ثلاثة أرباعه، فلا يعرف من القائل بهذا، ولا وجه لهذا القول، وتعليله بكونها أسلمت رغبة في الميراث أغرب منه، والله أعلم. فصل فإن قيل: فما تقولون فيما رواه جابر بن زيد عن ابن عباس ﵄ في رجل له ثلاث نسوة، فطلق واحدة منهن، ولم يدر أيتهن، ثم مات، قال: "ينالهن من الطلاق ما ينالهن من الميراث" (٣)،

стр. 897

وما معنى ذلك؟ قيل: قد سئل عنه أبو عبيد فقال: معناه: يقع الطلاق عليهن، ويرثن جميعًا (١). وقال إسحاق بن منصور: قلت لأحمد: حديث عمرو بن هرم (٢): "ينالهن من الطلاق ما ينالهن من الميراث"؟ (٣) قال: أليس يرثن جميعا؟ قلت: بلى، قال: كذلك يقع عليهن الطلاق (٤). وهذا لا يدل على أن ذلك قول أحمد، ولا مذهبه، وإنما ذكره تفسيرًا لا مذهبًا، وهذا قد يحتج به مالك ومن قال بقوله في وقوع الطلاق على الجميع (٥). قلت: ويحتمل كلامه معنى آخر، وهو أن يكون المراد وقوع الطلاق على واحدة منهن تعين بالقرعة أو بغيرها، كما يحرم الميراث واحدة منهن، فيكون ما ينالهن من حكم الطلاق مثل الذي ينالهن من

стр. 898

حكم الميراث، وهذا - إن شاء الله تعالى - أظهر؛ فإن لفظه لا (١) يدل على أنهن يرثن جميعًا، ولا يمكن أن يقال ذلك إلا إذا كان الطلاق رجعيًّا، أو كان في المرض على أحد الأقوال، فكيف يطلق ابن عباس الجميع بطلاق واحدة، ويورث مطلقة بائنة طلقت في الصحة مع زوجات؟ وإذا فسر كلامه بما ذكرنا لم يكن فيه إشكال، والله أعلم. فصل قال حرب: قلت لأحمد: رجل له مماليك عدة، فقال: أحدهم حر، ولم يبين ؟ قال: هذه مسألة مشتبهة. قلت: قد نص (٢) في رواية الجماعة على أنه يخرج بالقرعة (٣)، نص على ذلك في رواية الميموني، وبكر بن محمد عن أبيه، وحنبل، والمروذي، وأبي طالب، وإسحاق بن إبراهيم، ومهنا. وقوله في رواية حرب: "هذه مسألة مشتبهة" توقف منه، فيحتمل أن يريد بالاشتباه: أنها مشتبهة الحكم، هل تعين باختياره أو بالقرعة؟ ولكن مذهبه المتواتر عنه أنه يعين بالقرعة. ويحتمل وهو أظهر - إن شاء الله تعالى - أن يريد بالاشتباه: أنه

стр. 899

يحتمل أن يكون إخبارًا عن كون أحدهم حرًّا، وأن يكون إنشاءً للحرية في أحدهم، والحكم مختلف (١)، فإن قوله: "أحدهم حر" إن كان إنشاءً فهو عتق لغير معين، وإن كان إخبارًا فهو خبر عن عتق واحد غير معين (٢)، فهذا وجه اشتباهها. وبعد، فإن مات ولم يبين (٣) مراده أخرج بالقرعة.

стр. 900

فصل قال مهنا: سألت أبا عبد الله عن رجل قال: أول غلام لي يطلع فهو حر، فطلع غلامان له: أو طلع عبيده كلهم؟ قال: قد اختلفوا في هذا، قلت: أخبرني ما تقول أنت فيه؟ قال: يقرع بينهم، فأيهم خرجت قرعته عتق (١). قال: وسألت أبا عبد الله عن رجل قال - وله أربع نسوة -: أول امرأة تطلع فهي طالق، فطلعن كلهن؟ قال: قد اختلفوا في هذا أيضًا، قلت: أخبرني فيه بشيء، فقال: قال بعضهم: يقسم بينهن تطليقة، قلت: أخبرني فيه بقولك، فقال: يقرع بينهن، فأيتهن خرجت عليها القرعة طلقت (٢). قلت: لفظ "الأول" يراد به ما يتقدم على غيره، ويراد به ما لا يتقدم عليه غيره، وعلى المعنى الأول: لا يكون أولًا إلا إذا تبعه غيره وتأخر عنه، وعلى المعنى الثاني: يكون أولًا، وإن لم يتأخر عنه غيره، فيصح على هذا أن يقول من لم يتزوج إلا امرأة واحدة، أو لم يولد له إلا ولد واحد: هذه أول امرأة تزوجتها، وهذا أول مولود ولد لي. وعلى هذا إذا قال: أول مولود (٣) تلدينه فهو حر، فولدت ولدًا، ثم لم تلد بعده شيئًا، عتق ذلك الولد (٤)، ولو قال: أول مملوك أشتريه

стр. 901

فهو حر عتق العبد المشتري، وإن لم يشتر بعده غيره، وإذا قال: أول غلام يطلع لي فهو حر، أو أول امرأة تطلع فهي طالق، فطلع منهم (١) جماعة، فكل منهم صالح (٢) لأن يكون أولًا، وليس اختصاص أحدهم بذلك أولى من الآخر، فيخرج أحدهم بالقرعة، فإنه لو طلع منهم واحد معين لكان هو الحر والمطلقة، فإذا طلع جماعة، فالذي يستحق العتق والطلاق منهم واحد وهو غير معين، فيخرج بالقرعة (٣). فإن قيل: إذا تساووا في الطلوع لم يكن فيهم أول، ولهذا يقال: لم يجئ أحدهم أول من الآخر، فلم يوجد الشرط، فلا يقع (٤) المعلق به، وإن كان الجميع قد اشتركوا في الأولية وجب أن يشتركوا في وقوع العتق والطلاق (٥). قيل: إن نوى وقوع العتق والطلاق بالجميع - إذا اشتركوا في ذلك - وقع بالجميع، وإنما كلامنا فيما إذا نوى وقوع العتق والطلاق في واحد موصوف بالأولية، فإذا اشترك جماعة في الصفة وجب إخراج أحدهم بالقرعة، فإن النية تخصص العام وتقيد المطلق، فغاية الأمر أن يقال: قد اشترك جماعة في الشرط، لكنه (٦) خصص بنيته

стр. 902

واحدًا. فإن قيل: فما تقولون فيما لو طلق ولم تكن له نية؟ قيل: لو أطلق، فإنما يقع العتق والطلاق بواحد لا بالجميع؛ لأنه قال: أول غلام يطلع، وأول امرأة تطلع، وهذا يقتضي أن يكون فردًا من جملة، لا مجموع الجملة، فكأنه قال: غلام من غلماني، وامرأة من نسائي، يكون أول مستحق العتق والطلاق، وكل واحد منهم قد اتصف بهذه الصفة، وهو إنما أوقع ذلك في واحد فيخرج بالقرعة. ومن لا يقول بهذا، فإما أن يقول: يعين بتعيينه، وقد تقدم فساد ذلك (١)، وأن التعيين بما جعله الشارع طريقًا للتعيين أولى من التعيين بالتشهي والاختيار. وإما أن يقال: يعتق الجميع ويطلقن، وهذا أيضًا لا يصح، فإنه إنما أوقع العتق والطلاق في واحد لا في الجميع، وكلامه صريح في ذلك. وإما أن يقال: لا يعتق واحد ولا تطلق امرأة، ولا يصح أيضًا؛ لوجود الوصف، فإنه لو انفرد بالطلوع، أو انفردت به، لوقع (٢) المعلق به، ومشاركة غيره له لا تخرجه عن الاتصاف بالأولية، فقد اشترك جماعة في الوصف، والمراد واحد منهم، فيخرج بالقرعة. فإن قيل: فما تقولون فيما لو قال: أول ولد تلدينه فهو حر،

стр. 903

فولدت اثنين لا يدري أيهما هو الأول؟ قيل: يقرع بينهما، نص عليه في رواية ابن منصور، قال: يقرع بينهما، فمن أصابته القرعة عتق (١)، وهذا نظير أن يطلع أحدهما قبل الآخر، ثم يشكل في مسألة التعليق بالطلوع. فإن قيل: فلو ولدتهما معًا، بأن تضع مثل الكيس، وفيه ولدان أو أكثر؟ قيل: يخرج أحدهما بالقرعة، على قياس قوله في مسألة أول غلام يطلع لي فهو حر، فطلعا معًا. قال في "المغني" (٢): ويحتمل أن يعتقا جميعًا؛ لأن الأولية وجدت فيهما جميعًا فثبتت الحرية فيهما، كما لو قال في المسابقة: من سبق فله عشرة، فسبق اثنان اشتركا في العشرة. وقال إبراهيم النخعي: يعتق أيهما شاء (٣). وقال أبو حنيفة (٤): لا يعتق واحد منهما؛ لأنه لا أول فيهما؛ لأن كل واحد منهما مساو للآخر، ومن شرط الأولية سبق الأول.

стр. 904

قال (١): ولنا أن هذين لم يسبقهما غيرهما، فكانا أولًا كالواحد، وليس من شرط الأول أن يأتي بعده ثان (٢)، بدليل ما لو ملك واحدًا ولم يملك بعده شيئًا، وإذا كانت الصفة موجودة فيهما فإما أن يعتقا جميعًا، أو يعتق أحدهما، وتعينه القرعة على ما ذكرنا من قبل (٣). قال: وكذلك الحكم فيما لو قال: أول ولد تلدينه فهو حر، فولدت اثنين وخرجا معًا، فالحكم فيهما كذلك (٤). فصل فإن ولدت الأول ميتًا والثاني حيًّا ، قال في "المغني" (٥): ذكر الشريف (٦): أنه يعتق الحي منهما، وبه قال أبو حنيفة (٧). وقال

стр. 905

أبو يوسف، ومحمد (١)، والشافعي (٢): لا يعتق واحد منهما، قال: وهو الصحيح إن شاء الله تعالى؛ لأن شرط العتق إنما وجد في الميت، وليس بمحل للعتق، فانحلت اليمين به. قال: وإنما قلنا: إن شرط العتق وجد فيه؛ لأنه أول ولد، بدليل أنه لو قال لأمته: إذا ولدت فأنت حرة، فولدت ولدًا ميتًا عتقت. ووجه الأول: أن العتق يستحيل (٣) في الميت، فتعلقت اليمين بالحي، كما لو قال: إن ضربت فلانًا فعبدي حر، فضربه حيًّا عتق، وإن ضربه ميتًا، لم يعتق، ولأنه معلوم من طريق العادة (٤) أنه قصد عقد يمينه على ولد يصح العتق فيه، وهو أن يكون حيًّا، فتصير الحياة مشروطة فيه، وكأنه (٥) قال: أول ولد تلدينه حيًّا فهو حر (٦). وقال صاحب (٧) "المحرر": إذا قال: إذا ولدت ولدًا، أو أول ولد

стр. 906

تلدينه، فهو حر، فولدت ميتًا ثم حيًّا، أو قال: آخر ولد تلدينه حر (١)، فولدت حيًّا ثم ميتًا، ثم لم تلد بعده شيئا، فهل يعتق الحي؟ على روايتين (٢). وإن قال: أول ما تلده (٣) أمتي حر، فولدت ولدين، وأشكل السابق، أعتق أحدهما بالقرعة، فإن بان للنَّاسي أنَّ الَّذي أعتقه أخطأته القرعة عتق، وهل يرق الآخر؟ على وجهين (٤). قلت: مسألة الأوَّل والآخر، مبنية على أصلين: أحدهما: أنَّه هل يسقط حكم الميت، ويصير وجوده كعدمه، لامتناع نفوذ العتق فيه، أو يعتبر حكمه كالحي؟ الأصل الثاني: هل من شرط الأوَّل أن يأتي (٥) بعده غيره، أو يكفي فيه كونه سابقًا مبتدءًا به، وإن لم يلحقه غيره؟ وأمَّا مسألة تعليق الحريَّة على مطلق الولادة ، ففيها إشكالٌ ظاهر. فإنَّ صورتها أن يقول: إذا ولدت ولدًا فهو حر، فإذا ولدت ميتًا ثمَّ حيًّا، فإمَّا أن نعتبر حكم الميت أو لا نعتبره، فإن لم نعتبره عتق الحي؛ لأنَّه هو المولود (٦) إن اعتبرناه وحكمنا بعتقه،

стр. 907

فكذلك (١) ينبغي أن يحكم بعتق الحي؛ لوجود الصفة فيه. فإن قيل: "إذا" لا تقتضي التكرار، وقد انحلت اليمين بوجود الأوَّل، وقد تعلَّق به الحكم، فلا يعتق الثاني (٢). قيل: هذا مأخذ هذا القول، لكن قوله: "إذا ولدت ولدًا" نكرة في سياق الشرط، فيعم كل ولد، وهو قد جعل سبب العتق الولادة، فيعم الحكم من وجهين، أحدهما: عموم المعنى والسبب، والثاني: عموم اللفظ بوقوع النكرة عامة. وهذا غير اقتضاء النكرة التكرار (٣)، بل العموم المستفاد من وقوع النكرة في سياق الشرط بمنزلة العموم في "أي" و"مَنْ" في قوله: أي ولد ولدته، أو مَنْ ولدته، فهر حرٌّ، فهذا لفظ عام، وهذا عام، فما الفرق بين العمومين؟ فإن قيل: العموم ها هنا في نفس أداة الشرط، والعموم في قوله: "إذا ولدت ولدًا" في المفعول الَّذي هو متعلق فعل الشرط، لا في أداته. قيل: أداة الشرط في "مَنْ" و"أي" هي نفس المفعول الَّذي هو متعلق الفعل؛ ولهذا نحكم على محل "مَنْ" (٤) بالنَّصب على

стр. 908

المفعولية، ويظهر في "أي"، فالعموم الَّذي في الأداة لنفس المفعول المولود، وهو بعينه في قوله: إذا ولدت ولدًا، اللهم إلَّا أن يريد التخصيص بواحد، ولا يريد العموم، فيبقى من باب تخصيص العام بالنية (١). فصل وقوله في مسألة ما إذا أشكل السابق: "إنَّه إن بأن أنَّ الَّذي أعتقه أخطأته القرعة عتق" أي حكم بعتقه من حين مباشرته، لا أنَّه ينشئ فيه العتق من حين الذكر، فإن عتقه مستند إلى سببه، وهو سابق على الذكر. وقوله: "هل يرق الآخر؟ على وجهين" مأخذهما: أنَّ القرعة كاشفة أو منشئة. فإن قيل: إنَّها منشئة للعتق، لم يرتفع بعد إنشائه القرعة (٢). وإن قيل: إنَّها كاشفة رق الآخر؛ لأنَّا تبينا خطأها في الكشف، ولا يلزم من إعمالها عند استبهام الأمر وخفائه إعمالها عند تبينه وظهوره. يوضحه: أنَّ التبين والظهور لو (٣) كان في أوَّل الأمر اختص العتق بمن يؤثر به، فكذلك في أثناء الحال.

стр. 909

وسر المسألة أن استمرار حكم القرعة مشروط باستمرار الإشكال فإذا زال الإشكال زال شرط استمرارها، وهذا أقيس (١). لكن يقال: قد حكم بعتقه بالطريق التي نصبها الشارع طريقًا إلى العتق، وإن جاز أن يخطئ في نفس الأمر، فقد عتق بأمر حكم الشارع أن يعتق به، فكيف يرتفع عتقه؟ وعلى هذا، فلا يبعد أن يقال باستمرار عتقه، وأنَّ من أخطأته القرعة يبقى على رقه؛ لأنَّ مباشرته بالعتق قد زال حكمها بالنسيان والجهل، والقرعة نسخت حكم تلك المباشرة وأبطلته، حتَّى كأنَّه لم يكن، وانتقل الحكم إلى القرعة، فلا يجوز إبطاله، فهذا لا يبعد أن يقال، والله أعلم. فصل قال الإمام أحمد في رواية بكر بن محمد عن أبيه، في الرجل يكون له امرأتان، وهو يريد أن يخرج بإحداهما، قال: يقرع بينهما، فتخرج إحداهما، أو تخرج إحداهما (٢) برضا الأخرى، ولا يريد القرعة؟ قال: إذا خرج بها فقد رضيت، وإلَّا أقرع بينهما (٣).

стр. 910

وهذا يدلُّ على أنَّ الإقراع بينهما إنَّما هو عند التشاحّ، فأمَّا إذا رضيت إحداهما بخروج ضرتها، فله أن يخرج بها من غير قرعة، وإن كرهت وقالت: لا أخرج إلَّا بقرعة، فليس لها ذلك، ويخرج بها بغير رضاها، فإنَّه يملك الخروج بها، وإنَّما وقف الأمر على القرعة عند مشاحة الضرة لها. فصل قال حرب: سألت أحمد عن القرعة (١) في الشراء والبيع ، قلت (٢): القوم يشترون الشيء، فيقترعون عليه؟ قال: لا بأس. وكذلك قال في رواية ابن بختان. ومعنى هذا: أنَّهم يشترون الشيء، ثمَّ يجزئونه أجزاء، ويقترعون على تلك الأنصباء، فمن خرج له نصيب أخذه. فصل قال أبو داود (٣): رأيت رجلين تشاحا في الأذان عند أحمد، قالا: يجتمع أهل المسجد، فينظر من يختارون، فقال: لا، ولكن اقترعا، فمن أصابته القرعة أذن، كذلك فعل سعد بن أبي وقاص (٤).

стр. 911

قلت: وهذا صريح في أنَّ التقديم بالقرعة مقدَّمٌ على التقديم (١) بتعيين الجيران (٢). فإن قيل: فهل تقولون في الإمامة مثل ذلك؟ قيل: لا، بل يقدم فيها من يختاره الجيران (٣)، فإنَّ القرعة قد تصيب من يكرهونه، ويكره أن يَؤُمَّ قومًا أكثرهم له كارهون (٤). قال أبو طالب: نازعني ابن عمي في الأذان فتحاكمنا إلى أبي عبد الله ﵀، فقال: إن أصحاب رسول الله ﷺ تشاحوا في الأذان يوم القادسية فأقرع بينهم سعد ﵁ (٥)، فأنا أذهب إلى القرعة، اقترعا (٦). قلت: وفي المسألة قول آخر، وهو أن تقسم نُوَب الأذان بينهم.

стр. 912

قال الخلال: أخبرنا الحسن بن عبد الوهاب (١) قال: وجدت في كتابي، عن طلق بن غنام (٢)، عن قيس بن الربيع، عن عاصم بن سليمان (٣)، عن أبي عثمان النهدي (٤)، عن ابن عمر: "أنَّ نفرًا ثلاثة اختصموا إليه في الأذان، فقضى لأحدهم بالفجر، وقضى (٥) للثاني بالظهر والعصر، وقضى للثالث بالمغرب والعشاء" (٦).

стр. 913

فصل قال مهنا: سألت أحمد عن رجل تزوج امرأة على عبد من عبيده؟ فقال: جائز. فقلت: له عشرة أعبد (١)؟ فقال: أعطيها من أحسنهم (٢). فقال أبو عبد الله: ليس له ذلك، ولكن يعطيها من أوسطهم، فقلت له: ترى أن يقرع بينهم؟ فقال: نعم؛ فقلت: تستقيم القرعة في هذا؟ فقال: نعم يقرع بين العبيد (٣). قلت: ها هنا ثلاث مسائل: إحداها: أن يوصي له بعبد من عبيده. الثانية: أن يعتق عبدًا من عبيده. الثالثة: أن يصدقها عبدًا من عبيده. ففي الوصية: يعطيه الورثة ما شاءوا؛ لأنَّه فوض الأمر إليهم، وجعل الاختيار لهم في التعيين. وفي مسألة العتق: يخرج أحدهم بالقرعة.

стр. 914

وفي مسألة المهر: روايتان، إحداهما: يعطي الوسط، والثانية: يعطي واحدًا بالقرعة (١). وإن أوصى أن يعتق عنه عبد من عبيده، فقال أحمد في رواية ابن منصور (٢) في رجل وصَّى، فقال: أعتقوا أحد عبديَّ هذين: يعتق أحدهما، ولكن إن تشاحا في العتق، يقرع بينهما (٣). فصل قال أبو النضر: سألت أبا عبد الله عن عبدٍ في يد رجل لا يدعيه، أقام رجل البينة أنَّ فلانًا باع هذا العبد مني بكذا وكذا، وهو يملكه، وأقام الآخر البينة على أنَّ فلانًا تصدق بهذا العبد علي، وهو يملكه، وأقام آخر (٤) البينة أنَّ فلانًا وهب هذا العبد لي، وهو يملكه، ولم يوقتوا وقتًا، والبينة عدول كلهم؟ قال: أرى البينة ها هنا تكاذبت، يكذب شهود كل (٥) رجل شهود الآخر، فاجعله في أيديهم، ثمَّ أقرع بينهم (٦)، فمن وقع له العبد أخذه وحلف، قلت: تحلفه بالله لقد باعني هذا العبد وهو يملكه، أو أنَّ هذا العبدَ لي؟ قال: هو واحدٌ إن شاء الله،

стр. 915

قلت: إلى أي شيء ذهبت في هذا؟ قال: إلى حديث أبي هريرة، حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن همام (١) حدثنا أبو هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ فذكر أحاديث منها: وقال رسول الله ﷺ : "إِذَا أُكْرِهَ الرَّجلانِ عَلَى اليَمِينِ أَوْ اسْتَحَبَّاهَا فَلْيستَهِمَا عَلَيْهَا" (٢). قلت: هذه هي (٣) المسألة التي ذكرها الخرقي في "مختصره" (٤)، فقال: ولو كانت الدَّابة في يد غيرهما، واعترف أنَّه لا يملكها، وأنَّها لأحدهما، لا يعرفه عينًا أقرع بينهما، فمن قرع صاحبه حلف وسلمت إليه. قال في "المغني" (٥): إذا أنكرهما من الدَّابة في يده، فالقول قوله مع يمينه بغير خلاف، وإن اعترف أنَّه لا يملكها، وقال: لا أعرف صاحبها عينًا، أو قال: هي لأحدكما لا أعرفه عينًا، أقرع بينهما، فمن قرع صاحبه حلف أنَّها له، وسلمت إليه، لما روى أبو هريرة ﵁: "أنَّ رجلين تداعيا عينًا لم يكن لواحدٍ منهما بينة، فأمرهما النبي ﷺ أن يستهما على اليمين، أحبا أم كرها" رواه أبو داود (٦)، ولأنَّهما
следующие страницы →